تمهيد : الرحلة في طلب العلم ، وأثرها في التكوين العلمي وتوطيد العلاقات بين البلدان

اشتهر الإسلام بخصائص وصفات بارزة تميزه عن غيره من الأديان السابقة، فكانت من العلامات الواضحة التي بسببها كان هذا الدين مهيمنا ومسيطرا على من سبقه،ولا يمنع هذا من أنه مصدق لما بين يديه من الرسالات السالفة من أصل الدين ومهمات العقائد ، مصدقاً لقول الرسول :" الأنبياء إخوة لعلات ، أمهاتهم شتى ، ودينهم واحد ".([1])

ومن هذه السمات الكريمة في الإسلام دعوته إلى التواصل والتراحم والتعارف بالآخرين من بني جنسه ؛ ليكمل بعضهم بعضا، ويؤنس كل منهم أخاه وصنوه ؛ حتى تكتمل حركة الحياة ، ويستمر العمران في الأرض ، ولذلك يقول تعالى : { إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا }.([2])

وخير وسيلة للتعارف وأسمى مظاهره ما كان عن طريق الإسلام أولا،ثم ما كان سببه العلم على وجه الخصوص ؛ لأن العلم رحم بين أهله، يتصلون من خلاله، وينهلون من معينه، ويصلون به إلى السعادة الدنيوية والأخروية .

ولذلك كان ديدن أهل العلم من عصر الصحابة بل من لدن الأنبياء والرسل السابقين حتى الآن التنقل والرحلة في طلب العلم وقطع المفاوز الصعبة والفيافي الوعرة من أجل تحصيل مسألة أو فهم معنى آية أو حديث، وهم مع ذلك يلتمسون فوق الفهم والتعلم ثواب الله في الآخرة تطبيقا لقول النبي e : ( من سلك طريقا يلتمس فيه علما سهل الله له طريقا إلى الجنة ) ([3]) ، وقوله أيضا :( من خرج طلب العلم كان في سبيل الله حتى يرجع ). ([4])

وأول من سن ذلك فيما نعلم رسول الله موسى – عليه السلام – فقد أورد البخاري في ذلك حديثا في كتاب العلم تحت ترجمة (الخروج إلى العلم) عن ابن عباس أنه تمارى هو والحر بن قيس بن حصن الفزاري في صاحب موسى ، فمر بهما أُبَيُّ بن كعب ، فدعاه ابن عباس فقال : إني تماريت أنا وصاحبي هذا في صاحب موسى الذي سأل السبيل إلى لُقِيِّه ، هل سمعت رسول الله يذكر شأنه ؟ فقال أُبَيُّ : نعم،سمعت الرسول يذكر شأنه يقول: (  بينما موسى في ملأ من بني إسرائيل إذ جاءه رجل فقال: أتعلم أحدا أعلم منك ؟ قال موسى : لا ، فأوحى الله عز وجل إلى موسى :بلى ، عبدنا خضر ، فسأل السبيل إلى لقيه، فجعل الله له الحوت آية ، وقيل له : إذا فقدت الحوت فارجع ، فإنك ستلقاه ، فكان موسى e يتَّبع أثر الحوت في البحر ، فقال فتى موسى لموسى: أرأيت إذ أوينا إلى الصخرة فإني نسيت الحوت ، وما أنسانيه إلا الشيطان أن أذكره، قال موسى: ذلك ما كنا نبغي، فارتدا على آثارهما قصصا، فوجدا خضرا ، فكان من شأنهما ما قص الله في كتابه). ([5])

ومنذ هذا الوقت اتخذت هذه السنة الحسنة حتى فشت بين طلاب العلم في الأمة الإسلامية، وبخاصة في عصر الصحابة الذين كان أحدهم يرحل من المدينة إلى الشام([6]) أو إلى مصر ؛ ليأخذ الحديث عن أخيه ، أو ليتوثق من رواية حديث سمعه.

وصنيع البخاري ومسلم وأصحاب كتب السنة غير خاف علينا في هذا الصدد.

ونهجاً على هذه السنة ظل العلماء وطلاب العلم يفعلون هذا الصنيع إلى يومنا هذا،فيرحلون من بلادهم إلى البلاد الأخرى طلبا للعلم ، ورغبة في علو الإسناد ، وأملا في تحصيل الثواب الوارد في الأحاديث السابقة.

ولا يعني هذا أن البلد الذي يتركه صاحب طلبا للعلم خارجه أن هذا البلد خال من العلماء أو صفر اليدين منهم، بل هو يرحل لمزيد من الاستفادة، ولما لكثرة الشيوخ من توثيق وتنويع في تلقي العلوم، وقد قيل لأحمد بن حنبل: رجل يطلب العلم يلزم رجلا عنده علم كثير، أو يرحل؟ قال: يرحل، يكتب عن علماء الأمصار، فيشافه الناس ، ويتعلم منهم. ([7])

وهناك أغراض أخر للرحلات العلمية –زيادة على ما سبق – كمحاولة الدعوة إلى مذهب صحيح أو اعتقاد رشيد، كما فعل طلاب العلوم بنجد حين رحلوا إلى البلاد الإسلامية لتلقي العلوم، ولا سيما بلاد الهند ؛ إذ عملوا بكل جد ومثابرة وسعي حثيث على نشر الدعوة السلفية وتصحيح بعض المفاهيم الخاطئة التي علقت بأذهان كثير من العلماء، فضلا عن طلاب العلم عن طريق تقليدهم لأشياخهم دون النظر في صحة هذه الأمور أو بطلانها،حتى ولو كانت في المسائل الاعتقادية.

ومن ثم كانت هذه الرحلات ذات أغراض متعددة ، وتحمل في طياتها نوايا مختلفة، إلا أنها محمودة في جملتها، مطلوبة من قبل الشرع طلب وجوب ولزوم.

ومن ناحية الطرف الآخر – وهم علماء الهند وطلابه – فقد جاؤوا إلى المملكة منذ أيام الملك عبد العزيز إلى الآن، ووقفوا على أصل الدعوة السلفية،فرجع الكثير منهم عما كان يشوب اعتقاده من دخل أو شطط، كما سنتبين ذلك في ثنايا هذا البحث.

ودليل ذلك الآن ما فعله كثير من علماء الهند الذين غادروا بلادهم واستوطنوا المملكة حتى تأتيهم منيتهم فيها راضين كل الرضا بما هم فيه غير مكرهين على اعتقاد أو مذهب بعينه ، وأصبحت الجامعات ودور العلم السعودية لا تخلو من أحدهم ؛ ليعلم أبناء المملكة ، ويساعد على نشر العلوم وتحقيقها،خصوصا علم الحديث الذي تشتهر به تلك البلاد ؛ لتصب في معين واحد ، وتدعو إلى دين واحد بطريق صحيح ومنهج سديد ، هو طريق السلف الصالح والعلماء العاملين.

 

 

الفصل الأول

الدعوة السلفية وانتشارها

 

المبحث الأول: الدعوة السلفية في عهد الملك عبد العزيز، واهتمامه بالعلم والعلماء

نظرا للنشأة الدينية للملك عبد العزيز ، فضلا عن شخصيته القوية ونفسه الأبية التي تعودت الثبات على الحق ومعرفة الفضل لأهله ، وبما ورثه عن أجداده وآبائه من الانقياد للشرع والدين ومحاربة كل مبتدع ودخيل متمثلا في ذلك بما كان عليه جده الإمام محمد بن سعود الذي كان جل همه في إمارته غرس بذور التوحيد في القلوب، والعودة بالناس إلى عقيدة السلف الصالح ، ونبذ الخرافات والبدع التي انتشرت وعمت أرجاء نجد من جراء تقليدهم لبعض علماء البدع والضلالات وإلفهم لذلك ، كان ذلك كله منطلقا في نشر قواعد التوحيد الخاصة والبعد بعقيدة المسلمين في الجزيرة عن كل شائبة .

لكل هذا بات من الطبيعي أن يكون الملك عبد العزيز امتدادا لسلفه الصالح محمد بن سعود في مساندة الحق واتباع الشرع ومعرفة قدر العلماء واحتياج الخلافة الصالحة لهم، وشاهد ذلك ما صرح به الملك عبد العزيز حين تولى حكم المملكة عند أول لقاء بأهلها قال : " لقد مضى يوم البدء في العمل ، فأوصيكم بتقوى الله واتباع مرضاته والحث على طاعته ، فإنه من تمسك بالله كفاه ، ومن عاداه – والعياذ بالله – باء بالخيبة والخسران ، إن لكم علينا حقوقا ؛ فمن حقوقكم علينا النصح لكم في الباطن والظاهر، واحترام دمائكم وأعراضكم وأموالكم إلا بحق الشريعة ، وحقنا عليكم المناصحة ، والمسلم مرآة أخيه ، فمن رأى منكم منكرا في أمر دينه أو دنياه فليناصحنا فيه ، فإن كان في الدين فالرجوع إلى كتاب الله وسنة رسوله ،وإن كان في أمر الدنيا فالعدل مبذول إن شاء الله للجميع على السواء" . ([8])

وبعد أن بيَّن الملك عبد العزيز دستوره في الحكم بهذه الكلمات التي تشع بالتوحيد الخالص والتوكل الصادق ثنَّى بإقراره بحق العلماء والاعتراف لهم بوجوب الرجوع إليهم دون غيرهم عند المشاحنات أو الاختلافات ؛ إذ هم بهذه الأمور أعلم ، والأخذ بأقوالهم في هذا الصدد أسلم ، ولذلك نراه يقول: "إننا لا نكره أحدا على اعتناق مذهب معين أو السير في طريق معين في الدين ، فذلك موكول أمره إلى علماء الدين وحملة الشريعة ، ولكني لا أقبل بحال من الأحوال التظاهر بالبدع والخرافات التي لا يعتبرها الشرع وتأباها الفطرة السليمة ، لا يسأل أحد عن مذهبه أو عقيدته ، ولكن لا يصح أن يتظاهر أحد بما يخالف إجماع المسلمين أو يثير فتنة عمياء بين المسلمين، وخير لنا أن ننظر إلى صالح المسلمين ، ونترك هذه الأمور الجزئية للعلماء ، فهم أحرص منا على ذلك" . ([9])

ولشدة حرص الملك عبد العزيز على نشر الدعوة السلفية فضلاً عن الثبات عليها في صدره وورده وشأنه وجميع حكمه وأمره –كان يقرب إليه العلماء المخلصين والفقهاء العاملين ، حتى لا يخطو خطوة إلا بمستند من الشرع ، ولا يصدر أمراً إلا بمستند من الدين ، وقد خص الملك آل الشيخ محمد بن عبد الوهاب بمزيد احترام وتوقير لما لديهم من غيرة على الدين وشدة في اتباع الحق ومحاربة الانحراف، ومن مظاهر ذلك القرب وتلك العناية التي أولاها الملك عبد العزيز لآل الشيخ أنه وجد في الشيخ عبد الله بن عبداللطيف بن عبد الرحمن آل الشيخ من العون والمساعدة على مهمات الأمور ما وجده آباؤه وأجداده المور ما وجده آباؤهوأجداده الذين ساروا بالدعوة السلفية عبر ثلاثة قرون ، فالسعوديون يحمونها ، ويذودون عنها ، وآل الشيخ وغيرهم من علماء الدعوة يدعون إليها ، ويجادلون عنها ؛ حتى شقت طريقها بين الزعازع والأحداث الجسام. 

ولما وجد الملك عبد العزيز في هذا الشيخ سيم الصالحين وصفات سابقيه من صفوة أجداده –وبخاصة جده الأكبر الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب – آثر وحرص على توثيق الصلة به ، فتزوج ابنته التي أنجبت جلالة الملك فيصل بن عبدالعزيز. ([10])

ومن علماء آل الشيخ الذين قربهم الملك عبد العزيز وجعلهم حفظة لإقامة شرع الله –عز وجل –على نهج من الكتاب والسنة وترسيخا للدعوة السلفية:

 

1 – الشيخ محمد بن عبد اللطيف بن عبد الرحمن آل الشيخ ( ت 1367 هـ ):

وقد عيّنه الملك –رحمه الله تعالى – قاضيا في القويعية ثم في الوشم ، ومقر عمله في شقراء ، كما بعثه إلى عسير وبلاد الحجاز مرشدا وداعيا إلى الله تعالى ، مما كان سببا في نفع الكثيرين بوعظه وتوجيهه([11]) ، ثم عينه قاضيا لعاصمة المملكة ( الرياض ).

وعهد إليه أيضا طبع رسائل أئمة الدعوة عند طبعها للمرة الأولى.

 

 2 – الشيخ صالح بن عبد العزيز بن عبد الرحمن آل الشيخ (ت 1372 هـ ):

ولاه عبد العزيز قضاء الرياض سنة 1337هـ، وكان المثل الحسن في العدل والإنصاف والنزاهة والعفاف ، واستمر في القضاء حتى عام 1452هـ ، ولم يقتصر هذا الشيخ على مساندة الملك عبد العزيز بالعلم والقضاء فقط ، بل كان يرافقه في غزواته ، وآخر غزوة له هي غزوة جراب سنة 1333هـ . ([12])

 

3 – الشيخ عبد الله بن حسن بن علي آل الشيخ ( ت 1378 هـ ):

 وهو أحد الذين بعثهم الملك عبد العزيز لتوجيه أهل البادية وتثقيفهم وتعليمهم سنة 1337 هـ ، ولم تكن هذه المهمة يسيرة نظرا لجفاء طبع أهل البادية وفشو الجهل فيهم ، ولما أثبت هذا الشيخ كفاءة في تلك المهمة وفي غيرها من مواطن الجهاد باللسان والبنان اتخذه الملك عبد العزيز رفيقا في أسفاره وغزواته إماما للملك وقاضيا للجيش وواعظا ومرشدا للمتمردين ، وإذا أسندت القيادة لأحد أنجاله أرسله الملك معه ؛ ليكون له سندا وعونا في اتباع الحق ومستشارا أمينا في الفصل بين الخصم .

وحضر هذا الشيخ العديد من الغزوات مع الملك ، وكان آخراها أيام (الرغامة ) حين حصار جدة ، ولما تم الاستيلاء على مكة والمدينة وجدة والطائف واستتب الأمر في الحجاز في مدنه وقراه جعله الملك عبد العزيز إماما وخطيبا في المسجد الحرام ، وذلك في مستهل سنة 1344هـ، وفي عام 1346هـ أسند إليه الملك عبد العزيز منصب رئاسة القضاء في المنطقة الغربية ، كما أسند إليه رئاسة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وكذلك أسند إليه اختيار الأئمة وتعيينهم في المسجد بما في ذلك المسجد الحرام ، فضلا عن توليه مراقبة ما يرد إلى البلاد من الكتب والمطبوعات.

