مقدمـــة :
تبرز في تاريخ الأمم نقاط انطلاق كثيرة
، يختلف المؤرخون على اختيار أهمها لتأريخ البداية الفعلية لميلاد أمة ، أو
لنهضتها من كبوة ألمت بها ، أو غير ذلك من المنعطفات . أما في المملكة العربية السعودية
فالأمر يكاد يكون سهلاً ، لأن نقطة الانطلاق واضحة وضوح الشمس في رابعة النهار .
وقد بدأت عندما قام شاب يافع يملأ قلبه الإيمان ، وصدره الشجاعة ، وثلة من مواطنيه
المؤمنين بحقه باستعادة مدينة الرياض، عاصمة آبائه وأجداده في 5 شوال 1319هـ
الموافق 15 يناير 1902م . وكان استرداد العاصمة الرياض في ذلك التاريخ على يدي
المؤسس الملك عبدالعزيز بن عبد الرحمن طيب الله ثراه ، بشير خير ونقطة انطلاق للم
شمل البلاد . وقد كانت ملحمة تضيق الكتب بشرحها ولكن الحدث الأهم خلال المرحلة
الأولى هو ظهور المملكة بصفتها كياناً سياسياً عام 1343/1344هـ ( 1925/1926م ) ثم
ظهورها باعتبارها كياناً سياسياً موحداً متكاملاً عام 1351هـ (1932م) تحت اسم
المملكة العربية السعودية .
وقد واجهت الدولة الفتية في مراحلها
الأولى من التأسيس تحديات ومصاعب اقتصادية جمة ، بسبب تدني في مجال التجارة
والزراعة والرعي والخدمات ، وخاصة تلك المرتبطة بالحجاج القادمين لزيارة الأماكن
المقدسة . وزاد من صعوبة الأوضاع المعيشية في ذلك الوقت ضآلة الموارد المتاحة
للحكومة للإنفاق على مشروعات البنى الأساسية وندرة الكوادر الإدارية المؤهلة
للقيام بالأعباء المتزايدة لدولة واسعة الأرجاء ، وضعف الهياكل الاجتماعية التي
تسهم في عملية التحول نحو المجتمع الحضري بيسر وسهولة .
ولكن اقتصاد البلاد شهد تحولاً كبيراً
في النصف الثاني من الخمسينيات الهجرية (أواخر الثلاثينيات الميلادية ) باكتشاف
النفط عام 1938م وتصديره بكميات تجارية منذ عام 1945م لمواجهة التوسع الاقتصادي
العالمي الكبير وإعادة الإعمار بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية . ولكن الموارد
الكبيرة التي وفرها قطاع النفط للحكومة للنهوض بالبلاد فرضت في الوقت نفسه تحديات
جديدة تطلبت القيام بإصلاحات مالية ونقدية جوهرية لمواكبة التغيرات التي تطلبتها
عملية التنمية .
النقطة الأهم هنا هي أن جهود الملك
المؤسس في بناء حكومة مركزية قوية حققت الأمن والأمان للأنفس والأموال شكلت الشرط
المؤسسي الحاسم الضروري لنجاح أي عملية تنمية اقتصادية بصرف النظر عن الموارد
المتاحة . إن فقدان الأمن لا يعوضه أي مجهود أو موارد اقتصادية .
يهدف هذا البحث إلى إلقاء بعض الضوء
على مراحل التطور النقدي التي مرت بها المملكة العربية السعودية خلال فترة التوحيد
والبناء بما في ذلك استعراض الأوضاع النقدية قبل عام 1344هـ (1926م) والترتيبات
النقدية اللاحقة لتنظيم أوضاع النقد والتي أعقبتها سلسلة من التغيرات الكبيرة
والتقلبات الواسعة على الصعيدين المحلي والعالمي عصفت بالاستقرار النقدي واستدعت
تطبيق عدد من الإصلاحات النقدية والمالية في السبعينيات الهجرية ( الخمسينيات
الميلادية ) وقد مهدت تلك الإصلاحات السبيل فيما بعد لإرساء نظام نقدي راسخ وعملة
ثابتة وأسعار صرف مستقرة وشبكة مصرفية متقدمة ونظم متطورة للمدفوعات تضاهي أحدث
النظم العالمية في الوقت الحاضر .
الأوضاع النقدية قبل عام 1344هـ
(1926م) :
اعتمدت المعاملات النقدية قبل توحيد
المملكة على خليط من العملات الأجنبية تعكس في ذلك الوقت حالة التشرذم السياسي
والتبادل التجاري الخارجي والنشاط الاقتصادي البسيط لمختلف المناطق . كان الريال
الفضي العثماني يستخدم في مناطق واسعة من البلاد وخاصة في الغرب والوسط والجنوب .
أما الريال ماريا تريزا النمساوي ( الريال الفرانسي ) فقد كان استخدامه شائعاً في
وسط البلاد . وفي شرق البلاد كان استخدام الروبية الهندية الفضية أكثر شيوعاً
نظراً للارتباط التجاري القديم بين منطقة الخليج والهند . واستخدمت مسكوكات نحاسية
متنوعة لأجزاء الريال الفضي العثماني كالقرش وأقسامه وما يعرف بالبيزة والآنة
والبارة وغيرها .
بالإضافة إلى العملات الفضية والنحاسية
التي كانت وسيلة الدفع للمعاملات الاعتيادية استخدمت الجنيهات الذهبية الأجنبية
للمدفوعات الكبيرة والادخار وخاصة الجنيهات الذهبية الإنجليزية .
كان للعملات الذهبية والفضية طابع سلعي
وقيمة جوهرية حسب محتواها من المعدن ونقاوته إلى جانب وظائفها بصفتها وسائط للدفع
. لذا كانت قيمتها وأسعار التبادل بينها تتأثر بالأسعار العالمية لمعدني الذهب
والفضة مما كان يعرضها للتكديس أو التعريب أو الإذابة عند اختلاف هذه القيم تجاه
بعضها البعض . كما كانت تتأثر قيم تلك العملات بظروف العرض والطلب المحلي للسلع والنقود
وما ينتج عن ذلك من تقلبات في عرض النقود لعدم وجود جهة منظمة للإصدار حيث إن معظم
العملات المشار إليها استبدلت في دول منشئها بعملات ورقية تعتمد على ضمان الحكومة
للوفاء والإبراء . وفي حين كان هذا الوضع يناسب أقاليم مجزأة ناقصة السيادة فإنه
لم يكن يتلاءم مع دولة تتمتع بكامل السيادة من أهم مسؤولياتها التنمية الاقتصادية
المعتمدة على تنظيم إصدار النقد والمحافظة على سعر مستقر لعملتها الوطنية .
