تمهيــد:
لقد
حبا الله – سبحانه وتعالى– هذه البلاد مكانة سامية بين دول العالم أجمع، فهي مهد
الإسلام ومنطلق الرسالة المحمدية الخالدة وقبلة المسلمين ومقصدهم من كل فج عميق
لأداء فريضة الحج ومناسك العمرة والزيارة.
وقد أضفى كل ذلك بالإضافة إلى الموقع الجغرافي المتميز والمساحة المترامية
الأطراف طابعاً خاصاً على النشاط الاقتصادي لسكانها على مر العصور، فقد كانت أرض
الجزيرة ملتقى لطرق التجارة منذ القدم، فأتقن أهلها قواعد التعامل مع الآخرين،
وبرعوا في استغلال مواردهم المحدودة لعقد الصفقات وتلبية احتياجاتهم الضرورية.
وعندمـــا بدأ توحيد هذا الكيـــان
الكبير، لم تكن أنشطة أهله الاقتصادية تختلف عما كانت علــــيه قديماً، إذ كان
أهمها النشــــاط الزراعي والرعي والتجـــارة، وباستقرار الأوضاع وانتشار الأمن
شرع جلالة الملك المؤسس – رحمه الله – في إرساء أسس الدولــــة وتوفير مقومات
الحياة فيها على الرغم من تواضع موارد الدولة آنذاك وتزايــــد مهامها . إلى أن
تدفق النفـــط بكميات تجارية عام 1358هـ فكان ضالة الملك عبد العزيز – رحمه الله–
لتحقيق تطلعاته الطموحة وأمانيه في تطوير هذه البلاد وتنمية مختلــــف الجوانب
الاقتصادية والاجتماعية، وأصبحت عوائد النفط هي المحرك الرئيس للاقتصاد ، وتوفير
فرص الأعمال فضلاً عن ازدهار التجارة والزراعة نتيجة لتوسع الدولــة في الإنفاق.
1–
خلفية تاريخية عن القطاع الخاص في المملكة :
لئن
كان يؤرخ للانطلاقة الاقتصادية الحديثة في المملكة من عام 1368هـ/1948م حين بدئ في
إعداد أول ميزانية رسمية، فإن مما يسجل للقطاع الخاص تقديره الواعي وحسن تجاوبه
المبكر مع توجهات الدولة ؛ إذ انعكس ما قام به جلالة الملك المؤسس من إصلاحات في
حفز ذلك القطاع ورجاله الأوائل،فعمدوا إلى التوسع في أنشطته التقليدية، واقتحموا
مجالات أعمال جديدة علي الرغم من حداثة العهد بها ، وأقبلوا على الإسهام في تكوين
الشركات في ميادين شتى،وتابعوا مسيرتهم
بخطوات حثيثة برعاية من الدولة ، وبما فتحت لهم من آفاق من خلال المشاركة في تنفيذ
المشروعات التنموية التي تمت حتى نهاية عقد الثمانينيات الهجرية، ثم تبوأ القطاع الخاص مكانته بصفته المحور
الأساسي في تنفيذ خطط التنمية ابتداءً من الخطة الأولى (1390–1395هـ) لينطلق من
تجربة فريدة لا تحده تواضع الإمكانات والخبرات، ليحدث نقلة نوعية في تطوير
قدرات تنسجم مع أبعاد النهوض بمتطلبات تلك الخطط الطموحة، والاستفادة من جميع
تجاربها الثرية،وما حملته إلى المملكة من خبرات دولية وتقنيات متقدمة، ليصبح
مؤهلاً لدوره المكمل لجهود الدولة في مسيرة التنمية الاقتصادية والاجتماعية.
وفيما يلي لمحة عن الأوضاع السائدة في
بداية توحيد المملكة،ثم في مرحلة تطورها لاحقاً قبل اكتشاف النفط وبعده.
