الحج قبل العهد السعودي .. الذاهب مفقود و العائد مولود

قبل تأسيس الدولة السعودية كانت الجزيرة العربية تموج في فوضى عارمة وعدم استقرار،

كونها كانت عبارة عن إمارات ومشيخات صغيرة، حيث يتعرض من يقصدها أو يغادرها الى السلب والنهب

الذاهب مفقود
كان الحجاج لا يمشون إلا في جماعة لسوء أحوال الأمن واضطرابه ،  وعندما كان الرجل ينوي الحج كان أقرباؤه وأصدقاؤه يودعونه وداع الفراق، وكانوا يقولون "الذاهب للحج مفقود والعائد منه مولود"،  فالحاج تجتمع عليه المخاطر وتتناوشه من كل جانب ، سواء كان قطاع الطرق أو الكوارث الطبيعية مثل السيول والأمطار أو شح المياه أو الحيوانات المفترسة التي تقابله في رحلته،  وفوق كل ذلك الإتاوات التي تدفعها القوافل للسماح لهم بالمرور

فتن وقتال في مكة


يؤكد محمد طاهر الكردي في كتابه «التاريخ القويم لمكة وبيت الله الكريم»، اشتعال عدد من الفتن و القتال داخل حدود الحرم خلال موسم الحج ، مشيرا إلى أنه و في شهر الحج من عام 1326 هـ اشتعلت فتنة بين الصفا و باب الوداع ، و ترامى الطرفان بالرصاص ، مما نتج عنها قتل عدة أنفار من العسكر و المدنيين

ويعزز إبراهيم رفعت صاحب كتاب «مرآة الحرمين» ما ذهب إليه محمد طاهر الكردي عن أحوال الأمن في مكة المكرمة في مطلع القرن العشرين الميلادي ، مؤكدا أن من كان يريد زيارة جبل النور، و هو جبل قريب من المسجد الحرام يوجد به غار حراء ،  أن يحمل معه الماء الكافي ، و أن يكون الحجاج على شكل جماعات يحملون السلاح حتى يدافعوا عن أنفسهم من اللصوص الذين يتربصون بهم لسلب أمتعتهم.
و يقول إبراهيم رفعت أيضاً إن سلطات ذلك الزمان التابعة للدولة العثمانية  كانت تقف موقف المتفرج من هذه الفوضى وإيذاء الناس و الحجاج حتى إنه حدث قتال في مكة  ليلة وصلنا من منى إلى مكة بين الأعراب أمام ديوان الحكومة دون أن يبالوا بها، وقد قتل في تلك المعركة ثمانية أشخاص .

قطاع طرق وسيول ووحوش


 و لم تكن مخاطر الحج وقفاً على اللصوص و قطاع الطرق فحسب ، بل كانت الطرق التي يسلكها الحجاج محفوفة بخطر السيول والأمطار ، سواء من داخل الجزيرة العربية أو خارجها ، حتى إن بعض حجاج الكويت يفضلون السفر بحراً ، لانعدام الأمن في الطرق البرية في الجزيرة العربية ، و رغم ما في السفر عن طريق البحر من مشقة ، حتى إنهم كانوا يسافرون إلى بومبي ومنها إلى جدة مروراً بالبحرين و دبي و بندر عباس و مسقط و كراتشي، ثم تبحر السفينة من بومبي إلى عمان ثم المكلا و عدن و بربرة حتى تصل إلى جدة، و كانوا يتجشمون هذه المشقة و لمدة حوالي الشهر تجنباً لمخاطر السفر بالبر.  
و مثل الحجيج من خارج الجزيرة العربية، كان كذلك من ينوي الحج من أهل الجزيرة يعانون أشد المعاناة عند توجههم للحج ، فكانوا يغادرون مناطقهم سواء من الجنوب أو الشرق عقب عيد الفطر في رحلة تستغرق شهرين على الجمال ومشياً على الأقدام، و كان بعضهم يموت في الطريق قبل الوصول إلى المشاعر بسبب المرض أو لدغ الثعابين، و كانوا يمشون في جماعات خوفاً من قطاع الطرق.

في عهد الأمن والأمان
 
يقول شكيب أرسلان أمير البيان الذي حج في عام 1348 هـ ، إنه ما أن تأسست الدولة السعودية ودخل الملك عبدالعزيز "رحمه الله "مكة المكرمة ، والذي كان همه الأول بسط الأمن و تأمين طرق الحجاج ، حتى عم الأمن والأمان ربوع المملكة العربية السعوية لا سيما منطقة مكة المكرمة والمدينة المنورة وأضاف: «لو لم يكن من مآثر الحكم السعودي سوى هذه الأمنة الشاملة الوارفة الظلال على الأرواح و الأموال التي جعلت صحاري الحجاز و فيافي نجد ، آمن من شوارع الحواضر الأوروبية، لكان ذلك كافياً في استجلاب القلوب واستنطاق الألسن في الثناء عليه».
ويروي شكيب كيف سقطت عباءته من السيارة عندما كان في الطريق الى الطائف فأخذ الناس يمرون فيرون هذه العباءة ملقاة على قارعة الطريق فلا يتجرأ أحد أن يلمسها، بل شرعت القوافل تتنكب عن الطريق عمداً حتى لا تمر على العباءة، فوصل خبرها إلى أمير الطائف فأرسل سيارة من الطائف أتت بها، وأخذ بالتحقق عن صاحبها فقيل له: إننا نحن مررنا من هناك وأن الأرجح كونها سقطت من سيارتنا، فجاء الأمير ثاني يوم يزورنا وسألنا: هل فقد لكم شيء من حوائجكم في أثناء مجيئكم من مكة؟ فأهبت برفاقي ليتفقدوا الحوائج فافتقدوها فإذا بالعباءة السوداء مفقودة، وكنا لم ننتبه لفقدانها، فقلنا له: عباءة سوداء إحسائية.
 

