مقدمـــة :
تبرز في تاريخ الأمم نقاط انطلاق كثيرة
، يختلف المؤرخون على اختيار أهمها لتأريخ البداية الفعلية لميلاد أمة ، أو
لنهضتها من كبوة ألمت بها ، أو غير ذلك من المنعطفات . أما في المملكة العربية السعودية
فالأمر يكاد يكون سهلاً ، لأن نقطة الانطلاق واضحة وضوح الشمس في رابعة النهار .
وقد بدأت عندما قام شاب يافع يملأ قلبه الإيمان ، وصدره الشجاعة ، وثلة من مواطنيه
المؤمنين بحقه باستعادة مدينة الرياض، عاصمة آبائه وأجداده في 5 شوال 1319هـ
الموافق 15 يناير 1902م . وكان استرداد العاصمة الرياض في ذلك التاريخ على يدي
المؤسس الملك عبدالعزيز بن عبد الرحمن طيب الله ثراه ، بشير خير ونقطة انطلاق للم
شمل البلاد . وقد كانت ملحمة تضيق الكتب بشرحها ولكن الحدث الأهم خلال المرحلة
الأولى هو ظهور المملكة بصفتها كياناً سياسياً عام 1343/1344هـ ( 1925/1926م ) ثم
ظهورها باعتبارها كياناً سياسياً موحداً متكاملاً عام 1351هـ (1932م) تحت اسم
المملكة العربية السعودية .
وقد واجهت الدولة الفتية في مراحلها
الأولى من التأسيس تحديات ومصاعب اقتصادية جمة ، بسبب تدني في مجال التجارة
والزراعة والرعي والخدمات ، وخاصة تلك المرتبطة بالحجاج القادمين لزيارة الأماكن
المقدسة . وزاد من صعوبة الأوضاع المعيشية في ذلك الوقت ضآلة الموارد المتاحة
للحكومة للإنفاق على مشروعات البنى الأساسية وندرة الكوادر الإدارية المؤهلة
للقيام بالأعباء المتزايدة لدولة واسعة الأرجاء ، وضعف الهياكل الاجتماعية التي
تسهم في عملية التحول نحو المجتمع الحضري بيسر وسهولة .
ولكن اقتصاد البلاد شهد تحولاً كبيراً
في النصف الثاني من الخمسينيات الهجرية (أواخر الثلاثينيات الميلادية ) باكتشاف
النفط عام 1938م وتصديره بكميات تجارية منذ عام 1945م لمواجهة التوسع الاقتصادي
العالمي الكبير وإعادة الإعمار بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية . ولكن الموارد
الكبيرة التي وفرها قطاع النفط للحكومة للنهوض بالبلاد فرضت في الوقت نفسه تحديات
جديدة تطلبت القيام بإصلاحات مالية ونقدية جوهرية لمواكبة التغيرات التي تطلبتها
عملية التنمية .
النقطة الأهم هنا هي أن جهود الملك
المؤسس في بناء حكومة مركزية قوية حققت الأمن والأمان للأنفس والأموال شكلت الشرط
المؤسسي الحاسم الضروري لنجاح أي عملية تنمية اقتصادية بصرف النظر عن الموارد
المتاحة . إن فقدان الأمن لا يعوضه أي مجهود أو موارد اقتصادية .
يهدف هذا البحث إلى إلقاء بعض الضوء
على مراحل التطور النقدي التي مرت بها المملكة العربية السعودية خلال فترة التوحيد
والبناء بما في ذلك استعراض الأوضاع النقدية قبل عام 1344هـ (1926م) والترتيبات
النقدية اللاحقة لتنظيم أوضاع النقد والتي أعقبتها سلسلة من التغيرات الكبيرة
والتقلبات الواسعة على الصعيدين المحلي والعالمي عصفت بالاستقرار النقدي واستدعت
تطبيق عدد من الإصلاحات النقدية والمالية في السبعينيات الهجرية ( الخمسينيات
الميلادية ) وقد مهدت تلك الإصلاحات السبيل فيما بعد لإرساء نظام نقدي راسخ وعملة
ثابتة وأسعار صرف مستقرة وشبكة مصرفية متقدمة ونظم متطورة للمدفوعات تضاهي أحدث
النظم العالمية في الوقت الحاضر .