 

4 – الشيخ محمد بن إبراهيم بن عبد اللطيف آل الشيخ ( ت 1389 هـ ):

 الشيخ العلامة سليل العلم والعلماء مفتي البلاد السعودية ورئيس القضاة فيها ، ولد في الرياض عام 1311هـ ، وتلقى تعليمه وتحصيله في الرياض على يد والده وغيره حتى برع رحمه الله ، وحصل من العلوم الشيء الكثير ، ثم جلس للطلاب ، فأصبح يعلم الطلاب بحسب مستوياتهم العلمية ، فأفاد رحمه الله ، ولو قلت إن أغلب طلبة العلم في زمنه قد قرأ عليه لكان قريبا من الصواب ، ومع جلوسه للتعليم كان لديه من الأعمال رحمه الله ما تنوء بحمله الجبال ، ولكن البركة التي منحها الله إليه ، فإليه تعيين القضاة والمعلمين والجامعة الإسلامية في المدينة ورئاسته للمجلس التأسيسي لرابطة العالم الإسلامي ، والإشراف على تعليم البنات ، وفوق ذلك الإفتاء التي ترد إليه من كل حـــدب وصوب ، ولكن الله بـــارك في أعمالــــه ووقته وجهده ، فـــأدى كل ذلك – رحمه الله – بأمانة وصدق وإخلاص وحزم ، وما زال على ذلك –رحمه الله –حتى توفي في 1389هـ.

وغني عن القول أن هذه المناصب لا يصل اليها إلا من بلغ من النضج العلمي مبلغا كبيرا ، وصار لديه الخبرة والتجربة التامة ، ووهبه الله مع هذا عقلا راجحا ، وفكرا ثاقبا، وفراسة صائبة ، ومعرفة بالناس ، وخبرة بأحوالهم ، واطلاعا على أمورهم ، وتمييزا وبصرا بعواقب الأمور . ([13])

ولم يقتصر الملك عبد العزيز في توقيره للعلم واحترامه للعلماء على آل الشيخ ، بل امتد ذلك إلى كل من يتوسم فيه بوادر الإخلاص ووضوح العارضة وقوة الذهن ، فضلا عن العلم المبني على أساس الدعوة السلفية ، ويظهر ذلك في إناطته حفظ بيت المال للشيخ حمد بن فارس (ت 1345 هـ ) الذي باشر هذه المهمة الصعبة بعفة ونزاهة تامة مع صدق وإخلاص وتفان في مواساة الفقراء من طلبة العلم وغيرهم ، وإعطائهم ما يقوم ، رغم إعوازه الشديد واحتياجه الملح لهذا المال ، ولذلك لما توفي – رحمه الله تعالى – وجد عليه من الدين تسعون ألف ريال ، فأداها عنه الملك عبد العزيز من قبيل { هَلْ جَزَاءُ الإِحْسَانِ إِلاَّ الإِحْسَانُ }. ([14])

ومن مظاهر تكريم الملك عبد العزيز أيضا للعلم والعلماء أن أول مكتبة نجدية عامة تأسست في عام 1359هـ ، وهي مكتبة جامع عنيزة ، وبعد أن بُنيت رُصَّ فيها الأرفف الخشبية ، وجعل في بعض حيطانها رفوف أيضا للكتب ، ثم وضعت عليها الكتب مُبوَّبة على حسب أنواعها في جميع علوم الشريعة واللغة والأدب والتاريخ والسير .

وبعد ترتيب المكتبة وإعدادها للاطلاع أصبحت منارة للعلم ونشر المعرفة ، فضلا عن أنها أضحت مقرا لإلقاء الدروس من كبار الأشياخ([15]) ، ومأوى أمينا للطلاب يجتمعون فيها للمذاكرة ومراجعة الدروس ليلا ونهاراً.

وقد استخدمت هذه المكتبة للاطلاع فيها بأسلوب حضاري منظم ،وشاهد ذلك ما نظمه أحد التلاميذ المترددين عليها في شروط وآداب التعامل مع كتب هذه المكتبة حيث قال :

تأمل شروط الكتب من قبل أخذها          وحافظ عليها فهــــو عـــون بقائها

فأولها : رفق بها عند أخذهـــــــــــا           ويقلبهــــا مــــع ردها في مكــــــانها
وإغلاق دولاب عليهـــــــــــا وبابها           ومنع إخــــراج لها مــــن خبــــــائها
وصلِّ إله العرش ما هبَّ شــــرقها      على المصطفى من أرضها وسمائها([16])
ومن ناحية أخرى فقد كان الملك عبد العزيز يقدم أهل الحل والعقد من العلماء ، فيأخذ بقولهم في شؤون الحكم ،ويصيغ  أحكامهم  بالنفاذ والوقوع ، هذا بالإضافة إلى ما يخلعه عليهم من ألقاب التوقير والتبجيل ، فلا يُنادَون إلا بأصحاب الفضيلة سماحة العلماء سواء أكانوا من علماء البلاد أو خارجها ، كما سنبين ذلك في الفصل الأخير من هذا البحث .
وخير مثال للتواضع الجم الذي كان يتحلى به الملك عبد العزيز أمام وقار العلماء وهيبة المخلصين منهم ما صنعه الملك مع الشيخ محمد بن مقبل قاضي البكيرية (ت1368هـ) ، وهو أنه ما من مرة يزور الملك فيها القصيم ويصل إلى البكيرية([17]) إلا وزار هذا الشيخ في منزله إكراما له وللعلم الذي يحمله والزهد الذي يزينه ويجمله . ([18])
وقد كان الملك عبد العزيز يتمتع بعقلية واعية ، ويتصف بالذكاء الحاد وبصيرة نافذة وحكمة صائبة ، كان من آثارها أنه وظف هذه الصفات وتلك الخصائص في سبيل إقامة الشرع وتجديد أمر الدين بالرجوع به إلى مصدره الأساس المتمثل في ينابيع الكتاب والسنة وعمل السلف الصالح من الأئمة المشهود لهم بالعلم والعمل والإخلاص والصدق ، فأحب أن يحيي الدعوة السلفية التي بعثها من مرقدها الشيخ محمد بن عبدالوهاب – رحمه الله تعالى – ولكن على نطاق أوسع مما كانت عليه ، سواء أكان ذلك داخل المملكة أم خارجها .
فمن مظاهر إحيائه لهذه الدعوة السلفية داخل المملكة وتجسيده للعمل بها وإفشائها بين العام والخاص إنشاؤه لأول هيئة رسمية للأمر بالمعروف والنهى عن المنكر ، من شأنها أن تضطلع بهذا الواجب المؤكد في الشريعة والذي إذا طبق عم الأمان والاطمئنان في نفوس الجميع ، وكان من اختصاص هذه الهيئة حث الناس على الطاعة والعمل بالشرع الحنيف وبما يتفق مع ما ورد في الكتاب والسنة وعمل الأولين في صدر هذه الأمة([19]) ، وهو بهذا يكون من الممتثلين والمطبقين لأمر الله عز وجل: { وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنْكَرِ وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ}([20]) . ويكون أيضا من الذين أحيوا سنة قد أميتت ، وهي قول النبي e: (من رأى منكم منكرا فليغيره بيده ، فإن لم يستطيع فبلسانه ، فإن لم يستطيع فبقلبه ، وذلك أضعف الإيمان). ([21])

ولا يزال هذا العمل الجماعي الطيب قائما ومعمولا به في المملكة إلى وقتنا هذا .

ومن ناحية أخرى وحرصا من الملك عبد العزيز على لم شمل أهل المملكة على عقيدة واحدة صحيحة قائمة على أسس الدعوة السلفية جمع العلماء المعول عليهم في نجد في مؤتمر كبير عقده في الرياض للنظر في السبب الذي كاد أن يشيع الفوضى بنجد ، وأصله يرجع للخلاف الناشئ بين البدو وبين الحضر سنة 1337هـ ، وحضره تسعة من كبار علماء الدعوة السلفية بنجد ، وهم : الشيخ عبد الله بن عبد اللطيف ، والشيخ حسن بن حسين آل الشيخ ، والشيخ سعد بن حمد بن عتيق ، والشيخ عمر بن محمد ابن سليم ، والشيخ عبد الله بن عبد العزيز العنقري ، والشيخ سليمان بن سحمان ، والشيخ محمد بن عبد اللطيف آل الشيخ ، والشيخ عبد الله بن بليهد ، والشيخ عبدالرحمن بن سالم .

فاجتمع هؤلاء الأشياخ ، وخرجوا بمنشور طويل ، قرروا في مضمونه أن معتقد المسلمين بدو وحضر واحد ، وأن أصل المعتقد كتاب الله وسنة رسوله وما كان عليه الصحابــة ثم السلف الصالح ثم أئمة المسلمين الأربعة أبو حنيفة ومالك والشافعي وأحمد ، فهؤلاء اعتقادهم واحد في الأصل ، وقد يكون بينهم اختلاف في الفروع ، ولكنهم كلهم على حق إن شاء الله . ([22])

أما على مستوى نشر الدعوة السلفية خارج المملكة فلم يكن الملك عبد العزيز يمنع من إيفاد أحد من علماء هذه الدعوة إلى الخارج إذا ما وجدت الحاجة لذلك ، وإذا أردنا أن نقف على أحد الأمثلة في هذا فلنعرض إلى إيفاد الشيخ عبد الله بن زيد بن عبد الله آل محمود ( ت 1417هـ ) ، حيث قدم الشيخ عبد الله بن قاسم الثاني حاكم قطر إلى مكة قاصدا الحج ، وبصحبته ابنه الشيخ حمد بن عبد الله وعدد من كبار أسرة آل ثاني والأعيان ، وبعد أداء فريضة الحج طلبا من الملك عبد العزيز آل سعود أن يبعث معهما برجل يصلح للقضاء والفتيا ، حيث كانت قطر في ذلك الوقت دون قاض بعد أن غادرها الشيخ محمد بن مانع ، وقد وقع اختيارهما على الشيخ عبد الله بن زيد بإيعاز من الشيخ محمد بن مانع الذي اختاره لما رآه منه من سعة في العلم والاطلاع ، فأصدر الملك عبد العزيز الأمر إليه بالتوجه معهما في السنة نفسها ، وتقلد أمانة القضاء آخر العام 1359هـ ، وكان ذهابه إلى قطر فاتحة خير عليها ، ووضع لأول مرة نظام تسجيل الأحكام والقضايا لحفظــــها ، ثم أسس فضيلته دائرة الأوقـــاف والتركات هناك عام 1380هـ ، وزادت المحاكم الشرعية على يديه ،وصار أنموذجا للقاضي العادل ؛ حتى أصبح الناس يقصدونه من المناطق المجاورة لفض خصوماتهم .

وقد قام هذا الشيخ بتمثيل الدعوة السلفية على خير وجه من خلال عقيدته السلفية وحبه الشديد لشيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم .

وباتت المملكة تحرص على نشر الدعوة السلفية من لدن الملك عبد العزيز حتى يومنا هذا ، فلا تكاد تنقطع قوافل العلماء والقضاة والمدرسين الذين نهلوا من مظاهر هذه العقيدة السلفية ، فأخذوا يجوبون الأرض شرقا وغربا لنشر هذه الدعوة وتصحيح المفاهيم المشوهة عنها .

 

المبحث الثاني : تأثر الحركة الفكرية في الهند بالدعوة السلفية

إن الدلائل التاريخية الثابتة تؤكد أن الحركة السلفية في الهند ظهرت من تلقاء نفسها، وأن التشابه الموجود بينها وبين حركة الشيخ محمد بن عبد الوهاب راجع لوحدة الأصول الممثلة في الكتاب والسنة . ([23])

الا أنه من المؤكد أيضا أن ثمة تأثراً قويا قد تسرب إلى كيان الحركة السلفية بالهند من جراء ما وصلها من أخبار متوالية عن نجاح وسعة انتشار الدعوة السلفية بنجد ، حتى لقد رأوا ذلك رأي العين عندما زار بعض علماء الهند المملكة للوقوف على حقيقة هذه الحركة المباركة ، كما سنبين في الفصل التالي إن شاء الله .

 كان المسلمون في الهند ينقسمون من الناحية العقدية إلى جماعات وطوائف شتى ، فكان منهم الشيعة الذين انقسموا إلى فرق ، وأهل السنة الذين تحزبوا ما بين أتباع السنة وأهل الحديث وأهل القرآن ، والأحمديه القاديانية ، والبريلوية أهل البدع ، وجماعات أخرى كثيرة ، ساعدت على ظهورها الظروف السياسية التي كانت تمر بالمسلمين آنذاك والتي أدت ببعضهم إلى الهروب من عالم الحقيقة إلى عالم الخيال وترك الدنيا والهروب إلى الصوامع والغابات طلبا للراحة النفسية .

كما ساعد اختلاط المسلمين بالهنادكة على تسرب العقائد الهنادكة إلى المسلمين الذين جعلوا من إسلامهم مزيجا وخليطا من عقائد شتى ، فابتعدوا كثيرا عن أصول الإسلام ، مما حدا بجماعة العلماء الصالحين إلى دعوة الناس إلى اتباع السبيل الصحيح والابتعاد عن الخرافات والتمسك بالعقيدة الصحيحة المأخوذة من الكتاب والسنة . وكان هؤلاء امتداداً لحركة الإصلاح القديمة التي قادها شاه ولي الله الدهلوي وجماعة المجاهدين من بعده ، فضلا عن العلماء الأخيار الذين لم يتوانوا عن خدمة الدين وأهله، فصدرت مؤلفاتهم التي تهدف إلى إحياء الدين وتذكير المسلمين بماضيهم التليد، واستمر الوضع هكذا إلى أن ظهرت مدرسة ندوة العلماء ومدرسة ديوبند ، أو كما أطلق عليها ( دار العلوم ) ، وكذلك الجامعة الملية التي تأسست عام 1920م .

وكان لوضع المسلمين هذا أثر في تحكيمهم تجاه الأحداث التي دارت في الجزيرة العربية إبان توحيدها على يد الملك عبد العزيز رحمه الله تعالى .

وكذلك كان لأحداث الحرب العالمية وما تبعها من آثار سلبية على العالم الإسلامي كله أكبر الأثر في اتجاه المفكرين المسلمين في الهند إلى مواجهة الغرب بالتركيز على أفكار الشرق والابتعاد عن أي تأثير يرد من الغرب ، وذلك عن طريق إحياء تعليم الإسلام والرد على أعدائه ، وأخذوا يتطلعون إلى قيادة إسلامية ، وبخاصة بعد إعلان إنهاء الخلافة رسميا ، ومن ثم أخذوا يحللون الأحداث التي تدور في الجزيرة العربية ، ووجد غالبية المفكرين المسلمين في قيادة الملك عبد العزيز الأمل في ايجاد قيادة إسلامية حرة ، وبخاصة أن الجزيرة العربية هي المنطقة العربية الوحيدة التي لم تصلها يد الاستعمار ، وقد نشط في ذلك كل من : سليمان الندوي ، وأبو الكلام آزاد ، وعبد السلام الندوي، ومحمد إقبال ، وظفر علي خان ، وغيرهم .

