المقدمــــة :

ركزت كثير من الأبحــــاث والدراسات على الجوانب الاجتماعيــــــة والسياسية والاقتصادية والمالية في عهد الملك عبد العزيز، ولكن الملفت للنظر أنه لا تمر سنة
إلا وأضافت إلى المكتبات العالمية جديداً غفل عنه الباحثون أو قراءة جديدة لما كتب عنه الدارسون . ولا نظن أنه سيأتي وقت تنتهي فيه الإضافات  لهذا العدد الهائل من الدراسات.

وعندما نكتب عن الإدارة المالية في عهد الملك عبد العزيز فإننا نحاول أن نستجلي جانباً مهمًّا من جوانب الحكم، شهد تطوّراً ملحوظاً ومهمّاً بكل المقاييس ، آخذين في الحسبان ضعف البنية الإدارية والمالية التي كانت عليها هذه البلاد قبل تأسيس الملك عبدالعزيز لهذا الكيان.

وفي إطار معالجتنا لجانب الإدارة المالية ، هياكل و مؤسسات ونظماً ، نستفتح بعرضٍ سريعٍ لما كان عليه الواقع الاقتصادي والمالي بمقاطعات المملكة قبل انضوائها تحت لواء الملك عبدالعزيز. ومن ثم نتطرق إلى الوضع الاقتصادي والمالي في المملكة عموما منذ بداية التأسيس حتى بداية تصدير النفط بكميات تجارية . ومن ثم ندلف إلى تأثير اكتشاف النفط وتصديره على الوضع الاقتصادي والمالي للمملكة. ثم نتطرق بشيء من التفصيل إلى إعادة هيكلة الإدارة المالية بعد توحيد المملكة، والتي تشمل صدور الأنظمة المالية، وتكوين الإدارات الاقتصادية والمالية.

وفي ختام البحث نتطرق إلى الإرث الإداري والمالي الذي تركه الملك عبد العزيز لأمته كقاعدة وأساس لما أعقبه من تطور. 

 

 الوضع الاقتصادي والمالي قبل توحيد المملكة :

 عاشت مقاطعات المملكة قبل خضوعها للحكم السعودي أوضاعاً مختلفة في النواحي الإدارية والاقتصادية والمالية، ولقد تأثرت كل واحدة منها بعوامل داخلية وأخرى خارجية .أما العوامل الداخلية فيمكن إجمالها في النسيج الاجتماعي للمقاطعة، الموقع الجغرافي، والموارد الاقتصادية المتاحة .أما العوامل الخارجية فأهمها درجة الاتصال الخارجي ( مقاطعات الساحل ) والوقوع بصورة متفاوتة تحت تأثير أو حكم القوى الأجنبية والحركة التجارية ونظراً لأن درجة التأثير تختلف من إقليم لآخر، فسوف نستعرض الوضع الاقتصادي والمالي، لكل مقاطعة على حدة مبينين هذه التأثيرات المختلفة.

الحجـــاز :

كانت الحجاز تخضع للحكم العثماني من سنة 922  حتى  1334هـ أي أربعة قرون بمشاركة من الأشراف في بعض نواحي الإدارة المحلية . وكانت الأوضاع الاقتصادية في الحجاز تتأثر بنظرة الحكام العثمانيين للمنطقة، التي تختلف من فترة لأخرى، كما تتأثر بعلاقة الأشراف ببعضهم، مما يؤثر على درجة الاستقرار في المنطقة والتي تؤثر على  مستوى تدفق الحجاج وتدفق الأموال من خارج المنطقة ، كما أن لإنشاء الخط الحديدي في الحجاز ، الذي وصل إلى المدينة عام 1326هـ أثراً في تحسين الأحوال الاقتصادية في مدن الحجاز حيث يسّر وصول الحجاج والزوار للأماكن المقدسة بأعداد كبيرة، كما يسر استيراد البضائع وتصديرها من المنطقة([1])، وتبع ذلك تحسن في المستوى المعيشي للسكان([2])،وتحسن في دخل السلطة الحاكمة حيث كانت تجبي سبعة دنانير عن كل حاج أو زائر، كما تجبي عشر قيمة البضائع المستوردة حيث بلغ إيراد ميناء جدة في إحدى السنوات أكثر من سبعين ألف دينار ذهبي .

إلا أن الفترة السابقة لدخول الملك عبد العزيز مكة المكرمة ثم ضمه مدينة جدة وهي الفترة التي حكم فيها الشريف الحسين بن علي الحجاز مباشرة، وأعقبه ابنه علي، كانت من أشد الفترات قسوة في التاريخ الاقتصادي للحجاز ، فقد قامت الحرب العالمية الأولى، وتسببت في تعطيل التجارة العالمية وتدفق وصول الحجاج، ثم أعقب ذلك إعلان  الشريف الثورة على الدولة العثمانية، وتعطيل الخط الحديدي في الحجاز ، وعندما ضعفت موارد الخزينة العامة لجأ الشريف إلى فرض مزيد من  الضرائب . فقد ذكر الدكتور الفوزان نقلاً عن صاحب مرآة الحرمين أن الشريف أمر أن يؤخذ على كل شقدف  ستة  قروش مصرية، وأن تقسم أجرة الجمل من جدة إلى مكة البالغة خمسة ريالات بين الشريف والمتعهد وصاحب الجمل حيث يخصص 20% للشريف ، 20% للمتعهد و 60% لصاحب الجمل. كما فرضت في هذه الفترة ضرائب على المطوفين وعلى التجار وعلى الحرفيين . كما تضاعفت الرسوم على الحجاج حيث ألزم  كل حاج بدفع رسم إضافي  يبلغ نصف ليرة ذهبية . ولقد ازدادت الأحوال سوءاً  في عهد الشريف علي بن الحسين آخر شريف تولى أمر الحجاز قبل انضوائه تحت لواء الملك عبد العزيز . إذ إنه لما تعطل وصول الحجاج إلى الأماكن المقدسة بسبب الحروب شحت الموارد، فتضاعفت الضرائب، حتى تكون موارد للشريف حسين فاشتد على الناس الفقر ووصل الحال بالطبقة الوسطى إلى حد العوز([3]).

نـجـــد :

يقول الدكتور عبد الفتاح حسن أبو علية ،أستاذ التاريخ الحديث بجامعة الإمام محمد ابن ســعود الإســلامية، في كتابه الإصلاح الاجتماعي في عهد الملك عبد العزيز: إنه لم توجد في الجزيرة العربية في أواخر القرن التاسع عشر دولة موحدة ذات أنظمة ثابتة ومنظمة، بل هي مجموعة من القبائل تقدم الولاء التقليدي للدولة المحلية (السعودية أو التركية) وكان دور الحكومة المركزية إن كان لها دور هو جمع الزكاة والضرائب ،كما أن القبائل لم تلمس من الدولة المركزية نشاطاً من أجل تحسين أوضاعها الاقتصادية والاجتماعية كالقيام بإنشاء المرافق العامة الصحية والتعليمية . بل كانت القبائل ترى أن أموال الزكاة  والضرائب تذهب سدى . وهذا يدل على خلو البلاد من الأنظمة المالية . ويمكن  وصف الاقتصاد  في منطقة نجد بأنه اقتصاد يسير، فهي منطقة داخلية، ينقسم سكانها من حيث الاستقرار إلى بدو وحضر . فالبدو: هم السكان غير المستقرين الذين ينتقلون من مكان إلى آخر تبعاً لسقوط المطر ومراعي الماشية، ويعتمدون على ماشيتهم من إبل وغنم، فمن لحومها وألبانها معيشتهم ومن أصوافها وجلودها مساكنهم، وبعض مستلزماتهم المنزلية وما يحتاجونه من مستلزمات  حياتهم التي لا توفرها الماشية يجلبونها من المدن والقرى المجاورة لمراعيهم([4])  . عن طريق المقايضة أو عن طريق بيع بعض ماشيتهم، أو منتجاتها في أسواق المدن والقرى وشراء ما يحتاجونه من مستلزمات. ولا شك أن البدو كانوا يعانون أشد  المعاناة  عندما يتأخر نزول المطر أو تجدب الأرض حيث تنفق ماشيتهم، ويصلون  لحالة شبه العدم .وقد يسهم البدوي في تمويل خزينة الحكومة المحلية أو الحكومة المركزية إن وجدت عن طريق الزكاة.

والقسم الآخر من سكان نجد هم الحاضرة: أي سكان المدن والقرى . ومعظم هؤلاء يشتغلون بالزراعة، التي  أهم محاصيلها التمر والحبوب ، حيث يُسْتَهْلَكُ جزءٌ منها محلياً ويصدرُ الباقي إلى مناطق مجاورة كالحجاز وعسير والكويت . أما البضائع  التي لا تنتج محلياًّ فهي نادرة نسبيا حيث تجلب من موانئ خارج المنطقة، إما عن طريق ميناء العقير في الأحساء، أو عن طريق ميناء جدة في الحجاز، أو تجلب براًّ خاصة إذا كانت قادمة من الشام أو العراق و كانت  قوافل نقل البضائع داخل الجزيرة  العربية غالباً
ما تتعرض إلى السلب مما جعل التجارة مخاطرة من أرباب المال مما يزيد في ندرة مثل هذه البضائع وغلاء ثمنها.  كما يشتغل قسم آخر من سكان المدن والقرى النجدية بالحرف والخدمات كالنجارة والحدادة والحياكة وخرازة الجلود. ولعل غياب الحكومات المركزية القوية، وانقطاع المدن والقرى النجدية عن الخارج، وصعوبة الاتصال بين المدن والقرى، وعدم الأمن في حركة الأشخاص والبضائع بين المدن، جعل كل قرية أو مدينة تكون بذاتها إدارة محلية في معظم مناحي الحياة، ومنها الناحية الاقتصادية والمالية . فالقرية أو المدينة النجدية تشكل وحدة اقتصادية متكاملة، يندر أن تحتاج إلى الخارج فهي تنتج ما تستهلكه محلياًّ، ويتبادل السكان المنافع، ومنهم من يقوم  بالخدمات وهكذا. فحتى الائتمان المالي أوجد في القرية أو المدينة النجدية حيث نجد من بين تجارها من يقوم بخدمة بيع البضائع بالأجل، كما يشتري مثل هؤلاء التجار البضائع الآجلة، وهو ما يعرف بالسلم في كتب الفقه.

وعلى الرغم من أنه لا توجد حكومة مركزية  فإن الإدارة المحلية في المدينة أو القرية تمول الخدمات العامة من مصادر مختلفة :

أ ) إسهام المزارعين بجزء من نتاج ثمارهم من التمر والقمح في سد احتياجات الموظفين العاملين كالأمير أو النظراء أو أعضاء هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وهو ما يعرف بالبروة.

ب) الزكاة الشرعية خاصة زكاة  الحبوب والثمار، التي يخرجها المزارعون في نهاية الموسم، وتصرف  في المصارف الشرعية التي حددها القرآن الكريم.

ج ) الأوقاف التي تمول المساجد والمدارس ومصادر المياه.

د ) التبرع الجماعي لجمع ما قد يساعد الإدارة المحلية على تسيير مرفق عام كمصدر ماء أو تحسين طريق أو فتح عقبة . . . الخ  

عســير:

دخلت عسير  تحت الحكم السعودي بتاريخ 15/11/1338 هـ بعد أن خرج منها العثمانيون الذين دخلوها عام 1232هـ واستولوا عليها عام 1285هـ([5]). وكانت سلطة العثمانيين خلال سيطرتهم على إقليم عسير سلطة اسمية، إذ لم تتجاوز سلطتهم الرسمية أو سلطتهم الحقيقية  المراكز العسكرية الثلاثة([6]) وبعض المدن . أما السلطة الحقيقية فكانت  لشيوخ القبائل. ولا شك أن الأنظمة الإدارية تتبع السلطة الحقيقية ، كما أن مستوى التطور الاقتصادي والمعيشي يملي الوسائل الإدارية فكلما تقدم المستوى الاقتصادي والمعيشي كلما تقدمت الوسائل الإدارية .

وقد كانت الحياة الاقتصادية في عسير خلال الحكم العثماني حياة اقتصادية يسيرة تعتمد على الأنشطة الزراعية والتجارية والحرف بالقدر الذي يسد حاجة مزاولي هذه الأنشطة . وكانت المقايضة تؤدي عملاً مهما في النشاط الاقتصادي و حتى بين الأنشطة الاقتصادية المختلفة . فقد أورد الدكتور غيثان بن علي بن جريس([7]) نقلا عن الأستاذ يحي بن علي مستور أن المزارع كانت تقسم غلته من الحبوب بعد حصادها ودرسها وتصرف عينا وفقا للمصارف الآتية: 

1)          جزء يدفع للعمال الذين أسهموا في الإنتاج من حرث وبذر وحصاد ودراسة إذا تمت الاستعانة   بهم في أعمال المزرعة.

2)           جزء لأصحاب المهن والحرف الذين أسهموا في توفير الأدوات والآلات الزراعية، والذين  عملوا على صيانة هذه الأجهزة والأدوات طيلة الموسم انتظاراً لأخذ مقابل هذه الأجهزة، وهذه الصيانة من غلة الحبوب عند نهاية الموسم.

3)           جزء يبلغ عشر الغلة يدفع لما يعرف " بمالية الجماعة " ومالية الجماعة مؤسسة اجتماعية غير رسمية تتكون من أربعة إلى ستة من الأمناء الذين تختارهم الجماعة أو القرية يستلمون تلك الأعشار، ويحفظونها في مستودعات ذات أقفال بعدد الأمناء، وكل قفل يحمل مفتاحه أحد الأمناء حتى لا يفتح المخزن إلا بحضور جميع الأمناء لزيادة الرقابة ،وتستخدم تلك العشور للنفع العام وتصرف غالبا في المصارف التالية:

أ  ) مساعدة من حلت به جائحة أو نزلت به آفة والمساعدة إما في شكل إعانة أو في شكل سلفة يعيدها عند المقدرة.

ب) من تحمل ديناً لسبب مشروع وعجز عن سداده فيستلف من مالية الجماعة حتى يفتح الله عليه ويسدد السلفة.

ج ) من تحمل دية كلية أو جزئية وهو في حالة دفاع عن النفس فيدفع له من مالية الجماعة ما يمكنه من دفع تلك الدية.

وإلى جانب المقايضة التي تغلب على المعاملات المالية فكان هناك استعمال محدود للنقود. وكانت النقود المستعملة آنذاك هي الريال الفرنسي والقرش أبوحوطة  وأبو طرة وكان الريال يساوي عشرين قرشاً من أبي حوطة وأربعين قرشا من أبي طرة([8]) ومما يدل على غياب الأنظمة المالية ووسائل التجارة هو اختلاف أسعار السلعة بين وقت الوفرة ووقت النقص ، فالقمح مثلا يباع أيام الحصاد اثني عشر مدا بريال ثم يرتفع السعر في غير أوقات الحصاد حتى يصبح المد بريال أي أن السعر يتضاعف اثني عشر مرة.

ومع ذلك فإن للحكم العثماني في عسير تأثيراً على بعض الأنظمة الإدارية والمالية فقد اعتمد النظام المالي على الزكاة والضرائب التي تفرض على رعايا الدولة . كما أسست بجانبها محكمة عثمانية وطبقت فيها الأحكام الشرعية بموجب مجلة الأحكام العثمانية مباشرة حيث كانت تتبع والي البصرة العثماني قبل انضوائها تحت لواء الملك عبد العزيز، بعد أن اعترفت به الدولة العثمانية حاكماً على نجد والأحساء عام 1332هـ إثر اتفاقية الصبيحية([9]) .  إلا أن الأحوال الاقتصادية في  الأحساء كانت  بصورة عامة أفضل مما هي عليه الحال في معظم أقاليم المملكة الأخرى، فالأحساء منطقة زراعة وصيد بحري بشقيه اللؤلؤ والسمك، بالإضافة إلى ذلك كانت التمور تصدر خارج الأحساء إلى قطر والبحرين والكويت والحجاز ، ويذكر  لوريمر(lorimer) بيانا بصادرات الأحساء من التمور وكانت كالآتي:

3000 طن إلى جدة عن طريق ميناء العقير 

1000 طن إلى جدة عن طريق ميناء البحرين

5000  طن إلى البحرين

2000 طن إلى قطر  

هذا الوضع الاقتصادي الذي يمكن أن يوصف بالمتقدم استدعى وجود تنظيمات مالية لتحصيل الضرائب والزكاة . فقد كانت السلطات العثمانية تفرض الضرائب على النخيل على ثلاث درجات . الدرجة الأولى قرشين ذهبيين على  كل شجرة نخيل ، الدرجة الثانية قرش وربع على كل شجرة، والدرجة الثالثة ثلاثة أرباع قرش ذهبي تركي على كل شجرة. كما كانت السلطات العثمانية تفرض ضريبة مقدارها نصف ليرة ذهبية تركية عن كل سفينة صيد مهما كان حجمها . وبدهي أن تجمع أموال الضرائب والزكوات لدى السلطة الحاكمة يستدعي نظاماً مالياًّ لإنفاقها أيضاً. ومن ثم فقد  أدخلت الدولة العثمانية بعض التنظيمات المالية والتي ورثتها الإدارة التي أقامها الملك عبد العزيز بعد دخوله الأحساء.

