عن المناسبة أتحدث :
في حياة كل فرد منا حدث أو
عدة أحداث، يعتز بها، يفخر بإنجازاته من خلالها، يتذكّرها دوماً، ويذكرها لأولاده،
ويذكِّرهم بها، راصداً من خلال هذا الحدث أو تلك المناسبة أهم الدروس والعبر.
وكما في حياة الفرد أحداث ومناسبات ففي حياة الدولة كذلك أحداث ومناسبات، تعتز بما حققته فيها من
نصر على الأعداء، أو دفع للغزاة، أو إحراز لتفوق في مجال من المجالات، وأحداث أخرى
تأسى لها،وتحزن ـ من خلال ذكراها ـ على ما فاتها،أو ضاع منها.
وتذكُّر هذه الأحداث ـ
حلوها ومرّها ـ واستخلاص عبرها، وتمثّل دروسها يشكل ـ دون شك ـ وجدان الأفراد،
ومشاعرهم نحو الوطن والدولة.
لكن مناسبة الذكرى المئوية لاستعادة
الملك المؤسس عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود –
رحمه الله – مدينة الرياض، واسترداد ملك آبائه وأجداده تتخطى كل المناسبات
التقليدية في حياة الأفراد والدول والشعوب لتصل إلى مستوى الأمة الإسلامية كلها.
إنها مناسبة كل سعودي وكل
عربي وكل مسلم وكل محب للأمن والسلام، والتنمية والبناء .
إنها ليست مناسبة ملك استرد ملك آبائه
وكفى!! فكم من أحداث أخذت الشكل نفسه، لكن شتان بين محتوى مناسبتنا وحصادها وبين
غيرها من الأحداث.
إنها مناسبة ملك يأخذ بيد أمته ليضع
قدمها على مسار التاريخ، بعد أن تنازلت عن مكان الصدارة لغيرها، وبعد أن عاشت
قروناً على هامش الحياة، بل وفي طي النسيان ـ إن جاز التعبيرـ بعيدة عن خط التاريخ
ومساره، لا تعيش أحداثه ولا تعايشها، ولا تشارك بالتالي في صنعها.
لقد عاش أبناء شبه الجزيرة عقوداً – بل قروناً – يقتاتون على
مدخراتهم الحضارية، وعلى سير أسلافهم وإنجازاتهم، وعلى ماضي تاريخهم وانتصاراتهم،
وقانون الحضارة هو قانون الثقافة نفسه، ما لم تتطور متغيراتها تفقد أصولهاوعمومياتها.
وسط هذا الفقر المادي والثقافي، وسط
الفرقة والتشتت والضعف الذي عاشته شبه الجزيرة العربيــة شق الملك المؤسس عبد
العزيز بن عبد الرحمن آل سعود - طيب الله
ثراه - الطريق لبناء قواعد دولة فتية، هي المملكة
العربية السعودية، أرسى أسسها على الأصول والقواعد وعلى المنهج والطريق الذي سبق
أن ارتاده الأجداد، وهو طريق الإسلام ديناً، والإسلام فكراً وسلوكاً، والإسلام
حكماً ونظماً وسياسة، فكان لهم وله وقفة مع التاريخ، ومواقف ما زالت آثارها حية في
وجداننا.
المناسبة إذن ليست مناسبة فردية، ولا
هي مناسبة دولة بعينها، بل هي في الحقيقة مناسبة أمة بكاملها، صوّب الملك المؤسس
فكرها بعد انحراف، ووضع قدمها على مسار التاريخ بعد أن كان قد تخطاها.
فإن قلت عن مناسبة تأسيس
المملكة: إنها سعودية المنشأ فهذا صحيح، وإن قلت: إنها عربية الأصل فهذا صواب، وإن
قلت: إنها إسلامية الفكر، والطابع فهذه غايتها وميزتها، وإن قلت: إنها عالمية
الأثر فهذا ما يشعر به القاصي والداني والعدو قبل الصديق.
إنها مناسبة كل سعودي بقدر ما كان عليه
في الماضي، وما ينعم به الآن من أمن وأمان وثراء واحترام.
وهي مناسبة كل عربي بقدر مساندة
المملكة لشقيقاتها، ومواقفها العربية البنّاءة في شتى المجالات.
وهي مناسبة إسلامية بحكم رايتها
الخضراء، وشعار لا إله إلا الله، محمد رسول الله، وحمايتها لكل مقدسات الإسلام
ورموزه.
وهي -
بعد هذا كله - مناسبة عالمية لدولة تبني ولا تهدم،
تصون ولا تبدد، تحمي حوضها، ولا تعتدي على غيرها، تساعد من غير منِّة، وترعى
مصالحها في غير جور على مصالح الآخرين، وتدعو - قبل هذا كله وبعده - إلى سبيل الله بالحكمة، والموعظة
الحسنة.
لذا، فدعوني أقل : إن احتفالنا بالذكرى
المئوية لدخول الملك المؤسس عبد العزيز مدينة الرياض إنما يعني الاحتفال بدخول
المملكة العربية السعودية وكل العرب والمسلمين إلى دائرة التاريخ مرة ثانية.
1 – مقدمة الدراسة :
1-1
إن ما نحن بصدده الآن هو رؤية
مستقبلية للتربية، والتعليم في المملكة العربية السعودية، والتربية –
بحكم طبيعتها – عملية مستقبلية، وفي إطار هذه المقولة ينبغي أن نتوقف
للإشارة – وبجديّة – إلى ضرورة مراجعة المفاهيم المألوفة،
والعمليات التقليدية، والأحكام المسبقة المتخذة دون نقد أو تمحيص، ضرورة مراجعتها
في إطار العصر ومتغيراته، والمستقبل ومتطلباته، خاصة ونحن على أعتاب ألفٍ جديدة،
ينتقل فيها المجتمع السعودي– مع غيره من المجتمعات– ليواجه ما يعرف بمجتمع الموجة
الثالثة، أو مجتمع ما بعد الصناعة، مجتمع المعلومات، واقتصاد المعلومات، وقوة
المعلومات… إلخ. العامل المشترك في هذا كله– والذي
يعد من أهم سمات العصر القادم– هو أن الفكر والعلم والابتكار هي مقومات الإنتاج
الحقيقية، "وأن الفرق الرئيس بين أكثر الدول تقدماً وأكثرها تخلفاً هو نوعية
إنتاجيتها، يصدق هذا على حاضرنا، وهو أكثر صدقاً على المرحلة القادمة من
حياتنا".([1])
1-2
إن ثورة المعلومات التي بدأت
تتعاظم نذرها كفيلة بإحداث تغييرات واسعة
النطاق، ليس فقط في منظومة العلاقات السياسية والاقتصادية بل وفي حياة المجتمعات
وثقافاتها ، إن هذه الثورة سوف تفتح أمام العقل البشري آفاقاً بعيدة للتحكم في
البيئة، والمضي في تطويرها في دروب استقرت معالمها ردحاً من الزمن، وأخرى لم تكن
معروفة من قبل، وهذا يتطلب ـ دون شك ـ محاولة لرؤية المستقبل حتى لا نُصدم
بمفاجآته.
1-3
ولكن قد يقول قائل: إن كلمة
"رؤية مستقبلية" تشير تصريحاً أو تلميحاً إلى الذاتية، والعلم يسعى إلى
الموضوعية والبعد عن الذاتية والانطباعية، ومع احترامي وتقديري لهذه المقولة إلا
أنني أستطيع أن أجزم مع الجازمين وبكل اليقين أن "الرؤية" ليست بالضرورة
ضد العلمية؛ فقد تنطلق الرؤية من واقع مُعاش، وتستند إلى منطق سليم، وتحليل دقيق،
فتصل إلى تنظير يستوفي كل شروط العلمية، وفضلاً عن هذا، وذاك فإن جُلَّ فقهاء
المنهجية العلمية متفقون على أن الموضوعية سبيلها الذات ، وأن الذات الواعية
المدركة لشروط العلمية هي سبيل الموضوعية وشرطها. ورؤية الباحث لمستقبل التربية
والتعليم في المملكة العربية السعودية ليست تنجيماً أو رجماً بالغيب، أو قَفْواً
لما ليس لنا به علم، و تجاوزاً لحدودنا مع الخالق العظيم، كما أنها ليست من قبيل
رؤى الحالمين، أو تصورات المغرقين في المثالية، إنها رؤية تنطلق من معايشة للواقع
بأبعاده المتعددة ، وتستند إلى محاولة لفهم الماضي القريب والبعيد في علاقته
بالتربية؛ لإدراك العوامل التي رسمت حدود واقعنا التربوي، وعملت على تحديد قسماته،
ومن ثم محاولة الإحاطة بإنجازاتنا ومشكلاتنا التربوية لفهم ما يمكن أن يكون عليه
المستقبل؛ انطلاقاً من يقيننا بأن: اليوم هو بداية المستقبل، وأن "مستقبل
المستقبل" يكمن في الحاضر، وأننا بحركتنا وإنجازاتنا الحالية نصنع ـ بإذن
الله ـ قاعدة مستقبلنا.
1-4
كما تستند هذه الرؤية إلى
معايشة الواقع التعليمي في المملكة العربية السعودية ودول مجلس التعاون لدول
الخليج العربية بخاصة، وفي عديد من البلاد العربية والإسلامية من بلدان العالم
بعامة، وحضور ندوات في الداخل والخارج، ومشاركة في أعمال عديد من المنظمات
التربوية، ومراجعة التقارير، والتوصيات على المستوى المحلي والإقليمي والعالمي.
وفضلاً عن هذا وذاك، فهي رؤية لمستقبل يدرك الباحث أنه يمكن التعرف على أهم ملامحه
وقسماته من خلال دراسة الأوضاع المحلية والعالمية، بالإضافة إلى تقدير عزم
المسؤولين وتخطيط المخططين، وتنفيذ العاملين، وتقويمهم.
1-5
والغرض من هذه الرؤية لا أن
نستمتع بها على أنها تمرين عقلي، بل لنصوب من خلالها حركة واقعنا التربوي، وما
نريد أن نكون عليه في المستقبل، أو بعبارة أخرى: تسعى هذه الرؤية إلى فهم ماضينا
وإعادة قراءته لاستخلاص عبره ودروسه؛ لتوظيفها في حياتنا، والانتفاع بها في تجديد
حاضرنا، وإدراك كيف تحرك هذا الماضي مع الزمان، وشق طريقه عبر ضغوط وآليات غاية في
الثراء والتعقيد والتشابك ليصنع حاضرنا " ، فنحن نعلم أن الحاضر حصاد الماضي،
وأن المستقبل ثمرة نوعية العمل في الحاضر والمستقبل ، كلّ متصل متفاعل يقود بعضه
إلى بعض "([2]). كما تسعى هذه الرؤية إلى وزن هذا الحاضر، ورصد
إيجابياته، والتعرف على سلبياته، وإلى تقدير متغيرات عصرنا في تفاعلها مع حاجات
مجتمعنا، كل ذلك بقصد استشراف البدائل المتاحة أمامنا في المستقبل، واختيار ما
يتفق منها وغاياتنا وأهدافنا من منظور ثقافتنا حفاظاً على هويتنا وذاتيتنا، ومن ثم
نعود بعد هذا كله لحاضرنا لتصويبه في ضوء تلك المؤشرات المستقبلية، وصولاً إلى ما
اخترنا أن نكون عليه في المستقبل، في إطار إدراكنا أن المستقبل ينبغي أن يحكم
الحاضر.
1-6
وتحقيقاً لهذه الغاية،
واستكمالاً لشروط الرؤية العلمية، يسعى الباحث إلى الإجابة عن الأسئلة الآتية :
1-6-1
ما أصول الرؤية المستقبلية
وقواعدها ؟ ( منظور منهجي).
1-6-2
أين كنا من التربية والتعليم ؟
( منظور تاريخي)
([3]).
1-6-3
المستقبل يبدأ اليوم، فأين نحن
الآن؟ أو بعبارة أخرى ما أهم إنجازات الحاضر ؟ ( منظور واقعي يرصد أبعاد العملية التربوية،
ويحلل الإنجازات، والمشكلات).
1-6-4
العالم من حولنا يؤثر فينا،
وعلينا أن نعايشه، ونعيش معه، ونؤثر فيه، فكيف نُعد أبناء الغد في إطار متغيرات
العصر، وفي إطار أهدافنا؟ ( منظور تحليلي).
1-6-5
الرؤية المستقبلية لأهم جوانب
التربية والتعليم في المملكة العربية السعودية
( منظور مستقبلي) للموضوعات الآتية:
·
فلسفة التعليم، وغاياته،
وأهدافه.
·
بنية التعليم، ومراحله.
·
مناهج التعليم.
·
إعداد المعلمين، وتدريبهم.
·
الهيكل الإداري.
·
النشاط الطلابي.
·
التوجيه والإرشاد.
·
التقويم المدرسي.
·
الكشف عن الموهوبين ورعايتهم.
2 – الرؤية المستقبلية : منهجها وقواعدها.
نظرة فلسفية
2–1–1 مارس الإنسان في
عديد من جوانب حياته ـ منذ أقدم العصور ـ سلوكاً يتسم بالاستعداد للغد، حتى قبل أن
ينطق لسانه بكلمة المستقبل، ويعود ذلك إلى أن الاهتمام بالمستقبل ليس مسألة طارئة،
بل مغروسة في الطبيعة الإنسانية؛ فقد لازم الإنسان ـ منذ نشأته الأولى، وطوال
حياته، وتاريخه ـ ذلك الاهتمام بما سيكون عليه الغد، وهو اهتمام نابع من قلق
الإنسان على حياته، ومصيرها، لذا أخذ الإنسان منذ البداية يفكر في غده، ومستقبله،
وإن اختلفت في ذلك أشكال تفكيره، وأنماطه، ومجالاته.
2–1–2 والاستعداد للغد
قيمة إسلامية مجيدة تتعدد الدلالات عليها في دستورنا القويم ( القرآن الكريم ) وفي
سُنة المصطفى عليه أفضل الصلاة والسلام وسيرته العظيمة، وكلنا يعرف أن الإسلام حين
بزغ فجره أتى لتطوير الناس وتهذيب سلوكهم وممارساتهم ونفض غبار العادات القديمة
السيئة، وتبني الجديد الذي فيه مصلحة الإنسان في حياته وبعد مماته، فرسخ في النفوس
قيمة العلم وأهميته وكان بحق الدين الخالد الصالح لكل العصور والأزمان .
2–1–3 لقد كان المستقبل
ـ وما يزال ـ يداعب خيال الإنسان، أو يثير مخاوفه، واختلفت صور تناول المستقبل
وطرائقه، فأخذ في البداية صورة خيالية حالمة، يطلق الإنسان فيها لخياله العنان في
رسم أحلامه، أو صورة لمجتمع الغد الذي يتمنى أن يعيش فيه أحفــــاده، ومن أبرز
هؤلاء الحالمين أفلاطــــون، (427ـ347 ق.م) ، وتوماس مور، (478ـ1535م)، وفرنسيس
بيكون (1561ـ1626م)، وكلهم من كتاب اليوتوبيا الاجتماعية (أو المثاليات الاجتماعية
الخيالية).
2-1-5
واتخذ التفكير في المستقبل صورة
أخرى في القرن التاسع عشر الميلادي عندما خطت أوروبا خطوات عميقة المعنى، والمغزى
في مجال التصنيع، وحققت إنجازات لا تنكر في مجال العلم والتقنية والإنتاج، وأصبحت
ـ دون منازع ـ سيدة العالم، ومركز القوة فيه، ففي تلك الفترة سادت فكرة مفادها
حتمية التقدم، وأن التاريخ رحلة مستمرة إلى الأمام، وأن العمليات التي شهدتها
أوروبا قبل التصنيع، والتحضر، والوحدة القومية…إلخ
هي مسيرات تاريخية حتمية، وأن أوروبا صورة لمستقبل العالم"([4]).
2-1-5
وفي أواخر القرن التاسع عشر،
وبداية القرن العشرين الميلادي بدأت إرهاصات التناول العلمي للمستقبل،وكان محورها
دور العلم والعلماء في تقدم المجتمع وصنع المستقبل، أما الدراسات المستقبلية ذات
الطابع المنهجي فقد بدأت في منتصف القرن العشرين، ولعل بداية هذا الاتجاه تعود إلى
عام 1944م، حينما أصدر قائد القوات الأمريكية توجيهات بعمل دراسة حول "
مستقبل القدرات العسكرية التكنولوجية لدول العالم الرئيسة"، وأنجزت الدراسة
في عام 1947م، وبعدها مباشرة تأسست في عام 1948م مؤسسة " راند الأمريكية
"، لدراسة الأنظمة الحربية، وتطورها في مجال الطيران
([5]) ،
وتوالت خلال النصف الثاني من القرن الدراسات المستقبلية في العديد من مجالات
الحياة، وفي شتى البلدان المتقدمة، ثم في عديد من البلدان النامية، كما ظهرت
معاهد، ودوريات، ومؤلفات متخصصة لدراسة المستقبل، وعقدت المحاضرات، والندوات،
والمؤتمرات العلمية حول المستقبل في عديد من بلدان العالم، وفي شتى المجالات
السياسية، والاقتصادية، والتربوية، والسكانية، والبيئية.. إلخ. بل إن نشاط
الدراسات المستقبلية انتقل من الحكومات والهيئات الرسمية والجامعات ومراكز البحوث
ليشمل المؤسسات والشركات وقطاعات واسعة من الرأي العام، خاصة بعد ظهور كتاب " صدمة المستقبل "، لمؤلفه "
ألفين توفلر ".
2–1–6 وتأثر وطننا
العربي بهذا الزخم الهائل والاهتمام المتزايد بدراسة المستقبل، وبدأت بشائر هذا
النوع من الدراسات في عام 1975م دراسة بعنوان " الوطن العربي عام 2000م
" أصدرتها مؤسسة المشاريع والإنماء العربية، ثم توالت في الظهور الدراسات
والبحوث والدوريات المتخصصة والكتب والمؤلفات، كما ظهرت بعض المراكز والمعاهد
والاتحادات، وعقدت عشرات الندوات والمؤتمرات العلمية التي اتخذت من المستقبل
محوراً لها، سواء بالنسبة للمنطقة العربية ككل، أو لدولة من دولة أو لعدة دول
منها، أو لنسق من أنساق الحياة في دولة من الدول، أو في المنطقة العربية ككل، أو
في مجموعة منها، أو دولة بعينها، ولعل أحدث هذه المؤتمرات مؤتمر: "التعليم
العالي العربي وتحديات مطلع القرن الحادي والعشرين " الذي انعقد بجامعة الكويت،
في المدة من 18إلى20 أبريل 1994م، وندوة:" استشراف مستقبل العمل التربوي في
دول الخليج العربي" بدولة البحرين في المدة من 22إلى25 شوال 1418هـ، الموافقة
من 17إلى13 فبراير 1998م، وندوة " التعليم العالي في المملكة العربية
السعودية رؤى مستقبلية للقرن الحادي العشرين " المنعقدة في المدة من 25إلى 28
شوال 1418هـ، الموافقة من 22إلى25 فبراير 1998م ، وأخيراً اللقاء السنوي السادس
لمديري التعليم في المملكة العربية السعودية بأبها في المدة من 18إلى22/12/1418هـ
بعنوان "استشراف مستقبل العمل التربوي في المملكة العربية السعودية".
2–2 الاتجاه نحو
المستقبل
2–2–1 كان إيقاع
التغيّر في الحضارات القديمة ألفيّاً، بمعنى أن تغيّراً حاسماً في حياة البشر كان
يحدث مرّة كلّ ألف عام، ثم صار مئويّاً، وهو في عصرنا الحالي أضحى يومّياً ـ إن لم
يكن آنيّا ، وكما يقول هويت هد: "
لقد كانت المدّة التي يشغلها تغيّر يمسّ حياة الإنسان طويلة إذا قيست بحياة الفرد
ذاته، لذا تدّرب الإنسان أن يُكيّف نفسه لحالات تمتاز بالثبات، أما اليوم فقد طفح كيل التغير كما يقرر ذلك برتراند
راسل" . ([6])
ولم يحدث من قبل ، في تاريخ البشريّة ، أن جاء تغيّر
بمثل هذه السّرعة، وعلى مثل هذا النّطاق العالمي، ولم يكن ملموساً على مستوى
العالم بمثل هذه الدرجة. ([7])
2-2-2
إن تلاحق التغيرات، وتزاحمها
لدرجة التلاحم، ومن ثم تراكمها، وما يترتب على هذا كله من تغيرات جذريّة في شتى
جوانب الحياة قد أصاب بعض الأفراد ـ في هذه المدة التي يستعد فيها العالم لولوج
الألف الثالثة بعد الميلاد ـ بإعجاب بالعلم بلا حدود، بينما أصاب آخرين بحالة من
عدم اليقين، وإحساس بعدم القدرة على فهم ما يجري من حولهم، الأمر الذي أدى إلى نمو
اتجاهات سالبة عن المستقبل، ومن هذه الاتجاهات ما يأتي :
·
الاتجاه الأول: يقين بلا حدود
بقدرة العلم على صنع المعجزات، وأن المشكلات – مهما بلغت حدتها – واتسع نطاقها،
وأياً كانت أخطارهاـ فالعلم، والمبتكرات التقنية الحالية والمستقبلية قادرة على
مواجهتها والتغلب عليها، وشعار هؤلاء " كن متفائلاً، " سيأتي الحل في
الوقت المناسب "، ويرى أصحاب هذا الاتجاه أن هناك بكل تأكيد ـ فرداً ما في
مكان ما في عالمنا هذا يعمل ضمن مجموعة بحثية في أحد المعامل، وأنه سوف يخرج علينا
بالحل الذي يقضي على المشكلة. ([8])
ولا شك أن هذا الاتجاه ضار وخطير، يشجع على الرضا بما هو قائم، اعتماداً على أمل
أو آمال مفتوحة بغير حدود وغير مسوغة.
