تقديــم :

تعد الذكرى المئوية لتأسيس المملكة شاهداً ثابتاً لحدث من أهم أحداث القرن الرابع عشر الهجري ، والقرن العشرين الميلادي، وملحمة من البطولة لم يشهد العالم خاصة في العصور الحديثة إلا أمثلة محدودة ونادرة لها من التمسك بالدين والتحلي بالعزيمة والرغبة في تحقيق الأمن والوحدة والطمأنينة لأبناء المجتمع .

وكثير منا يعلم أنه قبل استعادة جلالة الملك عبد العزيز – رحمه الله – الرياض عام 1319هـ كانت البلاد مكونة من كيانات سياسية مشتتة ، إلى أن هيأ الله – عز وجل – لهذه الأمة رجلاً مخلصاً لله ولأبناء أمته استطاع بتمسكه بدينه ونيته الصادقة وعزيمته المثابرة أن يحول – بتوفيق الله وتأييده – المستحيل الصعب تحقيقه إلى واقع ملموس، فكان دخوله – رحمه الله – الرياض واستعادتها بمثابة فاتحة خير على هذه البلاد، حيث نجح في توحيدها ثم خطا بكل حكمة ووعي ، فوضع لبنات البناء لدولة لها مكانتها المتميزة بين دول العالم ، حيث حقق الملك عبد العزيز لأمته ما فاق الطموحات، وسار على دربه أبناؤه البررة من بعده ، فكانت هذه الحياة الكريمة التي يعيشها الشعب السعودي والتى تمتد ثمارها وخيراتها إلى العديد من الشعوب الإسلامية .

ومن ثم فإن هذه الذكرى الغالية لتأسيس المملكة تشكل لأبناء هذا الوطن كافة ، وعلى امتداد الأجيال المتعاقبة مفخرة حية بشواهدها وانعكاساتها وآثارها على مر الزمن، وتعمق صفة الانتماء منا لوطننا الغالي الذى تأسس وتوحد بعد ملحمة شاقة من الكفاح والجهاد ، وتحفزنا على الولاء برسوخ وقناعة لقيادتنا الرشيدة ممثلة في خادم الحرمين الشريفين وسمو ولي عهده الأمين وسمو النائب الثاني الذين يسيرون بكل إخلاص على درب أبيهم رحمه الله ، وهم حريصون على تحقيق آماله وطموحاته لتوفير الخير والرخاء والازدهار للوطن والمواطنين .

ويسر الغرفة التجارية الصناعية بالرياض أن تقدم هذا البحث إسهاماً منها في الاحتفاء بهذه المناسبة الخالدة ، لإلقاء الضوء على الاقتصاد السعودي منذ بداياته المبكرة، وما بذله القائد المؤسس الملك عبد العزيز – رحمه الله – بتوفيق الله وعونه من جهود فذة كانت لها انعكاساتها ، وبإرادة الله – تعالى – في تغيير المسار إلى رخاء عم أرجاء البلاد ، وامتد إلى كثير من الشعوب التي امتدت إليها المملكة بيد العون في إطار تعاليم الشريعة الإسلامية التي تلتزم بها منهاجاً ودستوراً .

كما حرصت الغرفة انطلاقاً من رعايتها ومتابعتها ودعمها لجهود القطاع الخاص، أن تبين ومن خلال هذا البحث ملامح من الإسهامات التي أقدم عن طريقها القطاع الخاص في تعضيد مسيرة التنمية ، وتحقيق أداء متميز أعطى الدفعة القوية للنمو الاقتصادي المتوازن على المستويات الكلية والقطاعية والاقليمية كافة ، مشاركاً مشاركة كبيرة في تحقيق الأهداف الرئيسة للتنمية الاقتصادية والإجتماعية في المملكة .

وأود في هذه المناسبة أن أؤكد عزم القطاع الخاص على مواصلة أدائه لدوره انطلاقاً من الثقة التي أولته إياها قيادتنا المباركة ، وفي ظل التعاون المتواصل مع الجهات الحكومية ذات العلاقة ، والدعم والرعاية والخدمات المتطورة التي تقدمها له الغرف التجارية الصناعية والتى يرتبط نجاحها في تحقيق أهدافها بنجاح القطاع الخاص في أدائه لدوره .

واللــه ولــي التوفيـــق ،،

رئيس مجلس الإدارة

عبد الرحمن بن علي الجريسي

 

 

 

 

 الفصــل الأول

الأهمية الاقتصادية لموقع المملكة العربية السعودية

تقع المملكة العربية السعودية جنوب شرق آسيا ، وتتمتع بموقع إستراتيجي متميز ، فهي بمثابة مركز الدائرة تقريباً بالنسبة للقارات القديمة الثلاث آسيا وأفريقيا وأوروبا
مما أهلها لتكون همزة الوصل بين هذه القارات.

وتعد المملكة أكبر دولة في شبه الجزيرة العربية ؛ إذ تشغل 80% منها في مساحة تصل إلى نحو 865 ألفألف ميل مربعاً، ويحدها من الشمال كل من الأردن والعراق والكويت ومن الشرق الخليج العربي والبحرين وقطر والإمارات العربية المتحدة ، ومن الجنوب اليمن وسلطنة عمان، ومن الغرب البحر الأحمر .

وتطل المملكة بساحلين طويلين على الشرق والغرب مجموع طوليهما يبلغ نحو 2410 كيلومتر مربعاً وهما الساحل الشرقى على الخليج العربي وطوله 610 كيلو متر مربع ، والساحل الغربي على البحر الأحمر وطوله 1800 كيلومتر مربعاً ، مما أتاح لأن يكون لها عديد من الموانئ البحرية ، فعلى الخليج العربي يقع ميناء الملك عبد العزيز بالدمام ، وميناء الملك فهد الصناعي بالجبيل ، وميناء الجبيل التجاري ، وميناء رأس تنورة، وعلى البحر الأحمر يقع ميناء جدة الإسلامي وميناء جازان وميناء الملك فهد الصناعي بينبع وميناء ينبع التجاري وميناء ضباء .

وقد أدى الامتداد الشاسع لموقع المملكة ما بين الخليج العربي والبحر الأحمر إلى أن تحتوي أراضيها على معظم التضاريس الموجودة في الكرة الأرضية من سهول خصبة ، وصحارى قاحلة ، ومرتفعات وهضاب وجبال شاهقة ، ووديان سحيقة .

وتنقسم المملكة من الناحية الجغرافية إلى أربع مناطق رئيسة بالإضافة إلى الربع الخالي، وهذه المناطق هـي :

المنطقة الوسطـــــى :

وتعرف ببلاد نجد ، وتتألف من هضبة شاسعة فيها مرتفعات وأودية عريضة وأنهار جافة وعدد من المستنقعات يعتقد أنها بقايا بحار وجدت داخل البلاد في الأزمنة الجيولوجية العتيقة، ويتسم الجزء الأكبر من المنطقة بالجفاف مع وجود بعض الواحات في الشمال حول بريدة وعنيزة .

وتقع مدينة الرياض في وسط نجد ، وتعد محور ارتكاز للأنشطة الاقتصادية وموقعاً مهماً لجذب الاستثمارات في مختلف الأنشطة التجارية والزراعية والصناعية والعمرانية بعد أن أصبحت عاصمة للمملكة .

وعلى بعد 325 كيلو متر شمال الرياض تقع القصيم ، وهي من الأجزاء المهمة في المنطقة الوسطى ، وتتميز بنشاطها الزراعي، حيث أسهمت بدرجة كبيرة في تحقيق الاكتفاء الذاتى في إنتاج بعض المنتجات الغذائية وفي مقدمتها القمح .

المنطقة الغربيـــة :

وتعرف ببلاد الحجاز ، وتضم الجزء الساحلي من المملكة المتاخم للبحر الأحمر، بالإضافة إلى سلسلة جبال السروات التي يصل ارتفاعها إلى نحو 3000 متر مربعاً، وتتدرج في الانخفاض كلما اتجهنا إلى الشمال ، والسهل المجاور للبحر الأحمر ، وتضم المنطقة عدداً من المدن المهمة في مقدمتها أقدس مدينتين إسلاميتين يأتي إليهما في كل عام أكثر من مليوني مسلم في موسم الحج بالإضافة إلى توافد أكثر من خمسة ملايين زائر ومعتمر على مدار العام ، كما تضم المنطقة الغربية مدينة جدة التى يقع عليها ميناء جدة الإسلامي، وتعد المدن الثلاث في صدارة مدن المملكة من حيث النشاط التجاري على وجه الخصوص .

وتوجد أيضاً مدينة ينبع التى تعد واحدة من أهم المدن الصناعية في المملكة بالإضافة إلى وجودها ميناءً على ساحل البحر الأحمر .

منطقة عسيـــــر :

تقع في جنوب المملكة ، وتحتوي على جبال ساحلية تصل ارتفاعات قممها إلى 3000 متر ، ويسقط بها المطر بكميات كبيرة مما جعلها متميزة بخصوبة التربة ، ومن ثم ازدهار النشاط الزراعي إلى جانب إمكاناتها السياحية الهائلة ؛ نظراً لجمال الطبيعة بها واعتدال المناخ صيفاً .

المنطقة الشرقيــة :

وتحتوي على موارد النفط الرئيسة في المملكة ، ويتاخم الجزء الأكبر من مدن المنطقة ساحل الخليج العربي ، ومن بين موانيها ميناء رأس تنورة الذى يعد أكبر ميناء لشحن النفط في العالم.

كما يقع في المنطقة الشرقية أيضاً واحتا القطيف والهفوف الشهيرتان بخصوبتهما الزراعية.

وبالإضافة إلى هذه المناطق فإنه يقع في جنوب المملكة الربع الخالى وهو مساحة شاسعة من الصحراء تحتوي على كثبان الرمال المتحركة، وتزيد على 500 ألف كيلومتر مربعاً، وتعد من أكبر الصحارى الرملية في العالم .

وقد أدى الموقع المتميز للمملكة وتوسطها لقارات العالم إلى أن تصبح ملتقى الطرق التجارية والإقليمية والعالمية البرية والبحرية ومنطقة عبور لمنتجات الأقاليم الموسمية والمدارية ، وأحد المراكز الرئيسة الموصلة بين أقطار الشرق والغرب ، حيث كان لدور سكانها في التجارة الدولية أهمية كبيرة في ربط أجزاء حيوية من العالم بعضها ببعض ، وتوفرت لهم عبر مراحل مختلفة من التاريخ عوامل الاستقرار والازدهار والرخاء ، ونشأ نتيجة لذلك عدد من المدن والمراكز التجارية الواقعة على طول الطرق البرية أو على منافذها البحرية ، وقد أدى ذلك إلى زيادة الصلة بين بلاد شبه الجزيرة بعضها البعض، وبينهما وبين الأمم المجاورة التي تتعامل معها تجارياً ، ومن هذه الصلات انتشرت الجاليات العربية في مناطق واسعة انطلاقاً من الموقع الفألفريد لشبه الجزيرة وسط قارات العالم القديم ، ومن هذه المناطق شرق أفريقيا وجزر البحر الأبيض المتوسط وشرق آسيا وجنوبها .

