مدخــل :

تؤسس الدول استجابةً لتطلعات الشعوب وحرصها على المحافظة على هويتها واستقلالها ، وبقدر ما تتجاوب الدولة الحديثة مع رغبات الشعب وتعبر عن أصالته وتمثل جوهره تتوطد أركانها ، ويتدعم بنيانها، وتتوفر لها أسباب البقاء وشروط الاستقرار ومصادر القوة والمناعة .

ومثل الدول في نشأتها كمثل الكائن الحي، تحتاج إلى من يتعهدها بالرعاية الكاملة، ويسهر على نموها ، ويراقب تطورها ، ويمدها بأسباب القوة ، حتى تنشأ النشأة السوية، وتستوي على سوقها كياناً مستقراً مكتمل العناصر مبنياً على أرسخ الأسس وأقوى القواعد موفور حظوظ البقاء والاستمرار .

وقيام الدول هو من أهم الظواهر السياسية والاجتماعية التي تسجل في صحائف التاريخ ، والتي يعكف الباحثون والعلماء عبر الأزمنة على دراستها من مختلف الجوانب للوصول إلى معرفة الأسباب والعوامل التي أدت إلى نشوء هذه الدول وارتقائها أو إلى ضعفها وانهيارها ، وكلما كانت الدولة موضع البحث متميزة في ظروف نشوئها ومتفردة في عوامل قيامها كانت أولى بالدراسة وأجدر بالبحث في طبيعتها وجوهرها وفي العناصر والمكونات التي نشأت منها .

وإذا اجتمع للدولة الناشئة القيادة الحكيمة والتجاوب الشعبي وتوفرت لها عوامل الاستقرار كانت أقوى على الصمود ، وأدعى إلى البقاء ، وأقدر على مواجهة التحديات التي تواجه الدول في أول عهدها بالتأسيس .

إن الهدف الأساس لقيام الدول هو تحقيق ما يسمى بالصالح العام public interest  .

وتحقيق مصالح الناس في الدولة الإسلامية تحديداً مبني أساساً على أن تحقيق هذه يؤدي إلى إقامة الدين ، وهو الشق الأول من الغاية التي تهدف إليها الحكومة الإسلامية، ومصالح الناس في الدولة الإسلامية من ناحية أخرى لا تحددها محض رغبة بعض القوى السياسية في الدولة ولا أهواء جماهير الناخبين أو آراؤهم ، إنما هي سابقة على وجود الجماعة الإسلامية أو الدولة الإسلامية ذاتها. ([1])

وإذا كانت الغاية في الدولة الإسلامية شرط ابتداء وشرط بقاء على حسب ما يذهب إليه الفقهاء فإن تأسيس الدولة لا بد أن يكون عملاً موجهاً إلى خدمة الجماعة ؛ أي يلبي حاجةً حيوية لهذه الجماعة التي تجاوبت مع المبادئ المعلنة لهذه الدولة ، وتفاعلت مع أهدافها ، ودانت لها بالطاعة والامتثال والولاء .

                                             

 

المبحث الأول: المنطلقات الإسلامية للملكة العربية السعودية

1– البناء على أسس العقيدة السمحة :

لقد نشأت المملكة العربية السعودية على تقوى من الله ورضوان وقيام بنيانها على أسس العقيدة الإسلامية السمحة، ولم يقم على قواعد غيرها، فتهيأت لها أسباب النشأة المستقرة، فكانت دولة قويةً منذ أول عهدها بالتأسيس شامخة البنيان ، ويعد الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن بن فيصل آل سعود – يرحمه الله – من الزعماء المتميزين في عصره، ولم يكن قط حاكماً يرغب في السلطة ،وينشد الغلبة ، ويطمع في النصر لذات نفسه ، ولم يكن أبداً قائداً يجر قومه نحو الظفر بالمكاسب والفوز بالمغانم .

لقد أقام الملك عبد العزيز الدولة السعودية الثالثة في ظروف كانت بالغة السوء شديدة القسوة وسط بيئة شحيحة في محيط اجتماعي بلغ التمزق بين عناصره مبلغاً خطيراً، كاد أن يكون ميئوساً منه، ولم يكن له من وسيلة إلى رأب الصدع وجمع الشمل إلا استنفار كوامن الإيمان في نفوس قومه واستثارة حوافز الخير في أعماقهم، فأعلن دعوة التوحيد مهتدياً بالنهج الذي سار عليه أجداده، ورفع راية الإيمان شعاراً لحركته وعنواناً لدعوته، فاتبعه قومه ، وانقادوا إليه عن حب وبيعة وعن ولاءٍ قائمٍ على أساس العقيدة الإسلامية، ثقةً منهم في إخلاصه بدينه وقومه، واطمئناناً منهم إلى جدارته وكفاءته، ويقيناً بأحقيته، واقتناعاً بشرعيته.