أولاً: النشاط الاقتصادي:
تمثل
النشاط الاقتصادي للغالبية العظمى من السكان في الزراعة والرعي وتربية الماشية
والاستفادة بما ينتج منها، فيما اشتغل بعضهم في المدن الكبرى والسواحل
بالتجارة،وخدمة حجاج بيت الله الحرام،وصيد الأسماك،واستخراج اللؤلؤ.
1 – الزراعة:
كانت النشاط الرئيس للفئة الغالبة من
سكان القرى والأرياف، وعلى الرغم مما لها من أهمية ومكانة إلا أنها كانت تستعمل
طرقاً بدائية، ووسائل أولية أدت مع ندرة المياه وقلة خصوبة التربة إلى شح الإنتاج
الزراعي،وعدم قدرته في معظم الأحيان على تلبية الاستهلاك المحلي([1]) .
2 – الرعي وتربية
الماشية :
وقد اشتغل بهذا النشاط أهل البادية من
القبائل والعشائر التي تميزت بنمط العيش غير المستقر من الذين يجوبون الصحراء
بحثاً عن الماء والكلأ،ويشتغلون بالمنتجات المشتقة من أصواف ماشيتهم وأوبارها
وأشعارها وألبانها([2]).
3 – التجارة :
أما التجارة فقد احتلت المرتبة الأولى
في اقتصاديات المدن،وخاصة على سواحل البحر الأحمر في جدة وفي مكة المكرمة
والطائف،وعلى سواحل الخليج العربي في القطيف والعقير ودارين، ويتراجع هذا النشاط
إلى المرتبة الثانية بعد الزراعة في القرى والأرياف،وبعد الرعي وتربية الماشية في
الصحاري.
والنشاط التجاري لا ينمو بمعزل عن غيره
من الأنشطة، ففي ظل الظروف التي سبقت الإشارة إليها، تركزت المعاملات التبادلية في
ذلك الوقت على المنتجات المحلية،وما يجلب من سلع مختلفة من الخارج،وهي مبادلات
محدودة بطبيعتها تبعاً لتأثر الأنشطة بواقع الاكتفاء الذاتي، وانعكاس ذلك على
الاحتياجات الإنتاجية والطلب على السلع، ثم
لأثر صعوبة المواصلات وانعدام الأمن وانعزال المناطق في الداخل عن بعضها وعن الخارج ، وكانت أغلب المعاملات
التجارية تنعقد بالمقايضة أو فوراً بالنقد لعدم انتشار البيع بالأجل. أما التعامل المالي فكان يتم بعملات أجنبية
(ذهبية وفضية)، وهي غير موحدة بل تختلف من منطقة لأخرى تبعاً لاتصال كل منطقة بغيرها جغرافياً وتجارياً
وسياسياً.
وقد كانت مدينة جدة أهم مركز تجاري في
تلك المدة لكونها البوابة الرئيسة للوصول إلى الأماكن المقدسة ، واكتسب ميناؤها
أهمية كبرى؛إذ أصبح يستقبل مراكب إنجليزية وعثمانية وهندية ووطنية،ويزخر بأنواع من
البضائع،وأصناف من المنتجات وخاصة في موسم الحج([3]) .
4 – الصناعة :
لم تكن هناك صناعة بالمفهوم المتعارف
عليه([4])،
وإنما عرفت في بعض أنحاء المملكة بعض الصناعات المهنية اليسيرة كصياغة الحلي
والجواهر، والحدادة مثل صناعة السيوف والرماح والأواني المنزلية والمحاريث
والفؤوس، والنجارة كتصنيع الأبواب والنوافذ مع البراعة في زخرفتها وتلوينها، ومن
الصناعات الجلدية القرب والأحذية والأحزمة،وكذلك الصناعات الفخارية والمنسوجات
اليدوية ، والصناعات التي تقوم على سعف النخيل كالحصر والأقفاص والزنابيل والمراوح
اليدوية وسفر الطعام والحبال. ومن الجدير بالذكر أن الناس لم يكونوا يحبذون العمل
في هذه المهن،ويفضلون عليها العمل في الزراعة والتجارة أو الرعي ؛ ولهذا كانت نسبة
العاملين في هذا النشاط قليلة([5]).