وبحكم الموقع الفألفريد لشبه الجزيرة العربية فقد كانت مطمعاً للقوى السياسية الكبرى المتجهة إلى فتألفوحات وجلب الثروات لإقامة إمبراطوريات مترامية الأطراف ، وبسط نفوذ متسع على أكبر قسط ممكن من العالم ، ومن ثم اتجهت الأنظار إليها خاصة بعد فتوحات الإسكندر الأكبر للشرق وإدراكه لأهمية هذا الموقع والبحار المحيطة بالنسبة لإمبراطوريته ، ثم استحوذ البطالسة والسلوقيين على إمبراطورية الإسكندر في الشرق واقتدوا به في اهتمامه بالجزيرة العربية، وكان من مظاهر هذا الاهتمام القيام بحركة كشوف منظمة لسواحل شبه الجزيرة سجلت من خلالها معلومات عن شعوبها، مما جعل المنطقة مركز جذب للقوى العالمية .

ومن ناحية أخرى أدى التنوع في الأقاليم الجغرافية للمساحة التى قامت عليها المملكة فيما بعد، واختلاف التضاريس والمناخ إلى تعدد الأنشطة الاقتصادية التي يمارسها السكان ، ومنها الأنشطة التجارية والزراعية والصناعية والخدمات المالية وخدمة الحجيج والسياحة .

 

الفصل الثاني

البدايات التاريخية للاقتصاد السعودي

أولاً : الأوضاع الاقتصادية قبل نشوء الدولة السعودية الأولى :

استمرت الأوضاع في شبه الجزيرة العربية تتأرجح ما بين الازدهار إلى التدهور الذي زاد بشكل خاص مع تفتت البلدان ، وقيام النزاعات على الحكم بين الخلافات الإسلامية ابتداء من الخلافة الأموية ، ثم العباسية ، فألفالفاطمية ، وانتهاء بالخلافة العثمانية ، في الوقت الذى زادت فيه قوة الدول الأجنبية الكبرى وتوجهها بأطماعها لبسط نفوذها على المناطق الإستراتيجية في العالم .

ونتناول فيما يأتي الأوضاع الاقتصادية منذ القرن العاشر الهجري حتى بداية القرن الثاني عشر الهجري وخلال الدولتين السعوديتين الأولى والثانية بالتركيز على منطقة نجد، وكانت تتسم بوجه عام بمحدودية الموارد، ففي هذه المدةألفالمدةالا  تركزت ممارسة الأنشطة الاقتصادية بشكل رئيس في كل من :

 1 – الزراعـــة:

كانت الزراعة أهم مقومات الحياة الاقتصادية لدى حاضرة نجد ، وكانوا يحبونها ويولونها عناية كبيرة ، وكان يزاولها العرب الأصليون وغيرهم ، ويعتمدون عليها مهما اختلفت مكانتهم الاجتماعية واتجاهاتهم الفألفكرية ، فأغلب القادة الذين نشأت بعض البلدان النجدية على أيديهم اهتموا بالزراعة واحتضنوها ، وبعض علماء تلك المرحلة وقفوا منها الموقف نفسه الذي وقفه أولئك القادة ، وبطبيعة الحال لم يكن جميع مالكي الأراضي يقومون بزراعتها دائماً، فكان الوضع الاقتصادي هو المهيمن على الموقف ، فأحياناً يقوم المالك بالزراعة وأحياناً يستأجر من يقوم عنه بها ، وإذا كان غنياً بدرجة تخوله شراء عبيد فإن هؤلاء يسهمون في زراعة أرضه ، وأحياناً أخرى يؤجر المالك أرضه إلى شخص آخر ليقوم بزراعتها أو يتفق معه على رعاية مزرعته وتنميتها بقسم معين من ثمرها ، وكانت نجد تنتج أنواعاً مختلفة من المحصولات الزراعية والخضروات والفألفواكه لكن النخيل وتمورها كانت أهم تلك الأنواع ، وكانت تجابه المزارعين النجديين مشكلات متعددة ، ولكنها تختلف من مكان إلى آخر، فمشكلات سكان الخرج والأفلاج مثلاً كانت أقل من مشكلات غيرهم من سكان بعض المناطق النجدية لسهولة الري فيهما من ناحية ، ووفرة المياه من ناحية ثانية ، وكان على أناس غيرهم من المزارعين في نجد أن يواجهوا مشكلات إضافية أخرى مثل استخراج الماء من الآبار ، وهو أمر يتطلب حيوانات تقوم به ، ويداً عاملة تلاحظ تلك الحيوانات، ومثل حدوث جفاف مياه الآبار أحياناً لعدم سقوط المطر ، كما وقع لأهل سدير واضطر بعضهم إلى الرحيل عن مواطنهم سنة 1926م.

وهناك مشكلات أخرى كان المزارعون النجديون عموماً يقاسونها أحياناً ، فتحدث أضراراً بالغة بمزروعاتهم ومحاصيلهم وتنهك حالتهم الاقتصادية ، مثل البرد الشديد والأمطار الغزيرة المصحوبة أحياناً بالعواصف أو البرد ، ومثل الجراد وتخريب المحصولات أو نهبها من قبل الأعداء ، ففي سنة 1122 هـ مثلا خرب البرد مزارع ملهم وقضى الدبا صغار الجراد على محصولات بعض جهات البلاد ، وأهلك البرد ما كان في سنبلة من الزرع ، وفي سنة 1098هـ أسقطت الريح ألف نخلة من القارة والروضة، وفي سنة 1100هـ قطعت عنزة نخيل عشيرة ، كما نهب الأعداء ذرة أهل أشيقر سنة 1139هـ (1).

2 – الرعــــي :

وهو من الأنشطة الرئيسة للبدو الذين تعودوا على التنقل في الصحراء ، وكانت أهم الحيوانات التي يرعونها الإبل والأغنام والخيل والأبقار والحمير ، وقد كانت ظروف المعيشة تحتم على البدو الانتقال من مكان لآخر سعياً وراء المراعي الحسنة .

3 – التجارة :

مثلت التجارة نشاطاً رئيساً وجانباً مهماً من جوانب الحياة الاقتصادية لدى حاضرة نجد ، وقد تنوعت التجارة ما بين تجارة محلية وتجارة خارجية ، فالتجارة المحلية كان قوامها التعامل التجاري بين سكان البلدة بعضهم مع بعض أو بين سكان البلدة وسكان البلدة المجاورة ، ويباع فيها المنتجات الزراعية والصناعية ، أو بين السكان البدو والسكان الحضر ، حيث كان البدوي يأتي لشراء متطلباته من تمر وحبوب وملابس وأواني وأسلحة ، وبيع ما يزيد عن حاجته من إبل وأغنام ودهن وجلود وأصواف ، وفي أحيان قليلة كان بعض التجار من الحضر يذهبون إلى أماكن تواجد البدو ليشتروا
ما يجدونه مناسباً لهم ، ويبيعوا ما قد يكون معهم مما يحتاج إليه أولئك البدو .

كما كانت البلدان الواقعة في الطرق التي كان يسير فيها الحجاج في اتجاههم إلى بلاد الحجاز بمثابة محطات تجارية تباع فيها البضائع ، وتزويد قوافل الحجيج باحتياجاتهم .

أما التجارة الخارجية فهي تلك التي كانت قائمة بين سكان نجد بصفتها منطقة وسكان الأقطار الأخرى ؛ وذلك لاستيراد ما كان غير متوافر في نجد من أطعمة وملابس وأسلحة، ومن ثم انطلقت القوافل التجارية لجلب هذه السلع ، وتصدير منتجات نجد من بعض المواد الغذائية والصناعية والإبل والخيل ، إلا أن هذه القوافل كانت تتعرض أحياناً للخطف نتيجة لهجمات رجال القبائل عليها ، وذلك لانعدام السلطة السياسية القوية القادرة على حفظ الأمن في المنطقة، وكان أصحاب القوافل يأخذون معهم رفيقاً من كل قبيلة يتوقع المرور بمنطقتها حتى يسلموا من مهاجمتها ويدفعون ضريبة باسم " أخاوة " لشيوخ القبائل للحماية أثناء مرور القافلة بأراضي هذه القبيلة ، ولكن القوافل أحياناً كانت تصادف قبيلة غير تلك القبائل المتفق معها فتصبح عرضة لنهبها .

وتقع المعاملات التجارية إما بالمقايضة ، أى : مبادلة سلعة بسلعة وأما بالنقد ، إلا أنه استعملت عملات عديدة في التداول ، منها وفقاً لما تعارف عليه الأهالي والمتعاملون معهم من مسميات الدينار والدانق والأحمر والمشخص، وهي عملات ذهبية والمحمدية والحرف ، وهي عملات فضية ، المحلق والطبق ، وهي عملات نحاسية، ومن العملات أيضاً الحديدة والطوالة والبارة ، وهي عملات نيكلية ، والليرة الذهبية العثمانية والباوند الذهبي الإنجليزي، والريال العثماني الفألفضي ، والريال الفألفرنسي ، وهي عملة فضية بلجيكية ، والربية الهندية .

أما عن الأسعار فكانت غير مستقرة لكثير من السلع خاصة أسعار المواد الغذائية التي كانت تتأثر بوفرة المحاصيل وجودتها ، وعلى ضوء اتجاهات العرض والطلب ، فمثلاً بيع صاع القمح سنة 1096 هـ بثلاث محمديات ، على حين بيعت خمسة أصواع منه بعد ذلك بثلاث سنين بمحمدية واحدة ، وفي سنة 1125هـ بيعت مائة وزن من التمر في بداية الأمر بأحمر لكن حينما قدمت إلى السوق جماعات من قبيلة عنزة لتشتري حاجتها من ذلك المحصول ، فقفز السعر فجأة إلى الضعف (2)

ثانياً : الأوضاع الاقتصادية خلال الدولتين السعوديتين الأولى والثانية :

في أوائل القرن الثاني عشر الهجري والقرن الثامن عشر الميلادي تولي إمارة الدرعية الأمير سعود بن محمد بن مقرن الذي تنتسب إليه العائلة المالكة السعودية ، وتوفي عام 1137هـ/1725م، وخلفه بعد وفاته ابنه الأكبر الأمير محمد بن سعود الذي تعاون مع إخوانه في بسط نفوذهم على المنطقة إلى أن وفد عليهم الشيخ محمد بن عبد الوهاب الذي كان قد بدأ دعوته الإصلاحية " للنأي بالإسلام عن كل ما شابه مما ليس فيه ، ويلح بالعودة إلى متابعة أصوله السمحة " ، فاتفق مع الأمير محمد بن سعود على تأييد دعوته، وكان ذلك عام 1157هـ/1744م، ويعد المؤرخون هذا العام بداية تأسيس الدول السعودية الأولى التي استمرت حوالى 75 عاماً تمت فيها توسعة الدولة لتبسط سلطانها على كل نجد في مدة حكم الأمير سعود بن محمد بن سعود 1218-1229هـ/1803-1814م إلى مكة المكرمة غرباً والأحساء شرقاً ونجران جنوباً .

أما الدولة السعودية الثانية فقد بدأت عام 1240هـ/1824م، وهو العام الذي استرد فيه الأمير تركى بن عبدالله مدينة الرياض ، وحرر نجد من سيطرة محمد علي باشا، واستمرت هذه الدولة 75 عاماً .