الأوضاع النقدية قبل عام 1344هـ
(1926م) :
اعتمدت المعاملات النقدية قبل توحيد
المملكة على خليط من العملات الأجنبية تعكس في ذلك الوقت حالة التشرذم السياسي
والتبادل التجاري الخارجي والنشاط الاقتصادي البسيط لمختلف المناطق . كان الريال
الفضي العثماني يستخدم في مناطق واسعة من البلاد وخاصة في الغرب والوسط والجنوب .
أما الريال ماريا تريزا النمساوي ( الريال الفرانسي ) فقد كان استخدامه شائعاً في
وسط البلاد . وفي شرق البلاد كان استخدام الروبية الهندية الفضية أكثر شيوعاً
نظراً للارتباط التجاري القديم بين منطقة الخليج والهند . واستخدمت مسكوكات نحاسية
متنوعة لأجزاء الريال الفضي العثماني كالقرش وأقسامه وما يعرف بالبيزة والآنة
والبارة وغيرها .
بالإضافة إلى العملات الفضية والنحاسية
التي كانت وسيلة الدفع للمعاملات الاعتيادية استخدمت الجنيهات الذهبية الأجنبية
للمدفوعات الكبيرة والادخار وخاصة الجنيهات الذهبية الإنجليزية .
كان للعملات الذهبية والفضية طابع سلعي
وقيمة جوهرية حسب محتواها من المعدن ونقاوته إلى جانب وظائفها بصفتها وسائط للدفع
. لذا كانت قيمتها وأسعار التبادل بينها تتأثر بالأسعار العالمية لمعدني الذهب
والفضة مما كان يعرضها للتكديس أو التعريب أو الإذابة عند اختلاف هذه القيم تجاه
بعضها البعض . كما كانت تتأثر قيم تلك العملات بظروف العرض والطلب المحلي للسلع والنقود
وما ينتج عن ذلك من تقلبات في عرض النقود لعدم وجود جهة منظمة للإصدار حيث إن معظم
العملات المشار إليها استبدلت في دول منشئها بعملات ورقية تعتمد على ضمان الحكومة
للوفاء والإبراء . وفي حين كان هذا الوضع يناسب أقاليم مجزأة ناقصة السيادة فإنه
لم يكن يتلاءم مع دولة تتمتع بكامل السيادة من أهم مسؤولياتها التنمية الاقتصادية
المعتمدة على تنظيم إصدار النقد والمحافظة على سعر مستقر لعملتها الوطنية .
الترتيبات النقدية ما بين
الأعوام 1344 – 1346هـ ( 1926 –
1928م ) :
لمس
الملك عبد العزيز طيب الله ثراه بعد دخوله الحجاز القوة الاقتصادية الكامنة للكيان
الجديد وبالتالي اتخذ خطوات لتحسين أوضاع النقد والعمل على حمايته من التقلب
باعتماد عملة رسمية وتنظيم إصدارها . فقد تم اعتماد القرش الأميري الذهب كمعيار
للقياس بما يساوى جزء من مائة وعشرة أجزاء من الجنيه الإنجليزي الذهب ( 1 إلى 110
) وتم ســــك القرش وأجزائه ( نصـــــف القرش وربع القرش ) عــام 1344هـ (1926م)
من معدني النحاس والنيكل وحددت قيمته بما يساوي نصف القرش الأميري الذهب ، إضافة
إلى مسكوكات ضربت في العام السابق من النحاس والبرونز من فئة نصف وربع القرش لسد
الحاجة إلى الفئات الصغيرة من العملة . وفي 13رجب 1346هـ (6/1/1928م) صدر أول نظام
نقدٍ سعودي عرف بـ ( نظــام النقد الحجازي النجدي ) تم بموجبه اعتماد الريال
العربي الفضي عملة رسمية للبلاد تحل محل الريال العثماني الذي أوقف التعامل به في
غرة شعبان من العام نفسه . وضرب الريال العربي بنفس حجم ووزن وعيار الريال
العثماني ( 24.055 غراماً من الفضة نقاوة 0.833 ) . واعتمد الجنيه الإنجليزي الذهب
كمعيار لقيمة الريال الجديد وحدد سعره بـ 10 ريالات عربية . كما حددت أجزاء الريال
العربي بـ 11 قرشاً أميرياً أي 22 قرشاً دارجاً وفقاً لعلاقة القرش الأميري
بالجنيه الإنجليزي الذهب ( 1 إلى 110 قرش أميري أي 220 قرشاً دارجاً ) .