جـــازان :

دخلت جازان  تحت الحكم السعودي عام 1345هـ ، وقبل ذلك كانت تحت حكم الأشراف ثم الأدارسة([10]) . وقد تمثل الدعم السياسي للحكم الإدريسي في احتفاظه بعلاقات طيبة مع اليمن من جهة ومع حلفائه الإيطاليين من جهة أخرى. ولا غرو فقد مثلت الإعانات المالية والعسكرية الإيطالية والبريطانية دعما رئيساً لحكمه. أما داخلياًّ فقد امتازت مصادر الدخل بالتنوع وتركزت بصورة رئيسة في الضرائب والزكاة والرسوم الجمركية والممالح([11]).

وقد تميزت الأمور المالية بعدم الكفاءة في الإجراءات، إذ تمركزت كلها حول شخصية السيد الإدريسي ، إذ كان هو المتصرف فيما يليه من المناطق ، أو ينوب عنه أهل الثقة في الأماكن البعيدة.

وقد وصف المعبدي النظام المالي للإدريسي بالبدائية وعدم التنظيم الإداري([12]). وعلى الرغم من ذلك فقد حفلت الأمارة بزخم اقتصادي تمثل في دعم البريطانيين للإدريسي لكي يقف ضد العثمانيين في جنوب الجزيرة. وتمثل هذا الدعم في المعونات العسكرية والذخائر ودعم حركة التجارة عبر الموانئ في إمارته إذ تكفلت بريطانيا بكامل حرية الحركة التجارية عبر الموانئ في حين حرمت منها الآخرين.

وقد ذكر المعبدي أن الجانب المالي تمثل في حصول الإدريسي على مبلغ 25000 جنيه إسترليني في محرم 1336هـ (1917م) . بالإضافة إلى منحة شهرية تبلغ 12000 جنيه إسترليني. وجاء المصدر الآخر من عائد امتيازات التنقيب عن النفط لشركة البترول الإنجليزية المصرية مقابل دفعة بلغت عشرة آلاف جنيه منحة، وقسط بلغ  ثلاثة آلاف جنيه عن السنة الأولى إضافة إلى بعض المساعدات العسكرية  الأخرى([13]). 

وقد استفاد السيد الإدريسي كثيراً من مكانته الدينية في تعبئة مساعديه وأتباعه لجمع الزكاة، وكان الجهاز الإداري لجمع الزكاة  مكوناً من السعاة والكتبة والقابضين والخزنة والحراس والموزعين([14]). وكذلك كانت الضرائب تفرض على السكان ولكن لم يكن الالتزام بدفعها كاملا مثل الزكاة.

وكانت الجمارك أكثر نظاماً من الأجهزة الإدارية الأخرى، إذ كان رواج الحركة التجارية في موانئ الإمارة باعثاً على التنظيم . وقد كان في معظم موانئ الإمارة المتعددة ما يشبه الدائرة الجمركية، تقوم بتحصيل الرسوم على الواردات والصادرات، والتي كانت بمعدلات أقل من أسلافه العثمانيين([15]).

كانت العملة المتداولة محلياًّ في عهد الأدارسة هي (ثلث أبو حولا) وهي عبارة عن عملة معدنية صغيرة تساوي نصف قرش تركي ، بالإضافة إلى ريال ماريا تريزا وقيمته اثنا عشر قرشا عثمانياًّ وكذلك الجنيه الإنجليزي وكان يعرف باسم أبو خيال وكان سعره مائة وعشرين قرشا عثمانيا هذا بالإضافة إلى  الروبية الهندية وقطعاً معدنية قليلة القيمة عرفت باسم أبو صرة([16]). وقد ذكر المعيدي أن المقايضة كانت تمثل جزءاً لا يستهان به من نظام التبادل الاقتصادي في الإمارة.

وقد كانت معاهدة مكة في عام 1345هـ التي وقعها الإدريسي مع الملك عبد العزيز نقطة تحول في تاريخ الإمارة، إذ نصت الاتفاقية على إشراف جزئي على الإمارة . ولقد ذكر بعض الكتاب أن العوامل التي دفعت الإدريسي لتوقيع  الاتفاقية تتمثل في انقطاع الدعم الخارجي المالي والعسكري والركود الاقتصادي، الذي تبع ذلك، وقد خصص الملك عبد العزيز للإمارة  إعانة سنوية مقدارها مائتان وخمسون ألف ريال لتغطية ذلك العجز([17]). ومهما يكن من أمر فإن المعاهدة لم تحقق للإدريسي ما هدف إليه من تخفيف متاعبه، مما دفع به لطلب الإشراف السعودي الكامل على النواحي المالية والإدارية في عام 1349هـ.

وقد أثر ذلك الوضع الجديد على جميع نواحي الإدارة المالية للإمارة ، فطورت الإدارة السعودية الموانئ والجمارك بصورة منظمة، كذلك الزكاة والموارد الطبيعية التي تمثلت في إنتاج الملح والزراعة وتربية الحيوان.

وأصبحت الإمارة خاضعة لأنظمة النقد الحكومية السعودية، وخاصة بعد إصدار الحكومة السعودية لريالها الفضي في عام 1349هـ.

مرحلة ما قبل الاستغلال التجاري للبترول :

بعد أن توحدت المملكة جغرافيا ، اتجه تفكير الملك عبد العزيز رحمه الله إلى توحيدها اقتصادياًّ ومالياً . فكما أشرنا سابقا فإن النواحي المالية من عملة ونظم تجارة وإدارة كانت مختلفة فيما بين هذه المقاطعات، وحتى في داخل المقاطعة الواحدة بدرجة كبيرة .وتمثلت هذه الخطوة  في تنظيم الأمور المالية وتوحيدها في ثلاثة محاور هي:

أولا : وضع الأطر الاقتصادية والمالية التي تسهم في تحسين الوضع المعيشي واستنباط مصادر إيرادات جديدة.

ثانيا : توحيد العملة التي تعد رمزاً للوحدة والسيادة الوطنية.

ثالثا : تطوير الميزانية كأداة للتخطيط والمراقبة.

الأطر الاقتصادية والمالية :

قد يظن بعض الناس أن توحيد المملكة كانت له فوائد مباشرة للملك عبدالعزيز لاعتقادهم بزيادة الإيرادات الحكومية من الحج والضرائب والزكاة ، ولكن مما لا شك فيه أن الولاءات الجديدة جلبت معها أعباءً ضخمةً ناءت بها الميزانية وتظهر ميزانية 1350–1351هـ أن نفقات الأمن وحدها مثلت 34% من الميزانية أما أرقام الميزانية الكلية فتظهر تواضع النفقات وضيق الحال (انظر الجدول رقم2).

واستمر الحال هكذا حتى اكتشاف البترول بصورة تجارية في عام 1938م (1357هـ ) ولكن لم يسهم البترول بصــورة ملموسة في تحسين عائدات المملكة حتى عام 1368هـ (1949م ) حين ارتفعت حصة المملكة إلى ما يقارب 12 مليون دولار، وقبل أن تتحقق هذه القفزة الكمية والنوعية في موارد الدولة تأثر الموردان الرئيسان للإيرادات وهما: الحج والجمارك، وبصورة غير مباشرة الضرائب والزكاة بالظروف الاقتصادية العالمية (الكساد) والحرب العالمية الثانية بالإضافة للجفاف في داخل المملكة .

أما بالنسبة للحج فقد تناقصت أعداد الحجاج بصورة كبيرة يعكسها (الجدول رقم1)

 

الجدول رقم  1

أعداد الحجاج في عقدي الأربعينيات والخمسينيات

من القرن الرابع عشر الهجري

 

الفــترة الزمـنية

أعداد الحجاج بالآلاف

1344–1349هـ(1925–1930)

80 120

1350–1353هـ(1931–1934)

20 30

1354–1357هـ(1935–1938)

35 – 50

 

ومن الجدول يمكن ملاحظة أن أعداد الحجاج قد تدنت إلى النصف في أحسن حالاتها، وبالتالي تأثرت الإيرادات المباشرة التي تمثلت في رسوم الحج والإيرادات غير المباشرة من الحركة التجارية والتبادل وإنعاش الاقتصاديات المحلية.

أما موردا الزكاة والضرائب فتكشف الوثائق التاريخية عن جوانب ضعفها، وقد ذكر الأستاذ عبدالعزيز التويجري في بعض الوثائق والمكاتبات بين أمراء المناطق والمكلفين بجمع الزكاة من جهة وعمال الملك عبدالعزيز من جهة أخرى أن كثيراً من البلدان لم يكن فيها أحد تجب عليه الزكاة([18]) وبعضها لم تتعدَّ زكاتها بضعة ريالات([19]). وقد وصل الحال ببعضهم  فضلاً عن عدم وجود أنصبة زكاة أن أعلموا الملك بأنهم قد يضطرون للقدوم عليه ليأكلوا من  مضافته([20]). وبرغم هذا الشح في الموارد لم يقف الملك عبد العزيز مكتوف الأيدي فقد استقدم الخبراء لدراسة جيولوجيا الأرض، واستكشاف مصادر المياه والأراضي الزراعية الصالحة، وكذلك لاستغلال الذهب في منطقة الحجاز والفضة والنحاس والرصاص([21]) أملاً في تطوير مصادر للإيرادات، تمتاز بالتنوع والثبات واستنباطها.

وقد شجعت الدولة الزراعة بإعطاء الصكوك الشرعية لكل من ملك أرضاً وأحياها، واستوردت الآلات الزراعية([22])، ودفعت قروضاً ميسرةً للمزارعين([23]) ، ولم يقف الأمر عند هذا الحد فاستحدثت الحكومة وسائل لمعالجة شح الإمكانات من جهة وكبر حجم النفقات من جهة أخرى . وقد أجمل بعض الكتاب([24]) هذه المعالجات في الآتي:

1-   تزايد ثقة التجار في الحكومة ودفع زكاتهم عبرها([25]).

2-   الاقتراض من التجار وكبار أصحاب رؤوس الأموال.

3-   دعوة المؤسسات التجارية والحكومات الأجنبية للمساعدة في تنمية البلاد.

هذا بالإضافة إلى امتيازات التعدين، التي أصبحت المنافسة عليها شديدة، خاصة بعد انتشار أخبار الاكتشافات الأولى للشركة الأمريكية([26]).

كما قامت الحكومة الأمريكية بتقديم بعض المساعدات العينية والمالية، وساعدت تلك التسهيلات الحكومة على استمرار مشاريع التنمية المختلفة. وربما ساعد ازدياد ثقة السكان والعالم الخارجي في نظام الملك عبد العزيز في المساعدة على التماسك والتغلب على تلك المصاعب في تلك الفترة حتى جاءت مرحلة البترول.

إصدار العملة السعودية :

ذكرنا في ما سبق من هذا البحث أن الأوضاع الاقتصادية والمالية في المملكة تختلف من جزء لآخر باختلاف ظروفه المحيطة به، وباختلاف القوى السياسية المسيطرة، وباختلاف العلاقات التجارية بين ذلك القطر وما حوله، داخل الجزيرة العربية وخارجها. ولعل أهم مظاهر هذا الاختلاف هو العملة السائدة في كل منطقة، ففي الحجاز كان التداول بالعملة العثمانية المعروفة بالمجيدي  ثم بالريال الهاشمي . وفي نجد تنتشر عدد من العملات منها الريال النمساوي ( ريال ماريا تريزا ) المعروف عند أهل نجد بالفرانسي والجنيه الإنجليزي والبيزة . وفي الأحساء كان التعامل بالريال العثماني وبالروبية الهندية .كما كان التداول في جازان وعسير بالليرة العثمانية، وريال ماريا تريزا والجنيه الإنجليزي والروبية الهندية([27]) .

وهذا الخليط من العملات أوجدته ظروف اضطرارية ، حيث إن تكوين المملكة العربية السعودية بدأ من الصفر، أي لم يكن هناك كيان قائم ليضم إليه جزء أو أجزاء من مناطق أخرى ، بل إن كل أجزاء المملكة انضمت إلى بعضها لتكون المملكة العربية السعودية . هذا الوضع الصعب تعامل معه الملك عبد العزيز بما يمليه الظرف القائم، وتم ذلك بأسلوبين: أحدهما: إضفاء الشرعية على بعض العملات الأجنبية، بوضع اسم بعض مناطق المملكة عليها، حيث وضعت كلمة نجد على الريال النمساوي ( ريال ماريا تريزا ) المعروف عند أهل نجد بالفرنسي . ووضعت كلمة نجد كذلك على البارة العثمانية  والروبية الهندية والقروش المصرية من فئة عشرة قروش وخمسة قروش . ووضعت كلمة الحجاز على الريال العثماني المعروف بالمجيدي والبارة العثمانية والقروش الفضية العثمانية([28]) والثاني: هو صدور أمر ملكي برقم 176 في 13/3/ 1347 يقضي بقبول التعامل بالعملات الأجنبية . وكان قد سبق ذلك المرسوم نشر بلاغ  في العدد 70 من جريدة أم القرى الصادرة يوم 24/10/1344هـ يقضي بقبول التعامل بالريال العثماني المعروف بالمجيدي([29]). ولا شك أن تعدد العملات وغياب عملة موحدة يتم على أساسها تحديد سعر صرف العملات الأجنبية يسبب مشكلات كثيرة للمتعاملين وللجهات الرسمية([30]). ولم يغب عن الملك عبد العزيز إدراك هذه المشاكل رغم انشغاله بما هو أهم، فقد فكر عام 1336 في سك عملة نحاسية لسلطنة نجد . ثم نفذ تلك الفكرة  عام 1344 بسك عملة نحاسية من فئة القرش ونصف القرش وربع القرش نقش عليها "عبد العزيز السعود ملك الحجاز وسلطان نجد "([31]) ، ولقد أدى طرح هذه العملة في الأسواق إلى إيقاف التعامل بالعملة الهاشمية والعملات العثمانية.

وفي عام 1346هـ صدر أول نظام للنقد في المملكة العربية السعودية باسم " نظام النقد الحجازي النجدي المسمى بالنقد العربي "([32]) ، وبناء على هذا النظام تم سك الريال العربي ونصف الريال وربع الريال من الفضة الخالصة . وقد وضعت قيمة صرفه وتقسيماته مماثلة للريال  العثماني (المجيدي )، ليسهل على الناس وعلى الإدارة إحلاله محل العملة العثمانية . وفي ظل ذلك النظام أيضاً تم سك القروش من فئة القرش ونصف القرش وربع القرش من النحاس .

وقد ربط نظام النقد الحجازي النجدي قيمة الريال العربي بالجنيه الإنجليزي الذهبي، حيث جاء في نظام النقد " الجنيه الإنجليزي الذهب، هو الأساس لقياس أسعار العملة الفضية العربية"  وقد جعل الجنيه الإنجليزي الذهب يساوي عشرة ريالات عربية، أو مائة وعشرة قروش أميرية، أو مائتين وعشرين قرشاً دارجاً، أي أن الريال العربي يساوي أحد عشر قرشاً أميرياً أو اثنين وعشرين قرشاً دارجاً([33]). ولحماية الريال العربي فقد نصت المادة التاسعة من نظام النقد الحجازي النجدي على قابلية تحويل الريال العربي إلى الجنيه الإنجليزي الذهبي حسب سعر الصرف المذكور في النظام . وسبب ربط الريال العربي بالجنيه الإنجليزي الذهبي أمران: أحدهما: أن الدولة تستلم إيراداتها وتسدد مشترياتها الخارجية بالجنيه الإنجليزي الذهبي([34]). والأمر الآخر: أن الجنيه الإنجليزي الذهبي من أقوى العملات الدولية في ذلك الوقت تبعاً لقوة بريطانيا العظمى . وبإصدار الريال العربي والقرش وفئاتهما أصبح الريال العربي العملة الرسمية للدولة السعودية ابتداءً من غرة شهر شعبان عام 1346هـ .

