مقدمـــة:

إن العلاقة الحتمية بين الإنسان والكون على مر الأزمنة والعصور الماضية والحاضرة والمستقبلية تبرز ما للتربية بمختلف أهدافها ومضامينها ووسائلها وأدواتها ومستوياتها المتدرجة من المستوى البدائي اليسير إلى المتطور المعقد، من أثر حيوي في تمكين الإنسان فرداً أو جماعة أو مجتمعاً من تحقيق إرادة الله عز وجل في استخلافه لعباده حتى يرث الله الأرض ومن عليها .

ولقد ركب الله بني البشر في صور متعددة، وفطرهم وكرمهم على سائر خلقه، وسخر لهم مخلوقاته، ثم أتم نعمته عليهم فأرسل إليهم رسلاً منهم ، تحمل لهم التربية الربانية التي تضئ لهم أمور دينهم ودنياهم ، بعد أن هيأ لهم من الأسباب والقدرات ما يمكنهم استيعاب " التربية البشرية " للاسترشاد بها في كشف قوانين الكون ، وسننه وأسرار الحياة ومظاهرها بالقدر الذي قدره الله ، وفي الزمان والمكان المسطر في اللوح المحفوظ .

لقد استهل الإسلام دعوته بالأمر الصريح بالقراءة؛ لأنها مفتاح باب العلم والتعلم، وجعل من العلم فريضة على المسلم ذكراً كان أم أنثى، وحض على الاستزادة منه، ورفع شأن علمائه، وخص من سلك طريقه ، وأوجب إعمال العقل والتفكير والتدبر في شتى حقول المعرفة ليشمل جميع العلوم الكونية والإنسانية،  كما أن الإسلام يقرر مصادر العلم والمعرفة بأنها إما أن تكون مصدراً إلهيّا يمدنا بما أنزل الله عن طريق الوحي، وإما بشرياًّ سخره الله لنا عن طريق التجربة والبحث في أسرار الكون أو النفس.، ومن هنا فإن قضية الإنسان المؤمن أو المجتمع المؤمن ذات شقين، أولهما: إيماني وآخرها: علمي، فالإنسان المؤمن أو المجتمع المؤمن مكلف بالعلم بأمور الحياة الدينية والدنيوية التي تحقق الرخاء والتقدم والسعادة في الدنيا، وتؤدي إلى الإيمان بالله وفلاح الآخرة.

 

وهكذا فإن التربية الإسلامية يمكن وصفها بأنها شمولية متكاملة تجمع بين ، التربية الربانية ، والتربية البشرية ، وتركز على العقيدة، وتهدف إلى الإيمان، وتعتمد على العلم بأمور الحياة الدينية كفهم أحكام القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة ، والتفقه في علوم الدين، وتدعو إلى العلم بأمور الحياة الدنيوية النافعة التي تتلاءم مع الفطرة والعقلانية السليمة، ولا تتعارض مع تعاليم الإسلام وتشريعه في مختلف مجالات الدراسات العلمية والإنسانية والاجتماعية.

وإذا أريد لأمة الإسلام بمختلف مجتمعاتها أن تستعيد مكانتها بين الأمم لتكون خير أمة أخرجت للناس فلا ينبغي لها العودة إلى الوراء أو الارتماء في أحضان الهيمنة العالمية لنموذج الحضارة الغربية ، بل لابد لها من منطلق أن الدين الإسلامي صالح لكل زمان ومكان أن تنفرد بنماذج تنموية معاصرة،تحافظ على مضامين عقيدتها وثوابتها ، وتستجلي المغازي ، وتستلهم الدروس والعبر من ماضي الحضارة الإسلامية ، ثم في الوقت نفسه تتفاعل مع معطيات الحاضر وتحديات المستقبل بعقلية واعية متجددة قابلة للأخذ والعطاء قادرة على التأثير المتبادل فيما بينها وبين سائر الأمم .

إن المقولة التي تؤكد بأن "وراء كل أمة عظيمة تربية عظيمة" تدل دلالة واضحة على أثر التربية في بناء الإنسان وتقدم الأمم.  ولقد برهنت التربية الإسلامية على عظمتها عندما قدمت للعالم نموذجا  لحضارة إنسانية متوازنة جمعت بين العقل والقلب، وأدت إلى ترابط وثيق للفكر الإسلامي حال دون التفرقة بين المادة والروح ، أو بين العلم والدين كما هو الحال في حضارة العصر الحديث التي تعاني من حالة عدم التوازن بين الجانب المادي ممثلا  في اختراعاته واستكشافاته وتقدمه العلمي والتقني الهائل والجانب الروحي ممثلا  في حفاظه على العقائد والقيم والأخلاقيات التي تحفظ على الإنسان كرامته وتصون الأمم والشعوب من الانحطاط والانحلال .

ولسنا بصدد التصدي للأسباب الكامنة وراء أفول حضارة الإسلام، والعوامل التي أدت إلى انحطاط المسلمين ، وتشرذمهم إلى دويلات متفرقة تفتقر بشكل كبير إلى الاعتصام بحبل الله ، فتلك مسألة شائكة ومعقدة فضلاً عن أنها لا تقع في جوهر غاية هذه الدراسة وأهدافها ، ويكفينا القول بأن الجمود والاعتلال الذي أصاب المسلمين إبان عصور الضعف ومراحل الاضمحلال وأعاقهم عن الأعمال التام لمبادئ التربية الإسلامية بشقيها : المادي العلمي والروحي الإيماني، يعد من أبرز العوامل التي ساعدت على بروز مظاهر ثالوث التخلف في جسد الأمة الإسلامية وهي الجهل والفقر والمرض .

ولقد قيَّضَ الله للملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود أن يرسي دعائم أعظم وحدة عربية إسلامية عرفها التاريخ المعاصر، ويعد المؤرخـــون استعادة المليك المؤسس – طيب الله ثراه – مجد آبائه باستعادة الرياض في عام 1319هـ بداية للدور الثالث من حكم آل سعود الذي شهد ميلاد المملكة العربية السعودية ، ولم يكد الملك عبدالعزيز يستكمل توحيد أجزاء البلاد ويعلن قيام الدولة في عام 1351هـ تحت راية التوحيد الخالدة ( لا إله إلا الله محمد رسول الله ) حتى انبرى يوطد دعائم الأمن والاستقرار، ويعمل على إعداد مجتمع قادر على البناء والعطاء إيذاناً  بتأسيس دولة عصرية ، تأخذ بأسباب الرقي والتقدم ، مع المحافظة على تعاليم العقيدة الإسلامية الغراء.