·
الاتجاه الثاني: يرى أن ضرر
العلم والتقنية الحديثة يفوق ما قدمته للبشرية من خدمات، فلقد تجاوز العلم قدرة
الإنسان على التحكم فيه والسيطرة عليه، وأن التحديات التي تواجه العالم أصبحت غاية
في التعقيد، ولا أمل في حلها، ولم يعد في مقدرة الإنسان مواجهتها، لتعقدها
ولكثرتها، ويقرر أصحاب هذا الاتجاه أن عالمنا يعاني من 13.000 مشكلة عالمية عويصة. ([9])
·
الاتجـــــاه الثالث هو
"العيش في كنـــف الماضي" ، أو الحنين إلى الماضي، ويسمى ( مرض الحنين
إلى الماضي)، وأنصاره لا يرون خيراً في الحاضر، وشعارهم " ما أحلى الماضي،
وما أحلى أيامه بل ووسائله كذلك "([10])، وهذا
الاتجاه يرى في الماضي النموذج الأمثل للمستقبل، إنه يسقط المستقبل إسقاطاً خلفياً
على الماضي ([11])،
ويرى أن الحاضر عصر انحطاط بلا أمل، ومصيره مؤسف، ويتمنى أصحاب هذا الاتجاه أن
يتجسد الماضي، ويصبح مستقبل الأجيال القادمة، ولا شك أن هذه الاتجاهات الثلاثة
اتجاهات سالبة، وضارة في الوقت نفسه. ([12])
2–2–3 ويقترح "
هاورد " أن نأخذ بالاتجاه القائم على " التفاؤل المنضبط" في النظر
إلى المستقبل في مواجهة هذه الاتجاهات السابقة لمعقوليته وجدواه وفعاليته، ولأنه
يثير فينا الدوافع لمواجهة التحديات والمشكلات التي تواجه البشرية، ويستند هذا
" التفاؤل المنضبط" إلى فرضية مفادها أنه بالمعرفة والحكمة والنوايا
الطيبة والعزم والتصميم يمكننا ـ نحن البشر ـ أن نصنع مستقبلاً مرغوباً فيه يحفظ
للإنسان بيئته، وللمجتمعات استمراريتها". ([13])
2–3 فرضيات التفكير
المستقبلي :
العلم،
أياً كان مجاله: فيزيائياً أو اجتماعياً يستند إلى فرضيات ينطلق منها، ويواصل في
إطارها ومن خلالها بناءاته الفكرية ونظرياته وعملياته وصولاً إلى نتائجه
واكتشافاته.
وتستند
دراسة ـ أو رؤية المستقبل ـ إلى عدة فرضيات شأنها في ذلك شأن غيرها من العلوم
الاجتماعية، واستنادها إلى هذه الفرضيات التي نسلم بصحتها لا يقلل من قيمتها، ولا
يدعو إلى القول بعدم جدواها، وإنها لا ترقى إلى مرتبة الدراسات العلمية، وإن
التفكير في المستقبل ظني وتخميني، ولا يستند إلى معطيات يقينية، وإنه في البداية
والنهاية تفكير افتراضي. فالرياضيات ـ وهي أكثر العلوم يقيناً، وصرامة منهجية ـ
أساسها فروض، وتعريفات، ومسلمات، وعلى أكتاف هذه الفروض وتلك التعريفات والمسلمات
تقوم كل أبنية العلم الرياضي، ونظرياته، وأفكاره، ونتائجه.
إن
معيار العلمية، والمنهجية لا يكمن في عدم استناد العلم ـ أي علم ـ إلى فرضيات،
إنما في منطقية هذه الفرضيات ومعقوليتها، إلى جانب تناسقها وترابطها فيما بينها،
وأخيراً في قدرتها على فتح آفاق جديدة للبحث، وتستند "الرؤية
المستقبلية"، أو "التفكير العلمي في المستقبل " إلى عدة فرضيات
أهمها :
2–3–1 أن ما مضى من
مواقف وأحداث ودخل في دائرة التاريخ لم يمت، ولا ينبغي أن ننظر له على أنه تحوّل
إلى قصص وحكايات الغرض من قراءتها إزجاء وقت الفراغ ، فالتاريخ لعالم الاجتماع ـ
في تصور كثير من الباحثين ـ مثل المعمل لعالم الفيزياء ، ففي التاريخ تجارب كاملة
لها متغيراتها وتفاعلاتها، ومن ثم نتائجها التي من الممكن أن يستفيد منها عالم
الاجتماع في فهم الحاضر والمستقبل معًا، لكن تجارب التاريخ لا تكشف عن نفسها
بسهولة، لأنها تجارب حياة أفراد وأمم وشعوب، وأوجه نشاط متعددة بتعدد جوانب
الحياة، واختلاف قيم البشر وثقافاتهم ، وفضلاً عن هذا الثراء، والتعقد، فإن
متغيرات الحدث الواحد تترابط مع الأحداث الأخرى المختلفة بدرجة أو بأخرى، مما يزيد
الأمر تعقيداً فوق تعقيده.
إن
قراءة التاريخ هي بداية التفكير العلمي في المستقبل، ومن ثم تكوين الرؤية
المستقبلية، لكن ذلك يتطلب أن تتوافر في الباحث خبرة تمكنه من الكشف عن تجارب التاريخ وعبره ودروسه
إلى جانب هدف يوجه نشاطه ويحدد له مساره ومرساه، وأن يدرك أن الماضي ليس الهدف،
إنما الهدف هو الحاضر والمستقبل، وبأن الغاية من دراسة الماضي هي مراقبة الحاضر
وتفسير أحداثه وتداعياته إعداداً للمستقبل. وكاتب هذه الدراسة يرجو في هذا المقام
أن تشاركوه الاقتناع بالحاجة الماسة إلى إعادة قراءة تاريخنا وفحصه، وكتابته
بطريقة علمية أكاديمية، مقرونة بالوعي بأهمية الماضي، والحاجة إلى توظيفه في تفسير
الحاضر، استعداداً لمواجهة المستقبل.
2–3–2 التاريخ من منظور
وظيفته تاريخان : تاريخ عبء، وتاريخ حافز. إن الفرد الحي المبدع هو الذي يحس
بمشكلات حاضره، وبآمال مستقبله، إحساساً مدركاً دقيقاً، وكذلك شأن الأمة الحية
المبدعة، وهذا هو دور التاريخ الحافز، الذي يقدم لأبنائه عبره ودروسه، أما الوقوع
في وهم استعادة الماضي وأمجاده بأشكاله وصوره، فهذا هو التاريخ العبء، لأن الأمجاد
الماضية ، بما تتضمنه من روعة، وعظمة ـ لا يمكن أن تستعاد بالأشكال التي اتخذتها
في العصور الماضية. إن الانشغال عن الحاضر، والمستقبل، والنظرة الضيقة إلى التاريخ
ذاته، والاكتفاء به، ومحاولة استرجاعه تقود إلى نزوع الفرد أو المجتمع إلى توهم
التاريخ أو تخيله أو تصوره بدلاً من السعي لإدراكه على حقيقته، وكشف دروسه وعظاته.
وتتفق
وجهة نظر الباحث في هذا المجال مع تحليل المحلل قسطنطين زريق للعلاقة بين الماضي، والمستقبل:" فالماضي
والمستقبل مجريان يلتقيان عند فاصل رقيق زائل، هو الحاضر، فما من مستقبل إلا وقد
نشأ عن ماضٍ، وما من ماضٍ إلا ويؤدي إلى مستقبل، وما الحاضر إلا تلك اللحظة من
الوجود التي يتحد فيها الماضي والمستقبل، ثم تتابع الحياة مجراها، فلا يلبث أن
يصبح الحاضر والمستقبل معًا أمراً ماضياً". ([14])
2–3–3 إن عقيدة المرء
وفكره وجهده تصنع حاضره، وتحدد نوعية مستقبله،
فبداية الطريق لكل إصلاح، وتغييرٍ للحاضر، وتنميةٍ مرجوة للمستقبل تبدأ
بتغيير الإنسان، ذلك هو القانون الإلهي في الحضارة : " إن الله لا يغير ما
بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم" ([15])
2–3–4 إن المستقبل يمكن
التنبؤ به وتحديده بدرجة من الدقة تختلف من مجتمع إلى آخر، بل ومن جانب إلى آخر في
حياة المجتمع نفسه، فالمجتمعات المتقدمة ـ بحكم ما توافر لديها من معطيات عن
نفسها، ومعلومات عما حولها، وبحكم ما تملكه من وسائل السيطرة، والتحكم، والتوجه ـ
أقدر من المجتمعات النامية على رؤية مستقبلها في تشابكاته مع مستقبل غيرها.
([16])
2–3–5 إن مستقبل أي
مجتمع أو جانب منه لا يصح النظر إليه أو معالجته بعيدًا عن السياق أو الكل الذي
ينتمي إليه ويتفاعل معه، وذلك بحكم العلاقة العضوية بين سياقات المجتمع كافة، بل
وبين المجتمع وغيره من المجتمعات، ولا شك أن هذا يتطلب ـ أول ما يتطلب ـ " أن
تتسم الدراسات ـ أو الرؤية المستقبلية ـ الشمولية، تتفاعل فيها معطيات الماضي
والحاضر والمستقبل، كما تتجسد فيها آليات التغيير وجدلياته وتفاعل المتغيرات
السائدة في حياتنا من فكر وقيم وهياكل اجتماعية واقتصادية". ([17])
2–3–6 المستقبل الذي
نسعى إليه ليس مستقبلاً واحداً لا فكاك منه، بل أمامنا في الواقع عدة أوجه من أوجه
المستقبل، وعدة خيارات لما نود أن نكون عليه، وفق إمكاناتنا وقدراتنا وتحديد
أهدافنا، وعزمنا على أن نصل إلى ما نود أن نكون عليه . وبعبارة أخرى فإن "
أمام كل أمة ألف مستقبل ومستقبل، يتوقف حدوث كل منها على ما تفعله أو ما لا تفعله
في حاضرها، وتحقيق الأهداف التي تسعى الأمة لتحقيقها لا تسقط عليها من الفضاء
الخارجي… فقانون السماء الخالد أن (من يعمل
مثقال ذرة خيراً يره، ومن يعمل مثقال ذرة شراً يره ) لذا فإن القرارات التي
نتخذها، والجهود، التي نبذلها اليوم تحدد صورة المستقبل الذي ينتظرنا". ([18])
فالمستقبل
ـ وبخاصة على المدى الطويل ـ ليس طريقاً أو خطاً واحداً لا فكاك منه ولا حيلة لنا
سوى السير عليه، تجري وفقه حياة المجتمع ونشاطاته، بل المستقبل الذي
نسعى إليه هو ما نختاره نحن من بين عديد من أنواع المستقبل، وأشكاله المطروحة
أمامنا، ونسعى إليه، وهو في الأصل " عدد من الاحتمالات التي تبدأ من نقطة
الحاضر، ثم تتفاوت فيما بينها على الزمن بقدر التفاوت في تنظيم مدخلاتها، وتفاعل
هذه المدخلات داخل كل خط واحتمالاته " ([19])
وذلك وفق منظور منهج تحليل النظم.
2–3–7 الرؤية
المستقبلية بكل صورها، وبدائلها ليست رؤية حرة. إنها رؤية مربوطة ومشدودة ومشروطة
بالحاضر، بل وبما يتصل بهذا الحاضر، من ماضٍ يعيش فينا، " فنحن نكتب تاريخ
المستقبل، عن طريق الجهد الذي نبذله في الحاضر، فيكون المستقبل مشرقاً بمقدار
الجهد المبذول ونوعيته". ([20]) لذا "
فأحسن طريقة لتوقع المستقبل، والمشاركة فيه تتمثل في فهم الحاضر".
([21])
فالحاضر بإمكاناته وأبعاده، وعلاقاته وإنجازاته ومشكلاته… إلخ
مدخل رئيس لكل مستقبل، وما المستقبل ـ في الأصل ـ سوى حاضر تحرك على خط الزمن
للأمام، أما كيف يتحرك هذا الحاضر على خط الزمن؟ وفي أي اتجاه؟ وإلى أية غاية؟
وبأية سرعة؟…إلخ فهذا كله ينبغي أن يتم من خلال
الرؤية المستقبلية، ومن خلال ما نود نحن أن نكون عليه في المستقبل، "
فالمستقبل ينبغي أن يحكم الحاضر" ([22]) بنفس الدرجة
التي يُعد فيها الحاضر بداية للمستقبل، وقاعدة لانطلاقه.
2–3–8 المستقبل يمكن
صنعه، وإبداعه، وتوفير متطلباته، ومستلزماته ـ بتوفيق الله ـ وصولاً إلى ما اخترنا
أن نكون عليه، في ضوء قيمنا وثقافتنا وغاياتنا ، كما يمكن الاستسلام والإذعان لما يأتي به، حتى ولو كان صدمة أو عدة
صدمات، والفرق بين الحالة الأولى والثانية توفر الرؤية الواضحة، والعزم على أن
نكون فاعلين، ولما اخترناه من مستقبل متجهين.
2–3–9 إن الزمن
المستقبلي، بحكم مده ومرونته من ناحية، وبحكم قابلية إخضاعه للتنظيم والتوجيه من
ناحية أخرى عامل حاسم، ومورد فعال في إحداث التغيير، وهنا يأتي دور التفكير الذهني
المنظم ممثلاً في الرؤية والتخطيط العلميين، والقدرة على تنظيم المدخلات، وضبط
العمليات وتوجيهها، ودور التكنولوجيا ممثلة في الأجهزة والمعدات لاختزال الزمن
وصولاً إلى البديل المستقبلي، أو الرؤية المستقبلية المنشودة. وفي مجال التعليم
يمكن اختزال الزمن المستقبلي اعتماداً على التفكير الذهني المنظم، والآلية في
الوصول إلى غايات الرؤية المستقبلية.
2–3–10 وبقدر ما يملك
الإنسان من وسائل وأساليب علمية في النظر إلى المستقبل يكون ما
صنعه وأبدعه لهذه الرؤية المستقبلية وفي هذا الإطار تتضح أهمية المنهج
المتبع في قراءة المستقبل، والقدرة على التحليل، ومن ثم التركيب، هذا إلى جانب
الحدس والقدرة على التصور، مع الإحاطة، والنظرة الشمولية.
2–3–11 إن البشرية كلها
مقدمة على مرحلة جديدة، تمثل المعرفة فيها متغيراً فاعلاً، الأمر الذي سوف يؤدي
إلى تغيير جذري غير مسبوق في تاريخ البشرية، ليس فقط في المجالات السياسية
والاقتصادية على مستوى العالم بأكمله، بل على المستوى الاجتماعي والثقافي أيضاً،
وهذا الوضع يتطلب ـ دون شك ـ استطلاع آفاق المستقبل المحتملة، وسبر غورها، واتخاذ
القرار المناسب في الوقت المناسب، لتحاشي ما ينطوي عليه المستقبل من أخطار، وما قد
يحمله في طياته من مفاجآت، سعيًا إلى تفادي المخاطر، وأملاً في تطويع المستقبل لما
يعد مرغوباً فيه. ([23])
إن
ذلك يتطلب منا أن نهتم بالمستقبل ودراساته، وأن ننظر للمستقبل ذاته على أنه
"لن يكون استطراداً خطياً لما هو قائم، ولا استمراراً لاتجاهات تحددت من قبل
"([24])،
ومن ثم فإن الرؤية المستقبلية لا ينبغي لها أن تستند فقط على الأساليب الإسقاطية
التي تقوم على التعرف على أنماط العلاقات السائدة، ومحاولة مدها في المستقبل،
وتوظيفها توظيفاً مباشراً في تحليل احتمالاته.
وقبل
كل هذه الفرضيات وبعدها فإن الرؤية المستقبلية تفترض تحديد هدف واضح لها، تسير في
ضوئه، وتسعى إلى تحقيقه، وإلا تحولت الرؤية إلى نزهة فكرية، لا تستحق ـ إن لم
يتوفر لها هدفُُ ـ أن نطلق عليها " رؤية".
2–3–12
وأخيرًا فإنه لابد من التنبيه على أن المستقبل الذي نعنيه هنا ليس هو الغيب الذي
اختص الرحمن وحده بعلمه، بل " نعني بالمستقبل نهج الحياة التي دعانا الرحمن
لأن نصوغ وفق متطلباتها وجودنا، والتي نريد أن يحياها أولادنا في غد مقبل، والتي
نحن جميعًا مطالبون بأن نعمل ونخطط ونبحث، ونستخدم نتائج العلوم، وحصاد التجربة
الإنسانية لضمان تحقيقها".([25])
" فالعمل من أجل المستقبل عقيدة إيمانية، وضرورة حتمية، وفريضة حضارية"
. ([26])
وهذا ما تجلى بأبدع صورة في الخطة المستقبلية الحكيمة التي وضعها نبي الله يوسف
عليه السلام في تأوليه لرؤيا الملك، ووردت في الذكر الحكيم تتلى إلى يوم القيامة
لاستخلاص العبرة منها.
قال تعالى
: { يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ
أَفْتِنَا فِي سَبْعِ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعِ
سُنْبُلاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ لَعَلِّي أَرْجِعُ إِلَى النَّاسِ
لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ قَالَ تَزْرَعُونَ
سَبْعَ سِنِينَ دَأَباً فَمَا حَصَدْتُمْ فَذَرُوهُ فِي سُنْبُلِهِ إِلاَّ
قَلِيلاً مِمَّا تَأْكُلُونَ ثُمَّ
يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ سَبْعٌ شِدَادٌ يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ
إِلاَّ قَلِيلاً مِمَّا تُحْصِنُونَ ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَامٌ فِيهِ
يُغَاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ }.
2-4 منهج الرؤية المستقبلية :
2-4-1
رغم الكم الهائل من البحوث
والدراسات والمؤلفات، التي تتخذ من المستقبل والمستقبلات عنواناً لها، إلا أن هذه
وتلك تتحدث عن رؤاها للمستقبل دون أن تحدد منهجها، وكأن منهج دراسة المستقبل أو التفكير
فيه معروف سلفاً، وكذا فروضه وخطواته ومراحله وهذا غير صحيح.
2-4-2
إن قضية المنهج هي القضية
الأساس في أي مجال علمي، لدرجة أن عديداً
من فقهاء البحث العلمي يعرّف العلم بأنه منهج أو طريقة في التفكير ، لذا ينبغي أن
يوضح الباحث منهجه، وطريقته في التفكير، إذ في ضوء صحة هذه الطريقة ومنطقيتها
ومعقوليتها تكون صحة النتائج ومعقوليتها، والعكس صحيح.
2-4-3
وإذا جاز لباحث الفيزياء أو
الكيمياء ألا يذكر بشيء من التفصيل خصائص المنهج الذي يتبعه، وكيفية وصوله إلى
النتائج، اعتماداً على أنه يذكر خطوات التجربة ـ مدار البحث ـ ومراحلها، فلا يجوز
ذلك للباحث في العلوم الاجتماعية، وذلك لتعدد مناهج البحث الاجتماعي أولاً، ولأن
مجال البحث في العلوم الاجتماعية بعامة ما زال مفتوحاً أمام الاجتهاد والإبداع
والتجدد، وبخاصة في مجال دراسة المستقبل.
2-4-4
ولا شك أن طبيعة البحث
الاجتماعي وأهدافه وأسئلته تحدد المنهج المناسب، وأدواته، إن كان هناك حاجة إلى
تلك الأدوات، وفي كل الأحوال فعلى الباحث في العلوم الاجتماعية أن يُبين خطه
الفكري، وطريقته في التفكير والنظر في المعطيات، وصولاً إلى الاستنتاجات،
والانتقال من الكليات إلى الجزئيات، أو العكس.
2-4-5
وفي ضوء الدراسة الحالية "
رؤية مستقبلية للتربية والتعليم في المملكة العربية السعودية"، وطبيعتها،
وفرضياتها، وأهدافها، وتساؤلاتها يمكن تحديد خطوات منهجها على النحو الآتي :
2-4-5-1
الإطار الفكري الذي يحدد أبعاد
منهجنا في النظر إلى المستقبل، وطريقة تشكيل رؤيتنا له، هو الإسلام بكل قيمه
وتوجهاته، وهذا أساس فلسفي يسبق المنهج ويحدده، ويلازم خطاه ونتائجه، ولا ينتهي
بنهايته.
