الملخـــص:

حظى التعليــــم في المملكة باهتمــــام كبير ودعـــــم سخي متواصــــل من ولاة الأمر وقد بدا ذلك واضحاً من خلال الخطط الخمسية للتنمية التي جعلت التعليم من أولوياتها الأساسية ؛ إذ كانت هناك قفزات مطردة في الاعتمادات المالية للتعليم ، صحبتها زيادات في مؤسسات التعليم ، وفي أعداد الطلاب والطالبات وأعضاء الهيئات التدريسية .

والحق أن المتتبع لنشأة التعليم العالي للبنات يلحظ أنه لم يكن بمعزل عن هذا التطور المتسارع ، بل يجد أن المسؤولين قد حرصوا غاية الحرص على أن تنال الفتاة السعودية نصيبها كاملاً من هذا التعليم ، ولعل صدور الأمر الملكي الكريم عام 1379هـ القاضي بفتح المدارس لتعليم البنات ، كان نقطة الانطلاق الحقيقية لتحديد المسار الصحيح لتعليم المرأة بالمملكة ، ثم ما لبث أن صدر عام 1388هـ أمر ملكي بتشكيل لجنة خاصة لدراسة مشروع التعليم العالي للبنات الذي تُوِّجَ بافتتاح أول كلية تربية للبنات بالرياض عام 1390هـ ، بدأت بثمانين طالبة فقط تحت إشراف الرئاسة العامة لتعليم البنات ، ثم تتابع افتتاح كليات البنات إلى أن وصل عددها الآن إلى ( 71 ) كلية ، يدرس بها نحو 133 ألف طالبة ، إضافة إلى كليات البنات التابعة للجامعات والمؤسسات الأخرى .

ولعل من أهم سمات هذه التجربة الرائدة أنها ربطت التعليم بالعقيدة الإسلامية ، وحافظت على خصوصية المرأة ، وأتاحت لها فرصة التعليم العالي والتخصص الذي يناسب فطرتها ،إلا أن هذا التعليم تواجهه اليوم مجموعة من التحديات التي تجعل تطويره أمراً لا مناص منه ، ولعل من أبرز تلك التحديات تحدي الموجه الثالثة التي هي مزيج من التقدم التقني المذهل والثورة المعلوماتية المتدفقة التي تستدعي إعادة النظر في التعليم العالي للبنات بحيث يصبح قادراً على تزويدهن بمهارات وتخصصات جديدة تتمشى مع مطالب العصر ، ومن التحديات أيضاً تحدي العالمية التي تجعل من العالم قرية صغيرة ، وتحدي مشكلات العصر المستجدة التي تواجه جيل اليوم ، ثم ثورة التقنيات التعليمية المعاصرة بكل ما تحمله من تجديدات تربوية ، هذا فضلاً عن زيادة الطلب على التعليم العالي في مقابل ضعف القدرة الاستيعابية لكليات البنات ، وتحدي المواءمة بين مخرجات التعليم ومتطلبات سوق العمل ، وغيرها من التحديات التي تتطلب تقويم مسيرة هذا النمط من التعليم حتى يستطيع مواجهة هذه التحديات والتغلب عليها.

وفي إطار ذلك لابد من رسم رؤية مستقبلية للتعليم العالي للبنات بالمملكة، تستند إلى عدة أسس ومرتكزات ؛ منها تطوير فلسفة هذا التعليم وأهدافه ، وتوحيد الجهة الإشرافية عليه بإنشاء جامعة مستقلة للبنات تتولى مسؤولية ذلك ، إضافة إلى تطوير سياسة القبول وتحديثها ، وإدخال أنماط جديدة في التعليم العالي للبنات كالمعاهد العليا والكليات التقنية ، والتعليم بالانتساب الموجه ، والتعليم عن بعد وغيرها ، مما يتطلب إعادة النظر في التخصصات الحالية ذات الصبغة التربوية من أجل تلبية احتياجات سوق العمل النسوي ، كإدخال تخصصات جديدة مثل الإعلام التربوي ، وتقنيات التعليم ، والديكور والتجميل ، والعلوم الإدارية والمحاسبية ، والصناعات الغذائية ، والعلوم الطبية المساعدة وغيرها ، مع ضرورة الالتفات إلى تطوير العملية التعليمية ذاتها ، وتنمية الهيئة الأكاديمية من خلال مراجعة إجراءات تعيين أعضائها وفق معايير دقيقة ، وإتاحة الظروف المناسبة لنموهن العلمي والمهني باستحداث مراكز متخصصة لإقامة دورات تأهيلية وتربوية وعقد ندوات ومؤتمرات وورش عمل ونحو ذلك .

ويتعلق بكل ماسبق ضرورة تطوير الدرسات العليا لتأخذ دورها الطليعي في إعداد الثروة البشرية النسائية في عالم تتزايد فيه مجالات المعرفة وتتفرع ، وذلك من خلال افتتاح ميادين جديدة للتعلم والبحث أمام الطالبات ، وضرورة الربط بين البحث وتطبيقاته، وإدخال الحاسبات الآلية ، وتطوير المقررات الدراسية المتعلقة بنظم المعلومات، وإيجاد مصرف مركزي لتوفير المعلومات والبيانات اللازمة للبحوث والدراسات، إضافة إلى تعريف التعليم والبحث العلمي ، وربطه باللغة العربية لتأكيد الهوية الإسلامية ، وإخضاع التعليم العالي لمبدأ المحاسبية والترشيد الإداري لرفع كفاءته وجعله أكثر وفاءً بحاجات المجتمع السعودي ومتطلباته المتجددة يوماً بعد يوم .

 

مقدمـــة:

العلم لا يتأتى إلا بالتعليم والتعلم اللذين يُعدان من أهم خصائص الإنسان التي تميز بها عن غيره من سائر الخلق ؛ فحضارته تجسيد لعلمه وامتداد لاهتمامه بالتعليم ، وهي نتاج فكره ووجدانه وتعامله وتفاعله المستمر مع بيئته .

ومن يتدبر القرآن الكريم يجد أن مادة ( علم ) وردت – أسماً وفعلاً ومصدراً – مئات المرات ، مما يشير إلى أهمية هذه المادة .

ويكفي العلم والتعلم فضلاً أن استفتح اللَّه تبارك وتعالى بهما كتابه العزيز، ذاكراً وسيلتهما الأولى – وهي القراءة – في أول نداء للمصطفى e : { ù&tø%$# ÉOó$$Î/ y7În/u Ï%©!$# t,n=y{ ÇÊÈ t,n=y{ z`»|¡SM}$# ô`ÏB @,n=tã ÇËÈ ù&tø%$# y7š/uur ãPtø.F{$# ÇÌÈ Ï%©!$# zO¯=tæ ÉOn=s)ø9$$Î/ ÇÍÈ zO¯=tæ z`»|¡SM}$# $tB óOs9 ÷Ls>÷ètƒ ÇÎÈ } سورة العلق الآيات : 1 – 5 .

ومن هنا كان للعلم والعلماء في الإسلام مكانة كبرى وفضل عظيم ، يقول اللَّه تعالى : { Æìsùötƒ ª!$# tûïÏ%©!$# (#qãZtB#uä öNä3ZÏB tûïÏ%©!$#ur (#qè?ré& zOù=Ïèø9$# ;M»y_uyŠ } سورة المجادلة ، الآية : 11· كما أنه سبحانه لم يســـوِّ بين العالم والجاهل أبداً ؛ إذ يقول : { ö@è% ö@yd ÈqtGó¡o tûïÏ%©!$# tbqçHs>ôètƒ tûïÏ%©!$#ur Ÿw tbqßJn=ôètƒ 3 } سورة الزمر ، الآية : 9 .

أما الأحاديــث الشريفة الدالـــة على بيان فضل العلم والتعليم فهي كثيرة ، منها قوله e : " طلب العلم فريضة على كل مسلم ومسلمة " ، كما يزخر تراثنا الإسلامي بالآثار الدالة على بيان طلب العلم والتعليم ، ومن ذلك ما يُروى عن معاذ بن جبل t " تعلموا العلم فإن تعلمه للَّه خشية ، وطلبه عبادة، والبحث عنه جهاد ، ومذاكرته تسبيح ، وتعليمه لمن لا يعلمه صدقة ، وبذله لأهله قربة " ، ويقول أبو الدرداء t أيضاً : " كن عالماً أو متعلماً أو مستمعاً ، ولا تكن الرابع فتهلك " .

من هذا الفهم الصحيح للعلم الذي دعا إليه الإسلام اتجه المسلمون الأوائل إلى الاهتمام بالتعليم ؛ فتخصصوا في علوم الدين والدنيا معاً ، فجاءت حضارة الإسلام أساسها العلم ، وركيزتها العقيدة وسلاحها الإيمان ، وبالتعليم والتعلم بددوا ظلمات  الجهل التي كانت مُطْبِقة على العالم آنذاك ، وبهما معاً سادوا الدنيا وقادوها .

وتأسيساً على ما سلف ، فلقد حظى التعليم في المملكة العربية السعودية باهتمام كبير من ولاة الأمر من حكام هذه البلاد الطاهرة التي شرفها اللَّه بنعمة الإسلام ورعاية مقدساته ، إذ وضع الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود –طيب اللَّه ثراه – مؤسس المملكة ، اللَّبِنات الأولى لصرح التعليم ، وواصل أبناؤه البررة من بعده رفع هذا الصرح عالياً ، حتى وصل إلى ماهو عليه اليوم من شموخ بفضل اللَّه ثم بدعم سخي ومستمر من لدن حكومة خادم الحرمين الشريفين الملك فهد بن عبدالعزيز ، وولي عهده الأمين صاحب السمو الملكي الأمير عبداللَّه بن عبدالعزيز ، وسمو النائب الثاني الأمير سلطان بن عبدالعزيز .

ويلاحظ المتتبع للخطط الخمسية للتنمية بالمملكة أن التعليم يعد من الأولويات الأساسية في تلك الخطط ، ويبدو ذلك جلياً من خلال الآتي([1]):

1 – زيادة الاعتمادات المالية للتعليم الجامعي في خططها الخمسية : فقد بلغت الاعتمادات المالية للتعليم خلال خطة التنمية الثانية حوالي 73.8 بليون ريال ، وفي الخطة الثالثة بلغت الاعتمادات المالية 122.5 بليون ريال ، وفي الرابعة 123 بليون ريال ، وفي الخامسة 141.942 بليون ريال .

2 – زيادة مؤسسات التعليم : لقد بلغ عدد المدارس والكليات في بداية الخطة الرابعة15093  مدرسة وكلية ، وصلت في نهاية الخطة 16609  مدرسة وكلية ، وفي نهاية الخطة الخامسة وصل العدد إلى 21284  ، وفي السنة الأولى من الخطة السادسة وصل عدد المدارس والمعاهد والكليات إلى21854  بزيادة قدرها 570 مدرسة وكلية خلال سنة واحدة .

3 – زيادة عدد الطلاب والطالبات في مختلف مراحل التعليم : بلغ عدد الطلبة والطالبات في مراحل التعليم الإبتدائي والمتوسط والثانوي 1877000 طالب وطالبة في عام 1406هـ ، ثم وصل في عام 1415هـ إلى 3416000 طالب وطالبة بزيادة قدرها 182% ، بينما بلغ عدد الطلبة والطالبات المسجلين في المرحلة الإبتدائية 1317000 في عام 1406هـ ، وفي عام 1414/1415هـ كان العدد 2.150.000 أي أن نسبة الزيادة في المرحلة الإبتدائية بلغت 164%  . بينما بلغت أعداد الطلاب في المرحلة المتوسطة والثانوي عام 1415هـ 1260000 مقارنة بـ 560000 في عام 1406هـ أي بزيادة قدرها 225% . ونتيجة لزيادة أعداد الطلاب في المراحل الأولى للتعليم أن زاد عدد خريجي الثانويات التي على أساسها زاد عدد الملتحقــين بالتعليم الجامعي ليبلغ في عام 1416هـ 208865 طالباً وطالبة ، بينما كان في عام 1406هـ  104093 طالباً وطالبة .

4 – زيادة أعضاء هيئة التدريس : رافقت الزيادة في أعداد الطلبة والطالبات المسجلين في جميع مراحل التعليم العام والخاص ، والتعليم الجامعي زيادة في عدد أعضاء الهيئة التدريسية ؛ فقد كان عدد مدرسي المرحلة الإبتدائية والمتوسطة والثانوية عام 1406هـ 129672 مدرساً ومدرسة ، بينما وصل في عام 1416هـ إلى 257777 مدرساً ومدرسة محققاً بذلك زيادة قدرها 7.94% وفي التعليم الجامعي ارتفع عدد أعضاء هيئة التدريس من 9724 عام 1406هـ إلى 11876 في عام 1416هـ  .

أما التعليم العالي في بلادنا فقد شهد تطوراً كبيراً غير مسبوق ، وفي فترة زمنية قياسية ؛ حيث بدأ هذا التعليم عام 1369هـ بكلية واحدة هي : كلية الشريعة بمكة المكرمة ، وبعدد محدود من الطلاب لم يتجاوز خمسة عشر طالباً ، ليصل إلى عشرات الكليات ذات التخصصات المتنوعة ، موزعة على جميع أنحاء المملكة ، ويدرس بها أكثر من 300.000 طالب وطالبة [ طبقاً لإحصاءات عام 1416هـ ] .

واستمراراً لدعم مسيرة التعليم العالي في هذا البلد الطاهر ، فقد حرص المسؤولون عن هذا التعليم على تحقيق أهدافه وغاياته بشكل أفضل ، وذلك انطلاقاً من كون  التعليم العالي يمثل أحد المراحل التعليمية التي تُعنَى ببناء الإنسان وإعداده الإعداد المناسب لخدمة المجتمع وتطلعاته المستقبلية الطموحة ، ولذا ينبغي أن يستمر هذا التعليم في النمو والعطاء ، ولايقف في مكانه بدعوى أنه أصاب نجاحاً ملحوظاً في فترة من الزمن خلت ؛ ذلك أن نظام التعليم العالي إذا أصابه الجمود والرتابة ، فإن القائمين عليه يلجأون إلى تطبيق أساليب وخبرات قديمة – لاتتماشى مع روح العصر – على مواقف جديدة ، مما يؤدي إلى الإرباك وقلة الفاعلية([2]) .