وفي ظل ذلك النظام وحسب نص المادة السادسة منه فقد فرضت الدولة رسوماً جمركية على دخول الفضة إلى المملكة ، بينما سمحت بدخول الذهب إلى البلاد دون رسوم جمركية ومنعت خروجه منها سواء في شكل عملات أو في شكل سبائك . والقصد من ذلك الإجراء هو حماية العملة المحلية وتوفير الغطاء لها .

وفي عام 1355هـ ونتيجة لارتفاع أسعار الفضة في الأسواق العالمية أعيد سك الريال العربي وفئاته من الفضة أيضاً، ولكن بحجم أصغر من إصدار عام 1346هـ كما أعيد سك القرش وقتها  بالحجم السابق نفسه، وقد كتب على الإصدار الجديد " عبد العزيز السعود ملك المملكة العربية السعودية " بدلاً من ملك الحجاز وسلطان نجد التي كان يحملها الإصدار السابق([35]) وحل إصدار عام 1355هـ تدريجيا محل إصدار عام 1346هـ الذي اختفي من الأسواق عام 1357هـ ، كما جاء في العدد 702 في 28/3/1357هـ من جريدة أم القرى.

وحتى تسهل الدولة التعامل بالريال السعودي على المصارف والمؤسسات المالية العالمية في الخارج اتفقت مع فرع البنك الهولندي في البحرين على قبول التعامل بالريال السعودي كما جاء بجريدة أم القرى بعددها رقم 772 في 15/8/1358. وفي عام 1370هـ تم سك الجنيه السعودي الذهبي الذي أصبح عملة قانونية ووضع في التداول اعتبارا من 3/2/1372 بموجب الرسوم الملكي رقم 30/4/1/2255 في  26/1/1372هـ والجنيه السعودي الذهبي يساوي الجنيه الذهبي الإنجليزي وزنا  ونقاوة . وحدد سعر صرفه بأربعين ريالا عربيا. وبعد وضعه في التداول أصبح هو وسيلة سداد مشتريات المملكة من الخارج بدلا من الجنيه الإنجليزي الذهبي.

وآخر حلقة من حلقات إصدار العملة في عهد الملك عبد العزيز  رحمه الله هو إصدار العملة الورقية التي عرفت بإيصالات الحجاج والتي صدرت أول ما صدرت بفئة العشرة ريالات في 18/11/1372هـ ثم تبعتها فئة الخمسة ريالات في 15/9/1373هـ وفئة الريال الواحد في 23/11/1375هـ . وقد بينت وزارة المالية في تصريح لوزيرها  نشر بأم القرى في العدد 1435 في 5/2/1372هـ أسباب إصدار سك العملة وطريقة التعامل بها.

وقد جاء في نفس العدد من أم القرى بلاغ من مؤسسة النقد السعودي فصلت فيه طريقة التعامل مع البنوك والمصارف والصيارفة وغيرهم بخصوص إصدار وصرف وتحويل الريالات إلى جنيهات ذهبية وإليه الحفاظ على أسعار الصرف.

إعـداد المـوازنة العامـة :

تتعدد تعاريف الموازنة العامة للدولة بتعدد الزوايا التي ينطلق منها التعريف . فقد ينطلق التعريف من زاوية تشريعيةً وقد ينطلق من زاوية إدارية، وقد ينطلق من زاوية رقابية . وبما أن هذا البحث ينصب على الإدارة المالية في عهد الملك عبد العزيز فلعل الكاتب يستعير التعريف من زاوية إدارية، والذي يمكن بموجبه أن تعرف ميزانية الدولة: بأنها عبارة عن "وثيقة إدارية مهمة تضم تقديرات تفصيلية مبوبة لإيرادات الدولة ونفقاتها ، بصورة توضح نطاق النشاط المالي للدولة وطبيعته خلال سنة مالية مقبلة ، بحيث يتعذر في غيابها ضمان انتظام أعمال إدارات الحكومة ومؤسساتها وأنشطتها"([36]). أو بعبارة أخرى فإن الميزانية هي "صيغة تنظيمية تقوم فيها الدولة بتقدير وتحديد حجم إيـراداتها ونفقاتها المالية خلال دورة زمنية ثابتة على ضوء مجموعة من الأهداف في إطار الخطط التنموية والاقتصادية "([37])  .

وإذا عدنا إلى واقع المناطق التي تكونت منها المملكة العربية السعودية، فإننا نجد بدايات متواضعة لفكرة الميزانية في بعض مناطق المملكة ، ففي الحجاز كما يقول الدكتور  إبراهيم العتيبي سوابق لوضع الميزانية موروثة من العهد الهاشمي، ولكنها لم تكن بصورة متكاملة فظل هذا الموروث حتى بدايات إعداد الميزانية في التنظيم الذي اتخذ في عهد الملك عبد العزيز في الحجاز([38]). ومما لا شك فيه أن ارتباط الحجاز بالدولة العثمانية، وإشراف الأتراك على دولة الهاشميين في الحجاز، أسهم في عدم تطور الميزانية بصورة مستقلة.  

وقد أولى الملك عبد العزيز اهتماماً خاصاًّ بالإدارة المالية، وبإحدى أدواتها "الميزانية" فكوَّنَ رحمه الله مجلساً أهلياًّ بمكة المكرمة عام 1343هـ، يتكون من عبد القادر الشيبي رئيساً وعضوية كل من  محمد بن يحيى بن عقيل وعقيل سقاف وعرابي سجيني وبكر بابصيل وعباس مالكي وأمين عاصم ومحمد نور فطاني وعبد الله الدهلوي وسليمان نائب الحرم وتاج قطب ومحمد نور ملائكة ، وعمر جان وعمر علوي ، ومن مهمات هذا المجلس  إعداد الميزانية([39]) .

كما صدر في 24محرم 1345هـ قرارٌ بتشكيل مجلس إدارة، لتدقيق الأوراق المالية، تتكون من كل من الشريف شرف عدنان والشيخ ماجد كردي والشيخ عبدالله الشعيبي والشيخ حسين باسلامه والشيخ محمد الماضي وعبد الرحمن الزواوي وعبد الوهاب عطار([40]) .

ثم تلا ذلك تشكيل لجنة للأنظمة المالية، برئاسة الشيخ محمد أديب، من مهماتها تدقيق استحداث مبدأ الميزانيات المقترح من مديرية المالية ودراسته. وقد انتهت اللجنة بدراسة قدمت في شهر شوال عام 1446هـ، جاء فيها اقتراح تشكيل مجلس إدارة في كل منطقة مهمته إقرار ميزانية المنطقة من واقع الإيرادات المحلية([41]). وعند تأسيس مجلس الشورى([42]) عام 1346 جعل إعداد الميزانية من  مهماته. كما جاء في المادة السادسة من نظام المجلس والتي تنص على ما يأتي:

1-                      الأعمال التي تعرضها الحكومة على المجلس هي :

 أولا  :  موازنات دوائر الحكومة والبلدية وموازنة عين زبيدة ، وفي سادسا: الزيادات التي تضاف إلى موازنات الدوائر في بحر السنة ، وفي سابعا : النفقات العارضة التي تعرض لدائرة حكومية في بحر السنة إذا زاد المطلوب عن مائة جنيه.

حيث تقوم كل دائرة حكومية بإعداد  موازنتها، ثم ترسلها إلى وكالة المالية، حيث يتم توثيقها من قبل لجنة للميزانية في الوكالة. وقد أعدت لجنة الميزانية تعليمات لإعداد الميزانية كانت كما يأتي:

(1) على جميع الدوائر في المملكة أن تقدم موازنتها إلى هذه اللجنة قبل اليوم الأخير من شهر ربيع الآخر.

 (2) على جميع الدوائر أن تبين موازنتها في كشوف تكون مؤلفة من ستة حقول:

( أ )    حقل المجموع السنوي.

(ب)  حقل للزيادة التي زيدت في هذه السنة إلى الميزانية.

(ج)   حقل للنقصان.

(د )   حقل للميزانية المعروضة الآن.

(هـ)   حقل للموازنة السابقة.

( و )  حقل للوظائف الموجودة ومواضع النفقات.

(3) على اللجنة أن تبوب هذه الموازنات وتجعل لكل دائرة باباً مستقلاًّ يحوى فصولاً حسب الضرورة.

(4) لهذه اللجنة حق طلب الإيضاحات عن كل زيادة تراها في المشروع المقدم والدائرة التي لا تقدم  الإيضاحات التي لا تقتنع اللجنة بضرورة الزيادة لا يجاب طلبها.

(5) للّجنة حق قبول الزيادة أو رفضها أو تعديلها.

(6) الشكل الذي تقره اللجنة هو الذي يعرض على مجلس الشورى.

(7) على اللجنة أن تضع برنامج عملها، وأن تنهي وضع الموازنة وتقدمها للشورى شيئاً فشيئاً على أن لا يتأخر تقديم آخرها عن أول جمادى الآخرة.

ثم ترفع الميزانية إلى مجلس الشورى ، وبعد دراستها من قبل مجلس الشورى ترفع إلى مجلس الوكلاء الذي شكل بالمرسوم الملكي رقم 16/1/13 في 28 جمادى الآخرة عام 1350هـ والذي جاء في مادته الرابعة ما نصه " الموازنات المرسل مقدارها الإجمالي إليكم هي التي ينبغي أن يعجل الترتيب الخاص بها لتوضع موضع العمل "  كما جاء في الفقرة الأولى من المادة الثانية والعشرين من نظام مجلس الوكلاء عام 1355هـ إن من بين الأعمال التي تعرض على مجلس الوكلاء موازنات الدوائر.

وعندما صدر نظام وكالة المالية عام 1347هـ  فصل طريقة إعداد الميزانية بشكل أوضح عندما جاء بتعليمات لجنة الميزانية التابعة لمديرية المالية . وبين أن واجبات لجنة الميزانية هي تقدير الواردات والمصروفات السنوية في رأس كل سنة مالية بنسبة الأعوام السابقة بمعرفة الدوائر ذات الحسابات، أما الدوائر التي لم يكن لها مال سيتحصل فأن الوكالة مخولة باقتطاع ما يغطي احتياج الدوائر التي لا إيرادات لها من الدوائر ذات الإيرادات([43]). ويستمر الحال في وضع موازنات منفردة لكل إدارة حكومية حتى عام 1350هـ، حيث صدرت أول ميزانية موحدة للملكة الحجازية والنجدية وملحقاتها كما في الجدول رقم (2) .


الجدول رقم (2)

كشف المخصصات المقررة للعام المالي 1350–1351هـ

المبلغ قروش أميرية

9.600.000

المخصصات المالية

16.500.000

أقساط الدين

12.650.000

مخصصات الأمراء والديوان الملكي والقصور وموظفي الخزينة

3.850.000

قوات الحدود

22.000.000

حصة الحجاز من مصالح الدفاع

11.000.000

مواصلات، نقليات وتجهيزات

1.127.692

رئاسة القضاء والمحاكم الشرعية

3.146.530

النيابة العامة وإدارة الملحقات

577.310

مجلس الشورى والمجالس الإدارية

1.490.789

وزارة الخارجية وتوابعها

2.734.240

الصحة العامة والمحاجر والكرنتينات

1.353.225

الكنداسات وتوابعها

1.717.047

المعارف العمومية

1.240.832

نظارة الرسوم وتوابعها

22.530.078

الماليات

10.441.196

الأمن العام

161.820

المطبعة الأميرية

165.070

هيئات الأمر بالمعروف

988.720

الرواتب المتنوعة

4.210.450

البريد واللاسلكي والتلفون

2.048.137

الحرمان الشريفان والأوقاف

108.956.086

تكون عمومي ([44])

ويلاحظ على هذه الموازنات عدة أمور:

أحدها: أن السنــــة المالية للدولة تغيرت بدايتها ونهايتها لتكون  من بداية شهر شعبان حتى نهاية شهر رجب بعد أن كانت تبدأ مع السنة الهجرية . وسبب ذلك التغيير هو انشغال أجهزة الحكومة بالحج، مما لا يتيح لها دراسة الميزانية دراسة وافية قبل صدورهــــــا.

الأمر الثاني: أن الميزانية لم تتضمن بيانات بالإيرادات ولا بمصادرها . وقد بينت كتب التاريخ المالي للملكة العربية السعودية أن مصادر الإيرادات في ذلك الوقت هي:

1)                             الجمارك التي تشكل النصيب الأكبر من الإيرادات السنوية.

2)                             الزكاة.

3)                             الجهاد وهي مبالغ نقدية أو عينية يؤديها المكلفون عندما لا يقومون بذلك بأنفسهم.

4)                             البريد والبرق والهاتف.

5)                             الضرائب التي تدفعها شركات الملاحة وُملاّك وسائط النقل.

6)                             إيجارات أملاك الدولة.

7)                             قيمة جوازات السفر وتذاكر المرور.

8)                             رسوم الطوابع ،كتاب العدل والإجراءات القضائية والرسوم المفروضة على الشركات.

9)                             حقوق الحكومة من شركات التنقيب عن المعادن الممنوحة امتياز ذلك في مناطق المملكة([45]).

الأمر الثالث: بدائية أسلوب عرض الميزانية، فقد جاءت دون ترتيب كما لم تقسم عناصرها إلى أبواب  أو فصول أو فقرات([46]).

الأمر الرابع: أنه بتحليل تلك الميزانية نجد أن مجالات الصرف والنسب المئوية التي خصصت لها في الميزانية يمكن تلخيصها فيما يلي:

18 % المخصصات الملكية ومخصصات الإدارة والديوان الملكي والقصور وموظفي ديوان الخزينة.

34 % للشؤون الأمنية والعسكرية

14 % للإدارة

16 % للتعليم والصحة والرفاه الاجتماعي

2 %  للحرمين الشريفين والأوقاف

16% لسداد الدين العام

الأمر الخامس:  أن  ميزانية 1350هـ لم تكن ميزانية موحدة للمملكة، وإنما ميزانية موحدة للحكومة في الحجاز بدلاً من إعداد خطة نفقات ( ميزانيات)، لكل إدارة على حدة كما كان متبعا قبل عام 1350هـ، ومما يؤكد هذه النقطة أن هناك محاولات لخطط مالية للإحساء . كما أن أول ميزانية موحدة للملكة صدرت عام 1360 كما يبين ذلك قرار وزارة المالية رقم 225 في 29/1/1361هـ.

يظهر مما سبق أن الملك عبد العزيز رحمه الله كان مهتماًّ بهذه الإدارة، والميزانية منذ عام 1343 هـ  كما ذكر ذلك الأستاذ فؤاد حمزة في كتابه البلاد العربية السعودية أن الملك عبد العزيز قد فكر في إعداد ميزانية موحدة للبلاد منذ عام 1348هـ وقد تحقق ذلك عام 1350 هـ . وقد علق على ذلك الدكتور إبراهيم العتيبي بقوله " ومن هنا يمكن القول إن الفترة الواقعة ما بين عام 1343هـ وعام 1350هـ تحتل فترة إنتقالية في أوضاع الميزانية في الحجاز من ميزانية مجزأة إلى ميزانية موحدة"([47]) ثم يضيف العتيبي " أن هذا التحول تم في صورة متدرجة اتسعت مع مقدرة البلاد الاقتصادية وظهور التنظيمات الإدارية والتشكيلات الحكومية([48]). ويدلل على ذلك بأن الموجود في خزينة الدولة من النقود عام 1346هـ كان لا يتجاوز ألفي ريال مجيدي، إلا أنه أصبح عام 1350هـ حوالي عشرة ملايين ريالٍ عربيٍّ.

ولم يحدث تغيير يذكر على أسلوب إعداد الموازنة أو اتساع نطاق شمولها، إلا عام 1361هـ حيث صدرت ميزانية ذلك العام بالريال العربي بدلا من القرش . كما تضمنت بعض التفاصيل لمصروفات بعض المناطق خارج الحجاز([49]).

واستمر الحال كذلك حتى عام 1365هـ حيث صدرت ميزانية ذلك العام في شكل جديد كما صدرت شاملة لجميع مناطق المملكة،  وفي عام 1367 هـ كونت لجنة للميزانية في وزارة المالية برئاسة مستشار وزير المالية وعضوية الخبراء الماليين ورئيس ديوان المحاسبات العامة والواردات العامة ومدير شؤون الميزانية ، وكانت مهمة هذه اللجنة تحضير الميزانية وتبليغها ومراقبة تنفيذها. واستمر الحال على ذلك حتى عام 1373هـ حيث أصبحت كل وزارة أو مصلحة حكومية تتولى إعداد ميزانيتها وتناقشها مع وزارة المالية([50]). 