5 – صيد السمك :
زاول هذا النشاط سكان سواحل المملكة
مورداً للرزق والغذاء، وتفنن الصيادون في أعمال
الصيد وتطوير وسائله وأدواته،وعرفوا أوقاته وأماكنه ، وصدروا الفائض منه بعد
تجفيفه إلى المناطق المجاورة([6]) .
6 – صيد اللؤلؤ :
اللؤلؤ جوهر ثمين عرف منذ القدم ، وتعد
سواحل الخليج العربي من أفضل أماكن وجوده في العالم، وقد اجتذب صيده وبيعه عدداً
قليلاً من أبناء الجزيرة العربية،وعرف صيد اللؤلؤ على ساحل البحر الأحمر بشكل
محدود([7]).
ثانياً
: أسباب ضعف النشاط الاقتصادي:
يتبين من العرض السابق أن النشاط
الاقتصادي في تلك الحقبة كان محدوداً إلى درجة كبيرة ، ولعل من أهم الأسباب التي
أدت إلى ذلك ما يأتي:
1– قلة الموارد وانعدام الناتج الزراعي
والحيواني،ولاسيما في سنوات الجدب وقلة الأمطار.
2– صعوبة المواصلات وبساطة وسائل النقل ، فلم تكن
هناك طرق معبدة، وإنما طرق صعبة وعرة المسالك لا يعرفها إلا القليل من الناس ، ولم تكن وسائل النقل سوى
الإبل ومراكب صغيرة في البحر.
3– الخوف والفوضى وانعدام الأمن، فلم تكن القوافل
التجارية الداخلية والخارجية وحتى قوافل الحجاج بمأمن من التعدي عليها.
ثالثاً
: حركة التوحيد والإصلاح:
في الخامس من شهر شوال عام 1319هـ تمكن
الملك عبدالعزيز – رحمه الله – من دخول الرياض، واستعادة حكم آل سعود فيها، ثم
قضى بعد ذلك أكثر من ربع قرن في الجهاد والنضال إلى أن استتب له الأمر ، وبسط
نفوذه على هذه البلاد، وأصدر أمره الكريم رقم 2716 وتاريخ 17/5/1351هـ بإطلاق اسم
المملكة العربية السعودية عليها ابتداءً من يوم الخميس 21/5/1351هـ([8])،
وبذلك تمت حركة التوحيد والإصلاح التي تعد فتحاً لأبواب المستقبل الزاهر وإيذاناً
بنهاية الخوف والتشتت والجهل، ومولد دولة حديثة تقوم على الوحدة والأمن وانتشار
العلم. رسم جلالة الملك المؤسس – رحمه
الله – معالم تقدمها وتطورها وتابعه من بعده أبناؤه لتمضي المسيرة المظفرة في نهضة
مباركة شملت كل مرافق الدولة ، وأصبحت المملكة العربية السعودية نموذجاً فريداً في
سرعة نموها بين دول العالم.
رابعاً:
أثر حركة التوحيد والإصلاح على النشاط الاقتصادي:
أثرت حركة التوحيد والإصلاح التي قادها
الملك عبد العزيز – رحمه الله – على مختلف جوانب الحياة في المملكة، والنشاط
الاقتصادي أحد جوانبها، حيث شهدت تغيرات جذرية وتطورات بالغة. ونوجز أهم آثار حركة
التوحيد والإصلاح على تطور النشاط الاقتصادي فيما يأتي:
1
– الأمـــن:
أدرك الملك عبد العزيز – رحمه الله –
منذ البداية أن أرواح الناس وأموالهم وقوافلهم التجاريـــة وقوافـــل الحجاج
ستظـــل عرضة للاعتداء عليها في الصحراء، فعمـــد إلى تطهير الباديــــة من
شـــرور الغزو والحاجة إلى ذلك حيــث عمل على تحقيق مــا يــأتي:
– تحضير البدو عن طريق الهجر التي أقامها وحفر فيها
الآبار الارتوازية، ووفر لأهلها آلات الفلاحة والزراعة، وأسعفهم بالضروري من القوت
عند إصابة غلال مزارعهم ببعض الآفات.
