النقود المتداولة قبل سك النقد العربي السعودي :
لم
تكن للأقاليم التي تكونت منها المملكة العربية السعودية بعد توحيدها على يدي الملك
عبدالعزيز – رحمه الله – عملة نقدية موحدة ، بل لقد تعددت العملات التي
كانت متداولة في أرجائها وتنوعت ، وتباينت تبعاً لمواقعها الجغرافية ، وولاءاتها
السياسية ، واتصالاتها التجارية . ففي الحجاز مثلاً – وتبعاً لوضعه الديني الذي يجعله منفتحاً على معظم
بقاع المعمورة –
كان يجري التداول في مدنه بعدد غير قليل من العملات المعروفة حينذاك ، كالجنيه
الذهب الإنجليزي ، والجنيه الذهب العثماني ، والجنيه المسكوفي ، والجنيه البنتو (venti) ، والجنيه الذهب المصري ، والريال المجيدي وأجزائه ، والروبية الهندية
وفئاتها ، والريال الفرانسي أو الفرانسة المعروف بريال ماريا تيريزا ، والدينار
الهاشمي ، والريال الهاشمي(
[1]) . وفي السواحل الشرقية كان يجري التعامل بعدة عملات
أبرزها الروبية الهندية ، وبعض المسكوكات الأخرى المنسوبة إلى الهند أيضاً(
[1]) . أما في الداخل فكانت السيادة للريال الفرانسي (
ريال ماريا تيريزا ) ([2]) ، وكان المتعاملون به من السكان المحليين لا
يرتضون بغيره بديلاً ، كما إن التعامل به لم يقتصــر عــــلى الداخــل فقــط،
وإنما تعــدى ذلك إلى مختلــف أقاليم الجزيــرة العربيــة([3]) ( وسيأتي الحديث عنه بعد ) .
وقبل
الدخول في موضوع هذه الورقة يحسن بنا أن نلقي بصيصاً من الضوء على أمثلة لبعض ما
ذكر من العملات التي كانت متداولة في الأقاليم التي تشكلت منها المملكة العربية
السعودية في ما بعد ، وذلك بهدف التعرف على طبيعة التعامل النقدي لتلك الأقاليم
قبل ضرب النقود العربية السعودية في عهد الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود
رحمه الله ، ولنتعرف كذلك على العملات التي ختمها ، ووسمها الملك عبدالعزيز بوسم
أهم إقليمين في مملكته ( هما ما كانا يعرفان باسم مملكة الحجاز وسلطنة نجد ) ،
وجرى وضعها قيد التداول الرسمي ، وذلك بإضافته كلمة نجد على فئة ، وكلمة الحجاز
على فئة أخرى ، ثم كلمتي نجد والحجاز على فئة ثالثة ، وفق تدرج مرحلي يسير مع
مراحل توحيد المملكة العربية السعودية ، والخطوات التي اتبعت في سبيل تحقيق ذلك .
الريال
الفرانسه ( ريال ماريا تيرزا ) :
لعل
الريال المعروف باسم الريال الفرانسي أو الفرانسة من أشهر العملات التي كانت
متداولة في جزيرة العرب قبل عهد الملك عبدالعزيز وأثنائه حتى وقت متأخر نسبياً([4]) . وهو في واقع الأمر ليس فرنسياً ، ولعله لا يمت
إلى الفرنسيين بصلة ، وإنما هو نمساوي الأصل منسوب إلى الإمبراطورية النمساوية
ماريا تيرزا . وهو كبير الحجم ، سك من الفضة في عام 1195هـ / 1780م ([5]) ، ويبلغ وزنه الصافي أوقية ، حتى إنه هو نفسه كان
يستخدم في بعض المناطق وزنه لبعض السلع التي كانت تباع بالأوقية ، كالأصباغ
والأطياب ونحوهما .
يحمل
الريال المذكور على وجهه صورة جانبية نصفية للإمبراطورة ماريا تيرزا ملتفتة نحو
اليمين ، ومحاطة بكتابة لاتينية منها اسم الإمبراطورة ، وبعض الاختصارات([6]) ، وعلى الظهر شعار الإمبراطورية المكون من صورة
تجريدية للنسر ذي الرأسين يتصدره مستطيل ، يعلوه تاج القيصرية الذي يرمز إلى
المقاطعات التي تتكون منها الإمبراطورية([7]) .
وهو يشبه النافذة أو الطاقة ، حتى إنه يطلق عليه في مصر مسمى " أبو طاقة
" ، نسبة إلى ذلك المستطيل الذي يشبه الطاقة ، أو النافذة([8]) . وهذا الشعار محاط بكتابة لاتينية منها تاريخ
السك ، وهو 1780م (1195هـ) .
أما
التعامـل بهذا الريال فظل قائماً في معظم أنحاء جزيرة العرب حتى عهد قريب([9]) . وظل من أكثر العملات وثوقـاً به بين التجار
وسائر المتعاملين به ؛ لثبات وزنه ، وضبط عياره اللذين لم يتغيرا على مر السنين
حتى إنه ليضرب به المثل على الثبات ، وقول الصدق في بعض مناطق المملكة ، فيقال
كلامه فرانسة ، أو كلمته مثل الفرانسة .