وبموجب هذا الترتيب التزمت الحكومة بما
يعرف بقاعدة المعدنين ( Bimetallic Standard ) حيث سمح للعملات الذهبية الأجنبية بالتداول الحر
جنباً إلى جنب مع الريال الفضي الرسمي وكانت العملات الفضية والذهبية تتمتع بدرجة
عالية من الوزن والنقاوة للمعدن الذي سكت منه ( Full-Bodied
Money ) .
حالة عدم الاستقرار 1346 –
1371هـ ( 1928 – 1951م ) :
لم تتمكن المملكة خلال هذه الفترة من
المحافظة على استقرار سعر صرف الريال السعودي الفضي مقابل الجنيه الإنجليزي الذهبي
الشائع التداول في ذلك الوقت لظروف خارجة عن إرادتها .
فقد شهد العقد الثالث من القرن العشرين
تقلبات واسعة وتحولات كبيرة عصفت بالاستقرار الذي وفره نظام قاعدة الذهب لأسعار
الصرف العالمية نتيجة للسياسات المالية التوسعية والتخفيضات المتوالية للعملات
الأوربية التي أعقبت الحرب العالمية الأولى . وقد بلغت الأزمة ذروتها بحدوث الكساد
العالمي الكبير ( 1929 – 1932م )
الذي أدى إلى انهيار أسعار الفضة ، أعقبه تخلى بريطانيا والولايات المتحدة
الأمريكية . وهما دولتا الاحتياطي العالمي الرئيستان، عن قاعدة الذهب في عامي
1931م، 1933م على التوالي وارتفاع أسعار الذهب تبعاً لذلك .
ويستعرض ( الجدول رقم 1 ) أهم مراحل
التطور النقدي التي مرت بها المملكة العربية السعودية خلال تلك الفترة .
( جدول رقم 1 )
المراحل الأولى للتطور النقدي للمملكة العربية السعودية([1])
السنة الميلادية
|
التطــور النقدي |
|
1926 |
اعتماد وسك القرش الأميري . |
|
1928 |
اعتماد نظام النقد الحجازي النجدي ،
واعتماد الريال العربي الفضي عملة رسمية للبلاد ووقف التعامل بالريال العثماني ،
واعتماد الجنيه الإنجليزي معياراً لقيمة الريال الجديد ويعادل عشرة ريالات لكل
جنيه واحد . |
|
1935 |
سك ريال فضي جديد يحمل اسم المملكة
العربية السعودية بوزن ونقاوة الروبية الهندية وأقل من نصف وزن الريال القديم . |
|
1946 –1950 |
تفاقم مشكلة تهريب الريال إلى الهند . |
|
1952 |
إنشاء مؤسسة النقد العربي السعودي وإصدار
الجنيه السعودي بقيمة 40 ريالاً ، وبذلك اكتمل عقد العملة الوطنية . |
وتحت وطأة هذه الظروف لم يعد بالإمكان
الالتزام بقيمة التعادل المحددة بين الريال السعودي والجنيه الذهب الإنجليزي ( 10
إلى 1 ) بموجب نظام النقد السابق ذكره. وتم في عام 1354هـ (1935م) سك ريال فضي
جديد يحمل اسم المملكة العربية السعودية بنفس وزن ونقاوة الروبية الهندية الفضية (
11.6638 جرام نقاوة 0.9166 ) أي أقل من نصف الريال القديم . ويستعرض ( الجدول رقم
2 ) العملات المعدنية التي تم تداولها
لبعض الوقت حتى اكتمال البناء النقدي في النصف الثاني من عقد السبعينيات الهجرية (
الخمسينيات الميلادية ).