الترتيبات النقدية ما بين
الأعوام 1344 – 1346هـ ( 1926 –
1928م ) :
لمس
الملك عبد العزيز طيب الله ثراه بعد دخوله الحجاز القوة الاقتصادية الكامنة للكيان
الجديد وبالتالي اتخذ خطوات لتحسين أوضاع النقد والعمل على حمايته من التقلب
باعتماد عملة رسمية وتنظيم إصدارها . فقد تم اعتماد القرش الأميري الذهب كمعيار
للقياس بما يساوى جزء من مائة وعشرة أجزاء من الجنيه الإنجليزي الذهب ( 1 إلى 110
) وتم ســــك القرش وأجزائه ( نصـــــف القرش وربع القرش ) عــام 1344هـ (1926م)
من معدني النحاس والنيكل وحددت قيمته بما يساوي نصف القرش الأميري الذهب ، إضافة
إلى مسكوكات ضربت في العام السابق من النحاس والبرونز من فئة نصف وربع القرش لسد
الحاجة إلى الفئات الصغيرة من العملة . وفي 13رجب 1346هـ (6/1/1928م) صدر أول نظام
نقدٍ سعودي عرف بـ ( نظــام النقد الحجازي النجدي ) تم بموجبه اعتماد الريال
العربي الفضي عملة رسمية للبلاد تحل محل الريال العثماني الذي أوقف التعامل به في
غرة شعبان من العام نفسه . وضرب الريال العربي بنفس حجم ووزن وعيار الريال
العثماني ( 24.055 غراماً من الفضة نقاوة 0.833 ) . واعتمد الجنيه الإنجليزي الذهب
كمعيار لقيمة الريال الجديد وحدد سعره بـ 10 ريالات عربية . كما حددت أجزاء الريال
العربي بـ 11 قرشاً أميرياً أي 22 قرشاً دارجاً وفقاً لعلاقة القرش الأميري
بالجنيه الإنجليزي الذهب ( 1 إلى 110 قرش أميري أي 220 قرشاً دارجاً ) .
وبموجب هذا الترتيب التزمت الحكومة بما
يعرف بقاعدة المعدنين ( Bimetallic Standard ) حيث سمح للعملات الذهبية الأجنبية بالتداول الحر
جنباً إلى جنب مع الريال الفضي الرسمي وكانت العملات الفضية والذهبية تتمتع بدرجة
عالية من الوزن والنقاوة للمعدن الذي سكت منه ( Full-Bodied
Money ) .
حالة عدم الاستقرار 1346 –
1371هـ ( 1928 – 1951م ) :
لم تتمكن المملكة خلال هذه الفترة من
المحافظة على استقرار سعر صرف الريال السعودي الفضي مقابل الجنيه الإنجليزي الذهبي
الشائع التداول في ذلك الوقت لظروف خارجة عن إرادتها .
فقد شهد العقد الثالث من القرن العشرين
تقلبات واسعة وتحولات كبيرة عصفت بالاستقرار الذي وفره نظام قاعدة الذهب لأسعار
الصرف العالمية نتيجة للسياسات المالية التوسعية والتخفيضات المتوالية للعملات
الأوربية التي أعقبت الحرب العالمية الأولى . وقد بلغت الأزمة ذروتها بحدوث الكساد
العالمي الكبير ( 1929 – 1932م )
الذي أدى إلى انهيار أسعار الفضة ، أعقبه تخلى بريطانيا والولايات المتحدة
الأمريكية . وهما دولتا الاحتياطي العالمي الرئيستان، عن قاعدة الذهب في عامي
1931م، 1933م على التوالي وارتفاع أسعار الذهب تبعاً لذلك .
ويستعرض ( الجدول رقم 1 ) أهم مراحل
التطور النقدي التي مرت بها المملكة العربية السعودية خلال تلك الفترة .
( جدول رقم 1 )
المراحل الأولى للتطور النقدي للمملكة العربية السعودية([1])
السنة الميلادية
|
التطــور النقدي |
|
1926 |
اعتماد وسك القرش الأميري . |
|
1928 |
اعتماد نظام النقد الحجازي النجدي ،
واعتماد الريال العربي الفضي عملة رسمية للبلاد ووقف التعامل بالريال العثماني ،
واعتماد الجنيه الإنجليزي معياراً لقيمة الريال الجديد ويعادل عشرة ريالات لكل
جنيه واحد . |
|
1935 |
سك ريال فضي جديد يحمل اسم المملكة
العربية السعودية بوزن ونقاوة الروبية الهندية وأقل من نصف وزن الريال القديم . |
|
1946 –1950 |
تفاقم مشكلة تهريب الريال إلى الهند . |
|
1952 |
إنشاء مؤسسة النقد العربي السعودي وإصدار
الجنيه السعودي بقيمة 40 ريالاً ، وبذلك اكتمل عقد العملة الوطنية . |
وتحت وطأة هذه الظروف لم يعد بالإمكان
الالتزام بقيمة التعادل المحددة بين الريال السعودي والجنيه الذهب الإنجليزي ( 10
إلى 1 ) بموجب نظام النقد السابق ذكره. وتم في عام 1354هـ (1935م) سك ريال فضي
جديد يحمل اسم المملكة العربية السعودية بنفس وزن ونقاوة الروبية الهندية الفضية (
11.6638 جرام نقاوة 0.9166 ) أي أقل من نصف الريال القديم . ويستعرض ( الجدول رقم
2 ) العملات المعدنية التي تم تداولها
لبعض الوقت حتى اكتمال البناء النقدي في النصف الثاني من عقد السبعينيات الهجرية (
الخمسينيات الميلادية ).
