تمهيد:
الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على أشرف
الأنبياء والمرسلين نبينا محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا ،
وبعد:
إن ديننا الإسلامي الحنيف هو دين التوحيد توحيد الله
–عز وجل – الخالص، وهو دين الدعوة إلى توحيد المسلمين وجمع كلمتهم على الخير
والمحبة والتضامن، قال تعالى :{ وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا } ، وإن هذه المملكة المباركة التي قامت على أسس التوحيد الخالص وتطبيق
الشريعة الإسلامية وجمع كلمة أهل هذه الجزيرة ولم شتات المسلمين –لهي أجدر
الحكومات بالسعي إلى تأكيد فكرة التضامن الإسلامي والتعاون بين المسلمين وغرس بذرة
الأمل في نفوسهم بعد أن كان اليأس يستولي عليها ، وبعد أن سيطر المستعمر الغربي
على معظم ديار المسلمين ووزعهم إلى كيانات متعددة متناقضة ، وبعد سقوط الرمز
الخلافي في إستنبول آخر معقل يحمل شعار وحدة المسلمين .
وهكذا قيض الله تعالى لهذه الأمة في تلك الظروف العصيبة
قيام المملكة على يد الملك المؤسس عبدالعزيز آل سعود ، طيب الله ثراه ، فحمل أمانة
رعاية الحرمين الشريفين ، وحمل معهما أمانة جمع كلمة المسلمين ومساندتهم والدفاع
عن قضايا المسلمين والبحث عن الوسائل والصيغ المناسبة ؛ لتحقيق ما يمكن تحقيقه في
هذا الصدد، وهكذا ظل هو وخلفاؤه من أبنائه من بعده يحملون هذا الهم الذي أصبح يشكل
معطى دائما من معطيات سياسة المملكة وخصيصة من خصائصها ، وقد توصلت بفضل الله
تعالى إلى صيغ عديدة ؛ لتأكيد تضامن المسلمين والرباط الديني بينهم ، وقدمت
المملكة من خلال الاهتمام بالمنظمات الإسلامية خدمات جليلة للأمة الإسلامية وخدمة
قضاياها.
إن العمل الإسلامي المنظم في مجال الدعوة والتربية
والتعليم والتنمية الاجتماعية والثقافية وغيرها الذي تعمل على إدارته وتنسيق
الجهود فيه مؤسسات حكومية ومنظمات وهيئات شعبية في عالمنا الإسلامي المعاصر هو
ثمرة جهد وجهاد قام به رواد ، عملوا بجد وصمت لتأصيل هذا العمل ووضع أسسه الفكرية
والإدارية والمالية ، حتى غدت المنظمات العاملة في هذا المجال تلعب دوراً هاماً في
خدمة الإسلام والمسلمين يستحق العناية والدراسة .
ويهدف هذا البحث إلى التركيز على النشأة والتاريخ الذي
مرت به المنظمات الإسلامية في المملكة العربية السعودية ، والمقارنة بين الأهداف
والوسائل والمنجزات والتأكيد على النظرة الثاقبة التي تحلى بها الملك عبدالعزيز بن
عبدالرحمن آل سعود للاهتمام بشؤون المسلمين وبذل الجهد لتوحيد صفوفهم وجمع كلمتهم
ونشر العقيدة الإسلامية الصافية في مجتمعاتهم ودعوته إلى تضامن المسلمين بأسلوب
عملي من خلال اللقاء والتشاور ووضع أسس العمل الجماعي المنظم، ولذا فإن دعوته لعقد
أول مؤتمر يجمع قيادات الأمة ورجالات العلم والفكر فيها كان بداية موفقة وناجحة
لتأسيس (مؤتمر العالم الإسلامي) الذي أصبح خلال عقد من الزمن منبراً من منابر
الدعوة الإسلامية والتضامن الإسلامي ، يهتم بقضايا المسلمين الأساسية ، ويدافع عن
حقوقهم ، ويبين وجهة نظر الإسلام في كل الشؤون والمسائل والمشكلات التي واجهت
المسلمين بعد اختفاء الخلافة الإسلامية وشعور المسلمين بالضياع والتشتت .
وكان الفضل بعد الله لملوك المملكة العربية السعودية في
دعم تلك المنظمة الرائدة ثم تأسيس رابطة العالم الإسلامي في مكة المكرمة والندوة
العالمية للشباب المسلم بالرياض ، وهما المؤسستان غير الحكوميتين ، وأخيراً إقامة
منظمة المؤتمر الإسلامي في جدة ؛ لِلم الشمل ، وتوحيد الصف على مستوى الحكومات
الإسلامية ، ووضع أسس العمل الإسلامي الحكومي المشترك في جميع المجالات السياسية
والاقتصادية والاجتماعية والتعليمية والعلمية والفكرية ، فانبثقت هيئات ومؤسسات
فرعية عملت وتعمل لترجمة سياسة التضامن الإسلامي إلى عمل بناء ، تستفيد منه حكومات
وشعوب العالم الإسلامي والأقليات الإسلامية في العالم .
وقد تطور العمل الإسلامي في السنوات الأخيرة ، وزاد عدد
المنظمات العاملة، مما استوجب ضرورة توزيع الأدوار بين المؤسسات والمنظمات
الحكومية مع تلك التي تمثل شعوب العالم الإسلامي من المنظمات غير الحكومية ، وبين
هذه المنظمات وبعضها لإيجاد التكامل والتنسيق والتعاون ؛ لأن المجتمعات الإسلامية
في معظم البلاد الإسلامية وكذلك في أوساط الأقليات والجاليات الإسلامية في العالم
تتطلب المزيد من البذل والعطاء لاحتياجاتها وطلباتها التي لا تنتهي بسبب الفقر
والمرض والجهل والتخلف الذي يسيطر على معظم هذه المجتمعات ، كما أن زيادة الوعي
لدى المسلمين يتطلب إقامة مشاريع تساعدهم وتلبي طموحاتهم.