وفي الوقت الذي كانت فيه دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب تجد ثمارها مع توحيد الجزيرة العربية على يد الملك عبد العزيز ورجاله بدأت بعض وكالات الأنباء تذيع الأخبار الملفقة والمختلقة عن مظالم ارتكبها الملك عبد العزيز ، وبدأت هذه الوكالات التي كانت ترسل أخبارها إلى صحف الهند تلقي الظلال على أحداث معينة ، وتعطي تفسيرات مغرضة لأحداث أخرى ، وهي تهدف من وراء ذلك إلى بلبلة أفكار المسلمين في الهند ، وقطع الصلة بينهم وبين أهل الجزيرة العربية ، ودفعهم إلى نسيان محط الرسالة وموطن الحرمين الشريفين .

ومن ناحية أخرى نشطت فئات أخرى، على رأسها فرق الشيعة وأهل البدع والخرافات وهم أصناف وأنواع ، وكان لكل طائفة ونحلة هدف تود تحقيقه من وراء ترويج الإشاعات ، ويكفي هنا أن نذكر أن لكهنو التي تضم أغلبية شيعية ظلت مركزاً لعقد الاجتماعات والندوات التي ظلت مدة طويلة برغم وضوح الحقائق أمام المسلمين وكشف كذب وكالات الأنباء توجه هجومها المغرض على الدولة السعودية التي قامت بحماية الحرمين وتأمين طرق الحج والحجيج . ([24])

والدعوة السلفية شأنها مثل سائر الحركات التي تخرج على الناس وفي جعبتها ما يخالف ما ألفوه وركنوا اليه ، وما أملاه عليهم هواهم وابتداعهم فعولوا عليه ، ولذلك لا بد أن تجد من يعترضها ، ويسيء إليها ، ويشوه صورتها بغرض النيل منها ووأدها في مهدها .

ومن هنا ينبغي أن نوضح أن غالبية علماء الهند المسلمين ظلوا يجهلون حقيقة دعوة الشيخ محمد عبد الوهاب ، بل ظنوا أن قائد الدعوة هو عبد الوهاب النجدي والد الشيخ ، ولهذا كان يكيلون السباب لعبد الوهاب –رحمه الله– دون الشيخ محمد ، وظل الحال هكذا حتى نشر المرحوم مسعود عالم الندوي كتابه عن الشيخ محمد بن عبدالوهاب بالأردية ، وترجم الكتاب إلى العربية بعنوان ( الشيخ محمد بن عبد الوهاب مصلح مظلم ومفترى عليه ). ([25])

ومن الحقائق الغنية عن التوضيح أن علماء الهند وعامة المسلمين أقاموا حكمهم على دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب ، وهي الدعوة التي تبنتها حركة آل سعود ، والتي حمل لواءها بقوة وحكمة أيضا الملك عبد العزيز فيما بعد ، قد أقاموا حكمهم عليها من خلال المعلومات المزيفة التي وصلتهم عن طريق علماء السوء وعن طريق المستعمرين الإنجليز ، وساعد على تقبل الشائعات المغرضة أن دعوة الشيخ لم تكن قائمة على الوعظ والنصيحة والتأليف والتبليغ فقط، بل كان الجهاد بالسيف جزءاً مهما فيها ،مما ساعد على نجاح الدعوة السياسية والدعوة الحكومية في تشويه صورة حركة الشيخ في نفس المسلمين . ([26])

ولم تعدم الدعوة السلفية في الجزيرة أنصارا لها في الهند يقفون ضد المغرضين من الكفار وأهل البدع والانحرافات ، فبينما كانت بعض وكالات الأنباء تروج إشاعاتها كانت صحف الهند التي يديرها مسلمون تنشر تعليقات الكتاب المسلمين ضد ما يدور في الجزيرة العربية ، وذلك دون أن يتأكد هؤلاء من صحة ما يصلهم من أخبار ، فانبرى بعض علماء الهند للرد على هذه الموجة الضالة ، ومن هؤلاء الذين صدقوا الأخبار الزائفة والشائعات المغرضة ثم رجعوا عن رأيهم وعدلوا عن شططهم – العالم الأديب والخطيب المفوه ظفر علي خان ، فقد كتب على صفحات جريدته " زمندار " مقالات اعتمدت على تلك الأخبار التي كانت تصل عن طريق وكالات الأنباء الغربية، مما جعله يسيء فهم بض الأحداث في البداية ،([27]) ولم يصحح مفاهيمه إلا بعد أن زار المنطقة ، ورأى كل شيء على الطبيعة ، فانطلق يكذب الإشاعات المغرضة التي عمت الهند، ويدافع عن الملك عبد العزيز دفاعا عظيما .

وبعد أن نشر الملك عبد العزيز إعلانه([28]) الذي بيَّن فيه أنه يهتدي بالشريعة وحدها دون الخروج عنها قيد أنملة واحدة ، وبيَّن حقيقة ما يجري على أرض الجزيرة العربية ؛ ليقطع على المزورين طريقهم ، ويسد على المغرضين التواءاتهم ، بعد هذا الإعلان عقدت الاجتماعات في مدن الهند الكبرى ، وفي لاهور دار نقاش بين مؤيدي الملك عبدالعزيز وبين معارضيه ، ورد ظفر علي خان على الاتهامات الباطلة التي يروجها خصوم الملك ، وبخاصة الافتراءات عليه بهدم روضة رسول الله e ، كما أسمع المجتمعين رسالة وكالة رويتر للأنباء التي كذبت الاتهامات الموجهة لابن سعود رغم أنها كانت معادية له، وكان لخطبة ظفر علي خان أثرها في جذب قلوب المسلمين لصالح السلطان عبد العزيز . ([29])

وفي اجتماع لاهور الذي يطلق عليه أهل شبه القارة الهندية ( جلسة عامة ) وبعد خطاب ظفر علي المفصل الذي شرح فيه قضية الحجاز تحدث الشيخ داؤود غزنوي وهو عالم مسلم وقور ، فقال : إنه أرسل برقية إلى أمير الحجاز ( يقصد الملك عبد العزيز ) أكد له فيهــــا تأييــــد جميع المسلمين لخطواتـــــه المباركة ، وكان نص البرقية : ( إننا نبعـــــث إليكم من أعماق قلوبنــــــا أجمل التهـــــاني بانتصـــــاركم ... ودخولكــــم مكة المكرمة في أمن وسلام ، وإنني آمل أن تقام بالحجاز الآن حكومة إسلامية ) . ([30])

وأخذت المصادر الأردية تقرر أن الملك عبد العزيز لم يكن يهدف أبدا إلى سفك الدماء ، بل هو على العكس من ذلك ، علَّق أحدهم على المعركة التي انهزم فيها جيش الشريف حسين بقيادة ابنه عبد الله في مايو 1919 م، فيقول : " وفي مايو وصل ابن سعود مع عساكره إلى التربة ، وعاين بنفسه القتلى ، ورغم ما اتصف به من بسالة وشجاعة إلا أن قلبه رق ، وأعلن أسفه الشديد وحزنه العميق لما أصاب القوم من قتل، وسالت الدموع من عينيه ، وتمنى لو كان جنديا عادياً ، إلا أنه يشعر بمسؤوليته تجاه الله في نشر الدعوة الصحيحة والقضاء على الشرك والبدع ". ([31])

وما نود أن نشير إليه هنا هو أن أكثر ما أغضب خصوم الملك عبد العزيز والدعوة السلفية كان هدم المزارات والقباب على القبور بصفة خاصة ، فأخذوا يستنكرون ذلك؛ لأنه مخالف لما رسخت عليه عقيدتهم ، ومباين لما أشربوه في قلوبهم ، ولكن الله –عز وجل– يخرج من بينهم من يبصر الحق الأبلج الذي ينير جنبات هذه الدعوة السلفية ، فاستحال بعض الأعداء لها إلى مدافعين عنها رافعين لواءها مدحضين لشبه المخالفين لها مبينين ما وقفوا عليه من ناصع حجتها وحميد سيرتها .

ومن هؤلاء الذين نصروا الحق ورفعوا راية الصدق بين صفوف أهل الهند الشيخ خليل أحمد سهارنبوري الذي زار المدينة المنورة سنة 1345 هـ ، وأرسل خطابا لأحد العلماء الهنود يوقفه فيه على حقيقة الأوضاع في الجزيرة العربية عامة ، والمدينة المنورة خاصة ، ويؤكد له زيف ما أشيع ببلادهم من مزاعم مغرضة ضد الدعوة السلفية ، وبخاصة ما أذيع عندهم من اعتداء الملك عبد العزيز على الروضة الشريفة ، وجاء في هذا الخطاب :

" أعتقد أن الحكومة – أي حكومة الملك عبد العزيز – حكومة مخلصة جدا ، وهي تعمل بحسن نية ، والأعمال العظيمة التي عملتها ليس من بينها في رأيي أي عمل لم يراع فيه جانب الدين ، وهناك بعض الأمور الصغار لا يلتفت اليها ، والسلطان ابن سعود بذاته إنسان في منتهى الإخلاص ورجل حكيم صبور بطبعه ، ومنذ أن قبض هذا الرجل بيده على عصا السلطة والأمن قد استتب لدرجة أن ناقة أو ناقتين تمضيان بين مكة والمدينة وينبع وجدة دون خوف ، ولم تصدر أية شكوى من أحد ، أما الشكاوى التي تصدر من بعض الناس فأساسها قضية هدم القباب القائمة على القبور ، وهي القباب التي جعلها الجهلة مع الرُّوَّاض([32]) أساس دينهم  وإيمانهم ، وعندي أن هدمها واجب يقينا ، وقد قامت الحكومة باستفتاء علماء المدينة ، وحين أصدر العلماء فتوى تجيز هدمها حينئذ كانت هناك جرأة على هدمها .

الشيخ الفاضل ، إن ما كتبته من أن ما كان يتوقع من الحكومة لم يحدث شيء عجيب ! ولا أدري من يصب هذا في آذان الناس .

انقل عني إلى الشيوخ ما كتبت ، فقد وصلت هنا ، وأرى كل شيء عن قرب ، ولا أبغي من قولي هذا إحسانا ولا شكورا من أحد " . ([33])

هذا وقد اتسع صدر الملك عبد العزيز في سماع الآراء المخالفة له ، بل كان على اتصال دائم بأهل العلم في البلاد الإسلامية طلبا للنصيحة والمشورة ، ودعا بعضهم في كثير من الاحيان – وبخاصة علماء الهند – إلى زيارة الحزيرة العربية والحرمين الشريفين؛ ليقفوا على الأحداث ويشاهدوها رأي العين ، مما جعلهم يثقون في إخلاصه، ويعتمدون خلافته ، وينصرون دعوته الرامية إلى إحياء الفكر السلفي النقي والمستقى من معين صدر هذه الأمة المباركة ، مما جعل كثيرا من علماء الهند يأخذون بهذه الدعوة السلفية ، ويروجون لها في بلادهم لكونها أساس الدين الإسلامي والشرع الحنيف ، وامتد ذلك إلى فكر العامة هناك ، وظهر ذلك في صنيع المؤيدين للملك عبد العزيز ، حيث سعدوا واحتفلوا بدخوله الحجاز ، وأطلقوا على احتفالهم اسم (الاحتفال بيوم تطهير الحجاز ) ؛ أي تطهيره من البدع والخرافات ورسوم الشرك ، وأقيمت لذلك احتفالات في جميع أنحاء الهند ، وأعلن يوم 2 نوفمبر 1924 م يوما للاحتفال بذلك .

وبذلك آتت الدعوة السلفية ثمارها في البلاد الهندية ، وصار لها أتباع وحماة يذودون عنها وينشرونها بين أرجاء تلك البلاد ، مما ساعد على تعضيد موقف أهل السنة هناك ، خصوصا أصحاب الفكر السلفي منهم .

ولا زالت المملكة ترسل الوفود والعلماء إلى تلك البلاد أملا في توطيد الصلة والعلاقة بين علماء البلدين ، وبغية في رجوع أهل البدع والخرافات منهم عن ضلالهم الذي فيه يسدرون ويهيمون ؛ حتى ترجع لهذه الأمة مكانتها وصدارتها المكفولة بحفظ الله لها :{كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ}.([34])

 

 

الفصل الثاني

الرحلة في طلب العلم

 

المبحث الأول : رحلة بعض علماء نجد إلى الهند في طلب بعض العلوم الشرعية

من السنن الإلهية في الإنسان أن الله –عز وجل –لم يخص أحداً بعينه بمعرفة كل شيء ، ويحجبها عن الباقين ، بل وزع منحه وعطاياه على كل خلق ، وإن كانت على  درجة متفاوتة بينهم ، إلا أنه لم يحرم أحداً كل الحرمان ، ولم يعط أحداً على وجه الإطلاق، سواء أكان ذلك في الأمور المادية أم المعنوية ، ولعل الغرض من ذلك أن يسعى الإنسان إلى أخيه ؛ ليقضي حاجته ، مما ينتج عنه الترابط الإنساني والتواصل الأخوي على حد قول الشاعر :

              الناس للناس من بدو وحاضرة       بعض لبعض وإن لم يشعروا خدم

وتنسحب هذه السنة الإلهية أيضاً في العلوم والمعارف ، فنجد التفاوت بين العلماء فيها ، حيث يوجد العالم والأعلم، وليتميز الحافظ من المحدث ، والثقة من الصدوق ؛ لنصل في نهاية المطاف إلى العبودية المطلقة من خلال صرف العلم الكلي لله –عز وجل– مصداقاً لقوله تعالى : { وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ }.([35])

وقد فصلت السنة النبوية لنا هذه القضية ، وبينت أنه لتحقيق التعارف والترابط بين المسلمين ولدعم أواصر الذمة والرحم فيما بينهم كان لزاماً أن تتوزع المواهب والخصائص بين المسلمين دون حجرها على آحاد الناس منهم ، وخير شاهد على ذلك ما قاله النبي e: ( أرحم أمتي أبو بكر ، وأشدها في دين الله عمر ، وأصدقها حياء عثمان ، وأعلمها بالحلال والحرام معاذ بن جبل ، وأقرؤها لكتاب الله أُبَيٌّ ، وأعلمها بالفرائض زيد بن ثابت ، ولكل أمة أمين ، وأمين هذه الأمة أبو عبيدة بن الجراح ).([36])

ولهذا اتبع علماء الشريعة منهج سلفهم الصالح في ذلك ، فطافوا مشارق الأرض ومغاربها طلباً للعلم وبحثاً عن المعرفة والسند العالي ، وظل الحال هكذا حتى عهد الدولة السعودية التي بنيت على أكتاف العلماء العاملين بالكتاب والسنة والذين كان الكثـــيرون منهم قد سافـــر إلى مختلـــف البلــدان الإسلامية ، وبخاصة الهند التي كانت – ومازالت – عامرة بعلوم السنة ، ولا سيما شق الرواية منها ، ثم رجع هؤلاء العلماء، فتبوؤوا مكانة مرموقة ومنزلة رفيعة بين أبناء الجزيرة العربية من نجد وغيرها ، فصاروا خير لبنة لأحسن كيان قائم على العقيدة الصحيحة والمنهج الرشيد، واستحقوا أن يطلق عليهم أنهم خير خلف لخير سلف، وأنهم وارثو النبوة في العلم والعمل والإخلاص فيهما .