العملات
الإنجليزية :
كانت
العملة الإنجليزية المتمثلة في الجنيه الذهب من العملات التي حازت على شهرة كبيرة
من التداول الواسع في البلاد السعودية قبل عهد الملك عبدالعزيز وأثنائه ، وإلى ما
بعد توحيد المملكة العربية السعودية([10]) .
وترجع سعة انتشارها وتداولها إلى القوة الاقتصادية الكبيرة للبلد المصدر ، وهو
بريطانيا العظمى التي كان لها نفوذ واسع في جنوب الجزيرة العربية وشرقها . وفي
مستعمراتها الكبرى بشبه القارة الهندية التي عرفت – حينذاك – بالرخاء وقوة
الازدهار ، وزاد الناس وثوقاً بها كونها مسكوكة من الذهب ، إضافة إلى دقة عيارها ،
وثبات وزنها البالغ ثمانية جرامات([11]) ،
وكانت تعرف بين الناس باسم الجنيه فقط ، أو جنيه جورج ، نسبة إلى الملك جورج ( ملك
بريطانيا الذي سُكَّت في عهده ) ، والذي تظهر صورة رأسه على وجه القطعة النقدية
متجهاً نحو اليسار([12]) .
وعلى الظهر تبرز صورة فارس شاهراً سيفه ، وممتطياً جواده ، وإلى الأسفل منه تاريخ
السك . ولعل هذه الصورة هي التي أوحت بتسميته في الأوساط الشعبية باسم : "
جنيه أبو خيال "([13]) ،
وبها اكتسب شهرته في الشعر الشعبي المُغَنَّى المعروف بالخبيتي من خلال هذا البيت
:
لاَ
– لاَ – وزْمَامْ خِلِّيْ طَاحْ في جَمَّةَ البْيِرْ
لاَ – لاَ – وجْنِيْه أبُوْ خَيَّال لِلِّي يَجيْ بُهْ
العملات
العثمانية :
كانت
الدولـــة العثمانية حتى الحرب العالمية الأولى تسيطر على معظم البلاد العربية ،
لذا كانت عملاتها بمختلف أصنافها الذهبية والفضية والبرونزية ، والنحاسية متداولة
على نطاق واسع في جزيرة العرب حتى بعد انسحابها نهائياً منها([14]) ، ومن العملات العثمانية التي كانت متداولة قبل
النقد العربي السعودي ، الليرة العثمانية الذهبية والدينار العثماني ، ثم الريال ،
ونصف الريال ، وربع الريال ، والقروش ، والبارات النحاسية . وهذه التقسيمات للريال
وأجزائه ، وكذا القروش هي التي سهلت التداول بالعملات العثمانية ، وأكسبتها ميزة
على غيرها من العملات المتداولة في زمانها([15]) .
وكانت تعرف بالمجيدية نسبة إلى السلطان العثماني عبدالمجيد الذي حكم مابين 1255 –
1278هـ / 1839 – 1861م . سواء سكت في عهده ، أو في عهد السلاطين الذين جـــاءوا
بعده ؛ فيقال : الريال المجيدي ، والقـــرش المجيدي ، وحتى البارة المجيدية([16]) .
وكانت تحمل في
الوجه توقيع السلطان الذي سكت في عهده ، والمعروف باسم "الطغراء" ، وسنة
جلوسه على العرش ، ويشتمل الظهر على المعلومات المتعلقة بتاريخ السك ومكانه([17]) .
العملات
الهندية :
كانت الهند في
ذلك الوقت قوة اقتصادية كبيرة ، وكانت محط أنظار التجار والطامعين من سكان جزيرة
العرب ، وبصورة خاصة سواحلها الشرقية والجنوبية التي كان معظمها في ذلك الوقت
تابعاً للتاج البريطاني ، وترتبط بشكل أو بآخر بحكومة الهند ، وكانت الهند بالنسبة
لبريطانيا درة التاج البريطاني لكونها مصدراً كبيراً للثروات الطبيعية ، والخامات
بمختلف أنواعها ، وسوقاً تجارياً للصناعات البريطانية ؛ لذا كانت عملتها من
العملات القوية، وكانت في واقع الأمر صورة عن العملة البريطانية، وضعت للتداول في
أسواق الهند([18]).
وأهم العملات الهندية التي كانت متداولة في جزيرة العرب؛ الروبية وفئاتها([19]).
وكان ينقش على وجه هذه العملة صورة للإمبراطور البريطاني الذي سُكّت في عهده، وعلى
الظهر تاريخ السك، والقيمة النقدية([20]) .
وتجدر الإشارة
إلى أن الروبية الهندية كانت من العملات التي لها رواج كبير في البلاد السعودية
حتى بعد إعلان توحيد المملكة العربية السعودية ، وذلك بسبب ما يحضره الحجاج الهنود
إلى المملكة من أموال طائلة بعملة بلادهم ، بل لقد بلغ من قوة العملة الهندية في
المملكة العربية السعودية أن أصبحت في الخمسينات من القرن الرابع عشر الهجري /
الثلاثينات من القرن التاسع عشر الميلادي وحدة الصرف العالمية للمملكة العربية
السعودية . وعندما سكت المملكة ريالها الفضي الصغير جعلته مطابقاً لمواصفات
الروبية الهندية([21]) .