أثر البترول على اقتصاد المملكة العربية السعودية:

يعد اكتشاف النفط نقطة تحول بارزة في اقتصاد المملكة العربية السعودية، وبالتالي في كل نواحي الحياة الاجتماعية ، والسياسية ، والاقتصادية، وقد كان البريطانيون ، من خلال الشركة الشرقية العامة التي كان مقرها في العاصمة البريطانية ، أسبق الأمم في التنقيب عن البترول في المملكة، ولكن لم يحالفهم التوفيق  وأنهوا تعاقدهم في عام 1931م وحل الأمريكان محلهم بسرعة من خلال شركتي تكساس  واستاندار أديل أوف كاليفورنيا اللتان قامتا بتأسيس شركــة كاليفورنيا اريبيان استاندرد (California Arabian Standard ) والتي عرفت بشركة أرامكو (Aramco) ([51]).

وانطلقت أعمال التنقيب فور صدور المرسوم الملكي في 14 ربيع الأول 1352هـ، بالموافقة على الاتفاقية الأولى للزيت . وقد نظمت الاتفاقية مدة الامتياز وحدود منطقته([52])والعوائد التي تتحصل عليها الحكومة من الشركة([53]). كما نصت الاتفاقية في موادها على طريقة ممارسة الحكومة للرقابة على أنشطة الشركة التشغيلية والمحاسبية([54]).

وقد بدأ العمل الحقيقي في 26 محرم 1357هـ وكان أول  بئر منتجة في 11/1/1357هـ في الظهران، ومن ثم توالت الاكتشافات بكميات تجارية في بقيق وغيرها من المناطق . وقد كان إنتاج الزيت في الفترة من 1355–1372 هـ (1936–1953م) كما في الجدول رقم (3) ([55]) .

 

 


الجدول رقم (3)

إنتاج البترول خلال الفترة من (1355–1372 هـ )

 

العــــام

الإنتاج بالبراميل

حصة المملكة

(آلاف الدولارات الأمريكية)

1936م (1355هـ)

19777

40

1937م (1356هـ)

64968

40

1938م (1357هـ)

495135

110

1939م (1358هـ)

3933903

1.900

1940م (1359هـ)

5074838

1.200

1941م (1360هـ)

4310110

1.000

1942م (1361هـ)

4530492

1.100

1943م (1362هـ)

4868184

1.200

1944م (1363هـ)

7794420

1.800

1945م (1364هـ)

21310996

4.300

1946م (1365هـ)

59943766

12.000

1947م (1366هـ)

89851646

18.000

1948م (1367هـ)

142852989

49.000

1949م (1368هـ)

174008629

39.800

1950م (1369هـ)

199546638

56.700

1951م (1370هـ)

277962605

110.900

1952م (1371هـ)

30860885

212.000

1953م (1372هـ)

308294245

169.500

 

ومما يذكر أن دخل المملكة من البترول لم يتجاوز 300 مليون دولارٍ، إلا ابتداءً من عام 1959م (1379هـ) عندما بدأت شركة الزيت العربية اليابانية استثمار آبارها([56]).

وقد تأثر إنتاج البترول وكذلك نصيب المملكة من عائداته بنشوب الحرب العالمية الثانية ، وقد خلقت الحرب صعوبات عديدة مثل استيراد  الآلات للتعمير وقد أغلقت مصفاة رأس تنورة التي جرى بناؤها عام 1940م(1359هـ)، ولكن نهاية الحرب أعطت دفعة قوية لصناعة الزيت في المملكة مما أدى إلى توسعها.( يلاحظ القفزة في الإنتاج والعوائد بعد عام 1944 م (1363 هـ)) وعادت المصفاة للعمل بصورة أكبر.

 وقد كانت إيرادات المملكة، قبل إنتاج الزيت بكميات تجارية، تتركز في الضرائب، والجمـارك، والحـج، وتغيرت تركيبة الإيرادات بعد اكتشاف النفط ، الذي شكـل 95% منها  .

وإذا كان التأثير الاقتصادي للنفط في بداية الأمر محدوداً، فإن التأثير الاجتماعي لم يتعد حدود المنطقة الشرقية كثيراً. إلا أن  ذلك سرعان ما تغير حيث بدأت أعداد كبيرة من السعوديين في الانخراط في أعمال شركات النفط بصورة مباشرة أو غير مباشرة. وقد حدا ذلك بالخبير سانقر (sANGER) للتعبير عن ذلك بقوله " من المقدر أن 70.000 عامل مع أسرهم وأقاربهم يتكسبون بطريقة مباشرة، أو غير مباشرة من أرامكو ، والرجال الذين كانوا قبل سنين قليلة يتكسبون حياتهم حول المياه الشحيحة في محافظة الأحساء أصبحوا الآن يحصلون على رواتب منتظمة"([57]).

ويذكر السبيعي([58]) أن الحد الأدنى للأجر اليومي كان يتراوح من ثلاثة أرباع ريال حتى وصل خمسة ريالات بنهاية عام 1352هـ، وقد أشار السبيعي أيضاً إلى أن التغير في الأجور كان كميا  تمثل في  زيادة الأجور ونوعياًّ حيث أصبحت الأجور تدفع نقداً، في حين كانت تدفع عيناً أي  تمراً أو أرزاً قبل ذلك . وبالرغم من الأهمية الاقتصادية فإن كثيراً من المحللين يرون أن أهم إنجازات الطفرة البترولية في ذلك الوقت هي عملية توطين البدو، وما صاحبها من نمو المناطق السكنية التي تطورت إلى مدن حديثة فيما بعد . ومن هذه المدن ما كان قائماً ثم تطور مثل الدمام  أو التي نشأت حينها في مواقع الآبار كمدينة الظهران و بقيق والثقبة ورحيمة أو تلك التي كان يمر عبرها خط الأنابيب عبر البلاد العربية ( التابلاين )  كالقيصومة والوديعة والشعبة ورفحاء وعرعر وطريف([59]) . وقد أثر قيام هذه المدن بصورة كبيرة على الاقتصاد المحلي، وخاصة بتنفيذ شركة التابلاين التزامها للحكـومـة بتوفيـر المياه والمدارس والمسـتشـفيات والسـكن والطرق للعاملين والقاطنين والعابرين في المنطقة .

أما التحولات الاقتصادية والاجتماعية التي أحدثها  النفط إجمالاً فمن الصعب حصرها في هذا الحيز، إلا أن أولى البشائر أثراً على اقتصاد المملكة جاءت من ازدياد حصة المملكة الحقيقية من عائدات النفط ( ريع وضرائب ) كما هو مبين في الجدول رقم (4) . وقد نتج عن الزيادة في الكميات المنتجة من الزيت خاصة بعد نهاية الحرب العالمية ازدياد الأجور في المملكة، ونشطت حركة القطاع الخاص وازداد الطلب على المنتجات المحلية والمستوردة .

ومن مؤشرات  هذا التحول أن المملكة صارت تستورد الماشية واللحوم والمنتجات الحيوانيــة بعد أن كانت تصدرها ابتداء من  عام1371 هـ ( 1952م) ([60]). والجدول رقم (4) يوضح قيمة الصادرات والواردات من الماشية ومنتجاتها بملايين الريالات السعودية.

 

 

الجدول رقم (4)

صادرات المملكة من الماشية ووارداتها

 

الســـنة

مجموع الصادرات

مجموع الواردات

1944م (1363هـ)

9.905

071.

1945م (1364هـ)

1.513

031.

1946م (1365هـ)

1.76

009.

1947م (1366هـ)

504.

035.

1948م (1367هـ)

143.

014.

1949م (1368هـ)

1.058

0235.

1950م (1369هـ)

473.

2.250

1951م (1370هـ)

379.

038.

1952م (1371هـ)

0147.

9.13

1953م (1372هـ)

007.

15.23

 

ونظرة واحدة للجدول تكفي لتبين حجم التحول الذي حصل في تركيبة المجتمع السعودي خلال عشرة أعوام فقط . وقد أُرجع هذا التحول الكبير في النمو الاقتصادي والأنماط الاستهلاكية  إلى هجرة البدو إلى المدن كما ذكرنا سابقاً بالإضافة إلى هجر السكان لمهنة تربية الحيوانات وأيضا لارتفاع مستويات الدخل، مما جلب معه أنماطاًّ جديدة للاستهلاك([61]) . ويشير السبيعي إلى أن ارتفاع مستوى المعيشة أدى إلى التخلي عن التمر كوجبة رئيسة وكذلك اللبن المحلوب داخل المنازل . كما أدى الاحتكاك بالأجانب الوافدين للعمل لاستجلاب أنواع جديدة من المواد الغذائية وخاصة الخضر والفواكه واللحوم المعلبة.

وكذلك أثر اكتشاف النفط على الزراعة والاقتصاد الزراعي في المملكة عموما، حيث أدى إلى التحول إلى استخدام الآلات الزراعية مما قلل من الاعتماد على العمالة اليدوية. إلا أنه من هذه الناحية اختلف من منطقة لأخرى، حيث قل هذا الأثر في مناطق النخيل، وظهر أكثر في المناطق الزراعية الأخرى([62]).

صدور الأنظمة المالية:

بعد استتباب الأمر للملك عبد العزيز –  رحمه الله – التفت إلى الشؤون المعينة على استمرارية الاستقرار، وتثبيت أركان الدولة الوليدة. ومن الطبعي في مثل هذه الأحوال أن يكون البدء بالحالة الإدارية والاقتصادية . ومع أن بدايات تلك النشاطات والجهود قد صاحبتها بعض المعوقات مثل الكساد الاقتصادي الكبير، الذي ضرب أرجاء المعمورة، والحرب العالمية الثانية التي جاءت على أعقابه ، فإن تلك الجهود أسهمت بتوفيق الله في تحقيق الأهداف المرجوة منها.

ومن استقراء التاريخ يمكن ملاحظة أن صدور معظم الأنظمة الإدارية والمالية أعقب مباشرة استكمال الوضع الإداري للمملكة، وتغيير اسمها، وتوحيدها تحت اسم المملكة العربية السعودية بدلاً عن اسم المملكة الحجازية النجدية وملحقاتها في جمادى الأولى سنة 1351هـ .

وقد صدرت عدة أنظمة تعنى بالشؤون المالية كان أهمها :

(1)     نظام التعليمات الأساسية للمملكة الحجازية الذي صدر في 21/2/1345هـ

(2) نظام النقد الحجازي النجدي                 الذي صدر في 10/7/1346هـ

(3) نظام وكالة المالية العامة                              الذي صدر في 18/3/1347هـ

(4) نظام الموازنة للعام المالي 1/8/1350–30/7/1351هـ  الذي نشر بأم القرى 7/9/1350هـ.

(5) نظام وزارة المالية                                     الذي صدر في 20 /4 /1351هـ

(6) نظام الخزينة الخاصة                                 الذي صدر في 29 /6 /1351هـ

(7) نظام جباية أموال الدولة                           الذي صدر في 12 /4 /1359هـ

(8) نظام توزيع الصدقات                            الذي صدر في 22/ 11 /1359هـ

 (9) نظام التفتيش  المالي                           الذي صدر في 16 /3 /1364هـ

 (10) أنظمة الزكاة الشرعية وضريبة الدخل     الذي صدر في 21 /1 /1370هـ

 (11) نظام المجلس الاقتصادي الأعلى            الذي صدر في 20 /4 /1371هـ

وصدور هذه الأنظمة كان نتاجا للتطور السياسي والاقتصادي، دعت له الحاجة لمواكبة التوسع الحاصل في المملكة في شتى مناحي الحياة . وقد أثبتنا التعليمات الأساسية للمملكة الحجازية هنا؛ لأنها احتوت على أولى التعليمات التي أرست أسس تسيير أمور الدولة . وقد قامت التعليمات بتنظيم كل ناحية من النواحي التي عالجتها، والتي شملت الأمور الداخلية والأمور الخارجية والأمور المالية وكذلك أمور المعارف العمومية. إلا أن هذه المعالجات اتسمت بالإجمال الذي يفترض ويتوقع في أول نظام يحاول تطويره ، ولذلك سرعان ما توالى إصدار الأنظمة الأخرى لتفصيل ما أجمل مع مراعاة الإضافة والتحديث بما يستجد من أحداث. وجاء إصدار نظام النقد الحجازي النجدي الذي صدر في 10/7/1346هـ كخطوة في ذلك الاتجاه من أجل تنظيم إصدار النقد وتداوله طالما أنه عصب الحياة الاقتصادية ومدار شؤون المال. واتسم النظام بالشمول والتفصيل ولكن جدّة الأمر بالنسبة للسكان جعلت هناك حاجة لإصدار بلاغات وبيانات توضيحية وتفسيرية، بل وتعليمية للناس في بعض الأحيان . وإذا اعتبرنا أن نظام النقد الحجازي قد ألغى التضارب، وحدد التعامل النقدي في حدود المملكة ، فإن نظام وكالة المالية العامة الذي صدر في 18/3/1347هـ قد وضع أسس توحيد المعاملات المالية في عموم أنحاء حدود السلطة السياسية. وربما في إصدار نظام الوكالة إشارة لطيفة إلى توطين الإدارة المالية قرب رئاسة الحكومة بالعاصمة المقدسة. وقد حاول النظام في ملحق خاص معالجة بعض أوجه الميزانية في دوائر الدولة، ولكن يبدو أن الأمر احتاج لمعالجة أوضح، تمثلت في نظام الموازنة للعام المالي الذي نشر
بأم القرى في 1/8/1350هـ.

أما نظام وزارة المالية الذي صدر في 20/4/1351هـ فقد جاء استجابة للحاجة لإعادة تنظيم الدوائر الحكومية، بما يناسب المستجدات الإدارية والسياسية . فقد تطورت دائرة رعاية الشؤون المالية من " مديرية الأمور المالية" في عام 1347هـ إلى " وكالة للمالية"  في عام 1351هـ  ثم وزارة المالية في العام نفسه. فقيام مديرية الأمور المالية استتبع نهاية الحرب في الحجاز، واستقرار أوضاعه وحاجة الحكومة إلى كيان يدير شؤون المال بجوارها. وبرغم ذلك فقد كانت هناك رئاسة الأموال بجدة، تقوم بتصريف بعض المهام  المالية . وكما ذكرنا سابقا فإن الملك عبد العزيز – رحمه الله – لما أراد توحيد كل الأعمال المالية تحت إدارة واحدة، رفعت مديرية الأمور المالية لتصبح وكالة في عام 1347هـ. ولم يقف الأمر عند ذلك إذ سرعان ما احتاج التوسع في الجهاز الإداري للوكالة والذي تزامن مع بداية الأزمة الاقتصادية العالمية في عام 1350هـ إلى تحويل الوكالة إلى وزارة المالية، ومن ثم صدر نظام وزارة المالية  من 103 مواد  لتنظيم أنشطتها المختلفة وتقنينها. أما نظام الخزينة الخاصة والذي صدر في 29/6/1351هـ بعد قرابة شهرين من صدور سابقة فقد جاء استكمالاً له، فبينما اهتم نظام وزارة المالية بالمالية العامة فقد ركز نظام الخزينة الخاصة على الأعمال المالية الخاصة بالملك عبدالعزيز رحمه الله. وهذه الخطوة في حد ذاتها تعد استكمالاً للتنظيم والضبط الإداري،حتى يتسنى تنظيم أوجه الصرف المالي، لجلالة الملك عبد العزيز وتحديدها بمنأى عن متطلبات الصرف والضبط المالي العام.

ومع استمرار التطور الإداري، وتوسع دولاب الحكم، وتعدد أوجه الصرف المالي، كان لزاما على الدولة الالتفات لجانب الإيرادات الحكومية، والتي تعتمد عليها في تسيير شؤونهــــا اليومية وكذلك في تنفيذ الخطط التنموية الطموحة التي كان الملك عبد العزيز عازماً على تنفيذها .فصدر نظام جباية أموال الدولة في 12/4/1359هـ لتقنين نظم جباية موارد الدولة من ضرائب ورسوم وطرق اتصال بأصحاب الذمم وطرق التحصيل المختلفة على حسب نوع الذمم . وتبع ذلك النظام نظام توزيع الصدقـــــات الذي رفعه مجلس الشورى في 22/11/1359. وكان ذلك النظام استكمالاً وتكاملاً لنظام توزيع الصدقات (الذي صدر في عام 1347هـ)، مع تعاليم المؤسسات الخيرية . وقد عالج النظام في مجمله توزيع الصدقات والإعانات والمخصصات إلى مستحقيها.