وقد ركز هذا البحث على المنظمات في المملكة العربية
السعودية فقط؛ لأنه يصدر بمناسبة احتفال المملكة العربية السعودية بمرور مائة عام
على دخول الملك عبدالعزيز إلى الرياض وانطلاق مسيرة توحيد المملكة العربية
السعودية التي كان له –رحمه الله – ولأبنائه من بعده فضل إقامتها ودعمها بعد فضل
الله عز وجل ، على أنه قد اشتمل هذا البحث على إشارات للمنظمات الإسلامية الأخرى
داخل العالم الإسلامي وخارجه ، تلك المنظمات التي نشأت في السنوات الأخيرة لتلبية
متطلبات واحتياجات المجتمعات الإسلامية من المشاريع والدعم المادي والمعنوي ،
والتي يقوم بينها تعاون وتنسيق وتكامل بفضل الله ورحمته ؛ إذ زاد عددها وتعاظم دورها
، وأصبح التنسيق والتعاون جزءاً من برامج عملها ، وهو في حاجة إلى التقويم
والتطوير المستمرين .
وقد تم الاعتماد في جمع مادة هذا البحث على بعض المراجع
وخلاصة أبحاث بعض المؤتمرات والتقارير السنوية لبعض المنظمات ، بالإضافة إلى ما
استطعت أن أختزنه من معلومات أثناء ممارستي ومشاركتي في بعض المهام لجميع هذه
المنظمات .
تعريفات :
يلتبس على كثير من الناس التعرف على
المنظمات الإسلامية بسبب تشابه المسميات كثيراً، ولذا فإن التعريف بها في بداية
البحث سيساعد كثيراً على توضيح الصورة:
مؤتمر العالم
الإسلامي (المؤتمر) Muslim World Congress
هي منظمة شعبية غير حكومية ، أنشئت عام 1344هـ/1926م في مكة المكرمة ،
ومقر أمانتها العامة في كراتشي بجمهورية باكستان الإسلامية .
رابطة العالم
الإسلامي (الرابطة) Muslim World League
منظمة شعبية غير حكومية ، أنشئت عام 1381هـ /1962م بمكة المكرمة ، ومقر
أمانتها العامة في مكة المكرمة بالمملكة العربية السعودية .
الندوة
العالمية للشباب الإسلامي ( الندوة ) World Assembly of Muslim youth
هي منظمة شبابية طلابية شعبية غير حكومية ،
أنشئت عام 1392هـ /1973م في الرياض بالمملكة العربية السعودية حيث مقر أمانتها
العامة .
منظمة
المؤتمر الإسلامي(منظمة المؤتمر) Organization of the Islamic
conference
وهي منظمــــة حكومية ، تضم في عضويتها الدول الإسلامية ، أنشئت عام 1389هـ/1969م
بقرار من مؤتمر القمة الإسلامي الأول المنعقد في الرباط بالمملكة المغربية ، ومقر
أمانتها العامة في جدة بالمملكة العربية السعودية .
المؤتمر
الإسلامي العام :
هو من هيئات رابطة العالم الإسلامي بمكة المكرمة ، وهو أعلى سلطة فيها ،
منها تستمد شرعيتها وسلطة التكلم باسم الشعوب الإسلامية .
المجلس
الأعلى العالمي للدعوة والإغاثة :
هيئة غير حكومية ، هدفها التنسيق بين
المنظمات والمؤسسات العاملة في مجال خدمة العمل الإسلامي والعمل في مجال الدعوة والإغاثة
وإعداد الدعاة ، أنشئ عام 1409هـ/1988م ، ومقره القاهرة بجمهورية مصر العربية .
لجنة تنسيق
العمل الإسلامي المشترك في مجال الدعوة الإسلامية :
وهي لجنة تابعة
لمنظمة المؤتمر الإسلامي ، هدفها التنسيق بين الهيئات الإسلامية غير الحكومية
العاملة في مجال الدعوة وخدمة العمل الإسلامي ، ومقرها جدة بالمملكة العربية
السعودية.
الفصل الأول: المنظمات الإسلامية ودورها في خدمة
الإسلام والمسلمين
مقدمــة :
عندما بدأ الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود مبادرته التاريخية لتوحيد
أرجاء المملكة العربية السعودية قبل مائة عام، ونجح بفضل الله تعالى وتوفيقه ثم
بالحنكة والحكمة وبعد النظر التي تحلى بها رحمه الله، وساعدته في تحقيق أعز أمنية
لديه ولدى المسلمين جميعا ، وهو إيجاد وحدة وطنية رائدة في شبه الجزيرة العربية
وأرض الحرمين الشريفين ومهبط الوحي ومثوى الرسول الكريم e ، تلك
المبادرة التي لا نزال نقطف ثمارها اليوم –كانت أوضاع العالم الإسلامي قد وصلت إلى
وضع مأسوي محزن ؛ فبلاد المسلمين تحت وطأة المستعمرين من الدول الغربية
والإمبراطورية الروسية(الاتحاد السوفيتي فيما بعد) ، ولم ينج من ربقة الاستعمار
سوى القليل من ديار المسلمين ، ومن ضمنها المملكة العربية السعودية ، كما أن
المسلمين كانوا قد بعدوا عن منهج الله العزيز ، وتخلوا عن تطبيق الشريعة الإسلامية
، واحتكموا إلى القوانين الوضعية إلا في النزر اليسير من الأحكام الخاصة بالإرث
والزواج والطلاق أو ما يسمى بالأحوال الشخصية ، وظهرت في مجتمعاتهم البدع
والخرافات والفتن والخلافات وغير ذلك من أنواع الأمراض الاجتماعية إلى جانب الفقر
والجهل والمرض.