قامت الدولة السعودية بقيادة الملك عبد العزيز ؛ لتحيي الدين، ولتحمي الوطن، ولتنتصر للشعب الذي كان يرسف في أغلال الخوف والبؤس والحرمان والظلم والجهل، فلقد كان الهدف الأول للملك الباني المؤسس عبد العزيز هو أن يطهر الدين مما شابه من خرافات وخالطه من أباطيل، وأن يعود بالعقيدة الإسلامية إلى صفائها ونقائها، وأن يركزها في نفوس قومه، وأن يعلي رايتها خفاقةً في الجزيرة، ثم كان هدفه أيضاً تحرير الناس من الجهل وإخراجهم من ظلماته المتراكمة إلى أنوار العلم بحقائق الدين الحنيف الساطعة، ومن الظلم والجور والخوف والاضطراب إلى العدل والأمن والسكينة .

وكان الملك عبد العزيز يؤمن بأن تأسيس الدولة على التقوى والإيمان والتوحيد الخالص يقتضي إقامة العدل بين الناس والحكم فيهم بالشورى لاقتران التوحيد بالعدل والشورى، ولذلك كان القرآن هو دستور الدولة التي أنشأها الملك عبد العزيز، وكان قانونها هو الشريعة والحكم بما أنزل الله، وهما الأساسان الراسخان اللذان قامت عليهما الدولة السعودية الأولى في عهد الإمام محمد بن سعود والشيخ محمد بن عبدالوهاب اللذين أرسيا قواعد الدولة الإسلامية في جزيرة العرب في العصر الحديث، وتركا جنينها يأخذ وقته في النمو في أحشاء الصحراء حتى جاء عبد العزيز آل سعود ، فجعلها واقعاً لا محل للجدل حوله، ولا مكان لمعتدٍ يوقف هذه المسيرة، وجاء أبناؤه ، فصارت الدولة شامة بين الدول. ([2])

لقد كان تأسيس الدولة السعودية الجديدة استجابة لنداء الإيمان والتوحيد، وعلى قاعدتهما قامت أسس هذه الدولة، وفي أفيائهما أينعت ، وازدهرت حتى استتب لها الأمــــر ، واستكملت عناصر تكوينها ، فكان ميلاد المملكة العربية السعودية عام 1351هـ /1932م .

 

2– إنشاء المجتمع الإسلامي المتجانس:

على قاعدة الإيمان والتوحيد أقام الملك عبد العزيز المجتمع الإسلامي المتجانس في بيئة كانت أحوج ما تكون إلى هذا النوع من التجانس القائم على أساس العقيدة الدينية والاشتراك في عمل كبير ، يهدف إلى تغيير الأحوال وفقاً لمبادئ الدين الحنيف وبما يصحح الأوضاع، ويمهد لقيام سلطة وطنية تؤسس لنظام سياسي مشروع يسعى إلى الانفتاح على المحيط الجغرافي الواسع لإرساء قواعد الوطن الجامع للشتات والموحد للأطراف.

إن المجتمع الإسلامي المتجانس الذي أنشأه الملك عبد العزيز قام على الإيمان بالغاية النبيلة والرسالة السامية للدولة الناشئة، واستند إلى البيعة الشرعية التي جمعت القائد الإمام والجماعة التي آمنت بنبل الهدف الذي نذر نفسه لبلوغه، وكان الحب بين الملك عبد العزيز والجماعة الأولى التي التفت حوله من أقوى العوامل التي دعمت مركز الدولة السعودية الوليدة ، ولقد أحسن أحد الباحثين العرب الذين اتصلوا بالملك عبدالعزيز عند أول عهده بتأسيس الكيان السعودي، حين قال : " إن رعية ابن سعود تطيعه وتحبه "، على حين وصف هذا الباحث العلاقة بين رعايا ملوك آخرين عاشروا الملك عبدالعزيز بأنها تقوم على ( الطاعة والخوف ) أو ( الطاعة دون حب ودون خوف). ([3])