العملات
العربية :
تأتي العملة
المصرية على رأس العملات العربية التي كانت متداولة في بعض أقاليم البلاد السعودية
قبل سك النقد العربي السعودي ، وهي أكثر شيوعاً في المدن المطلة على البحر الأحمر
، ولاسيما في الحجاز لقربه من مصر ، ويأتي الجنيه الذهب المصري على رأس العملة
المصرية المتداولة في الحجاز من حيث الأهمية والقوة ، وكان أغلى من الجنيه
الإنجليزي ، ويزيد عنه بمقدار قرشين ونصف القرش ذهباً([22]) . تليه
القروش المصرية التي اكتسبت أهميتها من ارتباطها الوثيق بشكل خاص بالريال الفرانسة
الذي اعتبرت بمثابة كسور له في أوساط المتعاملين بذلك الريال المهم ، ويبلغ صرفه
بالقروش المصرية عشرين قرشاً في الحد الأدنى ، ويرتفع أحياناً إلى اثنين وعشرين
قرشاً([23]) .
يلي النقود
المصرية في السياق فقط ، وليس في الأهمية النقود العراقية ، وذلك لأن هذه النقود
غير واسعة الانتشار في البلاد السعودية قبل توحيدها وأثنائه على يدي الملك
عبدالعزيز رحمه الله ، وإن وجدت فالتعامل بها مقصور على الأطراف الشمالية الشرقية
من الديار السعودية قبل توحيدها ، وهي في الأصل عملة عثمانية قام بسكها الباشوات
العثمانيون أثناء توليهم أمور بغداد([24]) .
وهناك نقود
عربية أخرى منسوبة إلى اليمن ، وإلى عمان كانت متداولة في بعض المناطق قبل سك
النقد العربي السعودي في عهد الملك عبدالعزيز([25]) . على أن أهمها
على الإطلاق النقود الهاشمية المضروبة في الحجاز . وهي تتنوع بين دنانير ذهبية ،
وريالات فضية ، وقروش نحاسية وخلافها([26]) ، حيث كانت
النقود الهاشمية تضرب في دور سك خاصة بها في مكة المكرمة ، ثم أصبحت تلك الدور بعد
أن بويع الملك عبدالعزيز ملكاً على الحجاز ذات فائدة عظيمة لاستخدامها في ضرب
النقد العربي السعودي فيما بعد ([27]).
أما في
الأحساء فقد احتفظ أهلها إلى جانب العملة الهندية ، والريال الفرانسة وبقايا
العملة التركية بعملة أخرى توصف بأنها بدائية([28]) ، وتعرف باسم
" الطويلة " ، أو عملة " سنارة السمك "([29]) .
وهي عبارة عن قضيب رفيع من النحاس أو الفضة معكوف على نفسه ، وله طرف أو طرفان
مرتفعان ، ومختوم بكتابات عربية ، قيل إنها كوفية([30]) ، وظلت
الطويلة متداولة ،ومحتفظة بقيمتها إلى أن ألغيت من قبل الدولة السعودية في عهد
الملك عبدالعزيز ــ
رحمه الله ــ
بعد معادلة كل قطعة منها بربع قرش سعودي([31]) .
نقود الملك عبدالعزيز :
أولاً
: النقود المعدنية :
عرف عن الملك
عبدالعزيز – رحمه الله – مرونته في تعامله مع الواقع ، ووضعه مصلحة المسلمين من
رعاياه فوق كل اعتبار ، ذلك أنه بسبب قلة موارده ، وانشغاله بتوحيد المملكة
العربية السعودية لم يكن في وضع يسمح له بضرب عملة وطنية منذ الوهلة الأولى التي
وصل فيها إلى سدة الحكم ، كما أن العملات التي كانت متداولة في الأقاليم التي
أصبحت في ما بعد المملكة العربية السعودية ، معظمها إن لم يكن كلها ذات قيمة ، فأبقى
رحمه الله على جميع العملات النقدية التي أشرنا إليها آنفاً ، قيد التداول حيثما
وجدت في البلاد التي خضعت لسلطانه ، سواء في نجد وملحقاتها أم في الحجاز([32]) ،
ولم يغير شيئاً من طبيعة تداولها حتى على المستوى الرسمي ، بحيث ظلت تستوفى بها
مداخيل الزكاة والرسوم ونحوها ، وتصرف بها مدفوعات الدولة من رواتب الموظفين
والجند ، وسائر المقررات التي كانت تقدر على أساسي ما هو موجود من تلك النقود في
الأسواق المحلية([33]) .
إلا أن هذه العملات ــ
ومعظمها من الذهب والفضة ــ
كانت عرضة للتهريب وإخراجها من البلاد بطرق شتى ، كما أنه كان لابد من وجود عملة
تحمل طابعاً رسمياً وطنياً ، حتى ولو كان ذلك الطابع الرسمي محدوداً أو رمزياً([34]) .