أثناء ذلك وبعده نشطت المؤسسات المشبوهة للتكريس لهذه الأوضاع المحزنة
ولنشر الأفكار الهدامة من التنصير والتغريب وغيرهما، كما انتشرت القوميات المحلية
؛ لتساعد في الإعراض عن شريعة الإسلام ، فأصبح المسلمون في ضنك شديد مصداقا لقول
الله تعالى: {
وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكاً }([1])، وكانت خاتمة تلك المآسي سقوط الخلافة
الإسلامية الممثلة في الدولة العثمانية التي كانت رمزاً لوحدة المسلمين.
وما إن استتب الأمر للملك عبدالعزيز وتم له توحيد أرجاء المملكة حتى بدأ
في الدعوة إلى إصلاح أحوال المسلمين والأخذ بأيديهم للعودة إلى كتاب الله وسنة
رسوله والشرع القويم ، وهداه تفكيره بفضل الله ثم بمعونة ومشورة عدد من علماء
المسلمين إلى إيجاد منظمة إسلامية تكون مجمعاً للعلماء والمفكرين وقادة الأمة
وغيرهم من أهل الحل والعقد للتدبر في شؤون المسلمين وإيجاد فكر مشترك يقود إلى
عملية الإصلاح وتوحيد الكلمة وجمع شتات الأمة .
فكانت المنظمة الإسلامية الأولى (مؤتمر العالم الإسلامي) التي دشنها الملك
عبدالعزيز– رحمه الله– في مكة المكرمة عام 1344هـ/1926م بحضور عدد من الزعماء
والقادة في العالم الإسلامي في حينه، وقد أكد الملك عبدالعزيز أهمية اللقاء وضرورة
تحويله إلى لقاء سنوي عام ، جاء ذلك في كلمته التي ألقاها في حفل الافتتاح بقوله:
(أيها المسلمون الغيورون ، لعل اجتماعكم هذا في شكله وموضوعه أول اجتماع في تاريخ
الإسلام ، ونسأله تعالى أن يكون سنة حسنة تتكرر في كل عام).
وأضاف قائلا : (إنكم تعلمون أنه لم يكن في العصور الماضية أدنى قيمة لما
يسمى في عرف هذا العصر بالرأي العام الإسلامي ولا بالرأي العام المحلي، بحيث يرجع
الحكام للتشاور فيما يجب من الإصلاح).
وقال أيضا : (إن المسلمين قد أهلكهم التفرق في المذاهب والمشارب ،
فائتمروا في التأليف بينهم والتعاون على مصالحهم ومنافعهم العامة المشتركة).
وقد نجحت أعمال (مؤتمر العالم الإسلامي) وأنشطته التي تسعى لخدمة
المسلمين، وإيجاد تصور مشترك لقضاياهم الأساسية ، وللدفاع عن حقوقهم المسلوبة ،
وللتذكير بأهمية العودة إلى كتاب الله وسنة رسول الكريم قولاً وعملاً ، وإيجاد
الحلول لأمورهم من خلال منهج الإسلام ونظمه وقواعده الصالحة لكل زمان ومكان دون
الدخول في الشؤون الخاصة لكل مجتمع من المجتمعات الإسلامية.
كما يتبين في الفصل القادم الخاص بهذه المنظمة والذي يبين جهودها لمدة
تزيد على خمسة وثلاثين عاماً ، وقد تمكنت بفضل الله تعالى من تكوين رأي عام إسلامي
مشترك وفكر واضح عما ينبغي للمسلمين عمله في شتى المجالات الدينية والسياسية
والاجتماعية والثقافية والفكرية ، إلا أن منظمة (مؤتمر العالم الإسلامي) اكتفت
بهذا القدر من العمل على المستوى الفكري واستعراض الطروحات والحلول ، وتبين أن ما
ينقصها هو العمل الميداني الذي يحول هذه الأفكار والتصورات إلى خطط وبرامج عمل
ميدانية ، تساعد في إحداث التغيير المطلوب في أوضاع المسلمين ، وتساهم في إيجاد
الحلول لمشكلات المجتمعات الإسلامية والخروج من الأزمات القائمة.
وقد تبنت المملكة العربية السعودية مرة أخرى مسؤولية المرحلة التالية ،
وهي إيجاد منظمة تنشط في ميدان العمل الفعلي، وتقوم بتنفيذ برامج إصلاحية في شتى
المجالات، فافتتح الملك سعود بن عبدالعزيز أشغال المؤتمر التأسيسي لرابطة العالم
الإسلامي في مكة المكرمة عام 1381هـ/1962م الذي وافق على إنشاء رابطة العالم
الإسلامي، وأن تكون أمانتها العامة في مكة المكرمة التي تقدم لها المملكة العربية
السعودية كل دعم ممكن مادياً ومعنوياً ، وكان ذلك فاتحة خير لأعمال جليلة لصالح
الإسلام والمسلمين ، سيسجلها التاريخ بمداد من ذهب، وقد أثمرت في تأكيد أهمية
التضامن الإسلامي عملياً ، وقادت فيما بعد إلى إنشاء منظمات أخرى ، تساهم في هذا
العمل المبارك على المستويين الحكومي والشعبي ، كان آخرها إنشاء (منظمة المؤتمر
الإسلامي) بجدة الذي ينسق الجهود بين الدول الإسلامية على المستوى الحكومي.