والحق أن الملك عبد العزيز استعاد في دوره الأول دور الفتوحات ملك أجداده، وعزز هذا الملك بالعدل والأمن وبالدين الذي هو في نجد مصدر الاثنين، ولكنه في تحضيره للبدو، وفي تأسيس الجديد من المدن والقرى، وفي استخدامه من يحسن الخدمة مهما كان مذهبه، وفي إرساله فتياناً من نجد إلى مصر ليتلقنوا فيها العلوم الحديثة، وفي استقدامه إلى الرياض الأطباء والمهندسين، في كل هذا ما يثبت قوله إنه يفعل فوق ما فعل أجداده. ([4])

لقد كسب الملك عبد العزيز قلوب الناس بما انتهج من سياسة عادلة وحازمة، وبما كان عليه من سلوك رفيع وتعامل كريم مع الجميع، وبما أشاعه في الناس من أمنٍ كانوا يفتقدونه ومن عدلٍ كانوا محرومين منه، وبما بثه في النفوس من إرادة قوية للعمل من أجل البناء الشامل، ومن عزيمة شديدة للتغيير العميق في المجتمع الذي كان ينمو بصورة طبيعية في ظل الأمن والعدل.

 

3 – من الفرقة والتشتت إلى الوحدة والتجمع :

كان توحيد أجزاء الوطن الهدف الأسمى للملك عبد العزيز، لا بدافع السيطرة والتمكن والاستحواذ على مقاليد السلطة في أوسع رقعة جغرافية، إنما كان شغله الشاغل قطع دابر فتنة التمزق التي وجدت من يذكيها، سواء من داخل الجزيرة أو من خارجها، وكان في كل خطوة خطاها في هذه السبيل واقعياً يعرف حدود إمكاناته ، ولا يندفع في غير ما حيطة وحذر وتدبر.

لم يكن الملك عبد العزيز في سياسته التي سلكها للانتقال من الفرقة والتشتت إلى الوحدة والتجمع يجري وراء الأوهام، ولا يخطئ تقدير قوته، ولا يحارب طواحين الهواء، وليس في تاريخه مغامرة طائشة أو استجابة لإغراء غير محسوب العوامل  والنتائج، ولكنه كان يعرف متى يتحدى، وكيف يتراجع دون السقوط في مخاطرة لمجرد الشعار، ودون أن يفرط في مبدأ أو حق من حقوقه الأساس. ([5])

لقد ظهر الملك عبد العزيز في وقت كان تقسيم الوطن العربي إلى دويلات أو كيانات لا أصل لها من التاريخ أو الجغرافيا هو الطابع العام للمرحلة، فاستطاع وحده أن يعكس مجرى الأحداث، ويقيم أول وأبقى وحدة عربية بالإرادة العربية المتفردة وبقرار عربي من عاصمة عربية تتويجاً لحقيقة عربية أنجزتها سيوف العرب. ([6])

لقد عصفت الأحداث بالعالم العربي الإسلامي في العقدين الأولين من هذا القرن، وكانت المنطقـــة العربيـــة تغلي غلياناً شديــداً بفعل الأطماع والمؤامرات الاستعمارية التي كانت تعمل عملها في تمزيق الكيان الإسلامي الكبير ، وفي الوقت الذي خدع فيه بعض القوم بما رفعه الأوربيون المتآمرون على الأمة العربية الإسلامية من شعارات زائفة  كان الملك عبد العزيز واعياً الوعي كله ، لا تخدعه الوعود الكاذبة ولا الإغراءات المضللة ، فكان هو وحده الذي خرج بحصة عربية إسلامية مستقلة في تركة الدولة العثمانيــة ، وكأنه كان ضمن القوى العظمى في الحرب العالمية الأولى ، وحَمَى استقلال ما فــاز بــه. ([7])

وبهذه الحصافة السياسية نجح الملك عبد العزيز في الانتصار على المعوقات التي اعترضت طريقه نحو إقامة المملكة العربية السعودية تحت راية " لا إله إلا الله ، محمد رسول الله "، ووفق إلى أبعد الحدود في تحدي الإرادة الاستعمارية التي كانت تعمل للتوسع في تمزيق الوطن العربي إلى أقصى مدى ، فكان الإنجاز الذي حققه الملك عبدالعزيز من أعظم الإنجازات التي حققها العرب والمسلمون في هذا العصر .

 

 

 

المبحث الثاني: دلالات العمل الإسلامي المشترك ومفاهيمه

1 الإطار العام للعمل الإسلامي المشترك :

يقوم العمل الإسلامي على مبدأ (التضامن الإسلامي) ، فهو ينبثق منه ، ويعبر عنه، ويستند إليه ، والعمل الإسلامي المشترك في دلالته الواضحة هو النشاط أو الحركة التي تقوم بها الدول الإسلامية في إطار إرادة جماعية لتحقيق مكاسب أو مصالح تهم الأمة الإسلامية كلياً أو جزئيا .