وإذا حاولنا أن نقف على سير بعض العلماء الذين تلقوا العلم – وبخاصة علم الحديث – ببلاد الهند فلابد أن نذكر بداية أن سفر هؤلاء العلماء للهند كان لأغراض عدة متنوعة في الظاهر ، إلا أنها في نهاية الأمر ترجع إلى غرض أساس واحد، وهو التزود من علوم الشريعة لخدمة الدين وأهله بشتى الوسائل المتاحة والممكنة في هذا الوقت .

ونستطيع أن نجمل الأغراض التي من أجلها سافر هؤلاء العلماء إلى الهند في خمسة محاور أساسية  ، نبدأ بأهمها ، وهو:

أولاً – السفر المجرد لتلقي علوم الحديث وطلب الإجازة فيه :

وهذا الغرض هو شأن طلاب العلم والعلماء من لدن الصحابة حتى يومنا هذا ، وهو الغرض الذي يبتغي صاحبه من ورائه الاستزادة من العلم في الدنيا ، والفوز بالجنة في الآخرة ، كما أسلفنا القول في تمهيد هذا البحث . فمن العلماء الذين سافروا لهذا الغرض ، ورجعوا بعلم غزير ، واضطلاع واسع :

1– الشيخ راشد بن علي جريس ( المتوفى أول القرن الرابع عشر) :

ولد في الرياض ، ونشأ فيها ، وأدرك الشيء الكثير من العلوم الشرعية والعربية ، وصارت له اليد الطولى في الأدب والتاريخ والأنساب ، نزح إلى إستانبول عاصمة تركيا، ومن هناك بدأ يراسل ويكاتب العلامة الهندي صديق حسن خان ، ومما قاله في هذه المكاتبات :

" وأما كتبكم التي نحب جلبها من طرفكم فاجعلوها لديكم في حيز الأمانة إلى وقت الميعاد الذي ذكرتم بحول الله ، فإما أن تأتي إلى هندستان أو إلى بعض الأماكن التي يحسن جلب المؤلفات الشرعية إليها ، وأرجو أن يكون ذلك قريباً ".([37])

والذي دفع الشيخ راشد إلى مراسلة علامة الهند هو ما أحسه فيه من الالتزام بعقيدة السلف ومحاربته للبدع والمبتدعين ، فضلاً عن علمه الغزير ومنهجه السديد ، ولذلك أرسل إليه يزف له البشرى بائتلاف قلوبهما على مشرب واحد ، فقال : " كنا نظن أن هذه الطريقة السلفية لنا ، وليس لنا فيها مشارك في الدنيا ، حتى وقفت على بعض مؤلفاتكم الشريفة ، فازددت بها فرحاً وسروراً ، ولي أصحاب على معتقدكم الطاهر، ومؤلفات مشايخنا مطابقة لما أنتم عليه " . ([38])

وظلت المراسلة بينهما ، وازداد التعلق بين الصاحب وصاحبه إلى الدرجة التي يطلب منه فيها القيام ببعض الأعمال التي تفيد عقيدة الأمة وترسخ جذور الدعوة السلفية بين أبنائها ، فأرسل إليه ملتمساً : " فلتغنموا فرصة من وقتكم ، ولو زاحمتكم أشغال الليالي والأيام إلى شرح ( نونية ابن القيم )  ، فالداعي لكم يرى هذا من حسناتكم وامتنانكم على كافة أهل السنة والجماعة ".([39])

وعقد الشيخ العزم على السفر إلى الهند للقاء العالم الجليل ولأخذ مزيد العلم على يديه ، وليستجيزه في مروياته الحافلة بالعلوم والعلماء ، ولذلك أرسل إليه يخبره بعزمه هذا ، فقال : "فجردت همتي لامتطاء العزم إلى السفر إلى حضرتكم لأجل أخذ الإجازة لمؤلفاتكم الشريفة التي رأينا بعضها ، ولم نر باقيها ، حيث إن طريقتكم هي درتي المفقودة وضالتي المنشودة ".([40])

ورحل الشيخ إلى الهند ، والتقى بعلمائها ، واستفاد منهم ، وبخاصة من شيخه العلامة الذي بعد أن علمه مما عنده لبى طلبه ، فأجازه بمروياته في علوم الشريعة ، ودعا له بالثبات على العقيدة الصحيحة ، ومما قال في إجازته هذه : " الشيخ الفاضل راشد بن علي المحمدي النجدي دعاه حسن الظن بي أن أكتب له كتاباً يطلب فيه الإجازة مني ، وقد أجبت هذا الشيخ العلامة ، فأجزته كتب السنة المطهرة من الأمهات الست وغيرها من بقية علوم الشريعة الحقة من تفاسير القرآن العظيم ودواوين الإسلام".([41])

ثم ثنى العلامة صديق حسن خان كلامه بوابل من الثناء والمدح لهذا الشيخ وإخلاصــه في طريقته وقوة معتقده وسلامة صدره ، فقال : " وظهر لي أنه ذو علم نافع ، وفهم لامع ، وفضل ساطع ، يقتدي بالسنة الصحيحة والقرآن ، وتلوح من كتبه أنوار الفضيلة والاستقامة ... وسمعت أنه ممن لا تأخذه في الله لومة لائم ، كثر الله في الزمان من أمثاله ".([42])

ولما عاد الشيخ إلى العراق ثم إلى إستانبول حيث توفي بها سنة 1319هـ ، وله رسالة في تاريخ نجد سماها : (مثير الوجد في معرفة أنساب ملوك نجد )، طبعت بالمطبعة السلفية بالقاهرة عام 1379هـ .

 

2– الشيخ صالح بن عبد العزيز بن عبد الرحمن بن عثيمين ( ت:1410هـ ):

ولد بمدينة بريدة سنة 1320هـ ، ونشأ فيها ، وتعلم في كتاتيبها مبادئ القراءة والكتابة ، فلما جاز سن الطفولة شرع في طلب العلم ، فأخذ عن علماء بلده ومن أشهرهم : الشيخ عمر بن محمد بن سليم ، والشيخ عبد الله بن حسين بن صالح أبا الخيل، فأدرك قسطاً كبيراً  من العلوم الشرعية والعربية ، وصار لديه همة عالية في نشر الدعوى في القرى والبوادي ، ثم دفعه طموحه إلى السفر إلى الكويت ، فأخذ عن كبار الأشياخ هناك .

ثم حدت به همته إلى السفر إلى الهند لشهرتها برجال الحديث وعقائدهم السلفية ، فسافر إلى شظف من العيش إلى مدنه الآهلة بالمحدثين ، مثل مدينة ( بهوبال ) و(روابندي) و( علي كر ) وغيرها ، فقرأ على رجال الحديث من تلاميذ الشيخ المحدث الشيخ نذير حسين وتلاميذ الشيخ حسن خان ، قرأ عليهم في الأمهات الست وفي غيرها من كتب الحديث قراءة راوية ودراية ، وأجازوه إجازات مطولة أثنوا فيها على حفظه وفهمه وتحقيقه ، وهذا نموذج منها :

" بسم الله الرحمن الرحيم ، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده ، وعلى آله وأصحابه وأحبابه وأحزابه ، أما بعد فقد حصل إلى الإجازة بالموطأ والصحيحين والسنن الأربعة قراءة وسماعاً ، وإجازة عن العالم الصالح التقي المسيد مولاي الشيخ خليل أحمد شارح سنن أبي داود ، رحمه الله تعالى ، قال : حصل إلى الإجازة عن الشيخ الأجل التقي الشاه عبد الغني الدهلوي ، رحمه الله تعالى ، قال : أخبرنا الشيخ المشهور بالعلم والتقى في الآفاق الشاه محمد إسحاق ، رحمه الله تعالى ، قال : أخبرنا الشيخ المبجل المعروف بالحفظ والضبط والتمييز الشاه عبد العزيز الدهلوي ، رحمه الله، قال : أخبرني الشيخ الأجل حجة الله البالغة في الأرض صاحب القوة القدسية الشيخ ولي الله بن عبد الرحيم – قدس الله أسرارهما ، وأفشى أبرارهما –إلى آخر الإسناد المشهور المسطور في اليانع الجني . فها أنا قد أجزت حضرة العالم الفاضل : الشيخ صالح بن عبد العزيز العثيمين الحنبلي السلفي –أعزه الله بطاعته – بالموطأ والصحيحين والسنن الأربعة ، وأدعو الله عز وجل أن يرزقني وإياه علما نافعا وعملا صالحا ، وأن يميتنا على سنته ويحشرنا في زمرته ، آمين يا رب العالمين ، سبحان ربك رب العزة عما يصفون ، وسلام على المرسلين ، والحمد لله رب العالمين .

قاله العبد الضعيف المدعو بمحمد إدريس الكاندهلوي الحنفي نزيل مكة المكرمة ذي الحجة 1353هـ. ([43])

وعاد الشيخ بعد ذلك إلى بلده عالما بالفقه والأصول والتوحيد وعلوم اللغة ، وعين مستشارا للأمين العام لرابطة العالم الإسلامي.

 وله من الأعمال النافعة : ( مقاصد الإسلام ) و( تسهيل السابلة في طبقات الحنابلة) ، ترجم لكل الحنابلة من لدن الإمام أحمد بن حنبل حتى عصره ، وهو كتاب ضخم في خمسة مجلدات ، ولا يزال مخطوطا. ([44])

 

3– الشيخ علي بن ناصر بن وادي (ت 1361هـ ):

ولد في مدينة عنيزة سنة 1273 هـ ، ونشأ فيها ، فقرأ على علمائها ، كما قرأ على علماء بريدة ، وأشهرهم الشيخ سليمان بن مقبل ، والشيخ محمد بن عمر بن سليم ، ثم سافر إلى الرياض ، فقرأ على العلامة الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن آل الشيخ وغيره من علماء الرياض .

ثم رحل إلى الهند ، ورافقه في رحلته العلمية الشيخ إسحاق بن عبد الرحمن آل الشيخ والشيخ فوزان السابق ، وشرع في قراءة الحديث على علمائه ، منهم العلامة المحدث الشيخ نذير حسين في دلهي ، فأخذ عنه سند كتب الأمهات الست ، وكذلك أخذ عنه سند المسانيد كمسند الإمام أحمد ومسند الطبراني وغيرهما ، وبعد أن أخذ هذه الأسانيد بإجازتها رحل إلى بلدة ( بهوبال ) للأخذ على علامتها السلفي الشيخ صديق حسن خان ، فوجده قد انشغل بإدارة شؤون البلاد ؛ لأنه ملكها .

ولما عاد إلى بلدة عنيزة عين إماماً وواعظاً ومدرساً في مسجد ( الجديدة ) ، فجلس لتدريس أمهات كتب السنة التي أجيز فيها من علماء الهند ، فأقبل عليه طلاب العلم ؛ ليصلوا إجازتهم بعلماء الحديث ، ويمتد سندهم إلى صدر هذه الأمة .

فكان ممن أخذ منه الأمهات والمسانيد الشيخ عبد الرحمن السعدي والشيخ محمد أمين الشنقيطي والشيخ صالح العبد الله الزغيبي إمام الحرم النبوي والشيخ سليمان الصالح البسام والشيخ عبد الله بن عبد الرحمن بن محمد البسام ، وغيرهم كثير .

وللشيخ رسالة في ( وظائف العشر الأخيرة من رمضان ) ، فرغ من تأليفها عام 1338هـ ، وقد طبعت في ثلاث وأربعين صحيفة من القطع المتوسط ، وتقرأ في تهجد العشر الأخير من رمضان في المساجد. ([45])

 

4– الشيخ فوزان بن سابق بن فوزان (ت 1373 هـ) :

وهو صنو الشيخ علي بن ناصر بن وادي وتربه سواء في تلقي العلم أو في السفر ، ولد في بريدة عام 1257هـ ، ونشأ في بريدة ، وتعلم في كتابها مبادئ القراءة والكتابة ، ثم رغب في العلم ، فشرع في القراءة على علماء بلده ، وأشهر مشايخه الشيخ سليمان ابن مقبل والشيخ محمد بن عمر بن سليم .

ثم سافر إلى الرياض ، فقرأ على العلامة الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن آل الشيخ حتى أدرك .

ثم سافر مع الشيخ علي بن وادي إلى الهند للقراءة على العلامة الشيخ صديق حسن خان الذي وجدوه مشغولاً بحكم بلاده ( بهوبال ) ، فأخذ في القراءة على محدث الهند الشيخ نذير حسين ، واستفاد منه ، ثم عاد إلى القصيم ، فعينه الملك عبد العزيز معتمداً على دمشق ، فاتصل برجال العلم هناك ، وقرأ على مشاهير العلماء هناك ، مثل الشيخ طاهر الجزائري ، والشيخ  جمال الدين القاسمي ، والشيخ عبد الرزاق البيطار، والأستاذ محمد كرد علي .

ألف كتاباً رد به على مطاعن وجهها ( مختار أحمد المؤيد العظمي ) إلى حنابلة نجد في كتاب سماه : " جلاء الأوهام عن مذاهب الأئمة العظام " ، وقد طبع .

أما رد الشيخ فوزان فسماه "البيان والإشهار في كشف زيغ الملحد مختار " ، وقد طبع بعد وفاته في مجلد ، وأعيد طبعه سنة 1413هـ ، وهو الذي قام بعمل فهرس منظم ومفيد لقواعد ابن رجب، ثم طبع على حسابه .

 

5– الشيخ حمد بن علي بن عتيق (ت 1349هـ) :

ولد في بلد (الحلوة) إحدى القرى التابعة لحوطة بني تميم سنة 1268هـ ، وما لبث أن نشأ وشرع في القراءة على والده، فلما أدرك في التوحيد والتفسير والحديث والفقه والنحو رغب في الزيادة ، فسافر إلى الهند سنة 1301هـ ، ومكث فيها تسع سنوات ، فأخذ على كبار علمائها وأفذاذ محدثيها ، مثل الشيخ حسين الدهلوي ، والشيخ العلامة صديق حسن خان القنوجي ، والشيخ شريف حسين ، والشيخ محمد بشير السندي ، والشيخ سلامة الله الهندي ، والشيخ حسين بن محسن الأنصاري الخزرجي اليماني نزيل الهند ، وهؤلاء العلماء كلهم محققون في العقيدة محدثون مفسرون .

وقد أجازه كل من الشيخ الأنصاري ونذير حسين ، واستفاد منهم فائدة كبرى ، ومن ناحيتهم أثنوا عليه ثناء عطرا.

ثم توجه إلى مكة المكرمة لأداء فريضة الحج ، فوجد الشيخ محمد بن سليمان حسب الله الهندي ، فأخذ عنه .