( جدول رقم 2 )
قبيل إدخال النظام النقدي السعودي الحديث([2])
|
||||||||||||||||||||||||||||||||||||
وقد أسهمت عدة عوامل دولية ومحلية في
حصول نوبات أخرى من الاضطراب وعدم الاستقرار في نظام النقد السعودي المشار إليه
سابقاً . فقد أدى عدم انتظام المعروض من العملات الذهبية والفضية وخاصة الجنيه
الإنجليزي الذهب ، الذي كان يعد معيار القيمة ، إلى حدوث تقلبات واسعة في أسعار
الصرف بين الجنيه والريال السعودي لا تتناسب مع محتواهما من الذهب والفضة في أسواق
المعادن العالمية وارتبط ذلك الوضع بالمصاعب والضغوط الكبيرة التي أحدثتها الحرب
العالمية الثانية وقبلها الكساد الكبير على موارد البلاد من السلع والخدمات وخاصة
تحويلات الحجاج التي شكلت المصدر الرئيس لحصيلة البلاد من الجنيهات الذهبية
الأجنبية . ونظراً لعدم وجود سلطة نقدية مركزية تنظم إصدارات البلاد من الريال
الذي كان يسك في الخارج ويرد على دفعات غير منتظمة وعدم توافر شبكة مصرفية متطورة
تلبي المدفوعات المرتبطة بمتطلبات الحكومة والقطاع الخاص . فقد تعرض سعر صرف
الريال إلى فوارق كبيرة لاتتلاءم مع قيمة محتواه من الفضة في السوق العالمية مما
أسهم أحياناً في تهريبه إلى الخارج بكميات كبيرة لبيعه كسبائك معدنية . ولم يعد
النظام بأكمله وطرق مدفوعاته التقليدية متلائمين مع متطلبات قطاع النفط الحديث
الآخذ في النمو بشكل مطرد .
ولا يفوتنا هنا التأكيد على أن نظام
" قاعدة المعدنين " يعاني من مشكلة عدم الاستقرار لأنه من الصعب
المحافظة على معدل تبادل ثابت بين معدنين يتعرضان لظروف عرض وطلب مختلفة بسبب ظروف
الإنتاج والاستهلاك للمعدنين . ولذلك عانى هذا النظام طوال تاريخه من التذبذب .
ومن ناقلة القول ، إن صفة عدم الاستقرار هذه قد أسهمت إسهامات كبيرة مع العوامل
الأخرى في تفويض أسعار الصرف بين الجنيه والريال السعودي خلال تلك الفترة .
وكانت تقلبات الجنيه الإنجليزي تجاه
الريال السعودي الأكثر حدة حيث تراوحت أسعار صرف الجنيه مقابل الريال خلال سنوات
الحرب العالمية الثانية وفق الجدول الآتي:
( جدول رقم 3 )
أسعار صرف الريال
السعودي
مقابل الجنيه الإنجليزي
( جورج ) الذهب
( الأسعار مقدمة من
الشركة التجارية الهولندية جدة ) ([3])
السنوات
الميلادية
|
ريـال / جنيـه |
السنوات
الميلادية |
ريـال / جنيـه |
|
يناير 1939 يناير 1940 يناير 1941 يناير 1942 |
25.90 27.09 34.09 40.95 |
يناير 1943
يناير 1944 يناير 1945 متوسط ديسمبر 1945 |
57.00 44.73 45.50 69.25 |
وقد زادت التقلبات بعد انتهاء الحرب
حيث تراوحت أسعار الصرف ما بين 89 ريالاً و 41 ريالاً مقابل الجنيه خلال الأعوام
1946 – 1950م ثم استقرت لحدٍ ما خلال السنتين
التاليتين لتتراوح ما بين 49.32 و 40.07 ريالا ( جدول رقم 4 والشكل رقم 1 ) . كما
شهدت أسعار الصرف ما بين الجنيه والدولار تقلبات مماثلة حيث لم يكن بإمكان أي سلطة
سواء في المملكة أم في غيرها من الدول السيطرة على الجنيه بسبب حرية تداوله ، إذا
لم يعد الجنيه الذهب يشكل عملة رسمية بريطانية منذ فترة تعود إلى ما بعد انتهاء
الحرب العالمية الأولى وتخلي بريطانيا عن قاعدة الذهب الكامل ( أي إصدار وتداول
عملات ذهبية رسمية ) وقد ضاعفت هذه التقلبات من تكلفة استيراد السلع من قبل القطاع
التجاري وتكلفة تأمين السلع والخدمات الخاصة بالحكومة وأحدثت صعوبة في إعداد
الموازنة العامة وزادت من أعباء المعيشة على المواطنين وزوار الأماكن المقدسة .
( جدول رقم 4 )
أسعار
صرف الجنيه الإنجليزي ( جورج ) الذهب مقابل الريال والدولار
(
الأسعار السائدة في سوق جدة للأعوام 1946 – 1952 ) ([4])
|
|
الجنيه الإنجليزي
/ ريـال |
الجنيه
الإنجليزي / دولار * |
||
الأعوام الميلادية
|
أعلى سعر |
أدنى سعر |
أعلى سعر |
أدنى سعر |
|
1946 1947 1948 1949 1950 1951 1952 |
89.00 69.00 68.00 62.25 58.75 49.32 45.14 |
60.00 58.00 52.25 45.00 41.00 42.25 40.07 |
20.00 18.00 16.00 13.25 12.00 13.00 12.23 |
17.00 14.00 12.75 11.65 10.25 11.70 10.80 |
|
* يبلغ السعر الاسمي للجنيه الإنجليزي نحو 8.24 دولارات وفقاً
لوزنه حسب السعر الذي حددته الولايات المتحدة للذهب بما يساوي 35 دولارات
للأونصة الواحدة . |
||||
|
|
أما بالنسبة لأسعار صرف الريال مقابل
الدولار خلال هذه الفترة فقد كانت تقلباتها أقل حدة نسبياً من أسعار صرف الجنيه
حيث تراوحت ما بين 0.20 إلى 0.30 دولاراً للريال منذ عام 1945م وتحددت قيمة الريال
بدرجة كبيرة حسب قيمة التعادل لوزنه المماثل من الفضة في الأسواق العالمية . ولكن
سعر صرف الريال عانى في بعض الأحيان من تذبذب كبير حسب وفرته أو نقصه في السوق
المحلي لعدم طرحه في التداول بشكل منظم بعد سكه في الخارج ، ونظراً لوفرة عرض
الريال ما بين الأعوام 1946 – 1951م
حدثت علاوات ( Premiums ) عالية في قيم التعادل الأسواق الخارجية تجاوزت
نسبة15 في المائة التي إذا تم تجاوزها تصبح عملية التهريب مجزية . وقد تعرض الريال بسبب ذلك لعلميات تهريب واسعة
للخارج وخاصة لأسواق الهند التي تجاوزت العلاوة فيها في بعض الأوقات 70 في المائة
بسبب تدني قيمة الريال النقدية دون مستـــوى القيمة العالمية للمعدن والقيود التي
فرضتها الحكومة الهندية على استيراد الفضة . أما بالنسبــــة لسوق نيويورك فقــــد
بلغت العلاوة في بعض الأحيان 25 في المائة ( جدول رقم 5 وشكل رقم 2 ) . وقد قدرت عمليات التهريب للخارج ما بين 2 إلى 5
ملايين ريال شهرياً خلال عامي 1949 و 1950م وما كانت هذه التجاوزات لتحصل لو كانت
هناك سلطة نقدية مستقلة منوط بها متابعة تطورات قيمة العملة واتخاذ الإجراءات
اللازمة لحمايتها في الوقت المناسب .