وفيما يأتي نتناول الأوضاع الاقتصادية السائدة خلال القرنين الثاني عشر والثالث عشر الهجريين إبان الدولتين السعوديتين الأولى والثانية :

تأثرت الأوضاع الاقتصادية بحالة المجتمع السعودي في ذلك الوقت ، إذ انقسم من حيث نمط معيشته ومسكنه إلى الحضر والبدو ، وقد تأقلم الحضر مع جو بيئتهم الحضرية، وفضلوا عيش الاستقرار على الترحال والأسفار ، ومارسوا أنشطة الزراعة والتجارة والصناعة، على حين حافظ البدو على حياة ،الأجداد وفضلوا البادية وما يواكبها من ترحال وأسفار طلباً للعيش وبحثاً عن المياه ، ومن ثم كان نشاطهم الرئيس ممارسة الرعي .

ومن أهم الأنشطة الاقتصادية السائدة خلال تلك ألفالمدة ما يأتي :

1 – الــزراعـة :

كثرت الزراعة في المناطق التي وجدت بها واحات زراعية كواحات القطيف والأحساء والدواسر والأفلاج والخرج والوشم وسدير والقصيم ، إلى جانب الأراضي المرتفعة الصالحة للزراعة كبلاد جبل شمر .

وقد استعملت في الزراعة الطرق البدائية مثل استعمال المحراث الخشبي الذي تجره الإبل في الحراثة ، أما عن أهم المزروعات فكانت النخيل لأهمية التمور الغذائية، والحنطة والشعير والذرة والسمسم والأرز من الحبوب ، والطماطم والقرع والخيار من الخضروات والحمضيات ، والتين والعنب والبطيخ والشمام من الفألفواكه .

2 – الرعـي :

كان الرعي النشاط الرئيس الذي يمارسه أهل البادية ، وكانت قوتهم ومعيشتهم تستند إلى ما يملكونه من ثروة حيوانية من أهمها الإبل والأغنام مصدر إعاشتهم اليومية من اللبن والحليب والسمن والزبد واللحوم ، وأيضاً الخيول والحمير ، وكان البدو في ممارستهم لنشاط الرعي ينتقلون من مكان لآخر بحثاً عن الماء والكلأ .

3– التجارة :

تأتي التجارة في الدرجة الثانية من الأهمية والانتشار بعد الزراعة ، والتجارة كانت على نوعين ، تجارة داخلية وتجارة خارجية ، أما الداخلية فهي عمليات البيع والشراء في أنحاء بلاد الدولة ، تتمثل هذه بالدكاكين والمحلات التجارية والأسواق التي تنتشر في كل مدن الدولة وقراها ، وقد توافرت في الأسواق معظم الحاجيات كالمواد الغذائية والملابس والبضائع الأخرى الكمالية كأنواع الصياغة الفألفضية والذهبية ....

أما عن التجارة الخارجية فكان سكان الأحساء والعارض والقصيم وشمر يجوبون بلاد الخارج من أجل التجارة ، وكانت عندهم رغبة ملحة في السفر ، فتاجروا مع الهند بالخيول ، وجلبوا البضائع منها كالبن والسكر والهيل والقرنفل والفألفلفل والكركم ، وكل هذه البضائع مرغوبة عند الأهالي ، وكانت البضائع تأتي عن طريق القطيف أو البحرين أو العقير ، وعن طريق بنادر اليمن ، وكان للتجارة في الدولة وكلاء في البصرة وجدة وصنعاء والبحرين والكويت وغيرها من البنادر التي تمر فيها التجارة ، ومنهم من كان يتاجر مع اليمن ، وتأتيهم البضائع عن طريق الدواسر في جنوب نجد بعد أن تأتي من صنعاء إلى نجران، وأهم تجارتهم من هذه المنطقة كانت القهوة واللادن، ومنهم من تاجر مع بلاد الشام والعراق ومصر ، لذا يمكن القول : إن البضائع المتنوعة كانت تعم أسواق الدولة ، منها المحلي ، ومنها المستورد من الخارج (3) .

وقد كانت القوافل التجارية تسلك طرق عدة لتوصيل البضاعة التي تحملها ومن هذه الطرق:

 أ – طريق من الأحساء إلى الرياض ، ثم إلى مكة المكرمة .

ب – طريق من الكويت إلى بريدة ، ثم إلى مكة المكرمة .

جـ – طريق من النجف ، ثم الزبير ، ثم الكويت إلى حائل ، وتسمى درب السلطاني.

د – طريق من الزبير في العراق إلى بريدة .

هـ – طريق من الجوف في الشمال إلى حائل في جبل شمر .

أما الطرق الداخلية التي كانت تربط بين أجزاء البلاد بعضها بعضاً فمن أهمها:

أ – طريق من حائل إلى بريدة وعنيزة في القصيم .

ب – طريق من حائل إلى القصيم لربط الأجزاء الشمالية بوادي حنيفة .

جـ – طريق من الرياض إلى الأحساء ، وأخرى من الأحساء إلى وادي الدواسر في الجنوب ، وثالثة من وادي الدواسر إلى الرياض .

أما بالنسبة للطرق البحرية في ذلك الوقت فهناك منافذ عدة على الخليج العربي، أهمها العقير والدمام والقطيف ، كما كانت هناك منافذ بحرية على البحر الأحمر ، منها جدة وينبع والقنفذة .

ومن القوافل التجارية التي عرفت في هذه المرحلة قبائل العقيلات ، وهو اسم أطلق على جماعة من أهل القصيم تردد كثيراً على أسماع الناس خلال القرن الثالث عشر الهجري تجاراً للمواشى من الإبل والخيل ، وكانوا يشترونها من أسواق بريدة وعنيزة، ثم يقومون بتسويقها في العراق والشام والأردن وفلسطين والعودة بحمولات من المواد الغذائية والأقمشة والملبوسات لبيعها في الأسواق بالجزيرة العربية ، وكان لهم دور كبير أيضاً في تنمية التجارة بين بلدانهم والبلاد العربية المجاورة ، كما استقر عدد منهم في مدن القصيم بعد تعميرها ، وفتحوا المحلات التجارية بها ، وقد اعتادوا القيام برحلاتهم في شهور الخريف اتقاء برودة الشتاء وحرارة الصيف، وكانت القافلة تتكون عادة من 2000 3000 فرد .

وكان التعامل التجاري بالنقود إلا أنها كانت نقوداً أجنبية مصكوكة في الخارج منها الطويلة ، وهي عملة فضية ونحاسية ، والريال والمثقال والملكية ، بالإضافة إلى العملات التي كانت متداولة في المدة القريبة الماضية ، ومنها الأحمر والمحمدية والقرش والبارة التركية والمجيدية التركية .

وبالإضافة نسبة للأوزان المستعملة فكانــــت :

أ – الوزنة ، وهي عبارة عن ثقل 64 ريالاً فرنسياً موزونة معاً ، وأحياناً كانت تصل إلى 52 ريالاً فرنسياً ، وقد استعملت في وزن غالبية السلع ما عدا اللحوم .

ب – المن ، ويساوي 33 وزنة في إقليم نجد ، 24 قياسة في الأحساء ، والقياسة تعادل 24 رطلاً إنجليزياً ، والرطل الإنجليزي كان يساوي 40 تولة ، والتولة 2.5 مثقال أو ربية هندية ، وكان المن يستعمل في وزن التمر .

جـ – القياسة ، وكانت تساوي 4 أصواع ، والصاع يساوي ثمنين ، والثمين يساوي 4 مربعات، والربعة تساوي وزن 12 ريالاً فرنسياً ، ويوزن بالقياسة كل شي

د – الموسمية ، منها موسمية وزنها 10 قياسات لوزن الأرز ، وموسمية أخرى وزنها 12 قياسة لوزن الحنطة .

هـ – المثقال ، ويستعمل لوزن الذهب والفألفضة وغيرها من الأشياء الثمينة .

أما عن المكاييل فأهمها الصاع ، وقد استعمل لكيل الحنطة وغيرها ، والمد ويساوي ثلث صاع ، وكانت معظم المكاييل تنحت من الخشب حتى تحافظ على بقائها ، وتكون خفيفة المحمل عند الوزن .

وقد عرف في إتمام العمليات التجارية الفألفئات المتخصصة في ممارسة النشاط التجاري مثل الوكلاء التجاريون الذين كان يتم إرسال البضائع لهم لتصريفها ، وبعد استلام ثمنها يقومون بتحويله إلى التاجر الذي أوكلهم ببيعها ، وأيضاً السماسرة الذين يتوسطون بين البائعين والمشترين لإتمام الصفقات التجارية .

4 – الصناعة :

لم تكن الصناعة في الدولة تتعدى الحرف المهنية البسيطة ، أو ما يحتاج إليه الناس في حياتهم اليومية كالصياغة والحدادة والنجارة والمصنوعات الفألفخارية ، وكان الأهالي يعيبون العمل في الصناعة ، ويفضلون العمل بالزراعة أو بالتجارة أو بالرعي على أن يشتغلوا في الحرف الصناعية ، وربما يعود ذلك إلى أن الصناعة تتسم بأسلوب الخدمة للغير ، لذا فمعظمهم كان يترفع عن القيام بأي عمل صناعي أو حرفة يدوية، لهذا كانت نسبة العاملين في الصناعة قليلة ، وغالباً من أصحاب الجنسيات الأجنبية الخارجة عن جزيرة العرب بشكل عام (4)، ومن ثم لم تلق الصناعة ذلك الإقبال الذي ناله كل من النشاط الزراعي والنشاط التجاري .

ومن الصناعات التي كانت منتشرة صناعات الخيام وأخرج الجمال وسروج الخيل والنعال وقرب المياه والحصر والبسط .

الفصــل الثالث

الاقتصاد السعودي في عهد الملك عبد العزيز

بعد مرحلة الازهار التي عاشتها البلاد عقب قيام الدولة السعودية الثانية ، اتجهت الأوضاع الاقتصادية إلى التدهور نتيجة لشيوع الفوضى ، وعدم الاستقرار ، وتفتت البلاد ، وكثرة السلب والنهب في غياب السلطة المركزية التي تعمل على حفظ الأمن .

ومع شروق شمس اليوم الخامس من شهر شوال عام 1319هـ/ الخامس عشر من شهر ينايــر عـــام 1902م تمكن الملك عبد العزيـــز بن عبد الرحمن الفيصــــل آل سعود - رحمه الله - من استعادة الرياض مستعيداً بذلك حكم بيت آل سعود ، وليواصل مسيرته المظفرة نحو توحيد البلاد لتصبح في 21 جمادى الأولى عام 1351هـ/22 من شهر سبتمبر عام 1932م دولة راسخة البنيان متماسكة الأركان باسم المملكة العربية السعودية .

وإلى جانب توجه القائد المؤسس إلى توحيد البلاد فقد كانت لديه الرغبة القوية والطموح البناء لإحداث نقلة في الاقتصاد السعودي من اقتصاد بدائى يعتمد على المجتمع القبلي إلى اقتصاد حضاري يتجه إلى تنمية البلاد في المجالات كافة ، ورفع مستوى معيشة السكان .