عينه الملك عبد العزيز قاضياً للرياض وإماماً لجامعها الكبير ، فكان يعقد فيه حلقتين للتدريس ، فأقبل عليه الطلاب ، وصفوا به ، واستفادوا منه فوائد جليلة ، وبخاصة قراءة الحديث على طريقة السلف الصالح من حيث الإجازة والإسناد ومعرفة الرواية والدراية، وقد تخرج عليه أكابر العلماء ، فمن تلاميذه الكبار سماحة الشيخ عبد الله بن حسن رئيس الهيئات للأمر بالمعروف بالمنطقتين الوسطى والشرقية ، وغير هؤلاء كثير من كبار علماء المملكة العربية السعودية .

والكتابات والفتاوى التي خلفها الشيخ دليل على غزارة علمه وسعة اطلاعه وحسن تصوره ، وقد جمعت وطبعت في كتاب بعنوان " المجموع المفيد من رسائل وفتاوى الشيخ سعد بن حمد بن عتيق " ، ويحوي هذا المجموع أربعين رسالة للشيخ. ([46])

 

6– الشيخ إبراهيم بن محمد بن محمد آل عمود (ت1394هـ):

ولد في عنيزة سنة 1324هـ ، شرع في طلب العلم ، فقرأ على خاله الشيخ عبد الرحمن السعدي وعلى بقية مشايخ بلده ، مثل الشيخ عبد الله المانع ، والشيخ عثمان الصالح القاضي ، فصار له مشاركة حسنة في العلوم الشرعية .

ثم سافر إلى الهند ، واتصل برجال الحديث ، فأخذ عنهم ، ثم عاد إلى وطنه ، عين قاضياً في بلاد عسير ، ثم نقل إلى قضاء منطقة جيزان ، ثم نقل بعد ذلك إلى قضــــاء الدمـــام ، ثم تولى قضاء الرياض ، وبقي فيه حتى أحيل إلى التقاعد سنة 1382هـ. ([47])

 

7– الشيخ عبد العزيز بن حمد بن علي بن عتيق (ت1359هـ) :

تلقى العلوم الشرعية من علماء نجد من ذرية الشيخ محمد بن عبد الوهاب ، ثم سافر إلى الهند ، فأخذ عن علمائه الحديث الشريف بالأسانيد المتصلة ، ومن أَجَلِّ من روى عنه إمام المحدثين في وقته الشيخ نذير حسين الدهلوي. ([48])

 

8– الشيخ عبد الله بن عمر بن عبد الله بن دهيش ( ت 1406هـ ) :

تعاهده والده بالتربية والتعليم حتى أتم حفظ القرآن وسنه لم يتجاوز الثانية عشرة ، ثم لازم قاضي الأحساء آنذاك الشيخ عيسى بن عبد الله بن عكاس ، فأخذ عنه عدداً من العلوم الشرعية كاللغة والفقه والتوحيد ، وبعد أن توفي شيخه سافر إلى الهند ؛ ليدرس الحديث على مشاهير علمائها ، وهناك اتصل بعلماء الحديث ، وأخذ عنهم ، ومكث بالهند عاماً واحداً ، وقد درس الكثير من علوم الحديث المعتبرة ورجاله. ([49])

 

ثانياً– من أغراض سفر علماء نجد إلى الهند العيش فيه والتعليم في مدارسه ، وممن سافر لذلك :

 

1– الشيخ إسحاق بن عبد الرحمن بن حسن بن محمد بن عبد الوهاب آل الشيخ ( ت 1319هـ ) :

ولد بالرياض سنة 1276هـ ، ونشأ بها نشأة صالحة في بيت علم وصلاح وتقى ، وشرع في طلب العلم عند كبار أشياخ نجد في وقته ، مثل الشيخ حمد بن عتيق والشيخ عبد العزيز بن صالح بن مرشد ، فأدرك إدراكاً تاماً في العلوم الشرعية .

فلما هاجت الفتنة لم تطب له الإقامة في نجد ، فرحل إلى الهند سنة 1309هـ ، وأكمل دراسته هناك ، وأخذ عن عدد من كبار علمائها ومحدثيها ، ونحن نورد كلامه الذي يحكي فيه رحلته إلى الهند في طلب العلم ومن لاقاه من رجال الحديث والكتب التي قرأها ، فنراه يقول :

" وفي قدومي بلد (بنبي) حضرت مجالس تحتوي على الأدب والغزل وشيء من فنون اللغة ، وأنا حينذاك متوجه إلى لقاء علماء الحديث الأفاضل ، ومشتاق إلى مجالسة الفحول الأماثل ... ثم من الله بملاقاتهم ، فأولهم السيد نذير حسين المقيم ببلدة (دهلي)، قرأت عليه شرح نخبة الفكر بالتأمل والتأني ، ثم شرعت في قراءة الصحيحين، وقرأت أطرافاً من الكتب الستة والمشكاة وغيرها ، وحصل لي من السماع والإجازة والقراءة ".([50])

ثم استطرد الشيخ قائلاً : "ثم ارتحلت في رمضان سنة تسع وثلاثمائة وألف إلى (بهوبال) ، فقرأت فيها على الشيخ حسين بن محسن الأنصاري ، وحصل لي منه الإقبال والقبول ، وقرأت عليه في الفروع والأصول ، وحصل لي من القراءة والإجـازة"([51]) ، وذلك ضحى يوم الجمعة لسبع عشرة خلون من شهر شعبان سنة 1315هـ.

ثم انتقل بعد ذلك إلى شيخ آخر ، يقول :" حضرت عند المولوي سلامة الله المدرس في بهوبال ، وسمعت منه شيئاً في بعض كتب المعقولات وسنن ابن ماجة وغيرها ، وحصل لي منه الإجازة ".([52])

ورجع الشيخ بعد ذلك إلى وطنه بما يحمله من علم جم وإجازات مطولة ومُدَبَّجة بالمدح له والثناء عليه ، فانتفع الناس به في نجد أيما انتفاع ، وبات لا يذهب إلى مكان لإلقاء درسه ألا ووراءه الأتباع ، وتتلمذ على يديه نخبة من الطلاب الذين أصبحوا بعد ذلك من مشاهير العلماء .

 

2– الشيخ عبد الله بن محمد بن حمد القرعاوي ( ت 1389هـ ):

ولد عام 1315هـ ، ورُبِّي في كفالة والدته ورعاية عمه (عبد العزيز بن حمد القرعاوي ) ، ولما نشأ وشب صار يتعاطى التجارة من حداثته، وعمه يوجهه ويرشده، وكانت تجارتهما في الإبل ، وصار له ميل إلى طلب العلم ، فقرأ القرآن وحفظه عند الشيخ سليمان بن دامغ ، كما أخذ عن الشيخ عبد الله بن محمد آل مانع .

ثم رحل إلى بريدة ، وتلقى العلم فيها عن الشيخ عبد الله بن سليم وعمر بن سليم، وأخذ عن الشيخ صالح بن عثمان والشيخ سليمان العمري ، وترك التجارة ، وانصرف إلى طلب العلم .

ولما توجهت همته لطلب العلم سافر إلى الهند للتزود من العلم ، وذلك في عام 1344هـ ، والتحق بالمدرسة (الرحمانية) بدلهي ، وتلقى علم الحديث عن علماء السنة في الهند ، فلما جاء خبر مرض والدته بعد سنة من وصوله عاد إلى عنيزة ، ولكنها توفيت قبل وصوله .

ثم عاد إلى الهند لإكمال دراسته ، فتلقى علم الحديث عن الشيخ أحمد الله بن أمير القرشي الدهلوي ، وأجازه إجازة مطولة، وطلبوا منه أن يكون مديراً بمدرسة الرحمانية، وأن يلقى فيها ثلاثة دروس عربية ، فتعذر ، ورجع إلى نجد .

ولما عاد من الهند عام 1357هـ شرع في القراءة على شيخه الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ .

ثم وجهه الملك عبد العزيز بإيعاز من الشيخ محمد بن إبراهيم إلى جنوب المملكة ، فقام فيهم بدعوة إسلامية سلفية صحيحة ، وفتح عندهم المدارس ، وأنشأ لديهم المجالس العلمية المعنية بنشر العقيدة السلفية .

وقد تخرج على يديه كثير من طلب العلم حتى بلغوا الألوف ، وأصبحوا فيما بعد قضاة ومرشدين ومدرسين وأئمة جوامع وخطباء مساجد.

 

3 الشيخ محمد بن عبد العزيز بن محمد بن إبراهيم السناني (ت 1350هـ) :

ولد بعنيزة ، فلما شب قرأ وحصل مبادئ العلوم العربية والشرعية ، ثم سافر إلى (دلهي) ، والتحق بإحدى مدارسها ؛ ليكمل دراسته الشرعية ، ولكن المنية وافته وهو في سن الطلب والتحصيل. ([53])

 

ثالثا : من أغراض سفر علماء نجد إلى الهند طلب العلاج هناك ، ومع ذلك لم يمنعهم مرضهم أو بحثهم عن الدواء من طلب العلم أو العمل على نشر الدعوة السلفية على قدر المستطاع والطاقة ، ومن هؤلاء الذين قاموا بذلك :

 

1 – الشيخ عبد العزيز بن عبد اللطيف بن إبراهيم آل مبارك ( ت1343هـ):

ولد بالأحساء ، ونشأ فيها ، وتعلم في صباه مبادئ القراءة والكتابة ، ثم شرع في مواصلة الدراسة العلمية على علماء بلده ، ومن ذلك علماء أسرته ، حتى أدرك قسطاً لا بأس به من العلوم الشرعية والعربية ، ثم انتقل إلى البحرين؛ ليكمل دراسته بها ، فلما ألم به المرض رحل إلى الهند للعلاج ، ولم يمنعه المرض أن يكون داعية إلى الله تعالى في كل أسفاره وتنقلاته ، فأخذ يرشد الناس في أحوال دينهم ، فالطلاب لهم دروس خاصة ، والعامة لهم الوعظ والإرشاد، ثم رجع إلى بلده ، فزاول نشاطه في الدعوة والأدب ، حتى صار له تلاميذ في كل مكان ذهب إليه . ([54])

 

2 – الشيخ عبد الله بن سليمان بن سعود بن بليهد (ت 1359هـ) :

ولد بقرية (القرعاء) إحدى قرى القصيم الشمالية ، وأخذ مبادئ القراءة والكتابة عن والده ، ثم شرع في طلب العلوم الشرعية ، فانتقل إلى القرى والمدن المجاورة له ، فحصل علوم التفسير والحديث والفقه والأصول والتوحيد.

ومرض الشيخ ، فرحل إلى الهند للعلاج ، واغتنم فرصة وجوده فيه مدة ، فقرأ على علمائه من رجال الحديث، حتى أخذ بحظ وافر منه ، ثم رجع إلى بلاده ، فتقلد عدة مناصب قضائية في عهد الملك عبد العزيز –رحمه الله تعالى– الذي كان يجله ويعرف قدره ، فكان يعتمد عليه في مهمات الأمور ، ولم يمنعه ذلك من التدريس للطلاب ، حتى صار له تلاميذ كثر، تولى أغلبهم بعد ذلك صفوف الريادة والإرشاد والقضاء ، له من المؤلفات : (جامع المسالك في أحكام المناسك) ، جمعه على المذاهب الأربعة ، وقد طبع في مطبعة أم القرى عام 1345هـ .

 

رابعاً : من سافر بقصد التجارة والتجوال ، وأفاد في سفره واستفاد ، وازداد خبرة وحكمة ، ومنهم :

 

1 – الشيخ عبد الله بن محمد بن عبد اللطيف آل الشيخ (ت 1340هـ) :

ولد في الرياض حيث تقيم أسرته (آل الشيخ) ، وتعلم فيها على مشايخه ، وهو ممن عاصر عمه الشيخ عبد الله بن عبد اللطيف وغيره من علماء الرياض .

أخذ العلم في المدينة ومصر وتونس ، وساح في مراكش وجنوب آسيا والهند والأفغان وإيران والعراق .

له رسالة في الاتباع وترك الغلو في الدين . ([55])

2 – الشيخ عبد العزيز بن أحمد بن رشيد البداح (ت 1357هـ) :

أصله من الزلفي من نجد ، وانتقل والده من الزلفي إلى الكويت ، ولد الشيخ في مدينة الكويت سنة 1301هـ ، ونشأ فيها ، ودخل كتابها ، فتعلم فيه مبادئ الكتابة والقراءة، ثم أخذ عن علمائها ، وأخذ في المطالعة حتى حصل ، ونضج فكره.

 وفي عام 1321هـ أدى فريضة الحج ، ثم جاور بالمدينة المنورة ، وصار يدرس في الحرم النبوي الشريف ، ويأخذ عن علمائه .

 كما جاور بمكة المكرمة عام 1330هـ ، ودرس ووعظ في المسجد الحرام ، وتلقى العلم على يد الشيخ عبد الرحمن دهان .

 والشيخ رحالة جوالة في البلاد الإسلامية ، فقد سافر إلى الحجاز والعراق ومصر والشام والهند وتركيا، واجتمع بأكابر علماء هذه البلدان ، وبحث معهم ، واستفاد منهم.

وآخر رحلاته أنه وفد على الملك عبد العزيز آل سعود ، فلما علم حسن معتقده ونشاطه في الدعوة بعثه إلى أندونيسيا لنشر الدعوة الإسلامية.

 ألف كتابين ، الأول بعنوان : "تحذير المسلمين من اتباع غير سبيل المؤمنين" ، والآخر اسمه "الدلائل والبيّنات في حكم تعلم اللغات".

 وأقام الشيخ في بلاد جاوة سنين عديدة لبث الدعوة السلفية ، حتى وافته منيته فيها عام 1357هـ. ([56])

 

3 الشيخ سليمان بن محمد بن جمهور العدواني (ت 1361هـ) :

وهو من إحدى قرى سدير من أعمال نجد ، نشأ فيها ، وتعلم مبادئ الكتابة والقراءة ، وحفظ القرآن الكريم، ثم سافر إلى العراق ، فأقام ببغداد ، وتلقى العلم عن السيد نعمان محمد الآلوسي وابن أخيه السيد شكري الآلوسي، ثم سافر إلى الهند ، وتعاطى التجارة هناك ، ثم رجع إلى العراق ، فأخذ الفقه الحنبلي عن علمائها .