2-4-5-2
الرؤية المستقبلية رؤية تتكامل
فيها أبعاد الزمن الماضي، والحاضر، والمستقبل في ذهن الباحث، فإن بدأ من الماضي
وصولاً إلى الحاضر ثم المستقبل، فهو يعود في حركة مرتدة من المستقبل، لإعادة قراءة
الماضي في ضوء ما نريد أن نكون عليه في المستقبل، ثم ينتقل إلى تصويب الحاضر، في
ضوء ما خلص إليه ـ نتيجة لإعادة قراءة الماضي ـ من عبر ودروس، وفي ضوء المستقبل
الذي اخترنا أن نكون عليه مما هو متاح أمامنا من صور المستقبل.
وحركة
ذهن الباحث في تنقلها من الماضي إلى المستقبل، ومن المستقبل إلى الماضي، مروراً
بالحاضر، لتصويبه من خلال منهجية تحليلية تركيبية، تظل قائمة إلى أن تتشكل أبعاد
الرؤية المستقبلية لديه.
2-4-5-3
عند قراءة الماضي– ورصد جوانب
الحاضر – نأخذ من ثوابت التراث، وتراكمات الحاضر ما يفيدنا في صياغة الرؤية
المستقبلية.
2-4-5-4
رؤية المستقبل التربوي على
مساره الزمني في تفاعلاته ومكوناته، وفي تشابكاته مع غيره من المسارات السياسية،
والاقتصادية، والثقافية… إلخ، المحلية
منها والعالمية،تتطلب "نظرة شمولية ترى الأجزاء في الإطار الشامل، وتعالجها
داخل هذا الإطار، ومن خلال تفاعلها مع غيرها من الأجزاء"
([27]).
2-4-5-5
الرؤية المستقبلية لا تسعى إلى
التنبؤ بما سيكون عليه المستقبل فحسب، بل إنها تسعى إلى إجراء حوار مع الوعي حول
احتمالات المستقبل، وهي في الوقت ذاته " فهم علمي لحركة التاريخ في مسيرتها
بين الماضي واحتمالات المستقبل عبر لحظة الحاضر".
([28])
2–5 حدود الرؤية
المستقبلية :
لكي
لا تتحول الرؤية المستقبلية إلى رؤية مفتوحة بلا حدود زمنية ـ الأمر الذي قد
يعرضها إلى أن تبعد الدراسة قليلاً، أو كثيراً عن واقعها ـ فإن دارسي المستقبل
يفضلون أن يكون لرؤاهم حدُُ أو أفقُُ زمني يتراوح بين 20 إلى 25 عاماً، لذا فإن
رؤية الباحث في دراسته الحالية تلتزم بهذه الحدود، فهي لا تتعدى العقدين القادمين،
حتى لا يصيب الرؤية المستقبلية غبشُُ يبعدها عن هدفها.
3– الماضي أصل وجودنا، وحاضرنا، فأين كنا ؟ (منظور
تاريخي) :
3-1
الماضي حي فينا، وأصل حاضرنا،
فأين كنا في التربية والتعليم؟
تسلم السعوديون في شبه الجزيرة العربية من الحكم السابق عليهم
تركة مثقلة بالفقر والتخلف والجهل والضعف والتشتت ولم يقتصر الأمر على ضعف يُصيب
الفرد في ماله، أو صحته، أو علاقاته، بل امتد إلى لب عقيدته إلى التوحيد، هذا هو
حصاد نظم الحكم السابقة على العهد السعودي في شبه الجزيرة العربية.
3-2
ورغم ما يجمع عليه المؤرخون من
انتشار الجهل، ليس فقط في نجد، بل وفي شبه الجزيرة بعامة، إلا أنه كان لبعض الأسر
في الحضر اهتمام بتعليم أبنائهم، وإلحاقهم بالكتاتيب، وحلقات الدرس، أما البدو فقد
انعدم لديهم التعليم، لذا نسب لهم المؤرخ "ابن بشر" السبب في وقوع الشرك
الأصغر، والأكبر في نجد . ([29])
3-3
أما عن أحوال التعليم خارج نجد
( وبخاصة في إقليم الحجاز) حيث مكة، والمدينة، وتاريخهما العريق في العلم،
والتعليم في صدر الإسلام، فقد استمرت الأحوال فيهما في التردي طوال فترة الحكم العثماني. ويرسم المستشرق
"بيركهارد" الذي زار إقليم الحجاز في حج عام 1229هـ صورة للعلم والتعليم
بقوله : " إن لدي من الأسباب ما يكفي للتأكيد بأن التعليم في مكة أقل بكثير
في الوقت الحاضر، حتى في العلوم الإسلامية، مما يوجد في أي مدينة تشبهها في عدد
السكان من مدن سوريا، أو مصر.. وتختلف مكة عن سائر المدن العثمانية، من حيث أنه لا
يوجد بها مدرسة عامة واحدة.. إن الحرم هو المكان الوحيد الذي يوجد فيه أساتذة
الدراسات الإسلامية، وهو كذلك المكان الذي تعقد فيه الدروس التي يتعلم فيها
التلاميذ القراءة، والكتابة ".([30])
3-4
ووصف الأستاذ " محمد علي
مغربي " الحياة العلمية بولاية الحجاز في أوائل القرن الثالث عشر هجري
قائلاً: " كان الحجاز في حالة من الجهل الفاضح، والأمية الفاشية "([31]).
هذا هو ما ورثته الدولة السعودية، وإنه ميراث ثقيل بكل المعايير، وفي كل المجالات
التربوية وغير التربوية.
3-5
وقد أولت الدولة السعودية منذ
البداية ـ في الدولة السعودية الأولى، والثانية ـ التعليم اهتماماً خاصاً ،
إدراكاً منها أنها راعية دعوة، وصاحبة فكر ورسالة، والدعوة والرسالة يتطلبان
برنامجاً للعمل،" وبرنامج العمل، وتحويل أفكار الناس من الضلال إلى الهدى،
ومن الشرك إلى التوحيد هو في أساسه عمل تربوي، يأخذ بالنقاش، والحوار، وإثارة
الوعي، وإعمال العقل "([32])،
لذا حرصت الدولة السعودية الأولى، والثانية على تعليم الصغار في الكتاتيب، وتعليم
الكبار في حلقات المساجد، وانتشرت هذه وتلك بصورة واضحة في الدولة السعودية الأولى والثانية، وبرز
علماء أفاضل، كان لهم الفضل في نشر التعليم في البلاد. ([33])
3-6
وحقيقة الأمر أن في تاريخ
الدولة السعودية ـ منذ نشأتها الأولى ـ ثوابت واضحة، يأتي في صدرها الاهتمام
بالتعليم بشتى صوره، لكن النقلة النوعية في مجال التعليم حدثت على يد المغفور له
الملك المؤسس عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود، فبتولي جلالته الحكم بدأ عصر جديد
في تاريخ شبه الجزيرة، وخلال حروبه لتوحيد البلاد حرص على أن يصاحب ذلك، ويسنده
تعليم، ووعي بأمور الدين لدى الجميع.؛ يقول الشيخ "جمل بن شرى" شيخ
قبيلة المساردة من قحطان، والمعاصر لجلالته "ركبنا إلى عبد العزيز، وكل من
ركب أعطاه مطوعاً، وقال له: اجمع جماعتك، وعلمهم أمور دينهم، ودرِّسهم، وصلِّ بهم،
وأرسل عبد العزيز عالماً لكل ديرة". ([34])
3-7
وظل اهتمام الملك عبد العزيز
قائماً بالتعليم في صوره التقليدية، إلى أن دخل إقليم الحجاز عام 1343هـ، فبدأ
بتنفيذ برنامجه في التعليم النظامي مدخلاً لتطوير المجتمع، ووسيلة لتحقيق وثبة
حضارية، تستهدف القفز فوق التخلف، واللحاق بركب العلم، وأيقن جلالته بأن مفتاح هذا كله يكمن في نظام جديد للتعليم، يحمل
في محتواه علوم العصر، في إطار قيم الإسلام وغاياته .
3-8
وبدخول الملك المؤسس مكة حانت
فرصته لتنفيذ مشروعه في تطوير التعليم، وتحديث صوره التقليدية في شكل تعليم نظامي،
تشرف عليه هيئة حكومية، من خلال تطوير المجتمع ذاته، يؤكد ذلك ما يأتي :
([35])
3-8-1
دعوته لعلماء مكة عام 1343هـ
عقب دخولها مباشرة في أول اجتماع تعليمي يعقد في تاريخ المملكة، وحثهم في ذلك
الاجتماع على بذل الجهد لنشر التعليم وتنظيمه والتوسع فيه.
3-8-2
زيارته كلاً من مدرسة الفلاح،
والمدرسة الفخرية عام 1344هـ، وتبرعه للأولى بمائة جنيه ذهباً، وعشر ذبائح، وأربعة
أكياس من الأرز، وللثانية بخمسين جنيهاً، وست ذبائح، وأربعة أكياس من الأرز،"
ويقدر أحد الباحثين أن التبرع الذي حظيت به مدرسة الفلاح (الأهلية) كان يساوي
واحداً بالألف من إيراد الدولة في ذلك الوقت ".([36])
3-8-3
أرسل جلالته في نفس العام
مستشاريه " حافظ وهبة، ويوسف ياسين " للتفتيش على الكتاتيب الثمانية
التي كانت موجودة في مكة في حينه، ومعرفة احتياجاتها.
3-8-4
توّج جلالته هذا الاهتمام
بإصدار المرسوم الملكي في 1/9/1344هـ بإنشاء مديرية المعارف، لتكون بمثابة حجر
الأساس لنظام تعليمي حديث، ولم يكن بإقليم الحجازـ حتى تأسيس مديرية المعارف ـ سوى
أربع مدارس ابتدائية للبنين، وكانت هذه المدارس كلها في مكة، ولم تتوافر مدارس في
غيرها، لا في إقليم الحجاز ولا في غيره من الأقاليم.
3-8-5
وفي عام 1346هـ تشكل أول مجلس
للمعارف، وجاء في قرار إنشاء المجلس "وضع نظام تعليمي في الحجاز، يلتزم
بمراعاة توحيد التعليم في الحجاز، والسعي لجعل التعليم الابتدائي إجبارياً،
ومجانياً"؛ وما جاء في قرار إنشاء مجلس التعليم يدل دلالة ـ لاشك فيها ـ على أن الملك المؤسس
جعل من التعليم مشروعه لبناء دولة عصرية، إطارها الإسلام هدفاً وغاية، ووسيلتها
التربية والتعليم، يدل على ذلك ما ورد في القرار من توجيهات: أولها توحيد التعليم،
وثانيها جعل التعليم الابتدائي إجبارياً، وثالثها كونه مجانياً، هذا في وقت كانت
فيه ميزانية الدولة محدودة للغاية([37])، لكن هذه هي
متطلبات المشروع.
وبقيام
مديرية المعارف تغير الحال، وأخذ عدد المدارس يتضاعف عاماً بعد عام، حتى بلغ عدد
المدارس الحكومية (323) مدرسة تشمل جميع المراحل في عام 1372هـ وهو آخر أعوام
مديرية المعارف.
3-9
وإذا جاز لنا أن نطلق على مرحلة
"مجلس المعارف " مرحلة التحضير، أو مرحلة البنية الأساسية بلغة علماء
الاقتصاد، حين أرسى الملك المؤسس القواعد، وخط الطريق، فإن المرحلة التي تلتها
أتاحت لقوى التقدم أن تنطلق، وأتى ذلك التقدم في مجال التعليم على يد الأمير الشاب
فهد بن عبدالعزيز أول وزير لوزارة المعارف.
3-10
وشاءت إرادة الله ألا يشهد
الملك المؤسس انعقاد المجلس الأول لمجلس الوزراء ، عقب تأسيس وزارة المعارف، ووزارة الداخلية، والمواصلات، والزراعة، والصحة
ـ في عام 1373هـ، لكنه كان قد ترك تعليماً رسمياً، بدأ في الانتشار في أجزاء لم
يكن بها تعليـــم رسمي قبل ذلك، ثم أنشأ الملك سعود وزارة المعارف، بالقرار رقم
5/3/26/4950 بتاريخ 18/4/1373هـ، وكان على رأسها الأمير "فهد بن عبد
العزيز"، ليتعهد المشروع التربوي للملك المؤسس، مدخلاً للتنمية والتطوير،
ووسيلة لتقليص الفجوة بين المملكة العربية السعودية وغيرها من بلدان العالم
المتقدم.
وتولى
الوزير الشاب الأمانة بجهد الشباب، وعزم القادة المؤمنين برؤاهم، وسلطة الوزير
الواعي، الذي يمنح المسؤولية قبل المساءلة: "فكل موظف في وزارة المعارف هو
الوزير لها، وعليه مسؤولية الوزير في حدود عمله، واختصاصاته، لذا يجب أن يعمل كل
منا بقدر طاقته، وأن يخلص لهذا الجيل الصاعد من أبناء وطنه " ([38])؛
وبهذه الروح كان يعمل الوزير الشاب، وبهذه الروح قابل المشكلات، ووجه الإمكانات
نحو الغايات، ساعده في ذلك أن الطريق كان واضح المعالم، فانطلق يبني ويطور، ويتابع
المسيرة بلا قيد روتيني، أو خوف من الإخفاق، فأنجز في سنين معدودة ما كان يتطلب
إنجازه عدة عقود. ([39])
3-11
وظل المشروع التربوي يحظى
برعاية خادم الحرمين الشريفين وزيراً، وولياً للعهد، ومليكاً، مما استحق معه أن
"يعد بحق الرائد للتعليم في المملكة، ومهندسه، ومطوره".
([40])
3-12
إن قراءة التاريخ القريب
للتعليم في المملكة العربية السعودية، وتلمس جذوره الضاربة في العمق، تضع أيدينا
على ثوابت وجهت حركة التاريخ في الماضي البعيد، والقريب على حد سواء، وكان لتوظيف هذه
الثوابت أثر واضح في تحقيق التقدم، والازدهار، وفي إهمال توظيفها كان الضعف
والتخلف، ومن هذه الثوابت ما يأتي :
3-12-1
أننا أبناء رسالة، تدعو إلى طلب
العلم، وتجعل من "طلب العلم فريضة على كل مسلم "، وأن "من سلك
طريقاً للعلم سهل الله له طريقاً إلى الجنة"، ويكفي أن نذكر في هذا المجال أن
الإمام "ابن قيم الجوزية" الدمشقي– رحمه الله– ذكر في كتابه "مفتاح
دار السعادة، ومنشور ولاية العلم، والإرادة" تحت باب الأصول الأولى في العلم،
وفضله، وشرفه، وبيان عموم الحاجة إليه، وتوقف كمال العبد، ونجاته في معاشه، ومعاده
عليه مائة وثلاثين وجهاً ، أيّد كل وجه منها بسند من القرآن الكريم أو السنة
الشريفة أو كليهما. ([41])
3-12-2
تؤكد كل دروس الماضي أن وراء
ازدهار الحضارة الإسلامية اهتماماً بالعلم والتعليم، وأن الضعف الذي أصاب الدولة
الإسلامية، قبل أن تنكشف أبعاده، وتتضح معالمه، قد أصاب أولاً نظامها التعليمي:
فكراً وممارسة، ويصدق هذا القول على كل مراحل التاريخ الإسلامي، وقبل أن تسقط
بغداد في يد التتار عام 656هـ، كان الضعف واضح المعالم، لا يخفى على باحث، قد أصاب
التعليم في الدولة العباسية، فساءت أوضاع
المعلمين والراغبين في التعليم على حد سواء، ومثل هذا حدث في الأندلس ؛ فقد سبق
سقوط الحضارة الإسلامية، واقتلاع جذورها– بالنفي والذبح والتنصير – إخفاق المدرسة
العربية الإسلامية في القيام بمهامها الجوهرية. ([42])
3-12-3
الدولة السعودية صاحبة رسالة
خالدة، ودعوة واضحة، رسالتها الإسلام، وهي امتداد لرسالة الدولة الإٍسلامية الأولى
في المدينة، ودعوتها العودة إلى الإٍسلام في أصوله، ونقائه، ومحاربة الشرك،
والقضاء على البدع، وتطبيق الشريعة الإسلامية في كل أمور الحياة، دعوة شاملة
للإصلاح الديني، والسياسي، والاجتماعي. يؤكد ذلك ما يأتي :
3-12-4-1 حرصت الدولة السعودية الأولى على نشر التعليم وسيلة لتطهير
شبه الجزيرة من البدع، والخرافات، وإقامة الشرع، واهتمت بتعليم الصبيان، وافتتحت
الكتاتيب، ونشطت مجالس العلم، وكان الشيخ محمد بن عبد الوهاب، وأبناؤه الأربعة، هم
المعلمون الأول، وعن التعليم في هذه المجالس يقول "ابن بشر": "لقد
رأيت لهؤلاء الأربعة الأجلاء مجالس، ومحافل في التدريس لطلبة العلم من أبناء
الدرعية، والغرباء". ([43]) وبلغ من حرص
الدولة السعودية الأولى أن كان قادتها يصطحبون معهم في الغزوات علماء، يعقدون
مجالس علمية، ينتفع بها أفراد الجيش الغازي. ([44])
3-12-4-2 وامتد هذا الأصل، وبنفس الدرجة في الدولة السعودية الثانية،
ويبدو ذلك جلياً من المنشور الذي أرسله "الإمام تركي " إلى أهل الأمصار؛
لتلاوته في المساجد، وجاء فيه: " وكل أهل بلد يرتبون مجالس الدرس في الجوامع،
فإن كانت خاوية يعمرونها". ([45])
3-12-4-3 إذا كانت طبيعة الحياة في شبه الجزيرة، وتلاحق الأحداث التي أحاطت
بالدولة السعودية الأولى والثانية قد حددت شكل اهتمامها بالتعليم في تلك الصورة
المتوارثة، التي نطلق عليها حالياً التعليم غير النظامي، ففي عهد الملك المؤسس عبد
العزيز بن عبد الرحمن اتخذ اهتمام الدولة بالتعليم شكل التعليم النظامي، وغير
النظامي معًا.
3-12-4-4 أن الملك المؤسس بعد أن ضم إقليم الحجاز في عام 1344هـ ـ وكان
بالحجاز بذور تعليم نظامي لنظم سابقة ـ أصدر مرسوماً ملكياً في 1/9/1344هـ بإنشاء
" مديرية المعارف "، وفي عام 1345هـ صدرت التعليمات الأساسية للمملكة
الحجازية، وفيها تعريف " لأمور المعارف " بأنها: نشر العلوم، والمعارف،
والصنايع، وافتتاح المكاتب، والمدارس، وحماية المعاهد العلمية، مع شرط الدقة،
والاعتناء بأصول الدين الحنيف في كافة المملكة الحجازية .
([46])
وفي عام 1346هـ تشكل أول مجلس للمعارف، وجاء في قرار إنشاء المجلس أن عليه "
وضع نظام تعليمي للحجاز، يلزم بمراعاة توحيد التعليم في الحجاز، والسعي لجعل
التعليم الابتدائي إجباريًا، ومجانياً.([47]) ويتضمن هذا
القرار ثلاث وقفات تستحق التقدير، وتدل دلالة واضحة على اهتمام بالتعليم:
أولاها
: توحيد التعليم في البلاد.
وثانيتها: السعي إلى جعل التعليم الابتدائي إجبارياً، وهذا مفهوم
متقدم جدًا، ليس فقط بالنسبة للحجاز، وشبه الجزيرة العربية بكاملها، بل والدول
المجاورة في ذلك الوقت.
وثالثتها:
السعي إلى أن يكون التعليم الابتدائي مجانياً، مع ضعف الإمكانات المادية، والبشرية
في ذلك الوقت، فكيف يكون التعليم الابتدائي مجانياً وإجبارياً مع ضعف كل الإمكانات
في حينها ما لم يكن وراء ذلك رؤية واضحة لأهمية العلم والتعليم، ومكانتهما في بناء
الدولة السعودية، وعزم لا يلين على تذليل كل الصعوبات في سبيل تحقيق هذه الغاية،
وهذه وتلك ثوابت في تاريخ التعليم السعودي، حتى في أوقات الشدة.