وقد انحصرت أنشطة السكان عند تولي - المغفور له بإذن الله - الملك عبدالعزيز الحكم فيما يأتي :

1)  زراعة بعض المحاصيل التقليدية كالبرسيم والحبوب والنخيل بالاعتماد على مياه الأمطار أو الآبار، ولأجل أغراض الاستهلاك المحلي .

2)            مزاولة التجارة داخل المدن وزيادة هذا النشاط في مدن الحجاز خاصة في أوقات الحج .

3)            صناعة بعض المنتجات اليسيرة باستعمال الطرق اليدوية البدائية .

4)            ممارسة الرعي من خلال البدو .

5)            القيام بالصيد وجمع اللؤلؤ في المناطق الساحلية خاصة المطلة على الخليج العربي .

ولقد كانت القرى والمدن والأكواخ المنتشرة بعرض الجزيرة العربية وطولها بمثابة جزر معزولة عن بعضها البعض بسبب عدم الأمان الذي سببه قطاع الطرق من البدو ، وبسبب قسوة الطقس ، وصعوبة التضاريس ، بالإضافة إلى عدم وجود طرق ممهدة أو وسائل مواصلات سريعة ، ومن الآثار الاقتصادية التي ترتبت على ذلك :

أ – ضعف حركة التجارة الداخلية بين أقاليم الجزيرة العربية ، ومما ساعد على هذا الضعف وجود عملات مختلفة في الأقاليم التي ربما كانت غير قابلة للتحويل فيما بينها فكان هناك المجيدي في بعض الأقاليم ، وهو أكثر النقود العثمانية شيوعاً آنذاك، وكان هناك الريال الفرانسي أو الفرانسية في بعض الأقاليم الأخرى ، (وهي التسمية المحلية للدولار أو الشلن النمساوي والمعروف بماريا تيريزا ) ، كما كانت هناك الربية الهندية خاصة في الإقليم الشرقي من الجزيرة ، بالإضافة إلى أن بعض الأقاليم كانت تقوم بصك عملات محلية باسمها، ففي عام 1916م صكت في الحجاز قروش من البرونز وريالات من الفضة ودنانير من الذهب(5).

ب – نظراً لضعف حركة التجارة بين الأقاليم ، فلم يكن هناك أي حافز للتخصص في الإنتاج الإنتاج وتقسيم العمل بين الأقاليم ؛ ولذا كان كل إقليم بمثابة مجتمع مغلق يعيش في حالة شبه اكتفاء ذاتي ، ولا شك أن هذا كان يحد من نمو أي نشاط من الأنشطة، ويحرم المجتمع من أن يجني وفورات الحجم الكبير(6) .

جـ – نظراً لأن الصناعة بمفهومها الحديث لا يمكن أن تقوم إلا على أساس الحجم الكبير فإن بيئة المجتمع القبلي بما تتصف به من تفتت في الأسواق وصغر في أحجامها
لا يمكن أن تقوم فيها صناعة بأي معيار من المعايير ، ولذا فإن استمرار هذا المجتمع على هذا النحو كان كفيلاً ببقاء سكان الجزيرة في حالة من التخلف تقتصر أنشطتهم فيها على أعمال بدائية كالزراعة والرعي والصيد والحرف اليدوية البسيطة
(7).

د – على الرغم من اتصال بعض المدن بالعالم الخارجي كالمدينة ومكة وجدة بسبب حركة الحجاج إليها ومنها ، فإن الرواج الذي حدث فيها نتيجة لهذا الاتصال
لم يكن لينتشر في غيرها من أجزاء الجزيرة ؛ نظراً لصعوبة الاتصال الذي فرضته العوامل السابقة مع هذه الأجزاء
(8) .

هـ – محدودية موارد الدولة ، حيث كانت تعتمد على رسوم الحج ، وكانت هذه الرسوم غير مستقرة ، وقد تناقصت بشكل كبير على سبيل المثال في مرحلة حدوث الكساد الاقتصادي العالمي الذي بدأ عام 1929م .

ولعلاج هذه الأوضاع كان لا بد من برامج للإصلاح الإداري والاقتصادي تمهد لانطلاق الدولة نحو التنمية ورفع مستوى المعيشة .

أولاً : أهــم محــاور الإصـلاح لبناء الدولة الحديثة :

شملت أهم محاور الإصلاح الذي عمل على تحقيقه الملك عبد العزيز - رحمه الله- ما يأتي:

1) بسط نفوذ الدولة على جميع أنحاء المملكة وتطبيق أحكام الشريعة الإسلامية على كل خارج على نظام الدولة ، ولقد سمح ذلك بتحقيق الأمن والاستقرار في ربوع المملكة وزيادة الربط بين الأقاليم .

وتوضح أرقام أول ميزانية لحكومة المملكة صدرت عام 1350هـ اهتمام الدولة بتحقيق هذا المحور حيث خصص نحو 38% من أبواب الإنفاق في الميزانية لتحقيق الأمن والاستقرار ونشر الدعوة من خلال الاعتمادات المخصصة للدفاع والأمن العام والقضاء والنيابة العامة والأمر بالمعروف .

    

 

 

 

 

 

 

جدول رقم (1) : ميزانية الحكومة عن السنة المالية

من أول شعبان 1350هـ إلى 30 رجب 1351هـ

 

قرش أمـــيري

أبـــواب الإنفــــاق

6.600.000

المخصصات الملكية

16.500.000

أقساط الدين

12.950.000

الديوان الملكي والقصور وديوان الخزينة

3.850.000

قوات الحدود

22.00.000

حصة الحجاز في مصالح الدفاع

11.000.000

مواصلات ونقليات وتجهيزات

1.123.692

رئاسة القضاء والمحاكم الشرعية

3.149.530

النيابة العامة وإدارة الملحقات

573.110

مجلس الشورى والمجالس الإدارية

1.490.789

وزارة الخارجية وتوابعها

2.731.740

الصحة العامة والمحاجر والكرتينات

1.753.225

الكنداسات وتوابعها

1.212.042

المعارف العمومية

1.240.832

نظارة الرسوم وتوابعها

2.251.078

الماليات

10.441.199

الأمن العام

161.830

المطبعة الأميرية

165.070

هيئات الأمر بالمعروف

988.720

الرواتب المتنوعة

4.210.450

البريد والبرق وغير السلكي والهاتف

2.048.137

الحرمان الشريفان

106.442.544

المجموع ( قرش أميري )

وكانت 106.5 مليون قرش أميري تعادل بأسعار صرف ذلك الحين نحو 10 مليون دولار، أو 9.676 مليون ريال فضي، أو 968 ألف جنيه إسترليني(9).

2)  تأصيل روح المجتمع الواحد الحريص على المصلحة الوطنية : حيث عمل الملك عبد العزيز على تقوية الترابط بين القبائل والعشائر وإزالة الفوارق والأحقاد ، مع الاستعانة بشيوخ القبائل لتكون حلقة وصل بين الحكومة المركزية في الرياض وأفراد القبائل المنتشرين في أنحاء المملكة ، واستطاع بذلك أن يستقطب ولاء الجميع للدولة بدلاً من القبيلة .

3)  توطين قبائل البدو : حتى يحقق نوعاً من الاستقرار في المعيشة للبدو الرحل ، قام الملك عبد العزيز باتباع ما سمي في حينه بنظام " الهجر "، واختار موقعاً لهذه الهجر قريبة من المياه ، وشجع رجال القبائل على أن يستبدلوا خيامهم المصنوعة من الوبر ببيوت طينية تُبنى في هذه المواقع ، وعلَّمهم أساليب الزراعة، كما وفر لهم البذور ، ولقد بلغ عدد الهجر التي أنشئت ما يقرب من 122 هجرة في كل أنحاء المملكة ، ضمت ما لا يقل عن 12 قبيلة ، يصل عدد أفرادهم نـــحو 77 ألف نسمـــة (10).

  ولقد كان من أهم الأهداف الاقتصادية للتوطين هي حفز الأفراد على القيام بالاستثمار في أصول ثابتة كبناء المنازل وزراعة الأشجار ( كالنخيل ) ، واستصلاح الأراضي ، وحفزهم على تعلم الحرف الأخرى ، والقيام بالتجارة وغيرها من الأنشطة التي تتناسب مع الحياة المستقرة . كما أتاح التوطن فرصة التعلم للأفراد في المدارس التي كان قد أنشأها الملك عبد العزيز في هذه الهجر ، أما حياة الترحال فلا تعرف إلا نشاطاً واحداً وهو رعي الماشية ، وربما قطع الطرق.

4)  ربط مناطق المملكة : قام الملك عبد العزيز بإقامة بعض الطرق التي تربط بين أقاليم المملكة. ويأتي على رأس هذه الطرق خط السكة الحديد الذي يربط بين العاصمة الرياض والمنطقة الشرقية ، وبالطبع فإن مثل هذا الربط يشجع حركة التجارة الداخلية بين الأقاليم ، ويزيد من فرص التخصص ، وتقسيم العمل .

5)  الإصلاح النقدي : للقضاء على الفوضى النقدية التي كانت سائدة وممثلة في وجود عديد من العملات المتداولة داخل المجتمع الواحد قام الملك عبد العزيز بسحب كل العملات المحلية ، وحلَّ محلها الريال المجيدي ، وبعد مدة قام بصك عملة محلية تحمل اسم سلطان نجد. وفي عام 1346هـ أصدر الريال الفضي السعودي الذي كان مماثلاً للريال المجيدي ، وفي عام 1371هـ/1952م أنشئت مؤسسة النقد العربي السعودي لتكون بمثابة البنك المركزي للمملكة ، وقامت هذه المؤسسة بإصدار الجنيه الذهبي السعودي.

6)  التنقيب عن النفط : بالطبع لم يكن من الممكن إحداث تنمية شاملة في المملكة دون وجود مصدر دخل وطني يمكن الإنفاق منه على برامج التنمية في جميع أنحاء المملكة ، ولقد كان هذا المصدر هو النفط ، ففي عام 1933م ، أى بعد إعلان توحيد المملكة بعام واحد ، منح الملك عبد العزيز شركة ستاندر أوبل أوف كاليفورنيا الأمريكية حق امتياز التنقيب عن النفط في المنطقة الشرقية ، واكتشف النفـــط في المملكة لأول مرة عــام 1938م/1357هـ وصـــدر أول شحنة منـــه عام 1939م/1358هـ، ومقدارها 10 آلاف برميل ، ثم توقف الإنتاج بسبب الحرب العالمية الثانية، واستأنف بعد انتهائها، ولقد وصل متوسط الإنتاج اليومي عام 1944م/1363هـ 20 ألف برميل، وفي عام 1949م/1368هـ وصل الإنتاج اليومي إلى 500 ألف برميل(11).

وكان مجمل دخل المملكة من النفط حتى عام 1346هـ أقل من 4 ملايين من الدولارات الأمريكية سنوياً ، ثم ارتفع بحلول عام 1368هـ، فبلغ 85 مليون دولار ، وكانت المملكة تحصل على 60% من إيراداتها عن عائدات النفط هذه ، ولأول مرة أصبح لدى المملكة العربية السعودية قدر من المال على قلته يمكن استثماره في التنمية الوطنية (12).