وحظــي العلم والتعليم بأولوية خاصة من لدن المليك الموحد، فبدأ يبث أهمية التفقـــه في أمــور الدين ، واستقامة العقيدة التي تصلح بصلاحها حياة الإنسان ، والأخذ بأسباب العلم والتقدم فيما لايخالف شرع الله ، بدأ ذلك بنفسه حيث أوجد في مجالســـه العامة والخاصة ساحة لاستيعاب العلماء والفقهاء ، وقربهم إليه وفضلهم على غيرهم، بما أوتوا من درجات العلم والتقوى، ثم ما لبث أن وجه "المطاوعة" من المشتغلين بأمور القضاء والإمامة في " الهجر " أن يبصروا المواطنين بدينهم ويحثوهم على العلم وفضلــه.

وعند دخول الملك عبدالعزيز الحجاز عام 1344هـ بدأت تباشير المرحلة الفعلية لبناء الدولة ، ولحرص المليك المؤسس على التربية والتعليم وإدراكه لخطورتهما وحيويتهما، أمر بتأسيس مديرية المعارف في عام 1344هـ قبل صدور التعليمات الأساسية للدولة التي اعتمدت عام 1345هـ ، ثم أشرف بنفسه بعد ذلك على تجربة تعليمية ثرية وضعت جذور وأوليات النظام التعليمي الحديث في المملكة العربية السعودية .

ولقد شاءت إرادة الله رب العزة والجلال أن يكون الفهد المفدى أول وزير للمعارف في عام 1373هـ، حيث قاد مسيرة التعليم بكل تفانٍ وإخلاص، فوضع الخطط والتنظيمات والسياسات التي أسهمت في بناء النهضة التعليمية الحديثة بجانبها العددي والتوعي ونجم عنها اتساع القطاع التعليمي ونموه بشكل أفقي ورأسي .

إن هذا الدعم السخي لقطاع التربية والتعليم من قبل الدولة ينطلق من قناعة تامة وإدراك عميق لمكانة العلم والتعليم ومنزلته الرفيعة في الإسلام، ولكونه المصدر الرئيس لبناء الإنسان المواطن، والاستثمار الحقيقي والثروة الوطنية التي يعتمد عليها بعد الله في بناء الوطن ومسيرته نحو التقدم والنماء .

لاغرو إذن أن يحتل قطـــاع التعليم مركز الصدارة بين سائر قطاعات التنمية في المملكــــة ،  فالتعليم صناعة يبلغ حجم الاستثمار الحكومي فيها للعام 1418/1419هـ (45.595) بليون ريال ، تمثل قرابـــة (23.3%) من الميزانية العامة للدولة ، ويعمل بها نحو (350) ألف من شاغلي وشاغلات الوظائـــــف التعليمية والإدارية ، ويلتحق بها قرابة (4.5) مليون طالب وطالبة في مختلف مراحل التعليم وأنواعه ومستوياته .

وعلى الرغم من الجهود المستمرة في تطوير التعليم وتحديثه والتخطيط لمواءمته لمتطلبات التنمية واحتياجاتها، إلا أن الطلب الاجتماعي المتزايد على الخدمات التربوية من قبل الأهالي والمواطنين والتغيرات التنموية المتسارعة التي تعيشها البلاد في مختلف المجالات الاقتصادية والاجتماعية، إضافة إلى المستجدات المتلاحقة على الساحة الدولية والاكتشافات العلمية وتطبيقاتها التقنية المذهلة ، كل ذلك يستوجب الدراسة والتأمل والمراجعة والتقويم لنظام التعليم وبذل المحاولات العديدة في التعرف على واقعه ، وتحليل أهم ملامحه ومؤشراته ، ورصد توجهاته ، واستشراف مستقبله ، والعمل على اقتراح البدائل والمشاهد المحتملة بما يسهم في وضع الخطط الاستراتيجية الهادفة إلى تمكين قطاع التعليم من تحقيق غاياته ، والاضطلاع بمسؤولياته تجاه الإعداد والتأهيل للفرد السعودي القادر على مواجهة تحديات القرن القادم الذي سيحتدم فيه حدة التنافس على مستوى الأفراد والمؤسسات والمجتمعات، وسيطغى عليه شعار البقاء للأصلح.

وهذه الدراسة هي محاولة تهدف إلى إلقاء الضوء على أهم ملامح التطور والمؤشرات الحالية والمستقبلية لعناصر العلمية التعليمية، ومن ثم استشراف بعض المشاهد المتوقعة لنظام التعليم في المملكة العربية السعودية بغية التعريف بالتحديات المقبلة، والعمل على مواجهتها عن طريق الاختيار الواعي لأكثر المشاهد مردوداً وملائمة للمجتمع السعودي .

وسيتم تقسيم الدراسة إلى ثلاثة محاور رئيسة وذلك على النحو التالي :

1-         المحور الأول : يناقش أثر التربية والتعليم في صياغة المستقبل .

2-         المحور الثاني : يناقش الدراسات المستقبلية وأهميتها في صناعة التعليم.

3- المحور الثالث : يلقي الضوء على أبعاد التجربة التعليمية في المملكة العربية السعودية ، مشيرا  إلى خلفيتها التاريخية ، موضحاً لأهم مؤشرات التقدم والواقع الحالي، مستعرضا  أهم مؤشرات المستقبل والمشاهد المحتملة لهذه التجربة .