لذا عمدت
السلطـــــــات الســــــــعودية في عهد الملك عبدالعزيز إلى حفر كلمة نجد (
للدلالة على سلطنة نجد ) على عدد من العملات الذهبية والفضية التي كانت متداولة في
نجد ، ولعل ذلك كان قبل مبايعة الملك عبدالعزيز ملكاً على الحجاز ، ومن تلك
العملات ريال ماريا تيرزا المؤرخ في عام 1780م /1195هـ ، والمعروف باسم الريال
الفرانسة كما قدمنا (لوحة رقم 1)، والروبية الهندية المؤرخة في سنة 1900م/ 1318هـ وتحمل اسم الملكة فيكتوريا ( ملكة بريطانيا
العظمى ) على الوجه ( لوحة رقم 2) ، وكذلك نصف الروبية الهندية المنسوبة إلى
الملكة نفسها ( لوحة رقم 3 )، تليهما العملة التركية فئة الخمسة قروش ، وهي عملة
فضية ضرب القسطنطينية سنة 1293هـ / 1876م ( لوحة رقم 4) ، ثم العملة المصرية ، وهي
فضية أيضاً ، ومن فئة الخمسة قروش ، وتاريخ سكها سنة 1335هـ / 1917م ( لوحة رقم 5
) ([35]) .
والجدير
بالذكر أن هذه العملات المذكورة هي فقط تلك التي وصلت إلى علمي عند إعداد هذه
الورقة ، وقد تكون هناك عملات أخرى غيرها كانت متداولة في نجد ، وختمت أو وسمت
كسابقاتها بوسمها المتمثل في حفر كلمة نجد على أوجهها .
وعندما دخلت
الحجاز تحت سيطرة الملك عبدالعزيز عمد إلى حفر كلمة الحجاز على بعض النقود
المتوافرة فيها ، ولاسيما الهندية والعثمانية التي كانت متداولة بها حينذاك ( لوحة
رقم 6 ، ورقم 7 )
([36]) .
يضاف إلى ذلك أنه ــ رحمه
الله ــ لم يكتف بحفر
كلمة نجد وكلمة الحجاز كل على حدة على النقود التي وسمها بوسمهما ، وإنما جمع كلاً
من اسم القطرين على عملة واحدة ، وأعطاها طابعاً رسمياً للدلالة على سلطنة نجد ،
ومملكة الحجاز في أسفلها ( لوحة رقم 8 ) ([37]) ، ومما يؤسف له
أن الدليل الوحيد الذي وصل إلى أيدينا أثناء إعداد هذه الورقة ، من السكة الموسومة
بوسمي نجد والحجاز ، هو ريال ماريا تريزا ، ولا نعرف إن كان قد وضع اسم الحجاز
بمفرده على أي من العملات السابقة التي وضع اسم نجد عليها ، والتي أشرنا إليها
أعلاه .
والناظر المدقق
لهذه السلة من العملات المعدنية الثمينة يدرك تماماً أن الملك عبدالعزيز هيأ
لبلاده منذ وقت مبكر قاعدة نقدية قوية ذات قوة شرائية تكفي لتسيير أمور التعامل
اليومي في البلاد ، وتكفي كذلك للصرف على متطلبات توحيد الوطن ، وأحاط ذلك كله
بسياج يمنعها من التسرب إلى خارج الوطن بتهريب أو خلافه ، وقد عَدَّ أحد الباحثين
هذه الخطوة بمثابة مرحلة من مراحل سك النقد العربي السعودي في عهد الملك عبدالعزيز([38]) ،
وهو محق في ذلك ، بل إن ما قام به الملك عبدالعزيز في هذه المرحلة يشبه إلى حد
كبير بواكير تعريب النقود الإسلامية في عهد الخليفة الأموي عبدالملك بن مروان
حينما بدأ الخطوات الأولى في سبيل ضرب عملة عربية إسلامية كاملة التعريب . وسنرى
أن الملك عبدالعزيز ضرب فيما بعد رياله العربي الفضي على غرار الريال المجيدي
العثماني سواء في الحجم أم في العيار والوزن([39]) . وكذلك ضرب
الريال العربي الســـعودي الصغير حجمّاً على غرار الروبية الفضية الهندية وزناً
وعياراً([40]) ،
والجنيه الذهبي العربي السعودي على غرار الجنيه الذهبي الإنجليزي من حيث الوزن
والنقاء([41]) .
أ :
النقود النحاسية والنيكلية :
أشرنا سابقاً
إلى وجود دار للسكة بمكة المكرمة كانت قيد الاستخدام قبل دخول الملك عبدالعــــزيز
إلى الحجاز ، فلما تم له ذلك استفاد من الإمكانات المتاحـة لتلك الدار ، وذلك بسك
أولى النقود المنسوبة إليه خلال سنتي 1343 – 1344هـ / 1924 – 1925م([42]) .
وهي عملة نحاسية من فئة نصف القرش وربع القرش على وجهيها اسم الملك عبدالعزيز
موقعاً على هيئة الطغراء ، وعلى ظهريها القيمة النقدية لكل منهما ، ومكان سكهما
وهو أم القرى ( لوحة رقم 9 ، ورقم 10) ([43]) . والجدير
بالذكر أنه لم يظهر على هاتين القطعتين اسم الدولة التي تنتميان إليهما هذه العملة
، وإنما ظهر عليهما مكان الســــك فقط ، وهو – كما أشرنا عليه سابقاً – أم القرى (
أي مكة المكرمة ) ، واسم الملك عبدالعزيز مجرداً من لقبه السلطاني والملكي([44])
، ولعل ذلك يعود على كونهما سُكَّا قبل تقرير مصير الحجاز ، وقبل مبايعة الملك
عبدالعزيز ملكاً عليها في 25 جمادى الآخر سنة 1344هـ / 10 يناير ( كانـــون الثاني
) 1926م([45]) .