ولم يمض وقت طويل حتى صدر قانون التفتيش المالي في 16/3/1364 لاستكمال حلقة الرقابة على أموال الدولة، وذلك إمعانا في الحفاظ على الأموال المخصصة لمختلف الأغراض . وجاءت أهمية النظام في ذلك الوقت مع  اشتداد الأزمة المالية في العالم إبان الحرب العالمية الثانية، وشح  الموارد المالية من البترول والحج وخلافه. فكان صدور هذا القانون إمعاناً في ترشيد الأموال وحفظ الموارد واستجابة للظروف المحيطة ، ومع تكامل الجهود ونهاية الحرب العالمية الثانية وزيادة نشاط الشركات الأجنبية في التنقيب على النفط وتطويره، وكذلك البدء في كثير من مشاريع البنى التحتية في المملكة أصبح الدخل المكتسب بواسطة هذه الشركات وأفرادها العاملين في المملكة ، يمثل نسبة مهمة من إجمالي  الدخل العام . وتبعاً لذلك احتاج الأمر إلى إصدار أنظمة الزكاة الشرعية وضريبة الدخل في 21/1/1370هـ، لتحديد أوعية ضريبة الدخل،والخاضعين للضريبة وطرق تحصيل الزكاة الشرعية وتوزيعها. وجاء نظام المجلس الاقتصادي العالي في 24/8/1372هـ كهيئة استشارية، تتولى دراسة كثير من الشؤون الاقتصادية، أو التوصية لتبديل النظم المالية المصدرة، وتقديم النصح حولها للحكومة . وكأنما جاء هذا النظام ليؤكد اكتمال النظم المالية الأساسية في عهد الملك عبد العزيز طيب الله ثراه، ومن ثم الحاجة لجهة خبيرة وذات دراية لكي تتولى مراجعة ما صدر وتجويده أو تعديله حسب المستجدات الاقتصادية والاجتماعية المحتملة.

دلالات صـدور الأنظمـة المالية :

لصدور هذه الأنظمة المالية كثير من الدلالات يمكن إجمالها فيما يأتي:

(1) الانتقال من العفوية في التنظيم إلى مرتكزات نظامية ومرجعيات قانونية ، حيث يمثل صدور الأنظمة المالية إنشاء مرجعيات تنظم أوجه الشؤون المالية بدلا عن الإدارة العشوائية.

(2)  إنشاء مقاييس ومعايير لتسهيل تصريف الأمور المالية من جهة، وسهولة قياس الأداء والمحاسبة من جهة أخرى.

(3)  سـهولة تحديد المسؤولية وسرعة البت في الأمور المالية مثل التحصيل والتوزيع والاستئنافات .

(4)  تسهيل مراجعة الأنظمة والرغبة في التطوير، وذلك بوضع الأنظمة تحت الاختبار وقياس فعاليتها ومن ثم مراجعتها إذا لزم الأمر.

(5)  تعكس كثير من هذه الأنظمة طموحاً ونظرة متفائلة للمستقبل.

 وفي القسم التالي سوف نقوم بمناقشة هذه الأنظمة المذكورة بشيء من التفصيل، حتى نستعرض أهم موادها والمواضيع التي عالجتها. وبالطبع فإن مناقشة أدق تفاصيل هذه الأنظمة يحتاج إلى أكثر مما تسمح به هذه الدراسة ، ولكن إغفالها يعني إهمال جانب مهم من جوانب الإدارة المالية في عهد الملك عبد العزيز رحمه الله. 

التعليمـات الأساسـية للمملكـة الحجـازية

صدرت التعليمات الأساسية للمملكة الحجازية بالتصديق الملكي في 21 صفر 1345هـ([63]). وفي القسم الثالث من هذه التعليمات قسمت أمور المملكة إلى ستة أقسام أساسية رابعها الأمور المالية. وقد عرفت المادة العشرون من التعليمات الأمور المالية بأنها " عبارة عن كيفية إجراء وتنظيم منابع الواردات المختلفة للدولة ومصاريفها العمومية " وتتكون تشكيلاتها من:

(1)        مديرية المالية.

(2)        أمانات الأموال للملحقات.

(3)        مأمورية المحاسبة للدوائر الرسمية ذات الواردات.

(4)        إدارة الجمارك.

وقد حددت المادة الحادية والعشرون تبعية مديرية المالية بكل تشكيلاتها للنيابة العامة، وألقت المادة الثانية والعشرون مسؤولية تصريف الأمور المالية، وانتظامها  على عاتق جميع مأموري المالية.

أما القسم الخامس من التعليمات فقد اختص بديوان المحاسبات إذ حددت المادة الثالثة والأربعون تشكيل  ديوان المحاسبات في العاصمة من رئيس وثلاثة أعضاء يعينهم الملك  من ذوي الاقتدار في الأمور الحسابية والمعاملات المالية وربط ديوان المحاسبات إداريًّا بالنيابة العامة أيضاً.

وقد حددت المادة الرابعة والأربعون وظيفة ديوان المحاسبات بصورة أساسية في تفتيش كل الدوائر الحكومية ذات الواردات ومراقبة المصاريف وفقا لقانون الموازنة العامة. أما أكبر سلطة تعطى للديوان فقد احتوتها المادة الخامسة والأربعون حين حددت عدم جواز صرف أي مبلغ من خزينة الدولة قبل تأشير ديوان المحاسبات عليه بوجوب الصرف ( باستثناء الأوامر الملكية ).

نظام النقد الحجازي النجدي :

صدر نظام النقد العربي  الحجازي في 10 رجب 1346هـ ونشر في أم القرى في 13/7/1346 هـ وأبطل النظام التعامل بالريالات العثمانية وأقسامها ابتداء من 1/8/1346هـ لتحل محلها الريالات العربية وأقسامها ، واحتفظت الريالات العربية الجديدة وأقسامهـــا بالحجم نفسه ووزن ومعيار فضة الريالات العثمانية وأقسامها ( المادة السادســة ) .

وقد أرست المادة الرابعة الجنيه الإنجليزي ليكون أساس قياس أسعار العملة الفضية والعربية إذ جعلت سعر صرف الريال العربي مساوياً لعشر الجنيه الذهب ، وعلى ذلك بينت ما يساويه الريال العربي والجنيه الذهب من القروش الأميرية.

وقد وصفت المادة الخامسة شكل النقوش والخطوط الموجودة على العملة . وحتى يسهل الانتقال من النظام القديم إلى النظام النقدي الجديد، فقد عالج النظام في مادته السادسة مسألة أداء السندات والديون المستحقة الأداء، والتي كتبت قيمتها بالريالات العثمانية ( بخصم يبلغ قرشين أميريين ). وسمح النظام لحاملي العملات الفضية العربية باستبدال عملاتهم بما يوازيها من ذهب، ولتسهيل ذلك فتحت شعب خاصة في مكاتب إدارات المالية. 

وقد حدد النظام في مواده الحادية عشرة والثانية عشرة والثالثة عشرة عقوبات تزييف النقود العربية، وتهريبها لداخل البلاد أو ترويجها . أما بقية مواد النظام فقد عالجت أمورا متفرقة مثل مراقبة النقد بواسطة مفتشي المالية بتشجيع الجمهور لكشف المزيفين  عن طريق الحوافز وغيرها. 

نظـام وكالـة الماليـة العامـة :

صدر نظام وكالة المالية في 18/3/1347هـ من ثماني مواد أساسية ( المادة الثامنة احتوت على 40 بنداً لمعالجة الواردات والمصروفات ) وملحقا ضم اثنتي عشرة مادة أخرى . وعالجت المواد الست الأولى التشكيل الإداري لوكالة المالية العامة، حيث حددت رئاستها بمكة المكرمة، وجعلتها مرجعاً لعموم الماليات بالمملكة الحجازية . ثم فصلت الملحقات التي تتبع لهذه الوكالة. أما الهيكل التنظيمي للوكالة فقد تشكل من قلم تحريرات وديوان محاسبات ( المادة السابعة ).

أما المادة الثامنة من النظام فقد احتوت على أربعين بنداً، وضعت بشيء من  التفصيل أسس إدارة الواردات والمصروفات ،  وأهمها أنها حددت الدوائر الإيرادية في الدوائر الجمركية والمحاجر الصحية والبريد والبرق والتخريجات والمرافئ والجوازات وكتاب العدل ومأموري بيت المال ورخص السيارات والطوابع والكنداسات . وألزمت هذه الدوائر توريد عموم حاصلاتها الشهرية خلال الشهر لدائرة المالية في الجهة التي بها([64]). وألزمت الدوائر الإيرادية أيضا بتقديم تقارير شهرية مفصلة بأنواع وارداتها لإدارة المالية من أجل التدقيق في الأسبوع الأول من الشهر الذي يليه([65]).

أما المصروفات ( النفقات ) فقد قسمت إلى ثلاثة أقسام([66]):  

1)     النفقات المقررة ( كالرواتب ) في الميزانية.

2)   الاعتمادات المخصصة بالميزانية  لأغراض خاصة، وتصرف بناء على طلب الدائرة المعنية.

3)     النفقات فوق العادة وتصرف بناء على أمر جلالة الملك أو نائبه العام.

ومما يلفت النظر أن النظام سعى بصورة واضحة إلى مركزة حركة الإيرادات والصرف إذ منعت الدوائر ذات الإيرادات من التصرف في إيراداتها بصرف على الرواتب أو خلافه ،بل أوجبت عليها توريد ما لديها إلى وكالة المالية، والتي تقوم بتخصيص رواتب هذه الدوائر([67]). 

أما الملحق للنظام فقد اهتم بكيفية تقدير الإيرادات والمصروفات السنوية، من حيث التوقيت والأساس . ومن أهم ما جاء في هذا الخصوص منع إضافة بنود إيرادات ومصروفات جديدة دون الرجوع لوكالة المالية بشأنها . هذا بالإضافة إلى توضيح أي اختلاف في إيرادات ومصروفات السنة الجارية عن سابقتها([68]) . 

نظــام وزارة المالية :

 يعكس تطور الدوائر المالية في المملكة العربية السعودية البعد والتطور الاقتصادي فيها. ففي حين كان الملك عبد العزيز في الحجاز فقط كانت الشؤون المالية تدار محليا حيث إن الإدارة المالية تتبع للحاكم المحلي، وتقع تحت سلطاته، كما أن الحاكم كان يستخدم إيرادات الدائرة المالية في الصرف على النفقات وأوجه الصرف المحلية. وفي تلك الأثناء كان هناك مركزان للإدارة المالية في الحجاز ، أحدهما بجدة حيث العمق والمركز التجاري، وكان يعرف برئاسة الأموال، والآخر بمكة المكرمة عاصمة الدولة. ولكن التغيير السياسي وبنهاية الحرب وبداية الاستقرار السياسي وما تبعه من تمركز الحكومة بمكة المكرمة تطلب تكوين إدارة مالية بقرب هذه الحكومة المركزية. وبالفعل صدر قرار ملكي بإنشاء إدارة مالية بمكة المكرمة في 20/7/1344هـ وظلت هاتان الإدارتان تعملان بشكل منفصل ،حتى رأى الملك عبد العزيز توحيد مراكز الجباية (الصناديق) وإدارة البريد والبرق في كل من مكة المكرمة وجدة تحت إدارة جديدة عرفت باسم "مديرية الأمور المالية" في عام 1344هـ ثم تطورت هذه الإدارة في عام 1346هـ بأمر ملكي بموجبه تمّ توحيد جميع الدوائر الحكومية تحت إدارة واحدة في مكة المكرمة، وقد تمّ اختيار عبد الله بن سليمان الحمدان. ليقوم بأعباء هذه الإدارة الجديدة . وهذه الخطوة الأخيرة جعلت ولي الأمر يفكر في رفع هذه الإدارة لكي تصبح قادرة هيكلياًّ على القيام بكل الأعباء والمهام الملقاة على عاتقها.ومن ثم تم ترفيع مديرية الإدارة المالية إلى وكالة المالية بصدور نظام وكالة المالية العامة في عام 1347هـ . وقد اشتمل النظام على خمس عشرة مادة حددت مهام الوكالة واختصاصها (وقد أشير إليه سابقا). ولم يمض وقت طويل حتى استدعى التطور الاقتصادي علاوة على الأزمة المالية العالمية في تلك الفترة على التفكير في إعادة تنظيم الوكالة ومن ثم استعانت الدولة بخبير مالي يدعى"فان لي ون"([69]) للمساعدة في تنظيم الشؤون المالية للدولة، وأوكلت إليه دراسة حالة المالية، وتقديم تقارير عن ضروب الإصلاح التي يرى على إدارتها  إصلاحها وطرق جباية الواردات وتقرير آخر عن الجمارك والتعريفة الجمركية.وقد تمخض ذلك الجهد عن قيام وزارة المالية إثر صدور نظامها الذي تكون من 86 مادة في 20/6/1351هـ وقد عرَّفت المادة الأولى من نظام وزارة المالية الوزارة بأنها : "هي الجهة التي تقوم بتنظيم وحفظ أموال الدولة وجبايتها وتأمين طرق وارداتها ومنصرفاتها وجميع مسؤولياتها وهي المرجع العام لعموم الماليات لمملكة الحجاز ونجد وملحقاتها ومرجع عموم الدوائر الجبائية فيما يخص جبايتها".

وتكونت الوزارة من إدارات رئيسة هي المحاسبة العمومية ومفتشية الماليات والصندوق العمومي وشعبة الإدارة. وقد حدد النظام مهام وزارة المالية العامة في الآتي :

– رسم السياسة المالية والاقتصادية ومراقبة تنفيذ هذه السياسة.

– إعداد الميزانية العامة للدولة ومناقشتها ومراقبة تنفيذها.

– ضبط الحسابات الجارية للدولة.

– الإشراف على إقفال حسابات  ومصروفات الحكومة السنوية.

– مراقبة أعمال إيرادات الدولة والمصروفات من الاعتمادات في الميزانية.

– تقديم الخدمات الاستشارية.

– الإشراف على ممتلكات الدولة .

– تحصيل الرسوم الجمركية والزكاة الشرعية.

أما الأقسام المكونة للإدارات ومن أهمها المحاسبة العمومية فقد حددت المادة 17 من النظام وظائفها في:

تدقيق حسابات عموم الدوائر المالية  و الجبائية  وترتيب دفاترها وضبط عموم منصرفات الدولة السنوية ومراقبة الواردات وتأمين حقوق الخزينة وملاحظة الزيادة والنقصان في الوارد والمنصرف مع بيان أسبابها.

رفع تقارير شهرية عن كيفيات التحصيلات.

تنظيم الموازنات السنوية العامة للدولة وعملها.

أما مفتشية الماليات والدوائر الجبائية فقد حددت مهامها المادة 18 من النظام كما يأتي:

تفتيش عموم الماليات والدوائر الجبائية.

تدقيق القيود المحاسبية وتطبيق محتوياتها على وجه المفردات.

تطبيق أحكام النظام المالي في معاملات الماليات، وملاحظة ما يمكن أن يحدث من التلاعب والاختلاس.

وقد عرَّفت المادة 19 من النظام الصندوق العمومي على أنه مرجع صناديق الماليات، ووظيفته حفظ أموال الخزينة وتبويبها وصرفها في أبوابها بموجب النظام الخاص به ضمن نظام المالية الداخلية.

أما المادة 20 و21 من النظام فقد نصت على توريد الدوائر حاصلاتها أسبوعياًّ لصناديق الماليات التي بها ، مع استثناء دوائر البلديات والأوقاف التي سمح لها باستخدام وارداتها على النفقات المصدقة على أن تخضع للتفتيش . أما بقية مواد النظام فقد عالجت أنظمة الأقسام الأخرى مثل قسم المنصرفات والتي تركزت حول طرق صرف مقررات فصول الميزانية  والطوارئ وطرق تخصيصها، وكيفية نقل مخصصات الميزانية، وقسم المعاشات، والذي عالجت مواده طرق صرف الرواتب بصورتها الإجمالية، وعالجت أيضا كيفية التصرف في الرواتب في حالات الغياب والوفاة ، كما اشتملت أيضاً على أنظمة قسم المزايدات العلنية وقسم المقاولات الخارجية . و اشتمل النظام على أحكام عمومية أخرى عالجت أموراً متفرقة ذات صلة بفرض الرسوم والجمارك وحركة البضائع.

نظام الخزينة الخاصــة:

صدر نظام الخزينة الخاصة بموجب الأمر الملكي رقم 2453  في 12 رجب 1351هـ وقد تمثل هدف الخزينة الخاصة على حسب تعريف النظام بأنها دائرة تقوم بالأعمال الخاصة بجلالة الملك المعظم وتكونت من رئيس ومديرية الإدارة والتحريرات ومديرية المحاسبة والصندوق وشعبة الأرزاق([70]).