وقد تسبب مناخ عدم الاستقرار لأسعار
الصرف في حدوث أضرار كبيرة في الأوضاع المالية للحكومة التي كان يشكل النقد
الأجنبي ما يقارب 80 في المائة من مجموع إيراداتها ومعظمه بالدولار . وكان يتعين
على الحكومة أن تحول جزءاً كبيراً من النقد الأجنبي إلى ريالات أو جنيهات ذهبية
لمواجهة أعباء الإنفاق المحلي . فعلى سبيل المثال ، كانت تتراوح الفروقات في عائد
الحكومة من تحويل مليون دولار إلى ريالات ما بين 3.200.000 إلى 5.200.000 ريال حسب
أسعار الصرف التي تفاوتت بين 3.2 و5.2 ريال للدولار منذ انتهاء الحرب العالمية
الثانية . أما حصيلتها من الجنيهات الذهبية مقابل العائد بالدولار فقد تراوحت ما
بين 100.000 إلى 50.000 جنيه وفقاً لتفاوت سعر صرف الجنيه مقابل الدولار البالغ
10.25 إلى 20.0 دولاراً في تلك الفترة .
( جدول رقم 5 )
قيمة صرف الريال مقابل الدولار بسوق جدة مقارنة بقيمة التعادل
في سوق نيويورك وبومباي حسب الوزن المماثل للريال من الفضة([5])
للأعوام 1946 – 1952م
|
الأعوام الميلادية |
جــدة
|
نيويـورك |
بومبـاي |
|||
|
أعلى سعر |
أدنى سعر |
أعلى سعر |
أدنى سعر |
أعلى سعر |
أدنى سعر |
|
|
1946 1947 1948 1949 1950 1951 1952 |
0.290 0.291 0.255 0.255 0.259 0.278 0.290 |
0.232 0.229 0.216 0.203 0.196 0.249 0.264 |
0.310 0.265 0.265 0.252 0.276 0.311 0.303 |
0.243 0.218 0.240 0.240 0.247 0.303 0.284 |
0.480 0.424 0.374 0.407 0.339 0.360 0.322 |
0.288 0.314 0.324 0.291 0.301 0.296 0.265 |
أما بالنسبة لقطاع النفط فكان يتعين
على شركة الزيت العربية الأمريكية ( آرامكو) أن تدفع قيمة ريع المملكة من النفط
خلال الفترة 1948 – 1950م بالعملية الذهبية التي كانت
عملية تأمينها وشحنها بكميات كبيرة تواجه مصاعب كبيرة . وللوفاء بالتزاماتها من
الرواتب والمصروفات المحلية بالريال كان على الشركة أن تنقل وتخزن وتحرس ما يقارب
60 طناً من الفضة كل شهر .
كل هذه العوامل المشتركة دفعت الحكومة إلى مراجعة أوضاعها المالية
والنقدية وأن تدرس بجدية عملية تطوير النظام النقدي لإضفاء الاستقرار على أسعار
الصرف ونظم المدفوعات .
|
|
النظام النقدي السعودي الحديث :
ارتبط النظام النقدي الحديث بالمملكة
بإنشاء مؤسسة النقد العربي السعودي عام 1372هـ ( 1952م) ويفضل توطيد الاستقرار
الأمني ودور الحكومة المركزية في تعجيل وتيرة التنمية في مختلف المجالات أصبحت
البلاد في أمس الحاجة في ذلك الوقت إلى جهاز مصرفي حكومي يتولى تنظيم أوضاع النقد
بعد الاضطراب الكبير الذي تعرضت له نظم الصرف والمدفوعات بالمملكة في تلك الفترة
وكذلك لإدارة دخل الحكومة المتنافي بفضل الزيادة المطردة للصادرات البترولية .
وقد وافق الملك عبد العزيز – رحمه الله – في أوائل
عام 1952م على استقـدام بعثة ماليــة أمريكية رأسها المستشار المالي والاقتصادي
المستر / آرثر .ن. يونج ( Arthur N. Young ) لتقديم المشورة للحكومة السعودية في
مجال تطوير أنظمة النقد والميزانية العامة والتعريفة والإدارة الجمركية . وبناءً
على التوصيات التي رفعها الخبير الأمريكي بالتشاور مع وزير المالية آنذاك الشيخ/
عبد الله السليمان – رحمه الله – صــدر المرسومان الملكـــيان برقمي 30/4/1046 و 30/4/1047 وتاريخ 25/7/1371هـ (20/4/1952م)
بإنشاء مؤسسة النقد العربي السعودي واعتماد نظامها الأساسي . وقد تحددت أهم وظائف
المؤسسة بموجب المرسومين في تثبيت ودعم قيمة العملة السعودية داخلياً وخارجياً ،
ومعاونة وزارة المالية بتوحيد المركز الذي تودع فيه إيرادات الحكومة وتصرف منه
مدفوعاتها وفقاً لبنود الميزانية المعتمدة ، وحفظ وتشغيل الأموال الاحتياطية
المرصودة لأغراض النقد ، وتقديم المشورة للحكومة فيما يتعلق بسك العملة وطرحها في
التداول ، ومراقبة المصارف التجارية والصيارفة والمتعاملين في بيع وشراء العملات
الأجنبية . وقد حظر على المؤسسة ضمن أشياء أخرى إقراض الحكومة والهيئات والأفراد .