إذاً ، فلابد أن سك هذه العملة وقع في الفترة الممتدة بين دخول مكة المكرمة في 18
ربيع الأول 1343هـ / 18 أكتوبر ( تشرين أول ) 1924م ، وتسليم جدة في 6 جمادى
الآخرة 1344هـ / 22 يناير ( كانون أول ) 1925م ، أي خلال فترة حوالي أربعة عشر
شهراً سبقت مبايعة الملك عبدالعزيز ملكاً على الحجاز ، وهو أمر في غاية
الرَّوِيَّة ، والحرص منه – رحمه الله
– على مصالح المسلمين بإصداره هذه العملة
خلال تلك الفترة التي يمكن اعتبارها فترة انتقالية ، حتى إن أحد الباحثين المحدثين
لا يعدّ هاتين الفئتين اللتين ضربتا خلال الفترة المشار إليها إصداراً أولاً
للعملة الوطنية السعودية ، وإنما يعدهما إصداراً مؤقتاً لا ينتمي لكيان دولة قائمة([46]) .
وفي الوقت
نفسه أجريت في هذه المرحلة بعض الإصلاحات النقدية في الحجاز تم بموجبها تخفيض
نقودها القديمة إلى نصف قيمتها الأصلية ، فختمت فئة القرش بعبارة نصف قرش ، وختمت
المسكوكات التي قيمتها الاسمية نصف قرش ، بعبارة ربع قرش([47]) . على أن أول
وأهم إصدار من النقود العربية السعودية في عهد الملك عبدالعزيز كان في سنة 1344هـ
/ 1926م حينما شهدت تلك السنة سك عملات وطنية من معدن النيكل ، ومن فئات القرش ،
ونصف القرش ، وربع القرش بحيث حمل وجه كل منها اسم الملك عبدالعزيز ، ولقبيه
المتصلين بالاسم الرسمي الجديد للبلاد السعودية ، وهو " ملك الحجاز وسلطان
نجد " ، وعلى الظهر القيمة النقدية لكل قطعة من القطع الثلاث ، وتاريخ سكها
الواقع – كما قدمنا – في سنة 1344هـ / 1925م([48]) . وهذا
الإصدار يمثل دون شك مرحلة من مراحل تكوين المملكة العربية السعودية الحديثة (
لوحة رقم 11 ) .
وفي سنة
1346هـ/ 1928م اتخذت الدولة خطوة أمامية نحو الدمج والتوحيد لأجزاء البلاد بحيث
اختفى "اسم سلطنة نجد ومملكة الحجاز" كل على حدة، من على السكــــة،
وأصبـــــح اسم الدولـة السعودية الحديثة حينذاك "مملكة الحجاز ونجد
وملحقاتها " وضربت منه فئـــات ثلاث
هي : القرش ، ونصف القرش ، وربع القرش بحيث تتضح قيمها، وتاريخ سكها، وهو 1346هـ/
1928م على ظهر كل منها([49]) (لوحة
رقم 12)
ويعزو كثير من
الباحثين سبب هذه التسمية " ملك الحجاز ونجد وملحقاتها " التي ظهرت على
هذا الإصدار – ولم تظهر على سابقه – إلى انضمام مقاطعات أخرى جديدة إلى الدولة
السعودية الحديثة خلال السنتين الواقعتين بين الإصدارين المذكورين ، وهي التي يعبر
عنها باسم " الملحقات "([50]) . والواقع أن
هذا التعليل غير دقيق لعدة أسباب منها : أنه لم تنضم مقاطعـــــات جديدة تذكر إلى
ما بين يدي الملك عبدالعزيز من أراض ، بعد ضمه للحجاز ، إلا في فترات لاحقة لتاريخ
الإصدار المذكور ، ومنها أن ما يعبر عنها بالملحقات معروفة قبل هذا الإصدار بست
سنوات أو أكثر ، وهي ملحقة بنجد ، وليس بالحجاز ، ويقصد بها في الغالب إمارة عسير
، وإمارة حائل ، لذلك سميت نجد منذ سنة 1340هـ / 1922م باسم " سلطنة نجد
وملحقاتها " ولُقِّب الملك عبدالعزيز بلقب " سلطان نجد وملحقاتها "([51]) .
أما السبب
الحقيقي لتلك التسمية التي وردت على الإصدار المذكور فتعود إلى تغيير لقب الملك
عبدالعزيز من سلطان نجد الذي اكتسبه منذ عام 1339هـ / 1921م ، إلى ملك نجد الذي
بايعــــــه أهل نجد عليــــــه في الرياض في 25 رجب 1345هـ / 19 يناير ( كانون
الثاني ) 1927م([52]) .