بعد هذا لا بد من الإشارة إلى مجمل الأهداف العامة التي أنشئت هذه
المنظمات الإسلامية من أجلها والوسائل التي اتبعتها لتحقيق هذه الأهـــداف، وإن
كانت مذكورة في أنشطــة وأعمال كل هيئة من هــذه الهيئات في فصول هذا البحث، وهذه
الأهداف هي:
1- توحيد كلمة
المسلمين وجمع صفوفهم وتضامنهم شعوباً وحكومات على ما يصلح شأنهم في الدين والدنيا
والآخرة ، ويعيد المهابة لهم في نفوس الآخرين.
2- إيجاد رأي عام
إسلامي مشترك في مختلف القضايا والمشكلات التي تطرأ في مجتمعاتهم بعد إعمال الفكر
والتشاور والرجوع إلى الكتاب والسنة.
3- تأصيل سياسة
التضامن الإسلامي بين شعوب المسلمين وتقوية الصلات بينهم وربط الأقليات الإسلامية
بباقي جسد الأمة الإسلامية.
4- متابعة ما يجري
في العالم من أحداث وبيان وجهة نظر الإسلام ورأيه حيالها وإبلاغ الرأي العام
العالمي من خلال المحافل الدولية والمؤتمرات والندوات العالمية، وكذلك الاهتمام
بقضايا الأقليات وما يواجهونه من سلب لحقوقهم والتضييق عليهم.
5- تقديم المشورة
لحكام المسلمين وزعمائهم ومساعدتهم في اتخاذ القرارات الصائبة.
6- التنبيه
والتأكيد على أنه لن يُصلح هذه الأمة إلا ما صلح به أولها ، وأنه لابد من تطبيق
الشريعة الإسلامية والحكم بها والاحتكام إليها بدلاً من القوانين الوضعية.
7- نشر الدعوة
الإسلامية والقضاء على البدع والخرافات والتيارات الفكرية الهدامة التي تفاقم
أمرها خلال عصور التخلف والاستعمار.
8- الاهتمام
بالتعليم والتربية في المجتمعات الإسلامية وإزالة الازدواجية في التعليم التي
أوجدها المستعمر ، وفرق فيها بين التعليم الديني والتعليم العصري.
9- الاهتمام
بالإعلام وسيلةً نافعة لإبلاغ دعوة الله ولتعليم أبناء المسلمين ونشر الثقافة
والوعي الإسلاميين .
10- العمل على
النهوض بالمجتمعات الإسلامية اقتصاديا واجتماعياً وفكرياً وتقديم المعونات
للمحتاجين والمصابين.
ويتبين من الأنشطة والإنجازات التي قامت بها المنظمات الإسلامية الوسائل
التي استخدمتها في سبيل تحقيق هذه الأهداف والتعاون المستمر بين هذه المنظمات
للتعاون والتنسيق في سبيل ذلك.
لقد تأكد أهمية النظرة البعيدة التي تحلى بها الملك عبدالعزيز –رحمه الله
– وأبناؤه من بعده ملوك المملكة العربية السعودية في إنشاء المنظمات الإسلامية
ودعمها بكل الوسائل المتاحة والتأكيد على أهمية التعاون والتنسيق بينها لتحقيق
الأهداف المرجوة بأفضل الوسائل وأقل التكاليف ، فنتج عنه الكثير من الإنجازات ، من
أهمها:
1- إيجاد رأي عام
إسلامي مشترك ووجود تنسيق بين الدول الإسلامية على المستوى الحكومي والشعبي مما
يؤثر إيجابيا ، ويتضح ذلك من خلال عمل المجموعة الإسلامية في الأمم المتحدة على
سبيل المثال أو ما صدر من توصيات وقرارات من المنظمات الإسلامية الحكومية أو
الشعبية فيما يخص شؤون المسلمين وشجونهم.
2- إصدار قرارات وتوصيات
مشتركة ، تمثل رأي أهل الحل والعقد في الأمة الإسلامية حول القضايا المطروحة على
بساط البحث سواء كانت سياسية أو اجتماعية أو ثقافية، وكذلك الفتاوى الصادرة من
المجامع الفقهية والتي تلقي القبول من عامة المسلمين وخاصتهم ؛ لكونها صادرة من
العلماء المجتهدين المقبولين لدى الجميع.
3- إنشاء المدارس
والمعاهد والجامعات الإسلامية ، ولا سيما في المناطق المحرومة من التعليم وتأليف
الكتب وتوزيعها وإقامة الدورات التدريبية للمعلمين وتوفير المنح الدراسية لأبناء
المسلمين ؛ لإكمال تعليمهم الجامعي والعالي ، ولا سيما في التخصصات التي تحتاجها
مجتمعاتهم.
4- إحياء رسالة
المسجد ببناء المزيد من المساجد وترميمها وإصلاحها ونشرها وتدريب الأئمة والخطباء
وتأهيلهم وإصلاح دور المسجد في حياة المسلمين.
5- إيجاد صيغ
التعاون والأعمال المشتركة الثنائية والإقليمية والإسلامية العامة وإنشاء الهيئات
العاملة التي تجسد التضامن الإسلامي في أبهى صورة وتقدم البرامج المشتركة التي يتم
تنفيذها في أنحاء العالم الإسلامي.