واستمراراً للعطاء المتدفق من النبع الصافي الذي يرفد التعليم ، وحرصاً على أن تنال الفتاة السعودية نصيبها الكامل من التعليم العالي ، أولت حكومة خادم الحرمين الشريفين جُلَّ عنايتها لهذا الأمر وعهدت إلى الرئاسة العامة لتعليم البنات بالمهمة الرئيسية في الإشراف على هذا التعليم، كما عهدت بذلك أيضاً إلى بعض الجامعات السعودية التي بها أفرع نسائية .

وفي ضوء المعطيات السابقة يكون من الأهمية بمكان أن نسعى إلى تطوير التعليم العالي للبــنات بما يتمشى مع الطموحات المرجوة منه ، والآمال المعلقة عليـه .

لذا نجد أن إخضاع هذا النوع من التعليم إلى البحث والدراسة من خلال وضع تصور مستقبلي له يعد أمراً ملحاً لاغنى عنه ، لإنجاز هذا التطوير ودفعه إلى الأمام بخطى ثابتة وأهداف واضحة ، وانطلاقاً من ذلك يمكن التعبير عن مشكلة الدراسة في التساؤلين التاليين :

1 – ما التحديات التي تواجه التعليم العالي للبنات مع بداية القرن الحادي والعشرين؟ .

2 – ما الرؤية المستقبلية للتعليم العالي للبنات في المملكة العربية السعودية انطلاقاً من هذه التحديات ؟ .

أهداف الدراسة :

استهدفت الدراسة مايلي :

الوقوف على التحديات التي تواجه التعليم العالي للبنات في المملكة مع بداية القرن الحادي والعشرين .

وضع رؤية تصورية لمستقبل التعليم العالي للبنات في المملكة في ضوء هذه التحديات  .

وتجدر الإشارة إلى أن هذه الدراسة ليست ميدانية تستند إلى جمع المعلومات وتصنيفها وتحليلها وصولاً إلى استنتاجات ذات مغزى بالنسبة لموضوع الدراسة ، بقدر ماهي ورقة عمل تهدف إلى وضع رؤية تصورية لمستقبل التعليم العالي للبنات في المملكة، وذلك في ضوء الأطر التاريخية والفلسفية والاقتصادية والاجتماعية لهذه القضية

مصطلحات الدراسة :

التعليم العالي للبنات ويراد به : كل أنواع التعليم الذي تلتحق به الفتاة السعودية بعد الثانوية العامة أو مايعادلها، وتشرف عليه الرئاسة العامة لتعليم البنات، والجامعات التي بها أفرع نسائية بالمملكة ، وغيرها من المؤسسات التعليمية الأخرى .

خطة الدراسة :

يتم معالجة الموضوع قيد الدراسة من خلال المحاور التالية :

المحور الأول : التطور التاريخي للتعليم العالي للبنات وإنجازاته في المملكة .

المحور الثاني : التحديات التي تواجه التعليم العالي للبنات:" الموجة الثالثة  العالمية مشكلات العصر ثورة التقنيات التعليمية المعاصرة   زيادة الطلب على التعليم العالي المواءمة بين مخرجات التعليم ومتطلبات سوق العمل  تحديات أخرى"  .

المحور الثالث : الدراسات المستقبلية وأهميتها  .

المحور الرابع : رؤية عن مستقبل التعليم العالي للبنات في المملكة مع بداية القرن الحادي والعشرين  .

ويمكن تناولها بالتفصيل على النحو التالي :

المحور الأول : نبذة عن نشأة التعليم العالي للبنات وإنجازاته في المملكة([3]) :

قبل الإشارة إلى نشأة التعليم العالي للبنات ، يجدر إلقاء الضوء على تاريخ التعليم بالمملكة بصفة عامة كتوطئة لابد منها ، ثم نَدلف لتبيان معالم تاريخ تعليم البنات بصفة خاصة  .

الحق أنه لم يكن في الجزيرة العربية تعليم منظم له تأثير في المجتمع قبل توحيد المملكة على يد الملك عبدالعزيز آل سعود – طيب اللَّه ثراه – لأنه كان مقتصراً على بعض الأنواع من التعليم المرتبطة بالمساجد ، ولاسيما المسجد الحرام ومسجد النبي e ، وبعض الكتاتيب والمدارس القليلة ، وكان التعليم مقتصراً آنذاك على القراءة والكتابة ومبادئ الحساب ، إضافة إلى تجويد القرآن الكريم وبعض العلوم الشرعية في المساجد  .

وبعد دخول الملك عبدالعزيز إلى مكة المكرمة في عام 1343هـ ، دعا العلماء فيها وحثَّهم على نشر العلم والتعليم ، ثم أنشأ مديرية المعارف في عام 1344هـ حيث كانت النواة الأولى لوضع نظام التعليم العالي في المملكة ، وكذلك أصدر مرسوماً لتنظيم التدريس في المسجد الحرام ، واستمر اهتمام الدولة بالتعليم ونشره بين أفراد الشعب حتى أنشئت وزارة المعارف في عام 1373هـ ، وكان أول وزير لها هو خادم الحرمين الشريفين الملك فهد بن عبدالعزيز ، فانطلق التعليم كماً وكيفاً ينتشر بخطى حثيثة وبمستوى متميز وسرعة فائقة .

أما في مجال تعليم البنات فلم يكن هناك تعليم محدد إلا من بعض الكتاتيب التي يقوم على رعايتها بعض النساء المتعلمات لتعليم بنات جنسهن القراءة والكتابة وتلاوة القرآن الكريم ، وفتحــت بعض المدارس الأهلية في مكة المكرمة وجدة والرياض والدمام ، وظلت الأمور كذلك حتى انتشر الوعي رويداً رويداً بين أبناء المجتمع ، وأصبح الكثيرون من أبناء المملكة مقتنعين بضرورة تعليم المرأة ، فصدر الأمر الملكي الكريم في 20/4/1379هـ الموافق 22/10/1959م القاضي بفتح مدارس لتعليم البنات بالمملكة ، وإنشاء الرئاسة العامة لتعليم البنات لتشرف على هذه المدارس ، وقد حدد المرسوم الضوابط لهذه المدارس ، وهي أن يكون التعليم فيها للعلوم الدينية وغيرها من العلوم التي تتمشى والعقيدة الإسلامية ، وأن يختار للتعليم المعلمات ممن يتحقــــق فيهــــن حسن العقيدة وصـــدق الإيمان ، وأن تُشكَّل هيئة تحت إشراف المفتي آنذاك  سماحة الشيخ محمد بن إبراهيم رحمه اللَّه    لتنظيم هذه المدارس ووضع برامجها ومراقبة سيرها .

وقد كانت تلك الضوابط الواضحة كفيلة بتحديد المسار الصحيح لتعليم المرأة في بلادنا ، والسير بها نحو الأفضل والأحسن ، ولتأهيلها بما يناسب فطرتها ، ويتفق مع تعاليم الإسلام وآدابه ، ويلبي في الوقت ذاته حاجات المجتمع المتزايدة ومتطلباته المستجدة  .

ومنذ عام 1380هـ بدأت مسيرة تعليم البنات بإنشاء خمس عشرة مدرسة ابتدائية ، ومعهد معلمات ، وكان عدد الطالبات اللاتي يدرسن بهذه المدارس 4180 طالبة ، وبميزانية بسيطة بلغت مليوني ريال ، وبجهاز صغير لتعليم البنات يشرف على المدارس، ويضع البرامج والخطط لمسيرتها وانتشارها .

ثم سار ركبُ تعليم البنات مدعماً من ولاة الأمر الميامين إلى أن أصبح عدد الطالبات الآن يزيد عن المليوني طالبة، وعدد المدارس يقترب من اثني عشر ألف مدرسة .

أما فيما يتعلق بنشأة التعليم العالي للبنات ، فلقد صدر الأمر الملكي الكريم رقم 842 في 11/2/1388هـ بتشكيل لجنة من أعلى المستويات تضم :

1 – الرئاسة العامة لتعليم البنات .

2 – جامعة الملك سعود ( الرياض سابقاً ) .

3 – التعليم العالي في وزارة المعارف .

4 – إدارة الميزانية في وزارة المالية والاقتصاد الوطني .

لدراسة مشروع التعليم الجامعي للبنات من جميع جوانبه ، وتحديد الخطوط العلمية لإقامته ، ووضع المشروع موضع التنفيذ ، وبدأت ثماره بافتتاح أول كلية تربية للبنات في الرياض عام 1390هـ تتبع الرئاسة العامة لتعليم البنات ، وبعدد من الطالبات مقداره ثمانون طالبة

ثم تتابع افتتاح كليات البنات التابعة للرئاسة العامة لتعليم البنات ليصل عددها في هذا العام إلى ( 71 ) كلية جامعية ومطورة ومتوسطة ، يدرس فيها نحو ( 123 ) ألف طالبة ، هذا فضلاً عن الكليات الأخرى التي تم افتتاحها في الفروع النسائية بالجامعات السعودية ( جامعة الملك سعود ، جامعة الملك عبدالعزيز ، جامعة الملك فيصل ، جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية ، جامعة أم القرى ) ، إضافة إلى الكليات الصحية للبنات التي تشرف عليها وزارة الصحة  .

من العرض السابق نستطيع فهم هذه التجربة الرائدة لتعليم البنات في المملكة ، هذه التجربة التي استطاعت أن تحقق في فترة قصيرة ما لم تحققه أي تجربة مماثلة ، وغدت    بحق    تجربة رائدة في تطورها الكمي ، وتطورها النوعي ، ومن ثم تحاول دول كثيرة الاستفادة من هذه التجربة المتميزة التي من أبرز خصائصها :

1 – ربط التعليم بالعقيدة الإسلامية ، بحيث لا يحيد عن إطارها ومضمونها ، انطلاقاً مما نصت عليه وثيقة التعليم حيث جاء فيها :" السياسة التعليمية في المملكة العربية السعودية ، تنبثق من الإسلام الذي تدين به الأمة عقيدة ، وعبادة وخلقاً وشريعة ، وحكماً ، ونظاماً متكاملاً للحياة ، وهي جزء أساسي من السياسة العامة للدولة" .

2 – خصوصية تعليم الفتاة ، من حيث منع الاختلاط داخل مؤسسات التعليم ، ومن حيث المناهج والخطط الدراسية المقدمة لها بما يعدها لدورها المتميز في المجتمع فلقد حددت وثيقة التعليم أهداف تعليم البنات بصورة واضحة؛ حيث ورد في ذلك ما يلي :" يستهدف تعليم الفتاة تربيتها تربية صحيحة إسلامية ، لتقوم بمهمتها في الحياة ، فتكون ربة بيت ناجحة ، وزوجة مثالية، وأما صالحة ، ولإعدادها للقيام بما يناسب فطرتها كالتدريس والتمريض والتطبيب " . وبينت أن تعليم البنات يتم في جو من الحشمة والوقار والعفة ، ويكون في كيفيته وأنواعه متفقاً مع أحكام الإسلامي .

3 – انتشار التعليم الابتدائي والمتوسط والثانوي والعالي للبنات بشكل شامل في كافة أنحاء المملكة من مدن وقرى وأماكن نائية .

إن هذه الإنجازات التي تحققت بفضل اللَّه أولاً ، ثم بفضل الدعم السخي والرعاية المستمرة من حكومة خادم الحرمين الشريفين ، وسمو ولي عهده الأمين وسمو النائب الثــــاني لتؤكد نجاح هــــذه التجربة الرائدة التي حافظـــت على خصوصية المرأة وأخلاقها وعفتها وحشمتها ، وأتاحت لها كافة السبل لتنال العلوم المختلفة ، وتسهم في بناء مجتمعها بما يتوافق مع فطرتها ، إنها تجربة رائدة وفريدة تستحق أن تفخر بها مملكتنا بين الدول ، ومن ثم فهي في حاجة إلى مضاعفة الجهود في سبيل تأصيلها ودفعها إلى الأمـــام .

المحور الثاني : التحديات التي تواجه التعليم العالي للبنات :

تواجه المملكة العربية السعودية – وهي تخطو نحو القرن الواحد والعشرين– العديد من التحديات الدولية والإقليمية والمحلية التي تجعل تطوير التعليم بصفة عامة وتطوير التعليم العالي بصفة خاصة ، بما في ذلك التعليم العالي للبنات خياراً استراتيجياً لا بديل عنه ، فالمملكة لا تعيش بمعزل عن الدول الأخرى ، بل تعيش منفتحة على العالم كله بما لها من تراث ثقافي وحضاري إسلامي يؤهلها للانفتاح على ثقافات العالم والتكيف مع متغيراته في إطار شريعتنا الإسلامية السمحة  .

ولعل تطور التعليم العالي قد يتخذ بعضاً من ملامحة الأساسية من طبيعة التحديات الدولية التي تواجهها المملكة حالياً ومستقبلاً ، وسنعرض فيما يلي أبرز تلك التحديات:

أولاً : تحدي الموجة الثالثة :

تجتاح العالماليوم طفرة جديدة يطلق عليها اسم ( الموجه الثالثة ) وهي مزيج من التقدم التكنولوجي المذهل والطفرة المعلوماتية الفائقة ، وهي طفرة جديدة في مرحلة تالية للطفرة الزراعية والطفرة الصناعية ، وتتميز هذه الطفرة بالسرعة الفائقة مقارنة بالطفرات السابقة، فإذا كانت الطفرة الزراعية قد استغرقت 8000 عام ، والطفرة الصناعية أقل من 300 عام ، فإن الموجه الثالثة قد تشكلت في أقل من أربعة عقود في إطار نظام جديد لها هياكله ، وله نظامه الإنتاجي المتميز ، وله انعكاساته الصناعية ، وله آثاره الأخلاقية والاجتماعية التي لا يمكن تجاهلها ، حيث أدت إلى تغيير جذري في شكل الحياة ووقعها سرعةً وتطوراً([4]).