4 – المستقبل يبدأ اليوم، فأين
نحن الآن ؟ (منظور واقعي يرصد الحاضر، ويحلل أبعاده) :
4–1 لا يتصور الباحث أن
سؤال: أين نحن من العملية التربوية؟ ينصب على اللحظة الراهنة؛ فاللحظة الراهنة هي
لحظة في سياق زمني لا يمكن إدراكها بمعزل عن هذا السياق، بل إنها تفقد خصوصيتها
إذا اجتثت من هذا السياق؛ لذا فإن فهم ـ أو معرفة ـ (أين نحن الآن؟) يتطلب أن نعرف
أولاً أين كنا؟، وهذا ما تعرضنا له في الصفحات القليلة السابقة بصورة شمولية، كما
أن الأمر يتطلب ـ فوق ذلك ـ لنعرف أين نحن الآن، وأهم ما حققناه من إنجازات، أن
نحدد نقطة زمنية ليست قريبة كل القرب، فيتعذر معها إجراء المقارنة، وليست بعيدة عن
أنظار أبناء هذا الجيل وخبراتهم ومشاهداتهم ، لذا ـ وفي ضوء المعيار السابق ـ يجد
الباحث أن عام 1390هـ هو أفضل خيار، وذلك للأسباب الآتية :
·
في عام 1390هـ تبنت الدولة
سياسة التخطيط من أجل التنمية الشاملة، وبدأت خططها الخمسية منذ ذلك التاريخ،
وتنفذ المملكة حالياً خطة التنمية السادسة (1415/1420هـ).
·
أن معظم من هم في المسؤولية
الحكومية و في مراكز قيادية قد عاش فصول ملحمة التنمية، وشارك فيها، مخططاً، أو
منفذاً،أو منتفعاً.
·
أن المقارنة بين الأوضاع
التعليمية في عام 1390هـ، وفي عام 1418هـ تحقق هدفين: أن نعرف أين نحن الآن، وأهم
الإنجازات، وأن نقدر لقيادة هذا البلد دورها فيما حققته المملكة من نقلة كمية،
ونوعية في التعليم، وفي شتى مجالات الحياة.
4-2
أن وزارة المعارف هي المسؤول
الرئيس عن تعليم البنين في المملكة العربية السعودية، وهي تُشرف على 89.7% من
إجمالي طلاب التعليم الابتدائي للبنين بالمملكة، وترتفع إلى نسبة 97.2% إذا أضفنا
أعداد طلاب التعليم الأهلي الذي تشرف عليه الوزارة، وعلى نسبة 87.2% من إجمالي
طلاب المرحلة المتوسطة، ترتفع إلى 92.8% بعد إضافة أعداد طلاب التعليم الأهلي، وعلى
نسبة 84.3% من تلاميذ التعليم الثانوي ترتفع إلى نسبة 90.6% بعد إضافة أعداد طلاب
التعليم الأهلي، وتوجد جهات حكومية أخرى توفر التعليم لمنسوبيها وأبنائهم هي :
وزارة الدفاع والطيران، ورئاسة الحرس الوطني، ووزارة الداخلية، وفق مناهج وزارة
المعارف ومقرراتها، إضافة إلى المعاهد العلمية التابعة لجامعة الإمام محمد بن سعود
الإسلامية.
ويتبع
لوزارة المعارف المراحل والأنواع الآتية من تعليم البنين :
·
التعليم العام ( ابتدائي ـ
متوسط ـ ثانوي ).
·
إعداد المعلمين.
·
التربية الخاصة.
·
تعليم الكبار ومحو الأمية
لذا
فسوف يتم استعرض أهم الإنجازات الكمية لتعليم البنين في المملكة في المجالات
الأربعة السابقة، وذلك على النحو الآتي :
4–3 التعليم العام
يوضح
( الملحق رقم 1 ) تطور مدخلات التعليم العام من: مدارس، وطلاب، ومعلمين، ومنه يتضح
الآتي :
·
بالنسبة للتعليم الابتدائي: قفز
عدد المدارس من (1.446) مدرسة قبل بداية الخطة الخمســـية الأولى إلى (5.933)
مدرســة في عام 17/1418هـ، بزيادة قدرها 310%، أما الطلاب فقد كان عددهم (277.364)
فوصل إلى (1.174.411) طالباً، بزيادة نسبتها 323%، كما زاد عدد المعلمين من
(12.851) إلى (84.790) معلماً، وذلك بنسبة قدرها 560%.
·
بالنسبة للتعليم المتوسط: قفز
عدد مدارسه من (333) في عام 89/1390هـ إلى (2.928) مدرســــة في عام 17/1418هـ،
بزيــادة نسبتها 779%، وزاد عدد طلابه من (55.890) إلى (516.426) طالبــــاً، وذلك
بنســــبة 824%، وزاد عــــدد المعلمين من (3.292) إلى (38.545) معلماً، وذلك
بنسبة 1071% للفترة ذاتها.
·
بالنسبة للتعليم الثانوي، قفز
عدد مدارسه من (110) مدرسة في عام 89/1390هـ إلى (1.345) مدرسة في عام 17/1418هـ
وذلك بنسبة 1123%، وزاد عدد طلابه من (14.058) إلى (226.208) طالباً، وذلك بنسبة
1794%، وزاد عدد المعلمين من (504) إلى (19.122) معلماً وذلك بنسبة 3894%.
·
ومما سبق يتضح أنه خلال أقل من
ثلاثة عقود (ثمانية وعشرين عاماً) تضاعف عدد الطلاب، والمدارس، والمعلمين بصورة
فاقت ما توقعه المخططون، وما استهدفته خطط التنمية، وما ذلك سوى نتيجة لتشجيع
الدولة ـ حفظها الله ـ من ناحية، وتصاعد سريع في الطلب الاجتماعي على التعليم من
ناحية أخرى.
4–4 إعداد المعلمين :
ملحمة
إعداد المعلمين في المملكة العربية السعودية تحكي قصة نجاح، وتوفيق من الله عز وجل، في بُعدها الكمي والنوعي معًا، لقد بدأنا ـ في
التعليم الابتدائي ـ بمعلم نكتفي أن يكون على معرفة بالقراءة، والكتابة، وبعض
المعلومات، والمعارف الضرورية، إلى جانب حفظ بعض سور القرآن الكريم، وأحكام الفقه،
أما الآن فمعلم المرحلة الابتدائية يتخرج من كليات للمعلمين، مدة الدراسة فيها
أربع سنوات، ويحصل على الدرجة العلمية نفسها التي يحصل عليها المهندس، والطبيب،
والمحاسب، وبين نقطة البداية وما وصلنا إليه مسافة طويلة، تحكي مراحل هذا النجاح:
بدءاً من إنشاء المعهد العلمي السعودي بمكة المكرمة في عام 1345هـ، ومروراً بمعاهد
المعلمين الابتدائية، ومعاهد المعلمين الليلية، والدورات الصيفية، ومراكز الدراسات
التكميلية، والكليات المتوسطة، وكليات المعلمين، ومع ذلك فما زلنا نطلب المزيد ممثلاً في تدريب المعلمين
في أثناء الخدمة، في إطار فلسفة التعليم المستمر.
ونكتفي
في هذا الجزء من الدراسة ( أين نحن الآن؟ ) بعرض دور وزارة المعارف في النمو الكمي
لإعداد معلمي المرحلة الابتدائية، ( ويوضح الملحق رقم 2 تطور أعداد المعلمين خلال
المدة من 89/1390هـ إلى عام 1417/1418هـ).
ومنه
يتضح الآتي :
(1)
في عام 89/1390هـ قبل بداية
الخطة الخمسية الأولى، كان لدى المملكة معهد واحد على مستوى التعليم المتوسط
لإعداد المعلمين، و(13) معهدًا على مستوى التعليم الثانوي، وكان عدد الطلاب
(4.344) طالباً يعلمهم (334) معلماً.
(2) الوضع الحالي يتمثل في اختفاء معاهد إعداد
المعلمين على مستوى المتوسط والثانوي، وإعدادهم على مستوى كليات المعلمين التي وصل
عددها إلى (18) كلية، يدرس فيها (18.210) طالباً، يعلمهم فيها (1.573) عضو هيئة
تدريس ومن في حكمهم. وبمقارنة بسيطة يتضح أن عدد الطلاب زاد من (4.344) في عام
89/1390هـ إلى (18.210) في عام 17/1418هـ، وذلك بنسبة زيادة 319%، كما زاد عدد
أعضاء هيئة التدريس من (334) إلى (1.573) للفترة ذاتها، وذلك بنسبة 371%، هذا على
المستوى الكمي. لكن الأهم هو ما تحقق من إنجازات نوعية في مجال إعداد المعلمين
التي تمثل ـ حقاً ـ نقلة نوعية، جعلت المملكة العربية السعودية تقف مع أكثر دول
العالم تقدماً في مجال إعداد معلم المرحلة الابتدائية.
4–5 التربية الخاصة.
لم
تقتصر جهود وزارة المعارف على تعليم أبنائها العاديين، بل امتدت لتشمل غير
العاديين، من منظور إتاحة فرصة التعليم لجميع أبناء الوطن، وفي شتى أنحاء المملكة،
عاديين ، ومعاقين ، وموهوبين .
وظلت
وزارة المعارف تشرف على هذا النوع من التعليم للبنين والبنات، حتى عام 1414هـ حين
انتقل الإشراف على معاهد الإناث إلى الرئاسة العامة لتعليم البنات.
ويوضح
(الملحق رقم 3ـ أ، ب) ـ تطور النمو الكمي للتربية الخاصة خلال الفترة من 89/1390هـ
إلى عام 17/1418هـ.
ومنه
يتضح الآتي:
(1)
في عام 89/1390هـ بلغ عدد معاهد
التعليم الخاص (10) معاهد، يدرس بها (1.248) طالباً وطالبة في مجالين فقط هما
(المكفوفون، والصم). وكان عدد الذكور (1097) طالباً، وعدد الإناث (151) طالبة.
(2)
في عام 1413هـ وصل عدد المعاهد
إلى (54) معهداً، وبلغ عدد الطلبة والطالبات (6.354) ، منهم (2.244) طالباً، وفي
عام 1414هـ انتقل الإشراف على معاهد الإناث إلى الرئاسة العامة لتعليم البنات.
(3)
في عام 17/1418هـ بلغ عدد
الطلبة بالتعليم الخاص (6.166) طالباً، في ثلاثة مجالات (المكفوفين ـ الصم ـ
التربية الفكرية) ، وبلغ عدد هذه المعاهد (69) معهداً، وبمقارنة بسيطة يتضح أن عدد
الطلاب الذكور زاد من (1.097) طالباً في عام 89/1390هـ إلى (6.166) في عام
17/1418هـ، وذلك بنسبة 462%، وزاد عدد المعاهد للفترة ذاتها من (8) معاهد إلى (69)
معهداً في عام 17/1418هـ، وذلك بنسبة 763%.
4–6 محو الأمية وتعليم
الكبار:
لم
تقصر وزارة المعارف جهودها على أبنائها تلاميذ التعليم العام، وأدرك ساسة هذا
البلد،والمسئولون أهمية محو الأمية، والحاجة إلى تعليم الكبار، حتى قبل أن تظهر
وزارة المعارف ذاتها، إذ بدأت مديرية المعارف في عام 1369هـ تفتح أبواب بعض
المدارس النهارية ليلاً، ليسهل انتساب المواطنين إلى المدارس الابتدائية لمحو
أميتهم، وعندما تأسست وزارة المعارف أنشأت إدارة خاصة لهذا النوع من التعليم، هي
إدارة الثقافة الشعبية في عام 1374هـ، وكانت تتبع في البداية إدارة التعليم
الابتدائي، ثم فصلت لتصبح إدارة خاصة باسم "إدارة تعليم الكبار ومحو
الأمية" في عام 1378هـ، وفي عام 1405هـ طورت لتصبح "الأمانة العامة
لتعليم الكبار ومحو الأمية".
ويوضح
(الملحق رقم 4) تطور أعداد مراكز محو الأمية، والدارسين في المملكة، ومنه يتضح
الآتي :
(1)
كان عدد مراكز محو الأمية في
عام 89/1390هـ (611) مركزاً، زاد عددها إلى (2.360) في عام 99/1400هـ، وكان عدد
الدارسين (42.369) دارساً، وصل إلى (103.394) لنفس الفترة، وهذا يعني ازدياد عدد
المراكز بنسبة 286%، وازدياد عدد الدارسين بنسبة 144%.
(2)
منذ عام 1399/1400هـ أخذ عدد
المراكز في التناقص، وكذا عدد الفصول والدارسين، فوصل عدد المراكز في 17/1418هـ
إلى (1.220) مركزاً، وعدد الدارسين إلى (40.011) دارساً؛ وهذا هو التناقص المحمود
والمطلوب، فهو تناقص لا يعود إلى فتور في نشاط محو الأمية، أو تقاعس عن هذه المهمة
الوطنية التي تكفلت بها الوزارة منذ نشأتها، بل يعود إلى أن مخزون الأمية في
المملكة ـ وبخاصة في الذكور ـ أخذ في النضوب، مع انتشار التعليم الابتدائي، واتساع
نطاقه وتعميمه ليشمل أبناء الوطن الصغار، ومع نشاط أمانة تعليم الكبار في مكافحة
الأمية، وما رسمته الوزارة من خطط واستراتيجيات، الأمر الذي هبط بنسبة الأمية في
الذكور إلى (10.5%). ولم تتوقف جهود الوزارة في مجال تعليم الكبار عند محو أميتهم،
بل فتحت لهم مدارس متوسطة ليلية، لمواصلة دراستهم، بلغ عددها (172) مدرسة، يدرس
فيها (30.046) دارساً، وأخرى ثانوية، بلغ عددها (104) مدارس، يدرس فيها (22.894)
دارساً، وذلك وفق إحصاء 17/1418هـ.
4-7
هذا هو واقعنا التعليمي: انتقل
منه ومن خلاله ابنُ المملكة العربية السعودية – الذي كان منذ عهد قريب بسيط
الخبرة، قليل المعارف– إلى طبيب يشار إليه بالبنان، يجري بنجاح أعقد العمليات
الجراحية في القلب المفتوح، ونقل الأعضاء، ومهندس يخطط المدن، ويرصـــف الطرق،
ويدير بكفاءة مصانع البتروكيماويات، وزراعي حوّل ـ بفضل الله ـ الصحارى التي لم
يسبق لها أن عرفت الزراعة إلى مزارع منتجة، بل ومصدرة للقمح، لأول مرة في تاريخها
الطويل، وإلى باحث، وأستاذ جامعة، يحاضر في الندوات العلمية، والمؤتمرات العالمية
في علماء من دول العالم المختلفة، ويكسب إعجابهم واحترامهم، حدث هذا كله داخل
إطارنا الإسلامي، وبفضل تمسكنا بديننا، فزدنا علماً، وزدنا إنتاجاً، وزدنا تحضراً،
وزدنا أولاً وأخيراً تمسكاً بشرع الله ، إن ما حدث في مجال التعليم – وغيره من
مجالات التنمية– في المملكة العربية
السعودية خلال العقود القليلة الأخيرة، لا يسعني أن أصفه بأكثر مما وصفه صاحب
السمو الملكي الأمير نايف بن عبد العزيز، وزير الداخلية، في افتتاحه لأسبوع
الجامعة والمجتمع، بجامعة الملك سعود 17/1418هـ بقوله : " … إن
ما تحقق من إنجازات تنموية على أرض بلادنا، وبخاصة في مجال التعليم، يفوق بكل
تأكيد خيال الحالمين، وحسابات الرياضيين، وأرقام المخططين، وتوقعات كل المتفائلين؛
إنه توفيق من الله عز وجل " . وما تحقق بالأمس، ويجري تحقيقه اليوم، هو بداية
طريق الغد، لعالم المستقبل المشرق بإذن الله.
5 – العالم من حولنا يؤثر فينا، وعلينا أن نعايشه،
ونؤثر فيه. ( منظور تحليلي لمتغيرات العصر، وتأثيرها على تربيتنا، وكيف نعد
أبناءنا للتفاعل معها؟ ).
5-1
عالم اليوم غير عالم الأمس.
عالم اليوم سقطت فيه مقولة العزلة، أو حتى محاولة الاعتزال، وإمكانية أن تعيش
دولة، أو جماعة مكتفية بذاتها، أو بأقل قدر من الاعتماد على غيرها، وسقط مع هذه
المقولة كل وسائل العزلة من: أسوار، أو خنادق، أو ستار حديدي، أو غير حديدي، كما
سقطت ـ في نظريات الدفاع العسكري ـ نظرية القلاع والحصون، وخطوط الدفاع المشيدة،
مهما امتدت أطوالها، ومهما كانت إمكاناتها، وأصبحت هذه وتلك مزارات للسياح، تدل
على مراحل مضت من تاريخ البشرية وانقضت، وسقطت معها ـ إلى غير رجعة ـ أفكارها
ومفاهيمها.
5-1-1
عالم اليوم لم يعد مترامي
الأطراف، كما كان في الماضي، ولم يعد به شرق أقصى، وأدنى، وأوسط، من منظور جغرافي،
لقد أصبح عالمنا قرية إليكترونية، أو قرية عالمية بالتعبير الشائع.
5-1-2
ولا شك أن التربية تكتسب خصائصها
ووظائفها من خصائص محيطها، وحاجاته، ومتغيراته، ومحيط التربية يمتد في بعده من
المحلي إلى العالمي، وحاجات التربية ومتغيراتها لم تعد حاجات ومتغيرات محلية، بل
حاجات ومتغيرات محلية في إطار عالمي، فنحن لا نعيش بمفردنا في هذا العالم، والحكمة
التي تروى : "رحم الله امرءاً عرف زمانه، واستقامت طريقته " حكمة عظيمة،
إنها المعادلة الحضارية: معرفة الزمان + استقامة الطريقة = نيل الرحمة.
5-1-3
ومعيار جودة التربية وأصالتها
في أي عصر، ومصر أن تحافظ على هوية مجتمعها، بحفاظها على ثقافته ودينه ولغته وقيمه
وأخلاقه وعاداته وتقاليده وفنونه وآدابه… إلخ.
وكل ما يميزه عن غيره من المجتمعات، وأن تعايش في نفس الوقت عصرها، وأن تنفعل بما
يسوده من متغيرات، فتتأثر بها، وتؤثر فيها، وتغير من حركة مجتمعها في ضوء متغيرات
عصرها، وتعود فتؤثر بدورها في توجيه متغيرات عصرها انطلاقاً من ثقافتها، في حركة دائرية
متصلة الفعل والتفاعل وهذا هو قدر التربية، ودورها في المجتمع: أن تكون محافظة،
ومجددة معًا.
5-1-4
لذا يمكن القول : إن تربية تفرط
في الحفاظ على ثقافة مجتمعها، طلباً للمعاصرة من أجل المعاصرة والتجديد تربية تضحي
بهوية المجتمع وذاتيته،ولكن ماذا يتبقى للمجتمع إن فقد ذاته وهويته وكسب قشور
المعاصرة ونقوشها؟ إن المعاصرة ليست شيئاً مادياً يمكن امتلاكه، ممثلاً في
الآلات، والأدوات، والسيارات، والطائرات، والتقنيات مهما كان مستواها، إنها فعل
الذات، وعملها، وسلوكها، وتفاعلها مع الآخر من خلال إدراكها لنفسها ولقيمها ولكل مقدساتها.
وتربية تفرط في عصرها ومتغيراته وحاجاته فلا تعايشه
ولا تنفعل به ولا تتأثر به وتؤثر فيه إنما تكتب على مجتمعها الفقر بكل معانيه
وأبعاده ( المادية والثقافية معاً ) . إنها تحفر قبراً تُلحد فيه ثقافتها دون وعي
منها، لأن حياة ثقافة الأمة ليست في عزلتها إنما في احتكاكها بغيرها، وفي معايشتها
لعصرها، وفي القدرة على توظيف قيمها ومثلها وطبع الحياة بطابعها.
5-1-5
وإذا كان هذا هو قدر التربية–
بالنسبة لنا، ولغيرنا– فإن التربية لدينا مدعوة أن تكون سندنا في المحافظة على
ديننا: شريعةً، وفقهاً، وأسلوباً، ومنهجاً للحياة، وعلى لغتنا لفظاً، ونطقاً،
وفكراً، وطريقة في التعبير، وعلى قيمنا المستمدة من ديننا، وتراثنا، وترجمتها إلى
فعل، وعمل، وسلوك وممارسة، وفي المحافظة على كل ما يميزنا عن غيرنا من الأمم،
والشعوب من: فنون، وآداب، وعادات، وتقاليد، وتراث، وتاريخ … إلخ.
وأن تسعى في نفس الوقت لمعايشة واقعنا في بعده المحلي، والعالمي: تنفعل به
وبمشكلاته وأوضاعه، تتأثر به وبمتغيراته، وتؤثر فيه وتعدل حركته في إطار ثقافة
المجتمع، ثم تعود إلى ثقافة المجتمع لتطورها في إطار عصرها.
5-1-6
لذا فإن أي تحليل مستقبلي
للتربية غير مجد ما لم نتعرف على متغيرات العصر، في علاقتها بالتربية أخذاً
وعطاءً.