ولقد اصطلح على أن العمل الإسلامي المشترك يتحرك في إطار منظمة المؤتمر الإسلامي والمنظمات والهيئات والمؤسسات المتفرعة عنها أو العاملة في إطارها أو على مستوى منظمات وهيئات غير حكومية تحظى بالثقة من الجميع، وتعمل لتحقيق الأهداف المسطرة في ميثاق منظمة المؤتمر الإسلامي أيًّا كانت وسائلها وطرقها وخططها، مثال ذلك رابطة العالم الإسلامي، والندوة العالمية للشباب الإسلامي، ورابطة الجامعات الإسلامية، وغيرها من المنظمات التي تتنوع أساليب عملها وتعدد برامجها وأنشطتها والتي تخدم الأهداف المسطرة في ميثاق منظمة المؤتمر الإسلامي.

ويعنى العمل الإسلامي المشترك بتحقيق أكبر الفوائد والمنافع للإسلام وللمسلمين في جميع أنحاء العالم في جميع مجالات النشاط الإنساني العام الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والعلمية، ويسعى إلى الدفاع عن حقوق البلدان الإسلامية والذود عن مكاسبها ، وإلى حماية المصالح العليا للأمة الإسلامية في شتى الحقول، كما يهدف إلى تعميق علاقات التعاون فيما بين الدول الأعضاء في منظمة المؤتمر الإسلامي، وفيما بين هذه الدول وبين الأقليات والجاليات الإسلامية في العالم ، ويرمي إلى إرساء قواعد التكامل الاقتصادي بين بلدان العالم الإسلامي ، وإلى تقوية التضامن الإسلامي بكل دلالاته ومعانيه ومفاهيمه وغاياته النبيلة .

وإذا كانت القاعدة الذهبية للعمل الإسلامي المشترك هي التي يستند إليها التضامن الإسلامي فإن هذا العمل ينطلق من مدلول الآية الكريمة : { وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا } (سورة آل عمران ،الآية 103) ،ولذلك اختيرت هذه الآية شعاراً لمنظمة المؤتمر الإسلامي ، ويدور العمل الإسلامي المشترك في نطاق الأخوة الإسلامية عملاً بقوله تعالى : { إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ } ( سورة الحجرات ،الآية 10) ، ولذلك فإن الإطار العام للعمل الإسلامي المشترك هو من السعة والشمول والرحابة بحيث يستوعب كل الأنشطة والأعمال، ويشمل جميع التحركات والمواقف التي تخدم مبدأ التضامن الإسلامي بمفهومه القرآني الجامع الشامل العميق .

لقد حدد ( بلاغ مكة ) الإطار العام للعمل الإسلامي المشترك؛ إذ جاء فيه :" إن انتماء المسلمين الصادق إلى الإسلام والتزامهم الحق بمبادئه وقيمه منهجاً للحياة هو درعهم الواقي من الأخطار المحدقة بهم، وسبيلهم الأمثل إلى تحقيق المنعة والعزة والازدهار، وطريقهم القويم لبناء المستقبل، وضماناتهم التي تحفظ للأمة أصالتها ، وتصونها من طغيان المادة الجارفة، وتمدها بالحافز القوي الذي يدفع ولاة أمورها ، ويستنهض أبناءها من أجل تحرير مقدساتها واستعادة حقوقها ومكانتها ؛ لتسهم مع أمم العالم في تحقيق المساواة والسلام والرخاء للبشرية كافة".([8])

وجاء في ( بلاغ مكة ) أيضاً تعميقاً لمفهوم العمل الإسلامي المشترك وضبطاً لمعالمه ورسماً لحدوده : " إن إيمان المسلمين جميعاً بالتعاليم الخالدة المتمثلة في الحرية والعدالة وكرامة الإنسان والتصدي للظلم والعدوان وفي التسامح والرحمة والإخاء يدعونا إلى التصميم على إقرار السلام العادل والوئام بين الشعوب، وعلى ضمان المبادئ الإنسانية والتعايش السلمي بين الشعوب؛ لكي يبدأ عهد جديد تكون فيه العلاقات بين الدول محكومة بالمبادئ لا بالقوة، وتزول فيه أشكال الاضطهاد والاستغلال والتسلط والظلم والاستعمار بشكليه القديم والجديد، وتنتهي جميع أنواع التمييز المبني على العرق أو اللون أو المعتقد أو الجنس ".([9])