 

أولا –  أثر التربية والتعليم في صياغة المستقبل :

لعل أقصر الطرق لإيضاح أثر التربية والتعليم في صياغة المستقبل، هو الاستدلال بأثرها في منجزات الماضي أو الحاضر، فعلى مر العصور والأزمنة نلحظ أن للتعليم والتربية باختلاف وسائلها وطرائقها أثراً  حاسماً في التغيرات التي طرأت على سطح هذه المعمورة ، وعنصراً أساسياًّ في بناء الحضارات البائدة التي لازلنا نقف أمام بعض من آثارها ، والحضارات السائدة التي نعيش تطوراتها، وتكتسب التربية أهميتها لارتباطها بالإنسان الذي استخلفه الله في الأرض، ليصبح منتجاً لها ومستفيداً منها منذ بدء الخليقة حينما اعتمد الإنسان البدائي على تربية التعليم عن طريق "المحاولة" والخطأ" و"المحاكاة والتقليد" إلى عصرنا الحاضر الذي تعقدت فيه وسائل التربية والتعليم وشهد بناء المؤسسات التربوية المتخصصة .

وخلال العقود الماضية تعاظم أثر التربية والتعليم؛ لكونه عاملاً حاسماً في تقدم المجتمعات والدول ، وعنصراً أساسياً في نجاح خطط التنمية الاقتصادية والاجتماعية ، "إذ إن التعليم يجعل الأفراد والجماعات أقدر على تسخير محيطهم والمشاركة الفعالة في المجتمع ومواجهة التحديات وإيجاد حلول جديدة ".([1])

ولقد أدرك المعنيون بأمور التنمية الاقتصادية بأن النماء الاقتصادي مرهون بتقدم القدرات البشرية وتوظيفها على النحو الأمثل الذي يؤدي إلى تعظيم الإنتاج ، لذلك فإن إعداد العنصر البشري إعداداً يتواءم مع احتياجات التنمية ومتطلباتها من الفنيين والعلماء والمبدعين وأرباب البحث العلمي يعد الركيزة الأساس لبناء اقتصاد متقدم قادر على الإنتاج. ([2])

أما المعنيون بأمور التنمية الاجتماعية فيرون في التربية والتعليم أداة فعالة لتحقيق التماسك الاجتماعي بين أفراد المجتمع، وبث روح الولاء والانتماء لأوطانهم ، والعمل على إذابة الفوارق المجتمعية من خلال إتاحة فرص التدرج والرقي الاجتماعي ، ومن هنا فإن إتاحة الفرص التعليمية لكل مواطن تعني الإعداد والتعبئة للمجتمع بأكمله لكي يتحمل مسؤولياته الفردية والمجتمعية بما يضمن له العيش الكريم، وبما يسهم في الارتقاء ببلاده لمدارج النماء والتقدم .

إن المستقبل كما بدأت تتضح أهم ملامحه، يتصف بالعولمة والتقانة العالية والانفتاح الإعلامي والانفجار المعرفي والمعلوماتي والتكتلات الاقتصادية والأحادية السياسية والهيمنة الثقافية ، فالعولمة التي بدأت بتحرير التجارة ، وإلغاء الحواجز والقيود أمام السلع والخدمات الاقتصادية تمهيداً لإيجاد سوق عالمية، تخترق فيها المنافسة حدود الدول، قد تجاوزت هذا المفهوم الضيق إلى عولمة شاملة لكل مجالات الحياة الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والسياسية على حد سواء، ولقد صاحبت العولمة تزايد وتيرة التقدم العلمي والتقني بمعدلات عالية حتى إن " ما أنتج من المعلومات الجديدة خلال العقود الثلاثة الماضية أكثر مما أنتج خلال القرون الخمسة الماضية "،([3]) وتلك معادلة تجعل من كل عقد من الزمان مع الإدراك التام لتفاوت العقود نفسها يفوق قرنا ونصف، ويجعل التنبؤ بما سيكون عليه وضع العالم بنهاية القرن الواحد والعشرين مسألة بالغة الصعوبة والتعقيد حتى على المتمرسين في مجال الخيال العلمي الذين يوقنون بأن صحة توقع المستقبل البعيد لا ترتبط بالضرورة باستشراف الممكن، وإنما بالتحليق صوب المستحيل.

ولقد أفرزت التغيرات على الساحة الدولية التي انحسر فيها المد الشيوعي بانهيار الاتحاد السوفيتي، وظهور الفكر الرأسمالي قوة أيدلوجية وسياسية ضاربة تقودها الولايات المتحدة الأمريكية فيما أطلق عليه بالنظام العالمي الموحد أو على وجه التحديد أحادي القوة والنفوذ، مستغلاًّ وسائل التفوق التي يمتلكها في المجال العسكري والاقتصادي والمعلوماتي والإعلامي في محاولة لفرض الهيمنة الفكرية والثقافية الغربية على جميع الشعوب والأمم، وليس في معظم الأحيان بقوة السلاح أو التهديد أو الضغط السياسي والاقتصادي وإنما  عن طريق التأثير النفسي على الأفراد والحكومات من خلال التوظيف المكثف لوسائل وفنون الاتصال والإعلان والدعاية التي تخاطب المشاعر والأحاسيس والقلوب قبل العقول وتعمل على تهيئة المتلقي – دون التقيد بالزمان والمكان – على تقبل النموذج الحضاري الغربي بشقيه الاستهلاكي المادي والفكري الثقافي على أنه الأصل، والأكثر مناسبة للحياة العصرية. ([4])

وإذا كانت نظرية رأس المال البشري قد أبرزت العامل الإنساني كأحد العوامل الرئيسة للإنتاج بما اصطلح عليه بالعامل المتبقي"Residual Factor" خلال هذا القرن فإن " في القرن الحادي والعشرين ستصبح مهارات قوة العمل والتعليم هما السلاح التنافسي الأول ولن تعتمد الميزة التنافسية على ثروات الموارد الطبيعية، إذ يعتقد بوجه عام إن الصناعات الرئيسة السبع للعقود القادمة هي : الإلكترونيات الدقيقة، التكنولوجيا الحيوية، وصناعات المواد الجديدة ، والطيران المدني، والاتصالات، وأجهزة الروبوت المزودة بآلات القطع والتشكيل ، والحاسبات الآلية زائداً البرامج، وهذه كلها صناعات المقدرة العقلية ، وأي منها يمكن توظيفه في أي مكان على وجه الأرض ، والموقع الذي ستقام فيه يتوقف على من يستطيع تنظيم المقدرة العقلية من أجل السيطرة عليها ففي القرن القادم ستكون الميزة التنافسية من صنع الإنسان".([5])

إن أهمية التربية والتعليم في صياغة المستقبل تبدو واضحة جلية، إذا ما علمنا بأن العنصر البشري هو الثروة الحقيقية التي تعقد عليها الأمة آمالها – بعد الله – إلى غد أفضل.