كانت المهمة الرئيسة قبيل مباشرة مؤسسة
النقد العربي السعودي أعمالها تحديد سعر صرفي واقعي ومستقر للريال السعودي يمكن
المحافظة عليه والدفاع عنه لفترة زمنية معقولة . وبما أنه قد تقرر أن يطرح الجنيه
الذهبي السعودي الذي سك منه مليونان ونصف المليون قطعة في الخارج باعتبارها رسمية
فور قيام المؤسسة بمهامها . فقد تطلب الأمر النظر في الأبعاد الثلاثة لعلاقة سعر
الريال بالدولار الأمريكي والذهب والفضة والمحافظة قدر الإمكان على القيم
التاريخية السائدة في الأسواق المحلية والعالمية لهذه الأسعار خلال تلك الفترة .
وعلى ضوء استقرار سعر الفضة بما يقارب 90.5 سنتاً للأونصة ومحتوى الريال من الفضة الخالصة البالغ 0.34375 من الأونصة
وهامش أمان مقداره 15 في المائة لقاء مخاطر التهريب وانخفاض محتوى العملة من
المعدن من جراء الاستعمال اليومي تعين أن يكون سعر صرف الريال مقابل الدولار في
حدود 26.75 و 27.50 سنت . وينسجم هذا السعر لحد كبير مع القيمة التي حددت لجنيه
الذهب السعودي وهى 40 ريالاً للجنيه حيث تتراوح قيمته وفقاً لهذا الترتيب ما بين
10.70 إلى 11.0 دولاراً وهو سعر مقارب لقيمة الجنيه الذهبي الإنجليزي الرائج في
ذلك الوقت والذي كان يتراوح سعره في السوق المحلية خلال عام 1952 ما بين 40.07 إلى
45.4 ريالاً ( 10.80 إلى 12.23 دولاراً ) .
وقد استنتج أنه طالما بقي سعر الجنيه
السعودي دون سعر الجنيه الإنجليزي أو
مساوياً له فلن يترتب على ذلك خسائر على الحكومة أو مشكلات عند طرحه للتداول
بالسعر المقرر .
مؤسسة النقد العربي السعودي :
باشــــــــــرت مؤسســـــــة
النقــــد العربي السعـــــودي عملها في
14/1/1372هـ ( 4/10/1952م ) وقد بدأت المؤسسة بداية متواضعة حيث بلغ مجموع
الموجودات والمطلوبات التي ظهرت في أول ميزانية نصف سنوية تصدرها المؤسسة عن المدة
المنتهية في 30/6/1372هـ ( 16/3/1953م ) نحو 47.5 مليون ريال([6]).
وتكونت الموجودات من موجودات بالعملات المحلية بمبلغ 26.5 مليون ريال وموجودات أجنبية بمبلغ 21 مليون ريال. وفي جانب
المطلوبات بلغ رأسمال المؤسسة في ذلك الحين 21 مليون ريال ، وقيمة احتياطي غطاء
العملة 10.1 ملايين ريال . والودائع الحكومية 15.8 مليون ريال، والمطلوبات الأخرى
0.6 مليون ريال وكان النظام الأساسي للمؤسسة قد خصص لها عند إنشائها رأسمال قدره
500 ألف جنيه ذهب ، الذي يعادل 20 مليون ريال . وقد تم تسديده للحكومة في عام
1376هـ (1957م) ([7]) .
من بين المهام الأولى التي ألقيت على عاتق
المؤسسة استكمال النظام النقدي للمملكة فطرحت في غرة صفر 1372هـ ( 19 نوفمبر 1952م
) الجنيه الذهبي السعودي ليحل محل العملة الذهبية الإنجليزية . وقد حدد سعره بمبلغ
40 ريالاً أي ما يساوي 10.90 دولارات وهو سعر يتمشى مع السعر المستهدف للريال
مقابل الدولار البالغ 27.0 سنتاً ( 3.70 ريالات للدولار ) . وأعلنت المؤسسة عن
عزمها المحافظة على هذا السعر بالتعاون مع المصارف التجارية والصيارفة ما لم تطرأ
تغيرات جوهرية في الأسعار العالمية للذهب والفضة . وأبلغت جميع الإدارات الحكومية
بقبول الجنيه السعودي بالسعر المحدد ومنع تصديره للخارج ، وبإصدار العملة الذهبية
السعودية أصبحت جميع العملات المتداولة في البلاد ذات صبغة وطنية .
السياسة النقدية في مراحلها
الأولى :
يلاحظ من العرض السابق أن
السياسة النقدية للمملكة في المرحلة الأولى لإنشاء مؤسسة النقد ارتبطت بقاعدة
الذهب بكل ما يتميز به المعدن من موثوقية وما يعاني منه من قصور نتيجة تذبذب
أسعاره في الأسواق العالمية مما أحدث تقلبات واسعة في عرض النقود وأسعار السلع
والخدمات وفي سعر الصرف . يضاف إلى ذلك عدم وجود قطاع مصرفي نشط في الاقتصاد يقوم
بعمليات إقراض وتمويل وتعبئة للمدخرات أو يتعامل بأدوات الدين المختلفة من سندات
وغيرها كل تلك العوامل جعلت السياسة النقدية السائدة في ذلك الوقت سياسة بسيطة
وغير واقعية ولا تتلاءم مع وضع الاقتصاد عندما أخذ في التوسع والنمو التدريجي مع
زيادة موارد البلاد النفطية .