– إحكام رابطة القبيلة بشيوخها، وقرب الشيوخ وخصهم
بمنحة موسمية أو شهرية ثابتة من أرز وسكر ودقيق وغير ذلك مما يكفي لسد حاجة
القبيلة في حال قحط المراعي، وجعل للقبائل سجلاً في ديوانه، وسهل لكل منهم سبل
الاتصال به أو بأمراء المقاطعات.
– بث الدعاة في القبائل ليعلموا الناس أمور دينهم ،
واتباع ما أمر الله به ، واجتناب ما نهى عنه ، وأن ما يسمونه الغزو محرم في
الإسلام.
– جعل القبيلة متضامنة متكافلة في المسؤولية لمنع
وقوع أي جريمة فيها أو بجوارها.
– متابعة أخبار الجرائم الكبيرة بنفسه ، والحرص
دائماً على سرعة البت فيها بإحالة المجرم إلى القضاء ، وتنفيذ الحكم دون إمهال.
2
– تطور الأنشطة التجارية:
أرسى جلالة الملك عبد العزيز – رحمه
الله – دعائم الحكم على أساس التزام الدولة، وتمسكها بمبادئ الشريعة الإسلامية،
ومنها حرية التملك، وصيانة الملكية الفردية وحمايتها، وحرية النشاط الفردي في إطار
المصلحة العامة، واحترام العهود والمواثيق، وضمان نزاهة التعامل، وقد تأكد منذ
بدايات حكمه – طيب الله ثراه – حرص الدولة على تحقيق التوازن بين المصالح المختلفة
للمواطنين سواء كانوا تجارًا أم مستهلكين بما في ذلك إقرار التدابير المناسبة
لاستقرار الأسواق، وتوفير احتياجات المستهلكين.
ولقد كان النشاط التجاري – كما أسلفنا
– من أقدم الأنشطة التي زاولها القطاع الخاص في المملكة، وقد قامت في البلاد حركة
تجارية متنامية عمادها عدد من الأسر التجارية العريقة والشركات ووكالات الاستيراد
التي كان لها إسهامها المشهود في بناء الكيان الاقتصادي للمملكة، واتسعت أعمالها،
وتطورت أنشطتها في ظل الحكم الجديد بعد شيوع الاستقرار في ربوع البلاد ، واستتباب
الأمن في أرجائها الفسيحة، واتجاه الدولة إلى دعم فرص العيش الكريم ودعمها
لأبنائها. وعلى الرغم من قلة الموارد في
ذلك الوقت فقد كانت مشروعات التنمية الأولى إيذانًا ببداية عهد جديد للقطاع الخاص
في المملكة إذ اضطلع ذلك القطاع بالحركة التجارية، وتلبية احتياجات تلك المشروعات
ولاسيما قطاع المقاولات باستيراد مواد البناء والآلات إلى جانب تأمين
احتياجات الحجاج والزائرين، وقد تزايدت
أعدادهم مع الاستقرار واستتباب الأمن، ونشطت حركة السفن القادمة إلى موانئ الحجاز
بتزايد حجم الواردات مع انفتاح المملكة على العالم العربي والخارجي ، وعقدت
الاتفاقيات التي تنظم التعامل التجــاري، حيث أبرمت أول اتفاقية تجارية مع
الولايات المتحدة الأمريكية في عام 1933م اعتمد في إطارها معاملة الدولة الأولى
بالرعاية بين البلدين.