ثانيا  – الدراسات المستقبلية وأهميتها في صناعة التعليم :

تحاول الدراسات الاستشرافية رسم تصور مستقبلي، يتضمن مجموعة من البدائل أو المشاهد المحتملة في ضوء معطيات الحاضر وأحداث الماضي من أجل التوعية بالتحديات القادمة، والعمل على التعبئة والإعداد لمواجهتها عن طريق الاختيار الواعي الذي يحقق المستقبل الأفضل للمجتمع بأقل التكاليف الاقتصادية والمجتمعية .

فدراسة المستقبل ليست رجماً بالغيب أو ادعاءً بالتنبؤ، لأنها تقوم في الأساس على منطق الاحتمالات وأسلوب البدائل، وبذلك تنفي عنها صفة المعرفة الحتمية المطلقة؛ لذا فإن استشراف المستقبل " ليس تجاوزاً لقدرات الإنسان أو اعتداءً على حرمات الدين، بل نحن مأمورون بالعمل من أجل المستقبل الذي لا نتبينه ونظنه بعيداً عنا ، ذلك هو اليوم الآخر ، وهذا بالقياس والاستنتاج يقودنا إلى ضرورة العمل من أجل المستقبل القريب الذي نتبين ملامحه ".([6])

ولقد تطورت الدراسات الاستشرافية وتعددت مناهجها وأساليبها خلال العقود الثلاثة الماضية وتبلورت فيما أطلق عليه بعلم المستقبل أو الاستشراف،  وهذا العلم الجديد كما يحلو لبعضهم تسميته " ينهل من التطورات في مجمل النظريات بالعلوم الإنسانية والديموغرافية والبيئية ، ومن مجمل النماذج والأساليب الكمية والكيفية والخليطة وعلوم المعلوماتية ".([7])

ويعتمد المفهوم الشامل للدراسات الاستشرافية على أساليب مناهج متنوعة تجمع بين الحدسية والأيكونمترية والاستكشافية والاستهدافية وتمزج ما بين اتباع الأساليب العلمية والركون إلى عامل الخبرة والتجربة والبداهة. ([8])

وتعني الدراسات الاستشرافية برصد التغيرات الاجتماعية والاقتصادية والثقافية والعلمية والسياسية والسكانية والتعليمية ، وتحليلها ، ومتابعة اتجاهاتها ، ووضع المعايير والمؤشرات الكمية والكيفية التي تسهل عملية قياسها وتقويمها، واستعمال الأساليب العلمية الإحصائية وأساليب النمذجة والمحاكاة للتعرف على العلاقات والتأثيرات المتبادلة فيما بينها من أجل الوصول إلى مجموعة من البدائل والمشاهد التي تحاول من خلالها تحديد ملامح المستقبل والتوعية والتبصير بأهم قضاياه وتحدياته .

وتنطلق الدراسات الاستشرافية من أربع فرضيات أساسية: ([9])

1- إن المستقبل يتشكل في إطار العلاقة بين منظومة من المتغيرات التاريخية والحقائق الطبيعية لمعطيات الحاضر من جهة ، وبعض المؤثرات غير المتوقعة من جهة ثانية واختيارات البشر Human  Choice  من جهة ثالثة، وأن العلاقة بين هذه الجوانب الثلاثة تختلف تبعا  للاستعداد والعمل المبكر في استشراف المستقبل وطبيعة الاختيارات التي تمت من قبل المجتمع.

2- يوجد في أي فترة زمنية مدى واسع من البدائل المستقبلية التي يمكن أن تتحقق، وفي هذا الإطار فإن المتغيرات التاريخية والحقائق الطبيعية تحدد مدى المستقبل ، 

لكن المؤثرات غير المتوقعة والاختيار الإنساني لمسارات المستقبل هما اللذان يحددان الشكل النهائي للمستقبل.

3-   أن الاختيار الواعي لا يتم إلا من خلال التعرف على جميع البدائل المحتملة والنتائج الممكنة من اختيار كل بديل .

4- إن الغرض من الدراسات الاستشرافية ليس التنبؤ بالمستقبل، ولكن لتبصيرنا بجملة البدائل المتوقعة التي تعين على الاختيار البشري الواعي لمستقبل أفضل .

وغالباً ما يتضمن منهج البدائل الاستشرافية ثلاث مراحل أساسية، تتداخل فيما بينها، ويمكن تقسيمها لغرض الدراسة على النحو التالي. ([10])

1-رصد الاتجاهات والمؤشرات :

وتعني هذه المرحلة بفحص الاتجاهات الحاضرة والماضية التي قد توضح لنا بعض الأدلة المستقبلية عن عناصر الظاهرة أو المجال محل الدراسة،  والاتجاهات والمؤشرات بشكل مبسط هي عبارة عن نزعة مستمرة أو مثال من السلوك الذي تتم ملاحظته من أجل القياس والتقويم – على مدى فترة معينة من الزمن،  وعلى الرغم أن المؤشرات والاتجاهات الرقمية أو الكمية يسهل التعامل مع عناصرها، وبالتالي تحليلها إلا أن الاتجاهات غير الكمية لها دلالتها ومغزاها الاستشرافي،  وعند تحديدنا لهذه المؤشرات والاتجاهات يتطلب منا الأمر التعمق في تحليلها من خلال إثارة مجموعة من التساؤلات التي تعنى بالأسباب الكامنة وراء تطور الاتجاهات والمؤشرات سلباً أو إيجاباً ، ومدى ثباتها واستمراريتها أو تذبذبها ، وانعكاس ذلك على التحليل المستقبلي لها ، وكيف يمكن التدخل لتغيير أداء هذه المؤشرات أو الإبقاء على استمراريتها ؟ وهل هناك بعض المحددات التي تؤثر في مسار النزعة الاستمرارية لهذه المؤشرات والاتجاهات أو هل يوجد تعارض بين مؤشرات عناصر الظاهرة أو بعضها ؟ وأخيراً: ما أبعاد السلبيات والإيجابيات الناجمة عن استمرارية هذه المؤشرات أو الاتجاهات على المجتمع بمختلف قطاعاته الحكومية والأهلية ؟ وكيف يمكن تفاديها أو تعزيزها؟ وما الوقت المتوقع لاستفحال الظاهرة سلباً أو نضوجها إيجاباً؟ وفي حالة عدم الرغبة في استمرارية اتجاهات عناصر هذه الظاهرة أو بعضها فما البديل أو البدائل المناسبة ؟ .