الملك عبدالعزيز يؤسس لأمن الحجيج


وفي وصف دال على اهتمام الملك عبدالعزيز "رحمه الله " بسلامة الحجاج يقول شكيب أرسلان: "كانت قوافل الحجاج من جدة إلى مكة المكرمة خيطاً غير منقطع والجمال تتهادى تحت الشقادف، وكثيراً ما تضيق بها السبيل على رحبها، وكان الملك - أيده الله - من شدة إشفاقه على الحاج وعلى الرعية لا يرفع نظره دقيقة عن القوافل والسوابل ولا يفتأ ينبه سائق سيارته بعدم العجلة،  وكل هذا لشدة خوفه أن تمس سيارته شقدفاً أو تؤذي جملاً أو جمالاً، وهكذا شأن الراعي البر الرؤوف برعيته، الذي وجدانه معمور بمعرفة واجباته.
و للدلالة على شيوع الأمن واستتبابه في أرض الحرمين ما جاء في كتاب "مشاهداتي في الحجاز" 1354 هـ، لمؤلفه عباس متولي الذي كان أستاذاً للشريعة في جامعة القاهرة) ، والذي يصف فيه ما لمسه من توفر الأمن في طرق الحجاج ، فقد تعطلت بهم السيارة في الطريق من مكة المكرمة الى المدينة المنورة ويقول: «جاء بعض الأعراب يطلبون إحساناً، فتقدم إلي أحدهم يطلب مني صدقة فأعطيت غيره متظاهراً بالغنى والثراء، فقال أعطني يا حاج، فقلت خذ ما تريد من جيبي! فقال: حرام عليك وما جنيت ؟ أتريد قطع يدي لا يا بوي لا أطلب شيئاً، فقلت : إننا في عزلة عنهم (يقصد بذلك الحكومة) ، فازداد الرجل إصراراً. فدهشت لهذا ورددت قول سيدنا عثمان بن عفان رضي الله عنه (إن الله ليزع بالسلطان أكثر مما يزع بالقرآن) وأعطيته ما تيسر، ولقد مكثنا في مكاننا إلى ساعة متأخرة من الليل ، أحضروا أثناءها الماء واللبن وأكرموا وفادتنا من غير أن يتعرض أحد منهم لنا بسوء». ويقول: "استتباب الأمن بهذا الشكل لم يوجد في الحجاز إلا بعد تنفيذ شريعة الله، وإقامة حدوده".
وفي كتابه (رحلة إلى الحجاز) يروي الأديب إبراهيم المازني حوادث ذات دلالة على استبباب الأمن وإقراره على يد الملك عبدالعزيز فيقول: "والطريق إلى مكة طريقان ؛ واحد للسيارات والآخر للجمال والمشاة ، وكانت الجمال تسير في قوافل ، و هي تحمل بضائع شتى في الصناديق و الأكياس والغرائر، و ليس معها سوى طفل واحد هو كل حرس هذه القافلة".

عصا ترد الناس


ثم يروي بعدها بأسلوبه الرشيق كيف فقد عصاه في الطريق من جدة إلى مكة، وبينما هم يستريحون في الشميسي، فوجئ بمسؤول الشرطة يسأل عما إذا كان لأحد من الوفد عصا، فأجابه المازني أنه صاحبها، فقال له لقد وجدت عصا في الطريق قرب الرغامة فقطعت على الناس السبيل حتى يجدوا صاحبها.
 ويعلق المازني على ذلك "سأتذكر دائماً بأن عصاي قطعت الطريق بين جدة ومكة ساعة كاملة لا تنقص دقيقة، بل ولا ثانية، وردت الناس من الجانبين ووقفتهم صفين من الناحيتين، متقابلين على أقدامهم، إلا من شاء أن يضرب في طريق آخر".
ويقول الأديب إبراهيم المازني للتدليل على عدم مبالغته فيما رواه عن عصاه وشيوع الأمن :"كنا في الطريق إذا بلغنا محطة واحتاج السائق إلى ماء يبرد به جوف السيارة التي تغلي، نصيح بأحد الواقفين: هات ماء، فلا يتزحزح ولا يدنو منا، بل يقول وهو واقف مكانه "تفضل" فينزل السائق و يجيء منه بما يريد ، وعندما سألنا عن هذه الجفوة ، قيل لنا هو الحذر من أن يدنو الغريب من السيارة فيتفق لسوء الحظ أن يضيع شيء من الأدوات أو مما تحمل السيارة فيتهم الرجل بالسرقة، وجزاء السارق قطع اليد، و قد أمن ابن سعود الناس على أرواحهم وأموالهم بذلك، حتى إن الناس يقعون على الشيء في الطريق فلا يقربونه أبداً، حتى يمر شرطي فيحمله و يبحث عن صاحبه، وإذا لم يقعوا على صاحبه نشروا في صحيفة أم القرى إعلاناً تحت عنوان "لقطات".


المصادر:

التاريخ القويم لمكة وبيت الله الكريم – محمد طاهر الكردي
مرآة الحرمين – ابراهيم رفعت باشا
الارتسامات اللطاف في خاطر الحاج الى أقدس مطاف - الأمير شكيب أرسلان
مشاهداتي في الحجاز – عباس متولي
رحلة إلى الحجاز – إبراهيم عبدالقادر المازني

 

 


مواضيع ذات صلة

الأخبار الرئيسية

أشتراك في القائمة البريدية