ومع تزايد إنتاج النفط وتزايد عوائده ، زادت إمكانات الدولة في إحداث التنمية في المجتمع، واتجهت المملكة إلى مواكبة النهضة الحضارية التي أخذت في التزايد خصوصاً بعد استقرار الأوضاع الدولية عقب انتهاء الحرب العالمية الثانية ، وبدأت المملكة تخطو خطوات سريعة في مجال التنمية والرخاء على المستوى المحلي، وتأخذ مكانتها المتميزة على المستويين الإقليمي والدولي .

ثانياً : أهم الإنجازات الاقتصادية في عهد الملك عبد العزيز :

1 – إيجاد مورد ثابت للبلاد :

احتاجت المشروعات الطموحة للملك عبد العزيز لنقل البلاد من المجتمع القبلي المتخلف إلى المجتمع الحضاري المتطور إلى مصدر للدخل يعتد به للإنفاق على المصروفات المتزايدة للدولة ، حيث كان الاعتماد بشكل رئيس على رسوم الحج ؛ وكان مصدراً يتذبذب من وقت لآخر تبعاً لعدد الحجاج، ويتأثر بشدة بالأوضاع العالمية، حيث كان يتراوح عدد الحجاج ما بين 80–120 ألف حاج في المدة 1925–1930م، ثم تناقص ليتراوح ما بين 20 30 ألف حاج في المدة 1931–1932م بسبب الكساد الذي عم كثيراً من أنحاء العالم .

ولقد بعث اكتشاف النفط في البحرين بكميات تجارية كبيرة الأمل في وجوده في المنطقة الشرقية من المملكة ؛ نظراً لتشابه بيئتها الطبعية مع بيئة البحرين خصوصاً وقد ظهرت بوادر بقع للنفط في واحة القطيف .

وقد بدأت أولى المحاولات للبحث عن النفط في الأحساء عام 1342هـ/1932م بموجب اتفاق بين الحكومة السعودية وشركة بريطانية تدعى إيسترن وجنرال سـيند كت Easten and General Syndicate إلا أن هذه الشركة لم تبذل جهوداً في التنقيب ، كما أخلت بالوفاء بالتزاماتها المالية المنصوص عليها في عقد الامتياز مما حدا بالملك عبدالعزيز إلى إنهاء العقد في عام 1347هـ/1928م.

وفي عام 1352هـ/1933م وقعت حكومة المملكة اتفاقية امتياز مع شركة ستنادرد أويل أف كاليفورنيا " سوكال" ( Standard Oil of California (Socal  للتنقيب عن النفط واستغلاله في المنطقة الشرقية من المملكة .

وبعد أشهر قليلة تحولت شركة سوكال إلى شركة كاليفورنيا أربيان أويل ( كاسوك) Arabian Oil Co.“ Kasock” California ، وبدأت الشركة الحفر في المنطقة في 26 المحرم 1354هـ/30 أبريل 1935م؛ ونظراً للحاجة إلى مبالغ ضخمة لتوسعة عمليات المسح والتجهيز والتنقيب والحفر وتكثيفه أشركت شركة كاسوك شركة تكساس أويل بحصة قدرها 50% ، وتشكلت في عام 1355هـ/1936م شركة باسم جديد سميت شركة كاليفورنيا أربيان أويل كومبانى " Califoirnia Arabian Standard Oil Co" ، كما عُدلت مدة الامتياز لتصبح 66 عاماً .

وبعد محاولات متوالية وجهود متصلة لمدة ثلاث سنوات حفرت فيها سبعة آبار ، تم في 11 المحرم 1357هـ/23 مارس 1938م العثور على الزيت الخام في البئر رقم (7) على عمق 4727 قدماً ، وبدأ الزيت في التدفق من البئر بمعدل 1585 برميلاً في اليوم ، وبعد مرور حوالي ثلاثة أسابيع ارتفع المعدل اليومي إلى 3810 براميل ، وقد شجع ذلك على تكثيف عمليات التنقيب في الآبار السابق حفرها ، وحفر آبار جديدة ، وإنشاء المرافق الخاصة بتخزين الزيت ونقله .

وفي ربيع الأول 1358هـ/أول مايو 1939م وبحضور الملك عبد العزيز صُدر أول شحنة من النفط السعودي من ميناء رأس تنورة ، وفي العام نفسه عقدت الشركة اتفاقية بامتيار جديد مع الحكومة، وسعت من خلالها منطقة امتيازها بنحو 80 ألف ميل مربع.

وفي مارس1940م اكتشف حقل أبي حدرية ، ثم حقل بُقيق في ديسمبر 1940م ثم توقفت أعمال التنقيب والحفر بسب اتساع عمليات الحرب العالمية الثانية التي نشبت عام 1939م ، وعقب الحرب استؤنف العمل في التنقيب والحفر ، والإنتاجلمواجهة الطلب المتزايد على النفط في الأسواق العالمية .

وفي يناير 1944م/1363هـ قامت شركة كاسوك بتغيير اسمها ليصبح شركة البترول العربية الأمريكية ( أرامكو) Araibian American Oil Co. “ ARAMCO” .

وفي يونيو 1945م اكتشفت أرامكو حقل الغوار الذي يعد أكبر حقل للنفط على اليابسة في العالم ( طوله 241 كم ، وعرضه 40 كم ).

وفي عام 1945م/1368هـ حصلــت شركتــان آخريتان من شركات النفط الأمريكيــة على حصص في أرامكو ، وأصبح التوزيع الجديد على النحو الآتي : سوكال 30% ، استنادر اويل اف نيوجرسى (أكسون) 30% ، تكساكو 30% ، وموبيل 10% ، وقد زادت موبيل حصتها فيما بعد إلى 15% على حساب تخفيض حصص الشركات الأخرى .

وفي يناير 1949م/1368هـ اكتشف حقل حرض ، وفي فبراير من العام نفسه منحت حكومة المملكة امتيازاً للتنقيب عن النفط في حصتها من المنطقة المحايدة لشركة جيتي للزيت Getty Oil Co. ولمدة 60 عاماً .

وفي 2 سبتمبر عام 1950م / 1396هـ مُدَّ خط أنابيب التابلاين من مدينة بقيق في الظهـــران إلى مدينـــة صيدا في لبنان ، مـــاراً بالأردن وسوريــــا بمسافة قدرها 1086 ميــــلاً ، وبدء في ضخ النفط عبره في 10 نوفمبر 1950م، وصدرت أول شحنة من ميناء صيدا اللبناني في 2 ديسمبر 1950م. ومن مزايا هذا الخط توفير الرسوم التي كانت تدفع عن كل برميل ينقل عبر قناة السويس ( تراوح مجموعها ما بين 6 - 7 آلاف دولار يوميـــاً ) ومضاعفة الإنتاج لملاحقة الطلب المتزايد والتزايد الكبير في الأرباح للتوفير في تكاليف النقـــل .الإنتاج.

وفي أبريل 1951م اكتشف حقل السفانية الذى يعد أكبر حقل مغمور للنفط في العالم على بعد 150 ميلاً شمال الظهران ، ثم توالى بعد ذلك اكتشاف العديد من الحقول لتصل حالياً إلى أكثر من 60 حقلاً .

ويوضح الجدول رقم (2) الترتيب الزمني لاكتشاف حقول النفط التي حفرت وآبارها المنتجة في عهد الملك عبد العزيز :

 

 

 

 

 

جدول رقم (2)

حقول النفط التي حفرت في عهد الملك عبد العزيز

 

الآبار المنتجة

الآبار التي حفرت

معدل العمق بالأقدام

تاريخ اكتشافه

اسم الحقل

28

41

4.200

مارس 1938 م

الدمام

4

12

10.500

مارس 1940 م

أبو حدرية

67

85

7.000

نوفمبر 1940 م

بقيق

9

17

7.300

يونيو 1945 م

القطيف

44

67

7.100

يونيو 1948 م

عين دار

1

5

1.000

يناير 1949 م

الفاضل

4

8

6.400

يناير 1949 م

حرض

35

500

5.500

مايو 1951 م

السفانية

26

52

6.900

أبريل 1951 م

العثمانية

14

18

7.100

أغسطس 1952م

سترجمة

2

6.300

ديسمبر 1953 م

الحوية

المصدر : أرامكو ، تقرير عن سير أعمال الشركة عام 1953م.

 

ويوضح الجدول رقم (3) تطور إنتاج النفط في عهد الملك عبد العزيز :

 

 

 

 

 

جدول رقم (3)

تطور إنتاج النفط في عهد الملك عبد العزيز

 

الإنتاج السنـــــــــــــــوى

السنة

بالأطنان

بالبراميل

65.618

495.135

1938م

521.214

3.923.904

1939 م

672.154

5.074.838

1940 م

570.046

4.310.112

1941 م

600.351

4.530.492

1942 م

645.860

4.868.184

1943 م

2.825.990

21.310.966

1944 م

1.034.603

7.794.420

1945 م

7.899.675

59.943.766

1946 م

11.813.668

89.851.646

1947 م

18.751.270

142.852.989

1948 م

22.820.783

174.008.629

1949 م

26.608.585

199.546.638

1950 م

37.000.000

277.962.605

1951 م

39.870.805

301.860.885

1952 م

40.887.754

308.294.245

1953 م

 

المصدر : أرامكو– تقرير عن سير أعمال الشركة عام 1953م .

المديرية العامة للإذاعة والصحافة والنشر : أضواء على المملكة العربية السعودية ص 157.

كما يبين الجدول رقم (4) دخل المملكة من النفط في بعض السنوات في عهد الملك عبد العزيز :

جدول رقم (4) : دخل المملكة من النفط في عهد الملك عبد العزيز

في بعض السنوات من عام 1939م إلى عام 1953م

 

الدخل بالدولار

السنة الميلادية

3.200.000

1939م

10.400.000

1946 م

28.000.000

1948 م

56.700.000

1950 م

110.000.000

1951 م

212.200.000

1952 م

199.800.000

1953 م

المصدر: مصلحة الإحصاءات العامة، الكتاب السنوي لسنة 1358هـ/1965م ، ص 12.

 

ويعد اكتشاف النفط في المملكة العربية السعودية من أهم الأحداث الاقتصادية في تاريخ المملكة ، حيث تمكنت الحكومة السعودية من خلال عوائده من الإنعاش الاقتصادي للبلاد والولوج بها إلى الانطلاقة الحضارية في مختلف المجالات ، ورفع مستوى معيشة المواطنين، وتوفير الخدمات الأساسية لهم.

وقد حدثت تطورات عدة لدعم القطاع النفطي ، وإحكام سيطرة الدولة عليه في مراحل لاحقه بعد عهد الملك عبد العزيز استكمالاً للمسيرة التي وضع أسسها جلالته .

ففي عام 1957م/ 1376هـ منحت حكومتا المملكة العربية السعودية والكويت شركة النفط العربية اليابانية امتيازاً للتنقيب عن النفط واستغلاله في المنطقة المغمورة من المنطقة المحايدة ولمدة 44.5 عاماً ابتداءً من 5 يونيو 1958م بحيث تدفع الشركة لحكومة المملكة 56% من صافي الأرباح .