ويتبين للقارئ أن هذا البحث قد لخص مواطن القوة والضعف في عمل هذه
المنظمات الإسلامية ، وكيف أن نقاط القوة هي الظاهرة في هذا المجال ، وأن سياسة
الاهتمام بالمنظمات والهيئات الإسلامية وسيلةً فعالة في تكثير الإيجابيات وتحقيق
التضامن الإسلامي ووحدة القول والعمل والتعاون على البر والتقوى وإيجاد الثقة في
نفوس المسلمين للاعتزاز بدينهم وبذل الجهد والمال في سبيل خدمة الإسلام والمسلمين
وإحياء ما اندثر من النظم الإسلامية في شؤون الحياة كلها.
أما مواطن الضعف فهي ما يعتري أي عمل بشري من قصور في الأداء أو نقص في
الإمكانيات أو عقبات وعراقيل، تضعها جهات تسعى إلى إضعاف المسلمين وتفرق كلمتهم
وإشغالهم فيما لا طائل من ورائه وكثرة الزعامات التي تسيطر على العمل بطريقة تمنع
الآخرين من المشاركة.
وكذلك فإن قلة الموارد المالية لم يمكن معظم المنظمات الإسلامية من تنفيذ
خططها وبرامجها وتلبية متطلبات العمل الإسلامي من مشاريع وإمكانات.
ومع ذلك فإن من أعظم النعم التي تحققت بفضل الله ثم بتأثير العمل الإسلامي
المشترك التي وفرته المنظمات الإسلامية الوعي الإسلامي الذي غمر المجتمعات وحماسة
المسلمين إلى إحياء ما اندثر من الوقف الإسلامي إلى المساجد والمدارس وأعمال الخير
المختلفة والتي كانت قد تعرضت إلى الإهمال أو التأميم في بعض البلاد الإسلامية ،
واستولت عليه السلطات الحكومية ، فتناقص الدخل أو كاد ، بل أصبحت المؤسسات الوقفية
عبئاً على ميزانيات الحكومات، فكان لحماسة المسلمين وغيرتهم ودعمهم المادي
والمعنوي الأثر البالغ في إعادة الحيوية إلى بعض هذه المؤسسات الوقفية والخيرية
الأخرى.
كما أن الظاهرة التي تستحق التسجيل هو إقامة آلاف الجمعيات والمؤسسات الخيرية
المحلية في أرجاء العالم الإسلامي بجهود ذاتية وحماسة من قبل بعض الأفراد
والجماعات بعد أن أدركوا أهمية هذا العمل ؛ فالمدارس الإسلامية في البلاد
الإسلامية والمجتمعات الإسلامية الكبرى ، مثل إندونيسيا والهند وبنجلاديش وباكستان
والصين ونيجيريا وتركيا والسنغال ، وغيرها كثير ، بل قلما يخلو مجتمع إسلامي معاصر
من مثل هذه المؤسسات التعليمية الشعبية ، كذلك الجمعيات الإسلامية الخيرية التي
تقوم بالعمل الخيري في نشر الوعي والعناية بالفقراء والمحتاجين وكفالة الأيتام ،
وغير ذلك من أبواب الخير.
الدعم المادي والمعنوي الذي قدمته المملكة لصالح الإسلام
والمسلمين:
إن الدعم الذي قدمته وتقدمه المملكة العربية السعودية منذ نشأتها للمنظمات
الإسلامية التي تركز الحديث عنها في هذا البحث وغيرها هو عمل جليل بكل المقاييس؛
لأنه نابع من إيمان صادق بأن قضايا المسلمين هي قضايا المملكة العربية السعودية ،
تلقى منها العناية الكاملة ، وأن خدمة المسلمين واجب لا بد من القيام به دون
انتظار كلمة شكر أو ثناء ؛ لأنه عمل يبتغى به وجه الله تعالى ، ولذا فهو دعم متعدد
الجوانب .
فهناك الدعم المباشر لميزانيات هذه المؤسسات ؛ فرابطة العالم الإسلامي على
سبيل المثال تتلقى الإعانة السنوية التي تمثل أكثر من 90% من ميزانيتها ومنظمة
المؤتمر الإسلامي بجدة تتلقى المساهمة السنوية بانتظام ، إضافة إلى معونات متعددة
لتغطية العجز الناتج عن عدم تسديد بعض الدول لمستحقاتها ، يضاف إلى ذلك التبرع
الذي يقدم لدعم صندوق التضامن الإسلامي التابع لتلك المنظمة ، وهو صندوق يقدم
المساعدات للمنظمات والهيئات الإسلامية المحلية في البلاد الإسلامية ودول
الأقليات، بالإضافة إلى ما تبرعت به المملكة من توفير قطع الأراضي في أفضل المواقع
لإنشاء مقر لهذه المنظمات والهيئات التابعة لها .
أما المعونات والمساعدات التي تتبرع بها الحكومة السعودية مباشرة لبناء
المساجد والمراكز الإسلامية والمدارس ولمساعدة الجمعيات الإسلامية في أرجاء
المعمورة فيصعب حصرها لكثرتها ، وهي تفوق بكثير الدعم المشار إليه أعلاه لميزانيات
المنظمات الإسلامية الكبرى.
والدعم الذي قدمته المملكة العربية السعودية سراً وجهراً لتبني القضايا
الإسلامية في المحافل الدولية وإعطائه الأولوية المطلقة والدفاع عن حقوق الأقليات
المسلمة وتحسين أوضاعها والمساهمة في تقديم الخدمات لها لا يمكن ترجمته إلى مال ؛
لأنه أكبر من ذلك وأنبل ، ولا يقل أهمية بأي حال من الأحوال من الدعم المادي
البحت.