2-التوقع المستقبلي :

وهذه المرحلة تتسم بالانطلاق من رصد هذه المؤشرات وإيجاد العلاقات الثنائية أو المتعددة فيما بينها، وربطها بالمتغيرات والتحديات المحيطة بها، إلى الخروج ببعض التوقعات المستقبلية المبنية على الخلفية العلمية والخبرة المتميزة،  وفي هذه المرحلة فلا مناص من الاعتماد على الخبراء (experts) والمتخصصين وتنظيم آرائهم وتوقعاتهم بأسلوب علمي منظم من خلال الأسلوب الاستشاري المباشر وغير المباشر، ومن ثم العمل على تنظيم هذه الآراء والتصورات وتطويرها خلال جولات متعددة لنصل في نهاية المطاف إلى مجموعة أو مجموعات من التوقعات المستقبلية، ولابد  من اختلافها وتعددها، لأن الهدف كما سبق أن أسلفنا ليس التنبؤ بالضبط لما سوف يحدث في المستقبل، وإنما التعرف إلى ما قد يحدث أو ما هو متوقع الحدوث .

 

3-البدائل المستقبلية :

ويمثل الوصول إلى البدائل المستقبلية غاية الدراسات الاستشرافية حيث ينتهي الأمر بتجميع نتائج المؤشرات والتوقعات المستقبلية وتحليلها وفحصها وتمحيصها من أجل الوصول إلى عدد من البدائل أو المشاهد المستقبلية، وعادة ما يتم رسم المشاهد المستقبلية والبدائل المستقبلية، بصورة عكسية بشكل يبدأ من النقطة التي سيكون عليها المستقبل في نقطة معينة من الزمن ، ثم تبدأ الأحداث بالرجوع إلى الوراء حيث بداية الفترة الزمنية للتوقع.

وعموما  فإن الدراسات الاستشرافية عبارة عن جهد علمي منظم تتسع مجالاته مختلف التخصصات والخلفيات العلمية، ومن هذا المنطلق فإن الجهود الجماعية للخبراء المزودين بمختلف الأساليب والتقنيات العلمية والمعلوماتية المتقدمة هي السبيل الأفضل للخروج بالدراسات الاستشرافية بشكل أكثر دقة ومصداقية.

وإذا كانت جميع الدلالات والاستنباطات المبنية على الدراسات الاستشرافية، تؤكد بأن صناعة المستقبل تكمن في بناء إنسان الغد، وتطوير مهاراته وقدراته لمواجهة تحديات القرن الواحد والعشرين ، فإن مجال التربية والتعليم بالمفهوم الشامل هو الأساس لصناعة الإنسان وتنميته عقدياًّ وعاطفياًّ وفكرياًّ وجسدياًّ واجتماعياًّ، ومهنيا أو بعبارة مختصرة البناء التكاملي للإنسان بمختلف أبعاده (Whole person development)

إن استشراف التربية والتخطيط لمستقبلها لا يقتصر تبريره على بناء الفرد الإنسان، وإنما يتجاوز ذلك ليشمل مبررات أخرى تتناول جميع الجوانب الاقتصادية والسياسية والثقافية والاجتماعية والعلمية والتقنية والإعلامية والمعلوماتية لتنمية المجتمع،  ومع ذلك يظل الإنسان وتهيئته لخوض معركة المستقبل يمثل جوهر الدراسات الاستشرافية بغض النظر عن مجالاتها المتعددة، فالعامل الإنساني أو البعد الإنساني يمثل أداة التنمية وغايتها في جميع الأحوال والحالات.

وتتجلى أهمية إخضاع صناعة التعليم للتخطيط العلمي المدروس والدراسات الاستشرافية لخصوصية النتاج الرئيس لقطاع التعليم المرتبطة بالمستقبل، فالتعليم صناعة مستقبلية تحتاج مخرجاتها البشرية المتمثلة في إعداد الناشئة وبناء الأجيال إلى فترة زمنية من الإعداد والتأهيل يزيد معدلها في أغلب الأحوال عن عقد من الزمان أو ما يعادل العشر سنوات تقريبا، لذلك فإن التقدم المستمر لمختلف عناصر العملية التعليمية مطلب حتمي، تنطبق عليه النظرة المستقبلية في التربية الإسلامية التي تؤكد ضرورة تربية الأبناء وتعليمهم وتأديبهم بشكل مختلف عن الآباء، – مع الإبقاء على الثوابت – في الأسلوب والمحتوى ، لسبب بدهي هو أنهم خلقوا لزمان غير زمان آبائهم .

ولقد حظيت الدراسات الاستشرافية في مجال التربية باهتمام بالغ خلال النصف الأخير من القرن الحالي من قبل الدول أو المنظمات العالمية، وجميعها محاولات اتحد هدفها في إصلاح النظام التعليمي وتهيئته لإعداد أجيال المستقبل ، ولقد قامت الولايات المتحدة الأمريكية على سبيل المثال بمحاولات عديدة في هذا الخصوص، لعل أهمها قانون التربية الدفاعي عام 1378هـ/1958م بعد حادثة التفوق الروسي في مجال الفضاء وإطلاقه القمر الصناعي سبتنك Sputnik عام 1377هـ/1957م ،  ثم ماتلا ذلك من تقارير ودراسات مثل " تقرير أمة في خطر " الذي صدر عام 1403هـ/1983م ، ثم وثيقة أمريكا عام 2000م استراتيجية تربوية، التي صدرت عام 1411هـ/1991م. ([11])