ولعل البدايات الأولى لنمو القطاع
الخاص وتوسع مجالات أعماله تتضح من متابعة تطور النشاط الاقتصادي في المنطقتين
الشرقية والغربية من البلاد؛حيث توافرت لهما الظروف المواتية للانطلاق والتطور من
بداية مسيرة التأسيس المظفرة.
ففي المنطقة الشرقية كانت التجارة تمثل
النشاط الثالث بعد الزراعة والغوص حيث ظلت تجارة اللؤلؤ في انتعاش حتى عام 1347هـ.
وفي سنة 1355هـ قامت شركة كاليفورنيا
أربيان أويل الأمريكية (كاسوك) بمشاركة تكساس أويل الأمريكية بالتنقيب عن النفط في
المملكة بعد الحصول على امتياز التنقيب عن النفط واستغلالـــه في المنطقة الشرقية،
وقد عثر على كميات كبيرة منه في عام 1357هـ على عمق ألف وأربعمائة وواحد وأربعين
متراً في منطقة أطلق عليها اسم (المنطقة الجيولوجية العربية) . وفي الثامن من ربيع
الأول من عام 1358هـ صُدِّر أول شحنة من النفط السعودي زنتها عشرة آلاف طن على
الناقلة د.جي سكوفيلد في احتفال رسمي أقيم تحت رعاية الملك عبد العزيز.
وقد أدى اكتشاف النفط إلى إتاحة فرص
عمل هائلة بأجور دائمة ومتزايدة وظروف عمل مريحة مع توافر السكن والإعاشة، فتقاطرت
الأمواج البشرية على المنطقة الشرقية لتعمل بالقرب من أبراج التنقيب عن النفط
وحقوله؛ ونظراً لأن مصادر السوق المحلية كانت محدودة لا تستطيع أن تفي بالاحتياجات
المتعددة لشركة النفط والعاملين الذين
وفدوا للعمل فيها، فقد بدأت الشركة بالاعتماد على الأسواق الخارجية مباشرة في
تأمين احتياجاتها([9])،
ولم يكن من الممكن أن يستمر الوضع على ما كان عليه في استيراد الخضر والفواكه من
الخارج، كما أن الأعداد المتزايدة من المستهلكين كانت حافزاً لتوسيع أعمال تجار
المنطقة سواء في مجال الإنتاج أم التوزيع.
وهكذا أدت هذه التطورات إضافة إلى
توافر الخدمات ووسائل النقل والطرق إلى إتاحة فرص مغرية للتوسع في التجارة
الداخلية ، وتشجيع المستثمرين على الدخول في مجالاتها سواء كانوا من أهل المنطقة
أم من أصحاب الخبرات الذين انتقلوا من المدن الأخرى إلى هذه المدن والمراكز
الجديدة.
كما أسهمت في إبراز أهمية تلبية
الاحتياجات التي لا يمكن توفيرها من الإنتاج المحلي إلى استيرادها من الدول
المجاورة، وتوسع هذا التوجه مستقبلاً إلى الاستيراد من مختلف مصادر الإنتاج
العالمية مما نشأ عنه أهمية التمثيل التجاري لبعض الشركات العالمية المنتجة بدلاً
من الاستمرار بصفتهم موزعين فقط لمنتجات تلك الشركات.
وأعقب ذلك بروز طائفة من المقاولين
الوطنيين الذين نشطوا لتأمين الاحتياجات المتزايدة للخدمات اللازمة لأعمال النفط
واستخراجه وتصديره، ففي عام 1367هـ أبرمت الدائرة الاقتصادية لشركة الزيت العربية
الأمريكية 257 مقاولة بلغ مجموع أعمالها 8 ملايين ريال، وكان أهم تلك الأعمال
تأمين وسائل النقل والإنشاءات الحديثة وصيانتها، ورصف الطرق،وتأمين بعض أنواع
المواد الغذائية، وصناعة الآجر، وتكسير الصخور ، وبناء مساكن العمال ، وإقامة
الأسوار والحواجز وغيرها([10]).