وكل القضايا التي طرحت على بساط البحث في اجتماعات المؤتمرات والمجالس
التي تقع تحت مظلة المنظمات الإسلامية موضوع البحث وجدت الدعم والمساندة على هيئة
تمويل للأبحاث والدراسات أو الإنفاق على متطلبات انعقاد المؤتمرات الدولية الخاصة
بذلك ، ولما كان الدعم المشار إليه متعدد الجوانب عميق الأثر تحقق بفضل الله ثم
بسببه الخير الكثير للإسلام والمسلمين فإنه يستحق أن يفرد له بحث مستقل خاص به؛
لأن المجال هنا محدود .
وباختصار : هذه المنظمات تسعى كلها إلى تحقيق الغايات الكبرى والأهداف
السامية في تجسيد التضامن الإسلامي وإشعار الأمة بوجوب الارتباط بالرباط المتين
الذي يجمعها والتمسك بالعروة الوثقى التي تعصمها : { وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا
تَفَرَّقُوا }، وكل هيكلة هذه المنظمات وتنوع
تخصصاتها وتعدد وظائفها وتدرج مسؤولياتها مستجيبة لطبيعة العمل البناء الذي عليها
أن تؤديه في الميادين النظرية والعملية .
ولما كانت تلك الغايات والمثل في صلب سياسة المملكة وصميم توجهاتها فلا
غرابة إن كانت وراء إنشائها ومعنية باستمرارها ابتغاء مرضاة الله وخدمة للإسلام
والمسلمين .
مؤتمر العالم الإسلامي Muslim World Congress :
هي المنظمة الأولى في النشأة ،
دعا إلى تأسيسها ورعاها الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود؛ لتكون منبراً
ومجمعاً للأمة الإسلامية ، يتداولون فيها شؤونهم، ويتشاورون في أمور دينهم
ودنياهم، ويعملون على خدمة قضايا الإسلام والمسلمين وحل المشكلات التي تطرأ بين
المسلمين ، فكانت ومازالت تهتم بالقضايا الفكرية والاجتماعية والسياسية والعمل على
جمع كلمة المسلمين وتوحيد صفوفهم .
البدايـــــــة :
بداية الانطلاقة من مكة المكرمة مهبط الوحي بمبادرة تاريخية
من مؤسس هذا الكيان جلالة الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود –رحمه الله– الذي
وجه الدعوة إلى ملوك المسلمين وأمرائهم وشعوبهم لعقد مؤتمر إسلامي في مكة المكرمة
عام 1344هـ/ 1926م ، وعلى أثر هذه الدعوة المباركة توافد ممثلو ووفود الدول
الإسلامية إلى الديار المقدسة، فعقد أول اجتماع للمؤتمر العالمي الإسلامي يوم
الاثنين 26/11/1344 هـ / 7 يونيو 1926م ، وترأس الملك عبدالعزيز أول جلسة للمؤتمر
مما جعله المؤسس الأول لمؤتمر العالم الإسلامي .
وكان الملك
عبدالعزيز يسعى في هذا الاتجاه من منطلق التوجهات الإسلامية التي انطلقت بها دعوته
وتربيته الإسلامية وأهدافه النبيلة ؛ لتوحيد صفوف المسلمين وجمع كلمتهم ونشر
الدعوة إلى الله والعمل على مواصلتها عبر وسائل وأساليب تنظيمية واضعاً نصب عينيه
تمسكه بأحكام الشريعة الإسلامية وتطبيقها والعمل على نشرها والاهتمام بأمور
المسلمين وقضاياهم .
خطاب الملك عبدالعزيز :
جاء خطاب الملك
عبدالعزيز في افتتاح المؤتمر كما يأتي :
الحمد لله الذي هدانا لهذا ، وما كنا
لنهتدي لولا أن هدانا الله ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد رسول الله وآله وصحبه
ومن والاه ، أما بعد فإني أحييكم ، وأرحب بكم ، وأشكر لكم إجابتكم الدعوة إلى هذا
المؤتمر .
أيها المسلمون
الغيورون ، لعل اجتماعكم هذا في شكله وفي موضوعه أول اجتماع في تاريخ الإسلام ، ونسأله تعالى أن يكون سنة حسنة تتكرر في كل
عام عملاً بقوله تعالى : { وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ
وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ } [المائدة : الآية 2 ]، وبإطلاق قوله –عز وجل– { وَأْتَمِرُوا بَيْنَكُمْ بِمَعْرُوفٍ } [الطلاق : الآية 6 ]
.
إنكم تعلمون أنه لم يكن في العصور الماضية
أدنى قيمة لما يسمى في عرف هذا العصر بالرأي العام الإسلامي ، ولا بالرأي العام المحلي
، بحيث يرجع إليه الحكام للتشاور فيما يجب من الإصلاح في عهد الإسلام ومشرق نوره
الذي علم الأنام ، وقد تولى أمر الحجاز دول كثيرة كان من خلفائها وسلاطينها من
عنوا ضربا من العناية ببعض شؤونه ، ومنهم من أراد أن يحسن فأساء بجهله ، ومنهم من
لم يبال بأمره ألبتة ، فتركوا الأمراء المتولين لإدارته بالفعل يلحدون في الحرم ،
ويفسدون في الأرض ، ويظلمون السكان والحجاج ما شاءت مطامعهم وأهواؤهم .