ولكونه بويع في الحجاز باللقب نفسه قبل ذلك التاريخ بأكثر من عام " ملك
الحجاز " ، لذا كان من الطبيعي أن يحتفظ جلالة الملك عبدالعزيز بلقب ملك فقط
متبوعاً باسم المملكتين ، إحداهما معطوفة على الأخرى ، وهذا ما تم بالفعل طبقاً
لما يورده الزركلي هكذا : جلالة ملك الحجاز ونجد وملحقاتها([53]) .
واختفى منذئذ لقب سلطان ، واختفى باختفائه مسمى سلطنة نجد وحل محله مسمى مملكة نجد
وملحقاتها . وتبعاً لهذه المستجدات كان من الطبيعي أن تظهر التسمية الجديدة على
الإصدار الثاني الذي طرح بعد ذلك بعام واحد فقط أي عام 1346هـ / 1928م .
وبعد هذا
التاريخ بسنتين أي في سنة 1348هـ/1930م أعيد سك إصدار 1346هـ / 1928م بفئاته
الثلاث ( لوحة 13 ) ، وبالمواصفات السابقة نفسها من حيث نوع المعدن والمأثورات
التي سجلت عليه، باستثناء التاريخ الذي هو هنا 1348هـ/ 1930م بدلاً من 1346هـ /
1928م الموضح في الإصدار المذكور آنفاً([54]) .
وفي الحادي
والعشرين من شهر جمادى الأولى 1351هـ / الموافق الثاني والعشرين من شهر سبتمبر (
أيلول ) 1932م تقرر إطلاق اسم " المملكة العربية السعودية " على مملكة
الحجاز ونجد والملحقات ، وبذلك اتخذت البلاد السعودية وضعها الصحيح ، ونهجها السليم
بعد أن توثقت عراها ، وترابطت أجزاؤها ، واندمجــــت أقاليمها ، وانصهرت كلها في
كيان واحد مستقل في تكوينه ، ووحدة مصيره ، وانصهار شعبه في بوتقة واحدة هي "
الشعب العربي السعودي " . وأصبح اللقب الرسمي للملك عبدالعزيز – رحمه الله –
بعد هذا التاريخ " ملك المملكة العربية السعودية "([55]) .
ولا يبدو أن
الحاجة كانت قائمة إلى ضرب عملة جديدة بعد توحيد المملكة العربية السعودية مباشرة،
إذ لم يتم إصدار نقود فضية جديدة إلا في سنة 1354هـ/1935م([56]) أما النقود
المعدنية المتخذة من النحاس والنيكل فلم يتم ضربها إلا في سنة 1356هـ / 1937م،
حينما تم في هذه السنة إعادة إصدار القرش ، ونصف القرش ، وربع القرش تحت اسم
الدولة الجديد ، ولقب الملك المترتب عليه ، والمسطر على أوجهها هكذا : عبدالعزيز
آل سعود ، ملك المملكة العربية السعودية ، وعلى أظهرها فئة العملة ، وسنة الضرب ،
وهي 1356هـ / 1937م . ( لوحة رقم 14 ) ([57]) .
وعلى الرغم من
أن الملك عبدالعزيز لبث في حكم البلاد حوالي سبعة عشر عاماً بعد هذا التاريخ –
وضربت الدولة في عهده عدداً من الإصدارات الفضية ، والذهبية ، والنقود الورقية –
فإن هذه الفترة لم تشهد إصدار قروش جديدة . ولو أنه في سنة 1365هـ / 1946م حينما
وجدت المملكة نفسها – بسبب وفرة العملة الفضية ، ونقص الفئات الصغيرة المتمثلة في
القروش، وأجزائها، واحتكارها من قبل الصيارفة – مضطرة إلى معالجة هذا الوضع بأن
قامت بجمع جميع القروش المضروبة سابقاً ، وختمتها بالرقم 65 وسط الوجه ( لوحة رقم
15 ) ، على أنها إصدار جديد لعام 1365هـ / 1946م([58]) . وبذلك كسرت
احتكار الصيارفة للمسكوكات الصغيرة على رأي أحد الباحثين الذي يذكر " أن
السبب في ختمها هو كسر احتكار الصيارفة للمسكوكات الصغيرة ، وبعدها استبدلت
بمسكوكات أخرى مصنوعة من النحاس والنيكل ضربت بحافة مسننة ، فوصلت للمملكة عام
1366هـ/ 1947م"([59]) .
ويذكر باحث آخر السبب نفسه ، وإنما على نحو أكثر تفصيلاً إذ يقول : " في
أوائل الستينات الهجرية – ولأسباب عديدة
– وجدت حكومة المملكة العربية
السعودية نفسها في مواجهة حالة غير طبيعية في ما يتعلق بتوازن فئات العملة السعودية
المتداولة في الأســـــواق . فكانت العملة الفضية متوفرة بشكل كبير بينما كانت
فئات القرش أقل وفرة ، ونجم عن ذلك الاختلال وضع احتكاري للعملة النحاسية استغله
الصرافون ، فبدأت عملية تكديس نشطة لهذه العملة ، وارتفعت قيمتها إلى مستويات غير
واقعية . عند ذلك تدخلت الحكومة ، وعملت على كسر احتكار الصرافين للعملة النحاسية
. فجمعت فئات القرش ، وضربت على أحد وجهيها بالرقم " 65 " رمزاً للعام
الهجري 1365هـ / 1946م الذي بدأت فيه هذه العملة . ثم ما فتئت أن استبدلت تلك
العملة بإصـدارات جديـدة من العملة النحاسـية ، تتميز بحـدها المقصب "([60]) ،
وبين الحافة المسننة والحد المقصب الذي يطلقه كل من الباحثين على الطوق الذي يحف
بفئات النقود السعودية ، يجد الباحث نفسه مضطراً للتوقف عند هذا الحد من الحديث عن
النقود النحاسية في عهد الملك عبدالعزيز ، لأن ما ضرب منها بعد هذا التاريخ يخرجنا
من الإطار الزمني لعنوان هذه الورقة .