إن الحديث عن العصر، ومتغيراته يتسع باتساع عالمنا، ولا يستطيع باحث بمفرده أن يحيط
به، ولا يستطيع حتى فريق من الباحثين الإحاطة بكل دقائقه، فما أن يجف مدادهم،
ويطوي الفريق آخر صفحة في مؤلفهم أو تقريرهم حول متغيرات عصرنا وآثارها الحالية
والمستقبلية حتى تستجد متغيرات جديدة ، فعصرنا يتميز بدينامية وحركة سريعة ولم
يحدث من قبل أن جاء التغير بمثل هذه السرعة، وبمثل هذا العمق، وعلى مثل هذا النطاق
العالمي؛ لذا فسوف نعرض في الصفحات التالية أهم هذه المتغيرات، وما يؤثر على
التربية ـ لدينا ـ من ضغوط وتحديات، وما تفرضه من الحاجة إلى إعادة النظر في بعض
جوانب العمل التربوي فكراً وتطبيقاً، هذا مع يقيننا بأننا نتحدث عن متغيرات عالمنا
الذي يتراكم فيه التغير ليحدث بدوره تغيراً في حركة متسارعة الخطى، تتزايد في
سرعتها يوماً فيوماً، وأهم هذه المتغيرات ذات العلاقة الوثيقة والمؤثرة في
التربية، ما يأتي :
5–2 السكان ( البعد
الديموغرافي )
يعد
السكان بنموهم وأعدادهم وفئاتهم وحركة هجرتهم في الداخل والخارج وأوضاعهم
الاقتصادية والصحية والتعليمية من أهم مدخلات التخطيط الاجتماعي والاقتصادي بعامة،
والتربوي على وجه الخصوص. وهم كذلك عنصر رئيس في تصور أية رؤية للمستقبل، يصدق ذلك
على شتى المستويات ( المحلية، والإقليمية، والعالمية ) خاصة إذا تذكرنا "أن
سكان كوكبنا زادوا من 2.5 بليون نسمة في عام 1951م إلى (4) بلايين في عام 1976م، ويصل عددهم حالياً إلى (6)
بلايين، ويقدر أن طفل اليوم سوف يعيش في عالم تعداده (12) بليون نسمة عندما يصل
إلى سن الستين ". ([48])
5-2-1
ولا شك "أن هذا النمو
السكاني على مستوى العالم والذي يبلغ أكثر من (90) مليون نسمة سنوياً"
([49])،
يفرض ضغوطاً على الخدمات الأساسية التي ينبغي أن توفرها الدولة لأبنائها: من
صحة، وإسكان، وتعليم …
إلخ. وزاد من حدة الضغط السكاني ـ على الخدمات بعامة، والتعليم بخاصة ـ أن صاحب
هذا الضغط السكاني زيادة في الطلب الاجتماعي على التعليم، لدرجة يشبهها بعض
الباحثين بقوله: "إننا نعيش حالة تفجر في عدد السكان وفئاتهم، وكذا في آمالهم
التعليمية" ([50])
وصاحب هذا وذاك رسوخ مفاهيم ونظريات الاستثمار في التعليم، والاستثمار البشري،
ورأس المال البشري ... إلخ ، ولعوامل أخرى كثيرة أصبح الأفراد، والجماعات يبحثون
عن فرص تعليمية أفضل، خلال مراحل حياتهم، "كما ظهرت فئات عمرية جديدة لها
حاجات جديدة، وعلى نظم التعليم، وإداراته أن تسعى لتحقيق هذه الحاجات ".
([51])
5-2-2
إن الملاحظة البسيطة للأوضاع
الديموغرافية تشير إلى تزايد أعداد فئات الكبار، بدرجة كبيرة في المجتمعات المتقدمة،
وبعض المجتمعات النامية، بدرجة لم يسبق لها مثيل، ولاحظ "كروس " من خلال
دراساته، أن لهذا الوضع تأثيرات اقتصادية، واجتماعية، وتربوية بالغة الأثر، وعبر
عن ذلك بقوله: " إننا مقبلون على عالم يتحول فيه المجتمع من مجتمع شباب إلى
مجتمع كبار، وسوف يفرض الكبار قيمهم، وحاجاتهم، وتطلعاتهم التعليمية على المجتمع،
ولا شك أن لهذه الأوضاع الديموغرافية تأثيرها الجذري على كل المجتمعات، وإن اختلفت
درجة هذا التأثير". ([52]) إن عالمنا
أصبح يعيش حقيقة سكانية جديدة لم يسبق أن
عايشها ، إن كبار السن من فئة 60 عاماً فأكثر أصبحت تشكل في عالمنا نسبة تزيد عن
25%، كما أن هذه النسبة في سبيلها إلى الزيادة المطردة باستمرار، "هذا في حين
أن استعداد عديد من المجتمعات للتعامل مع هذه المعطيات السكانية الجديدة ما زال
دون المطلوب بكثير على شتى الأصعدة وبخاصة مجال التعليم". ([53])
5-2-3
"وكانت المملكة العربية
السعودية ـ مثل غيرها من دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية ـ من المناطق
الطاردة للسكان؛ لقلة الموارد الطبيعية، وشح المياه، وقسوة الطقس، والحروب
القبلية، ناهيك عن فترات الجفاف، وشكلت كل هذه العوامل دوافع تحرك أبناء شبه
الجزيرة إلى المناطق المجاورة". ([54])
لذا كانت الزيادة السكانية الصافية محدودة، ولكن بدءًا من عام 1960م أخذ سكان
المملكة يتزايدون بسرعة ؛ نتيجـــة لعوامـــل اقتصاديـــة، وأخرى اجتماعية، وثالثة
صحية، فلقد كان عدد سكان المملكة العربيــــة السعودية (4.1) مليون نسمة في عام
1960م ، لكنه قفز إلى (17.8) مليون نسمة في عام 1994م، "وبلغ معدل النمو
السنوي للسكان 4.4% خلال الفترة من عام 1960 إلى عام 1994م، وتعد هذه النسبة من
أعلى نسب التزايد السكاني في العالم ". ([55])
وتتوقع عدة دراسات "أن يتضاعف عدد سكان المملكة العربية السعودية ليصل إلى
(35) مليون نسمة في عام 2014م ".
([56])
ولا شك أن وراء تزايد السكان في المملكة العربية السعودية بهذه السرعة جملة من
العوامل الاقتصادية، والاجتماعية، والصحية.
5-2-4
ولعل أهم هذه العوامل ـ في
تصورنا ـ ما تنعم به المملكة من رعاية صحية أولية– وغير أولية– للصغار، والكبار
معاً، الأمر الذي ارتفع معه العمر المتوقع للفرد عند الولادة من (44.4) عاماً في
عام 1960م إلى 70.3 عاماً، علماً أن الرقم العالمي للبلدان المتقدمة 71.5 عاماً،
وانخفض معه معدل وفيات الرضع لكل (1000) طفل حي من (170) حالة وفاة في عام 1960م
إلى (27) حالة وفاة ، والرقم العالمي للبلدان المتقدمة (25) حالة وفاة .
ولا
شك أن وراء ما حققته المملكة في هذا المجال من أرقام في التنمية البشرية– من حيث
العمر المتوقع، ومعدل وفيات الأطفال– تقرب كثيراً جداً من الرقم العالمي للبلدان
المتقدمة، أو تتخطاه، ما يتمتع به أبناء المملكة من خدمات صحية شملت 97% من أبناء
المملكة ـ هذا الرقم يفوق متوسط الرقم العالمي للدول المتقدمة بنحو 7% ، ومياه
صحية نقية شملت 95%، بنسبة تفوق ما يتمتع به أبناء الدول المتقدمة بنحو 15%،
ومرافق صحية بنسبة 86% ـ بينما متوسط الرقم العالمي للدول المتقدمة 83%.([57])
وإلى جانب هذا وذاك تتمتع المملكة بواحد من أعلى معدلات الخصوبة في العالم (6.2
لعام 1994م) ، ومحصلة هذا كله ارتفاع في معدل المواليد الأولي وانخفاض معدل
الوفيات الأولي. ([58])
5-2-5
ويتميز التركيب السكاني في
المملكة العربية السعودية بعدة خصائص أهمها فتوة السكان: يتميز سكان المملكة
العربية السعودية بفتوة التركيب العمري، إذ يشكل عدد المواطنين الذين تقل أعمارهم
عن 15 عاماً 48.3% لعام 1995م، وهي نسبة عالية جداً مقارنة بالدول المتقدمة
(20.7%)، وتتميز هذه الفئة بحاجتها للإعالة المطلقة، وللخدمات المختلفة، وبخاصة
الخدمات الصحية، والتعليمية.
5-2-5-1 ارتفاع نسبة السكان الذين هم دون سن 15 سنة يعني زيادة عدد
النساء اللائي سيدخلن إلى المجموعة العمرية في سن الإنجاب في العقد القادم ـ أي
النساء في فئة (15–44)، مما يعني استمرار فتوة التركيب العمري، فإذا أضفنا إلى هذا
أن المملكة تتمتع حالياً بواحدة من أعلى معدلات الخصوبة في العالم 6.2 وفق إحصاءات
عام 1994م([59])،
بينما يصل معدل الخصوبة الإجمالي في البلدان المتقدمة 1.7 وفق إحصاءات عام 1994م،
أدركنا أن هذا الوضع السكاني يتطلب استثمارات ضخمة من الخدمات، بخاصة في الصحة،
والتعليم. (ويبين ملحق رقم 5 السكان المتوقعين في سن التعليم من المواطنين خلال
الأعوام من 2000 إلى 2015م).
5-2-5-2 الفئة العمرية (15ـ64سنة) التي تمثل قوة العمل في المجتمع
تشكل 49%، وهي نسبة منخفضة مقارنة بما عليه الدول المتقدمة، وتشير الإسقاطات إلى
أن هذه الفئة سوف تزيد بنسبة قليلة، خلال العقود القليلة القادمة.
5-2-5-3 إن فئة العمر 65 سنة فأكثر تبلغ 2.6%، مما يشير مرة أخرى إلى
فتوة التركيب السكاني في المملـــكة، بينما يصل متوسط هذه الفئة في البلدان
المتقدمة إلى 13.7% وفق إحصاء عام 1994م. ([60])
5-2-5-4 فماذا تعني هذه الأوضاع السكانية بالنسبة للتعليم العام خلال
العقدين القادمين؟.
5–2–5–4–1 إذا كانـــت جملـــة طــــلاب التعليم الابتـــدائي
في المملكة ـ ذكوراً ـ (1.174.411) طالباً في عام 17/1418هـ فإن الإسقاطات
المستقبلية تشير إلى أن عدد السكـــان في الفئــة العمرية (6–11سنة) سيصل إلى
(1.447.000) طالباً في عام 2000م، وإلى
(1.621.000) طالباً في عام 2005م،وإلى (1.929.000) طالباً في عام
2010م، وإلى (2.326.000) طالباً في عام 2015م. ([61])
وتتوقع الدراسات الإسقاطية أن يلتحق هؤلاء بالتعليم
الابتدائي.
5-2-5-4-2
إذا كانــــت جملة طلاب
المرحلــــة المتوسطــــة في المملــــكة قد بلغت (516.426) طالباً لعام 17/1418هـ
فتشير الإسقاطات المستقبلية إلى أن عدد السكان في الفئة (12–14 سنة) من الذكور ـ
وهي الفئة التي يستهدفها التعليم المتوسط ـ سيصل إلى (674.000) طالبـــــاً في عام
2000م، وإلى (722.000) في عـــــام 2005م، وإلى (819.000) في عام 2010م، وإلى (979.000)
عام 2015م. وتشير الإسقاطـــات إلى أن الأعــــداد المتوقعة التي ســــوف تلتحق
بالمرحلــــة المتوسطــــة هي: (607.000) طالبــاً في عام 2000م، و (650.000) في
عام 2005م، و(737.000) في عــــــام 2010م، و (881.000) في عام 2015م.
5-2-5-4-3
إذا كانت جملة طــــــــلاب المرحلة
الثانويـــــــــة في المملكة قد بلغت (299.208) طالبا لعام 17/1418هـ، فإن
الإسقاطات المستقبلية تشير إلى أن عدد السكان في الفئة (15–17 سنة) من الذكور ـ
وهي الفئة التي يستهدفها التعليم الثانوي ـ سيصل إلى (599.000) في عام 2000م، وإلى
(702.000) طالباً في عام 2005م، وإلى (748.000) طالبــــاً في عـــام 2010م، وإلى
(874.000) في عام 2015م، وإلى أن الأعداد المتوقع أن تلتحق منها بالتعليم الثانوي
(479.000) طالباً في عــــام 2000م، و (562.000) في عام 2005م، و (598.000) في عام
2010م، و (699.000) عام 2015م. ( انظر الملحق رقم 6).
5-2-5-4-4
يتطلب هذا الوضع ـ دون شك ـ
مضاعفة ميزانية وزارة المعارف عام 11/2012م إن سارت الأمور على ما هي عليه، وسارت
الوزارة على الأسلوب نفسه في الإنفاق، الأمر الذي يتطلب من الآن البحث عن وسائل
جديدة، وصيغ جديدة للتمويل، وترشيد الإنفاق ورفع مستوى الكفاءة الداخلية، وتقليل
الفاقد في العملية التعليمية. ([62]) وأتصور
أن هذه من أهم مهام وزارة المعارف في المستقبل.
5–3 الاقتصاد
5-3-1
العلاقة بين الاقتصاد والتربية
علاقة تأثير وتأثر، فالتقدم أو التخلف في أحدهما يؤثر في الآخر، لذا فإن آفاق
التنمية التربوية محكومة بالأوضاع الاقتصادية سلباً أو إيجاباً ، وآفاق التنمية
الاقتصادية هي الأخرى بدورها محكومة بحركة التربية صعوداً وهبوطاً.
ويطغى
على عالمنا حالياً ـ للأسف ـ مسحة اقتصادية، وفي ظل الاقتصاد الحر، وتدويل
الاقتصاد والعولمة أصبحت المعايير الاقتصادية هي المعايير الحاكمة في عالمنا،
ولأول مرة في تاريخ البشرية تسقط إمبراطورية (هي الاتحاد السوفيتي) ، التي كانت
تتنافس مع الولايات المتحدة الأمريكية على مكان الصدارة، لا لقلة في عدد قواتها
العسكرية أو عتادها، وإنما لضعف أصاب اقتصادها، لقد سقط الاتحاد السوفيتي وهو في
قمة قوته العسكرية، سقط ولديه قوة تستطيع أن تدمر العالم ـ كل العالم ـ أكثر من
مرة، وكان وراء هذا السقوط تعثر ـ بل سقوط ـ اقتصادي سبق ـ وأدى إلى ـ سقوطه
سياسياً، الأمر الذي أيقن معه رجال الفكر والسياسة وصناع القرار أن الاقتصاد أصبح
متغيرًا فاعلاً ، ليس فقط بالنسبة للعلم والتعليم، بل وبالنسبة للسياسة والثقافة
وشتى جوانب المجتمع.
وفي
هذا الإطار يقرر كل من "نازبت " و"أبورديز" "أن الاقتصاد يعد أهم العوامل التي ستشكل الحياة في القرن
الحادي والعشرين، وأنه لاشيء سوى الاقتصاد يجب أن يشغل بالنا ".([63])
5-3-2
ويشهد عالمنا تحولات اقتصادية جذرية
لها تأثيرات واسعة المدى على شتى جوانب الحياة، فإذا كان النشاط الاقتصادي قد
ارتبط منذ فجر التاريخ ـ منذ نحو عشرة آلاف سنة ـ بالزراعة، حيث كانت الزراعة أكثر
الأنشطة الاقتصادية عطاء، فإن مركز الثقل الاقتصادي اتجه خلال القرنين الماضيين
نحو الصناعة الخفيفة والثقيلة، وهو يتجه حالياً ـ وبقوة ـ نحو المعلومات، وبدلاً
من الاقتصاد المحكوم بالآلة يقوم– حالياً– اقتصاد
جديد آخر يتخذ من المعلومات
محركاً. ([64])
ومن " العلم القوة الإنتاجية الأولى".([65])
5-3-3
إن الثورة في تكنولوجيا
المعلومات أدت إلى ظهور ما يسمى بـ " مجتمع المعلومات " أو مجتمع ما بعد
الصناعة، وهو المجتمع الذي تمثل صناعة المعلومات محور نشاطه، معنى ذلك أننا أمام
سلعة جديدة، وتجارة جديدة، وصناعة جديدة، أساسها المعلومات، " بل إن مفهوم
السلعة ذاته قد تغير، فأصبح عمل الإنسان العقلي ـ وليس المادي ـ هو السلعة
الأساسية" ([66])، وإذا كانت
الصناعة وأدواتها ـ في المجتمع الصناعي ـ زادت من قدرة الإنسان الفيزيائية فإن
المعلومات في المجتمع المعلوماتي قد زادت، وسوف تزيد من قدراته العقلية،
"وإذا كانت الثروة المادية هي الأساس في مجتمع الصناعات،فإن المعلومات،
والمعرفة سوف تصبح هي الأساس في المجتمع المعلوماتي".
([67])
وبعبارة أخرى لقد أصبحنا نعيش في عصر "تتمثل حضارته في المعرفة التي تقوم على
المعلومات بدلاً من المواد الخام والوقود والموارد الطبيعة وموارد العمل البسيط
المباشر، عصر أضحت المعلومات هي المـــورد الرئيس
للاقتصاد ولثروة المجتمــــع،
والقوى المنتجة للمعرفة هي ـ بدورها ـ مفتاح تحديد، وتجديد القوى المنتجة في
المجتمع "، بل تصبح المعلومات هي الشكل الرئيس للاقتصاد ورأس المال "([68]).
إن المعلومات قوة، قوة تحول المواد التي لم يكن لها قيمة إلى موارد جديدة للثروة،
لذا فبقدر ما يتحول المجتمع إلى مجتمع معلومات، بقدر ما يزداد ثراؤه، وتقل حاجته
للطاقة، والمواد، والخامات معاً.
ولقد
بدأت نذر هذا المجتمع المعلوماتي تطل علينا من عديد من الدول المتقدمة، ومراكز
البحث العلمي في العالم، الأمر الذي أدى إلى تنامي تجارة المعلومات، والخدمات، وفي
هذا الإطار يشير برنامج الأمم المتحدة الإنمائي ( في تقريره عن التنمية البشرية
لعام 1992م) إلى " أن التجارة في قطاع المعلومات ـ الخدمات ـ قد زادت في
المدة من 1970م إلى 1990م بمعدل 12%، بالغـــة (800)
بليون دولار أمريكي في عام 1990م وبحلول عام 1992م ارتفعت إلى (2500) بليون دولار
أمريكي ". ([69])
إن
اقتصاد الولايات المتحدة الأمريكية ـ على سبيل المثال ـ أصبح يعتمد حالياً على
المعلومات أكثر من اعتماده على الصناعات. إن عمالاً كثيرين أصبحوا يعملون في إنتاج
المعلومات وتخزينها وتحليلها أكثر ممن يعملون في الزراعة والتنجيم والصناعات
الثقيلة مجتمعة. ([70])
5-3-4
وفي هذا الإطار يقرر " فاي
" وزملاؤه أنه بحلول عام 2000م فإن 80% من قوة العمل في الولايات المتحدة
ستتركز في صناعة المعلومات، "ولهذا الوضع تأثير قوي ـ دون شك ـ على المجتمع،
وقواه العاملة ونظمه ".([71]) وما يهم
الباحث لا أن يستطرد في تحليل حركة الاقتصاد العالمي وما يشهده من متغيرات :
عولمة، وتدويلاً، وسوقاً عالمية حرة … إلخ. وما
يترتب على هذا وذاك ـ بالتالي ـ من نتائج، وأوضاع اقتصادية، وغير اقتصادية، بل إن
ما يهمه هو ما تفرضه علينا هذه الأوضاع الاقتصادية– أو إن شئت فقل: هذه النقلة
الاقتصادية الجديدة– من متطلبات تربوية، كي نتمكن من أن نتواءم معها، فما أهم
الإجراءات التربوية والتعديلات التي يجب أن نأخذ بها حتى نعايش هذه النقلة، وننتقل
معها إلى آفاق جديدة في عالم الغد؟ .
إن المعرفة العلمية هي الأساس في هذه النقلة الاقتصادية،
ومن ثم في بناء مجتمع المعلومات، وهذا يتطلب تربية معينة، تهتم أكثر ما تهتم
بتزويد أبنائها بالمعرفة العلمية، وتدريب كوادرنا، لإكسابهم مستويات راقية من
المهارات.
5-3-5
وتشير أكثر من دراسة إلى أن
التربية المطلوبة في القرن الحادي والعشرين– والقادرة على أن تعايش مجتمع
المعلومات، وتسهم في صنعه، وتعمل على توجيهه– هي التربية التي تتبنى سياسة جديدة
في تعليم أبنائها، وتدريب كوادرها البشرية، في إطار التعلم مدى الحياة.