وأضاف قائلاً :
أيها المؤتمرون
الكرام ، إنكم أحرار اليوم في مؤتمركم هذا ، ولا تقيدكم حكومة هذه البلاد بشيء
وراء ما يقيدكم به دينكم من التزام أحكامه إلا بشيء واحد سلبي ، وهو عدم الخوض في
السياسة الدولية وما بين بعض الشعوب الإسلامية وحكوماتها من خلاف ، فإن هذا من
المصالح الموضوعية الخاصة بتلك الشعوب .
إن المسلمين قد أهلكهم التفرق في المذاهب والمشارب ، فائتمروا في التأليف
بينهم والتعاون على مصالحهم ومنافعهم العامة المشتركة وعدم جعل اختلاف المذاهب
والأجناس سببا للعداوة بينهم: { وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا
نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ
قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا
حُفْرَةٍ مِنْ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ
آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ ، وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى
الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنْكَرِ
وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ ، وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا
وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمْ الْبَيِّنَاتُ وَأُوْلَئِكَ لَهُمْ
عَذَابٌ عَظِيمٌ } آل عمران الآية 103–105.
وأسال الله –عز
وجل – أن يوفقني وإياكم لإقامة دينه الحق ، وخدمة حرمه وحرم رسوله صلوات الله
وسلامه عليه ، والتأليف بين جماعة المسلمين ، والحمد لله رب العالمين([2]) .
وفي هذا الاجتماع الأول للمؤتمر الإسلامي أقر المؤتمرون النظام الداخلي للمؤتمر
الذي اشتمل على ثلاثين مادة ، تنظم عمل المؤتمر وأعماله وجلساته وقراراته ولجانه .
وجاءت مقدمته على النحو الآتي :
نظام
مؤتمر العالم الإسلامي :
{ وَأْتَمِرُوا بَيْنَكُمْ بِمَعْرُوفٍ } .
إنه بناء على دعوة حضرة صاحب الجلالة الملك عبدالعزيز
بن عبدالرحمن الفيصل آل سعود انعقد مؤتمر العالم الإسلامي يوم الاثنين السادس
والعشرين من ذي القعدة سنة 1344هـ بمكة المكرمة ، ووضع النظام التالي لهذا المؤتمر
والمؤتمرات المقبلة ، كما يلي : (مواد النظام بالملحق).
1- يسمى هذا
المؤتمر " مؤتمر العالم الإسلامي " .
2- غاية هذا المؤتمر :
أ ) تعارف المسلمين بعضهم مع بعض وتوحيد كلمتهم
وتحقيق قوله تعالى : {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ
}.
ب) النظر والسعي في ترقية شؤون المسلمين الدينية والاجتماعية والأدبية
والاقتصادية.
3– يعقد هذا المؤتمر في مكة كل عام في موسم الحج ، فإن تعذر ذلك يكون في
بلد إسلامي مستقل ، فإن تعذر ذلك يرجع إلى قوله تعالى : {
فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا
اسْتَطَعْتُمْ} التغابن الآية 16 .
وبعد إقرار مواد
البرنامج التنظيمي للمؤتمر في أول جلسة له تم انتخاب رئيس المؤتمر ونائبه والأمين
العام واللجان المتخصصة ، وباشر المؤتمر مناقشة الموضوعات المقترحة من الأعضاء
ودراستها ، واستمر في جلساته لمدة شهر كامل ، عقد خلاله ثمان عشرة جلسة ، تخللها
أداء فريضة الحج للمؤتمرين .
ومع أن الملك
عبدالعزيز قد ترك حرية النقاش للمؤتمرين في شتى الأمور الدينية، إلا أنه ألزمهم
بعدم الخوض في السياسة الدولية وبما بين الشعوب الإسلامية وحكوماتهم من خلاف ؛ لأن
ذلك من المصالح الموضوعية الخاصة بتلك الشعوب ؛ حتى يتجنب ما قد تثيره تلك
المناقشات من عواقب وإشكاليات، جاء ذلك من خلال الخطاب الذي وجهه الملك عبدالعزيز
في افتتاح المؤتمر.
" أما النظام الداخلي للعمل داخل
المؤتمر فإن الملك عبدالعزيز رأى ضرورة تكوين لجنة ، اختار لها بعض المندوبين ،
وعيَّن على رأسها الشيخ محمد رشيد رضا"([3])؛ لتتولى هذه اللجنة تنفيذ العمل وضبط الجلسات ورصد الاقتراحات وإدارة
أعمال المؤتمر التنفيذية.
وقد حضر المؤتمر ستة وستون
شخصاً ، يمثلون الممالك والشعوب الإسلامية الآتية:
المملكة العربية السعودية "مملكة الحجاز وسلطنة نجد في حينه" ، تركيا ،
مصر ، أفغانستان، الهند ، سوريا ، بيروت ، السودان ، مسلمي روسيا وتركستان ، جنوب أفريقيا،
أندونيسيا .
وقد قاطع المؤتمر كل من العراق والأردن
لأسباب سياسية ، وإيران لأسباب مذهبية، كما أن كثيراً من البلدان الإسلامية في
جنوب شرقي آسيا وشمال جنوب أفريقيا كانت تحت نير الاستعمار ، ولم تتمكن من إرسال
ممثلين لها لحضور المؤتمر .
وكانت مصر قد قاطعت المؤتمر في البداية
خوفاً من أن تُناقش في هذا المؤتمر مسألة الخلافة التي حاول الملك فؤاد إثارتها في
مؤتمر عقد لهذا الغرض في القاهرة ، وباء بالفشل، وقد انتهت المقاطعة بعد تغير
الظروف السياسية في مصر وتشكيل وزارة جديدة ائتلافية برئاسة عدلي باشا، وقد شارك وفد
مصر بفعالية في أعمال هذا المؤتمر.