وبعد أن رجع الشيخ إلى وطنه تبوأ مكانة العلماء ، وعينه الملك عبد العزيز قاضياً في عدة أماكن من المملكة ، فعمل فيها بجانب قيامه بالوعظ والإرشاد والدعوة إلى عقيدة السلف. ([57])

 

4 – الشيخ خالد بن محمد الفرج ( ت 1374هـ ) :

وأصله من جلاجل بنجد إلا أنه ولد بالكويت سنة 1316هـ ، فلما بلغ العشرين من عمره سافر إلى الهند ، وعمل كاتباً لدى بعض التجار العرب بمدينة (بومباي) ، وجره طموحه إلى إنشاء مطبعة بها ، حتى إذا صقلت هذه الحرفة عنده رأى أن ينقل مشروعه إلى بلده للاستفادة منه في طبع كتب السلف والدعوة السلفية ، فرجع ، وأنشأ (المطبعة السعودية) بالدمام ، وله من المؤلفات : كتاب (الخبر والعيان) في تاريخ نجد وما حولها ، وهو مخطوط. ([58])

 

5 الشيخ محمد بن علي بن محمد بن تركي (1380هـ) :

 ولد في عنيزة ، ونشأ هو وأخوه الصغير إبراهيم يتيمين بكفالة والدتهما ، ولما بلغ الرابعة عشرة من عمره سافر إلى مكة ، فاشتغل هو وأخوه بالتجارة ، وكان مع عمله التجاري يتلقى العلم من علماء الحرم المكي ، فحفظ القرآن الكريم قراءة إتقان وتجويد، وقرأ في التفسير والحديث والفقه والعلوم العربية ، حتى أدرك حظاً لا بأس به في ذلك كله، لا سيما الفقه ، فله فيه اطلاع جيد.

كما كان يقرأ في بلده عنيزة ، ويحضر دروس الشيخ عبد الرحمن آل سعدي ، وفي عام 1337هـ قام برحلة إلى الهند، فزار دلهي وبومباي وحيدر أباد وكلكتا.

وكان الشيخ رحالة جوالا ، زار العراق ودول الخليج ومصر وفلسطين وبلاد الشام وغيرها من البلدان. ([59])

 

6 –الشيخ عبد الله بن سليمان بن سلامة المزروع (ت 1385هـ) :

ولد بالأحساء عام 1320هـ ، وتوفيت والدته ، فكفلته جدته لأمه كفالة حسنة ، وربته تربية صالحة.

حفظ القرآن الكريم بكُتَّاب ( عبد الرحمن المسلم ) بالإحساء ، كما أخذ مبادئ العلوم عن الشيخ العلامة عيسى بن عكاس .

ثم انتقل إلى مدرسة نظامية ؛ ليتعلم فيها حسن الخط وأنواعه ، وكذا علم الحساب.

ولما شب تجول في بلدان الخليج ، وأكثر من زياراته للهند ، وهو في كل تجواله يتعرف على كبار الشخصيات من أدباء وشعراء ومثقفين .

وعندما عاد إلى نجد اتصل بعلماء مكة المكرمة وأدباء الحجاز وشعرائه ، وصار له زمالة بحث مع الأستاذ حمد الجاسر، والأستاذ أحمد عبد الغفور عطار ، والأستاذ حسن عواد ، والشيخ عبد الله خياط ، والشيخ أحمد علي أسد الله .

ثم اتصل بحلقات العلماء ، فكان من جلساء الشيخ عبد الله بن حسن آل الشيخ. ([60])

 

خامساً : من سافر إلى الهند لمأوى وفراراً من الفتنة القائمة بنجد؛ ليحتمي من بطش الجائرين، وأملاً في أن يستتب الأمن في بلاده ، فيعود إليها ، وخير مثال لهؤلاء هو:

 

الشيخ عبد العزيز بن سليمان بن محمد الفريح (ت 1395هـ) :

ولد في بلدة (أشيقر) ، فلما شب انتقل مع والده إلى مكة المكرمة ، فجاور فيها ، وأخذ العلم عن علمائه ، فحصل العلوم الشرعية ، ولكنه برز في علم النحو ، فكان آية فيه.

فلما تزوج بمكة وأراد الخروج بزوجته إلى نجد في ولاية الشريف الحسين بن علي منعه من الخروج ؛ إذ ساءت العلاقة بين الشريف حسين والملك عبد العزيز، فاضطر إلى السفر إلى الهند، ومن الهند إلى البحرين، ومن البحرين إلى موطنه أشيقر ، فتولى إمامة جامعها والخطابة فيه بعد والده ، فصار له تلاميذ وطلاب يأخذون عنه، وبجانب ذلك عمل مدرساً بالمدارس الحكومية في بلدته. ([61])

وفي الختام أقول : إن الثابت تاريخياً أن الكثيرين من أهل نجد على اختلاف مستوياتهم وثقافتهم قد سافروا إلى الهند لأغراض متعددة، إلاّ أنها في المحصلة عملت على زيادة الصلات والعلاقات بين البلدين في جميع مناحي الحياة ، وبخاصة العلمية منها .

والقاسم المشترك الناتج عن هذه الزيارات هو ما حصله هؤلاء العلماء من علوم شرعية ، ولا سيما علم الحديث الذي يدرس بطريقة السلف الأوائل الذين اهتموا بالرواية والإسناد وطلب العلو والتحري فيه، فاجتمع لعلماء نجد الخيران : التمسك بعقيدة السلف ، والسير على منهجهم في العقيدة والفروع. ومنذ ذلك الحين إلى الآن وعلم الحديث يدرس بهذه الطريقة وبالأسانيد العوالي ، فصار هذا المجهود خير لبنة للاهتمام بصرح السنة ؛ ليظل شامخاً أمام دعاوى الزائغين وانتحال المبطلين .

 

الفصل الثالث

مظاهر الصلة بين البلدين

 

وفيه مبحثان :

المبحث الأول : دعوة علماء الهند للمؤتمر الإسلامي بالسعودية في عهد الملك عبد العزيز

رأى الملك عبد العزيز باعتباره سلطان المملكة العربية السعودية ألاّ يبرم أمرا بشأن الحجاز – وبخاصة الحرمان الشريفان – إلا بعد الاسترشاد بقول أهل الحل والعقد من العلماء في مختلف البلدان الإسلامية بغية منه في جمع العلماء على بساط واحد ، يكون بمثابة خطوة على طريق توحيد الجهود الإسلامية والعمل على تآلف كيانها المتناثرة في شتى بقاع الأرض  ، وعملا بقول الله عز وجل : { وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا}،([62]) وقوله تعالى : { إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ }،([63]) وامتثالا لقوله سبحانه : { وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ }،([64]) وتصديقا لقول النبي e :( مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد , إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الأعضاء بالمرض والحمى ). ([65])

من ثم وجد أنه من الأفضل بل من الواجب أن يدعو علماء المسلمين في شتى البقاع؛ ليكونوا شاهدي عيان على الأوضاع في نجد والحجاز باعتبارهما قطرا واحدا , فأرسل إلى مختلف أقطار العالم الإسلامي يستحثهم على الحضور إلى المؤتمر المزمع عقده بالحجاز للتشاور في شأن كل ما يهم المسلمين , ولتوضيح الصورة الشائعة التي وصلت إلى بعض البلاد الإسلامية بخصوص انتهاك حرمة الأماكن المقدسة وغير ذلك من الدسائس المغرضة التي أشاعها أعداء الإسلام ومحاربو السنة وأتباع عقيدة السلف الصالح.

وبدأت الدعوة إلى المؤتمر الإسلامي الكبير منذ أكتوبر سنه 1924م حين توجه وفد جمعية الخلافة بين السلطان عبد العزيز والأمير علي لإنهاء الخلافات القائمة , وقام السطان في نوفمبر سنه 1924م بدعوه ممثلي جمعية الخلافة إلى مكة , وبناء على طلب من جمعية الخلافة وجه السلطان الدعوة إلى وفود العالم الإسلامي ، ووصلت الدعوة إلى الهند في ديسمبر من العام نفسه .

وحدد الملك في دعوة الوفود التي وجه لها المشاركة في هذا المؤتمر من البلاد الإسلامية , وبيَّن أن عددهم سيكون على حسب المركز الذي تشغله كل دولة في العالم الإسلامي والعربي  , وخَصَّ بالذكر وفد الهند الذي يمثله ثلاثة مندوبين من جمعية الخلافة , وجماعة أهل الحديث , وجمعية العلماء هناك ([66]).

ومضى شهران على توجيه الدعوة , ولم يتلق عبد العزيز جوابا من أحد إلاّ جمعية الخلافة في الهند([67])  ، ولذلك أثنى عليهم الملك في كلمته الافتتاحية للمؤتمر , وشكر مندوبي جميع البلاد الإسلامية , وخص بالشكر مندوبي الهند. ([68])

وقد مثَّلت كل دولة بما لا يزيد على خمسة من العلماء إلا المملكة التي مثلها ما يربو عن ثمانية عشر عالما من نجد والحجاز , وكذلك الهند التي أرسلت ثلاثة عشر عالما يمثلون الاتجاهات الثلاثة الإسلامية المعتدلة عندهم , وهي :

أ – جمعية الخلافة , ومثّلها :

1 – سليمان النـدوي                       رئيسا .

2 – مولانا شوكت علي                 عضوا .

3 – مولانا محمد علي                     عضوا .

4 – شعيب قريشي                         عضوا وسكرتيرا .

ب – جمعية علماء الهند , ومثّلها :

1 – مولانا كفاية الله                      رئيسا .

2 – مولانا شبير أحمد                   عضوا .

3 – مولانا أحمد سعيد                 عضوا .

4 – مولانا عبد العليم الصديقي     عضوا .

5 – مولانا أبو المعارف محمد عرفان   عضوا .

ج – جماعة أهل الحديث , ومثّلها :

1 – مولانا ثناء الله                          رئيسا .

2 – مولانا عبد الواحد الغزنوي      عضوا .

3 – مولانا إسماعيل الغزنوي          عضوا .

4 – مولانا حميد الله                       عضوا ([69]).

ويعقد المؤتمر ويرأسه عالم حجازي ، هو الشيخ شريف شرف عدنان , وينوب عنه عالم هندي ، هو الشيخ سليمان الندوي , وتعقد اثنتا عشرة جلسة , قضى معظمها في بحث النظام الداخلي للمؤتمر , والإصغاء لخطب الوفود , والاقتراحات المقدمة منهم , وبحث بعض المسائل الفقهية والمشكلات الخلافية .

 ولما أوشكت الأيام المقررة لانعقاده تنتهي ولم يصل المؤتمرون إلى نتيجة فيما اجتمعوا من أجله وجَّه الملك عبد العزيز بعض الكلمات الحكيمة في بيان أرسل به إليهم، وكان من توجيهاته فيه :" يظهر أننا نحاول القيام بكل شيء في أول مؤتمر إسلامي، وأخشى أن حرصنا على القيام بكل شيء يجعلنا نفقد كل شيء ، وأفضل شيء التدرج في السير ، فرب عجلة وهبت ريثا "، ([70]) ثم بيَّن الملك منهجه في التعامل عند الاختلاف في الآراء والاجتهادات ، فقال : " إننا لا نكره أحدا على اعتناق مذهب معين أو السير في طريق معين في الدين ، فذلك موكول أمره لعلماء الدين وحملة الشريعة ، ولكني لا أقبل بحال من الأحوال التظاهر بالبدع والخرافات التي لا يعتبرها الشرع ، وتأباها الفطرة السليمة ،لا يسأل أحد عن مذهبه أو عقيدته ، ولكن لا يصح أن يتظاهر أحد بما يخالف إجماع المسلمين ، أو يثير فتنة عمياء بين المسلمين ، وخير لنا أن ننظر إلى صالح المسلمين ، ونترك هذه الأمور الجزئية للعلماء ، فهم أحرص منا على ذلك ". ([71])

وبعد كلمة الملك تكلم رئيس كل وفد ، فمدح أهل نجد ، وأثنى على الملك ، وشكره على دعوته ، ولكن كلمة الوفود الثلاثة الهندية كان لها وقع خاص على مسامع الحاضرين ؛ لما يتصفون به من قوه في الحق وغيرة على الدين ، فضلا عن التواضع الجم واللين الأتم.

ويمكن أن نأخذ كلمة السيد سليمان الندوي ممثل جمعية الخلافة نموذجا للكلمات الرصينة التي ألقيت في جلسات هذا المؤتمر ، حيث قال في خطابه :

( نحن هنا قدمنا ممثلين لجمعية الخلافة ، ومعنا في جمعيتنا أمور ثلاثة ، نعرضها على الحاضرين :

الأمر الأول: بالإضافة إلى العمل بالكتاب والسنة يجب أن نفسح المجال للأمور التي اختلف فيها الصحابة والتابعون ) ([72]) ، وقدم أمثلة على ذلك من الحديث وأعمال الصحابة .

(  الأمر الثاني : أن أول نتيجة من نتائج  الكتاب والسنة والمظهر الأول لاتباعها هو الحكم  ، وعليه فيجب تطبيق حكم الإسلام فيه .

الأمر الثالث : قضية المقابر والمآثر ، وفي هذه القضية يجب أن ندرك أننا نتعامل مع شيئين : المقابر ، والمآثر ، وأحكامهما منفصلة عن بعضها البعض .

فيما يتعلق بالمقابر فالجميع يتفق على أنه في الأحاديث الصحيحة قد جاء أن بناء القبور وتجصيص القبور وغيرها ممنوع ، ولا يجوز شرعا ، هذا رغم أن فريقاً صغيراً يرى أن المعنى يُفَسَّر على غير ذلك ، ولهذا فيمكن للسلطان أن ينتظر قرار علماء العالم الإسلامي ، ولن يخذل في هذا بالتأكيد ، ومن هنا تكون المسؤولية كلها واقعة على العالم الإسلامي كله بلا من أن تقع عليه أو على أهل نجد .

وفيما يتعلق بالمآثر فهي غير المقابر ، والمقصود بها تلك المقامات التي تنسب إلى الأنبياء أو الصحابة بطريقة أو بأخرى ، ولا يوجد في القرآن ولا في الحديث ولا في آثار السلف الصالح ما يمنع بناء الأماكن أو المساجد على تلك المآثر ، بل ورد ذكر هذه المآثر في القرآن الكريم والأحاديث والسير والآثار ، ولهذا فإن هدم مباني هذه المآثر  بدون أي توجيه شرعي لا يعني سوى التشدد.