5–3–6 وفي هذا المجال
يؤكد تقرير " جاك ديلور " أن مفهوم التعلم مدى الحياة هو أحد مفاتيح
القرن الحادي والعشرين، وهو يتجاوز التمييز التقليدي بين التعليم الأولي والتربية
المستمرة، ويستجيب للتحدي الذي يطرحه عالم سريع التغير … وأنه
ينبغي أن يحتل التعلم مدى الحياة مكانة القلب في المجتمع. ([72])
كما يؤكد ذلك أيضا " نيريري " حيث يقول: "إن أنسب صيغة تربوية
للتعامل مع الأوضاع الاقتصادية الحالية والمستقبلية تكمن في تبني سياسة التعليم
المستمر، إن التعليم المستمر، والتدريب المقترن بالحياة وبالعمل هو الحل، فكما أن
العمل هو جزء من التعليم، فكذلك يجب أن يصبح التعليم جزءاً لا يتجزأ من العمل،
ويجب على الناس التعلم في أثناء العمل، وفي أماكن عملهم، وينبغي أن تتحول أماكن
العمل إلى أماكن للتعليم ".([73])
وأخيراً
يقرر رئيس المؤتمر العالمي الخامس لتعليم الكبار المنعقد في هامبورج عام 1997م
أهمية التعليم المستمر بالنسبة للمستقبل بقوله : " التعليم المستمر أعظم
استثمار لولوج المستقبل ". ([74])
وتحقيق
هذه وتلك تتطلب من التعليم العام ـ من وجهة نظرنا ـ ما يأتي :
·
أن يركز على طريقة التفكير،
وكيفية الحصول على المعلومات.
·
أن يهتم بتعريف الطالب بمصادر
المعلومات، وتدريبه على التعامل معها.
·
أن يخطط للتعليم من منظور أنه
عملية مستمرة، لا يحدها سقف تعليمي.
·
أن يتوصل الطالب إلى المعلومة
من خلال مشاركة فعالة مع زملائه.
·
أن نفسح في مناهجنا مساحة أرحب
للرياضيات والعلوم الطبيعية والتقنية, واللغة الإنجليزية".
([75])
5–4 التغير السريع في
كافة المجالات.
5-4-1
يُعد التغير السريع الخطى،
العميق الأثر، الذي يتجاوز الواقع إلى واقع أكثر تقدماً في كل المجالات من أهم
خصائص العقود الأخيرة من القرن العشرين؛ لذا يمكن القول: " إن الدينامية
الحضارية حلت محل الاستاتيكية الحضارية، وإن التغير يتصاعد، ويتسارع، ويتراكم
ليشكل هذا التراكم في حد ذاته عاملاً من عوامل التغير"([76]) وإذا
كان إيقاع التغير في الحضارات القديمة ألفياً كما أسلفنا ثم أصبح قرنياً فهو في
واقع حياتنا الحالية يومياً، إن لم يكن آنياً ، وكما يقول هويت هو: " لقد كانت المدة التي يشغلها
تغير يمس حياة الإنسان طويلة إذا قيست بحياة الفرد ذاته، فالإنسان في الحضارات السابقة
تدرب على أن يكيف نفسه لحالات تمتاز بالثبات، أما اليوم فإن الفترة التي يتطلبها
التغير تعد أقصر بكثير من حياة الإنسان ، فلم يحدث في تاريخ البشرية أن جاء التغير
بمثل هذه السرعة، وعلى مثل هذا النطاق العالمي، ولم يكن ملموساً ـ على مستوى
العالم ـ بمثل هذه الدرجة، وعلى التربية أن تعمل على تزويد الأفراد بما يمكنهم من
مواجهة هذه الأوضاع، والتكيف معها". ([77])
5-4-2
وبعبارات راسل : لقد فاض كل
شيء، إن الاختراعات التي أمكن إنجازها بجهود عدة أجيال أنجز ـ وينجز ـ أكثر منها
على المستوى الكمي في سنوات تعد على أصابع اليد الواحدة ، إن المعرفة الإنسانية
تتضاعف مرة كل ثمانية أعوام، تتضاعف في بعض مجالات المعرفة دون ذلك بكثير، الأمر
الذي يفرض على الإنسان الحالي أن يواجه كل نحو عشر سنوات عالماً جديداً يختلف عن
سابقه فيزيقياً، كما يختلف في مفاهيمه، وقيمه، وأخلاقه، عن عالم الأمس، وبدرجة
تصبح معها التفسيرات السابقة غير كافية لمواجهة الحاجات الجديدة.
5-4-3
ونتوقع أن تزداد في السنوات
القليلة القادمة سرعة هذا التغير في شتى المجالات، الأمر الذي يؤثر ـ دون شك ـ على
شتى جوانب الحياة ، إن الكشوف العلمية الجديدة المتتالية تؤدي بدورها إلى تقنيات جديدة
متتالية، ويصاحبها أوضاع اقتصادية جديدة وظهور مهن، واختفاء أخرى، الأمر الذي يؤدي
إلى أشكال جديدة من العلاقات والقيم والسلوك ، إن العلم والتقنية يمتد تأثيرهما من
المجال العلمي، والمادي والاقتصادي إلى المجال الاجتماعي والثقافي. إنهما ـ أي
العلم، والتقنية، وباختصار ـ متغير حاسم
في تشكيل ثقافة المجتمع، ونظمه ووسائل
إشباع حاجاته. ( انظر ملحق رقم 7 ـ شكل يوضح العلاقة بين العلم، والتقنية،
والثقافة، ونظم التعليم).
5-4-4
وفي إطار هذا التصور للواقع
الحالي، وللمستقبل القريب في عالم سريع التغير، لم يعد صالحاً القول: إن على
التربية أن تقدم الكثير من المعلومات لأبنائها في مراحل التعليم العام، لينتفعوا
بها في مرحلة الرجولــــة، وإن (10 أو 12، أو حتى 15) عاماً من التعليم الأساسي
كافية لتجهيز الصغار لعالم الكبار؟ إن التغير السريع وضع رجال التربية وجهاً لوجه
أمام متطلبات جديدة، وحاجات جديدة، الأمر الذي أصبحت معه الأوضاع التقليدية غير
صالحة، وفي ظل هذا التحليل فإن التربية مدعوة للبحث عن أهداف جديدة، وطرق جديدة،
للتلاؤم مع التغير. إن على تلاميذ اليوم أن يواجهوا في المستقبل القريب عالماً غير
عالمهم.
5-4-5
لذا فعلى تربيتنا أن تكون وفيَّة
لعصرها، متطلعة إلى المستقبل، وأن تعد أبناءها من أجل عالم متغير، بل عالم سريع
التغير. ولكن السؤال المهم: ما خصائص تربية تعد أبنائها لعالم الغد، لعالم سريع متغير؟ إن أهم هذه الخصائص ـ في
تصورنا ـ ما يأتي :
·
أن تكون التربية شديدة المرونة
في إطار قيمها الثابتة.
·
أن تكون للجميع، مع منح
الموهوبين عناية خاصة، وكذا المعوقين.
·
أن تستخدم تقنيات تربوية حديثة،
تعلم بطريقة أفضل، وفي وقت أقصر، وبكلفة أقل.
·
أن تهتم بتسليح التلاميذ
بالقدرات الأساسية، التي تمكنهم من الاستخدام الأمثل للوقت، والموارد، وكيفية
التعامل مع التقانة المتقدمة، ومع الآخرين.
·
أن يتعلموا كيف يعلموا أنفسهم
بأنفسهم، في إطار سياسة التعليم المستمر.
5–5 تقدم العلم
والتقنية.
5-5-1
لا شك أن العلم والتقنية من أهم
خصائص عصرنا الحالي، وتتمثل الثورة العلمية، والتقنية في تلك التغيرات الجذرية
التي تحققت في مجالات عديدة لعل أهمها :
5-5-1-1 الإلكترونيات الدقيقة، والآلات الحاسبة، والإنسان الآلي،
وصناعة المعلومات، والاتصالات، والطاقة النووية، وتكنولوجيا الفضاء.
5-5-1-2 كما تتمثل في العلوم الحيوية، وعلى الأخص ما يسمى بالهندسة الوراثية،
وهو مجال يفتح آفاقاً بلا حدود أمام البشرية، وإذا كانت المعرفة تتضاعف مرة كل خمس
سنوات في علم الأحياء، فإنها في مجال الجينات تتضاعف مرة كل 24 شهراً، لذا فإن
الخبراء يؤكدون على" أن 80% من المواد الغذائية المصفوفة على رفوف البقالات
ستختفي، ويحل محلها منتجات جديدة من إنجازات التكنولوجيا الحيوية".
([78])
إن تقنية الهندسة الوراثية القائمة على علم أحياء الخلية في النبات والحيوان صارت
تعني الكثير بالنسبة للإنسان. إنها تعني ثورة تقنية في الزراعة والإنتاج الحيواني
بل يتوقع العلماء أن تشمل التكنولوجيا الحيوية توليد الطاقة من الكتلة الحية،
واستحداث أنواع وقود بديلة، فضلاً عن الاستخدام الرشيد للمواد والطاقة، كما يتوقع
العلماء أن تمتد الهندسة الوراثية لتشمل الصناعات الدوائية، والكيميائية،
والصناعات البترولية، والطب، ومعالجة تلوث البيئة .
5-5-1-3 وتتمثل كذلك في إيجاد مواد جديدة، وإحلالها محل المواد
الطبيعية القديمة،على أساس التقنية الكيميائية والبتروكيميائية، بدلاً من الاعتماد
على المواد الطبيعيـــة المحدودة القابلـــة للنضوب ، وبالأمس القريب لم تعرف
الصناعة سوى (30) عنصراً، أما اليوم فإن العناصر المعروفة تزيد على (200)، ويتميز
كل عنصر بهندسة نوعية لذراته، يستطيع الكيميائي أن يستثمرها، ويؤكد ذلك أن حجم
المواد الخام المطلوبة لإنتاج وحدة من المنتجات الصناعية لا يتجاوز الآن 20% لما
كان مطلوباً في عام 1900م، وأن اليابان استهلكت 60% فقط من المواد الخام التي
استهلكتها، عام 1973م، لإنتاج نفس الكمية من المنتجات الصناعية.
([79])
5-5-2
وهذه التغيرات الجذرية في العلم
والتقنية في المجالات الثلاثة السابقة تؤثر في تشكيل الحياة في عالم اليوم، وسوف
يتعاظم ـ دون شك ـ دورها في تشكيل الحياة في الغد القريب، ولا أشك لحظة في أن هذا
الوضع يفرض على التربية لدينا أن تغير من ذاتها، ومجالات اهتماماتها، ووسائلها،
لتعايش العصر، أو بالأحرى لتمكن أبناءنا من فهم عصرهم أولاً، وكيفية التعايش معه
ثانياً، متأثرين به، ومؤثرين في حركته ثالثاً.
وأتصور
ـ في هذا المجال ـ الحاجة إلى إعادة النظر لا في مناهج العلوم، والرياضيات فقط، بل
وفي طريقة تدريسهما أيضاً، لمواجهة الحاضر، واستعداداً للمستقبل القريب.
والحاجة
ـ كذلك ـ ماسة إلى تربية تواكب ما يحدث في العلم، والتقنية من نمو مستمر، تربية
ينتج عنها مخرجات ـ كوادر ـ تسهم في بناء العلم، والتقنية، قادرة على مواكبة
التطور، والكشف، والابتكار في هذا المجال وذاك. وشرط مواكبة التربية لما يحدث في
العلم، والتقنية من نمو مستمر أن تكون التربية ذاتها عملية مستمرة بلا سقف يحدها،
وشرط كون مخرجاتها قادرة على توليد الحديث والنافع في مجال العلم والتقنية، أن تعد
التربية أبناءها لإنتاج المعرفة من خلال تنمية قدراتهم على التفكير المنهجي،
والابتكار، والحوار، ودعم المهارات الخاصة، والتعلم الذاتي، وغرس قيم: المحافظة
على الوقت، والعمل الجاد، وبعبارة واحدة "التربية من أجل التميز "، وهذا
ما نحن بحاجة إليه اليوم قبل الغد.
6– الرؤية المستقبلية للتربية والتعليم في المملكة
العربية السعودية:(منظور مستقبلي، ونظرة منهجية): ([80])
صواب
الرؤية المستقبلية هو في شموليتها، وفي النظر إلى الأمور في كليتها، بعيداً عن
النظرة الجزئية، والتحليل الميكانيكي للظواهر، وأساس النظرة الكلية أن الجزء موجود
في الكل، وأن الكل موجود في الجزء، وأن العلاقة بين الجزء والكل علاقة اندماجية،
وهذه هي خلاصة نظرية الكم، التي ترى أن الوجود كله حقل من الطاقات التي تتبادل
التفاعل بشكل مستمر،" لذا أصبح مفهوم البيئة هو المفهوم السائد ـ في النظرة
الكلية، ـ بديلاً عن مفهوم الآلة في النظرة الميكانيكية، وأصبح الجو العام
والعلاقات هي التي تعبر عن حقيقة الوجود، ورغم أن هذه النظرية– أو النظرة– نمت في
مجال من مجالات الفيزياء، إلا أن تطبيقاتها واسعة الانتشار في كل العلوم
الفيزيائية، والاجتماعية أيضاً".([81])
ومع أننا نعتمد النظرة الكلية في رؤيتنا للتربية، على أنها
كيان تتفاعل جوانبها، وتتبادل مكوناتها التأثير، والتأثر، وأنها بذاتها وكليتها
جزء في كيان أكبر، تتبادل معه التأثير والتأثر، وهذا ما اعتمدناه في تحليلنا
لعلاقة التربية في بعدها الزمني ـ الماضي والحاضر والمستقبل ـ مع معطيات الماضي،
ومتغيرات الحاضر، وما نتوقع أن يكون عليه المستقبل، ورغم هذه النظرة الشمولية
الكلية التي اخترناها منهجاً للدراسة، إلا أن النظرة للجزء في إطار الكل، تعد
مدخلاً لتكوين الرؤية الكلية، ووسيلة للدراسة؛ لذا يحسن بنا أن نتساءل: ما الرؤية
المستقبلية لبعض جوانب التعليم السعودي؟:([82]) فلسفة
التعليم وغاياته، المناهج والخطط والبرامج، إعداد المعلمين وتدريبهم، الهيكل
الإداري، النشاط الطلابي، التوجيه والإرشاد، التقويم المدرسي، الكشف عن الموهوبين،
وهذا هو ما سنعالجه في الصفحات القادمة ـ وفق المنهج المطروح ـ وذلك على النحو
الآتي :
6–1 الرؤية
المستقبلية لفلسفة التعليم وغاياته :
6-1-1
فلسفة التعليم وغاياته في أي
بلد ـ في الماضي، أو الحاضر، أو المستقبل هي امتداد للهوية، والأصل في الهوية أنها
مركب ثقافي، في تفاعل مستمر مع جوانب الحياة، فلا هوية بمعزل عن الثقافة، ولا
ثقافة بمعزل عن الحياة وعملياتها وتفاعلاتها، بل إن الثقافة بمعناها الشامل هي
أساس الهوية، إن لم تكن هي الهوية ذاتها.
6-1-2
والتربية فلسفة، وغايات،
وإدارة، وتنظيمات، ومناهج، وتطبيقات، وأجهزة، ومراكز، ومؤسسات، نظام تابع لنظام
أعم، وهو الدولة، والمجتمع بصفة عامة، ويصدق هذا على ماضي التربية وحاضرها، بل
أستطيع عبر نظرة متأنية إلى مسار التاريخ ـ منذ القدم حتى لحظتنا الراهنة ـ أن
أتبين علاقة أساسية ورابطة وظيفية بين الفكر والتجديد، متمثلاً في رسالة إلهية،
يحمل مفاهيمها رسول يبصّر بغاياتها، ويبشّر بقيمها، وأخلاقها الجديدة، ويدعو إلى
مناصرتها، ويوجه إلى قيام علاقات جديدة في إطار الدعوة إلى الله، أو أن يتمثل هذا
الفكر، والتجديد في صورة مفكر أو مصلح أو صاحب رؤية، فإن هذا الفكر ـ أياً كان
مصدره ـ بحاجة إلى برنامج عملي يترجمه إلى فعل، وعمل، وممارسة، ونشاطات، ويجسد
غاياته، وقيمه، وأخلاقه، في مجالات الحياة، في صورة سلوك ينساب في الحياة، ليشكل
علاقات الفرد بالفرد، والفرد بالمجتمع، والمجتمع بأفراده، وهذا وذاك بالدولة، ولا
وسيلة لذلك كله سوى التربية.
6-1-3
التربية إذن هي الجانب العملي التطبيقي للفكر
والتنظير، لذا يمكن ـ في ضوء ما سبق ـ القول : إنه لا قيمة لتنظير فكري، أو رؤية جديدة، أو نظرية في
تنمية المجتمع، وتطويره، لا يصاحبها تربية، تنقل هذه النظرية، أو الرؤية من عالم
الفكر، والتنظير إلى عالم الفعل والممارسة. إن التربية هي الصيغة العملية للفكر
والتنظير، وكل فكر أو تنظير لا يقابله تربية من النوع نفسه، ولا تستقيم العلاقة
بين طرفيه، فإن الطرفين يتأثران سلباً: فيظل الفكر يسبح في خواء، ويفقد بالتدرج
قيمته، وتنفصل التربية عن جذورها الفكرية، فلا تقوى على الوصول إلى غاياتها، وتصبح
الوسائل هي الغايات، ويختلط الحابل بالنابل، ويسود جو ضبابي أمام الأفراد
والجماعات، يصعب معه الحركة إلى الأمام، لأن الحركة ـ أي حركة ـ تكون إلى الأمام
في حالة واحدة، إذا توفر لها هدف أو غاية، وكانت هذه الحركة في اتجاه هذه الغاية،
فإن غُم الهدف، ولم تتضح الغاية، فقد الفعل والحركة والاتجاه، وَأِذنَ هذا وذاك
بالخراب والدمار.
لذا
يرى عديد من المربين " في فلسفة التربية وما ترسمه من غايات وأهداف ومقاصد
المخرج من الأزمة التي تعصف بالتربية، في شتى أنحاء العالم، ومن ورائها الأزمة
التي تعصف بالمجتمع الإنساني المعاصر، والتي تهدد مستقبله ".
([83])
وإذا
كان الإجماع منعقداً حول حاجة التربية إلى فلسفة، تتمثل فيما نطلق عليه
"فلسفة التربية" ، فماذا نعني بفلسفة التربية أولاً؟، ومن أين تشتق
التربية فلسفتها؟، وغاياتها؟؛ وما رؤيتنا
المستقبلية لفلسفة التربية، وغاياتها في المملكة العربية السعودية؟.
6-1-4
والمقصود بالفلسفة في هذا العرض طريقة من طرق
النظر إلى المعرفة التي لدينا فعلاً،" وهي تتضمن تنظيم ما هو موجود بالفعل في
ميدان المعرفة والخبرة وتفسيره، وتوضيحه، ونقده".([84])
وبعبارة أخرى إنها " نشاط نقدي تحليلي توضيحي"([85]) ويقصد بفلسفة
التربية إخضاع التربية للمنهج النقدي التحليلي، بقصد تحقيق الاتساق والانسجام بين
شتى جوانبها، وبينها وبين سائر المؤسسات الاجتماعية، والتعرف على الاتجاهات التي
يشير إليها تحليل الواقع في علاقته بثوابت الثقافة من ناحية، ومسيرته نحو المستقبل
من ناحية أخرى. وذلك من أجل وظيفتين متكاملتين؛ الأولى: توضيح الغايات والمبادئ
التي تستند إلى ثوابتنا الثقافية، والثانية: استشراف المستقبل التربوي في علاقته
بمستقبل المجتمع بوجه عام، وذلك عن طريق النظرة النقدية إلى الواقع التربوي وما
يحيط به، وما يومئ إليه، هذا هو منظورنا لفلسفة التربية. وبعبارة أخرى: "
إنها الرؤية الفكرية، والنظرة الشاملة المتكاملة التي تستند إليها الأهداف العامة،
التي توجه النظام التعليمي كله ". ([86]) وهذه
النظرة،أو الرؤية الفكرية توصف بالفلسفية لعدة مسوغات أهمها:
·
أنها تتعمق في طبيعة الفرد،
والمجتمع، وماهية العلاقة بينهما.
·
وأنها تتميز بالاتساق،
والانتظام؛ فالنظرة للفرد تؤثر، وتتأثر بالنظرة إلى المجتمع.
·
وهي كذلك فلسفية لأنها متكاملة،
تتكامل فيها معاني الأشياء والعلاقات، ولأنها " تتميز كذلك بالشمول الذي يعني
الاستمرار، والاستمرار يعني القدرة على إحداث الملاءمة، والتكيف وسط المتغيرات
المختلفة". ([87])
·
ولأنها حوار مع المجتمع في شتى
مجالاته.
·
ولأنها ـ أخيرًا ـ "
الملتقى الذي تجتمع عنده جميع المشكلات المتعلقة بالوجود؛ لتحلل، وتناقش، وتستخلص
منها الاتجاهات المرجوة للتربية". ([88])
6-1-4-1
وفلسفة التربية ـ بهذا التعريف
ـ معنية أولاً بالإجابة عن تساؤلات تخص الهوية، والأهداف التربوية، والغايات
البعيدة، وما يود أن يكون عليه المجتمع في حاضره ومستقبله، وذلك من قبيل: من نحن؟
وماذا نريد لأبنائنا؟ وأي تربية ينبغي أن نقدمها لهم؟ ولماذا؟.