ومن بين أبرز مظاهر هذه الطفرة مايلي([5]):

1 – الانفجار المعلوماتي : ويقصد بذلك الكم الهائل من المعلومات الحديثة والبيانات الدقيقة التي تنقلها خلال ثوان معدودة وسائل النقل والاتصال المتطورة ، ابتداء من اللاسلكي والهاتف والطائرة والرادار ، وصولا إلى مركبات الفضاء والأقمار الصناعية ووسائل الاستشعار عن بعد ، وماتبثه وسائل الإعلام الفضائي التي أصبحت تصل إلى كل بقعة من سطح الأرض، وتوج ذلك كله بشبكات المعلومات الكبرى التي تتيح وصول الأفراد إلى أية معلومة في أي وقت ومن أي مكان  .

2 – تقنية معالجة المعلومات : هذا التراكم المعرفي والمعلوماتي الهائل لم يكن من الممكن الاستفادة منه لولا التطور الكبير في وسائل المعالجة ، ويقصد بذلك تطور الحاسبات الآلية ، وبرامج التخزين والتبويب والتحليل ، وأصبح الحاسب الآلي أو الحاسوب ( الكمبيوتر ) من العناصر المهمة في العملية التعليمية الحديثة ، وسيكون دوره في التعليم خلال العقود القادمة أساسياً ابتداء من المراحل الدراسة الأولى وحتى المراحل العليا ، ولاشك أن معرفة استخدامه ستكون هي مقاييس الأمية لدى المجتمعات إن لم يكن هذا القياس قد بدأ فعلاً  .

3 – نقل المعلومات والمعرفة والعلوم : أدى النجاح والتطور في دمج قدرات الحاسبات الآلية والأقمار الصناعية وشبكة الإنترنت والهاتف إلى تحويل العالم إلى قرية كونية صغيرة يمكن معرفة ما جري في أي ركن منه بضغطة زر ، ليس في مؤسسة أخبار ومعلومات ، بل من إحدى غرف المنزل ولا مبالغات في ذلك ، وبالإمكان اليوم نقل المحاضرات والندوات والمؤتمرات والتحليل في المعامل والمختبرات والعمليات الجراحية ومشاهدتها في كل أنحاء العالم في وقت واحد وعلى شاشة الحاسب الشخصي .

4 – التغير الحادث في ترتيب الأسبقيات الحاكمة للعالم : ونعني بالأسبقيات الحاكمة: الثورة ، والقوة ، والمعرفة ، فأصبح للمعرفة مقام الصدارة بين هذه الأسبقيات ، وأصبح ينظر إليها على أنها الأداة الحاسمة في توليد كل ثروة وكل قوة ([6]).

ويحتاج الإنسان في عصر الموجة الثالثة إلى التسلح بمجموعة من القدرات ، من أبرزها القدرة على الحصول على المعلومات بسرعة ، والقدرة على حل المشكلات واتخاذ القرارات ، إضافة إلى القدرة على التفكير الابتكاري (الإبداعي ) والنقدي .

إن الموجه الثالثة أحدثت تغييرات خطيرة في العالم ، حيث تندثر مهن وتخصصات قديمة ، وتنشأ مهن وتخصصات جديدة يوماً بعد يوم ، ومن هنا يأتي تطوير التعليم ضرورة حتمية ، بوصفه الأداة القادرة على تطوير إمكانات المواطن السعودي بما يمكنه من التعامل مع تكنولوجيا العصر([7]).

إن تحدي الموجة الثالثة يتطلب إعادة النظر في التعليم العالي للبنات ، بمعنى أنه يجب أن يستجيب هذا التعليم لتلك الموجة بافتتاح كليات جديدة وأقسام جديدة تتمشى مع مطالب العصر ، في إطار مجتمعنا السعودي المسلم ، وستكون هذه الكليات ذات طابع تخصصي دقيق .

وفي مجال مواجهة تحدي الانفجار المعرفي الدائم والسريع يجب أن نفرق بين ما هو علم محض ، وما هو تاريخ علم ، وما هو فلسفة العلم ، وأن نتوجه في اختيار المحتوى العلمي للبرامج الدراسية للبنات على اختلاف مجالات الدراسة إلى ما هو أساسي ، وأن نتبنى مبدأ أن تكون البنت عنصراً نشطاً في العملية التعليمية .

ويجب أن نؤكد هنا في سياق هذا التحدي أن موروثاتنا الثقافية ليست خيراً مطلقاً ، وأن الوافد الثقافي ليس شراً مطلقاً ، فمن الموروث الثقافي ما يحافظ على ملامح شخصيتنا الإسلامية ، ويمثل وقوداً للانطلاق نحو التقدم ، ومن الوافد الثقافي ما يهيىء لأمتنا القوة والمنعة والانطلاق في توفير الحاجات المادية والمعنوية التي تؤصل كرامة الإنسان .

وبذلك يصبح من المهم أن يوفر المسؤولون عن التعليم العالي للفتاة السعودية المصادر المختلفة للمعلومات ؛ من أجهزة وأدوات ومجلات علمية ، ودوريات ، بحيث تأتي المناهج والبرامج والأنشطة موجهة للفتاة ؛ لكي تتعرف على هذه المصادر ، وتحسن استخدامها ، وتفيد منها فائدة عظمى .

حينئذ تصبح هذه المصادر من الأدوات الأساسية للتعليم وليس مجرد شكليات ، ومن ثم يعد الكتاب الجامعي   على الرغم من أهميته    المصدر الوحيد للتعليم في القرن الحادي والعشرين ، فقد تعددت المصادر ، ولكل مصدر فوائده في البناء الشامل للفتاة السعودية .

ويتبع ذلك بالطبع تطور في مهمة أستاذ الجامعة ؛ فلم يعد ملقناً للمعلومة ، بل موجهاً نحو هذه المصادر ، ونحو أساليب الاستفادة منها وطرق توظيفها ، وبذلك نتوقع أن لا يكون كل عضو هيئة تدريس مسؤولاً بمفرده عن المقرر الدراسي الواحد ، بل نتوقع أن يكون المسؤول فريقاً من الأعضاء بسبب زيادة التخصصات الدقيقة الناتجة عن ثورة المعلومات  .

ثانياً : تحدي العالمية :

ربما يكون مفهوم العالمية بمعناه العام قد ظهر مع بزوغ فجر الإسلام لكونه عالمي الهدف ، وجاء للناس جميعاً ، أما معناه الخاص اليوم فيدور حول اعتبار العالم اليوم قرية كونية واحدة ، وأن ما يحدث من تغيرات وأحداث في جزء من العالم يتأثر به جزء آخر ، وأنه لم يعد بالإمكان لأي دولة أن تقبع داخل حدودها .

فلقد خرجت السياسة والثقافة والتجارة من حدود الدول لتنتقل إلى دول أخرى بشكل سريع ومتنام ، الأمر الذي يؤدي إلى تغيير في الثقافة والقيم ودخول بعض المفاهيم والأفكار الشاذة التي لا تتفق مع ديننا وتراثنا  .

إن تحدي مفهوم العالمية قد أصبح يفرض علينا عدة أمور يجب أخذها في الحسبان عند تطوير تعليم البنات ، من أهمها :

1 – أن يسعى تعليمنا إلى تزويد الطالبة بالمعارف والمهارات والاتجاهات السليمة التي يمكنها من التكيف مع متغيرات العصر دون مساس بقيمنا وعقيدتنا الإسلامية .

2 – أن يسعى تعليمنا إلى دحض الأفكار والسلوكيات الشاذة وتفنيدها ومحاربتها ، لأنها لاتتفق مع ديننا وتراثنا وإبدالها بقيم وأفكار إسلامية أصيلة .

3 – أن يسعى تعليمنا إلى تنمية شخصية الفتاة التي تعتز بجذورها وتقاليدها وتاريخها وحضارتها  فإذا كنا جزءاً من مجتمع عالمي – فإننا في الوقت نفسه – يجب ألا نفقد هذه الجذور  وتلك معادلة صعبة تحتم علينا التعامل معها والنجاح في تحقيق التوازن بين مفرادتها، وتحديد طريقنا بينها، وحماية الوطن من آثارها الخطيرة ، والتوفيق بين دواعي التقدم التكنولوجي وضرورات الانتماء والولاء للوطن والقيم والجذور الحضارية([8]) ، بحيث تعكس مناهج التعليم العالي للبنات هذه المتطلبات بالتركيز على التاريخ الوطني ، بما يعمق الإحساس بالولاء والانتماء ، وينمي الشعور بالفخر والاعتزاز بالوطن  .

4 – الاهتمام بتعليم اللغات الحية ، بحيث لا يقتصر على اللغة الإنجليزية فحسب ، وإنما يمتد ليشمل اللغات السائدة في دول العالم الإسلامي غير العربية .

5 – الاهتمام بالتربية الإسلامية في برامج التعليم العالي ؛ بحيث تركز هذه البرامج على بناء شخصية الفتاة المسلمة ، لكي تكون بشخصيتها الإسلامية لبنة فعالة في بناء المجتمع الإسلامي الفاضل .

ويجب توعية أعضاء هيئة التدريس وتدريبهم على اكتساب مهارات المشاركة في التربية الإسلامية للفتاة ، فعلى الرغم من أن التربية الإسلامية لها المتخصصون في هذا المجال إلا أن تحقيقها عملياً في بناء الفتاة ليست مسؤولية المتخصصين في التربية الإسلامية وحدهم ، بل هي مسؤولية جميع أعضاء هيئة التدريس ، بحيث يسهمون في بناء الفتاة المسلمة كل في الجانب الذي يهمه ، وهذه المهمة ليست سهلة بل تحتاج إلى تخطيط وإعداد وتدريب، إذن لايمكن للتعليم العالي للفتاة السعودية في القرن الواحد والعشرين أن يحقق أهدافه إلا بالاستمرار في التمسك بتربيتها التربية الإسلامية حتى تتمكن من دخول القرن القادم بشخصيتها الإسلامية التي أنعم بها المولى عز وجل عليها ، والتي لا تدخر حكومة المملكة العربية السعودية وسعاً ولا جهداً ولا مالاً في سبيل تحقيقها .

ثالثاً : تحدي مشكلات العصر :

قد تغيرت المشكلات التقليدية التي كانت تواجه الشباب وأصبحت مشكلة البطالة من أهم المشكلات ، يضاف إلى ذلك المشكلات العالمية التي يتأثر بها الشباب السعودي بشكل أو آخر ، ومن أمثلة هذه المشكلات العالمية : مشكلة المخدرات ، العنف ، التطرف ، تعاطي الأدوية المخدرة ، التدخين ، الفراغ ، الخلل في القيم .

وقد يبدو للوهلة الأولى ضعف الارتباط بين الفتاة وبين هذه المشكلات خاصة وأنها في عمومها مشكلات خاصة بالذكور فقط ، ولكن كلنا يعلم أن الفتاة هي أم للمستقبل أو أخت أو زوجة للشباب السعودي ، لذا تعد الفتاة طرفاً أساسياً في هذه المشكلات ، ومن ثم عليها واجب الإسهام في حلها .

ومن زاوية أخرى من الضروري جداً أن تحاط الفتاة السعودية بالمشكلات العالمية التي تعاني منها البشرية عموماً ، على أن تكون عنصراً أساسياً في برامج تعليمها في القرن الواحد والعشرين .

وقد بينت صالحة سنقر نموذجاً من هذه المشكلات فيما يلي([9]) :

1 – نقص المصادر الطبيعية للطاقة وارتفاع تكلفتها .

2 – التلوث البيئي واتساع دائرة التخريب في البيئة .

3 – ضعف النمو الاقتصادي وتراجعه .

4 – عدم التوافق بين الحاجات الضرورية للإنسان ومنتجات العلم والتكنولوجيا من البضائع والخدمات وتنامي الفروق بينهما .

5 – فقدان الهوية الذاتية لمجموعة كبيرة من أفراد المجتمع وبخاصة الشباب منهم .

6 – تزايد المشكلات الصحية .

7 – تعارض القيم الاقتصادية والسياسية والاجتماعية السائدة في العالم مع القيم الإسلامية .

إذن يمكن النظر إلى مشكلات العصر من زاويتين ؛ الأولى مشكلات خاصة بالشباب في العالم الإسلامي ، والأخرى مشكلات تواجه البشرية عموماً  .

وهــذا يحتم ضرورة إدراج هذه المشـــكلات وغيرها في برامــج إعداد الفــتاة السعودية في القرن الواحد والعشرين ؛ بمعنى دراستها والتعرف على أسبابها وأساليب علاجها ؛ لأن هذه الدراسة تعد جزءاً لا غنى عنه في إعدادها الشامل .

رابعاً : تحدي ثورة التقنيات التعليمية المعاصرة :

من المنتظر أن يسود عدد من التقنيات التعليمية المعاصرة في مجال التعليم العالي في بداية القرن الواحد والعشرين ، ومن أبرز تلك التقنيات تقنية التعليم بالوسائط المتعدد Multimedia وتقنية التعليم بالأقمار الصناعية ، وتقنية التعليم بالحقائب التعليمية والوحدات النسقية الصغيرة ( الموديلات ) ، وتقنية التعليم الخصوصي السمعي Audio Tutorial Instruction  .

وسوف تؤثر هذه التقنيات على مجال التعليم العالي للبنات من عدة نواح ، من أبرزها :

1 – تغير الدور الذي تلعبه الطالبة من الدور السلبي إلى الدور النشط المشارك في عملية التعلم  .