ب :
النقود الفضية :
لقد تأخر ضرب
النقود الفضية السعودية في عهد الملك عبدالعزيز حوالي سنتين بعد إصدار النقود
النحاسية ، ولم يتم ضرب أول ريال عربي سعودي وأجزائه إلا في سنة 1346هـ / 1928م .
ولعل ذلك كان نتيجة طبيعية لصدور أول نظام للنقد الحجازي النجدي في 13 رجب 1346هـ
/ 6 يناير ( كانون ثاني ) 1928م ، وبموجب ذلك النظام أبطل التعامل بالريال
العثماني المجيدي وأجزائه ، وحل محله الريال السعودي وأجزاؤه ( نصف الريال ، وربع
الريال ) ، اعتباراً من غرة شعبان من العام نفسه([61]) ( لوحة رقم
16 ) . وكان الريال العربي السعودي الجديد وأجزاؤه قد سكت على غرار الريال
العثماني المعروف باسم المجيدي من حيث الحجم والعيار والوزن طبقاً لنص المادة
الثالثة من النظام المذكور ، ومفادها " الريال العربي مساوٍ بحجمه ووزنه
وعيار فضته للريال العثماني ، ونصف الريال العربي مساوٍ لنصف الريال العثماني ،
وربع الريال العربي مساوٍ لربع الريال العثماني "([62]) .
ويتميز الريال
العربي السعودي ( المعروف بالريال العربي ) بكبر حجمه الذي قصد به القدرة على
منافسة الريال الفرانسة ، والريال المجيدي اللذين كانا لهما السيادة في التعامل في
الأسواق. ويحمل الريال العربي السعودي ، وكذا أجزاؤه اسم الملك عبدالعزيز بن
عبدالرحمن آل سعود في مركز الوجه ، ثم لقبه متبوعاً بمسمى البلاد السعودية –
حينذاك – بعد إلغاء عبارة سلطنة نجد وتحويلها إلى مملكة نجد، هكذا : "ملك
الحجاز ونجد وملحقاتها "([63])، وعلى الظهر
مكان الضرب (مكة المكرمة)، وسنته (1346هـ) ، ثم الفئة كتابة ورقماً ، بالإضافة إلى
بعض الزخارف المتمثلة في سيفين متقاطعين داخل إطار تحف به نخلتان تقعان مع السيفين
إلى الأسفل من مركز الوجه ، وزخرفة مماثلة تحف برقم الفئة إلى الأسفل من مركز
الظهر ، أو الوجه الآخر من العملة([64]) .
وقد أعيد سك
الريال العربي السعودي في سنة 1348هـ / 1930م ( لوحة رقم 17) ، وهو من الإصدارات
الجميلة النادرة في الوقت الحاضر ، ويعلق أحد الباحثين المحدثين على هاتين
الخاصيتين في ريالنا العربي السعودي بقوله : "تجدر الإشارة إلى أن إصدارات
عامي 1346هـ و 1348هـ من العملة الفضيـــــة تعتبر من أجمل ما سُكَّ من نقود
سعودية ، كما أن قيمـــــة القطعــــــة الواحدة منها في الوقت الحاضر ( 1400هـ /
1980م ) تصل إلى ألف ريال إذا كانت في حالة جيدة ، وذلك لندرتها حيث إن الكمية
المسكوكة منها محدودة جداً ، ويعتبر بالذات إصدار عام 1348هـ من نصف الريال أندر
قطعة نقد سعودية ، فلم يسك من ذلك الإصدار سوى حوالي 000ر100 قطعة "([65]) .
وبعد توحيد
المملكة بثلاث سنوات أي في عام 1354هـ / 1935هـ ضرب ثاني إصدار من الريالات السعودية
الجديدة بعد إصدار 1346هـ / 1928م و 1348هـ / 1930م ، ويتمثل هذا الإصدار الجديد
في عملة فضية قوامها الريال السعودي ، ونصف الريال ، وربع الريال ، وتحمل كسابقتها
على الوجه عبارة : " عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود ، ملك المملكة العربية
السعودية " ، وعلى الظهر تحمل رقم الفئة أو القيمة النقدية ، وجملة : "
ضرب في مكة المكرمة " وسنة الضرب ، وهي 1354هـ/ 1935م ، بالإضافة إلى زخارف
السيفين والنخلتين التي أشرنا إليهما في إصدار 1346هـ / 1928م([66]) (
لوحة رقم 18 ) . ويتصف هذا الإصدار بصغر حجمه مقارنة بالإصدار السابق ، وقلة وزنه
، إذ لا يتعدى وزن هذه الفئات الثلاث ، نصف القطع المماثلة لها من إصدار سنتي
1346هـ / 1928م ، و1348هـ / 1930م ، كما إن الكميات المطروحة منه في الأسواق أضعاف
ما هو مطروح من الإصدار السابق([67]) .