والإجابة
عن هذه الأسئلة ليست مسؤولية التربويين وحدهم، إنما هي مسؤولية كل المجتمع، في شتى
مجالات الحياة الدينية والسياسية والثقافية والاقتصادية، كما أنها مسؤولية الآباء
جميعاً، وأفراد المجتمع كافة، لأن " فلسفة التربية" في الأصل هي الوجه
الآخر " لهوية المجتمع " وغاياته، وما ينبغي أن يكون عليه اليوم وغداً،
وفلسفة التربية معنية بأهداف التربية العامة، أو النهائية التي تمتد على خط طويل،
ويمكن أن نميز على هذا الخط بين ما نسميه " فلسفة التربية" من ناحية
وبين ما نسميه "الأهداف السلوكية " التي يسعى المعلم إلى تحقيقها في
سلوك تلاميذه من ناحية أخرى، ويقع بين هذين الطرفين المتباعدين والمترابطين معاً
في الوقت نفسه مستويات متعددة من الأهداف
والمراحل، نحددها على النحو الآتي :
1)
الأهداف التربوية العامة أو
النهائية Ü تشتق من الفلسفة التربوية.
2)
الأغراض التربوية "
الأهداف الوسيطة "Ü ترتب وتنظم في السياسة التعليمية، وتختار ـ على أساسها ـ
استراتيجيات العمل التربوي.
3)
المرامي (أو الأهداف) المحددة Ü وهذه يبنى عليها التخطيط التربوي.
4)
برمجة الأهداف Ü وهذه يبنى عليها البرامج
والمشروعات المحددة.
5)
أهداف المرحلة التعليمية،
وأهداف المقرر، ثم الأهداف السلوكية.
6-1-4-2
وهذه كلها أصول في العمل
التربوي، فنياته، وتقنياته، وطرائق تبويب جوانبه، وترتيبها، وهذه لا نختلف فيها مع
غيرنا كثيراً، لكن ما يميز العمل التربوي في المملكة العربية السعودية أن المملكة
صاحبة دعوة، وصاحبة فكر ورسالة، فالدولة قامت على أساس دعوة واضحة المعالم، لا لبس
فيها ولا غموض، هدفها التمسك بالإسلام في أصوله ونقائه وصفائه (التوحيد) ، وتطبيق
شرع الله في كل جوانب الحياة، هذا الهدف انتقل بكل وضوحه ليكون أساس " فلسفة
التعليم " في المملكة، ومحور سياسته وأهدافه، وكما تقبل أفراد المجتمع
السعودي الدعوة وعاشوا لها تقبلوا سياسة التعليم وأهدافــــه المشتقـــة من الأصول
نفسها (كتاب الله وسنة رسوله الكريم e ، ثم من اجتهادات المجتهدين،
والتطبيقات المعاصرة التي تتوافق مع هذه الأصول)، وعملوا على تحقيقها بهمة ودون
تردد.
6-1-4-3 وفي تصوري أن ما حققه التعليم السعودي من إنجازات وراءه عوامل
كثيرة، يأتي في مقدمتها وضوح سياستنا التعليمية، والتحديد الدقيق لأهدافنا
التربوية، ومن يستعرض التاريخ السعودي يجد تلازماً واضحاً بين أصول بناء الدولة
وبين سياستها التربوية وممارساتها التعليمية، ويدرك أن هذه وتلك على خط واحد منذ
البداية، وأن السياسة التربوية والممارسات التعليمية كانت وما زالت هي الوجه الآخر
لفكر الدولة ورسالتها حتى قبل أن تتبنى الدولة التعليم النظامي بأطره ومراحله،
وطرائق إدارته، وتخطيطه، وتنظيمه، وتمويله، وتقويمه، بل إن هذا الترابط والتلاحم
يعد من الثوابت في تاريخ الدولة، والتربية السعودية؛ فمع تلاحق الأحداث التي
عاشتها الدولة السعودية الأولى والثانية حرصت على تعليم الصغار أصول دينهم في
الكتاتيب، كما حرصت على تعليم الكبار من خلال حلقات المساجد، "وانتشرت هذه
وتلك بصــــورة واضحة، وبرز علماء أفاضل، كان لهم الفضل في نشر التعليم في
البلاد". ([89])
6-1-4-4 وعندما استرد الملك المؤسس مدينة الرياض في عام 1319هـ ركز
على التعليم، وعمل على نشره من خلال الكتاتيب، وحلقات المساجد، وإرسال المطوعين
إلى أبناء البادية لتعليمهم أصول دينهم.
ومع أخذ المملكة العربية السعودية بالتعليم الحديث كانت
التعليمات الأساسية الصادرة في عام 1345هـ واضحة تماماً في تأكيدها على التلاحم
بين رسالة الدولة وسياسة التعليم وأهدافه، وتعد هذه التعليمات النواة الحقيقية
لسياسة التعليم في المملكة العربية السعودية، وفي تلك التعليمات نجد أول تعريف
" لأمور المعارف " على أنها "عبارة عن نشر العلوم، والمعارف،
والصنايع، وافتتاح المكاتب، والمدارس، وحماية المعاهد العلمية، مع فرض الدقة،
والاعتناء بأصول الدين الحنيف……"، ونلحظ في هذا
التعريف جانبين متكاملين يعبر أحدهما عن برنامج الدولة في التنمية، والتطوير، عن
طريق نشر العلم، والمعارف، والصنايع،
وافتتاح المكاتب والمدارس…إلخ. والثاني
يعبر عن هوية الدولة، وأن هذا البرنامج أو المشروع التنموي إطاره الدين الحنيف،
وهذا التعريف المبكر لأمور المعارف تطور في محتواه، وداخل إطاره الأصولي ليصبح
أساس "سياسة التعليم في المملكة العربية السعودية" وهي الوثيقة التي
أقرها مجلس الوزراء في عام 1390هـ.
6-1-4-5 وتأتي هذه الوثيقة التربوية في صدر أعظم الإنجازات التربوية
في المملكة، فرحلة النجاح تبدأ بتحديد واضح للغاية والهدف، تتبيّن في ضوئه
الوسائل، والأدوات والطرائق، والسبل الموصلة للغاية، وقد لا نتمكن في فترة ما من
توفير كافة السبل، والأدوات فلا نحقق من الهدف إلا قدر ما وفرنا من الوسائل، ولكن
يظل النجاح مرتبطاً بوضوح الهدف، أكثر من ارتباطه بالوسائل.
و
إن ما ينبغي الحذر منه: أن تكون السياسة غير مستقرة، والغايات غير واضحة، والأهداف
غير محددة ـ في أي مجال، وفي كل المجالات ـ لأن ذلك يعني بكل بساطة أن ندور حول
أنفسنا، ونعود بعد بذل الجهد والمال ـ بل والدم أحياناً ـ إلى الوضع الذي كنا
عليه، أو إلى وضع أسوأ مما كنا عليه، لذا فإن وضوح الهدف يعد إنجازاً في ذاته، وإن
تحديد سياسة واضحة للتعليم منذ البداية ـ منذ عام 1345هـ ـ كان وراء كل ما حققناه
من إنجازات تعليمية في المملكة العربية السعودية، إن وضوح هذه السياسة جعلنا ننطلق
في العمل التربوي مصوبين حركتنا في اتجاه أهدافنا دون خوف أو وجل أو تردد "
الأمر الذي حقق لبلادنا ـ بفضل الله ـ خلال مدة قصيرة إنجازات كثيرة، كانت في يوم
من الأيام مجرد أحلام ". ([90])
6–1–4–6 والمطلع على سياسة التعليم في المملكة العربية
السعودية،والمتفحص لبنودها البالغة (236) بنداً، يجد أن هذه السياسة استمدت أصولها
من الإسلام الذي ندين به عقيدة وخلقاً وشريعة وحكماً ونظاماً متكاملاً للحياة،ومن
الأوضاع الاجتماعية، والاقتصاديــــة، ومطالب التنمية الشاملة، ومن اتجاهات العصر
ومقتضياتـــــه، ومن تطلعاتنا للمستقبل بكل آماله وأبعاده، ومن حاجات المواطن
السعودي ومطالب نموه.
لذا
أتت وثيقة سياسة التعليم في المملكة بكل بنودها لتحقق المبدأ الإيماني، والإنساني،
والتنموي، والعلمي، ومبدأ التربية للعمل، والقوة، ومبدأ التربية المتكاملة
المستمرة، ومبدأ التربية للحياة، وصيغ هذا كله في عبارات مقننة، تجمع بين الأصالة،
والتجديد، والشمول، والمرونة، تستوعب قيم الماضي، وحركة الحاضر، وتمتد بآفاقها إلى
المستقبل.
6–1–4–7 فما الرؤية المستقبلية لسياسة التعليم إذن؟
السياسة ونعني بها نصاً مكتوباً يحدد الغايات، ويرسم الأهداف، الأصل فيها أن تكون
توجيهية وليست تفصيلية، وأن تصاغ في عبارات كلية لا تتناول الجزئيات، وأن تكون في
مداها شمولية فوق المشكلات اليومية، وتفاصيل العمل على المستوى الإجرائي، وأن تكون
مستقرة لا تتغير بتغير المراكز الفوقية.
لذا
يخطيء كثيراً بعض طلاب العلم التربوي عندما يقول أحدهم:إن عبارات سياسة التعليم
شمولية وكلية والأولى أن تكون إجرائية،أما أن عبارات الوثيقة شمولية، وكلية، فهذا
هو ما ينبغي أن يكون عليه الحال في هذا المستوى، وتفقد السياسة ـ أي سياسة ـ ذاتها
إن اهتمت بغير ذلك، أما على مستوى المرحلة، والمدرسة، والصف فينبغي تحليل غايات
السياسة، وأهدافها إلى أهداف وسيطة، وأهداف تعليمية، وأخرى إجرائية داخل المدرسة
والصف وحجرة الدراسة، وأن تتحول هذه الأهداف في النهاية إلى ممارسة وسلوك، وهذا هو
الجانب الفني في العمل التربوي.
أما
من ينادي بأن سياسة التعليم في المملكة صدرت في عام 1390هـ، وأن الأحوال تبدلت،
وتغيرت كثيراً في داخل المملكة وفي خارجها، لا على المستوى التعليمي فحسب، بل على
شتى المستويات، وأن ذلك يتطلب إعادة النظر في سياسة التعليم وتجديدها !.
أقول
لهؤلاء: المملكة ليست ضد التجديد، بل إن ما حدث ويحدث في المملكة يؤكد حرصها
الشديد على التجديد، والمملكة لا تتردد أمام تجديد يحقق مصلحة البلاد والعباد،
ويأخذ مكانه داخل إطارنا الإسلامي.
6–1–4–8 وسياسة التعليم في المملكة لها إطارها، ولها
محتواها، إطارها الإسلام، وهو نفس إطار الدولة، الذي نعتز به جميعاً، ونبذل الأنفس
وكل ما هو غال وثمين في سبيل رفع شأنه والذود عنه، ولن نحيد عنه أمام ما يتشدق به
بعض محترفي الدعوات والفلسفات تحت مسميات المثالية والمادية النقدية والوجودية
والبرجماتية والظاهريتية وغيرها من الاتجاهات الفكرية، إن ما نؤمن به ولن نتزحزح
عنه هو "الإسلام ديناً" و"الإسلام عقيدة" و" الإسلام
تربية". ونرفض تماماً أن يكون الإسلام للعقيدة وحدها، ولا يكون للتربية
والاقتصاد وكل شؤون المجتمع. لقد ارتضينا ـ في المملكة العربية السعودية ـ الإسلام
ديناً، وفلسفة للحياة وللتربية معاً، وجعلناه قاعدة لبناء مجتمع إسلامي عربي أفضل،
" وهذه القاعدة ليست من صنع أفراد يصيبون أحياناً، ويخطئون أحياناً أخرى، بل
هي قاعدة ثابتة على وجه البسيطة، وحية على وجه التأكيد، تقدم ولا تؤخر، تؤاخي ولا
تفرق، إنها تراث ثقافي وروحي عظيم".([91])
6-1-4-9
أما محتوى وثيقة سياسة التعليم
فالمراجع لها لبنودها المائتين والستة والثلاثين يجد أنها واضحة ومتميزة، ومع ذلك
فالحاجة تدعو إلى تعديل بعض بنودها فهي ليست نصاً مقدساً، ولا غضاضة أن يجرى عليها
بعض التعديلات بالحذف أو الإضافة في الإطار المشار إليه سابقاً.
6-1-4-10 لذا، فإن الرؤية المستقبلية لسياسة التعليم في المملكة
العربية السعودية تبيّن أنها مستقرة في إطارها، وإن حدث تعديل أو تغيير فسوف يكون
محدوداً، وفي محتواها دون إطارها الفكري.
6–2 الرؤية المستقبلية
لبنية التعليم ومراحله.
6-2-1
يتكون التعليم العام في المملكة
العربية السعودية من ثلاث مراحل دراسية، تشكل في مجموعها سلم التعليم العام ، عدا
مرحلة رياض الأطفال، التي تستقبل الأطفال في سن الرابعة أو الخامسة، وهي لا تدخل
في سلم التعليم الرسمي، إذ لا يعد الالتحاق بها شرطاً للالتحاق بالصف الأول الابتدائي، "وقد
قامت بعض المؤسسات والهيئات الأهلية– بما تتلقاه من تشجيع، وإعانات مادية، وفنية من
الدولة– بافتتاح العديد من دور الحضانة، ورياض الأطفال بدءاً من سن الثالثة وحتى
سن الخامسة". ([92])
6-2-1-1
ويبدأ السلم التعليمي بمرحلة
التعليم الابتدائي، وهي تمثل قاعدة الهرم التعليمي، وتمتد الدراسة فيها لمدة ست
سنوات، يلتحق بها الطفل بعد سن السادسة من العمر. ويتدرج السلم التعليمي بالطالب
الذي يتم مرحلة الدراسة الابتدائية بنجاح إلى المرحلة المتوسطة، التي يلتحق بها
عادة في سن الثانية عشرة من عمره، ليقضي بها ثلاث سنوات، وهي بذلك تتفق مع الخصائص
الجسمية والنفسية للطالب في مرحلة المراهقة ، وتتيح المرحلة المتوسطة المزيد من
الفرص لكي يحقق الطالب انتماءً أعمق إلى ثقافته، فضلاً عن أنها تتيح المزيد من
الفرص لتنمية قدرات الطلاب واستعداداتهم، بما يعدهم للاختيار التعليمي أو المهني
في المراحل التالية. ([93])
6-2-1-2
ويكتمل هيكل التعليم العام
بالمرحلة الثانوية التي تشغل قمة سلم التعليم العام، ويلتحق بها الطلاب الذين
أتموا الدراسة المتوسطة بنجاح، وتمتد الدراسة بها ثلاث سنوات، ويدرس الطلاب في هذه
المرحلة دراسة أكثر تخصصاً، تتيح لهم قدراً أوفى من التثقيف العام، وتؤهلهم
للالتحاق بالجامعات أو سوق العمل.
6-2-1-3
وتتنوع الدراسة في المرحلة
الثانوية لتراعي النضج النفسي والعقلي للطلاب، ولذا تتشعب الدراسة خلال الصفين
الأخيرين من الدراسة الثانوية في شعبة العلوم الشرعية والعربية، وشعبة العلوم
الإدارية والاجتماعية، وشعبة العلوم الطبيعية، وشعبة علوم التقنية.
هذا
وصف سريع لمراحل التعليم العام في المملكة، فما الرؤية المستقبلية لهذه المراحل؟
6-2-2
مستقبل التعليم الابتدائي في
المملكة.
6-2-2-1
ألزمت حكومة المملكة العربية
السعودية نفسها بتعميم التعليم الابتدائي، ونشره في كافة أنحاء المملكة، لأنه
قاعدة التعليم وأساسه، ولابد من الارتقاء به كمَّاً وكيْفاً.
6-2-2-2
والمتتبع لتاريخ التعليم في المملكة
يلحظ ذلك منذ السنوات الأولى من توحيد أجزاء المملكة، وظهور مجلس المعارف في عام
1346هـ، الذي جاء في قرار إنشائه أن عليه " وضع نظام تعليمي في الحجاز، يلتزم
بمراعاة توحيد التعليم في الحجاز، والسعي لجعل التعليم الابتدائي إجبارياً،
ومجانياً". ([94])
وأتت
وثيقة سياسة التعليم في المملكة العربية السعودية " لتؤكد أن التعليم متاح
لكل من بلغ سن التعليم، وأن تضع الجهات المختصة الخطط اللازمة لاستيعاب جميع
التلاميذ الذين هم في سن التعليم الابتدائي ". ([95])
6-2-2-3 وواقع الحال أن وزارة المعارف تبذل كل ما لديها في سبيل تحقيق
تعميم التعليم الابتدائي فعلاً وعملاً، ويكفي أن نذكر في هذا المجال أن لدينا في
وزارة المعارف مدارس في التعليم الابتدائي، عدد طلابها لا يتعدى عشرين طالباً، بل
إن وزارة المعارف ألزمت نفسها بتوفير المواصلات إن كان مقر الطالب بعيداً عن
المدرسة، بل وتصرف لبعض تلاميذ هذه المرحلة معونات مادية شهرية، لضمان استمرارهم
في طلب العلم.
6-2-2-4
وأمام جهود وزارة المعارف
الحالية في تعميم التعليم الابتــدائي، وأمام إنجازاتها التي تتضح بمقارنة مدخلات
التعليم الابتدائي في عام 1372هـ (أي قبيل
تأسيس وزارة المعارف) بما وصلنا إليه في عام 17/1418هـ ـ إذ كان عدد المدارس (306)
مدارس فأصبح (5.561) مدرسة، وعدد الطلاب (39.920) طالباً فأصبح (1.053.426) طالباً([96])،
نستطيع أن نقول : إن الأعوام القليلة القادمة سوف تشهد نُموَّاً كبيراً في مدخلات التعليم
الابتدائي بعامة وبين سكان البوادي على وجه الخصوص، وتدرس الوزارة الطرق الكفيلة
بذلك.
وتتوقع
إحــــدى الدراسات الإسقاطيــة أن أعـــــداد الطلاب ـ الذكـــــورـ الذين
ســـــوف يلتحقون بالتعليـــم الابتدائي في
عام 2000م سيصل إلى (1.447.000) وإلى (1.621.000) عام 2005م وإلى
(2.326.000) في عام 2015م. ([97])
6-2-2-5 ونستطيع أن نقول: إن الأعوام القليلة القادمة سوف تشهد
نُموَّاً كبيراً في مدخلات التعليم الابتدائي ـ بإذن الله ـ وتستند الرؤية على
الآتي:
6-2-2-5-1
رغبة الدولة في تحقيق هذا
الهدف، وسعي وزارة المعارف إلى تحقيق هذا الإنجاز، وذلك بتوفير الإمكانات اللازمة
، إن من لم يتمّ استيعابهم حتى الآن هم بعض أبناء سكان البوادي، ووزارة المعارف
تدرس أفضل الطرق لاستيعابهم والوصول إليهم، وإقناع أولياء أمورهم بإلحاق أبنائهم
بالمدارس.
6-2-2-5-2
تخطط وزارة المعارف بالتعاون ـ
مع وزارة الإعلام ـ إلى تكثيف الجهود الإعلامية في هذا المجال. ولقد خطت وزارة
المعارف خطوة جادة في هذا الصدد، وذلك بوضع استراتيجية الإعلام التربوي، التي تهدف
إلى إبراز دور التربية وأهميتها في المجتمع، وتشكيل لجان للإعلام التربوي في
الوزارة وفي إدارات التعليم بهدف تنفيذ هذه الاستراتيجية.
([98])
6-2-2-5-3
تدرس وزارة المعارف كل البدائل
المتاحة ـ التقليدية، وغير التقليدية ـ التي تكفل الوصول إلى إلحاق كل أبناء
البوادي بالتعليم الابتدائي، من دون اللجوء إلى قانون أو فرض عقوبات، وبما في ذلك
العمل على إنشاء استديو خاص لوزارة المعارف، يتولى إعداد وإنتاج المواد التلفازية
التربوية، والتعاون مع الشركات الإعلامية المتخصصة في إنتاج البرامج التلفازية،
وإنشاء قناة تلفازية تربوية. ([99])
6-2-3
كما ستشهد السنوات القليلة
القادمة ـ بإذن الله ـ تقليل نسبة الفاقد التعليمي في المرحلة الابتدائية، المتمثل
في الرسوب والتسرب، ذلك أن متوسط التكلفة المهدرة بواسطة جميع طلاب المرحلة
الابتدائية تبلغ حوالي (888) مليون ريال سنوياً، إذ " من بين كل 1000 مستجد
بالصف الأول في عام 1408هـ تخرج (384)
طالباً بعد ست سنوات ـ بدون رسوب ـ، وذلك بنسبة 38% و (297) بعد سبع سنوات برسوب
سنة واحدة بنسبة 30%، و(180) طالباً بعد ثمان سنوات فأكثر، وذلك بنسبة 18%، وترك
الدراسة (139) طالباً دون أن يكملوا المرحلة، وذلك بنسبة 14%".([100])
6-2-3-1
وتستند الرؤية المستقبلية إلى
أن هذا الهدر سوف يتقلص كثيراً ـ بإذن الله ـ في السنوات القليلة القادمة على عدة
مؤشرات، منها:
6-2-3-1-1
أن ظاهرة الهدر التعليمي
وكلفتها أصبحت محور اهتمام المسؤولين في وزارة المعارف، وهذه الكلفة حوالي (888)
مليون ريال سنوياً للمرحلة الابتدائية بنين ليست هينة في بعدها المادي، ناهيك عن
أبعادها الاجتماعية والثقافية والنفسية… الخ.