وقد تحددت وظيفة رئيس الخزينة الخاصة بمنطوق المادة الثانية من النظام على النحو الآتي:

(1)     إنفاذ الأوامر التي تصدر من صاحب الجلالة الملك المعظم بختمه الكريم أو بتوقيع الأشخاص المسؤولين المستندة إلى أمر جلالته ،على أن تكون هذه الأوامر خطية.

(2)                                               المراقبة والإشراف على تأدية الأعمال المطلوبة من هذا الديوان.

(3)     الأمر باستلام حصة الخزينة الخاصة من الصندوق العمومي، وإدخالها رسـميا لصندوق الخزينة الخاصة، وصرفها في الجهات التي تصدر الأوامر بصرفها فيها.

(4)                                               الأمر باستلام حصة الرواتب التابعة للخزينة الخاصة من الصندوق العمومي وإدخالها بصندوق الخزينة.

(5)                                               مطالبة مدير الإدارة بإنفاذ وإجراء جميع الأعمال المتعلقة بالخزينة دون تأخير .

أما المادة الرابعة فقد حددت وظيفة مدير الإدارة بأنه هو المسؤول تجاه رئيس ديوان الخزينة عن جريان جميع الأعمال المتعلقة بالخزينة الخاصة. أما بقية مواد النظام ونصوصه فقد حددت بالتفصيل مهام كل وظيفة وطرق التقرير عنها.

نظام جباية أموال الدولة :

صــدر نظام جبايـــة أموال الدولة بموجب كتاب الديوان العالي رقم 41/3/2 في 12/4/1359هـ بالموافقة على النظام، وأبلغ بموجب الأمر السامي المؤرخ في 4/5/1359هـ رقم 5733  من أجل تنظيم جباية الضرائب والرسوم المقررة، وبدلات الالتزام وذمم الموظفين والأفراد وجميع عائدات الدولة. ويمكن تلخيص أهم ملامح النظام فيما يختص بالضرائب والرسوم في:

( أ ) تحديد مواعيد الجباية وقد ترك النظام لوزير المالية مهمة تحديدها .

(ب) طرق نشر المستحقات ، وقد أثبت النظام الوسائل التالية كطرق مجازة ( قبل تاريخ الاستحقاق بشهرين ) :

ـ الصحف المحلية.

ـ إعلانات في المكان المخصص للنشرات الرسمية.

ـ الدوائر المالية في المراكز الحكومية.

(ج) التبليغ إلى العمد، وعلى أن يتم التسديد خلال مدة شهر من تاريخ الاستحقاق المعين.

أما بالنسبة للالتزامات غير الضرائب والرسوم المقررة، مثل بدلات الالتزام والذمم الشخصية فقد حدد النظام في مادته رقم 7  طريقة الاتصال المباشر، وذلك بإرسال مذكرة لكل مدين على حدة، ويذكر فيها مقدار الدين ومنشؤه والميعاد المحدد لتسديده. وقد عالج النظام حالات تأخير السداد في خطوتين:–

(1)         الإنذار : على أن يتم التسديد خلال عشرين يوماً من تاريخ الإنذار.

(2) الحجز على الأموال : في حالة إذا لم يقم المنذر بالتسديد خلال المدة المعينة وذلك بالحجز على أمواله المنقولة وغير المنقولة الجائز حجزها شرعاً على أن تباع ويستوفى من أثمانها.

نظام توزيع الصدقات ومراقبة المؤسسات الخيرية :

صدر هذا النظام في 22/11/1359هـ ليحل محل نظام الصدقات الصادر في 14/1/1347هـ، وقد اشتمل الفصل الأول من هذا النظام على تصنيف الصدقات والتبرعات والإعانات، بما في ذلك المخصصات، وأوضح كيفية تشكيل لجنة الصدقات والمؤسسات الخيرية العليا، التي تكونت من لجنة مركزية قوامها رئيس وأربعة أعضاء وموظفون بقدر اللزوم ( ومركزها مكة المكرمة )، ومن لجان فرعية دائمة ( ومؤقتة إذا لزم الأمر ) يطلب إحداثها، وتحديد عدد أعضائها وموظفيها من قبل اللجنة المركزية.

أما مهام اللجنة المركزية ولجانها الفرعية فقد تحددت فيما يأتي:

 (1) القيام بتوزيع ما يرد عن طريقها من صدقات وإعانات ومخصصات.

 (2) الإشراف على توزيع ما يرد من الصدقات من غير طريقها، ومراقبة إيصال المتصدق به إلى مستحقيه طبق غاية المتصدق .

 (3) إيصال الغلات وسائر المخصصات التي ترد من أوقاف الحرمين إلى مستحقيها وجهاتها وفقا لشروط الواقفين ما لم تكن مخالفة للشرع.

 (4)  الإشراف على المؤسسات الخيرية ومراقبة تطبيق المواد المخصوصة بها.

وقد حددت بقية مواد الفصل الأول إمكان استعانة اللجنة المركزية العليا ولجانها الفرعية بأهل الخبرة واللياقة والصلاح، كما حددت أوجه صرف الصدقات والتبرعات والمخصصات. أما الفصل الثاني فاختص بتنظيم طرق مراقبة هذه المؤسسات الخيرية وتسجيلها وسلوكها وكيفية إدارتها من نواحٍ ونظم إدارية ومالية.

 

نظـام التفتيش المالي :

هذا النظـــام الذي وافـــق عليـــــه جلالــــــة الملك عبد العزيـــــز –  رحمه الله –  في 16/3/1364هـ ، فصل وحدد مهام التفتيش المالي المختلفة . وقد صدر النظام في شكل فصول ،عالجت الفصول الأربعة الأولى هيكل التفتيش المالي، ومهام إدارته العليا ،حيث حدد النظام إنشاء فرعيات للتفتيش المالي في كل من الحجاز والرياض والأحساء وعسير.أما الهيكل التنظيمي لدائرة التفتيش المالي فتكونت من مفتش عام (يعينه الملك باقتراح من وزير المالية) ومساعدين له و4 مفتشين للمالية والجمارك.

 وقد حدد النظام مهام المفتش العام ومساعديه في الإشراف على أعمال التفتيش التي يقوم بها المفتشون الماليون، وإعداد اللوائح للتفتيش، وتوزيع وتبديل مواقع المفتشين على المقاطعات المختلفة. أما وظائف المفتشين فقد تمّ تحديدها وتفصيلها في الفصل الخامس من النظام.حيث وصف النظام وظيفتهم بأن : " يقوم المفتشون بتفتيش وتدقيق سائر المعاملات المالية المتعلقة بتحقيق وجباية الضرائب والرسوم كافة، وما إلى ذلك من الواردات، وبتدقيق النفقات العامة، وصحة القيود المحاسبية في الدوائر والمستودعات كافة، بما فيها الجمارك والبريد والبرق، سواء منها النقدية أم العينية كالطوابع والأرزاق والثلاجات والأشياء ذات القيمة والآلات والأدوات الحكومية على اختلاف أنواعها دون استثناء شيء منها وذلك على النحو الآتي :

         أولا: معاملات التحقق والجباية والتوريد.

         ثانيا: النفقات .

         ثالثا: القيود والحسابات

         رابعا: الأشياء العينية والأرزاق والأدوات والآلات الحكومية.

         خامسا: الاتفاقيات والتعهدات المالية.

 أما الفصل السادس فقد اهتم بالأحكام العامة التي تهتم بالاتصالات الإدارية وتنظيم سلوك المفتشين.

قوانين وتعليمات الزكاة الشرعية وضريبة الدخل :

صدر المرسوم الملكي رقم 17/2/28/8134  في 29/6/1370هـ ( وهو تعديل المرسوم الملكي رقم 17/2/28/3321 ، الصادر في 21/1/1370هـ ) والذي أدخل ضريبة الدخل على غير السعوديين على أن يستوفى من الرعايا السعوديين الزكاة الشرعية فقط.

وقد حدد المرسوم أيضا أن تقوم الدولة باستيفاء ما مقداره ثمن العشر من الزكاة على أن يترك ثمن العشر الآخر للأفراد، لإنفاقها بأنفسهم على المستحقين الذين فرض الله الزكاة لهم. أما زكاة المواشي والأنعام والزروع  فقد أوصى النظام بأن تؤخذ وفقاً للأوامر والتعليمات الصادرة بمقتضى الأحكام الشرعية. ولتسهيل تقدير الزكاة الشرعية فقد ألزم المرسوم الأفراد والشركات الذين يزاولون أعمالاً تجارية أو صناعية بمسك دفاتر حسابية منظمة تبين رأس المال، وحركته خلال العام ليكون أساسا لتقدير الزكاة الشرعية. وعلى أن تكون هذه الدفاتر مصدقة من المحكمة التجارية أو كتاب العدل في حالة عدم وجود محاكم تجارية . أما الجهات التي ليس لها حسابات نظامية فقد أوصى النظام بإتباع طريقة تقويم للبضائع والآلات والممتلكات والأدوات والمقتنيات . وقد تحددت إجراءات الزكاة في الآتي:

(1) تقدير الزكاة بناء على الحسابات النظامية ، أو التقديرات في حالة عدم توفر حسابات نظامية.

(2) فرصة الاستئناف أو الاعتراض للجنة بدائية تتكون من أمير البلد ومن ينوب عنه والقاضي والمأمور المالي وثلاثة من أعيان البلد.

(3) تتخذ اللجنة البدائية قراراً  في ظرف 15 يوماً من تاريخ الاستئناف.

(4) يحق للمكلف أو وزارة المالية استئناف قرار اللجنة البدائية إلى لجنة استئنافية على أن تتخذ قرارها في ظرف شهر واحد.

نظـام ضريبـة الدخـل:

حدد المرسوم الملكي رقم 17/2/28/3321 المؤرخ في 21/1/1370هـ غرض ضريبة الدخل في زيادة واردات الدولة، كي تتمكن من القيام بأعباء الإصلاحات العامة، والعمل على رفاهية البلاد ورفع مستوى المعيشة، وقد حدد النظام في مادته الأولى الخاضعين للضريبة من الأفراد ( الدخل الشخصي ) أو استثمارات رؤوس الأموال ( الدخل أو الأرباح ).

الضرائب على الأفراد :

أما الدخل الخاضع للضريبة فقد حدده النظام على أنه الدخل الشخصي المكتسب أو الناتج عن استثمار رؤوس أموال في داخل المملكة العربية السعودية، وفيما يخصها من حقوق في المنطقتين المحايدتين بينها وبين كل من العراق والكويت. ( 5 % على أي مبلغ يتجاوز 20000 ريال سعودي ). وقد عرف دخل رأس المال لأغراض ضريبة الدخل على أنه كل إيراد أو ربح بما فيه الأرباح الناتجة عن كل مصلحة أو معاملة يستعمل فيها رأس المال كشراء وبيع البضائع وحاصلات الأراضي وتبادل أي نقد كان  وتأجير الممتلكات المنقولة وغير المنقولة واستئجارها.

واستبعد التعريف الأدوات الضرورية التي يمتلكها أو يستعملها العامل الفرد لمزاولة عمله أو صناعته. ولأغراض هذا النظام يحدد الربح الصافي من الآتي : الواردات العامة ( الدخل والواردات والأرباح ) ناقصاً ثمن البضاعة المباعة ناقصاً التكاليف العادية الضرورية ناقصاً الاستهلاك ( وتستبعد المصاريف الشخصية )، وتكون الضريبة 15% من الربح بعد خصم 20000 ريال.

ضرائب أرباح الشركات :

حدد النظام ضريبة مقدارها 20% من أرباح الشركات الصافية(كما هو معرف سابقا) وقد أحدث المرسوم الملكي رقم 17/2/28/7632  بتاريخ 16 ربيع الأول 1370هـ ضريبة دخل إضافية على الشركات المشتغلة بإنتاج البترول أو المواد الهيدروكربونية الأخرى (مقدار الضريبة 5% من صافي دخل التشغيل) أما صافي دخل التشغيل فيشمل الواردات العمومية ناقصاً المبالغ المسموح بخصمها، وجميع الضرائب المدفوعة والريع والإيجارات والرسوم، وأي مبالغ دفعت أو تكون واجبة الدفع للحكومة العربية السعودية.وفي تعديل لاحق صدر القرار الوزاري رقم 340 بتاريخ 1/7/1370هـ، حيث أعطى في فصله الأول تعريفاً أكثر دقة للدخل والدخل الشخصي والواردات العامة والربح الصافي الناتج عن استثمار رأس المال. وفي الفصل الثاني من القرار الوزاري حددت نسبة الضريبة كما تظهر في الجدول رقم (5).

الجدول رقم (5)

نسبة الضرائب كما يظهرها قرار مجلس الوزراء رقم 340 في 1/7/1370هـ

 

الفــئة

% من الدخل الشخصي

ملحوظات

المهنيون المستخدمون لدى الآخرين (أطباء،محامون،مهندسون)

5 %

بعد خصم  20000 ريال

المهنيون المستقلون

10 %

بعد خصم 20000 ريال

المستخدمون لدى الآخرين وفي نفس الوقت عندهم أعمال خاصة

10 %

من الدخل المشترك بعد خصم 20000 ريال

أصحاب الأعمال (الأفراد)

10%

بعد خصم 20000 من أصل الأرباح (بحيث لا يقل الربح عن 15 % عن الإيرادات العامة)

الشركات والمصاريف

20%

نظـام المجـلس الاقتصـادي :

يعد صدور نظام المجلس الاقتصادي بالأمر الملكي رقم 5934 بتاريخ 27/2/1372هـ تتويجا لسلسلة من الأنظمة المالية التي بدأت بتنظيم المهام المالية العريضة، ووصلت في أواخر عهد الملك عبد العزيز إلى مهام دقيقة.  وقد حددت المادة الرابعة اختصاصات المجلس الاقتصادي الأعلى حيث نصت على أن:

" المجلس الاقتصادي الأعلى هيئة استشارية مهمتها النظر فيما يعرض عليها من الأمور المتعلقة بشؤون البلاد الاقتصادية، وتنمية الثروة القومية عامة، وتقديم التواصي بشأنها إلى المراجع العليا ، وللحكومة البت في أمر قبول تلك التوصيات أو تعديلها أو رفضها، وتشتمل مهمة المجلس بصورة خاصة على النظر في المشاريع والمقترحات المقدمة من قبل الدوائر الحكومية المختصة أو بواسطتها في الأمور الآتية:

(1)                          دراسة المشروعات والبرامج العامة .

(2)                          دراسة المشروعات والأنظمة الخاصة بتنظيم التجارة والاستيراد والتصدير وتوزيع السلع الخاضعة لنظام الحصص.

(3)                          دراسة المشروعات والأنظمة الخاصة بالشركات وبالنقد وبإحداث ضرائب ورسوم جديدة أو بتعديل الضرائب والرسوم القائمة.

(4)                          دراسة مشاريع الأنظمة الخاصة بتعديل التعريفة الجمركية كليًّا أو جزئيًّا.

(5)                          دراسة مشاريع الاتفاقات التجارية والاقتصادية والجمركية بين المملكة العربية السعودية والبلاد الأجنبية.

(6)                           دراسة مشاريع الامتياز.

أما المادة الخامسة فقد أعطت المجلس الحق في لفت نظر الحكومة فيما يراه من الأمور التي لها صلة بشؤون البلد الاقتصادية، وبوضع الاقتراحات الملائمة في هذا الشأن.

وقد حددت المادة السابعة بشكل رئيس الأشخاص الذين يتكون منهم المجلس الأعلى برئاسة وزير المالية وعضوية وكيل وزارة المالية والوكيل المساعد لشؤون شركات الاستثمار والمشاريع ووكيل الوزارة المساعد للشؤون الاقتصادية ، ومستشار الوزارة ، ومدير المالية العام ومدير الجمارك العام، بالإضافة إلى رؤساء الغرفة التجارية في كل من مكة المكرمة وجدة ولم يغفل النظام أساليب الإدارة الداخلية للمجلس وضوابطه، وقد تم تغطية ذلك في المادة السادسة من النظام. حيث فصلت تكوين مكتب المجلس واجتماعاته الدورية والطارئة، وكيفية تحديد جدول الأعمال، وتقديم المقترحات ونصاب المجلس القانوني.

وإذا كنا قد أفردنا الجزء السابق لدراسة الأنظمة المالية فلا بد لنا أن نتكلم عن الإدارات المالية التي نشأت بموجب هذه الأنظمة، أو تلك التي استحدثت لتطبيق هذه الأنظمة.