أما على مستوى المنظمات الدولية فقد أصدرت اليونسكو على سبيل المثال تقريرين مشهورين أحدهما: تقرير إدغار فور " تعلم لتكون " عام 1392هـ/1972م ، والآخر: تقرير جاك ديلور " التعليم الكنز المكنون" الذي صدر بصورته النهائية عام 1416هـ/1996م. ([12])

أما على المستوى الإقليمي للدول العربية فهناك مشروع مستقبل التعليم في الوطن العربي الذي أعد من قبل منتدى الفكر العربي ما بين عامي ( 14061411هـ/ 19861991م) وقامت على سبيل المثال المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم بعقد حلقة عن الدراسات المستقبلية لقادة الفكر التربوي المتخصصين في هذا المجال عام 1416هـ/1996م ، كما نظم مكتب اليونسكو الإقليمي ببيروت ندوة عن مستقبل التعليم العالي في الوطن العربي عام 1418/1998م . كما قام مكتب التربية العربي لدول الخليج بإعداد مشروع استشراف مستقبل العمل التربـــوي، وعرض بصورته النهائية عام 1418هـ/1998م .

أما على مستوى المملكة العربية السعودية فقد عقدت وزارة التعليم العالي ندوة مستقبلية عن التعليم العالي 1418هـ/1998م، وفي العام نفسه عقدت وزارة المعارف ندوة لاستشراف العمل التربوي في التعليم العام .

إن تلك الأمثلة لجهود الدول والمنظمات العالمية تدل دلالة واضحة على أثر التربية في صياغة المستقبل، وفي الوقت نفسه تؤكد على أهمية الدراسات الاستشرافية للوصول إلى مستقبل تعليمي أفضل .

 

ثالثا  – أبعاد التجربة التعليمية السعودية – الاتجاهات والمؤشرات ومشاهد المستقبل:

1–  التعليم في المملكة : خلفية تاريخية:

إن النظرة المستقبلية للتعليم في المملكة العربية السعودية لابد لها أن تستوعب معطيات الحاضر، ولا ينبغي لها التجاوز عن أحداث الماضي، والإفادة منه عبر الإصلاح التربوي ودروسه في تلك الحقبة من الزمن .  لقد قاد  المليك المؤسس تجربة تربوية ثرية أشرف عليها بنفسه، اعتقاداً منه بأن العلم المبني على تعاليم العقيدة الإسلامية والمقترن بالعمل هو الأساس للنماء والتقدم والتطور ، ومن ذلك قوله: " لا مدنية أحسن ولا أفضل من مدنية الإسلام "([13]) وقوله أيضا  " المدنية الصحيحة هي التقدم والرقي ، والتقدم لا يكون إلا بالعلم والعمل ".([14]) ويوجز الرشيد أهم ملامح برنامج الإصلاح التربوي في عهد المليك المؤسس بقوله :" لقد حرص الملك عبدالعزيز على تجنيد إمكانات الدولة القليلة في تلك الأيام لخدمة التعليم، ولفتح المدارس، وتوفير الآلات والتجهيزات لها بالاستيراد، أو بفرض رسوم خاصة على الطرود ، واستثمار كل بشارات البترول الأولى عندما بدأ يتدفق في البلاد، وكان جلالة الملك عبدالعزيز يوجه ويناقش ويعلم ويقوم بنفسه بالإشراف على مجموعة التجارب التربوية التي أسهمت في تطوير النظام التعليمي في المملكة" .  ويستطرد الرشيد قائلاً  : " ويمكن إنجاز أهم معالم تطور التعليم في هذه الفترة المبكرة في صدور أول نظام للتعليم في شهر شعبان 1347هـ ، وأول منهاج سعودي للتعليم الابتدائي في عام 1345هـ ، ونظام المدارس الأهلية عام 1357م ، وقامت مديرية المعارف بتجارب رائدة في افتتاح المدارس الليلية والمدارس القروية وبعض المدارس المهنية، وأسهمت في وضع اللبنات الأولى للتعليم العالي بإنشاء كلية الشريعة بمكة عام 1369هـ ، وكلية التربية عام 1372م بمكة المكرمة".  ويضيف الرشيد قائلاً  : " في بداية عهد مديرية المعارف 1344هـ كان عدد المدارس لا يتجاوز 4  مدارس ابتدائية ، وحققت المديرية توسعاً ملحوظاً نسبياًّ إذ بلغ عدد المدارس التابعة لها عام 1372هـ (وهو العام السابق على إنشاء وزارة المعارف 306 مدارس ، وقد أصدرت المديرية أول نظام للمدارس في شعبان 1347هـ  يحدد واجبات المدير والوكيل ، وعدد الحصص اليومية لكل مرحلة ، وفي عام 1358هـ  أقرت المديرية نظاماً جديداً ينص على مجانية التعليم في جميع المدارس الحكومية، وحددت مدة الدراسة في المرحلة الابتدائية بأربع سنوات، وفي كل من المعهد العلمي ومدرسة تحضير البعثات بثلاث سنوات ، ويعد عام 1372هـ آخر أعوام مديرية المعارف، وقد بلغ عدد الطلبة بالمرحلة الابتدائية 29920 طالبا ، وعدد المعلمين 1742 معلما، أما المدارس الثانوية في العام نفسه فقد بلغ عددها عشر مدارس ، يدرس بها 1315 طالبا ، ويقوم بالتعليم فيها (133) معلما ".([15])

ولقد واجه برنامج الإصلاح التربوي الذي اضطلع به المليك المؤسس العديد من الصعوبات والتحديات لكن بفضل الله تعالى ثم بالإرادة القوية لعاهل البلاد وبعزيمة الرجال المخلصين مضت مسيرة التعليم بخطى ثابتة،  ومن هذه التحديات المقاومة الاجتماعية لتحديث النظام التعليمي والخروج عن نمط التعليم السائد ، لذا كانت الدعوة للانخراط في هذا النوع من التعليم وسيلة للتجنيد تارة، كما اتهمت مرة أخرى بتمردها على النظام التعليمي الديني، وكان من أهم دواعي المقاومة على النمط التعليمي الحديث يتمثل في إدخال اللغة الأجنبية وبعض العلوم ذات الطابع العلمي التي تقول بكروية الأرض ودورانها، لكن خبرة القائد المؤسس وقدرته على الإقناع والمواجهة وحزمه كانت كفيلة للتغلب على هذه المقاومة، مستنداً في ذلك كله على المرجعية الدينية ، وعدم وجود دليل من الكتاب والسنة يحرم هذا النوع من التعليم([16]).