الإرهاصات الأولى لإصدار العملة
الورقية :
بالرغم من انتشار استخدام
العملات الورقية في دول العالم الأخرى بما فيها الدول المجاورة ، فإن المواطنين
السعوديين ظلوا متمسكين بالعملة الفضية والذهبية لأن قيمتها الاسمية مقاربة
لقيمتها المعدنية . والسبب في ذلك يعود إلى حداثة عهدهم بالأمن والاستقرار في ظل
دولة مركزية قوية . ولكن كانت هناك مشقة متزايدة على الحجاج والمعتمرين القادمين
من أقاصي بلاد المسلمين حيث إن حمل الريالات الفضة خاصة كان ثقيلاً . كما كان
التجار يأملون بإيجاد وسيلة دفع أسهل نقلاً وتداولاً . ولذلك قامت مؤسسة النقد
العربي السعودي بأول تجربة لإدخال العملة الورقية في التداول بإصدار ما سمي آنذاك
"بإيصالات الحجاج "للتيسير على الحجاج حمل النقود بدلاً من الريالات
الفضية الثقيلة الوزن التي شكلت أيضاً معاناة للإدارات المالية التابعة للمصالح
الحكومية والشركات والمؤسسات وخصوصاً شركة الزيت العربية الأمريكية ( آرامكو )
فيما يتعلق بصرف مرتبات موظفيها والاستحقاقات المالية للحكومة . وقد بدأ إصدار هذه
الإيصالات بفئة 10 ريالات ثم تلتها الطبعة الثانية من الفئة نفسها وفئتا الريال
الواحد والـ 5 ريال ، وقد لاقت هذه الإصدارات أيضاً قبولاً كبيراً لدى المواطنين
حيث لم يعد إلى المؤسسة من مجموع الإيصالات التي طرحتها خلال شهري ذي القعدة وذي
الحجة من عام 1372هـ والبالغة 25 مليون ريال إلا ما يقارب خُمس الكمية فقط . وطرح
في التداول عام 1373هـ ( 1954م ) ما مجموعه 93 مليون ريال حيث أصبحت هذه الإيصالات
تدريجياً مألوفة في التداول كعملة ورقية وبهذا زادت قناعة المواطنين بضرورة التخلي
عن العملات المعدنية وقبول العملات الورقية بسبب التطورات الاقتصادية الحاصلة
والأمان المتوافر للعمل الورقية من حكومة مركزية قوية ذات موثوقية ومصداقية عالية
ممثلة بمؤسسة النقد العربي السعودي .
الأزمة المالية والنقدية:
مرت المملكة خلال الفترة
1375 – 1377 هـ ( 1956 – 1957م ) أي بعد فترة قصيرة من إنشاء المؤسسة
بأزمة مالية حادة أدت إلى تخفيض سعر صرف الريال في السوق الحرة واستنزاف احتياطيات
البلاد من النقد الأجنبي . وقد ترتب على ذلك فرض رقابة على العملة والاستيراد
وتطبيق برنامج للتثبيت والاستقرار النقدي استغرق تنفيذه نحو عامين ابتداءً من شوال
1377 هـ ( مايو 1958م ) .
وقد أسهمت عدة عوامل في إحداث هذا الخلل الاقتصادي أهمها الانخفاض
المفاجئ في دخل الحكومة من النفط في أعقاب أزمة السويس عام 1956م لم يقابله تكيف
في الإنفاق الحكومي مع هذا الوضع ، فقد انخفضت إيرادات النفط عام 1956م لتبلغ
290.02 دولار ثم استقرت عند مستوى مقارب لذلك خلال السنتين التاليتين بعد ارتفاعها
بمقدار ستة أضعاف خلال السنوات الخمس السابقة من 56.7 مليون دولار عام 1950م إلى
340.8 مليون دولار عام 1955م . وقد مولت الحكومة جزءاً كبيراً من مصروفاتها عن
طريق الاقتراض الداخلي المولد للتضخم . وأحدثت السيولة المفرطة والقوة الشرائية
المفتعلة ضغطاً شديداً على ميزان المدفوعات انعكس في شكل ارتفاع كبير في الطلب على
النقد الأجنبي لتمويل الطلب الكبير على الواردات وكذلك التحويلات الخارجية الأخرى
ونتيجة لذلك انخفضت موجودات المؤسسة من الذهب والفضة والنقد الأجنبي خلال شهر رجب
من عام 1377هـ ( 1958م ) إلى ما يوازي 14 في المائة فقط من النقد المتداول . كما انخفض
سعر الصرف في السوق الحرة من معدله الرسمي البالغ 3.75 ريال للدولار إلى أدنى
مستوى له وهو 6.25 ريالاً للدولار .
تطلب برنامج التثبيت والاستقرار الذي طبق بمشورة فريق خبراء من صندوق
النقد الدولي ، إزالة العجز في الميزانية الذي كان المصدر الرئيس للمصاعب الاقتصادية
وذلك بتنفيذ خطة لزيادة الإيرادات وترشيد النفقات وتسديد الديون الحكومية خلال
فترة زمنية محددة ، وقد ضم فريق الخبراء كلاً من الأستاذ أحمد زكي سعد المدير
التنفيذي للدول العربية في صندوق النقد الدولي والأستاذ أنور علي مدير إدارة الشرق
الأوسط بالصندوق مما جعل توصياتهم متوافقة مع آمال وتطلعات الحكومة . وقد تم تعيين
الأستاذ أنور علي في منصب محافظ مؤسسة النقد العربي السعودي للمساعدة في تنفيذ تلك
التوصيات، واستمر – رحمه الله – في منصبه حتى توفي سنة 1394هـ ( 1974م ) .
وخلال الفترة اللاحقة أجريت إصلاحات على نظامي الرقابة على النقد
والاستيراد لجعلهما أكثر فاعلية . واستحدث نظام سعر الصرف المزدوج حيث طبق السعر
الرسمي ( 3.75 ريالات للدولار ) على الواردات الاستهلاكية الضرورية وسعر السوق
الحرة على الواردات الكمالية . أدى التطبيق الحازم للبرنامج إلى تمكين الحكومة من
إلغاء نظام مراقبة النقد وتثبيت سعر صرف الريال على أساس 4.50 ريالات للدولار
ابتداء من رجب 1379هـ ( 8 يناير 1960م ) .