وفي عام 1388هـ/1968م بدأت المملكة في مفاوضات مع شركة أرامكو بهدف المشاركة في رأس المال إلى أن حصلت في عام 1393هـ / 1973م على 25% من حقوق امتيازهـــا وإدارتها ، ثم زادت حصتـها إلى 60% في السنــة التالية ، وفي عام 1400هـ/1980م آلت ملكية شركة أرامكو بالكامل إلى المملكة وبأثــــر رجعى منذ 1396هـ/1976م، وذلك بعد أن دفعت المملكة قيمة جميع أصول الشركة ، وفي شهر ربيع الآخر 1409هـ/ نوفمبر 1988م أسست شركة الزيت العربية السعودية ( أرامكو السعودية ) بمرسوم ملكي لتتولى المهام الإدارية والتشغيلية التي كانت تضطلع بها أرامكو نيابة عن الحكومة . هذا وقد بلغ إنتاج شركة أرامكو السعودية عام 1410هـ حوالي 98% من إجمالي إنتاج المملكة من النفط ، وهي بذلك تعد أكبر شركة نفط في العالم حيث تنتج بمفردها من الزيت الخام وسوائل الغاز الطبعي أكثر مما تنتجه أية شركة نفط أخرى في العالم .

هذا ويصل مجموع حقول النفط في المملكة في الوقت الحاضر إلى نحو60 حقلاً منتجاً للزيت والغاز بكميات تجارية (13).

2) تنمية نشاط القطاع الخاص وتوسعته :

أدى الاهتمام بتنمية القطاع النفطي وتوجيه جانب كبير من حصة الدولة من عائداته للمشروعات الإنمائية إلى إيجاد فرص استثمارية كبيرة للمواطنين لممارسة مختلف الأنشطة الاقتصادية ، ومن هذه الفرص تأمين وسائل النقل والإنشاءات الحديثة ذات العلاقة بعمليات حفر النفط وإنتاجه وصيانتها وشق الطرق ورصفها وتأمين أنواع من المواد الغذائية ، وتكسير الصخور وجليها ، وبناء مساكن العمال ، وإقامة الأسوار والحواجز وغيرها.

وقد نشأ نتيجة لذلك جيل جديد من أصحاب الأعمال قاموا بهذه المقاولات والتعهدات ، ثم تمكنوا بعد ذلك من تكوين شركات في مختلف المجالات التجارية والإنتاجية ، وانتقلت ممارستهم لأنشطتهم من المدن التقليدية إلى أسواق المدن والمراكز الجديدة التى كان لتشجيع الحكومة دور كبير في إنعاش التجارة بها ، ومن ذلك مبادرتها ببناء أسواق حديثة في هذه المدن والمراكز ، ومنحها للراغبين في عرض بضائعهم وتسويقها.

ونتيجة لارتفاع دخول الأفراد زادت معدلات الاستهلاك ، وارتفعت القدرة الشرائية لهم وزادت حركة العمران مما أدى إلى انتعاش القطاع الخاص ، وزيادة نشاطه في توفير احتياجات الأفراد والجهات والمرافق الحكومية التي أنشئت من السلع ومنها الأقمشة والملابس والمواد الغذائية ، وأدوات البناء ، ولوازم التشييد ، والأجهزة والأدوات الكهربائية والأثاث ، والمعدات والآلات وغيرها.

كما اتجه بعضهم إلى إنشاء المصانع وورش الإصلاح والصيانة ومحطات الوقود والتشحيم ومحطات الكهرباء الأهلية والمصارف الخاصة إضافة إلى أعمال المقاولات المختلفة.

3)       تنمية القطاعات الاقتصادية غير النفطية :

اهتم الملك عبد العزيز بتنمية القطاعات الاقتصادية غير النفطية لتدعيم الاقتصاد الوطني من خلال النهوض بالأنشطة الزراعية والتعدينية والصناعية والتجارية ، وذلك على النحو الآتي:

3/1 تنمية قطاع الزراعـة:

مع بوادر الانتعاش وارتفاع مستوى المعيشة للشعب السعودي زادت الحاجة إلى المنتجات الزراعية الغذائية من الخضر والفاكهة والأرز والقمح وغيرها ، وكان يعتمد في توفيرها بنسبة كبيرة على الاستيراد.

ومع اندلاع الحرب العالمية وما ترتب عليها من تعثر النقل فضلاً عن التدهورالإنتاج العالمي أدرك الملك عبد العزيز بفطنته انه من الممكن أن تتعرض البلاد إلى المجاعة إذا تم الاعتماد وبدرجة كبيرة على الاستيراد في توفير المواد الغذائية ، ومن ثم وجه اهتمامه لدعم السياسة الزراعية ، وزيادة الإنتاج ورفع مستواه ، واستقدم لهذا الغرض عام 1930م بعثة زراعية من العراق لبحث إقامة مشروع زراعي على أسس فنية حديثة من حيث الري والزراعة والآلات الزراعية في منطقة الخرج ، ثم تتابع العمل الزراعي في المشروع على يد بعثة زراعية مصرية .

وفي عام 1940م امتد المشروع وتطور فحوى المضخات المائية وقنوات ري عددها إحدى عشرة قناة تحت إشراف خبراء البعثة الزراعية الأمريكية التي استقدمت في ذلك الوقت(14).

وقد طاف خبراء البعثة مختلف أرجاء البلاد لاستكشاف مواردها وتحديد طاقات الإنتاج فيها، وبعد دراسات عدة فنية قدموا تقريراً في عام 1942م بإمكانية تطوير الأراضي المزروعة وزيادتها في الأحساء والخرج، ومضاعفة هذه المساحة خلال ثلاث سنوات(15).

وقد ركز الملك عبد العزيز على الإكثار من عدد المزارع و قدرتها الإنتاجية بإقامة الحدائق والبساتين في الرياض والسليل ومقرن وسلمى وليلى والدلم ومنفوحة والحوطة وجلاجل ، وأنشأ مزرعة نموذجية في الخرج ، وعهد بها إلى البعثة الأمريكية لإدارتها وتحويلها إلى حقل تجارب تسير على نسقها المزارع الأخرى(16) .

وقد حققت هذه المشروعات نجاحاً كبيراً ، وتميزت بإنتاجها من العديد من المزروعات، منها الحلفاء والقمح والشعير والطماطم والجزر والثوم والبطيخ والباذنجان وعلف المواشي.

ونتيجة لهذا النجاح وفي إطار اهتمام الملك عبد العزيز بالزراعة أنشئت مديرية الزراعة عام 1948م ، حيث قامت بدورها في جلب الآلات الحديثة للري وباعتها للمزارعين بالتقسيط ، ودرست مشروع إنشاء سدود عدة في منطقة الطائف مبتدئة بسد عكرمة في وادي وجد ، وجلبت حفارتين إرتوازيتين إحداهما للطائف والثانية لاستعمالها في تجاربها ،واستوردت عدداً كبيراً من الأشجار لصد الرياح ، وتشجير منطقة العاقول والطريق بين مكة وجدة ، واستحضرت جرارات زراعية للحرث وزعتها في بعض الجهات لإصلاح الأراضي الزراعية وحرثها بأجور يسيرة . كما جلبت كميات من البذور وأشجار الفاكهه ووزعتها على أصحاب المزارع، كما قامت أيضاً بإنشاء بضع مزارع نموذجية لتكون مدارس عملية للمزارع القريبة بمزرعة الكيلو عشرة ومزرعة أم القرون بجدة .

وأشرفت المديرية على زراعة تسعة آلاف فدان في منطقة القطيف ، وخمسة عشر ألف فدان في الهفوف ، وعرضت الأراضي الحكومية العامرة على الزراعيين في استئجارها نظير عشر إنتاجها ، كما قامت بتوزيع القروض على بعض المزارعين لشراء الآلات الحديثة وإصلاح قنوات الينابيع ، وتم في عهدها توقيع اتفاقية خاصة بالتعاون الزراعي في 17 يناير 1951م، لزيادة الرقعة الزراعية وتوسيع الخدمات الزراعية وتأسيس مزارع نموذجية ، وتحسين محاصيل الحقول وأراضي الرعي ورفع إنتاجيتها ، وإدخال التحسينات على السلالات الحيوانية ، وتدريب أعداد من السعوديين على أحدث الأساليب الزراعية ، وطرق الري ، ومكافحة الحشرات (17).

ولما اتسعت أعمال مديرية الزراعة حولت عام 1952م إلى وزارة الزراعة والمياه ، حيث اهتمت بتطوير أساليب الزراعة وتحديثها التي كانت شائعة ، والإرشاد الزراعي للتعريف بالطرق العلمية لـزراعة الري ومكافحة الآفات والحشرات، استقدمت الخبراء الزراعيين من بعض البلدان ذات الخبرة في الزراعة لتنفيذ هذه المهام ، كما اهتمت بتوفير الكوادر الفنية من خلال التعليم والتدريب الزراعي فأنشأت مدرسة زراعية متوسطة لتخريج الفنيين المتخصصين ، وأرسلت خريجين منهم للاستزادة من التعليم الزراعي خارج المملكة، كما عملت على تدريب بعضهم داخل المملكة وخارجها في العديد من العمليات الفنية الزراعية ، وقياسات السيول ، وأعمال الاحصاء الزراعي والمساحة ، والخدمات الريفية ، والتصنيع الغذائي ، ومكافحة الآفات الزراعية.

3/2 تنمية قطاع التعديـن :

اهتم الملك عبد العزيز بالبحث والتنقيب عن المعادن ، واستقدم عام 1930م خبيراً فنياً من الولايات المتحدة الأمريكية ، وهو " كارل تونشيل " للبحث عن المياه والمعادن، وبعد مدة من الدراسة أبدى الخبير ملحوظته بوجود علامات تدل على توافر الذهب وبعض المعادن الأخرى ؛ ونظراً لحاجة التنقيب إلى رأس مال وأيدى عاملة فنية فقد سعى إلى تكوين شركة بريطانية أمريكية كندية عقدت اتفاقاً مع الحكومة السعودية عام 1934م سميت باسم " اتفاقية التعدين العربية السعودية المحدودة "، وبعد سنتين من إبرام هذه الاتفاقية بدأ استثمار منجم الذهب الواقع شمال جدة.

وقد أكد الخبراء بناء على الدراسات التي أجريت وجود الذهب بكثرة في أماكن عديدة من البلاد ، منها سيحان وظلم وعين النجادي والأحاش والحبلى وصخيرة وماوان والعميرة، بلفه .

كما أكد الخبراء أيضاً وجود معادن أخرى في أماكن متعددة من المملكة منها :

§ الحديد في منطقة وادي فاطمة شرق جدة في جبل أدساس ، والصوارين في شمال غرب المملكة ، والمسبلة في جيزان ، وبئر نيط شمال شرق ينبع ، والرمال السوداء على ساحل البحر الأحمر .

§       النحاس في منجم العقيق ، ومصينعه والصفراء وعين الكظامية .

§       الفضة في الدوادمي والقويعية وحليبان .

§       الزنك في الأمارة والمنقرة .

§       الرصاص في منجم وادي قانونة على بعد 70 كم شرق بلدة القنفذة .

§ وجود مجموعة أخرى من المعادن غير الفلزية في مناطق متفرقة ، ومن هذه المعادن البازلت والفلورايت والجنزايت والملح والكبريت والجبس والأسبوستس والميكا والفلسبار ورمل الزجاج والكروم والصلصال (18) .