تكوين الإدارات المالية والاقتصـادية

تكوين وكالة المالية :

كما ذكرنا سابقاً فقد كان في الحجاز قبل دخول الملك عبد العزيز إليها عدد من المؤسسات التي تعنى ببعض الشؤون المالية من جباية الزكاة وبعض الرسوم إلا أنها كانت غير مترابطة وغير متناسقة أهدافاً وأداءً . ولما استتب الأمر للملك عبد العزيز رأى أن يكوّن إدارة تكون بجانب حكومته بمكة المكرمة، وتقوم في الوقت نفسه بتوحيد كل الهيئات ذات الصلة بالشؤون المالية تحت إدارة سميت "بمديرية المالية"، مما يساعد على رفع كفاءة الأداء المالي في وقت كانت الدولة الوليدة بحاجة إلى المال لتوطيد أركان الدولة ولتنفيذ الخطط الطموحة للملك عبد العزيز ( أمر ملكي 24/7/1344هـ ) وقد أسندت رئاسة الإدارة إلى الشريف شرف رضا([71]). ولقد أشارت كثير من الدراسات إلى أن الأمور ظلت على ما هي عليه، برغم صدور الأوامر الملكية بتوحيدها([72]).

ولكن جهود توحيد الشؤون المالية لم تتوقف، وصدرت التعليمات الأساسية في عام 1345هـ والتي بموجبها تغيرت رئاسة الأموال بجدة إلى أمانة الأموال، وبذلك أصبح الظرف مهيئا لتوحيد كل أمانات الأموال بمكة المكرمة، وأمانات أموال الملحقات – بما فيها مالية جدة – تحت مدير واحد هو مدير مديرية الأمور المالية. وتبع ذلك توحيد جميع الدوائر المالية في الحجاز في إدارة واحدة، مقرها مكة المكرمة، وقد اختير الشيخ عبد الله بن سليمان الحمدان مديرا لها([73]).

ولما تكاثرت مسؤوليات مديرية المالية، وأصبحت تشمل وتشرف على كل ماليات الحجاز، أصبح لزاماً على ولاة الأمر رفع الإدارة حتى تصبح قادرة على مقابلة هذه المهام المتزايدة  بكفاءة وأن تستشرف فجر النهضة والتطور الذي بدأت بوادره. ولذلك كان طبيعيا أن ترفع إدارة المالية إلى وكالة المالية.

وقد صدر نظام وكالة المالية في 18/3/1347هـ ليضفي على مديرية المالية الأشكال التنظيمية المناسبة التي تعكس توسيع صلاحيتها الإدارية ، وقد كان الهيكل التنظيمي للوكالة الجديدة يعكس نزعة تتراوح بين المركزية في الرقابة وفعالية الأداء التي تتحقق من تشكيل الشعب التابعة . إذ تكونت الوكالة من ديوان عام وشعبتين، شعبة متخصصة بالواردات، والأخرى مختصة بالشؤون المحاسبية. أما من حيث التبعية الجغرافية فقد أتبعت أمانة الأموال في جدة ومديرية المالية بمكة المكرمة للوكالة. وهذه الفروع كانت  منشأة من قبل ، وكانتا تتمتعان بشيء من الاستقلالية، وخاصة أمانة الأموال ( رئاسة الأموال سابقاً ) بجدة والتي كانت الأقدم وجوداً والأوسع خبرة من باقي الأمانات.

تكوين وزارة المالية :

بعد قرابة شهر من رفع مديرية الإدارة المالية إلى وكالة للمالية في 1347هـ استحدثت إدارة ضمن الوكالة مهمتها ضبط النفقات الحكومية عرفت باسم "لجنة الميزانية" ، مما أضاف مسؤوليات جديدة لهذه الوكالة الوليدة، وإذا أخذنا في الحسبان زيادة نفقات الدولة، والتي  بدأت مع زيادة إيرادات إنتاج البترول وامتيازاته.  ولقد اضطرت الدولة مع هذه المستجدات أن تفكر في إعادة تنظيم وكالة المالية من جديد. ومما دفع هذا الاتجاه بداية الأزمة الاقتصادية العالمية في آخر عام 1348هـ، والتي بلغت درجة عالية في بداية الثلاثينات الميلادية ، ومع أن الأزمة قد بدأت في الاقتصاديات الغربية، إلا أنها امتدت لتشمل كل أنحاء العالم في شكل كساد كبير شل معظم الاقتصاديات العالمية. وقد انعكس ذلك بالطبع على الطلب العالمي على البترول  وعلى الإنفاق على تطوير حقول النفط، والبنى التحتية في المملكة، مما أثر بصورة مباشرة على إيرادات ونفقات الدولة. وقد استعانت حكومة المملكة في ذلك الوقت ببعض الخبراء الأجانب لإعادة تنظيم الشؤون المالية للدولة.

كل هذه الأسباب دفعت لصدور مرسوم ملكي رقم 381 في 11/4/1351هـ بتأسيس وزارة المالية، وأصبح عبد الله بن سليمان الحمدان  أول وزير لها، وحمد بن سليمان الحمدان وكيلا للوزارة. وصدر نظام وزارة المالية في 20/4/1351هـ.

ولتنفيذ هذه المهام جاء الهيكل التنظيمي للوزارة مكوناً من أربع شعب وهي الشؤون الإدارية والمحاسبة العمومية ومفتشية المالية والصندوق العمومي. وتعمل هذه الأقسام مجتمعة على تنفيذ المهام الرئيسة التي أوكلها النظام لوزارة المالية. وكما يبين الهيكل التنظيمي  فإن هناك ثلاثة عشر فرعا حيث نصت المادة الثامنة من نظام وزارة المالية على أنه تتفرع من وزارة المالية المراكز الآتية: فرع الوزارة بجدة ، مديرية مالية الطائف ، مالية المدينة ، مالية ينبع ، مالية الوجه ، مالية رابغ ، مالية أملج، مالية ضبا ، مالية  العلا ، مالية تبوك ، مالية الليث ، مالية الجوف و مالية القريات . أما  تبعية هذه الماليات فقد حددت المادة العاشرة تبعيتها المباشرة لوزير المالية، حيث إنه يمثل المرجع العام لكل هذه الماليات، وهو صاحب السلطة عليها . أما مكتب المعادن والأشغال العمومية فكانت مهمته القيام بمهام الاتصال بشركات استخراج واستثمار المعادن([74]). وإنشاء هذا المكتب وإلحاقه بوزارة المالية، فيرجع إلى أسباب عدة منها شدة تأثير هذا المكتب في الشؤون المالية مما يفسر ارتباطه بوزارة المالية([75])، أو إلى قلة الوزارات التي يمكن أن يرتبط بها المكتب في ذلك الوقت.

وقد ذكرت بعض الدراسات أن ذلك ربما يرجع إلى ثقة الملك عبد العزيز بوزير المالية([76]). وتضيف هذه المصادر أنه يمكن تقسيم هذه الدوائر التي ارتبطت بوزارة المالية إلى ثلاثة أنواع:

(1) دوائر انفصلت عن الوزارة خلال حياة الملك عبد العزيز وهي المديرية العامة للحج، وديوان الموظفين العام، ومديرية الزراعة ، ومصلحة المعادن والأشغال العمومية ومكتب العمل .

(2) دوائر ظلت مرتبطة بوزارة المالية، وهي مصلحة الجمارك ، والخزينة الخاصة ومصلحة الزكاة والدخل ومؤسسة النقد العربي السعودي.

(3) دوائر أشرفت عليها وزارة المالية حسابياًّ لا إدارياًّ مثل دوائر الأوقاف والمرور والبلديات وعين زبيدة  والعين الزرقاء وكتابة العدل وبيوت المال([77]).

ونحسب أنه إذا تتبعنا تطور هذه الدوائر بأنواعها ربما وجدنا أنها كانت الأساس لمعظم الوزارات التي أنشئت لاحقاً مع تطور الأشكال الإدارية للحكم.

الخـزينة الخـاصة :

مع توسع أنشطة الدولة وتضخم نفقاتها وصدور الأنظمة التي تلزم لإداراتها المختلفة باتباع التوجيهات الصادرة لتنفيذ أحكام هذه النظم ، أصبح الصرف على أنشطة الدولة يخضع للميزانية العامة.ولكن كان للملك عبد العزيز – رحمه الله – مصارف لا تدخل ضمن أحكام الميزانية العامة، وعلى الأخص عند حدوث الأزمات التي تطال آثارها رعايا الدولة، مثل الأزمة العالمية في الثلاثينات من هذا القرن([78]) . اقتبس الدكتور الحارثي قولا للشيخ حافظ وهبة مفاده " أن الملك عبد العزيز قلما يرد سائلا يطلب معونته ، أو محتاجاً يقصد بابه ، وهو يشرف بنفسه على إعطاء القاصدين حسب منازلهم لأنه يعرفهم حق المعرفة وقلما يعتمد على أحد في ذلك"([79]) ويمكن استقاء  نفس المعنى من رسالة بعث بها الملك عبد العزيز لأبنائه يطلب منهم فيها أن
"لا تعترضوا على أمور ماليتي لا قريبها ولا بعيدها في قليل أو كثير"
([80]). 

ولما كان الصرف في هذه الحالات غير محدد بميزانية، فربما يؤدي لإرباك ميزانية الدولة العامة([81]). وفي محاولة لعزل الميزانية العامة عن مثل هذه الآثار وفي الوقت نفسه إعطاء الملك عبد العزيز مرونة التصرف في حالات الطوارئ والأزمات ولمقابلة أوجه الصرف الخاصة ، صدر نظام الخزينة الخاصة عام 1351هـ ، الذي انطوى على إنشاء دائرة خاصة لتقوم بالأعمال الخاصة بجلالة الملك. وتمثل الهيكل التنظيمي لهذه الدائرة في رئيس على أربع وحدات هي : مديرية الإدارة والمحاسبة والصندوق وشعبة الأرزاق([82]). وحددت موارد الدائرة من الصندوق العمومي على أن تصرف وفقاً لأوامر الملك المشفوعة بختمه أو توقيع من ينوب عنه من المسؤولين([83]).

وتغذى الخزينة الخاصة من الصندوق العمومي لوزارة المالية، وخلافا لما يبدو من أن ميزانية الخزينة لا تمثل نسبة كبيرة فإن الصرف من الخزينة الخاصة كان يمثل نسبة معتبرة من الموازنة العامة. وكانت أوجه الصرف تتمثل في الصرف على منطقة نجد وموظفي الديوان الملكي والمقررات والمساعدات الخاصة التي كان الملك يأمر بها للمحتاجين والصرف على ضيافة الحكومة والتموين الملكي وخاصة في الرياض([84]) .

تكوين مصلحة الجمارك :

ورثت الدولة السعودية بعضاً من الإدارات من الحكم العثماني، وخاصة في منطقة الحجاز والأحساء، إذ كان العثمانيون قد أسسوا بعض الإدارات لمساعدتهم في تصريف شؤون البلاد الاقتصادية والإدارية.

وكان في المملكة إدارتان رئيستان للجمارك في الأحساء والحجاز، وتمّّ دمجهما في إدارة واحدة عام 1361هـ، سميت بديوان الجمارك، وعندما صدر نظام الجمارك في عام 1372هـ سميت بالمديرية العامة للجمارك([85]).

ولقد وجد الملك عبد العزيز إدارةً قائمةً للجمارك عندما استعاد الأحساء والحجاز ، وكانت هذه الإدارات شديدة الشبه بعضها ببعض من حيث التكوين والهيكلة الإدارية . وإن كانت جمارك الحجاز هي السابقة من حيث الخضوع للأنظمة حيث صدر أول نظام للجمارك عام 1349هـ بينما أصبحت جمارك الأحساء جزءاً من وزارة المالية عام 1359هـ.

ولكن الخطوة الكبيرة نحو إعادة تنظيم إدارات الجمارك تأخرت حتى عام 1361هـ عندما وحدت كل الدوائر الجمركية في جميع أنحاء المملكة تحت ديوان عام للجمارك، يرتبط بوزارة المالية مباشرة. وقد قسمت المملكة إلى أربع مناطق جمركية تبعا للبعد الجغرافي:

1)                               جمارك الحجاز ومقرها جدة وتشمل مراكز الجمارك في المنطقة الغربية حتى الرياض.

2)                               جمارك مقاطعة عسير ومقرها جازان، وتشمل كل مراكز الجمارك في جنوب  المملكة.

3)                               جمارك شمال المملكة، ورئاستها في تبوك.

4)                               جمارك مقاطعة الأحساء ورئاستها في الهفوف.

وكان الاهتمام بالجمارك نابعاً من أن الجمارك كانت تمثل مصدراً رئيساً للدخل حتى  فترة تطوير الزيـــت([86])، الذي لم يعلن عن وجوده بكميات تجارية حتى عام 1357هـ وتأخر استغلاله بصورة مهمة حتى عام 1364هـ بسبب ظروف الحرب العالمية التي اضطرت الشركات العاملة للتوقف عن تطوير حقول الزيت([87]). ولما كانت المملكة تعتمد على استيراد كثير من السلع الأساسية، فإن الجمارك ظلت رقماً مهماًّ في ميزانية الدولة.

وبتوقف الحرب توسعت صناعة الزيت وزادت إيرادات المملكة منه ، وكذلك استعادت العملة السعودية ( الريال الفضي ) قيمته لارتفاع أسعار الفضة في الأسواق العالمية ، وقد صاحب ذلك انخفاض في أسعار العملات الأجنبية نظراً للركود الاقتصادي في الدول الغربية بعد انتهاء الحرب وحوالي عام  1368هـ([88]). وقد صاحب ذلك فتح باب الاستيراد نظراً لميل الميزان في صالح الاستيراد. وقد عزا بعض الكتاب زيادة أهمية الجمارك إلى أسباب أخرى خاصة بالمملكة منها:

(1) إنشاء الغرفة التجارية عام 1356هـ (1946م).

(2) إنشاء مؤسسات الاستيراد والتصدير في أنحاء المملكة.

(3) عدم وجود أي قيود على التجارة الخارجية فيما يتعلق بالتحويلات النقدية أو فرض حصص كمية أو نقدية.

(4) حركة الحجاج التي كانت تمثل عاملاً طبيعياًّ للتجارة([89]).

وبرغم عوامل النجاح هذه فقد ذكرت بعض المصادر([90]) أن من أهم المشاكل المالية التي عانت منها المملكة في ذلك الوقت تدني محصلات الجمارك والعشور، نتيجة لعدم فعالية إدارة الضرائب من جهة والتهريب المكثف، مما أدى إلى فقدان مقدار معتبر من العائدات الجمركية.

وإزاء ذلك ارتأت الحكومة السعودية إجراء إصلاح شامل، ومن ثم استعانت بمجموعة من خبراء الجمارك الغربيين منهم جون دناوي (John A. Dunaway) وروبرت كندي ( Robert B. Kennedy ) بالإضافة إلى آخر لبناني هو البروفسور فؤاد عزالدين، وقد استطاعت هذه المجموعة من الخبراء إجراء بعض الإصلاحات، واستحداث نظام جمارك مطور في عام 1371/1372هـ . وكانت من أبرز ملامح ذلك النظام :

1-      التقليل من حجم البيروقراطية والروتين.

2-         إعفاء بعض المواد الطبية والكتب والمواد الزراعية.

3-         التقليل من الرسوم على بعض السلع([91]).

ولم يتأخر الجانب الرسمي والإداري عن ذلك كثيراً فصدرت أنظمة الجمارك، وما يتبعها من لوائح. فصدر نظام الجمارك([92]) في 5/3/1372هـ ، وقد استحدث النظام الجديد المديرية العامة للجمارك لتحل محل ديوان الجمارك .  وجاء النظام مع توصيات الخبراء، حيث قلصت المناطق الجمركية في المملكة إلى ثلاث بدلاً من أربع([93]). وهي أمانة الجنوب ، وأمانة جمارك الغربية وأمانة الشرقية. وتكونت كل أمانة من عدد من الفروع في حين استحدثت فروع تتبع مباشرة لمديرية المالية العامة، وذلك تقليصاً للظل الإداري، وكسر طوق البيروقراطية والروتين.

وبالإضافة إلى أنظمة الجمارك فقد عمدت الأنظمة الاقتصادية الأخرى إلى محاولة معالجة المشكلة، تتساوى في ذلك الأنظمة التي صدرت قبل صدور نظام الجمارك، مثل نظام التفتيش المالي الذي اهتم بتدقيق النفقات العامة لدى جميع الدوائر والمستودعات بما فيها الجمارك([94])، أو بعده مثل نظام المجلس الاقتصادي الأعلى الذي أوكل للمجلس الاقتصادي دراسة مشاريع الأنظمة الخاصة بتعديل التعريفة الجمركية كليا أو جزئيا، ودراسة الاتفاقات الجمركية بين المملكة والبلاد الأخرى([95]) .