وضمن عناصر برنامج التثبيت والاستقرار صدر نظام جديد لمؤسسة النقد
بموجب المرسوم الملكي رقم 23 وتاريخ 23 جمادى الأولى 1377 هـ ( 15/12/1957م ) الذي
عهد إلى المؤسسة بكل المهام المتعارف عليها للبنوك المركزية بما في ذلك إصدار
العملة وتثبيت قيمة الريال السعودي داخلياً وخارجياً . وإدارة الاحتياطيات النقدية
للبلاد واستلام صرف إيرادات ومدفوعات الحكومة والإشراف على البنوك التجارية . كما
تكللت جهود المؤسسة في الإصلاح النقدي بصدور نظام النقد بالمرسوم الملكي رقم 6
وتاريخ 1/7/13979هـ ( 31/12/1959م ) الذي أجاز إصدار العملة الورقية وحصر امتياز
طبع وسك وإصدار النقد السعودي في المؤسسة وفرض تغطية كاملة من الذهب والعملات
الأجنبية القابلة للتحويل للعملة المصدرة . كما أدخل النظام العشري للعملة حيث قسم
الريال إلى عشرين قرشاً بدلاً من اثنين وعشرين قرشاً الصعب التجزئة وقسم القرش إلى
خمس هللات . وحدد سعر تعادل للريال يوازى 0.197482 غرام من الذهب الخالص . وتم سحب
إيصالات الحجاج من التداول وكذلك أبطل التعامل بالريالات الفضية والجنيهات الذهبية
السعودية بصفتها نقوداً واقتصر دورهما باعتبارها سلعاً يتعامل بها الجمهور .
وقد تم طرح الإصدار الأول من العملة الورقية السعودية الرسمية من فئة
المائة والخمسين والعشرة والخمسة ريالات وكذلك الريال الواحد في الأول من شهر محرم
من عام 1381 هـ ( 14/6/1961م ) وقبلت المملكة اعتباراً من 5 شوال 1380هـ ( 22 مارس
1961م ) الالتزامات المترتبة على قابلية الريال للتحويل وفقاً للمادة الثامنة من
اتفاقية صندوق النقد الدولي لتصبح واحدة من الدول القلائل ( إحدى وعشرين دولة ) في
الصندوق التي قبلت هذا الالتزام في ذلك الوقت .
ونتيجة
الإصلاحات النقدية والمصرفية المكملة لنظام المؤسسة ونظام النقد المعدلين ونظام
مراقبة البنوك الصادر بالمرسوم الملكي رقم م/5 وتاريخ 22/2/1386هـ (11/6/1966م )
وقرار وزير المالية والاقتصاد الوطني رقم 3/920 وتاريخ 16/2/1402 هـ ( 18/12/1981م
) بشأن تنظيم أعمال مهنة الصرافة والقواعد والتعليمات والتعاميم المتعلقة بتطبيق
أحكام نظام مراقبة البنوك . وصناديق الاستثمار وعمليات المقاصة وشبكة المدفوعات
السعودية وغيرها توفرت للمؤسسة بصورة تدريجية الوسائل اللازمة لإدارة السياسة
النقدية والمصرفية بما يتوافق مع متطلبات الاقتصاد الوطني في العصر الحديث([8]) .
سياسة سعر الصرف :
لقد استخلصت
الحكومة الدروس اللازمة من تلك الأزمة وأهمها ضرورة الاستقرار المالي والنقدي
لعملية البناء والتنمية الاقتصادية التي يقودها القطاعان الحكومي والأهلي . وقد
ترجمت تلك الدروس إلى واقع نظامي فرض على مؤسسة النقد :
(1) الاحتفاظ بغطاء كامل للنقد
المصدر حماية له وتوطيداً للثقة فيه .
(2) منع المؤسسة من إقراض
الحكومة مثلما حصل خلال الأزمة السابقة مما أدى إلى إرباك التوازن الداخلي
والخارجي للريال .
وبذلك الواقع النظامي الجديد تحققت للريال شروط الاستقرار اللازمة
وأصبحت مؤسسة النقد قادرة على اعتماد سياسة سعر صرف تنشد الاستقرار بموثوقية عالية
داخلياً وخارجياً .
بعد استكمال
برنامج التثبيت والاستقرار ظل الريال يتمتع بثبات القيمة تجاه الدولار طوال عقد
الستينيات الميلادية . وفي أوائل السبعينيات عندما تعرض الدولار لضغوط شديدة
ومتعاقبة بسبب وضع ميزان المدفوعات الأمريكي والتدفقات الرأسمالية الواسعة
القصــــيرة الأجـــل التي أدت في النهايــــة إلى التخلي عن نظــــام بريتـــون
وودر ( Brettion
Woods ) لأسعار الصرف الثابتة واستبداله بنظام أسعار الصرف المرنة ، كان مركز
البلاد النقدي في وضع أفضل للتعامل مع الأزمة فقد ارتفعت قيمة الريال بنسبة 8.57
في المائة مقابل الدولار عندما قررت الولايات المتحدة في 18
ديسمبر 1971م تخفيض قيمة
الدولار ضمن اتفاقية سميشسونيان ( Smithsonian ) لإعادة تقويم العملات العالمية ليبلغ
سعر الصرف 4.14475 ريالات للدولار ، وبعد خفض الدولار للمرة الثانية في فبراير
1973م وقرار المملكة باستمرار الحفاظ على سعر تعادل الريال بالذهب ارتفع سعر صرف
الريال بنسبة 11.11 في المائة مقابل الدولار ليبلغ 3.73027 ريالات للدولار ، ومع
استمرار الضغط على الدولار قررت الحكومة بموجب المرسوم الملكي رقم م/38 وتاريخ
13/7/1393هـ ( 11/8/1973م ) تغيير سعر تعادل الريال بالذهب إلى 0.205710 جرام من
0.197482 جرام من الذهب الخالص مما رفع سعر صرف الريال مقابل الدولار بمعدل 5.078
في المائة ليبلغ 3.55 ريالات للدولار . وعندما بلغت أزمة النقد العالمية ذروتها
إثر قرار جميع الدول الأوربية الرئيسة واليابــان تعويم عملاتها ، صدر قرار مجلس
الوزراء رقم 228 وتاريخ 1/3/1395هـ ( 13/3/1975م ) بربط سعر صرف الريال بمجموعة
العملات المكونة لسلة حقوق السحب الخاصة بسعر تعادل يساوى 4.28255 ريالات لكل وحدة
سحب خاصة مع استخدام هامش تقلب مقداره 2.25 في المائة على جانبي سعر التعادل .
وكانت حقوق السحب الخاصة قد أنشئت عام 1969م من قبل الدول الأعضاء في صندوق النقد
الدولي لتوسيع حجم السيولة الدولية . وتولت المؤسسة الإعلان اليومي لسعر صرف
الريال مقابل الدولار على أساس تعادل الدولار بالنسبة لوحدة حقوق السحب الخاصة.
وقد بلغ سعر صرف الريال 3.475 ريالات للدولار في 15 مارس 1975م .