3/3 تنمية قطــاع الصناعـة :

عملت الحكومة السعودية في عهد الملك عبد العزيز على النهوض رويداً بقطاع الصناعة الذي كان يعاني من التخلف وعدم توافر الخبرة الفنية واليد العاملة المدربة ، مع شيوع استعمال الأساليب البدائية في الصناعةالإنتاج .

وعندما أقام الملك عبد العزيز الهجر حث المواطنين على العمل النافع من الصناعات القائمة التي كان منها :

صياغة الذهب، صناعة الفخار، الزخرفة والنقش، صناعة التروس، صناعة السروج، صناعة مواد البناء، صناعة الأدوات المعدنية، صناعة التطريز، صناعة المسابح، صناعة استخراج الزيوت ، دباغة الجلود وصباغتها ، صناعة النسيج ومنتجاته من الخيام والزكائب والبسط والمفارش والسجاجيد والمعاطف والمشالح، وصناعة السفن الشراعية.

وبعد استخراج النفط وتزايد إنتاجه أنشأت شركة أرامكو وبتشجيع من الدولة معمل تكرير النفط في رأس تنورة عام 1945م ، بسعة 50 ألف برميل في اليوم ، ويعد هذا المعمل أحد الصناعات النفطية المتطورة ؛ حيث يكرر الزيت الخام إلى تسعة منتجات نفطية ، منها وقود الديزل والبنزين والكيروسين والغاز السائل والأسفلت ووقود الطائرات النفاثة .

وشجعت الدولة انتشار الصناعات في العديد من مناطق المملكة واستعمالها للأساليب الآلية الحقيقية بدلاً من الأساليب التقليدية اليدوية ، وتسهيل استيراد احتياجات هذه الصناعات من الآلات ، فدخلت البلاد بعض آلات النسيج في الأحساء والقصيم والطائف والمدينة المنورة ، وأنشئت مصانع للصابون والأسمنت ، وتعبئة التمور والمياه الغازية ومطاحن الحبوب ، والمخابز الفنية .

3/4 تنمية قطاع التجارة:

في عهد الملك عبد العزيز ، خاصة بعد تزايد إنتاج النفط وما حققه من زيادة في إيرادات الدولة وزيادة في دخول الكثير من الأفراد ، زاد الطلب على السلع بمختلف أنواعها الاستهلاكية والمعمرة ، إضافة إلى تزايد أعداد الحجاج وما صاحب ذلك من زيادة أخرى في الطلب على السلع ، وعملت الدولة على تقديم التسهيلات كافة للتجار ، ومن ذلك إقامة المراكز والأسواق التجارية ، والسماح بإنشاء الغرف التجارية، وتسهيل عمليات الاستيراد ، ومن ثم بدأت الخدمات التجارية تنمو وتتطور خاصة بعد انتشار وسائل المواصلات السريعة ، وقيام الملك عبد العزيز بتوطيد علاقات المملكة مع الدول المجاورة ، وأيضاً مختلف دول العالم ، وعقد الاتفاقيات التجارية معها، وما لحقها من بروتوكولات لتنظيم مرور السلع والجمارك ومنافذها ، مما أدى إلى اتساع العلاقات والأعمال التجارية ، وتنشيط حركة نقل البضائع عبر السفن وغيرها من وسائل النقل .

ونتيجة لتشجيع التجارة الخارجية ظهرت العديد من المؤسسات الوطنية والوكالات التجارية للمؤسسات والشركات الأجنبية ، ومنها مؤسسات للاستيراد والتصدير ، وكان أهم الواردات الحيوانات واللحوم والسكر والخضر والفاكهة والأرز ومواد البناء كالأخشاب والأسمنت وقضبان الحديد والآلات والأدوات الكهربائية والسيارات ، وكانت تستورد معظم هذه السلع من الولايات المتحدة الأمريكية ودول غرب أوروبا والبلاد العربية مثل لبنان والعراق ومصر واليمن والحبشة والهند ، أما صادرات البلاد فقد تركزت في الزيت بنسبة 95% من الصادرات ، ثم التمر والصوف واللؤلؤ والحناء وشتائل النخيل .

3/5 تنظيم قطاع الخدمات المالية :

3/5/1 تنظيم موازنة الدولة :

اهتم الملك عبد العزيز بتنشئة قطاع منظم للخدمات المالية وتنميته ، حيث كانت البلاد تسير دون ميزانية منظمة على أسس صحيحة ، بل كانت تسير طبقاً للتقاليد القبيلة المتوارثة ، وكانت ميزانية السلطنة النجدية وملحقاتها ( وهو أحد الأسماء التي عرفت بها المملكة قبل توحيدها ) حوالى 400 ألف دولار عام 1917م تصرف بإشراف السلطـــان ، لذلك بادر الملك عبد العزيز إلى تنظيم موازنة الدولة ، وأنشأ في عام 1346هـ/ 1927م مديرية المالية لتنظيم إيرادات الدولة ومصروفاتها ثم حولها إلى وكالة المالية في عام 1348هـ/1929م.

ولما اجتاحت العالم الأزمة الاقتصادية عام 1930م استدعت الحكومة السعودية خبيراً اقتصادياً من هولندا لتنظيم ميزانية الدولة ، وفي السنة نفسها تحولت وكالة المالية إلى وزارة المالية ، وقد اختار الملك عبد العزيز الشيخ عبد الله السليمان لإدارة مالية الدولة منذ تأسيس مديرية المالية ، وعبر تطورها إلى وكالة ثم وزارة ، وبعد إنشاء وزارة المالية وضعت موازنة المملكة وفقاً لأسس نظامية ، وتمكنت الدولة بعد اكتشاف الزيت بكميات تجارية عام 1938م وتزايد إيراداته إلى تخصيص جانب كبير من هذه الإيرادات للإنفاق على مشاريع الخدمات الأولية للشعب .   

3/5/2 الإصلاح النقـدي:

تعــد العملة أحد الأسس الرئيسـة للنظـام المالي خاصـة بعد انقـراض نظـام المقايضة.

وعند بدء تأسيس الملك عبد العزيز للمملكة قبل توحيدها ، كان التعامل التجاري بوساطة نوعيات متعددة من العملات السائدة في دول أخرى .

ففي الأحساء كانت النقود المتداولة بين السكان هي دولار ماريا تريزا، وكان هذا الدولار من الفضة وبحجم قطعة خمس شلنات ، ويزن أونساً واحداً ، ومصنوع في فيينا ومصكوك سنة 1780م ، وكان يستعمل في الأمور التجارية بين فيينا والبحر الأحمر ، ثم عملة أخرى كانت متداولة بين السكان في المنطقة قبل توحيد النقد في الدولة السعودية ، وكانت تسمى الطويلة ، وتساوي 1/150 من دولار ماريا تريزا ، إلا أن الطويلة كانت قليلة ، ومن الصعب اقتناؤها عند الجميع ، وهي قضيب ملوي على شكل ملقــــط أو على شكل رقم 7 ، وهي في الأصــل من نقــــــــد فارسي اسمه لارين Persian Larin ، واللارين كانت عملة جارية في منطقة الخليج والمحيط الهندي في نهاية القرن السادس عشر الميلادي، وقد أخذت اسمها من بلدة " لار " Lar على الخليج .

وعندما دخل الأتراك إقليم الأحساء أدخلوا نقودهم العثمانية التى تعد حديثة بالنسبة للعملة السابقة ، وهي عبارة عن البارة والقرش والليرة . ثم انتشرت في المنطقة الروبية الفضية الهندية ، وهي تساوى شلناً وأربع بنسات إنجليزية ، وتساوي حوالى 85 طويلة. كما انتشرت البيزا الحمراء Biza ، وهي عملة عمانية ، ولكنها كانت تستعمل على نطاق محدود ، والبيزا تساوي 1/2 طويلة نحاسية ، وهي مسكوكة زمن السلطان العماني فيصل بن تركي سنة 1895م.

وقد امتد استعمال الريال الفرنسي دولار ماريا تريزا إلى المناطق الجنوبية من نجد كمنطقة الدواسر والأفلاج ، وكذلك إلى منطقة نجران شمال البلاد اليمنية (19)، وفي نجد انتشرت العملة التركية كالبارة والليرة التركية الذهبية ، وكذلك الجنيه الإنجليزي الذهبي، وانتشرت في المنطقة وعلى نطاق ضيق بعض النقود الفرنسية النابليونية التي تدعى Binto بنتو، كما انتشر في المنطقة استعمال الريال الفرنسي دولار ماريا تريزا.

أما في الحجاز فقد انتشرت العملة التركية العثمانية كالليرة الذهبية والبارة والقرش والمجيدية ، إلا أن الحكومة الهاشمية ألغت النقود التركية سنة 1923م واستبدلتها بنقود هاشمية إلى جانب الجنية الذهبي الإنجليزي، وقد صكت النقود الهاشمية في مكة ، وكان منها الدينار الهاشمي والريال الهاشمي والقرش ونصف القرش وربع القرش الهاشمي.

وفي عام 1344هـ/1925م وبعد ما ضم الملك عبد العزيز إلى حكمه بلاد الحجاز، أمر بإصدار أول عملة سعودية باسم ملك الحجاز وسلطان نجد ، وكانت من فئة القرش الذي يتكون من عشرين هللة ، ومصنوع من النحاس والنيكل(20) . كما أمر بالتعامل بالنقد التركي الذي كان ممنوعاً زمن الأشـراف بعد أن ضرب عليه كلمة الحجـاز(21) .

وفي عام 1347هـ/1928م أمر الملك عبد العزيز بإلغاء جميع النقود التركية والهاشمية ، وضرب الريال السعودي بتغطية الجنيه الإنجليزي، حيث كان يساوي عشرة ريالات ليكون وحدة كبرى للعملة ، وجعل بحجم الريال المجيدي ، وبالكمية نفسها الفضة التي كانت فيه لكي يحل محله هو والريال النمساوي ، ولم يكن له سعر ثابت في الأسواق على الرغم من سعي المالية لتثبيت قيمته.

كما سك أيضاً نصف ريال وربع ريال ، كانت قيمة الأول تساوي قيمة النصف المجيدي نفسه، وكذلك الحال بالنسبة لربع الريال ، وقد قسم الريال السعودي إلى أحد عشر قرشاً أميرياً، و 22 قرشاً دارجاً، وكان القرش الأميري يساوي قرشين دارجين.

وبالنسبة لنصف الريال وكذلك ربعه فقد نقش على وجهيهما نقش الريال نفسه إلا أنه استبــــدل كلمة ريال بكلمة نصف ريال أو ربعه ، كما استبدل عدد (1) بعدد "1/2" أو 1/4" (22) .