ومن هذه التحديات أيضاً حاجة البلاد إلى سواعد أبنائها من المتخصصين في العلوم الدينية والعلوم الدنيوية حيث واجهت مديرية المعارف هذا التحدي باستعمال أسلوبين متزامنين، أولهما: إنشاء المعهد العلمي السعودي عام 1346هـ في مكة المكرمة. وثانيهما: ابتعاث أبناء البلاد لتلقي العلم في بعض البلدان وعلى وجه الخصوص في مصر ، أما بالنسبة للمعهد العلمي فقد كان نموذجاً رائداً لتخريج العديد من أبناء البلاد الذين أسهموا بكل جد وإخلاص في تحمل أعباء الدولة الفتية ، ولعل من المناسب في هذا المقام أن نشير إلى النظرة الثاقبة للمليك المؤسس وحكمته ودرايته بدواعي الإصلاح ومتطلبات التقدم والتغيير في بلاده، فلم يكن من قبيل الصدفة أن يتأخر افتتاح المعهد العلمي بالرياض حتى عام 1370هـ ، بل لخبرته بتحفظ أهالي نجد لهذا النوع من التعليم التي كانت وراء إرجاء هذا الأمر إلى أن يحين الوقت المناسب،  أما بالنسبة للإبتعاث فقد تم إرسال البعثة الأولى وقوامها 14 طالباً إلى مصر عام 1346هـ ، وبعد تخرجهم عادوا للإسهام في بناء الدولة. ([17])

ولقد كان المليك المؤسس على الدوام داعماً ومؤيداً لدواعي الإصلاح التربوي عند اقتناعه بثبات صحته، وما يعود بالنفع على بلاده ومواطنية إلا فيما يخالف الكتاب والسنة، لذلك حين اعترضت السلطات التعليمية المصرية على مستوى الطلاب المبتعثين بسبب نقص التأهيل العلمي في اللغات الأجنبية وعلوم الطبيعة والكيمياء ، بارك المليك المؤسس فكرة إنشاء نموذج تعليمي رائد أطلق عليه مدرسة تحضير البعثات ، وعنيت هذه المدرسة بتدريس علوم الكيمياء والفيزياء والأحياء واللغة الانجليزية إلى جانب علوم الدين واللغة العربية. ([18])

إن تاريخ الملك عبدالعزيز في مجال الإصلاح التربوي والتعليمي مليء بالصفحات الخالدة وحافــل بالمبادرات والتجارب الرائدة في مختلفة مراحل التعليم ومستوياته ، فقد وضع يرحمه الله جذور النظام التعليمي وأولياته وبداياته في المملكة العربية السعودية .

ويعد إنشــــاء وزارة المعارف عام 1373هـ وتولي خادم الحرمين الشريفين الملك فهد ابن عبدالعزيز مسؤولياتهــــا كأول وزير للمعارف بمثابة بداية للانطلاقة التعليمية الحديثــــة، ويشير الشيخ عبدالعزيز آل الشيخ – يرحمه الله – وكيل وزارة المعارف إبان فـــترة " الفهد الوزير" ثم خلفــــه وزيراً لها فيما بعد بأن " ما حققته وزارة المعارف في عهد وزيرها الأول يعتبر نهضة شاملة بكل المعايير شملت المدرس والمنهج والمؤسسة التعليمية ، فأهلت المعلم ، ورفعت مستوى أدائه ، وارتقت بالتعليم، وأكملت مراحله، وعقدت المؤتمرات ، واهتمت بالتخصصات ، وخططت للمستقبل وما يحتاجه من أنواع التعليم ومستوياته، فأوجدت التعليم الثانوي والجامعي ثم العالي في فترة قياسيـــــة".([19])

ويمكن الإشارة إلى أبرز إنجازات " الفهد الوزير " وإنجازاته وجهوده المميزة في مجال الإصلاح التربوي على النحو التالي  :

1- بناء أول هيكل تنظيمي لوزارة المعارف الذي يتلاءم مع المهمات الموكلة لهذه الوزارة الجديدة، والعمل على تحقيق أهدافها الرامية إلى نشر التعليم، وإتاحته للجميع، والنهوض بالعملية التعليمية والسعي إلى تطويرها ، ومن هذا المنطلق استحدثت إدارات جديدة من أهمها إدارة تعليم الكبار ومحو الأمية كما تم التوسع في عدد الإدارات التعليمية التابعة للوزارة. ([20])

2- العمل على نشـــر التعليم وتنويعه، والعناية بجوانب التطوير الكيفي حيث استثمر " الفهد الوزير" تنامي المخصصات المالية لوزارته الجديدة من 20 مليون عام 1373هـ إلى (120) مليون ريال عام 1380هـ في إنشاء 406 مدرسة ابتدائية ، و79 مدرسة متوسطة ، و26 مدرسة ثانوية ، والعديد من معاهد المعلمين والمعاهد الفنية والزراعية والصناعية التي شملت المدن والقرى والهجر في مختلف مناطق المملكة ([21]).

3- تبنى الدعوة إلى أول مؤتمر للتعليم ووضع خطة خمسية لوضع توصياته موضع التنفيذ في عام 1377هـ ، حيث شاركت في هذا المؤتمر القيادات التربوية من منسوبي وزارة المعارف في جهازها المركزي، وعلى مستوى المناطق من إداريين وفنيين من أجل دراسة تقويم الواقع التعليمي ودراسة مشكلاته ، واقتراح الحلول الهادفة إلى تطويره. ([22])

4- الإسهام في إنشاء " الجامعة الأم " جامعة الملك سعود، أول جامعة وطنية تتيح المزيد من التعليم للمواطنين داخل البلاد، وصدور المرسوم الملكي الكريم من قبل عاهل البلاد آنذاك الملك سعود – يرحمه الله – الذي يقضي " بأن تنشأ في المملكة جامعة تسمى جامعة الملك سعود ، وأن تنشأ الكليات في هذه الجامعة تباعاً حسب الحاجة والاستعداد، وأن يوضع النظام الجامعي بعد إنشاء كليتين من كليات الجامعة ، يحدد العلاقة بين إدارة الجامعة وبين الكليات بعضها ببعض ".([23])

5- الإسهام في إنشاء الرئاسة العامة لتعليم البنات، وصدور المرسوم الملكي الكريم من قبل الملك سعود عام 1379هـ بفتح مدارس للبنات تخضع للإشراف المباشر من قبل المفتي الأكبر للديار السعودية آنذاك سماحة الشيخ محمد بن إبراهيم يرحمه الله .