2 – تغير الدور الذي يلعبه عضو هيئة التدريس من دور ناقل المعلومات إلى دور المرشد والموجه لعملية التعلم .

3 – تغير الدور الذي يلعبه الكتاب المدرسي بوصفه المصدر الوحيد للمعلومات إلى كونه أحد مصادر المعلومات التي ترجع إليها الطالبة لتحصيل المعرفة ، إذ توفر التقنيات التربوية المعاصرة مصادر أخرى للمعلومات، مثل برامج الوسائط المتعددة، برامج التلفزيون والفيديو ، أشرطة التسجيل الصوتية ، الحقائب التعليمية .

4 – الاعتماد على التعليم الفردي ، والإقلال من التعليم الجماعي .

5 – تغير في أنماط التقويم وأشكاله بحيث يزيد الاعتماد على الاختبارات مرجعية المحك Criterion Refereced Tests كبديل للاختبارات جماعية المرجع Norm Refereced Tests  .

 

ويفرض تحدي ثورة التقنيات التعليمية المعاصرة على تعليم البنات العديد من الأمور ، لعل من أبرزها :

1 –  ضرورة تدريب عضوات هيئة التدريس على استخدام تقنيات التعليم المعاصرة في تدريسهن المقررات المختلفة ، وحسب طبيعة كل مقرر ، وكذا السعي نحو تنمية اتجاهاتهن الإيجابية نحو هذه التقنيات .

2 –  تعديل خطط الجداول الدراسية بحيث تتيح فرصة للطالبة للتعلم الفردي .

3 –  تجهيز الكليات بأماكن الدراسة التي تتفق مع التدريس بهذه التقنيات .

4 –  إعداد كوادر مؤهله من المعاونات من الفنيات والإداريات وغيرهن من اللازمات لإدارة عملية التعليم عن طريق تلك التقنيات .

خامساً : تحدي زيادة الطلب على التعليم العالي :

لقد تزايدت الرغبة في الالتحاق بالتعليم العالي لأسباب اجتماعية واقتصادية وغيرها ، وساعد على ذلك التوسع في التعليم الأساسي والثانوي للبنات ، وانتشاره في كافة أنحاء المملكة ، وارتفاع المستوى المعيشي للأسرة السعودية ، وتوافر فرص العمل للمرأة السعودية خاصة في مجال التعليم  .

فإذا علمنا أن عدد الحاصلات على الثانوية العامة يتضاعف كل سنتين ونصف ، الأمر الذي يشير إلى تنامي عدد الراغبات في التعليم العالي بصورة مذهلة ، فضلاً عن أن هذا العدد لا تقابله زيادة في القدرة الاستيعابية بكليات ومعاهد التعليم العالي للبنات بالقدر الكافي – لوجدنا أنفسنا أمام واحد من أكبر التحديات التي تواجه هذا التعليم .

ولعل التعرف على الواقع الكمي لأعداد خريجات الثانوية العامة للأعوام الخمسة الماضية ( 1414 – 1419هـ ) ([10]) يكشف عن النمو المتسارع من الخريجات عاماً بعد آخر حيث وصل إلى 16% تقريباً  .

ويتضح ذلك من الجدول التالي :

 

( جدول رقم 1 )

أعداد خريجات الثانوية العامة ونسبة النمو السنوي

في الفترة من 1415هـ – 18/1419هـ

 

العام الدراسي

عدد الخريجات

نسبة النمو السنوي

15/1416هـ

57848

23.6 %

16/1417هـ

65013

12.4 %

17/1418هـ

71176

11.2 %

18/1419هـ

83800

16.0 %

 

ومن الجدول السابق يتبين التزايد المستمر لأعداد الخريجات الأمر الذي يعطي مؤشراً بالتزايد المستقبلي ، وبالتالي يتطلب مواجهة فعالة  .

كما تزداد حدة المشكلة مع عجز مؤسسات التعليم العالي عن استيعاب تلك الأعداد المتزايدة ، فالجامعات تتبوأ في المملكة صدارة مؤسسات التعليم العالي في استيعاب خريجات الثانوية العامة بشكل يفوق إمكاناتها الافتراضية حسب الخطط المرسومة لها  .

وبذلك يتضح أن الأمر يتطلب سرعة البحث عن حلول لمعالجة الفجوة بين الطلب الاجتماعي على التعليم ، وبين القدرة الاستيعابية لتلك الكليات والمعاهد .. ولعل من أبرز هذه الحلول :

1 – التوســع في قبـــول الطالبات بنظام الانتساب ، وبحيث يتم تعديل هذا النظام ليأخذ صورة قريبة الشبه بنظام الانتســـاب الموجه المطبق في دولة الإمارات العربية المتحــدة .

2 – استحداث نظام تعليم عال خاص للبنات في ظل توجيه وإشراف حكومي ، وبعد وضع الضوابط والشروط التي يمكن أن تحقق من هذا النوع من التعليم الأهداف الوطنية ليشارك التعليم الجامعي الحكومي في الوفاء بخطط التنمية .

3 – كما يمكن التفكير في استغلال الامكانات المتاحة حالياً ، من حيث فتح كليات البنات خلال الفترة المسائية ( حتى صلاة المغرب ) لاستيعاب الزيادة المتوالية في أعداد الطالبات ، ويوفر هذا الحل إمكانات هائلة غير مستغلة حتى الآن ، فالجداول الدراسية الحالية في الكليات تنتهي في موعد يمكن من استمرار العمل بالكليات لفترة مسائية تستوعب أعداداً جديدة إضافية دونما الحاجة إلى استثمار أموال طائلة في الإنشاءات  .

ويلاحظ أن مثل هذا الاتجاه يوفر كثيراً من الوقت والجهد والمال اللازم للاستثمار في إنشاء كليات جديدة  .

وتجربة التعليم المسائي في بعض القطاعات تشير إلى إمكانية تطبيق هذا الاقتراح ، أو على الأقل البدء بالتفكير في تطبيقه على سبيل التجريب في بعض المدن الكبرى بالملكة ، وذلك بعد إجراء الدراسات اللازمة لذلك واستطلاع آراء أولي الأمر في هذا الحل .

4 – استحداث أقسام وكليات جديدة ، خاصة تلك التي تقدم برامج تعليمية تحتاج إليها خطط التنمية في المملكة مثل برامج الحاسب الآلي ، والعلوم الطبية والعلوم الصيدلانية ، والمحاسبة والإدارة  .

5 – استحداث نظام للتعليم عن بعد  .

6 – التوسع في البرامج التأهيلية القصيرة ( مدتها سنة أو سنتان دراسيتان ) .

هذا وننوه إلى أهمية إجراء الدراسات المستقبلية التنبوئية الخاصة بالطالبات المتوقع قبولهن بالتعليم العالي خلال الربع الأول من القرن الواحد والعشرين  .

سادساً : تحدي المواءمة بين مخرجات التعليم ومتطلبات سوق العمل :

تشير كثير من التقارير([11]) إلى أن هناك ضعفاً في المواءمة بين مخرجات التعليم العالي للبنات وبين ســــوق العمل ، حيث يوجد فائض من الخريجـــات في تخصصـــات معينـــة ( خاصة التخصصات النظرية )، في حين يوجد نقص في الخريجات في التخصصات العملية ، ولعل من أبرز الأسباب التي تؤدي إلى عدم المواءمة بين مخرجات التعليم العالي للبنات ومتطلبات سوق العمل مايلي :

1 –  إقبال الطالبات على الالتحاق بالتخصصات النظرية .

2 –  عدم توزيع الطالبات بين التخصصات حسب متطلبات سوق العمل .

3 –  عدم إشراك قطاع العمل في تحديد سياسة القبول .

4 –  قلة الدراسات التنبوئية التي تكشف عن الحاجة الفعلية لسوق العمل .

5 –  عدم تطوير المناهج بحسب حاجة سوق العمل .

6 –  محدودية مساهمة الإرشاد الطلابي للطالبات المستجدات في توجيههن نحو التخصصات المطلوبة بشكل أكبر في سوق العمل .

ولمواجهة تحدي المواءمة بين مخرجات التعليم ومتطلبات سوق العمل ، يجب اتخــــاذ العديد من الإجراءات التي تزيد من الصلة بين تلك المخرجات وسوق العمل ، ولعل من أبرزها :

1 –  توفير قاعدة من البيانات والمعلومات عن الاحتياجات المستقبلية لسوق العمل من التخصصات .

2 –  ربط سياسة القبول بالكليات باحتياجات سوق العمل .

3 –  مشاركة المسؤولين عن سوق العمل في رسم سياسة القبول بالكليات .

4 –  تطوير نظام الإرشاد الطلابي بالكليات بما يسمح بتوجيه الطالبات نحو التخصص المناسب لهن ، والذي يحتاج إليه سوق العمل .

5 –  تطوير المناهج والخطط الدراسية بالكليات وربطها بسوق العمل .

سابعاً : تحديات أخرى :

وبعد استعراض أبرز التحديات التي تواجه التعليم العالي للبنات ، بقي الإشارة إلى أن هناك تحديات أخرى يواجهها هذا التعليم نشير إليها بإيجاز فيما يلي :

1 –  تحدي سعودة وظائف الهيئة التعليمية ، حيث تم اللجوء في بداية التعليم العالي للبنات لأعضاء هيئة تدريس من المتعاقدات من خارج المملكة نظراً لعدم توافر الكوادر النسائية في حينه ، إلا أنه مع نمو هذا التعليم وتخريج كوادر سعودية من برامج الماجستير والدكتوراه ، فقد تم إحلال نسبة من السعوديات محل المتعاقدات ، غير أنه لم تتم بعد سعودة كافة هذه الوظائف .

2 –  ضعف الصلة بين برامج التعليم الثانوي وبرامج التعليم العالي .

يلاحظ أن ثمة حالة غياب في التنسيق بين خططي مناهج التعليم الثانوي ومناهج التعليم العالي للبنات ، وذلك في مجال تكامل مناهج المرحلتين ، الأمر الذي يؤدي إلى إفراز العديد من المشكلات في التعليم العالي للبنات، منها تداخل وإعادة مواضيع سبق للطالبة أن درست بعضها في التعليم الثانوي ، ومنها عدم الارتباط بين الخبرات التي حصلت عليها الطالبة في المرحلة الثانوية والخبرات المقدمة من بعض التخصصات الجامعية ، مما قد يترتب عليه ارتفاع نسبة الرسوب في هذه التخصصات ، مثل تخصصي اللغة الإنجليزية والرياضيات .

3 –  تحدي المواءمة بين إعداد الفتاة لممارسة مهنة معينة وبين إعدادها لممارسة دورها كأم وربة منزل ، وهو ما يعني أن برامج التعليم العالي للبنات ينبغي أن يكون لها غايتين أساسيتين : الغاية الأولى أن تعد الفتاة لممارسة مهنة معينة تتفق مع تقاليد مجتمعنا السعودي وأعرافه ، والغاية الثانية هي إعدادها لممارسة دورها كمواطنة وأم وربة منزل من خلال برامج التربية الأسرية ، ومن ثم لا ينبغي إغفال أي من الغايتين المذكورتين عند رسم الخطط المستقبلية لبرامج التعليم العالي للفتاة .

4 –  تحدي ارتفاع تكلفة تعليم الطالبة الواحدة ، وبما يفرضه من ضرورة التفكير في ترشيد الإنفاق والبحث عن مصادر أخرى لتمويل التعليم ، ومنها تسويق الخدمة التعليمية في المجتمع نظير مقابل مادي ، مثل تقديم برامج تدريبية في تعليم اللغات والحاسبات الآلية .. إلخ  .

5 –  تحدي تعدد الجهات المشرفة على التعليم العالي للبنات ، حيث يشرف على هذا التعليم كل من الرئاسة العامة لتعليم البنات ، ممثلة في وكالة الرئاسة لكليات البنات والإدارة العامة للكليات المتوسطة بالرئاسة العامة لتعليم البنات ، وكذا وزارة التعليم العالي ممثلة في الفروع النسائية بالجامعات السعودية المشار إليها سلفاً ، وذلك إضافة إلى وزارة الصحة التي تشرف على الكلية الصحية للبنات  . إن مثل هذا التعدد وإن كان له مبرراته إلا أنه قد يؤدي إلى نوع من الازدواجية وتضارب القرارات ، فضلاً عن زيادة الأعباء المالية .

 

المحور الثالث : الدراسات المستقبلية وأهميتها :

سنتان أو أقل تفصلنا عن القرن الحادي والعشرين ، وكلما اقتربنا منه تزايدت الدعوات التي تنبه إلى أننا نقف على أعتاب قرن جديد ، بل ألفية جديدة، وعصر جديد ، وحضارة جديدة ، تدعونا إلى ( الاستعداد ) لدخول هذا العصر ، بكل خصائصه ومتطلباته وتحدياته ومشكلاته آخذين في الحسبان أن المستقبل بيد اللَّه عز وجل ، وأن علينا رسم خطوط هذا المستقبل بما يتفق مع عقيدتنا الإسلامية وأعراف مجتمعنا لسعودي العريق .

إن الدعوة إلى الاهتمام بالمستقبل والتعرف عليه والتخطيط لمواجهته كانت تجري وتتزايد في كثير من بلدان العالم حولنا منذ وقت طويل  نمت بالتدريج ، وأصبحت علماً له فلسفاته ونظرياته ومناهجه وقواعده ونتائجه ، وهي كلها معروفة متداولة لكثيرين ممن حولنا من الدول المتقدمة ، ولقلة من علمائنا ومفكرينا وباحثينا .

وانتقلت مؤخراً الدعوة إلى الاهتمام بالمستقبل والاستعداد له أو التحذير منه من العلماء إلى عامة الناس ، وأصبحنا نطالع في الصحف ونسمع ونشاهد في أجهزة الإعلام تلك الدعوات متفائلة ومتشائمة ، مبشرة ومحذرة ، واعدة ومتوعدة  .