وفي عام 1370هـ/1951م استدعت الحكومة السعودية فريقاً من خبراء الولايات المتحدة الأمريكية في الشئون المالية لإيجاد نظام نقدي يتمشى مع التطور الاقتصادي الذي بلغته البلاد ، وتكوين جهاز إداري قادر على تيسير السيولة النقدية التي يتطلبها التوسع الاقتصادي وحركة بناء الدولة وتعمير المدن وتوفير الخدمات المناسبة في شتى المجالات ، واستيراد ما تحتاجه البلاد من مختلف السلع ، مع وضع السبل المناسبة لتجنب تعرض المملكة إلى تضخم مالي وتقلبات في أسعار الصرف ، خصوصاً وأن المملكة قد واجهت في سنوات الحرب العالمية الثانية وما قبلها حقبة ركود اقتصادي ومالي ونقصاً في عوائد النفط ، وفي السلع المستوردة ، مما أدى إلى ارتفاع الأسعار ، وانخفاض القـــوة الشرائية للريــــــــال(23) .

وقد اقترح فريق الخبراء إنشاء بنك مركزي يكون مسؤولاً عن النظام النقدي وإدارته لصالح البلاد ، واستناداً إلى ذلك صدر مرسوم ملكي عام 1372هـ/1952م بإنشاء مؤسسة النقد العربي السعودي لتكون بمثابة البنك المركزي، ويقع على عاتقها مسؤوليات المحافظة على مركز الريال السعودي ، وتثبيت قيمته في الداخل والخارج والاحتفاظ باحتياطى الدولة النقدي وشراء العملات والسبائك الفضية والذهبية وبيعها لحساب الحكومة ، واقتراح إصدار عملات جديدة ، والقيام بمهام المصرف المركزي للحكومة ، وتنظيم الأعمال المصرفية .

من ناحية أخرى شجعت الحكومة السعودية ، وسمحت بتأسيس المصارف الأهلية حيث لم يكن في المملكة حتى عام 1345هـ /1926م سوى فرع في جدة لبنك هولندي هو بنك "نيدزلاند تريدنج سوسيتي " ، وكانت خدماته مقصورة على فتح الاعتمادات للتجارة الخارجية، فتأسس في الرياض مصرف مؤسسة صالح الراجحي عام 1356هـ 1937م ، وتأسست في جدة الشركة الأهلية للتجارة شركة أهلية متضامنة تقوم بالأعمــــال المصرفية والتجارية عام 1357هـ/1938م، وقد استبدل اسمها في عام 1373هـ/ 1953م إلى اسم "البنك الأهلي التجاري " ، ومركزه مدينة جدة ، وله فروع عدة في المدن السعودية، ثم مصرف "إبراهيم إسماعيل زهران" ، وهو مؤسسة مصرفية وطنية تقوم بالأعمال المصرفية إلى جانب أنها احتوت على أقسام للتوكيلات العمومية كفتح اعتمادات للاستيراد من الخارج ، والقيام بالوظيفة الاقتصادية التي تهم الطيران المدني السعودي ، ثم تأسس فرع للبنك العربي وآخر لبنك القاهرة ، وهما مؤسستان عربيتان تقومان بالأعمال المصرفية في البلاد السعودية ، هذا إلى جانب بعض المصارف الأجنبية كالشركة التجارية الهولندية وشركة الهند الصينية والبنك البريطاني للشرق الأوسط ، والبنك الأهلي الباكستاني وبنك Netherlands Trading Society” " وبنك “Gellaty Hantey and Co. Ltd” ، والأخيران كانا في مدينة جدة للقيام بالوظائف المصرفية والتجارية الخاصة بالأجانب والشركات الأجنبية في المملكة(24).

أما في المنطقة الشرقية فقد نتج عن الازدهار الاقتصادي وتطور التجارة وازدياد حركة الاستيراد ونشاط مجال الأعمال والمقاولات ، تسابق البنوك في فتح فروع لها في مدن المنطقة الرئيسة ، على الرغم من أن المدن الرئيسة كالهفوف والقطيف لم تعرف نظام المصارف من قبل ، على الرغم من احتراف بعض سكانها عمل الصرافة ؛ إذ كانوا يقومون بعملية تبديل العملات الأجنبية ، وكان ذلك يمارس في حيز محدود ، وبحسب ما تسمح به إمكانية أولئك الصيارفة ، إلا أنه منذ عام 1370هـ/ 1950م ونتيجة لازدهار الحركة الاقتصادية بعد تدفق النقط فقد بدأت المنطقة تعرف البنوك التجارية . وقد استحوذت مدينة الخبر وحدها على أكبر عدد من فروع البنوك لكونها المركز التجاري النشط في المنطقة والأقرب إلى الإدارة الرئيسة لصناعة النفط، فقد افتتح بها فروع لبنك الاندوشين والسويس عام 1367هـ/1948م ، والبنك البريطاني للشرق الأوسط عام 1370هـ/ 1950م والبنك الأهلي التجاري عام 1370هـ/1950م(25) .

4 – الاهتمام بالبنية الأساسية :

اهتم الملك عبد العزيز بتوفير البنية الأساسية للبلاد على أسس حضارية حديثة شاملة كتعبيد الطرق والمواصلات والاتصالات والمطارات والموانئ والمياه المحلاة وغيرها.

وقد أدرك الملك عبد العزيز وهو يبني صرح دولته أن المواصلات الحديثة من الأسس المهمة للبناء لربط أجزاء الدولة والحفاظ على وحدتها ، وبسط الأمن بين ربوعها ، كما أنها عامل مساعد لنشر الرخاء وتحقيق الانسجام بين سكان المجتمع ، وتأمين اتصالهم ببعض، لذلك أخذ الملك عبد العزيز بأساليب الحضارة الحديثة فأدخل السيارات والطائرات والقاطرات بدلاً من الجمل، وعمل على ربط أجزاء مملكته بشبكة من الطرق المعبدة بدلاً من دروب القوافل وبوسائل المواصلات السريعة السلكية وغير السلكية ، وتولى الإشراف على قطاع المواصلات مديرية تتبع وزارة المالية ، وعندما تأسست وزارة الداخلية عام 1370هـ /1950م ، أوكل لها حق الإشراف على قطاع المواصلات ، ومع تطور مسئوليات هذه المديرية رأت الدولة ضرورة تأسيس وزارة مواصلات عام 1952م ، وكان تأسيس هذه الوزارة بداية مرحلة جديدة من التطور في وسائل المواصلات على اختلاف أنواعها استجابة لمقتضيات التطور الاقتصادي والتنظيم الإدارى والاجتماعي .

ومن ملامح الإهتمام بإنشاء البنية الأساسية ما يأتي :

3/6/1 تعبيد الطرق :

باشرت وزارة المواصلات عملها بعد تأسيسها ، وأخذت تخصص كل عام الملايين من الريالات لتعبيد طرق جديدة تصل المدن بعضها ببعض ، فضلاً عن ربط المملكة بجاراتها، وقد بدأت نشاطها برصف طريق جدة المدينة وطوله 500 كم لتسهيل نقل الحجاج بالسيارات، وكذلك طريق مكة عرفات ، كما مهدت كثيراً من الطرق.

3/6/2 إنشاء السكك الحديدية :

لقي إدخال السكك الحديدية اهتماماً كبيراً ؛ حيث أنشئ أول خط حديدي عام 1951م ليصل بين الرياض والدمام عبر الظهران والهفوف وعين حرض والخرج ، وترجع قصة إنشاء هذا الخط إلى زيارة الملك عبد العزيز لمصر عام 1946م ؛ إذ أعجبته ركوب القطارات ، وما كاد يعود إلى بلاده حتى أخذ يردد الحديث عن السكك الحديدية ولماذا لا يكون في المملكة منها ما هو في غيرها ؟ ووجه في يوليو عام 1946م بقيام بعض الرؤساء في شركة بكتل بدراسة مشروع إنشاء سكة حديد بين الدمام والرياض على أمل أن تربط المسافات الشاسعة في بلاده في المستقبل بشبكة من السكك الحديدية للنقل الإنتاج والمساعدة على الاستيطان وتسهيل المواصلات بين المدن.

وتولى المختصون دراسة المشروع ، وشرعوا في مد الخط ، واحتفل بافتتاحه في 20 أكتوبر 1951م ، ويبلغ طول هذا الخط 357 ميلاً .

3/6/3 النقل الجوى والمطارات

جاء إدخال النقل الجوي وسيلة رئيسة للمواصلات في المملكة تتناسب مع رقعة البلاد واتساعها ، ومنذ أن بدأت الدولة بأسباب النهوض أخذت تعتمد على الطائرات في المواصلات الداخلية ، وكانت الدولة الوحيدة في الشرق الأوسط التي اعتمدت على النقل الجوي في مواصلاتها الداخلية في ذلك الوقت .

وكان للملك عبد العزيز الفضل الأكبر في إيجاد هذا النوع من المواصلات إذ اشترى في عام 1348هـ أربع طائرات من ذوات المحرك الواحد ، وعمل عليها أجانب أول الأمر، ثم أرسل بعثة سعودية إلى إيطاليا عام 1354هـ مؤلفة من عشرة شبان لتعلم الطيران ، ولما عادوا أرسلهم الملك عبد العزيز إلى مصر لاستكمال تدريبهم ، وعادوا عند نشوب الحرب العالمية الثانية ، ثم اشترى الملك عبد العزيز أربع طائرات أخرى ، منها ثلاث للتدريب، وطائرة فرنسية أخرى صغيرة سريعة وأخرى أمريكية ، وأنشأ جلالته إدارة خاصة للطيران ألحقت بعد ذلك بوزارة الدفاع ، وسميت " إدارة طائرات الخطوط السعودية " ، ثم زادت عناية الملك عبد العزيز بالطيران في أواخر الحرب العالمية الثانية ؛ إذ اشترى خمس طائرات أمريكية من طراز داكوتا ، وأضاف إليها ست من النوع نفسه ، ثم ثلاث أخر ، ثم اشترى خمس طائرات من طراز بريستول، وأنشأ الملك عبد العزيز خط طيران منظم بين السعودية ومصر وسوريا ولبنان لنقل الركاب والبريد والبضائع ، وقامت طائرات الخطوط السعودية برحلات كثيرة لنقل الحجاج ، وأنشأت وزارة الدفاع مدرسة للطيران بالطائف ، وأرسلت عدداً من خريجيها إلى بريطانيا لاستكمال دراستهم.

كما عني الملك عبد العزيز أيضاً بالمطارات فأنشأ مطار جدة والحوية بالطائف والرياض والخرج والأحساء والظهران ، ويعد من أعظم مطارات الشرق الأوسط ، كما أنشأ مطارات في رأس الشعاب والمدينة وحائل وبريدة وسكاكا وينبع والوجه .

 

3/6/4 النقل البحري والموانئ :

نال النقل البحري أيضاً عناية الملك عبد العزيز ، وكان من ثمار هذه العناية انتشار الموانئ السعودية على كل من شاطئ البحر الأحمر والخليج لاستقبال العديد من البواخر العالمية ، كما تستقبل كذلك ناقلات الزيت الضخمة التي تحمل زيت المملكة إلى الأسواق العالمية ، كما يتم منها السفر عن طريق البحر واستيراد السلع وتصديرها، ومن أكبر موانئ المملكة جدة وينبع والدمام وجازان ورأس تنورة .

وقد أنشأ الملك عبد العزيز ميناء جدة الجديد عام 1951م حيث كانت بواخر الحجاج تقف في عرض أمام الساحل ، ثم تنقل السفايك الحجاج منها إلى شاطئ جدة، أما بعد إنش