وقد عرفنا أن بعض المسلمين الجهلة يرتكبون عندها أعمالا غير شرعية ، وهنا يجب منعهم من ارتكاب مثل هذه الأعمال ، كما أن هذه المباني أو بعضها قد بنيت بطريقة غير شرعية أو على أماكن غير موثوق في صحتها ، وحينئذ يجب تصحيح وضعها).([73])

وبعد أن انتهى المؤتمر وتشاور العلماء وانتهوا إلى قبول بعض الاقتراحات ورفض بعضها لم يشأ الملك عبد العزيز أن يترك الوفود تغادر المملكة دون أن يلتقي بها ، ويتباحث معها فيما يعن له ولهم من قضايا ساخنة على الساحة الإسلامية ، وبخاصة مع الوفود الهندية التي أثارت الكثير من التساؤلات التي تنبئ عن انشغالٍ بهَمِّ الأمة وإخلاص في النصح لها ، ومن ثم التقى الملك بوفد جمعية الخلافة ووفد جمعية العلماء معاً ، وذلك في السابع والعشرين من مايو سنة 1926م ، وحَمِيَ النقاش بين العلماء وجلالة الملك حتى أساء مولانا محمد علي فهم مراد الملك عندما أخبر أن مرجعه في حكومته هو الكتاب والسنة ، وكادت الصدور أن توغر بسبب ذلك ، لولا فطنة وحكمة السيد سليمان الندوي الذي أوضح الأمور المبهمة ، وأوقف الجميع على منشأ سوء فهم كلام الملك ، فقال :

( هل هناك في الدنيا مسلم يعترض على الكتاب والسنة ؟! فيما يتعلق بالألفاظ فالفرق الإسلامية المختلفة تعترف بهما (الكتاب والسنة ) على وتيرة واحدة ، وتقبلهما، أما البحث الذي يمكن أن يدور فهو يدور عن معنييهما ، فكل فرقة تدعي أنها على الكتاب والسنة ، ولا يوجد هناك فرقة تقول إنها لا تتبع الكتاب والسنة ، بل الاختلاف أساسا في التأويل والتفسير أو في تضعيف الأحاديث أو توثيقها أو في قوة الأدلة أو ضعفها ، وهذا الاختلاف ليس بجديد على الأمة الإسلامية ، بل هو اختلاف مستمر ، ولهذا ليس من المناسب أن تقوم فرقة ما بفرض قضاياها على أخرى بالقوة دون تقديم الحجة والدليل ، وحتى أهل السنة أنفسهم فهم  فرق مختلفة ، وبينهم اختلاف في الآراء والقضايا ، ولهذا فليس من المناسب أن نثير مثل هذه القضايا في زمن الصراع الحالي ، وما يلزمنا الآن هو توحيد جميع الفرق الإسلامية في مواجهة الكفر ، لا أن نزيد من الاختلافات القائمة بينها). ([74])

ثم تحدث مولانا شبير أحمد عضو جمعية العلماء بالهند مؤكدا كلام السيد سليمان الندوي ، وضرب أمثلة للاختلافات الموجودة والناتجة عن الاختلاف في التأويل والتفسير ، وفصل الكلام عن الناحية الفقهية ، وعرض الأمور التي يجب فيها إصدار الفتوى بالشرك والكفر ، والأمور التي لا يجوز فيها إصدار الفتوى بذلك. ([75])

وكان رد الملك في كل لقاء يقع فيه اختلافات في التأويل والتفسير لا يربو عن التأكد على أنه ليس عالم دين أو مفتيا ، وإنما هو منفذ للقضايا التي يفصل فيها العلماء طبقا للكتاب والسنة ، ولكنه كان يلح أيضا على اعتماد أقوال علماء نجد لثقته العالية بهم ، فضلا عن شدة تحريهم في الاتباع ، فلذلك نراه يقول ردا على مولانا محمد علي: " إن الكتاب والسنة شيء واحد ، ولكن هناك اختلاف في التفسير والتأويل ، وعلى كل حال وبالتأكيد فإن تفسير وتأويل علماء نجد هو الأكثر اعتبارا بين تفسير وتأويل علماء العالم". ([76])

وبعد أربعة لقاءات بين الملك ووفود الهند ورغم وجود بعض الاختلافات بين آراء كل من الطرفين يؤكد الملك في تحية خاصة لعلماء الهند : " وأنا ممنون جدا لمسلمي الهند، وأنا أؤكد لكم أنني أثق بمسلمي الهند من بين مسلمي العالم كله ، وأعتمد عليهم ؛ لأنني أعرف أن جميع جهودهم خالصة لوجه الله ، وأن ما في قلوبهم على ألسنتهم ، وقد رأيت أن أطلب منكم أيها السادة أن نستفيد من أهل العلم ومن أهل المعرفة منكم ، وذلك من أجل إدارة حكومة الحجاز ، ونحن نرحب بمساهمتكم ومساهمة كل من لديه الإمكانيات المطلوبة " . ([77])

وانقضت اللقاءات على أمل أن يتخذ هذا المؤتمر سنة سنوية ، ويتجدد فيها اجتماع العلماء من كل البقاع للتشاور في قضايا الأمة الإسلامية والعمل على إيجاد الحلول لمشكلاتها ، يكون المرجع فيها الكتاب والسنة .

وبهذا وبمعادلة نظرية التأثير والتأثر يصطبغ كل من الجانبين في الهند والمملكة العربية بالآخر ، وتنصهر الأفكار ، وتشحذ الأذهان ، وتنقدح العقول إلى أقصى مدى لإعمالها فيما يخدم الإسلام وقضايا أمته .

ورجع الوفد الهندي بغير الوجه الذي أتوا به بعد أن وقفوا على الحقيقة ، وشاهدوا الصورة رأي العين ، فصححت الفكرة المشوهة التي بنوها على أساس فاسد وأقوال مغرضة ، وساعتها علموا  بحق مدلول قول الله عز وجل : { وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولاً }.([78])

 

المبحث الثاني : الهند مركز لطباعة الكتب العلمية

لا يخفى على أي باحث في العلوم الشرعية واللغوية الدور الهام الذي اضطلعت به الهند في نشر العلوم الإسلامية وطباعة الكتب الدينية ؛ إذ إنها تعد البلد الإسلامي الأول الذي اعتنى بنشر التراث وطباعة كتب العلم الشرعي ، وبخاصة كتب الحديث وشروحه والكتب المعنية بالعقيدة السلفية والدعوة السنية .

أيام الملك عبد العزيز توطدت العلاقة بين السعودية والهند ، فكانت في أوج ازدهارها وأقوى صلاتها ؛ نظراً لتأثر بعض علماء الهند بالدعوة السلفية التي انطلقت من أرجاء الجزيرة العربية ، وعم خيرها البلاد الإسلامية ، فصاروا حماة لها ومدافعين عنها بعد أن أيقنوا أنها صافية المصدر نقية المعين وخالصة المنبع، لا غرض وراءها سوى التمسك بعهد السابقين والعمل على نهج الأولين واتباع سنن سيد المرسلين e .

وعلاقة الهند بالدعوة الإصلاحية السلفية التي بدأها الشيخ محمد بن عبد الوهاب تتمثل في عدة وجوه ، منها تبادل الزيارات – كما أسلفنا القول – بين علماء نجد وعلماء الهند ، وتأثر بعضهم ببعض ، سواء أكان سفر هؤلاء العلماء لتلقي العلوم الشرعية أو التجارة بين البلدين ، فلم تمنعهم التجارة من طلب العلم والالتقاء بالعلماء، والحصول على الإجازات ، وقراءة كتب الحديث ونشر فقهه على طريقة السلف الصالح الذين أخذوا الفقه من القرآن والسنة الصحيحة.

ونتيجة لهذه العلاقات صارت الهند مركزاً لطباعة كتب السلف ومصدراً لنشر كتب الدعوة الإصلاحية ، ويمكننا أن نرجع ذلك تفصيلا إلى عدة أسباب :

     أن أنصار الدعوة في تلك البلاد كانوا يحتفون بكتب العقيدة ، ويعملون على نشرها على نحو ما سنبينه فيما بعد .

   – أن سياسة تلك البلاد لم تكن متأثرة بالسلطة العثمانية التي كانت تحارب الدعوة .

   – أن معظم هذه المطبوعات كانت أعمالاً خيرية يقوم بها المواطنون العرب من سكان الخليج العربي أو تجار العرب في الهند ؛ لأن هؤلاء كانوا يملكون من الأموال ما يمكنهم من الإنفاق على وجوه الخير ،ولذلك نجد أسماء بعض المحسنين تذكر على صفحات العناوين لبعض هذه الكتب ، وفي أحيان أخرى نجد أسماء الساعين في طبع هذه الكتب نيابة عن الناشرين الحقيقيين. ([79])

وبسبب هذه العوامل فقد تهيأ للمطابع الهندية أن تخرج في العقدين الأول والثاني من القرن الرابع عشر الهجري بعض كتب التراث التي نشرت بوساطة أبناء الجزيرة العربية , وكانت كتب الدعوة الإصلاحية التي قام بها الشيخ محمد بن عبد الوهاب وكذلك بعض الكتب السلفية الأخرى لشيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم أهم هذه الكتب .

وحتى يتبين لنا مدى الإسهام الذي أولاه أبناء الجزيرة العربية في نشر كتب السلف يتحتم علينا أن نعرض لما لاقوه من عناء وبلاء في سبيل جلب هذه الكتب من الهند لنشرها بمناطق في الجزيرة قبل أن يبسط الملك عبد العزيز سلطانه عليها ؛ لأن هذه الكتب – كتب السلف – كانت من الممنوعات التي يحظر دخولها فضلا عن توزيعها في هذه البلاد . 

ومن ذلك ما أخبرنا عمر عبد الجبار أن الشيخ أبا بكر خوقير ( ت1349هـ)كان يسافر إلى الهند لجلب كتب السلف ونشرها بمكة : " وقد لاقى الشيخ أبو بكر بعض العنت في سبيل تمسكه بعقيدته السلفية حتى زُجَّ به في السجن ، ولم يفرج عنه إلا بعد استيلاء الملك عبد العزيز على الحجاز " . ([80])

ويذكر أحمد علي في مقال له بعنوان " ذكريات " نشر في" المنهل" موقف السلطات العثمانية من تلك الكتب في مكة ، فيقول : " والكتب المحرمة والممنوع بيعها هي كتب العقيدة السلفية ومؤلفات شيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم وغيرهما من السلفيين "، ثم يخبرنا كيف تصرفت السلطات ببعض الكتب السلفية التي وردت من الهند ، فأقامت عليها حراسة مشددة ، ثم مزقتها بمشهد من شيخ الإسلام التركي والقاضي ونفر من الهنود المعروفين بميلهم إلى الدعوة السلفية. ([81])

هذا على مستوى معارضة السلطات ، أما معارضة بعض الأفراد السادرين في غيهم وضلالهم آنذاك فيذكر أن الشيخ عيسى بن عكاس (ت1338هـ) أحد علماء الأحساء في زمنه قد واجه معارضة من بعض مواطنيه عندما وردت عليه بعض كتب السلف من الهند ، وجرت بينه وبينهم مناظرة في هذا الشأن ، وأخيراً انتصر الشيخ ، وقطع خصومه بالحجة والبرهان ، واستمر في توزيعها. ([82])

وكل هذه القصص وغيرها تؤكد لنا أن الهند كانت مركزاً مهما في طباعة الكتب السلفية ، كما كانت مشهورة بطباعة كتب الحديث .

ويهمنا من هذه الكتب تلك التي أصدرها أبناء الجزيرة العربية أو كان لهم فيها مشاركة من أي وجه ، سواء  أكان ذاك على مستوى الدولة أم الأفراد .

فقد كان قصب السبق في هذه المشاركة للملك عبد العزيز ، يرحمه الله ؛ إذ بدأ طباعة الكتب على نفقته الخاصة منذ وقت مبكر من حياته ، وهو بنجد قبل دخوله الحجاز ، وكان اتجاهه في بداية الأمر شطر الهند بسبب نشاط الطباعة فيها وانتشار الدعوة السلفية بها ووجود عدد من علماء الهند السلفيين الذين دعموا هذا الاتجاه الصحيح ، كما أن التجارة كان لها إسهامٌ بارزٌ في هذا الجانب العلمي ، وقد وجه جلالته عدداً من التجار النجديين الذين كانوا دائماً يسافرون إلى الهند لرعاية تجارتهم نحو طباعة عدد من الكتب على نفقته الخاصة .

ولقد تركزت طباعة كتب العقيدة السلفية في ثلاث مدن هندية ، وهي :

1- مدينة  دهلي، وقد أسهمت فيها داران: المطبع الأنصاري والمطبع المجتبائي، فمن مطبوعات هذه المدينة كتاب " فتح المجيد شرح كتاب التوحيد " للعلامة الشيخ عبد الرحمن بن حسن بن عبد الوهاب ، وذلك بالمطبع الأنصاري سنة 1311هـ.

وطبعت بهذه المطبعة أيضا مجموعة التوحيد النجدية، ولم يذكر تاريخ الطبع، إلا أن الدكتور الضبيب قد رجح أن تاريخه مقارب لتاريخ نشر (فتح المجيد ) السالف الذكر؛  إذ اطلع في نهاية كتاب " إحكام الأحكام شرح عمدة الأحكام " لابن دقيق العيد ، المطبوع في المطبعة نفسها سنة 1313هـ ، على إعلان يذكر " مجموعة التوحيد " ضمن كتب سلفية أخرى ، منها مجموعة الحديث وكتاب " الرد على المنطقيين " لابن تيميــة، و" أعلام الموقعين عن رب العالمين " لابن القيم. ([83])

2- مدينة أمر تسر ، وفيها مطبعـــة القرآن الكريم والسنة : وطبع بهذه المطبعة " فتح الله الحميد المجيد في شرح كتاب التوحيد " للعلامة حامد بن محمد بن حسن بن محسن، والراجح أنه طبع سنة 1315 هـ . ([84])

ومما طبع أيضا بهذا المطبع كتاب " البيان المبدي لشناعة القول المجدي " للشيخ سليمان بن سحمان ، وهو يرد فيه على أقوال محمد سعيد بن محمد بابصيل ، وملحق بهذا الكتاب آخر بعنوان " التحفة العراقية في الأعمال القلبية " وهو لشيخ الإسلام ابن تيمية ، ويتضمن كلمات مختصرة في أعمال القلوب وأصول الإيمان والاعتقاد ، ولم يذكر عليهما تاريخ .

3- مدينة بومباي ،وفيها المطبعة المصطفوية ، ومطبعة  ديرسات ، والمطبعة العمومية ، ومطبعة كلزار الحسنى ،والدار السلفية  : وتعد هذه المدينة أكثر مدن الهند نشرا لكتب العقيدة السلفية ، وطبعاً لمؤلفات علماء الجزيرة العربية ، وما ذلك إلاّ لكثرة المطابع ذات التوجه السلفي بها . وقد احتضنت هذه المدينة أول كتب السلفية ، فطبع بها كتاب " التوحيد " للشيخ محمد بن عبد الوهاب ، مع ترجمة له باللغة الأردية لأبي عبد الله محمد بن يوسف السورتي ، وقدم له مختار أحمد الندوي ، وذلك سنة 1308هـ بالدار السلفية .

وفي عام 1309هـ طبع كتاب "مناهج التأسيس والتقديس في كشف شبهات داود بن جرجيس " من تأليف الشيخ عبداللطيف بن عبد الرحمن بن حسن ابن الشيخ محمد بن عبدالوهاب ، وذلك بمطبعة ديرسات في بومباي ، ويعد هذا الكتاب من المؤلفات الردود المعروفة لبيان حقيقة دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب ، والرد على أقوال العراقي داود بن جرجيس الذي  ألف رسالة بعنوان " صلح  الإخوان " ، ضمَّنها آراءه المضللة في الدعوة والشيخ .