مؤسسـة النقـد العـربي السعـودي :

كان من أولى اهتمامات مديرية المالية بعد تكوينها في 1344هـ  ، بالإضافة إلى شؤون الجباية والصرف المالي ، مهمة الإشراف على السياسة النقدية وتطوير الأنظمة النقدية. ونظرا للنمو الاقتصادي والتوسع في التجارة الخارجية فقد أصبحت  الحاجة ماسة لقيام مؤسسات مالية قادرة مالياً وفنياً للعب دور البنوك. وقد تمّ افتتاح فرع بنك تحت اسم الجمعية التجارية الإندونيسية . وكما أشرنا سابقا فقد صدرت أول أنظمة نقدية تحت اسم " أنظمة النقد الحجازية النجدية" في 13 رجب 1346هـ([96]). وتمّ إصدار أول ريال فضي سعودي، وأجزاؤه([97]) من معدن النيكل. وقد تضمنت هذه الأنظمة النقدية تنظيم عمل الصيارفة وتجديد العمولات لهم، على أن تقوم مديرية المالية العامة في فروعها المختلفة بإنشاء مكاتب خاصة لاستبدال الريال الفضي والقطع النقدية المعدنية بالذهب وعكسه([98]) .

وجاءت عدد من الخطوات معضدة تطور الجهاز المصرفي في المملكة بحلول عام 1366هـ، بافتتاح البنك الفرنسي للهند الصينية  (بنك الإندوشين) ،وهو عبارة عن فرع لبنك أجنبي. وفي رجب عام 1369هـ تأسس أول بنك سعودي تحت اسم شركة الكعكي وابن محفوظ، والذي تحول اسمه للبنك الأهلي التجاري، وتولى القيام بمهمة بنك الحكومة، فيما يخص المعاملات المصرفية المحلية([99]). 

وفي هذه الفترة من التاريخ الاقتصادي للمملكة اقتصرت معظم الأنشطة المالية وتنظيماتها على منطقة الحجاز فقط.وقد أرجع ذلك لسببين([100]) :

السبب الأول : يتمثل في أن مناطق نجد كانت تخضع لأنظمة مالية مختلفة .

والسبب الثاني: يتمثل في أن الحجاز كانت تمثل المنطقة التي كانت تقدم للحكومة معظم إيراداتها.

أما التوسع في الإيرادات والنشاطات فكان من الضخامة بمكان جعل أحد الخبراء الماليين والذي كان مشغولا بصفة خاصة باقتصاديات الدول الشرق أوسطية يصف هذا التوسع بأنه فاق أي توسع مسجل في تاريخ البشرية([101])  من حيث الحجم والسرعة. وقد أعطى آرثر يونق([102])( Arthur Young ) الانطباع بأن التوسع أحدث مشكلة حقيقية،
إذ إنه افتقد الآلية المناسبة لمعالجته ، وخاصة تلك الزيادة الهائلة في الإيرادات
([103]).  ويمكن معرفة حجم هذه الزيادة إذا قورن  الدخل المتوفر  في عام 1334هـ (1917م)  الذي بلغ قرابة مليون وثمانمائة ألف ريال ، بدخل الدولة الذي بلغ قرابة 25 مليون ريال في عام 1371هـ (1952م) ([104]).     

وقد كان هذا من  العوامل الضاغطة باتجاه التفكير في آلية لمعالجة هذا الوضع. وقد كان من السمات الأساسية المميزة للاقتصاد السعودي في ذلك الوقت أنه لم تكن هناك عملة ورقية في التداول، وإنما عملة أجنبية  ذهبية وريال ذهبي وفضي . وقد أرجع بعض الكتاب ذلك الوضع إلى عدم ثقة العرب عموماً ، وسكان المنطقة على الخصوص، في العملة الورقية([105]) مع شدة ثقتهم في الريال والجنيه البريطاني ، وإلى أن القوانين الإسلامية كانت في بعض جزئياتها على حسب الاعتقاد السائد لا تؤيد إصدار عملة ورقية للتداول مع مبادلتها بالفضة أو الذهب من الجمهور([106]) . وقد اشتهر الملك عبدالعزيز رحمه الله  أنه كان يوجه دائماً بتوخي مراعاة أحكام الشرع في كل ما يصدر من نظم ، والأمثلة على ذلك واضحة في كل النظم التي صدرت في ذلك الحين([107]) . 

ومن الأسباب الأخرى التي جعلت التفكير في إيجاد الآلية الإدارية لشؤون النقد عدم الثبات في سعر صرف الريال والجنيه البريطاني . وكمثال لذلك نجد أن أسعار صرف  الجنيه البريطاني بالريالات كانت كما يظهرها الجدول رقم (6) ([108]) .

 

الجدول رقم (6)

متوسط أسعار صرف الجنيه الاسترليني في الأعوام من 1363– 1371هـ

 

العــام

أعلى متوسط خلال العام

أقل متوسط خلال العام

1363هـ

71.25

57.50

1364هـ

89.00

60.00

1365هـ

69.00

58.00

1366هـ

68.00

52.25

1367هـ

62.25

45.00

1368هـ

58.75

41.00

1369هـ

49.32

42.25

1370هـ

45.14

40.07

1371هـ

41.25

37.93

وقد لخص آرثر يونق (Arthur Young ) ([109]) مساوئ هذا النظام النقدي في أنه أفقد الحكومة القدرة على عمل ميزانياتها بصورة دقيقة، لعدم قدرة الحكومة السعودية على التنبؤ  بمقدار عائداتها بالعملة المحلية. وقد ألحق كل ذلك ضرراً بالغاً بالتجارة، لصعوبة الدخول في عقود مستقبلية من جانب المصدرين أو الموردين.

كل هذه المشاكل استدعت أن يقترح الخبيرآرثر يونق ( Arthur Young ) بناءً على طلب من الحكومة السعودية نظاماً نقدياًّ معدلاً يأخذ في الحسبان الظروف الخاصة بالمملكة والتي تمثلت في الآتي([110]):

1-   انتشار تخزين الأموال في شكل ذهب وفضة للاستهلاك الطارئ بصورة واسعة؛ نظرا لغياب المؤسسات البنكية، في ما عدا بعض النشاطات شبه البنكية التي يقوم بها بعض التجار والصيارفة، مع وجود بعض المؤسسات البنكية الحديثة في منطقتي الدمام  وجدة.

2-   انعدام المعاملات الائتمانية أو قلتها وخاصة العقود طويلة الأجل مما يجعل أثر تقلب السياسات النقدية مثل سائر الأقطار. أي أن آثار التغيرات النقدية في ظل هذه الظروف قليلة الأثر أو منعدمة.

3-   عظم أثر التغير في أسعار صرف العملات الأجنبية؛ نظراً لأن الحكومة كانت تعتمد على العائدات من العملات الصعبة، ولأن الوطن ككل كان شديد الاعتماد على الواردات . وقد مثلت العائدات من النفط في معظم الأحيان أربعة أخماس حجم الواردات.

4-   تعد موارد المملكة جالبة للعملات الصعبة بصورة  يندر وجودها مما يوفر للملكة مصدراً للاحتياطات الضرورية لضمان استمرار السياسة النقدية واستقرارها.

وبناء على ما تقدم وبمعاونة الخبراء الأجانب قررت حكومة المملكة العربية السعودية المضي قدماً في تأسيس هيكل أو مؤسسة مالية تقوم في الأساس  بأعمال البنك المركزي الحديث. وقد أصدر الملك عبد العزيز – رحمه الله – المرسوم الملكي رقم 35 في 1371هـ بإنشاء مؤسسة النقد العربي السعودي ومرسوماً آخر بالموافقة على لائحة المؤسسة.

ومع أن الغرض الأساس الظاهر من الحيثيات السابقة هو القيام بعمل بنك مركزي، فلم يجعل النظام من مهام مؤسسة النقد السعودي إصدار عملة، مع أنه أوكل للمؤسسة مهمة دعم العملة السعودية، وتوطيد قيمتها المالية، وتحديد الأسعار. وقد تم تعديل هذا النظام في عام 1377هـ في عهد الملك سعود بن عبد العزيز ليجعل المؤسسة تشبه البنك المركزي الحديث. ويمكن تلخيص  وظائف المؤسسة الأساسية في([111]):

(1)                             الأعمال المرتبطة بالعملة من محافظة على قيمة العملة السعودية، والاحتفاظ بالاحتياطات النقدية والقيام بدور وكيل الحكومة، فيما يتعلق بعمليات بيع الذهب والفضة وشرائهما.

(2)                             الإشراف على البنوك التجارية والصرافات وتنظيمها.

(3)                             القيام بمهام مؤسسة مالية تقوم بأعباء بنك الحكومة حيث تمثل وعاء تصب فيه كل العائدات وتصرف منه كل النفقات.

(4)                             القيام بالأبحاث المالية والاقتصادية.

وقد منع المرسوم مؤسسة النقد من القيام ببعض النشاطات([112])، حيث أوضح أن المؤسسة لا يجب أن تتعامل بأسعار الفائدة في استحقاقاتها أو مدفوعاتها، ولا ينبغي لها مخالفة تعاليم الشريعة الإسلامية، وكذلك منعت المؤسسة من :

1–   دفع الفائدة أو استلامها.

2–  استلام الودائع الخاصة.

3–  تقديم القروض للدولة أو للهيئات الخاصة أو للأفراد.

4– الاشتغال بالتجارة أو أن تكون لها مصلحة في أي منشأة تجارية أو صناعية أو زراعية.

5–  شراء أي عقار زيادة عن حاجة المؤسسة أو الاحتفاظ به.

6–  إصدار أوراق البنكنوت.

وقد تم  تزويد المؤسسة برأسمال أساس قدره 6 مليون دولار أمريكي([113])، وقد عدّ هذا المبلغ كافيا في حينه؛ لأن المؤسسة لا تقوم بمهام الإقراض للحكومة أو لغيرها. علاوة على أنه قد سمح للمؤسسة بفرض رسوم خدمات على الدولة، مقابل الخدمات التي تقدمها لها مثل تحويل الأموال خارج البلاد أو المعاملات المصرفية داخل البلاد([114]).  وقد كانت هناك عدة مقترحات([115]) لتوفير رأس المال منها مشاركة رأس المال المحلي أو الأجنبي في توفير رأس المال للمؤسسة .إلا أن الحكومة السعودية استبعدت الاحتمالين الأخيرين، لرغبتها في الحفاظ على المؤسسة كهيئة حكومية تقدم خدمات عامة لا تهدف إلى الربح.

وقد تكون مجلس الإدارة من وزير المالية رئيسا ومحافظ مؤسسة النقد نائبا له وخمسة أعضاء آخرين. وقد اضطرت الحكومة للاستعانة بمحافظ غير سعودي([116]) لندرة  الكفاءات الوطنية في ذلك الحين. وقد أوعز ذلك للحكومة في حينه بالتركيز على التدريب حتى يتسنى  إيجاد كادر وطني كفء ومؤهل تأهيلاً فنياًّ وإدارياً لإدارة ذلك العمل. و كانت البداية مشجعة وكان الوضع المالي للمؤسسة مطمئناًّ إلى درجة أرضت الخبراء والقائمين على الشؤون المالية بما فيهم وزير المالية الشيخ عبد الله السليمان([117]) .

المجـلس الاقتصـادي (وزارة الاقتصاد) :

بعد أن تم توحيد المملكة بدأت نهضة اقتصادية، وحركة تنمية شاملة، استوجبت إنشاء كثير من الأجهزة والإدارات لمتابعة هذه النهضة وتنفيذها وإدارتها. ومن ضمن هذه الأجهزة المجلس الاقتصادي الذي استحدث بموجب الأمر السامي رقم 5934 في 27/2/1372هـ ليقوم بالآتي:

1– دراسة المشاريع  والبرامج الاقتصادية.

2– دراسة واقتراح الأنظمة الخاصة.

3– دراسة الاتفاقيات التجارية والاقتصادية والجمركية([118]) .

وقد كانت هنالك وحدات مالية سبق تكوينها قيام المجلس الاقتصادي بوقت طويل، كانت تؤدي مهاماً دخلت ضمن مهام المجلس الجديد . فقد استحدث مكتب مراقبة النقد عام 1367هـ وأوكل إليه مهمة القيام بتقدير وإدارة الواردات والصادرات([119]) .

واستمر المكتب  الذي تحول لشعبة الشؤون الاقتصادية، في أداء دوره التخطيطي والرقابي حتى صدر قرار من وزير المالية بتحويله إلى مجلس اقتصادي في  16/11 /1370هـ([120]). والملاحظ أن هذه النقلة النوعية جاءت تلبية للتطورات الاقتصادية الداخلية والخارجية التي اكتنفت المملكة في تلك الفترة. وقد تمثلت الظروف الخارجية في حدوث الكساد، الذي ضرب العالم بعد نهاية الحرب العالمية وما صاحبه من قلة الطلب على البترول، وقلة الإيرادات للدولة نتيجة لذلك . وتمثلت الظروف الداخلية في زيادة التعامل مع شركات تنقيب البترول وكذلك الشركات التي تسهم بإنشاء البنى التحتية للبلاد، وما تبع ذلك من استحداث لضريبة الدخل في عام 1370هـ([121])، وآثارها على مختلف الأنشطة الداخلية. كما تجدر الإشارة إلى أن الظروف الاقتصادية مثل تأرجح أسعار الصرف وعدم القدرة على التنبؤ الصحيح بواردات الدولة، والبحث عن تنويع لهذه المصادر زاد من أهمية إنشاء هذا المجلس . وقد شمل تكوين المجلس الذي جاء برئاسة وزير المالية معظم الإدارات الاقتصادية وغيرها ذات الصلة. مثل وزارة الخارجية ومجلس الشورى والجمارك والأشغال العامة والغرفة التجارية([122]). ومن الملاحظ هنا أنه برغم أن مهمة المجلس استشارية في طابعها وليست ملزمة للدولة([123]) إلا أن طبيعة تكوينه قد جعلت من مهمته الاستشارية في حكم الإلزام. ولم يلبث الوضع على تلك الحال كثيراً إذ سرعان ما صدر مرسوم ملكي رقم 9443 في 22/10/1370هـ برفع المجلس الاقتصادي إلى وزارة للاقتصاد وربطت بوزارة المالية. وفي عام 1374هـ أُدمجت وزارة المالية والاقتصاد لتصبحا وزارة المالية والاقتصاد الوطني.

ويمكن تقسيم مهام المجلس الاقتصادي إلى نوعين:

( أ ) مهام استشارية، وفيها يقوم المجلس بتقديم الرأي والمشورة في الأمور الاقتصادية التي تعرضها الدولة وتطلب فيها رأي المجلس([124]).

(ب) مبادرات وفيها يقوم المجلس بتقديم مقترحات وآراء بخصوص أمور اقتصادية يرى المجلس وجوب لفت النظر إليها([125]).

 

الإدارة المالية في أواخر عهد الملك عبد العزيز :

بعد استعراض هذه التطورات في الهياكل والسياسات المالية التي أمر بها الملك عبدالعزيز رحمه الله، بقي علينا أن نستعرض وضع الإدارة المالية في أواخر عهده، حتى يتسنى لنا معرفة مدى التطور الذي حدث في هذا المجال .

هياكل وسياسات الإدارة المالية :

تطورت هياكل الإدارة المالية في المملكة خلال عهد الملك عبد العزيز تطوراً كبيراً. ففي أواخر عهده –  رحمه الله – نجد أن وزارة المالية التي أصبحت العمود الفقري لإدارة مالية الدولة المترامية الأطراف قد اكتملت هياكلها الإدارية وخاصة بعد أن انضمت تحت لوائها وزارة الاقتصاد بعيد عهد الملك عبد العزيز وأصبحت تسمى بوزارة المالية والاقتصاد الوطني وعين الشيخ محمد سرور الصبان وزيراً لها([126]). وقد  أشرنا سابقاً إلى أن اكتمال هذه الهياكل، صاحبه اكتمال الإدارات  المصاحبة مثل مؤسسة النقد العربي السعودي التي أنشأت في عام 1372هـ (1952م) للقيام بمهمة البنك المركزي .

ومن الأجهزة الأخرى جهاز الجمارك، الذي طوره الخبراء الأجانب، وأصبح مؤهلاً لقيادة الإصلاح الجمركي، الذي يتمثل في تقليل حجم البيروقراطية والروتين وتعديل الرسوم بما يلائم الوضع الاقتصادي الناشئ من تغيير أنواع الواردات وأنماط الاستهلاك في ذلك الوقت . وقد تغيرت التركيبة الاقتصادية والاجتماعية والمالية   للدولة. ويرجع كثير من الكتاب هذا التغيير في تركيبة الواردات إلى هجرة البدو للمدن للعمل في مناطق الزيت وأعمال التشييد