وعلى الرغم من
كثرة ما سك من هذا الريال في إصدار سنة 1354هـ / 1935م طبقاً للمعلومة السابقة فإن
ذلك لم يغن عن ظهور إصدار جديد من الريال السعودي المشار إليه في سنة 1367هـ /
1948م([68]) (
لوحة رقم 19) ، وكذلك ظهور إصدار آخر من الريال السعودي نفسه في سنة 1370هـ /
1951م([69]) (
لوحة رقم 20 ) . وهذا الإصدار هو آخر ما صدر من العملات الفضية في عهد الملك
عبدالعزيز الذي توفي رحمه الله بعد ذلك بثلاث سنوات في ربيع الأول سنة 1373هـ/
نوفمبر (تشرين الثاني) 1953م([70]) .
جـ :
النقود الذهبية :
أشرنا سابقاً
إلى أن العملات الذهبية تقف على رأس العملات التي كان يجري التعامل بها في أقاليم
المملكة العربية السعودية قبل توحيدها على يدي الملك عبدالعزيز – رحمه الله – .
وكان الجنيه الذهبي الإنجليزي بمثابة عملة التعامل الرئيسية في البلاد حتى بعد
توحيد المملكة العربية السعودية ، وكانت تجارة المملكة ومعاملاتها المالية
الخارجية قائمة على أساس هذه العملة الإنجليزية الذهبية ، ولم يتوقف التعامل بها
إلا عندما أصبح متعذراً استيراد تلك الجنيهات الذهبية الإنجليزية بسبب ظروف الحرب
العالمية الثانية([71]) ،
ومع ذلك لم تسك المملكة العربية السعودية في عهد الملك عبدالعزيز عملة ذهبية
سعودية إلا في عام 1379هـ / 1951م أي بعد ما يقارب عشرين عاماً على إعلان توحيدها
تحت مسمى المملكة العربية السعودية بسك عملة ذهبية وطنية ، فتم سك الجنيـــه
العربي السعودي في فرنسا في السنة المذكورة([72]) . وكان
الجنيه السعودي على غــرار الجنيه الذهبي الإنجليزي من حيث حجمه،ونقاؤه،ووزنه
البالغ ثمانية جرامات([73]).
وهو على شاكلة العملة الفضية السعودية من حيث المأثورات والزخارف المنقوشة عليه :
فهو يحمل على وجهه عبارة : " عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود ، ملك المملكة
العربية السعودية "، وعلى ظهره جملة: " جنيه عربي سعودي واحد ضرب في مكة
المكرمة 1370هـ "([74]) ( لوحة رقم
21) . ويذكر أن ما سك من الجنيه العربي السعودي هو مبلغ مليونين ونصف المليون قطعة
، ولم يوضع في التداول إلا بعد تأسيس مؤسسة النقد العربي السعودي في 14 محرم
1372هـ / الموافق 4/11/1952م ثم بدىء في
تداوله اعتباراً من 3 صفر 1372هـ/ 22 أكتوبر (تشرين أول) 1952م([75]) وهكذا يتضح أن إصدارات النقود المعدنية
بأنواعها الثلاثة ( النحاسية – النيكلية والفضية والذهبية ) في عهد الملك
عبدالعزيز ، كان ضرورة حتمية لاستقرار الدولة اقتصادياً ، خاصة بعد أن توحدت
وتغلبت على مختلف مشكلاتها الداخلية والخارجية؛ فقد كان الاعتماد على النقد
الأجنبي في السابق له مشاكله ، بسبب اختلاف أوزانه لكونه يعود إلى جهات متعددة ،
وتعذر استيراده أحياناً بسبب ظروف الحروب ، كما حدث للجنيه الإنجليزي الذهبي الذي
توقف استيراده بسبب الحرب العالمية الثانية .
ثانياً
: النقود الورقية ( الأوراق ذات القيمة النقدية )
أشرنا سابقاً إلى أن المعاملات المالية في المملكة العربية السعودية كانت تعتمد على قاعدة الذهب والفضة ، وكانت أغلب المعاملات تجري بالجنيه الذهب الإنجليزي، والريال السعودي الذي بدأ إصداره منذ عام 1354هـ/1935م، وأن هذا الوضع استمر حتى بعد تأسيس مؤسسة النقد العربي السعودي في عام 1372هـ/1952م التي عهد إليها في أول الأمر بإصدار النقود المعدنية فقط . أما الأوراق النقدية الرسمية فلم يكن من مهام مؤسسة النقد إصدارها حين تأسيسها ، ولم يخولها نظامها المشار إليه هذا الحق ، إلا بعد أن عدل بموجب المرسوم الملكي رقم 17/9/8762 وتاريخ 17/9/1374هـ،10/5/1955م([76]). وهي كما يلاحظ فترة لاحقة للإطار الزمني الذي تغطيه هذه