هذا وتمثل دراسة المستقبل هاجساً لكثير من المخططين للبرامج التعليمية ، ذلك لأن التخطيط لبرامج التعليم يتطلب استشرافاً للأبعاد الاجتماعية والاقتصادية والثقافية التي يحملها المستقبل ، ودراسة المستقبل أصبحت علماً قائماً بذاته يتخصص فيه من يمتلك التحليل الجيد والنظرة الشمولية للوقائع المعاصرة وانعكاساتها على المستقبل ، فدراسة النمو الاقتصادي والنمو السكاني والمتغيرات الاجتماعية والتأثيرات الدولية والتطورات التقنية ، كل ذلك – بلا شك – يؤثر في برامج التعليم المستقبلية .

ومن ذلك نرى أن دراسة المستقبل ليست – ولا ينبغي أن تكون مجرد – رياضة عقلية، بل هي ( علم عملي ) يهدف إلى تيسير عملية صناعة المستقبل ، وتجسيد الآمال والأحلام ، وتجنـــب المشكلات والمخاطـــر والكـــوارث التي تهدد المجتمعات ، بل والإنسانية جمعاء ، تهدف من جانب إلى مساعدة صانع القرار على تخطيــط سياسات رشيدة وتنفيذها ، كما تعمل من جانب آخر على تحديد غايـــات تكافح الجماهير من أجل بلوغها ، وبلورة آمال تعمل على الوصول إليها([12]).

إن الهدف النهائي لمحاولة استشراف المستقبل هو التمكن من السيطرة عليه ، وصناعة مستقبل أفضل يعيش فيه الإنسان سعيداً مطمئناً ، بإذن اللَّه .

وفي هذا السياق يقسم علماء المستقبل المدى الزمني للدراسات المستقبلية إلى فترات رئيسية هي :

  1 – المستقبل المباشر ، ويمتد إلى سنة من الآن .

  2 – المستقبل القريب ، ويمتد من سنة من الآن إلى خمس سنوات .

  3 – المستقبل المتوسط ، ويمتد من خمس سنوات من الآن إلى عشرين سنة .

  4 – المستقبل البعيد ، ويمتد من عشرين سنة من الآن إلى خمسين سنة .

  5 – المستقبل البعيد غير المنظور ، ويمتد إلى ما بعد الخمسين سنة من الآن .

ولهذا فإن مخططي برامج التعليم والتدريب يحتاجون إلى معرفة المدى الزمني لأي خطة يقومون بإعدادها ، وكلما كانت الخطة موجهة إلى المستقبل البعيد أو المستقبل البعيد غير المنظور زدادت صعوبة المهمة لاستشراف المستقبل ، وذلك لاتساع المدى الزمني ولاحتمال متغيرات كثيرة غير منظورة وبعيدة عن الواقع الحالي .

وتوضح جمعية مستقبل العالم World Future Society  أهم عناصر الدراسات المستقبلية بالآتي ([13]):

1 –  إنها الدراسات التي تركز على استخدام الطرق العلمية في دراسة الظواهر الخفية

2 –  إنها أوسع من حدود العلم ، فهي تتضمن الجهود الفلسفية والفنية جنباً إلى جنب مع الجهود العلمية .

3 –  إنها تتعامل مع نطاق لبدائل النمو الممكنة وليس مع إسقاط مفردة محددة المستقبل .

4 –  إنها تلك الدراسات التي تتناول المستقبل في آماد زمنية تتراوح بين خمس سنوات وخمسين عاماً .

وخلاصة القول هنا أن الدراسة الحالية تعد من الدراسات التي تعنى بالمستقبل القريب الذي يمتد إلى نحو خمس سنوات من الآن .

 

المحور الرابع : رؤية عن مستقبل التعليم العالي للبنات في المملكة مع بداية القرن الواحد والعشرين  .

انطلاقاً من الفهم لطبيعة التعليم العالي للفتاة ، ومن تصورنا لأبرز التحديات التي تواجه هذا التعليم ، وأهمية رسم رؤية مستقبلية له ، نسوق فيما يلي أبرز المرتكزات التي تستند إليها هذه الرؤية المستقبلية :

أولاً : تطوير فلسفة التعليم العالي للبنات :

تستند الرؤية لتطوير فلسفة التعليم العالي للبنات إلى المقومات التالية :

1 – التأكيد على الرؤية الإسلامية للإيمان والكون والإنسان والحياة في برامج التعليم .

2 – دعم الانتماء للعالم الإسلامي ، وما تتميز به ثقافته من معالم وخصوصيات .

3 – الاهتمام بتنمية روح المواطنة والمشاركة في الحياة العامة ، وبما يتفق مع تعاليم ديننا الحنيف وخصوصية المجتمع السعودي .

4 – التأكيد على الطبيعة المزدوجة لأغراض التعليم العالي في إعداد الفتاة ، بحيث يتم إعدادها لممارسة مهنة معينة تتفق مع تعاليم ديننا الحنيف ، ولممارسة دورها كأم وربة منزل ومواطنة صالحة  .

5 – الاهتمام باللغة العربية بوصفها مفتاح شخصية الأمة ، وكذا الاهتمام بتعليم بعض اللغات الحية بحسبانها وسيلة للانفتاح على معطيات العلم والثقافة العالمية .

6 – الاهتمام بتنمية مهارات التفكير والبحث العلمي والتعلم الذاتي والتخلي عن الطرائق التقليدية في التعليم .

7 – الاهتمام بتنمية مهارات الفتاة للتعامل مع مستحدثات العصر ، وخاصة ما يتعلق بمعالجة المعلومات ونقلها .

ثانياً : تطوير أهداف التعليم العالي للبنات :

ولكي تتحق هذه الفلسفة ، فإن هنالك مجموعة من الأهداف التربوية الموجهة لهذا النوع من التعليم والتي يجب تضمينها في برامجه ،ولعل من أبرزها ما يلي :

1 – تنمية عقيدة الإيمان بالله وملائكته وكتبــه ورسله واليوم الآخر لدى الفتاة السعودية .

2 – ترسيخ التصور الإسلامي للكون والإنسان والحياة لدى الفتاة السعودية .

3 – تنمية الاعتزاز بالإسلام والثقافة الإسلامية ، وإسهامات العلماء المسلمين في تطور العلم والثقافة .

4 – تنمية إدراك الفتاة لمسؤولياتها الاجتماعية نحو مجتمعها المحلي والوطني ، والمشاركة في حل قضاياه ومشكلاته بما يتفق مع طبيعتها وديننا الإسلامي الحنيف .

5 – تنمية الكفايات المهنية اللازمة لممارسة الفتاة لمهنة معينة .

6 – تزويد الفتاة بالمعارف والمهارات والاتجاهات والقيم اللازمة لها لممارسة دورها كأم وربة منزل .

7 – تنمية المهارات اللغوية التي تمكنها من إتقان اللغة العربية .

8 – تنمية المهارات اللغوية في واحدة على الأقل من اللغات الحية لدى الفتاة السعودية، والتي تمكنها من الدعوة إلى الإسلام ، ومن الاطلاع على الجديد في مجال العلم والثقافة الرصينة .

9 – تنمية مهــارات التفكير والبحث العلمي والتعلم الذاتي لدى الفتاة السعودية .

10– تنمية المعارف والمهارات والاتجاهات والقيم ذات العلاقة بدور الفتاة في تنمية مجتمعها المحلي والوطني .

11 – تنمية مهارات الفتاة للتعامل مع نظم معالجة المعلومات الحديثة ونقلها وخاصة الكمبيوتر .

ثالثاً : توحيد الجهة الإشرافية على التعليم العالي للبنات :

إن إنشاء جامعة مستقلة للبنات تعنى بالتعليم العالي للبنات بات أمراً تستدعيه متطلبات التنمية ، وتقتضيه مقومات التميز ، وتفرضه مراحل التطوير ، وتستلزمه برامج الترشيد والتخطيط ، ويمكن بيان ذلك من خلال النقاط التالية([14]):

1 –  إن إنشاء جامعة البنات سوف يمكّن من التخطيط الاستراتيجي الشامل لتعليم البنات ، بسبب انضواء كليات البنات والأقسام النسائية في الجامعات السعودية تحت جهة مركزية واحدة   وهذا اللون من التخطيط تتعذر بلورته فضلاً عن تطبيقه في ظل الوضع القائم  .

2 –  إن هذه الجامعة تعمل على الاستفادة القصوى من عضوات هيئة التدريس، وذلك لوجود الحاجة إلى جميع التخصصات تحت سقف هذه الجامعة  .

3 –  قدرة هذه الجامعة على تنفيذ برنامج الترشيد الاقتصادي في التعليم ، وذلك من خلال استيعاب أعداد أكبر من الطالبات  .

4 –  اختيار أفضل المناهج وصبغها بما يتناسب مع طبيعة المرأة ، وبما يتناغم مع المهمة التي ستناط بها بعد التخرج ، والعمل على توحيد هذه المناهج في كليات الجامعة وأقسامها ، وتبرز أهمية عملية الصبغ هذه في أنها سبيل لإنتاج الكوادر النسائية المؤهلة التي تحتفظ بتميزها ، وتعتز بشخصياتها ، وتنعم بتفردها  .

5 –  تتيح هذه الجامعة جواً أكاديمياً ينمي شخصية المرأة ، ويحقق ذاتها ويستثمر ، ملكاتها وطاقاتها ، ويصقل مواهبها  .

6 –  توجيه الطاقات النسائية إلى التخصصات المطلوبة عبر التحكم المركزي في القبول ، ووضع الشروط والضوابط التي تهيئ هذه الطاقات نفسياً للرضى بمثل هذا التوجيه .

7 –  التخفيف من العبء الملقى على الجامعات السعودية ، وذلك بضم الأقسام النسائية التابعة لها إلى جامعة البنات ، الأمر الذي يمكن الجامعات من التركيز على عملية تعليم الطلاب وتحسين مخرجاتها التعليمية  .

ولعل من الواضح أن الرئاسة العامة لتعليم البنات هي الجهة التي يمكن أن تناط بها مهمة الإشراف على هذه الجامعة وذلك من ناحيتين :

الأول: أن الرئاسة هي الجهة الرئيسة المعنية بتعليم البنات في المملكة ، وهو ما يُسّوغُ البعدين الإداري والتنظيمي  .

الثانية : أن الرئاسة تملك من الخبرة الفنية والقدرة التنظيمية ما يؤهلها للإشراف على هذه الجامعة ، وهو ما يُسّوغُ البعدين الفني والتنفيذي .

رابعاً : تطوير سياسة القبول بالتعليم العالي :

تستند الرؤية لتطوير سياسة القبول بالتعليم العالي للبنات إلى المبادئ التالية :

1 –  يتم التوسع في القبول في التعليم العالي للبنات بحيث يصل إلى النسبة الموجودة في الدول المتقدمة ، وهي أن كل ثلاث من خمس من خريجات التعليم الثانوي يُقْبلْنَ في التعليم العالي ، ومسوغات هذا التوسع تنحصر في الآتي :

أ  أن التوجه العالمي الآن يرى أن التعليم العالي حق وطني للفرد مثله في ذلك مثل التعليم العام ، فمثلما توفر الدول تعليماً عاماً للفرد فهي مطالبة بتوفير تعليم عال له([15]).

ب – إن التعليم العام لم يعد وحده كافياً لإعداد المواطن للتعامل مع معطيات القرن الواحد والعشرين ومتغيراته ، إلا أن التوسع في التعليم العالي يجب أن يكون مشروطاً بثلاثة شروط أساسية([16]) :

  أن توضع معايير مقننة تسمح فقط للطالبات من ذوات القدرات العالية لالتحاق بالتعليم العالي ، أما اللائي لا تتوافر لديهن هذه القدرات فمن الخير أن يلتحقن ببرامج إعدادية أو تحضيرية تؤهلهن للتعليم العالي .

أن ترتبط سياسة القبول بسوق العمل .

أن يكون هذا التوسع مخططاً ، وبحيث تتوافر له متطلبات التعليم العالي من مبان وتجهيزات وأعضاء هيئة تدريس ... إلخ  .

2 –  تطوير نظام القبول بحيث يتضمن المعايير التالية :

أ  معدل الطالبة التراكمي في المرحلة الثانوية .

ب – درجة الطالبة في المقابلة الشخصية .

جـ – درجة الطالبة في اختبارات القبول التحريرية ، وهي :

اختبارات متطلبات الكلية ( وتشمل اختبارات في مهارات الكتابة والفهم القرائي والثقافة العامة ... إلخ ) .

اختبارات متطلبات القسم ( وتشمل اختبارات في المهارات والقدرات المطلوبة للالتحاق بالقسم ) .

د – رغبة الطالبة في الالتحاق بالدراسة في تخصص معين مدعما برأي مكاتب الإرشاد الأكاديمي .

3 –  إنشاء إدارة مركزية لتنسيق القبول على مستوى المملكة تتولى الإشراف على عملية القبول بمؤسسات التعليم العالي للبنات .

خامساً : إدخال أنماط جديدة في التعليم العالي للبنات :

إن النهوض بقطاع التعليم العالي للبنات يستلزم الابتعاد عن القوالب الجامدة ، وذلك بإدخال أنماط جديدة في ذلك التعليم ، تنسجم مع حاجات عملية التنمية في المجتمع السعودي مع بداية القرن الواحد والعشرين ، ومع الدور المتوقع للمرأة السعودية، في إطار الشريعة الإسلامية  ومن هذه الأنماط مثلاً : المعاهد الفنية العليا ، نظام التعليم بالانتساب الموجه ، التعليم عن بعد ، الكليات التقنية ، كليات المجتمع ، كما يستلزم التوسع في الكليات المتوسطة الموجودة حالياً ، وتطويرها بحيث لايقتصر دورها على تخريج معلمات للمرحلة الابتدائية([17]).