وباتساع هذه الأنشطة وتزايد اعتماد
الشركة على جهود الرعيل الأول من المقاولين الوطنيين بما كان لهم من كفاءة وحسن
تعامل نشأ جيل جديد من رجال الأعمال المتمتعين بالخبرة ، كما أسهم مردود الأعمال
المنفذة في تطوير اقتصاد المنطقة وازدهاره ، ودخول مستثمرين مجالات تأسيس شركات
صناعية وتجارية وزراعية. وكان أهم تلك
المجالات وأبعدها أثراً في التطور إنشاء شركات محلية لتوليد الكهرباء، فقد كانت
حافزاً جيداً أتاح قيام صناعات وخدمات تعتمد على استعمال الطاقة الكهربائية لأول
مرة بالمنطقة. إضافة إلى أن السماح للقطاع
الخاص من البداية بإنشاء الشركات العاملة وإدارتها في هذا المرفق الحيوي يكشف عن
رؤية مبكرة أرست لها الحكومة مبدأ تملك
القطاع الخاص لخدمات المرافق العامة قبل سنوات عدة من طرح فكرة تحويل تلك المرافق
للملكية الخاصة (التخصيص)، وفي ذلك تأكيد للإستراتيجية الثابتة للمملكة الهادفة
إلى زيادة دور القطاع الخاص في جميع المجالات.
وفي المنطقة الغربية اصطبغ النشاط
الاقتصادي بصبغة خاصة لوجود المدينتين المقدستين،وتوافد المسلمين من شتى بقاع
الأرض لأداء مناسك الحج والعمرة والزيارة عبر مدينة جدة – بوابة الحج الرئيسة –
التي كانت علي الرغم من تواضع إمكانات مينائها مركزاً للحركة التجارية للمنطقة
الغربية بصفة خاصة، وبعد دخول الملك
عبد العزيز – رحمه الله – مدينة جدة أعدت لتكون مقرًّا رسميًّا للبعثات
الدبلوماسية، وربطها بمكة المكرمة بطريق حديث كما أنشئ ميناء جوي بها، وتطوير
مينائها البحري وتجهيزه.
وقد زاول غالبية السكان في الحجاز
النشاط التجاري إلى جانب الخدمات المتصلة بالحج، ومع استتباب الأمن وتحقق
الاستقرار شرعت الحكومة في تكثيف جهودها للنهوض بأوجه الحياة في البلاد، فازدهر النشاط
التجاري الذي كان عماده مجموعة من الأسر العريقة ذات الجذور القديمة في ممارسة
الأعمال التجارية، التي لم يقتصر أثرها على ذلك، بل كانت لها مشاركة مؤثرة في
الحياة العامة، وتحمل أعباء الكثير من احتياجات المجتمع في حقبة قلة الموارد،
وكانت إسهاماتها الخيرة والإنسانية وخاصة في إنشاء بعض المدارس ودور العلم
والإنفاق على احتياجاتها بالكامل، وإقامة المساكن التي كانت تسمى الأربطة ومفردها
(رباط) لإيواء المحتاجين والعجزة، خير مثال على التكافل في هذا البلد الكريم.
ونتيجة لاهتمام الحكومة بإدخال
السيارات وبناء الطرق استعملت السيارات في نقل الحجاج إلى كل من مكة المكرمة
والمدينة المنورة، وما لبث أن تكونت شركات خاصة لنقل الحجاج بعد أن كان يتم ذلك
بجهود فردية، ومع تطور حركة النقل اندمجت مجموعة من الشركات الخاصة في شركة موحدة
أطلق عليها (الشركة العربية للسيارات) . ثم بتحسن الأوضاع بعد اكتشاف النفط، ومع نجاح فكرة
تكوين الشركات وقبول مبدأ انفصال الملكية عن الإدارة في الأعمال التجارية
وتحقيق الربح من خلال العمل الجماعي، تألفت شركات عدة بمبادرات من رجال الأعمال
والاقتصاد المرموقين مما سهل قيام شركات فيما بعد أوسع باعاً وأكثر مساهمين
وأموالاً ، منها شركات للكهرباء في مكة المكرمة وفي الطائف وفي المدينة المنورة
والرياض، وشركات للأسمنت والغاز والجلود وغيرها، واستمر هذا التوسع في إنشاء
الشركات بأنواعها حتى بلغ عددها (8963) شركة مسجلة بوزارة التجارة في مختلف أنحاء
المملكة مع بداية عام 1998م، وكان ذلك دافعًا للتوسع في مجال التصنيع([11])،
فضلاً عن تطوير الأنشطة التقليدية التي كانت تعتمد على وسائل يسيرة بفضل ما توافر
لها من إمكانات وتقنيات حديثة.