وفي أعقاب التحسن الكبير في سعر صرف الدولار مقابل العملات الأخرى
المكونة لوحدة حقوق السحب الخاصة منذ الربع الثالث من عام 1975م اتبعت المملكة
الهاش الأوسع الذي سمح به والبالغ 7.25 في المائة على جانبي سعر التعادل . واضطرت
المملكة إلى تعليق هذا الهامش مؤقتاً منذ منتصف عام 1981م حيث لم يعد بالإمكان
الحفاظ عليه بسبب التقلب الكبير في سعر الدولار مقابل السلة صعوداً وهبوطاً، وتطلب
الواقع العملي ابتاع سعر صرف مدار بهدف المحافظة على سعر صرف واقعي ومستقر للريال
مقابل الدولار باعتباره عملة المعاملات التجارية الأهم بالنسبة للمملكة وبالتالي
عملة التدخل وعملة الاحتياط الرئيسة للبلاد . وبعد تخفيضات محدودة ومتوالية للريال
مقابل الدولار بتاريخ 12/8/1984م وحتى 1/6/1986م ثبت سعر الصرف بما يساوي 3.75
ريالات للدولار .
السياسة النقدية الحالية :
تطلب توسع النشاط الاقتصادي ، وتنوع الاحتياجات
التمويلية للقطاعين الحكومي والأهلي ، وتوسع الخدمات المصرفية والمالية ، وتطور
نظم المدفوعات استحداث وتطبيق سياسات نقدية تعزز فرض النمو الاقتصادي مع المحافظة
على الاستقرار النقدي . ويظل الهدف الرئيس للسياسة النقدية التي تتبعها المؤسسة
المحافظة على استقرار مستوى الأسعار عن طريق عدد من الوسائط من ضمنها استقرار سعر
الصرف . وتحقيقاً لهذا الهدف تدير المؤسسة مجموعة من الأدوات النقدية التقليدية
والمستحدثة . تشمل نسب الاحتياطي القانوني على الودائع ونسب احتياطي السيولة ،
وتسهيلات إعادة الشراء لأذونات الخزينة وسندات التنمية الحكومية وعمليات المقايضة
في سوق النقد الأجنبي الآجل والأدوات الأخرى التي تهدف إلى المحافظة على سلامة
وملاءمة النظام المصرفي وكفاءة نظم المدفوعات والتسويات وتفادي التقلبات المفاجئة
في السيولة المحلية .
الخاتمــة :
من الواضح للمتتبع لمسيرة
البناء العتيد التي قادها مؤسس هذه المملكة الفتية وأبناؤه البررة من بعده أن هذا
البناء لم يكن كغيره . فقد بدأ من الناحية
الاقتصادية تقريباً من لا شيء حيث لم يكن في الرياض عاصمة الدولة عند بداية
المسيرة أي ركيزة من ركائز الاقتصاد ، فلا عملة وطنية ، ولا مؤسسات اقتصادية ، ولا
أمن يمكن أن تقوم في كنفه علاقات أو مؤسسات اقتصادية قادرة على انتشال الوطن من
براثن الفقر والجوع والجهل . ولكن الله جل جلاله هيأ لهذه البلاد الطيبة قائداً
ملهماً بدأ بالتوحيد ، وتحقيق الأمن والأمان . دون إغفال البناء المؤسسي لحياة
حضرية مستقرة ، تدعمها بنى اقتصادية متواضعة ، وبعون الله استمرت تتطور حسب الظروف
المحلية والعالمية حتى صار لهذا الوطن عملة من أكثر عملات العالم استقراراً وقوة .
ونظام نقدي ومصرفي متين يعتمد عليه الاقتصاد الوطني بكل ثقة وأمان . إن التطور
النقدي للمملكة الذي استعرضته هذه الورقة يعكس على مرآة الاقتصاد قصة بناء هذا
الوطن . فجزى الله القائد الموحد عن هذا الوطن أعظم الجزاء . ووفق أبناءه البررة
لمواصلة هذه المسيرة المباركة .
الهوامـــش
([1]) مستخلص
من الملحق (ب) من الأطروحة المقدمة من د. محمد سليمان الجاسر لنيل درجة الدكتوراه
من جامعة كاليفورنيا .
Al-Jasser, M. S.,
The Role Of Financial Development in Econ
. Development , PP. 301 – 322
([2]) مستخلص
من الجدول رقم (5) من ملاحق كتاب :
Young, A. N.,
Raymond F. Mikesell,
Monetary Problems of
Volume 1, No. 2, April P. 173
Young, A. N.,
Saudi Arabian Currency and Finance-Part
1, The
Volume 7, No. 3, summer 1953 , PP.
464-366
(7) الحاج
علي، محمد سعيد، مؤسسة النقد العربي السعودي، إنشاؤها، مسيرتها، وإنجازاتها، صفحة
27 – 28، ومؤسسة النقد، كتيب الأنظمة والتعليمات النقدية والمصرفية (المادة
الثانية من نظام مؤسسة النقد ) صفحة 7 .
(8)
لمزيد
من المعلومات انظر كتيب الأنظمة والتعليمات النقدية والمصرفية الصادر عن مؤسسة
النقد العربي السعودي .
المراجــع
§
Al-Jasser, M. S.,
§
Minatory History of
§
حمزة فؤاد ، البلاد
العربية السعودية ، 1388هـ ( 1968م )
§
الحاج علي ، محمد سعيد ،
مؤسسة النقد العربي السعودي ( إنشاؤها ، مسيرتها ، وإنجازاتها ) 1372 –1411هـ
( 1952 – 1991م ) .
§
حامد ، سيد محمد ، تطور
النظام البنك المركزي في المملكة العربية السعودية ، ترجمة حسن ياسين ، معهد
الإدارة العامة – جمادى الآخرة 1399هـ .
§
Raymond F. Mikesell .
§
The
§
Young, A.N.
§
The
§
Part II,
§
The
§
Young, A. N.
§
§
مؤسسة النقد العربي
السعودي ، التقارير السنوية ، التقرير السنوي الأول لعام 1380هـ إلى التقرير
السنوي الرابع والثلاثين لعام 1419 هـ .
§
مؤسسة
النقد العربي السعودي ، الأنظمة والتعليمات النقدية والمصرفية 1414هـ 1994م .