 

سادساً : إعادة النظر في التخصصات الحالية :

إن تلبية احتياجات سوق العمل النسوي في المجتمع السعودي من التخصصات مع بداية القرن القادم  ـــ إضافة إلى الدور المتوقع للمرأة في خدمة هذا المجتمع وتنميته ـــ قد تتطلب إعادة النظر في التخصصات القائمة حالياً في نطاق التعليم العالي للبنات ، وخاصة التخصصات القائمة في كليات البنات الجامعية والمطورة والمتوسطة التي ينحصر معظمها في التخصصات التربوية التي تُخرجُ معلمةً للعمل في التعليم العام ، أو التخصصات الإنسانية والاجتماعية  .

وعليه ننادي بما يلي :

أ  ضرورة توافر قاعدة معلومات عن الحاجة إلى تخصصات معينة في السنوات العشر القادمة ، سواء أكانت هذه الحاجة في مجال القطاع الحكومي أو القطاع الخاص .

ب – الحد من القبول في التخصصات التي لدينا فيها الآن وفرة في الخريجات ، وتوجيه الاهتمام نحو التوسع في بعض التخصصات التي ليس لدينا وفرة فيها .

جـ – الأخذ بمفهوم الاختصاص المتعدد الوجوه والدراسات المشتركة بين أكثر من تخصص تحقيقاً لمبدأ المرونة في مواجهة تقلبات فرص العمل .

هذا ويمكن الإشارة إلى بعض التخصصات التي تتوافر فيها هذه المرونة ، والتي يمكن التفكير في إدخالها في التعليم العالي للبنات : الإعلام التربوي وتقنيات التعليم ، الديكور والتجميل والتربية الفنية ، العلوم الإدارية والمحاسبة، الصناعات الغذائية وصناعات النسيج ، العلوم الطبية المساعدة ، الإرشاد والتوجيه النفسي والدراسي ورعاية الحالات الخاصة ، إدارة المنزل وصيانة الأجهزة المنزلية ، التوعية البيئية والصحية ، الإدارة المدرسية وإدارة الاختبارات .

كما يمكن التوسع في بعض التخصصات القائمة حالياً في التعليم العالي للبنات ، والتي من بينها علوم الحاسب الآلي ، التمريض ، المكتبات ، التعليم الخاص ، العلوم الطبية والصيدلانية ، الاقتصاد المنزلي ، اللغات .

ومن الجدير بالذكر أن إنشاء تخصصات جديدة في التعليم العالي للبنات ، وكذا التوسع في التخصصات القائمة حالياً سوف يسهم بشكل مباشر في رفع الطاقة الاستيعابية للتعليم العالي للبنات .

سابعاً : تبني مؤسسات التعليم العالي للبنات مفاهيم جديدة :

هناك العديد من المفاهيم الجديدة التي فرضتها التطورات والتغيرات العلمية وتحديات التنمية في المجتمع السعودي ، من هذه المفاهيم([18]) :

مفهوم التعليم المستمر ، الذي يمكن أن يعطي التعليم العالي للبنات الفرصة الحقيقية للمشاركة الفعالة في عمليات التنمية ، حيث يستطيع من خلاله أن يصل بخدماته إلى مختلف القطاعات والفئات والأعمار ، وأن يسهم في مجال محو الأمية وتعليم الكبار ، وتدريب العاملين بمؤسسات المجتمع على الجديد في حل ما يواجههم من مشكلات ، وتزويد الباحثات والخريجات بالخبرة في مجال تخصصهن .

مفهوم التعليم الذاتي ، الذي يسمح لمؤسسات التعليم العالي للبنات بالتغلب على مشكلة حاجة الإنسان المعاصر إلى تجديد معلومات وخبراته بصفة منتظمة ؛ فالثورة العلمية التكنولوجية قضت على نظرية ( إعداد الفرد إعداداً نهائياً ) وفرضت مفهوم ( التعلم الذاتي مدى الحياة ) لتجديد المعلومات والخبرات حتى يتمكن الفرد من المعلومات ، والتعامل الواعي مع منجزات العصر .

مفهوم وحدة المعرفة الإنسانية ، وتكامل مختلف العلوم والمعرفة ، وهذا يمكن أن يتحقق من خلال التلاقي بينها حول موضوعات تدريسية أو بحثية مشتركة ، فما من مشكلة أو قضية تنصرف إليها جهود علم أو أكثر من العلوم الطبيعية ، إلا ولها جوانب متعددة تحتاج إلى جهود العلوم الإنسانية، ومن ثم فإن التقاء المعارف والعلوم ـــ طبيعية كانت أم إنسانية ـــ إنما يحقق بشكل طبيعي وحدتهما دون أن تفقد أيُّ منهما هويتها المتميزة

مفهوم الإنسان المبدع بحسبانه عصب الحياة المعاصرة ، ومبعث الفعل والتقدم في المستقبل ، والقادر على التعامل مع متغيرات العصر بروح تتسم بالموضوعية والعلمية والواقعية والمرونة والقدرة على التكيف مع التغيرات المحيطة به .

باختصار ، الإنسان المبدع سيكون ( العملة الصعبة ) والأساسية المطلوب للتعامل مع هذا العالم المتغير ، ومواجهة تحدياته ، ومن ثم فإن مهمة إعداده تشكل إحدى المهام الرئيسة التي ينبغي أن يضطلع بها التعليم بعامة والتعليم العالي بخاصة .

ثامناً : تطوير العملية التعليمية :

العملية التعليمية ليست مجرد حفظ أو تلقين أو استرجاع للمعلومات ، تتم بطريقة تقليدية ، وإنما هي مواقف حياتيه إن لم تكن الحياة نفسها ؛ ففيها يتم إعداد المتعلم إعـداداً شامـــلاً متكاملاً ليمارس دوره في تطوير حياته والبيئة المحيطة به .

والآن في ظل التطورات والتغيرات الجارية أصبح مطلوباً من العملية التعليمية أن تعمل على بناء الإنسان المبدع القادر على مواجهة هذه التطورات والتغيرات ، ومن ثم لابد من تطوير هذه العملية ، وتبني الجديد في هذا المجال ، وهذا يتطلب مايلي ([19]):

الأخذ بالتقنيات الحديثة في طرق التعليم والتعلم ، والإفادة من ثورة الاتصالات في هذا المجال ، وإنشاء مراكز متخصصة للتقنيات الحديثة ، على أن تضم خبراء متخصصين في إنتاجها وإخراجها وتشغيلها وصيانتها .

التنوع في الطرائق التدريسية وقيامها على استراتيجيات فاعلة ، كالتعلم الذاتي والتعلم من أجل الإتقان ، وحل المشكلات ، والتعليم البرنامجي ، وغيرها من الطرائق والأساليب التي تهتم بالفهم ، والربط بين النظرية والتطبيق ، واستقلالية التفكير وعمليات الإبداع .

التطوير المستمر للمناهج والمقررات الدراسية حتى يمكن ملاحقة المعرفة المتجددة، مع الاهتمام بالدراسات البيئية والتخصصات الجديدة المختلفة  .

المزج بين التعليم النظري والتدريب في مواقع العمل والإنتاج  .

تعدد مصادر التعلم ، فلا تقتصر فقط على كتاب دراسي واحد يقرر على جميع الطلاب .

العمل من خلال مفاهيم التكامل والترابط بين المعارف الإنسانية وغيرها من المفاهيم التي فرضتها وتفرضها التغيرات والتطورات العلمية المعاصرة المستقبلية  .

الاهتمام بعمليات التقويم المستمر لكل جوانب العملية التعليمية ، مع تبني تقنيات جديدة في القيام بهذه العمليات .

الاهتمام بالنشاط الطلابي والخدمات الطلابية ، وتوفير الظروف المناسبة لتنميتهم تنمية شاملة متكاملة  .

الاهتمام باللغة العربية بحثاً وتدريساً ، مع عدم إهمال اللغات الأجنبية ، لأهميتها في التواصل العلمي مع المجتمعات الأخرى .

إدخال مقررات جديدة في الخطط الدراسية تعمل على تنمية روح المواطنة لدى الفتاة السعودية .

العمل على تنمية مهارات التفكير من خلال تدريس المقررات المختلفة ، وكذا من خلال تدريس مقرر عن تعليم التفكير  .

تاسعاً : تنمية الهيئة الأكاديمية :

يصعب على مؤسسات التعليم العالي للبنات أن تواجه التحديات المشار إليها سلفاً إلا من خلال هيئة أكاديمية معدة إعداداً جيداً ، ولديها الاستعداد للتنمية العلمية المستمرة ، وهذا يتطلب العديد من الأمور ، منها على سبيل المثال :

1 –  إعادة النظر في تعيين عضوة هيئة تدريس ومعاوناتها من المعيدات والمحاضرات وفق معايير دقيقة تأخذ في حسبانها الجوانب النفسية والاجتماعية ، والقدرة على العطاء، وتزويدهن بالجديد في مجال تخصصاتهن ، وإشباع شغفهن العلمي ، وتزويدهن بالثقافة العامة ، وبثقافة العلم الذي يتخصصن فيه  .

ولعله من المناسب هنا أن نطرح تصوراً جديداً لنظام اختيار المعيدات  .

إجراءات الترشيح وضوابطه :

أ  يتم الترشيح لوظيفة معيدة من بين الطالبات الخمس الأوائل على أقسامهن ، طبقاً للتقدير العام لهنّ في درجة البكالوريوس من واقع كشوف النتيجة المعتمدة ، وفي حالة التساوي في التقدير العام تفضلّ من هي حاصلة على الدرجة الأعلى في مادة التخصص  .

ب – يشترط في المرشحات مايلي :

ب –1 أن يكنّ حاصلات على تقدير عام جيد جداً على الأقل .

ب–2 أن يكنّ حاصلات على تقدير جيد جداً على الأقل في مادة التخصص ( وهي المادة التي سيقمن بتدريسها مستقبلاً في أقسامهن والمعينات عليها ) خلال سنوات الدراسة الأربع .

ب–3 ألا يكون قد سبق لهن الرسوب في إحدى الفرق الدراسية من قبل  .

ب–4 أن يكنّ من حسنات السيرة والسلوك ، ملتزمات بتعاليم الدين الإسلامي ، مواظبات في حضور المحاضرات ، متعاونات ، متزنات الشخصية ، واثقات بأنفسهن ، ذوات علاقة طيبة بزميلاتهن وأستاذاتهن ، مشاركات في الأنشطة ، وذلك بناءً على تقارير سرية من ثلاث من عضوات هيئة التدريس اللائي سبق لهن التدريس للمرشحة لوظيفة معيدة ، يتم تكليفهن من قبل عميدة الكلية أو من ينوب عنها ، وتشترط موافقة اثنتين من هؤلاء العضوات الثلاث على توافر هذا الشرط في المتقدمات للوظيفة  .

ب–5 اجتيار الاختبار الطبي المطلوب للعمل في مهنة التدريس، وفي حالة انتفاء أيّ من الشروط الخمس المحددة عاليه من إحدى المرشحات تستبعد من الترشيح .

معايير الاختيار وإجراءاته :

أ  يتمّ اختيار المعيدات من بين المرشحات بناءً على الأسس أو المعايير التالية ، وقرين كل منها الحد الأقصى للنقاط الممنوحة له ، علماً بأن الحد الأقصى لمجموع هذه النقاط مائة نقطة :

أ  –1    التفوق العلمي العام     30 نقطة

أ –2   التفوق في مادة التخصص     30 نقطة

أ –3    الصفات الشخصية      20 نقطة

أ –4    المهارات التدريسية      10 نقاط

أ –5     المهارات البحثية      10 نقاط

        المجمـــــوع      100 نقطة

ب – يتم تقدير عدد النقاط بالنسبة لكل مرشحة في المعايير السابقة وفقاً للنظام التالي :

ب – 1 فيما يتعلق بمعيار التفوق العام ( وحده الأقصى 30 نقطة ) :

    تعطى المرشحة الحاصلة على تقدير عام ( ممتاز ) 30 نقطة .

    تعطى المرشحة الحاصلة على تقدير عام ( جيد جداً ) 25 نقطة  .

ب – 2 فيما يتعلق بمعيار التفوق في مادة التخصص ( وحده الأقصى 30نقطة ) :

    تعطى المرشحة الحاصلة على تقدير عام ( ممتاز ) في مادة التخصص 30 نقطة .

    تعطى المرشحة الحاصلة على تقدير عام ( جيد جداً  ) في مادة التخصص 52 نقطة  .

ب –3 فيما يتعلق بمعيار الصفات الشخصية ( وحدة الأقصى 20 نقطة ) يتم تقديره من خلال مقابلة شخصية تجرى مع المرشحة من قبل لجنة مكونة من ثلاث عضوات ؛ هن رئيسة القسم وعضوة من مجلس الكلية ، إضافة إلى عميدة الكلية أو من ينوب عنها ، ويقمن جميعهن بتعبئة ( نموذج ) استمارة ( المقابلة الشخصية للمعيدات)، وهو يتضمن مجموعة الصفات الشخصية الواجب توافرها في المعيدة ، ومدى توافرها بها من عدمه ، ويقدر عدد النقاط المستحقة لكل مرشحة بمتوسط النقاط التي منحتها كل عضوة في لجنة المقابلة الشخصية لها وفقاً للاستمارة المذكورة  .

ب – 4 فيما يتعلق بمعيار المهارات التدريسية ( وحده الأقصى 10 نقاط ) يتم تقويم المرشحة طبقاِ لهذا المعيار من خلال بطاقة ملاحظة تقيس أداءها في درس مصغر (حوالي نصف ساعة ) في مادة التخصص أمام لجنة من اثنتين من عضوات هيئة التدريس، إحداهما رئيسة القسم، ويفضل أن تكون إحداهن في تخصص طرق تدريس ، ويتم اختيارهما من قبل عميدة الكلية ، ويقدر عدد الدرجات الممنوحة لكل مرشحة بمتوسط النقاط التي منحتها عضوات اللجنة وفق استمارة الملاحظة  .

ب – 5 فيما يتعلق بمعيار المهارات البحثية ( وحده الأقصى 10 درجات ) .