وفي عام 1326هـ طبع كتاب " المواعظ السنية في الخطب النجدية " بمطبعة كلزار الحسنى ببومباي ، وقد تولى الشيخ محمد بن حسن المرزوقي جمع هذه الخطب التي قالها الشيخ محمد بن عبد الوهاب وأحفاده في الترغيب والترهيب والعيدين وطباعتها .

ومن المؤلفات التي طبعتها المطبعة المصطفوية في بومباي سنة 1335هـ كتاب يجمع رسالتين للشيخ سليمان بن سحمان يرد فيهما على الأكاذيب الموجهة ضد دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب : الأولى بعنوان  " الصواعق المرسلة الشهابية على الشبه الداحضة الشامية " ، ويرد فيها على رسالة  محمد عطا الله من أهل الشام بعنوان " الأقوال المرضية في الرد على الوهابية " . والرسالة الثانية بعنوان تبرئة الشيخين الإمامين من تزوير أهل الكذب والمين "  ، ويرد فيها على ما نسبه بعضهم إلى الشيخ محمد بن إسماعيل الصنعاني من افتراءات ضد دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب .

ويضم الكتاب رسالة ثالثة بعنوان " كشف الشبهات التي أوردها عبدالكريم البغدادي في حل ذبايح الصلب وكفار البوادي "  ، فند فيها الشيخ سليمان بن سحمان فتوى عبد الكريم البغدادي المضللة بشأن حكم أكل ذبائح عشائر الصلب وكفار البدو .

ومن أهم ما طبعته المطبعة المصطفوية كتاب " روضة الأفكار والأفهام لمرتاد حال الإمام وتعداد غزوات ذوي الإسلام " المعروف بتاريخ ابن غنام للشيخ حسين بن أبي بكر بن غنام (ت1225هـ ) الذي يعد من أوائل مصادر تاريخ نجد ودعوة الشيخ محمد ابن عبدالوهاب  ، يتكون الكتاب من جزئين :

الأول منهما يتناول الحالة الدينية للبلاد السعودية ، وظهور دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب .

والجزء الثاني يتناول المرحلة التاريخية من 1158هـ إلى 1213هـ ، وهذه الطبعة هي الأولى لهذا الكتاب ، وقد طبعت سنة 1332هـ تحت إشراف عبد المحسن بن محمد بن مرشد أحد التجار النجديين على نفقة الملك عبد العزيز فيما يبدو من الديباجة الموجودة على غلاف الكتاب ، فقد جاء فيها : " على نفقة من قصده الثواب من رب الأرباب رجاء من الرحمن الرحيم أن يجعله عملا خالصا لوجهه الكريم  بمعرفة الساعي في طبع الكتاب عبد المحسن بن محمد بن مرشد ، غفر الله له ولمن أوقف هذا الكتاب " .

وقد كتبت الديباجة نفسها على صدر كتاب طبع في المطبعـــــــة نفسها ، وهو بعنوان " الأسنة الحداد في رد شبهات علوي الحداد " للشيخ سليمان بن سحمان ، ولم يذكر عليه تاريخ .

ومن الملحوظ أن النصيب الأوفر لطباعة كتب علماء نجد كان للشيخ سليمان بن سحمان ، وغالب الظن أن السبب في ذلك يرجع إلى مساعدة الملك عبد العزيز في تحمل نفقات الطباعة ، ولا يمنع هذا أن بعض العلماء الآخرين كانوا على صلة بمطابع الهند لطبع كتبهم ورسائلهم ، ومن هؤلاء العلماء الشيخ عبدالله بن عبد الرحمن بن حمود (ت 1359 هـ ) ، فقد طبع بالهند رسالة له في العقيدة . ([85])

وقد طبع بالهند أيضا كتاب " مصباح الظلام في الرد على من كذب على الشيخ الإمام ونَسَبَه إلى تكفير أهل الإيمان والإسلام " للشيخ عبد اللطيف بن عبدالرحمن بن حسن آل الشيخ ، وغير ذلك من الكتب التي عني الملك عبد العزيز بطباعتها والإنفاق على نشرها ، وبخاصة التي تتعلق بإيضاح الدعوة السلفية والرد على معارضيها .

ومما يجدر ذكره أن الطباعة في الهند كانت بالطريقة الحجرية التي تشبه المخطوطات إلى حد كبير فضلا عن وقوع الأخطاء الكثيرة  من النساخ والمصححين لتلك الكتب ، وهي ناتجة في الغالب عن عجمة الناسخ الذي ينقل اللفظ من نسخة أمامه دون إدراك لمعناه ، حتى إنه في بعض الأحيان يمثل الكلام تمثيلا دون معرفة بمحتواه ، فأوجد كثيراً من التصحيف والتحريف بهذه الكتب ، وهذا ما جعل العلماء يعيدون طباعة هذه الكتب في مصر وغيرها من البلدان التي شاعت فيها الطباعة الجيدة مع التدقيق والتصحيح الكاملين ، إلا أن هذا لم يقلل قيمة الطباعة في الهند وقتها ، تلك التي قامت بعمل جليل في نشر كتب السلف وطباعة كتب العلماء ذوي المنهج الرشيد والرأي السديد من أصحاب العقيدة السلفية ورسائلهم .

 

وتأتي أهمية دور الطباعة في الهند أن لها اليد الطولى والباع الطويل في العناية بنشر كتب السنة والآثار ، وبخاصة في المدة التي استشرت فيها فرق المبتدعة وأهل الأهواء والضلال ، فكان في طباعة كتب الحديث أحسن رد عليهم وخير برهان على زيغهم وإفكهم .

هذا بالإضافة إلى أن الخبرة في شؤون الطباعة قد انتقلت بعد ذلك إلى مدن المملكة كما أسلفنا القول عن الشيخ خالد بن محمد الفرج ، وهذا ساعد على بدء الطباعة في المملكة ، ثم تطورها في الجودة إلى الحد الذي نفخر به الآن بين جميع دول العالم .

 

 

الهوامــــش

 



([1]) أخرجـــــه البخاري في صحيحه ، انظر : فتح الباري 6/478 ،ومسلم في صحيحه 4/1837  ، كلاهما عن أبي هريرة ، ومعنى الحديث : أن أصل دينهم واحد ، وهو التوحيد ، وإن اختلفت فروع الشريعة . انظر فتح الباري 6/489 .

([2])      سورة الحجرات ، الآية 13 .

([3]) أخرجه الإمام أحمد في مسنده 2/407 ، والترمذي في سننه 5/28 ،كلاهما عن أبي هريرة وقال الترمذي:  هذا حديث حسن ، وأورده البخاري في صحيحه 1/160 دون إسناد.

([4]) أخرجـه الترمذي في سننه 5/29 عن أنس بن مالك ، وقال : هذا حديث حسن غريب .

([5]) أخرجه البخاري في صحيحه ، انظر : فتح الباري 1/173 ،174.

([6]) انظر على سبيل المثال ما أخرجه أحمد في مسنده 3/495 في رحلة جابر بن عبد الله بن أنيس  بالشام ؛ ليتوثق من حديث سمعه عنه .

([7]) انظر فتح الباري 1/175.

([8]) انظر : الإمام العادل الملك عبد العزيز آل سعود ، للسيد عبدالحميد الخطيب .

([9]) المرجع السابق ، وانظر أيضا :الجزيرة العربية في القرن العشرين لحافظ وهبة .

([10]) انظر : علماء نجد خلال ثمانية قرون ،لسماحة الشيخ عبدالله بن عبد الرحمن بن صالح آل بسام 1/220،221 بتصرف .

([11]) المرجع السابق 6/134 بتصرف .

([12]) المرجع السابق 2/487.

([13]) المرجع السابق 1/233 ،234.

([14]) سورة الرحمن الآية (60) ، وانظر :المرجع السابق 2/101 ،102 بتصرف تام .

([15]) ومن أبرز العلماء المبرزين الذين ألقوا الدروس بهذة المكتبة العامرة الشيخ عبد الرحمن بن ناصر آل سعدي (ت1376هـ) ، صاحب المصنفات المفيدة والتآليف السديدة التي من أهمها: تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان ، في أربعة أجزاء .

([16]) انظر : المرجع السابق 3/268.

([17]) البكيرية هي إحدى بلدان القصيم الشمالية التي كانت وما زالت تكتظ بالعلماء والفقهاء .

([18]) انظر : المرجع السابق 6/390.

([19]) انظر : الإمام العادل الملك عبد العزيز آل سعود ، للسيد عبد الحميد الخطيب.

([20]) سورة آل عمران ، الآية 104 .

([21]) رواه مسلم في صحيحه  1/69 كتاب الإيمان ،باب بيان كون النهي عن المنكر من الإيمان عن أبي سعيد الخدري .

([22]) انظر :علماء نجد خلال ثمانية قرون 2/29 ،30.

([23]) انظر : جوانـــب من التراث الهندي الإسلامي ، للدكتور خليــــل عبد الحميد ، ص 13 وما بعدها .

([24]) انظر : ظفر علي خان والملك عبد العزيز ، مقال للدكتور سيد رضوان ، نشر ضمن سلسلة  بحوث المؤتمر العالمي عن تاريخ الملك عبد العزيز , جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية , ص 29 – 31 بتصرف .

([25]) صدر هذا الكتاب بالعربية عن إدارة الثقافة والنشر بجامعة الإمام في طبعة منقحة .

([26]) انظر :الشيخ محمد بن عبدالوهاب في نظر علماء الهند ،لمحمد منظور نعماني ،باللغة الأردية، ص32 وما بعدها .

([27]) انظر : جريدة (زميندار) 6، 7 ،10 ، 11، 12 لشهر فبراير عام 1922م .

([28]) انظر  : نص هذا الإعلان بجريدة أم القرى  الصادرة في  3 شعبان 1343هـ،الموافق 27 فبراير.

([29]) انظر : ظفر علي خان والملك عبد العزيز ،للدكتور سيد رضوان ص17.

([30]) المرجع السابق .

([31]) انظر : تاريخ نجد والحجاز ،لمفتي محمد عبد القيوم قادري ، 116، 117.

([32]) المقصود بهم الذين يتبعون الرياضات في تهذيب نفوسهم لإجبارها على السلوك على منهج معين بغض النظر عن صحة ذلك أو بطلانه .

([33]) انظر : الشيخ محمد بن عبد الوهاب في نظر علماء الهند باللغة الأردية ، لمحمد منظور نعماني ص  45 وما بعدها .

([34]) سورة آل عمران ، الآية 110.

([35]) سورة يوسف ، الآية 76.

([36]) أخرجه الأمام أحمد في مسنده 3/184 بإسناد صحيح ، عن أنس بن مالك . وأخرجه الترمذي في سننه 5/665 عن أنس أيضا ، وقال : هذا حديث حسن صحيح. وابن ماجة في سننه ،حديث (155) . وابن سعد في الطبقات الكبرى 3/499 ،586، والحاكم في المستدرك 3/422،4/335، والبيهقي في الكبرى 6/210.

([37]) انظر : علماء نجد خلال ثمانية قرون ،لسماحة الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن آل بسام 2/177.

([38]) المرجع السابق 2/178.

([39]) المرجع السابق 2/177.

([40]) المرجع السابق 2/178.

([41]) المرجع السابق 2/179، 180.

([42]) المرجع السابق 2/180.

([43]) المرجع السابق 2/490، 491.

([44]) المرجع السابق 2/493.

([45]) انظر : علماء نجد خلال ثمانية قرون 5/305 – 308 .

([46]) انظر : المرجع السابق 2/220- 224 .

([47]) انظر :المرجع السابق 1/421.

([48]) المرجع السابق 3/330، 331 بتصرف .

([49]) انظر: المرجع السابق 4/344 ، 345 بتصرف .

([50]) انظر :المرجع السابق 1/559 .

([51]) انظر :المرجع السابق 1/560.

([52]) المرجع السابق 2/561 .

([53]) المرجع السابق 3/504.

([54]) انظر: المرجع السابق 3/430، 431 .

([55]) انظر: المرجع السابق 4/457.

([56]) المرجع السابق 2/384 – 386.

([57]) انظر: المرجع السابق 3/307 – 310 .

([58]) المرجع السابق 2/151 ، 152.

([59]) انظر :المرجع السابق 6/332  – 334.

([60]) انظر : المرجع السابق 4/151 – 153 بتصرف.

([61]) المرجع السابق 3/367 – 369.

([62]) سورة آل عمران ، الآية 103.

([63]) سورة الحجرات ، الآية 10.

([64]) سورة الأنفال ، الآية 46 .

([65]) أخرجه البخاري في صحيحه ، انظر فتح الباري 1/438 ،ومسلم في صحيحه واللفظ له  45/1999 .

([66]) انظر :تاريخ نجد والحجاز ، لمفتي محمد عبد القيوم قادري ص 262 .

([67]) انظر : شبه الجزيرة العربية في عهد الملك عبد العزيز ، لخير الدين الزركلي 2/662.

([68]) انظر : خمسون عاما في جزيرة العرب ، لحافظ وهبة ، ص140.

([69]) انظر : الإمام الملك عبد العزيز آل سعود ، للسيد عبد الحميد الخطيب ص 144 ،145، وانظر أيضا :تاريخ الدولة السعودية ، لأمين سعيد ص 185 .

([70]) انظر : الإمام العادل ، مرجع سابق ص 151.

([71]) المرجع السابق .

([72]) انظر : تاريخ نجد والحجاز ، مرجع سابق ، ص 304.

([73]) انظر: المرجع السابق.

([74]) انظر: المرجع السابق ص 292 .

([75]) المرجع السابق .

([76]) المرجع السابق ،ص30.

([77]) المرجع السابق .

([78]) سورة الإسراء ، الآية 36.

([79]) انظر : حركة إحياء التراث قبل توحيد الجزيرة ، مقال للدكتور أحمد محمد الضبيب  ، مجلة الدارة ، العدد الأول ، ربيع الأول 1395 هـ ،ص45.

([80]) انظر : دروس من ماضي التعليم وحاضره بالمسجد الحرام ،ص21.

([81]) انظر :المنهل عدد ربيع الثاني 1377 هـ م 18، ج 4 ، ص31.

([82]) المرجع السابق .

([83]) انظر : مشاهير علماء نجد للشيخ عبد الرحمن بن عبداللطيف آل الشيخ ، ص 193 .

([84]) انظر : حركة إحياء التراث قبل توحيد الجزيرة  ، للدكتور أحمد محمد الضبيب ، وهو مقال  منشور بمجلة الدارة ،العدد الأول ربيع الأول 1395 هـ ، ص 46 .

([85]) انظر : ذكريات ، لأحمد علي ، مقال بمجلة المنهل ، م 18 ج 4 ، ص31 ، عدد ربيع الثاني 1377 هـ .

-  أشار الدكتور الضبيب أنه طبع عام 1310هـ ، وما ذكرناه هو المثبت على غلاف المطبوع.

-  انظر علماء نجد خلال ثمانية قرون 4/208.