ومن هنا نجد أن أهمية القطاع التجاري
تكمن –تاريخياً– في أنه كان بداية للأنشطة الاقتصادية المختلفة ووسيطاً بينها، وقد
توسع دوره مع نمو الدخول، واتساع المدن والعمران ، وقيام المراكز الحضارية الحديثة
في التسويق والتوزيع سواء للأفراد أم المؤسسات أو حتى للحكومة.
2 – دور الدولة في نمو القطاع الخاص وتطوره
يحكم ممارسة النشاط الاقتصادي في
المملكة العربية السعودية المبادئ السامية التي جاءت بها الشريعة الإسلامية الغراء
التي تعطي الأفراد الحرية في السعي والكسب وتقتصر سلطة الدولة بموجبها على الرقابة
والإشراف والتوجيه، وممارسة بعض الأنشطة بنفسها إذا تطلب الحال ذلك بشكل مؤقت
ولمدة لا تتجاوز حدود نشوء الحاجة وتزول بزوالها.
وعلى هذا فإن المملكة لا تقيد حرية
الأفراد في مباشرة أنشطتهم الاقتصادية في المجالات المشروعة، كما أنها لا تضيق من
حدود هذه الحرية لصالح النشاط الحكومي، بل إن الحكومة تحرص على عدم منافسة الأفراد
في كثير مما يقومون به، كما أنها لا تفرض عليهم من الأعباء ما قد يعيق مباشرة
الأنشطة الخاصة ، وإنما أخذت بأيدي رجال الأعمال
وساعدتهم بما قدمته من حوافز وتيسيرات شتى ، وكان هذا موقفها من القطاع
الخاص منذ بداية المسيرة ولا يزال.
وبصدور النظام الأساسي للحكم أكدت
المملكة اعتمادها مبدأ حرية المواطن في ممارسة مختلف النشاطات الاقتصادية وعده من
الأسس الراسخة لنظام الحكم، حيث نصت المادة السابعة عشرة من ذلك النظام على أن
الملكية ورأس المال والعمل مقومات أساسية في الكيان الاقتصادي والاجتماعي للمملكة
، وهي حقوق خاصة تؤدي وظيفة اجتماعية وفق أحكام الشريعة الإسلامية([12]).
وحين أخذت الدولة زمام المبادرة في
تنمية قطاعات الاقتصاد الوطني واعتمدت الإنفاق الحكومي محركاً أساسيًّا لعملية
التنمية، تأكد مجدداً الالتزام بالمبادئ نفسها، وهي([13]):
أولاً:
الشريعة الإسلامية والمنهج الذي ينص على حرية النشاط الاقتصادي للأفراد وتشجيعها لذلك.
ثانياً: فلسفة اقتصاد السوق المفتوحة لجميع الأفراد
والجماعات ، وضمان الدولة حرية التعامل
لهم ، واعتماد ذلك في وثائق خطط التنمية.