يتم تقويم المرشحة طبقاً لهذا المعيار من خلال تكليفها بإعداد بحث مصغر مكتوب في مجال التخصص ، وتتم مناقشتها فيه من قبل رئيس القسم أو من ينوب عنها من عضوات هيئة التدريس بالقسم ، ويقدر عدد النقاط المستحقة لكل مرشحة بالنقاط التي حصلت عليها المرشحة في كل من البحث المكتوب والمناقشة معاً  .

جـ – ترصد النقاط الممنوحة لكل مرشحة في كشف خاص شاملاً النقاط في كل معيار ، والمجموع الكلي للنقاط  .

د – يتم التفضيل بين المرشحات على أساس المجموع الكلي للنقاط ، وفي حالة التساوي بين المرشحات في نقاط المجموع الكلي يعرض الأمر على القسم المختص ، ومن ثم مجلس الكلية لاختيار المرشحة ، مع تقديم المبررات والأسباب ، ويفضل اختيار ذات التقدير العام الأعلى في درجة البكالوريوس .

هـ – ترفع الكشوف المتضمنة أسماء المرشحات الخمس والنقاط الحاصلة عليها كل منهن ومن وقع عليها الاختيار من بينهن ، مشفوعة بقرار مجلس القسم والكلية بشأنهن للجهة صاحبة القرار النهائي لاتخاذ اللازم  .

و – تبقى المعيدة المرشحة سنة بعد التعيين قيد التجربة  .

المقاييس المطلوب إعدادها :

   استمارة المقابلة الشخصية  .

  بطاقة ملاحظة مهارات التدريس للمعيدات  .

2 –  إتاحة الظروف المناسبة التي تكفل لهن النمو العلمي من خلال الندوات النسائية ومن خلال تبادل الخبرات مع المؤسسات العلمية الأخرى ، وفي إطار  الشريعة الإسلامية .

3 –  التوسع في الدراسات العليا ، ولاسيما في مرحلة الدكتوراه ، بغية توفير الأعداد الكافية من عضوات هيئة التدريس السعوديات لسد العجز القائم في عدد من التخصصات .

4 –  استحداث مراكز متخصصة ، يمكن أن نطلق عليها مراكز طرق التدريس والتدريب الجامعي ، مهمتها إقامة دورات تأهيلية لعضوات الهيئة حديثات التعيين ، ودورات تربوية لعضوات الهيئة التدريسية الأخريات ؛ لإكسابهن المهارات التدريسية اللازمة ، وإطلاعهن على طرق التدريس الحديثة وتقنيات التعليم المتطورة ، وأساليب التربية المعاصرة ، بما يساعدهن على أداء أدوارهن التربوية والأكاديمية بكفاءة عالية ، هذا فضلاً عن تنظيم الحلقات والندوات وورش العمل والمؤتمرات المتخصصة في شؤون التعليم المختلفة ، على أن يشرف على كل مركز مجلس إدارة تمثل فيه جميع كليات الجامعة ، لوضع سياسات المركز وخططه([20]).

وفي هذا الإطار نؤيد إنشاء دبلوم ( المعلمة الجامعية ) الذي ينبغي أن تقوم بتنفيذة كليات التربية في كليات البنات ، على أن تكون مدة الدراسة به عاماً جامعياً كاملاً ، أي فصلين دراسيين ، والدراسات به هن المعيدات اللاتي تم تعيينهن قبل بداية العام الدراسي من كل عام([21]).

ويمكن وضع تصور لأهم الأهداف التي ترمي الدراسة في هذا الدبلوم إلى تحقيقها ، وذلك على النحو التالي :

1 –  فهو التعليم العالي من حيث فلسفته ، وتنظيمه ، وإدارته  .

2 –  فهم أهداف التعليم العالي ودوره الإيجابي في تنمية المجتمع وصنع مستقبله  .

3 –  إدراك أهم مبادئ مهنة التعليم وتقديرها بحسبانها مهنة صناعة الإنسانية والوظيفة الأولى لجميع عضوات هيئة التدريس بالجامعة .

4 –  فهو النمو النفسي لطالبة التعليم العالي ، وإدراك الحاجات والمطالب النفسية لهذه المرحلة ، ومقتضايتها التربوية والتعليمية .

5 –  تمكين الدراسات من تصميم المنهج في التعليم العالي ، وتنفيذه وتقويمه وتطويره 

6 –  فهم مناهج التدريس في التعليم العالي المختلفة وتطبيقاتها في مواقف عملية ، مع استخدام أسلوب التدريس المصغر وأساليب تكنولوجيا التعليم المتاحة  .

7 –  فهم المناهج العلمية الرئيسة للبحث العلمي ، وخصائص كل منها ، ومشكلات تطبيقها في البحوث التي تقوم بها المعيدات والمحاضرات ـــ بالفعل ـــ وكيفية التغلب على هذه المشكلات  .

8 –  السيطرة على مهارات اللغة الإنجليزية أو أية لغة بديلة ، استماعاً وتحدثاً وقراءة وكتابة

9 –  القدرة على استخدام الكمبيوتر في الكتابة والبحث عن مصادر المعلومات ، وتخزينها وتنظيمها واستخدامها بطريقة فعالة ، والاتصال بالآخرين داخلياً وخارجياً عن طريقها  .

10– فهم أصول الكتابة العلمية ومهاراتها وتطبيقاتها في كتابة الرسائل الجامعية والبحوث العلمية في المجالات النظربة والتطبيقية  .

عاشراً : تطوير الدراسات العليا :

تُعد الدراسات العليا إحدى أهم الوسائل التي تعد الثروة البشرية ، ومن ثم لابد من معرفة كيف يتم التدخل لتوظيف الدراسات العليا على أفضل وجه بالنسبة لحاجات المجتمع السعودي وحسب اهتمامات أفراده وميولهم أيضاً  .

ولابد لأي تطوير للدراسات العليا من أن يأخذ في حسبانه الأهداف المبتغاة، والمكونات الأساسية الكمية والكيفية التي تقوم عليها ، والمصادر الحالية والمصادر المتوقعة التي يمكن أن تستخدمها  .

وعلى الرغم من أن التخطيط لبرامج الدراسات العليا كان قائماً بكليات البنات والأفرع النسائية بالجامعات السعودية حتى وقتنا الحاضر ، فإننا نحتاج إلى نوع جديد من التخطيط طويل المدى يراعى الآفاق المستقبلية ، ويستند إلى معلومات كافية ودقيقة وحديثة في تخطيطه الكمي والكيفي معاً ، ويقوم عليه متخصصون قادرون على رسم خطط متكاملة ، يراعون فيها التنسيق بين الخطط التربوية والاجتماعية والاقتصادية لتحقيق تطور تنموي أفضل  .

ومن الضروري بمكان التركيز على الهيئة التدريسية ، والتحكم في شروط انتقائها ، وإعدادها وتأهيليها لتطوير واقعها من الوجهتين الكمية والكيفية ؛ لما لها من دور كبير في تحقيق غايات الدراسات العليا ، وتحفيز البيئة التعليمية سواء بتنظيم المنهاج التعليمي وتحديد طرائقه وتوفير وسائله ، أو بالأساليب المستخدمة للتقويم والمتابعة والتعزيز التي تساعد على عقلانية القرارات وتحسين عوامل التعلم والبحث في هذه المرحلة  .

ومن الأهمية أيضاً الابتعاد ما أمكن عن الاستعانة بمشرفين من الدول الأجنبية ، لما قد يكون في ذلك آثار سلبية قد تسبب مشكلات تتصل بما يسمى (الصدمة الثقافية) ([22]).

ومن الضرورة كذلك أن يرافق التوسع الكمي للدراسات العليا تطور نوعي مماثل يمكنها من أخذ دورها الطليعي في عالم تتزايد فيه فروع التعليم وتطبيقاته ، على أن ينطلق التطور النوعي للدراسات العليا في تخطيطه وبرامجه وميزانيته من الفلسفة التربوية لهذه المرحلة ، ومن الأهداف والمرامي التي نسعى إلى تحقيقها من خلال الدراسات العليا ، استناداً إلى تحديد دقيق للحاجات والمشكلات الاجتماعية والاقتصادية ، الأمر الذي يحتم على السلطات الجامعية أن تقوم بوضع إطار محدد لفلسفة الدراسات العليا والأهداف التعليمية لها بما يحفظ لنا الهوية العربية الإسلامية ، ويمكننا من حل المشكلات القائمة ، والسعي إلى إحداث تغيير جوهري من خلال إعداد المرأة إعداداً متصلاً بالحياة والمجتمع من حولها وتأهيلها لأخذ دورها الفعال في التطوير والتنمية  .

وحرصاً على وضعية مركز الأستاذة الجامعية بوصفها مشرفة وباحثة ومربية، فلابد من استيعابها للتقنيات الحديثة وسيطرتها عليها ، وذلك بتدريبها على استخدامها في مجالات متنوعة من التدريس والبحث ، وبخاصة استخدامها للحاسب الآلي الذي يعينها في إعداد البحوث وتطوير المناهج والتقويم وسواها  .

وكذلك من المهم تركيز الجهود على انتقاء الأستاذات الجامعيات وتأهيلهن تربوياً ، وتطوير خبراتهن ليكنَّ أقدر على مواجهة التغيير واتخاذ القرار المناسب في الوقت المناسب ، كذلك تحديد مكونات إعداد الأستاذات المشرفات والنقاط التي تتناولها الرؤية الحديثة لعملية تأهيلهن ، ذلك أن الإشراف فن يكمن في اختيار المعلومات المفيدة من بين المواقف المعقدة ، وتوظيف المعطيات في مجالات جديدة ، ومن ثم فإن مشرفة المستقبل لابد لها من أن تمتلك فن التشخيص والمعالجة باستخدام خطة مدروسة لا تترك مجالاً للمصادفة ، ومهما كان التطوير الحاصل في الدراسات العليا من حيث أنواعها وأقسامها فسيبقى في إطار التنظيم وحده ، إن لم يترافق مع تغيير في صميم المناهج والمواقف التعليمية بما يتوافق والأهداف العملية والأخلاقية للدراسات العليا التي يمكن أن تخدم الحاضر والمستقبل وتلبي حاجات المجتمع السعودي ، وبذلك يمكن أن يكون للدراسات العليا أثر أكبر في الدينامكية الاقتصادية والنظام الإنتاجي في مجالاته الاقتصادية والاجتماعية والفكرية والثقافية  .

إن قدرة الدراسات العليا تكمن في مواجهة تحدي المستقبل في نطاق البحث والتكوين وتطوير المحتوى وتنويع الدراسات والمناهج ، ويبقى هذا كله في إطاره النظري ما لم نعتمد في تنفيذه على مايلي :

أ  تنمية قدرات الطالبات على تحليل المواقف الجديدة وإدراك قضاياها وإعداد أساليب الحل المناسبة لها ، بما يعدهن للنجاح والاكتشاف والتكييف مع عالم المستقبل المجهول  .

ب – الربط بين البحث وتطبيقاته ومتابعته ؛ فالتكنولوجيا في أبسط تعريفاتها إنما هي تصنيف عملي واقتصادي لنتائج البحث العلمي  .

جـ – فتح مجالات جديدة للتعلم والبحث أمام الطالبات تتجاوز الحدود التقليدية القائمة ، واعتماد السبل الكفيلة وتنظيم الجهود لتنمية العمل بروح الفريق الواحد ، والتدريب على التطبيقات العملية والممارسة الميدانية  .

د – توسيع الإمكانات الدراسية الحالية وتطويرها وإدخال الثقافات الجديدة ذات الفائدة وتوطينها وتكوين الأطر اللازمة لها  .

هـ – إدخال الحاسبات الآلية إلى الدراسات العليا وتمكين كل طالبة من استعمالها واتخاذ الحيطة من أن تظهر قضايا التعليم بمظهر ميكانيكي ، وهذا يتطلب قيام صناعة حاسبات عربية ، وتصميم نظم برامجية تلبي الحاجة ، وتساعد على استعمال اللغة العربية للحفاظ على الهوية الثقافية للأمة العربية والإسلامية  .

و – تطوير المقررات الدراسية المتعلقة بنظم المعلوماتية ، واتخاذ الإجراءات اللازمة التي تحفظ للتعليم تكامله ووظيفته  .

ز – إيجاد شبكة إنترنت على مستوى الكليات ومراكز البحوث المختلفة بها ، تقوم بتوفير جميع المعلومات والبيانات اللازمة بشأن الأبحاث المطلوبة والجاري تنفيذها ، وتستقي هذه الشبكة موضوعاتها من مصادر كثيرة منها:

ـــ الموضوعات والملخصات لأبحاث الماجستير والدكتوراه  .

ـــ الموضوعات والأبحــاث المقترحة والمطلوبة لمواجهة مشكلات القطاعات المختلفة  .

ـــ توفير المال اللازم ، فمسألة التمويل والقضايا المالية لها دور أساسي في الجامعات ومراكز البحث  .

ح – تعريب التعليم والبحث في الدراسات العليا : فاللغة وعاء التفكير وأداته ، ولابد للتعليم عامة من أن يرتبط باللغة العربية ، ذلك أن استعمال اللغة الأجنبية في التدريس وفي استخدام الأجهزة وفي النظم البرمجية اعتداء على الهوية الإسلامية وإفقار لها ، وخطر على تراثنا واستقلالنا أن تستخدم تقنيات وبرامج أجنبية معدة لعقلية غير عربية أو إسلامية ، ومن ثمَّ فلابد من توظيف البحوث الأساسية والتطبيقة لصالح تطويع التقنيات ، ووضع برامج عربية تعتمد على مصطلحات عربية واحدة  .