من الشخصيات الإسلامية المهمة
التي عاونت الملك عبدالعزيز في عقد المؤتمر وإنجاحه الحاج أمين الحسيني مفتي القدس
الذي كان قد أشار على الملك عبدالعزيز فكرة إعلان الخلافة من مكة المكرمة ؛ لأن
إحساس المسلمين بسقوط الخلافة في إسطنبول وشعورهم بالإحباط والضياع كان يحتم اتخاذ
إجراء يتناسب مع حجم المأساة ، ولكن الملك عبدالعزيز بفطنته وبعد نظره رأى أن
موضوع الخلافة ليس هذا أوان الحديث عنه ، وفضَّل أن يركز المؤتمر على شؤون
المسلمين عامة وبذل الجهود لتجميع صفوف المسلمين وتوحيد كلمتهم ومعاونتهم في تحمل
معاناتهم من الاستعمار الذي كان يخيم على معظم أنحاء البلدان الإسلامية ، وكذلك
الاطلاع على ما تم من تنظيم في أمور الحج والحجاج بعد أن نجح الملك عبدالعزيز في
ترسيخ الأمن والسلامة ، وقضى على العصابات التي كانت تسطو على الحجاج ، وتنهب
أموالهم ، وتستبيح دماءهم لسنوات طويلة عانى منها المسلمون الأمرين .
كما أن الحاج أمين الحسيني كان يود مناقشة قضية فلسطين ، ولكن الملك
عبدالعزيز رأى أن أول مؤتمر يمثل شعوب المسلمين وحكوماتهم ينبغي أن يركز على الأمور
الأساسية ، ثم يدخل في المواضيع الأخرى في السنوات المقبلة ، فقد استقر رأيه على
عقد المؤتمر الإسلامي سنوياً في موسم الحج ، ونص على ذلك في نظام المؤتمر الذي أقر
.
يقول الحاج أمين الحسيني : ( شعر الفلسطينيون بشدة الحاجة إلى وحدة
الأقطار العربية وجامعتها قبل غيرهم من العرب، وكان سبب ذلك إحداق الأخطار ببلادهم
، فقد رأوا اليهودية العالمية تقتحم عليهم وطنهم، يحدوها التعصب الديني الشديد ،
ويعضدها الاستعمار الأجنبي الغاشم ، يحفزه تعصب أشد وخصام ألد ورغبة جامحة في محق
العنصر العربي من البلاد المقدسة .
وقد لمس عرب فلسطين هذا الغزو الاستعماري اليهودي منذ
لاحت بوادره ، وظهرت طلائعه في أواخر عهد السلطنة العثمانية ، فشرعوا يتطلعون إلى
من يناصرهم من إخوانهم الأقربين في الأقطار العربية ، وإني لأذكر بعض الأناشيد
التي كنا نهزج بها ونحن أطفال أو في مطلع سن الفتوة في المدارس، ولا تزال ترن في
أذني هذه الكلمات ، منها:
يا ابن السعود ، يا ابن السعود .
هات الجنود ، تحت البنود .
وامح اليهود من أرضنا .
ولما دخل جلالة الملك عبدالعزيز رحمه الله البلاد الحجازية دعا إلى مؤتمر
إسلامي عام يعقد في مكة المكرمة سنة 1344هـ/ 1926م ، ووصلتني برقية منه بالدعوة
لشهود ذلك المؤتمر ، فلبيت الدعوة مع وفد فلسطين ، وبذلك تحققت لنا تلك الصلة التي
كنا نتوق إليها ) ([4]) .
ورغم تباين آراء المؤتمرين وتعدد اتجاهاتهم وتأثرهم
بالسياسة العامة للدول التي يمثلونها، وكذلك تعدد الوفود من بعض الأقطار، إلا أن
المؤتمر قد نجح نجاحاً كبيراً في جمع كلمة المسلمين وتقوية صلات الإخوة الإسلامية
بينهم وإيجاد منبر لهم يتحدثون فيه عن شؤونهم العامة وقضاياهم الأساسية ، ويتخذون
القرارات والتوصيات التي من شأنها حل المشكلات التي تعاني منها المجتمعات
الإسلامية ، وكان ذلك التجمع حدثاً تاريخياً مهماً ، وكان البداية الحقيقية لـ
" مؤتمر العالم الإسلامي" تلك المؤسسة الإسلامية غير الحكومية التي
واصلت عملها وجهدها في خدمة الإسلام والمسلمين حتى الآن.
دورات المجلس
:
كان من المفترض أن يعقد المؤتمر دورته الثانية في العام
التالي على حسب ما نص عليه نظامه الذي أقر في مكة المكرمة وعلى حسب ما ورد في كلمة
الملك عبدالعزيز الافتتاحية للمؤتمر، إلا أن ظروفاً كثيرة حالت دون انعقاده ، وفي
السنة الخامسة عقدت الدورة الثانية في بيت المقدس في يوم الأحد 27رجب 1350هـ / 6
ديسمبر 1931م ، وكان افتتاح الجلسات داخل المسجد الأقصى ، وكان ذلك برئاسة الحاج
محمد أمين الحسيني مفتي القدس ، وقد شهد
المؤتمر عدد كبير من زعماء المسلمين وأعلامهم ، يمثلون 22 قطراً من أقطار العالم
الإسلامي، وقد ركز المؤتمر جل أعماله على قضية فلسطين والتنبيه على المؤامرات
الاستعمارية التي تحاك لإيجاد وطن لليهود على أرضها ، وقد قرر المؤتمر تشكيل لجنة
تنفيذية للمؤتمر لمتابعة القرارات والتوصيات.