6- ولعل من المناسب هنا أن نشير إلى أن بداية التعليم الحكومي للبنات التي لقيت رد فعل قوي وتحفظ شديد تمت معالجتها من قبل الفهد الوزير بحكمة وروية، كما كان للموقف الحازم الذي أبداه الملك سعود وولي عهده الملك فيصل – يرحمهما الله – آنذاك أكبر الأثر في مواصلة تعليم البنات مسيرته بخطى ثابتة.

7- تحديد أهم المعالم الأساسية للنهضة التعليمية الحديثة فلسفة وتخطيطاً وسياسة ومنهج عمل ، والتي انتهت بصدور وثيقة السياسة التعليمية في المملكة العربية السعودية من قبل اللجنة العليا لسياسة التعليم التي أنيطت مسؤولياتها لخادم الحرمين الشريفين الملك فهد (وزير الداخلية آنذاك) منذ عام 1383هـ ، ولا يزال رئيسا  لها حتى الآن.

 

8- ومنذ دخول المملكة عهد التخطيط التنموي حيث طبقت أول خطة خمسية تنموية للبلاد في الفترة 1390هـ – 1395هـ قفز التعليم بجميع مراحله وأنواعه ومستوياته قفزات كبيرة، وبذلت جهود كبيرة لتوفير فرص التعليم لجميع المواطنين في جميع أنحاء مدن المملكة وقراها وهجرها.

وتكفي الإشارة إلى أن التعليم منذ خطة التنمية الأولى 90/1395هـ إلى العام 1416/1417هـ الذي يصادف العام الثـــاني من تطبيق الخطــــة السادســة الواقعة في المدة ما بين 1415/1416هـ إلى 1419/1420هـ ، حقق نموا  مطردا  حيث تزايد إجمالي عدد الطلاب خلال هذه المدة من 547.000 طالبا  وطالبة إلى 4.325.00 طالبا وطالبة، كما زاد عدد المدارس والكليات والمعاهد في نفس الفترة من 3.283 إلى 22.153 مؤسسة تعليمية وتنامى عدد أعضـــــاء الهيئة التدريسية في الفــــترة ذاتها من 23.118 إلى 300.831 معلم ومعلمة. ([24]) وارتفعت مخصصات التعليم في ميزانية الدولــــة من (597) مليون ريال عام 1390هـ إلى نحو (30) بليون ريال عام 16/1417هـ .

وحقيقة الأمر أن التطور الملحوظ لقطاع التعليم بمختلف مراحله وفروعه وأنواعه جاء نتيجة الدعم السخي من قبل الدولة لجميع أنواع الاستثمار البشري، كما جاء أيضاً نتيجة الالتزام الراسخ من قبل ملوك البلاد الكرام منذ عهد الملك عبدالعزيز الذي جعل من بناء الإنسان المواطن منهجاً أساسياًّ واستراتيجية ثابتة سار عليها خَلَفَه من أبنائه الملوك السابقين وهم سعود وفيصل وخالد يرحمهم الله جميعا ، وحققوا لهذه البلاد مكاسب وإنجازات عملاقة في مجال التربية والتعليم ، ومازالت مسيرة الخير تواصل العطاء في هذا العهد الزاهر ، عهد رائد التربية والتعليم وراعي النهضة التعليمية الحديثة خادم الحرمين الشريفين الملك فهد بن عبدالعزيز.  ويؤكد الفهد المفدى هذه الحقيقة الناصعة بقوله " إننا بعد مرور أربعين عاماً ونيف على غياب الوالد الموحد نستلهم ما كان يتطلع إليه من تقدم ورقي لبلاده ، ولا يغيب عن الذهن أن المسيرة التنموية بدأت في عهد جلالة الملك عبدالعزيز وموارد الدولة قليلة وشحيحة ومن هنا يبدو لنا قيمة الإنجازات التي تحققت، فالتنمية رسالة حملتها القيادات السعودية تنفيذاً لتطلعات المليك الموحد عبر المؤسسات التعليمية".([25])

2         التعليم في المملكة : مؤشرات التطور والواقع الحالي: ([26])

تقدم التعليم في المملكة منذ بداية عهد التخطيط التنموي 89/1390هـ وحتى عام 1416/1417هـ من حيث عدد المؤسسات التعليمية، والهيئة التدريسية، والطلاب والخريجين ومخصصات التعليم من الميزانية العامة .

أما من حيث المؤسسات التعليمية فقد بلغ عدد المدارس والمعاهد والكليات في العام 98/1390هـ (3283) منها (2772) للذكور و(511) للإناث ، وأصبح إجمالي عدد المدارس والكليات في عام 16/1417هـ (22.153) مؤسسة منها (11.282) للذكور و(10871) للإناث.  ويلاحظ أن معدل النمو السنوي المتوسط لهذه المؤسسات (7.4) خلال الفترة المذكورة .  وبالموازنة بين معدل النمو السنوي المتوسط لمدارس الذكور الذي بلغ (5.2%) والإناث الذي بلغ (12%) .  يتضح بأن نمو عدد مدارس البنات أسرع من مدارس الذكور بما يقارب (6.8%) ولعل ذلك يرجع إلى تأخر نشأة تعليم البنات الذي بدأ رسميا  عام 1380هـ والحاجة الماسة إلى فتح العديد من المدارس لمواجهة الطلب الاجتماعي على تعليم البنات .

 


 

جدول رقم (1)

تزايد أعداد مؤسسات التعليم