وعلى هذا فقد
ظل القطاع الخاص محوراً مهماً للنشاط الاقتصادي، وتضمنت خطط التنمية الخمسية
المتعاقبة العديد من المبادئ والضمانات المؤيدة لذلك ، ومنها:
1– أن غاية خطط التنمية إيجاد المناخ الاقتصادي الذي
يساعد الفرد في الحصول على عمل يتناسب مع إمكاناته وقدراته ، ويتيح له الاعتماد
على نفسه في تحصيل رزقه والإسهام في بناء وطنه([14]).
2– تشجيع المشاريع الخاصة –الشركات الكبيرة والصغيرة
والمؤسسات الفردية– على القيام بالنشاطات التي تستطيع القيام بها تحقيقاً لهدف
تنويع القاعدة الاقتصادية([15]).
3– مع ضمان الدولة الحد الأدنى من مستوى المعيشة
الكريمة لأفراد المجتمع ممن تكون ظروفهم غير مواتية، فإنها تعد مستويات المعيشة فوق
الحد الأدنى التي يبلغها الآخرون حقاً خالصاً لهم مقابل جهودهم، وبحسب ما لديهم من
مواهب وملكات([16]).
4– رغم عظم العمل الذي أخذته الدولة على عاتقها في
مراحل التنمية، فإنها التزمت بتشجيع القطاع الخاص وإعطائه الفرصة إلى جانبها واضعة
في الحسبان أن يتقلص دورها في النهاية لحساب دوره([17]).
2 – 1 إقامة التجهيزات الأساسية اللازمة لمرافق
الاقتصاد الوطني:
يطلق تعبير البنية الأساسية أو التحتية
INFRASTRUCTURE على الوسائل المادية والمقومات الهيكلية التي تعد
العمود الفقري للاقتصاد الوطني ، وتتمثل في الطرق والموانئ والمطارات والاتصالات
والكهرباء والمياه والسدود وخدمات التعليم والصحة والمصارف وغيرها، وتستهدف إيجاد
بيئة مواتية ومناخ ملائم للتنمية الاقتصادية. ومن أبجديات إحداث التنمية أنه لا بد
من توافر هذه الخدمات عند التفكير في جدية إقامة المشروعات الإنتاجية والخدمية
وتوزيعها على نطاق واسع، ولاسيما في المناطق البعيدة عن المدن الأمر الذي يتطلب
الاستثمار المكثف في تلك المرافق لزيادة كمية الخدمات ونوعيتها التي توفرها في
أنحاء البلاد.
وقد كان تواضع إيرادات الدولة في
المراحل الأولى للتأسيس من أهم المعوقات التي حدّت من التطور والتنمية، وزاد الأمر
صعوبة اتساع مساحة المملكة التي تمثل 80% من مساحة شبه الجزيرة العربية وترامي
أطرافها وتنوع بيئاتها وتضاريسها فضلاً عن أن مشاريع البنية الأساسية بطبيعتها
عالية التكلفة، كما أن الأمر لا يقتصر على مجرد إقامة حجم معين من البنية الأساسية
والتوقف عنده أو الاكتفاء به ، وإنما لا بد من أن يكون هناك تناسق باستمرار بين
البنيان الاقتصادي وحجم تلك البنية لتلافي المعوقات، وعلى هذا فكلما اتسع حجم
البنيان بدت الحاجة إلى ضرورة التوسع في البنية.
ولقد أولت القيادة الرشيدة أهمية بالغة
لإنشاء البنية الأساسية لاقتصاد المملكة لكون تلك البنية عصب التنمية وعمادها
وأنفقت في سبيل ذلك مبالغ هائلة وزادت من كثافة الإنفاق خلال خطط التنمية الخمسية،
والبيان التالي يوضح مدى استحواذ مشاريع التجهيزات الأساسية على النصيب الأوفى في
الخطط الأربع الأولى التي كانت متجهة أساساً نحو إنشاء مرافق البنية الأساسية
واستكمالها.
الإنفاق
الفعلي على مجالات التنمية
(خلال
المدة من الخطة الأولى إلى الخطة الرابعة)
(1390–1395هـ)
إلى (1405–1410هـ)
(بالمليون ريال)
| |||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||