( جدول رقم 2 )
قبيل إدخال النظام النقدي السعودي الحديث([2])
|
||||||||||||||||||||||||||||||||||||
وقد أسهمت عدة عوامل دولية ومحلية في
حصول نوبات أخرى من الاضطراب وعدم الاستقرار في نظام النقد السعودي المشار إليه
سابقاً . فقد أدى عدم انتظام المعروض من العملات الذهبية والفضية وخاصة الجنيه
الإنجليزي الذهب ، الذي كان يعد معيار القيمة ، إلى حدوث تقلبات واسعة في أسعار
الصرف بين الجنيه والريال السعودي لا تتناسب مع محتواهما من الذهب والفضة في أسواق
المعادن العالمية وارتبط ذلك الوضع بالمصاعب والضغوط الكبيرة التي أحدثتها الحرب
العالمية الثانية وقبلها الكساد الكبير على موارد البلاد من السلع والخدمات وخاصة
تحويلات الحجاج التي شكلت المصدر الرئيس لحصيلة البلاد من الجنيهات الذهبية
الأجنبية . ونظراً لعدم وجود سلطة نقدية مركزية تنظم إصدارات البلاد من الريال
الذي كان يسك في الخارج ويرد على دفعات غير منتظمة وعدم توافر شبكة مصرفية متطورة
تلبي المدفوعات المرتبطة بمتطلبات الحكومة والقطاع الخاص . فقد تعرض سعر صرف
الريال إلى فوارق كبيرة لاتتلاءم مع قيمة محتواه من الفضة في السوق العالمية مما
أسهم أحياناً في تهريبه إلى الخارج بكميات كبيرة لبيعه كسبائك معدنية . ولم يعد
النظام بأكمله وطرق مدفوعاته التقليدية متلائمين مع متطلبات قطاع النفط الحديث
الآخذ في النمو بشكل مطرد .
ولا يفوتنا هنا التأكيد على أن نظام
" قاعدة المعدنين " يعاني من مشكلة عدم الاستقرار لأنه من الصعب
المحافظة على معدل تبادل ثابت بين معدنين يتعرضان لظروف عرض وطلب مختلفة بسبب ظروف
الإنتاج والاستهلاك للمعدنين . ولذلك عانى هذا النظام طوال تاريخه من التذبذب .
ومن ناقلة القول ، إن صفة عدم الاستقرار هذه قد أسهمت إسهامات كبيرة مع العوامل
الأخرى في تفويض أسعار الصرف بين الجنيه والريال السعودي خلال تلك الفترة .
وكانت تقلبات الجنيه الإنجليزي تجاه
الريال السعودي الأكثر حدة حيث تراوحت أسعار صرف الجنيه مقابل الريال خلال سنوات
الحرب العالمية الثانية وفق الجدول الآتي:
( جدول رقم 3 )
أسعار صرف الريال
السعودي
مقابل الجنيه الإنجليزي
( جورج ) الذهب
( الأسعار مقدمة من
الشركة التجارية الهولندية جدة ) ([3])
السنوات
الميلادية
|
ريـال / جنيـه |
السنوات
الميلادية |
ريـال / جنيـه |
|
يناير 1939 يناير 1940 يناير 1941 يناير 1942 |
25.90 27.09 34.09 40.95 |
يناير 1943
يناير 1944 يناير 1945 متوسط ديسمبر 1945 |
57.00 44.73 45.50 69.25 |
وقد زادت التقلبات بعد انتهاء الحرب
حيث تراوحت أسعار الصرف ما بين 89 ريالاً و 41 ريالاً مقابل الجنيه خلال الأعوام
1946 – 1950م ثم استقرت لحدٍ ما خلال السنتين
التاليتين لتتراوح ما بين 49.32 و 40.07 ريالا ( جدول رقم 4 والشكل رقم 1 ) . كما
شهدت أسعار الصرف ما بين الجنيه والدولار تقلبات مماثلة حيث لم يكن بإمكان أي سلطة
سواء في المملكة أم في غيرها من الدول السيطرة على الجنيه بسبب حرية تداوله ، إذا
لم يعد الجنيه الذهب يشكل عملة رسمية بريطانية منذ فترة تعود إلى ما بعد انتهاء
الحرب العالمية الأولى وتخلي بريطانيا عن قاعدة الذهب الكامل ( أي إصدار وتداول
عملات ذهبية رسمية ) وقد ضاعفت هذه التقلبات من تكلفة استيراد السلع من قبل القطاع
التجاري وتكلفة تأمين السلع والخدمات الخاصة بالحكومة وأحدثت صعوبة في إعداد
الموازنة العامة وزادت من أعباء المعيشة على المواطنين وزوار الأماكن المقدسة .
( جدول رقم 4 )
أسعار
صرف الجنيه الإنجليزي ( جورج ) الذهب مقابل الريال والدولار