ط – تحقيق شمول أكبر في التقويم لمعرفة مردود الدراسات العليا ، فلا يكفي أن يقاس المردود بعدد الطالبات الإجمالي الذي يتخرج من الدراسات العليا ، ولايكفي قياس العائدات في مجالات العمل وحدها أو تطور معلومات الطالبة وقدرتها التنظيمية وإبداعها ، ذلك أن الدراسات العليا ليست نشاطاً عرضياً ، بل تقوم على أهداف وبرامج متكاملة وتقويمها يتطلب نظرة شمولية تتناول الجوانب التالي :

تقويم طالبة الدراسات العليا من حيث المهارات الجديدة التي تكونت لديها ، ونوع المعارف التي امتلكتها ، ومدى وضوح المفاهيم الأساسية لديها ، والقيم الصحيحة المناسبة لمجتمعنا الإسلامي التي تكونت عندها من حيث امتلاكها القدرة على البحث والخوض في غماره وتحمل مسؤوليتها في التعليم ذاتياً  .

تقويم الهيئة التدريسية والإدارية ومدى قدرتها على التخطيط للدراسات العليا، وهل نجحت في تحديد الأهداف وتحليل الوسائل والتخطيط والبرمجة وحساب التكاليف وتحديد الأولويات ؟ وهل وُفِّقَتْ في توجيه النشاطات وتحديد المعايير التي يقوم العمل بموجبها ؟ وهل استطاعت بما هي عليه من تركيب إداري تعلمي تهيئة الظروف المناسبة للبحث ؟ .

تقويم نظام الدراسات العليا برمته ومدى ملاءمته للحاجات المستقبلية ؟ وما جدوى البرنامج البحثي وما وصل إليه من تجديد وابتكار ؟ ، ومدى الربط بين الحاجة للقوى البشرية والخريجات ؟ ومدى كفايتهن للأعمال المتوافرة ؟ ومدى التعاون بين الدراسات العليا والمراكز والمؤسسات ذات العلاقة ؟ ومدى قدرة هذا النظام على تكوين القدرات الذاتية من عملية وتكنولوجية وإنتاجية ؟ .

حادي عشر : انفتاح التعليم العالي للبنات على المجتمع :

لقد شهدت وظائف التعليم العالي تحولاً بالغ الأهمية ، حيث انتقلت من الوظيفة ثنائية الأبعاد – متمثلة في التدريس والبحث العلمي – إلى محاولة تطبيق إنتاجها المعرفي وتوظيفه في خدمة المجتمع ، ومن ثم أصبح هدف خدمة المجتمع أحد محاور المنظومة الثلاثية التي ينبغي أن تضطلع بها مؤسسة التعليم العالي([23]).

والحق أن أهمية قيام عضوات هيئة التدريس بتجسيد العلاقة مع المجتمع وقطاعاته المختلفة لاتنبع فقط من مسؤولياتهن المهنية ، بل تستمد من الالتزام الإيماني الذي يربط العلم بالعمل ، ويجعل العالم في مكانة أفضل عند الله سبحانه وتعالى من العابد ؛ ففي حديث معاذ بن جبل t قال : قال رسول الله e : " فضل العالم على العابد كفضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب " .

وفي هذا الصدد ننادي بإنشاء مراكز لتسويق الخدمات الجامعية ، والتي تتكون أساساً من تخصصات مختلفة  .

هذه المراكز تستطيع أن تقوم بتسويق ثلاثة أنواع من الخدمات ؛ الخدمات النسائية المباشرة ، مثل الخدمات القانونية والمحاسبية والطبية ··· إلخ ، أو خدمات البحث العلمي، التي تستهدف مراكز الإنتاج النسائية ومواقعها لتطوير الإنتاج وحل مشاكله ، وخدمات التدريب التي تعد جزءاً أساسياً لمواكبة التغير الهائل المتوقع حدوثه([24]).

ثاني عشر : تبني مبدأ المحاسبية والترشيد الإداري :

لعل من أهم التجديدات التي استحدثت في التعليم بوجه عام ، والتعليم العالي بوجه خاص في الولايات المتحدة الأمريكية ، ومنه امتدت إلى الجامعات الأوروبية مبدأ المحاسبية وأساليب تحليل الكلفة والعائد بقصد رفع كفاءة التعليم العالي وتوجيهه بصورة أفضل ، بحيث يكون أكثر وفاءً بحاجات المجتمع وسد متطلبات الصرف على الجامعة دون هدر ، وقد نشأ مبدأ المحاسبية ونما مع تطور الإنفاق على التعليم العالي وزيادته زيادة كبيرة ، واعتماد التعليم الجامعي شبه المطلق على التمويل الذي يأتي من ميزانية الدولة ، ورغبة الدولة – وخاصة في ضوء ضغوط الإنفاق التي تواجهها – في التأكد من أن ما تصرفه على الجامعات يحقق العائد المرجوَّ منه .

وارتبط بمبدأ المحاسبية الدعوة إلى الترشيد ، وجعل الإدارة الجامعية أكثر كفاءة ؛ ذلك أن نمو ميزانيات الجامعات وتعقد عمليات الإنفاق على مختلف العمليات التعليمية والبحثية أدى إلى ضرورة الاستعانة بأساليب إدارية جديدة تعتمد على الترشيد والسرعة في المتابعة وقياس مدى تحقق الأهداف ، وتتفق في الوقت نفسه مع معالم الطفرة الإدارية في مختلف المجالات ، ومن ثم أدخلت في إدارة الجامعات بعض التقنيات الإدارية الجديدة لتحل محل النظم الإدارية العتيقة التي نشأت مع الجامعات منذ قرون عدة ، وظهرت هذه التقنيات الجديدة بصورة واضحة في استخدام الحاسبات الآلية في أمور تعليمية وإدارية كتسجيل نتائج الامتحانات ورصدها ، وإعداد الميزانيات والتخطيط لها والموازنة التي استهدفت جعل جميع الوحدات الإدارية بالجامعة خاضعة لنظام المحاسبة على الصرف ، والتأكد من أن الموارد بالنسبة لكل برنامج قد صُرفَتْ وفقَ أولوياتها ، وضمن نطاق الأهداف التي حُدِّدتْ لها([25]).

 

الهوامــــش


 



([1]) عبدالله بن فرحان المدهري : الطلاب المتوقع التحاقهم بالتعليم الجامعي خلال خمسة عشر عاماً في ضوء الإمكانات المتاحة ، ندوة التعليم العالي في المملكة العربية السعودية ، المنعقدة في الفترة من 25 – 28/10/1418هـ الموافق 22–25/2/1998م ، ص 365 – 366

([2]) عبدالعزيز بن عبدالوهاب البابطين : أسس تقويم البرامج الأكاديمية في التعليم العالي ، ندوة التعليم العالي في المملكة العربية السعودية ، المنعقدة في الفترة من 25 – 28/10/1418هـ الموافق 22–25/2/1998م ، ص 643  .

([3]) اعتمدنا في ذلك على :علي بن عبدالعزيز العمرو ، تجربة تعليم البنات في المملكة ، مجلة تعليم البنات ، العدد الثاني ، 1418هـ ، ص : 16  .

([4]) حسين كمال بهاء الدين ، التعليم والمستقبل ، ص  36  ، القاهرة ، دار المعارف ، 1417هـ /1997م .

([5]) نقلاً عن خالد العنقري ، رؤية مستقبلية للتربية والتعليم في المملكة العربية السعودية ، محاضرة ملقاة ضمن النشاط الثقافي لمهرجان الجنادرية الثالث عشر ، 1418هـ  .

([6]) محمد أحمد الرشيد ، التعليم وسوق العمل ، ص25 ، دراسة مقدمة إلى ندوة التعليم العالي في المملكة العربية السعودية ، المنعقدة في الفترة من 25 – 28/10/1418هـ الموافق 22–25/2/1998م ، أبحاث وأوراق عمل الندوة ، المجلد الأول .

([7]) حسين كمال بهاء الدين ، مرجع سابق ، ص  37  .

([8]) حسين كمال بهاء الدين ، مرجع سابق ، ص  43  .

([9]) صالحة سنقر : الدراسات العليا في الجامعات العربي حتى عام 2000م ، مجلة اتحاد الجامعات العربية ، ص  203  ، عدد متخصص عن التعليم العالي في الوطن العربي ، ذو القعدة 1408هـ / تموز 1988م .

([10]) المملكة العربية السعودية ، وزارة التعليم العالي ، وكالة الوزارة للشؤون التعليمية ، ورقة عمل عن وضع القبول في جامعات المملكة ، جمادى الآخرة ، 1419هـ  .

([11]) انظر على سبيل المثال :

عمر عبدالله كامل ، تخطيط إلى  ندوة التعليم العالي في المملكة العربية السعودية ، المنعقدة في الفترة من 25 – 28/10/1418هـ الموافق 22–25/2/1998م، أبحاث وأوراق عمل الندوة  1/35–63 .

سالم بن سعيد القحطاني، مدى ملاءمة مخرجات التعليم العالي لمتطلبات سوق العمل في المملكة العربية السعودية ، ندوة التعليم العالي في المملكة العربية السعودية ، المنعقدة في الفترة من 25 – 28/10/1418هـ الموافق 22–25/2/1998م، 1/145–184 .

مريم عبدالله سرور الصبان : التعليم العالي وعلاقته بسوق عمل المرأة في مدينة مكة المكرمة نموذجاً عن المملكة العربية السعودية ، دراسة مقدمة إلى ندوة التعليم العالي في المملكة العربية السعودية ، المنعقدة في الفترة من 25 – 28/10/1418هـ الموافق 22–25/2/1998م، 4/931–955 .

(24) حسين كامل بهاء الدين : مرجع سابق ، ص 154 – 155  .

(25) محمد سيف الديني فهمي : اتجاهات التغيير والتطوير في التعليم الجامعي وموقف جامعات دول الخليج العربي منها ، التربية المعاصرة ، العدد 12 رجب 1409هـ / مارس 1989م ص: 197  .

([12]) محمد نبيل نوفل : رؤى المستقبل ، المجتمع والتعليم في القرن الواحد والعشرين ، المنظور العالمي والمنظور العربي ، المجلة العربية للتربية ، المجلد السابع عشر ، العدد الأول ، صفر 8141هـ / يونيو 7991م ، ص 179 – 180  .

([13]) أحمد محمد العيسى : التعليم وآفاق المستقبل ، دراسة مقدمة إلى  ندوة التعليم العالي في المملكة العربية السعودية ، المنعقدة في الفترة من 25 – 28/10/1418هـ الموافق 22–25/2/1998م، ص  776 – 777  .

([14]) أحمد التويجري : جامعة البنات مطلب تنموي ودليل متميز ، جريدة الرياض ، العدد 10615 ، السنة الرابعة والثلاثون ، الخميس 13 ربيع الأول 1418هـ ، الموافق 17/7/1997م ، ص : 16 .

([15]) انظر أيضاً :

  فيليب ح ألتباك ، أساليب تطوير التعليم العالي ، أفق العالم 2000 ، مستقبليات ، المجلد 21  1411هـ / 1991م ، ص 221 – 239  .

([16]) للاطلاع على دراسات مفصلة عن موضوع القبول في التعليم العالي ، انظر مثلاً :

محمود محمد عبدالله كسناوي : استراتيجية قبول طلاب المرحلة الثانوية في مؤسسات التعليم العالي في ضوء خطط التنمية ( الواقع والمستقبل ) ، دراسة مقدمة إلى  ندوة التعليم العالي في المملكة العربية السعودية ، المنعقدة في الفترة من 25 – 28/10/1418هـ الموافق 22–25/2/1998م  ، أبحاث وأوراق عمل الندوة ، 1/313–349 .

عبدالرحمن بن عبدالعزيز المرشد : معايير قبول طلاب الثانوية في الجامعات ، دراسة مقدمة إلى  ندوة التعليم العالي في المملكة العربية السعودية ، المنعقدة في الفترة من 25 – 28/10/1418هـ الموافق 22–25/2/1998م،  أبحاث وأوراق عمل الندوة ، 1/349–360  .

([17]) لمزيد من التفاصيل عن الأنماط الجديدة في الوطن العربي ، انظر مثلاً :

  – داخل حسن جربو : التعليم العالي في الوطن العربي ، نظرة مستقبلية، مجلة اتحاد الجامعات العربية ، العدد 23 ، جمادى الآخرة ، 1408هـ/ يناير 1988م ،ص 146 – 147  .

([18]) محمد محمد السكران ، دور التعليم العالي في تنمية المجتمعات العربية على ضوء التجربة اليابانية ، المؤتمر التربوي الأول ، اتجاهات التربية وتحديات المستقبل ، مسقط ،في الفترة من 10/1418هـ / 7–10/1997م ، ص 64–74 بتصرف .

([19]) محمد محمد السكران ، المرجع السابق ، ص  49  .

([20]) محمد محمد السكران ، المرجع السابق ، ص  50  .

([21]) علي مدكور : التعليم العربي في عصر العولمة والكوكبة ، المؤتمر التربوي الأول ، اتجاهات التربية وتحديات المستقبل ، مسقط في الفترة من 7 – 10 / 1418هـ ، الموافق 7 – 10 1997م ، ص 47 – 48 بتصرف .

([22]) الأفكار الواردة عن الدراسات العليا هنا ، مأخوذة بتصرف عن :

  صالحة سنقر ، مرجع سابق ، ص 215 – 225  .

([23]) بتصرف عن :

  – عبدالرحمن عدس : الجامعة والبحث العلمي ، دراسة في الواقع والتوجهات المستقبلية ، بحث مقدم إلى المؤتمر السادس ، التعليم الجامعي سنة 2000م ، المنعقد في جامعة صنعاء في الفترة من 28/1 – 6/7/1408هـ الموافق 16 – 18/2/1988م ، ص  352  .

([24]) حسين كامل بهاء الدين ، مرجع سابق ، ص 154 – 155  .

([25]) محمد سيف الديني فهمي : اتجاهات التغيير والتطوير في التعليم الجامعي وموقف جامعات دول الخليج العربي منها ، التربية المعاصرة ، العدد 12 رجب 1409هـ / مارس 1989م  ص 197 .