6-2-3-1-2
وفي هذا الإطار اتخذ اللقاء
السنوي الخامس لمديري التعليم بالقصيم توصية بالعمل على "رفع الكفاية
الداخلية للنظام التعليمي، والقضاء على صور الهدر المختلفة، كالرسوب، والتسرب
"، وصدرت مع التوصية آلية لتنفيذها، وتكليف بأن يقوم التطوير التربوي ـ خلال
سنة من تاريخه ـ بدراسة الوضع القائم، وتشخيصه وتحديد مسبباته، واقتراح البرامج
المناسبة للقضاء على الهدر، مع الاستفادة من الدراسات السابقة.
([101])
6-2-3-1-3
إخضاع مدخلات التعليم
الابتدائي، وعملياته للدراسة العلمية، واعتماد وكالة الوزارة للتطوير التربوي عدة
مشروعات بحثية في هذا المجال، أنجزت بعضها، والآخر في سبيله إلى الإنجاز، ومن هذه
المشروعات ـ على سبيل المثال:
·
دراسة حول سن القبول في الصف
الأول الابتدائي.
·
دراسة حول الاختبارات الشهرية.
·
دراسة حول الإجازات الدراسية.
·
دراسة حول الخطة المخفضة في
المدارس الصغيرة.
·
تقويم تجربة الصف الأول
الابتدائي.
·
إعداد نماذج من الاختبارات
التحصيلية لبعض المواد الدراسية.
·
دراسة حول نمط المعيشة للطلاب،
وعلاقته ببعض الجوانب الصحية والتربوية.
·
إعداد مقياس الاستعداد المدرسي
لتلاميذ الصف الأول الابتدائي.
·
إعداد بطاقة تقويم لتلاميذ
الصفوف الأولية.
·
دراسة حول دليل معلم المرحلة
الأولية.
·
دراسة مسحية للمشكلات التربوية
والتعليمية التي تواجه طلاب ومعلمي المرحلة الابتدائية.
·
دراسة الرسوب والتسرب في
المرحلتين الابتدائية والمتوسطة.
·
دراسة استطلاعية حول فصل درجة
القراءة عن الكتابة في المرحلة الابتدائية.
6-2-3-1-4
أجرت الإدارة العامة للبحوث
التربوية بوزارة المعارف دراسة تحديد أولويات العمل بالوزارة، وخرجت الدراسة
بعنوان: "وثيقة أولويات العمل في وزارة المعارف" ويأتي في صدر هذه
الأولويات، الآتي :
·
دراسة مناهج الصفوف الثلاثة
الأولى من المرحلة الابتدائية، والتأكد من ملاءمتها لإكساب التلاميذ المهارات
الأساسية.
·
صياغة أهداف سلوكية مرتبطة
بالمناهج الدراسية.
·
ربط التعليم النظري بالممارسات
العملية.
·
تغيير نمط المدرسة النظري إلى
النمط العملي الذي يمكن التلميذ من التفاعل مع بيئته، والاستفادة مما يتعلمه منها.
·
ضرورة تحديد محتوى مقررات:
الإملاء، والخط، والتعبير، والتربية الفنية، وعدم ترك أي مادة من دون مقرر محدد.
كما
تتعاون وزارة المعارف في هذا المجال البحثي مع جامعات المملكة العربية السعودية،
وبخاصة كليات التربية، ومراكز البحوث.
6-2-3-1-5
أن مؤشرات الكفاية آخذة في
التحسن، إذ " بلغ معدل الفاقد التعلــــيمي 25% في العام 1416/1417هـ،
بانخفاض قدره 5.7% عن عام 1413هـ، وبفضل الله، فإن مؤشرات معدلات الكفاية آخذة في
الارتفاع، إذ بلغ معدل الكفاية 80.3%، بتحسن قدره 3.7% عن عام 1413هـ"
([102])،
فإذا ما واصل هذا التحسن امتداده في السنوات القادمة فسوف نصل إلى تحجيم هذه
الظاهرة قريباً إن شاء الله.
6-2-4
مستقبل التعليم المتوسط في
المملكة:
6-2-4-1
كان سلم التعليم العام في
المملكة العربية السعودية حتى عام 1377هـ يتضمن مرحلة التعلــــيم الابتدائي، ثم
مرحلة التعليم الثانوي، وفي عام 1378هـ قسم التعليم الثانوي إلى مرحلتين، فترة كل
منهما ثلاث سنوات، وهما : المرحلة المتوسطة، والمرحلة الثانوية، وبذلك يعد
عام 1378هـ /1958م بداية ظهور التعليم
المتوسط، على أنه مرحلة مستقلة في السلم التعليمي السعودي.
وفي عام 1392هـ ضمت المرحلة المتوسطة إلى المرحلة
الابتدائية، مع وجود الشهادة الابتدائية في نهاية التعليم الابتدائي، وشهادة الكفاءة
المتوسطة في نهاية التعليم المتوسط، وكان هذا الإجراء يهدف إلى استيعاب جميع
الحاصلين على الشهادة الابتدائية في التعليم المتوسط، ولكن لم يستمر ذلك سوى
عامين، إذ تم فصل التعليم المتوسط عن التعليم الابتدائي في عام 1394هـ، وعاد من
جديد يمثل مرحلة مستقلة على السلم التعليمي السعودي. ([103])
6-2-4-1-1
ولقد تطورت مدخلات التعليم
المتوسط بوزارة المعارف من مدارس وطلاب ومعلمين؛ ففي عام 79/1380هـ كان عدد مدارسه
(17) مدرسة وصلت إلى (2.691) مدرسة في عام 17/1418هـ، وكان عدد الطلاب (2.338)
طالباً فبلغ (468.948) طالباً، وزاد عدد المعلمين من (156) إلى (35.238) معلماً،
لنفس الفترة. ([104])
وتتوقع دراسة إسقاطيـــــة أن يصل عدد طـــــلاب المرحلة
المتوسطـــة بوزارة المعارف (512.234) طالباً
في عام 23/1424هـ. ([105])
6-2-4-1-2
بينما تتوقع دراسة إسقاطية أخرى
أن الأعداد المتوقعة من الطـــــلاب الذين سيلتحقون بالتعليم المتوسط في المملكة
العربيـــــة السعودية من الذكور (607.000) طالباً لعام 2000م، و(650.000) طالباً
لعام 2005م، و(737.000) طالباً لعام 2010م، و(881.000) طالباً لعام 2015م.([106])
6-2-4-2 وأياً ما كانت نتائج الدراسات الإسقاطية([107])
التي لا نهملها تماماً، ولا نعتمد عليها وحدها في تكوين رؤيتنا للمستقبل، فإن
رؤيتنا المستقبلية للتعليم المتوسط تتمثل في الآتي :
6-2-4-2-1
سوف يشكل التعليم المتوسط،
والتعليم الابتدائي مرحلة واحدة، هي مرحلة "التعليم الأساسي "، وسوف
يحدث ذلك تغييراً جذرياً في منهج، ومقررات هذه المرحلة، بما يضمن زيادة التحامه مع
الحياة، وتستند هذه الرؤية إلى عدة مؤشرات أهمها:
6-2-4-2-2
أن التعليم المتوسط عقب ظهوره
بسنوات قليلة ضم في عام 1392هـ إلى المرحلة الابتدائية، بهدف استيعاب جميع
الحاصلين على الابتدائية في التعليم المتوسط.
6-2-4-2-3
تعد فكرة التعليم الأساسي ـ بما
تتضمنه من تزويد التلاميذ بأساسيات المعرفة، والثقافة، والخبرات، والمهارات التي
تمكنهم من فهم عصرهم ومعايشته، والتفاعل مع واقعهم في إطار قيمهم لتحقيق حاجاتهم
وحاجات مجتمعهم، وذلك من خلال ربط النظرية بالتطبيق، والعلم بالعمل، وإتاحة الفرصة
للتعليم في مرحلة آلية من الأفكار المقبولة تربوياً لدى عديد من المنظمات التربوية
المحلية والعالمية .
6-2-4-2-4
ويمكننا أن نخلص إلى أن التعليم
الأساسي الذي نعتقد أن الجهات المسؤولة عن التعليم العام لابد أن تعمل على تحقيقه
هو : ([108])
·
تعليم مفتوح القنوات موجه
للمواطنين كافة من دون تمييز، يمكّن المتعلمين من خلال صيغه، وأشكاله المتعددة ـ
حسب استعداداتهم، وإمكاناتهم ـ من التهيؤ للالتحاق بعالم العمل والمهنة، أو مواصلة
الدراسة لمراحل تالية إذا رغبوا، كما يُعِدُّهم للمشاركة في أنشطة مجتمعهم
ومسؤولياته.
·
تعليم يستقي أهدافه، ومضامينه،
وهياكله، وطرائقه، من مجموعة الحاجات الإنسانية التعليمية الأساسية اللازمة للفرد،
بما يكفل تفتح شخصيته وتنمية طاقاته وإمكاناته، واكتسابه الكفاءات اللازمة لمواصلة
تعلمه الذاتي، والإسهام الإيجابي الفعال في المناشط الاقتصادية والاجتماعية
والثقافية في مجتمعه، وهو بذلك برنامج تعليمي متكامل في حد ذاته، وليس مجرد حلقة
تعليمية تستقي أهدافها من متطلبات حلقات تعليمية تليها.
·
تعليم مفتوح على مبدأ التربية
المستديمة، ويسعى لتنمية المجتمع الدائم التعليم، فهو يرسي البدايات الأساسية
لتعليم يمتد مدى حياة الفرد، وينسق لهذا الغرض جهوده مع النشاطات التعليمية
النظامية وغير النظامية في مجتمعه، سعياً وراء توفير فرص اكتساب القدر الأساسي من
التعليم الذي يلبي الحاجات الإنسانية التعليمية الأساسية اللازمة للفرد، على النحو
الذي يمكنه من الانتفاع بها ، وذلك في إطار شبكة متكاملة تنظم هـــــذه الجهود
والبرامج، بحيث تسمح بالتعليم والعمل المتناوب، أو التعليم المعاود ( لمن تركوا
التعليم، ويودون العودة إليه)، واستخدام إمكانات المجتمع، ومؤسساته في التعليم
والتدريب كأجنحة ممتدة للتعليم الأساسي، مع توفير القنوات والتشريعات والنظم التي
تكفل ذلك وتيسره.
·
تعليم وظيفي منفتح على بيئته
أخذًا وعطاءً، يوثق العلاقة بين ما يدرسه الطالب وما يحيط به في بيئته، لتكون
البيئة ـ بمصادر إنتاجها وثرواتها وأساليب حفظها وحمايتها، وما يتوافر فيها من
خبرات وأوجه نشاط ـ مصدراً أساسياً للمعرفة، ومجالاً للبحث، والدرس، والعمل،
والتطبيق.
·
تعليم يؤكد في مناهجه وطرائقه
على الجوانب العملية، ويعنى بالتطبيق، ويسعى ما استطاع ـ من خلال الخبرة المباشرة
والتفاعل مع الواقع ـ لتكون الأسس النظرية والمباديء العامة مرتبطة في خبرة
المتعلم بجزئياتها وتطبيقاتها، وليس مجرد صيغ تردد، أو مقولات تحفظ، وهو بذلك يشجع
على التجريب، ويمنح الأولوية للعمل والممارسة.
·
تعليم قد خططت هياكله، ووضعت
نظمه، بحيث تكون العبرة في التقويم النهائي لجهود الدارسين فيه بما تعلموه بالفعل،
وما اكتسبوه من مفاهيم، وأتقنوه من مهارات، ووضح في سلوكهم من اتجاهات، مهما تعددت
القنوات، والأساليب التي تم ذلك من خلالها في التعليم الأساسي، سواء أكانت تقليدية
أم غير تقليدية، نظامية أم غير نظامية، وألا يكون هناك تمييز أو تفرقة فيما يتعلق
بالشهادات التي تمنح، أو فرص الالتحاق بمراحل تعليمية تالية، بين تلك التي تصدر عن
التعليم الأساسي، وتلك التي تصدر عن مراحل معادلة لها في التعليم التقليدي.
·
تعليم يؤكد – في أهدافه
ونشاطاته وأساليب تقويمه – على دعم الاتجاهات الإيجابية التي تحاصر معوقات التنمية
في المجتمع؛ فهو يؤكد على الربط بين التعليم والعمل المنتج، وينمي القدرة على
اتخاذ القرار وتحمل مسؤولياته، والتحلي بروح المبادرة، والاستعداد لبذل الجهد،
والإصرار على الإتقان، وتوجيه المجتمع المدرسي بما ينمي اتجاهات روح الفريق،
ومهارات العمل الجماعي، ويوفر المناخ الذي يترجم العلم إلى نهج فكري في ممارسات
الحياة اليومية، ومواجهة المشكلات، والتخطيط للتغلب عليها.
·
تعليم يركز على اللغة العربية ـ
التي أكرمها الله بأن جعلها لغة القرآن الكريم ـ كما أنها لا تنتهي مرحلة التعليم
الأساسي إلا ويكون الطالب قادرًا على أن يعبر
ببساطة، وسلامة، وصحة، ويسر باللغة العربية الفصحى، بصفتها أداة اتصال
فعالة في أمور حياته، وجسرًا يعبره إلى تراث أمته وحضارتها.
·
تعليم يرسي ـ من خلال أسلوب
بناء مناهجه والمسلك والقدوة التي يمثلها معلموه، والمناخ العام الذي يوجه
النشاطات، والعلاقات في مؤسساته ـ ذلك الاتجاه المتوازن الذي يكوّن لدى الناشئة
الثقة، والتفهم، والإيمان العميق بالذاتية الثقافية لأمتهم في قيمها، وحضارتها
الإسلامية العربية، والإصرار ـ في الوقت نفسه على إعمال الفكر، وبذل الجهد،
واكتساب المهارات اللازمة، لمتابعة التقدم التقني من حولهم، والمشاركة في صنعه.
·
تعليم يشارك المستفيدون منه
والمعنيون به في التقويم المستمر لبرامجه، لضمان تجدده المستمر في تلبية حاجاتهم
واهتمامهم، ومتابعة مطالب سوق العمل وأولوياته.
6-2-4-2-5
إن عدداً من الدول المجاورة رفع
سن الإلزام إلى نهاية المرحلة المتوسطة، وأخذ بتطبيق فكرة التعليم الأساسي التي
تضم المرحلتين الابتدائية، والمتوسطة معًا.
6-2-4-2-6
إن التعليم الذي تقدمه المرحلة
الابتدائية حالياً لم يعد يمثل الحد الأدنى الذي ينبغي أن يحصل عليه غالبية أبناء
المجتمع السعودي، في عصر أهم سماته العلم والتقنية المتطورة، وإن معدل الالتحاق
بالمرحلة المتوسطة سوف يصل إلى 90% لعام 2000م، وما بعده، كما تتوقع إحدى الدراسات
المستقبلية.
6-2-4-2-7
إن الآباء ورجال التربية
والمسؤولين في المجتمع يشكون من لفظية التعليم الابتدائي والمتوسط، والاهتمام
بالحفظ، والبعد عن الاتصال بالعمل، ومراكز الإنتاج، ويرغبون في تعليم تتوثق فيه
العلاقات بين مناهج التعليم ومراكز العمل والإنتاج، وتتكثف فيه المناشط والتدريبات
وتتعزز فيه العلاقة بين المدرسة والحياة بوجه عام.
6-2-4-2-8
سوف تخضع مدخلات التعليم
المتوسط ـ شأنها في ذلك شأن التعليم الابتدائي ـ للدراسة العلمية، بقصد التقليل من
الهدر التعليمي، ورفع كفاءته الداخليةـ فما زال الرسوب والتسرب يمثلان هدراً لا
ينبغي أن يستمر ـ وهناك أكثر من مؤشر يؤكد
على أن هذه الظاهرة آخذة في التقلص في المستقبل القريب، منها أن الفاقد التعليمي
بهذه المرحلة بلغ 38%، بانخفاض قدره 10% مقارنة بعام 1413هـ، وأن معدل الكفاية آخذ
في الارتفاع، إذ بلغ 72.4%، بتحسن يبلغ 5% مقارنة بعام 1413هـ.
([109])
6-2-5
مستقبل التعليم الثانوي في
المملكة:
6-2-5-1
تعد مدرسة تحضير البعثات التي
اُسست في عام 1356هـ بمكة المكرمة أول مدرسة ثانوية بالمفهوم الحديث، وكانت مدة
الدراسة بها خمس سنوات، وفي الفترة 1365ـ1372هـ زادت مدة الدراسة بالتعليم الثانوي
إلى ست سنوات، على مرحلتين هما : الكفاءة الثانوية التي سميت فيما بعد الكفاءة
المتوسطة، ومدة الدراسة بها ثلاث سنوات، والمرحلة الثانوية ومدة الدراسة بها ثلاث
سنوات، السنتان الأوليان للثقافة العامة،
والسنة الثالثة للحصول على الشهادة التوجيهية في أحد القسمين الأدبي أو
العلمي،"وفي عام 1373هـ ألغي نظام الثقافة العامة، على أن يتخصص الطالب بعد
السنة الأولى في أحد القسمين الأدبي،أوالعلمـي ".
([110])
6-2-5-2
ولقد أخذت المملكة العربية
السعودية بعدة تجارب لتطوير التعليم الثانوي، إذ أدرك المسؤولون أن الصيغة
التقليدية للمدرسة الثانوية العامة قاصرة، ولا تُعد الشباب للحياة، كما أنها قاصرة
في الوقت نفسه ولا تعدهم للجامعة، لذا قامت وزارة المعارف بتجريب صيغة المدرسة
الشاملة في عام 1395هـ، ثم طورت التجربة إلى نظام التعليم الثانوي المطور، الذي
يقوم على أساس الساعات المقررة، ثم تقرر إيقاف العمل بنظام الساعات اعتباراً من
عام 1412هـ، مع تنفيذ الخطة الدراسية الجديدة للمرحلة الثانوية التي تبدأ بصف عام،
ينتظم فيه جميع الطلاب، ثم تتشعب الدراسة بعد ذلك إلى أربعة أقسام، هي : قسم
العلوم الشرعية والعربية، وقسم العلوم الإدارية والاجتماعية، وقسم العلوم
الطبيعية، وقسم العلوم التقنية، ويشترك طلاب الأقسام كافة في دراسة مقررات أساسية
مشتركة، ترتبط بالتكوين الروحي والثقافي. ([111])
6-2-5-3
ولقد تطورت مدخلات التعليم
الثانوي العام بوزارة المعارف كثيرًا: فزادت عدد مدارسه من (16) مدرسة في عام
79/1380هـ، إلى (1.219) مدرسة في عام 1418هـ، وزاد عدد طلابه من (1.260) إلى
(280.729) طالباً، ومن (105) إلى (17.883) معلماً لنفس المدة، وهذا إنجاز تحولت
عشراته إلى خانة الآلاف، وتحولت آحاد آلافه إلى مئات الألوف، حدث هذا في زمن وجيز
قياساً بعمر الأمم والشعوب.
6–2–5–4 وتتوقع دراسة مستقبلية أن يصل عدد طلاب التعليم
الثانوي العام بوزارة المعارف إلى (390.533) طالباً في عام 27/1428هـ، وإلى
(396.087) طالباً في عام 29/1430هـ. ([112])
وتتوقع دراسة إسقاطية أخرى أن أعداد([113])
الطلاب الذين سيلتحقون بالتعليم الثانوي في المملــــكة العربيـــة السعودية من
الذكور (479.000) طالباً لعام 2000م، و (562.000) طالباً لعام 2005م، و(598.000) طالباً لعام 2010م، و (699.000)
طالباً لعام 2015م. ([114])
6–2–5–5 ومهما كانت نتائج الدراسات الكمية الإسقاطية ـ
التي ينبغي أن تؤخذ في الحسبان ـ فما هي رؤيتنا المستقبلية للتعليم الثانوي في ضوء
ماضيه وحاضره متداخلاً مع ثقافتنا، ومتقاطعًا مع ظروف العصر وأوضاعنا، ومساندًا
لحاجات التنمية لدينا؟