وكذلك رسم  ( بلاغ مكة ) آفاقاً واسعةً للعمل الإسلامي المشترك ؛ إذ جاء فيه : "نحن عاقدون العزم على أن نمضي قدماً لتوثيق أواصر التضامن بين شعوبنا ودولنا ، وعلى أن نتجاوز كل ما يؤدي إلى الشقاق أو يجر إلى الفرقة، وأن نفضَّ بالحسنى كل نزاع يطرأ بيننا ، فنحتكم إلى المواثيق وإلى الأخوة والألفة والترابط وما نؤمن به جميعاً من مقاييس العدل والتسامح ، نستمدها من كتاب الله وسنة رسوله باعتبارها مرجعاً دائماً لكل احتكام ".([10])

ووضع ميثاق منظمة المؤتمر الإسلامي للعمل الإسلامي المشترك خمسة أهداف رئيسة ، هي :

1-         تعزيز التضامن الإسلامي بين الدول الأعضاء .

2-         دعم التعاون بين الدول الأعضاء في المجالات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والعلمية وفي المجالات الحيوية الأخرى ، والتشاور بين الدول الأعضاء في المنظمات الدولية .

3-         العمل على محو التفرقة العنصرية والقضاء على الاستعمار في جميع أشكاله .

4-         دعم كفاح جميع الشعوب الإسلامية في سبيل المحافظة على كرامتها واستقلالها وحقوقها الوطنية .

5-         إيجاد المناخ لتعزيز التعاون والتفاهم بين الدول الأعضاء والدول الأخرى. ([11])

 

2 –  تطور العمل الإسلامي المشترك وظهوره في صيغته الحديثة  :

لقد اجتاز العمل الإسلامي المشترك مراحل متصاعدة منذ مطلع القرن العشرين وإلى أن تأسست منظمة المؤتمر الإسلامي ، وباستقراء الخط البياني لفكرة المؤتمر الإسلامي نجد أنها قد طرحت على نطاق محدود في بادئ الأمر بقدر من التردد، ثم تدرجت في النمو والتبلور والنضج إلى أن بلغت مستواها الحالي .

كان من المبادرات الأولى للملك عبد العزيز بعد أن من الله عليه بالنصر واستتب له الأمر في معظم أرجاء شبه الجزيرة العربية دعوته إلى التضامن الإسلامي لكونه طريق القوة والعزة للأمة الإسلامية ، لاسيما أن معظم الأقطار الإسلامية كانت تجاهد محتليها لإخراجهم من ديارها ، فدعا الملك عبد العزيز إلى أول مؤتمر إسلامي في تاريخ الإسلام الحديث عقد في مكة المكرمة عام 1345هـ / 1926م ، وحضرته وفود من مصر وشبه القارة الهندية ، وكانت غاية المؤتمر التباحث في شؤون المسلمين ووضع الخطط لاستنهاض همم أبناء الأمة الإسلامية للتضامن والتكاتف. ([12])

وقد حمل مؤتمر مكة المكرمة سنة 1926م اسم (مؤتمر العالم الإسلامي) ، واتخذ عدة قرارات ، منها إنشاء منظمة دائمة ، وعقد دورات سنوية في مكة المكرمة ، واعتماد موازنة للمؤتمر ، وانتخاب لجنة تنفيذية عالمية في عضويتها، وقد اختير شكيب أرسلان أميناً عاماً لهذا المؤتمر. ([13])

وكان من نتائج دعوة الملك عبد العزيز إلى عقد مؤتمر العالم الإسلامي التي سنعرض لها بالتفصيل فيما بعد أن تبلورت فكرة المؤتمر الإسلامي على أساس أنها وسيلة من وسائل حشد قوى العالم الإسلامي وتعبئة طاقات شعوبه للدفاع عن حقوق الأمة ومصالحها العليا ، فمن هذا المؤتمر انبثقت فكرة المؤتمر الإسلامي العام الذي عقد في القدس في سنة 1931م والذي يعد أول مناسبة لتجنيد العالم الإسلامي لمناهضة الحركة الصهيونية ودعم النضال الفلسطيني ، وقد شكل هذا المؤتمر هيئة تحمل اسمه ، لا تزال قائمة إلى اليوم ، تنتخب لجنتها الدائمة ومكتبها الدائم الذي يوجد مقره في كراتشي .

وتبلورت فكرة المؤتمر الإسلامي بصورة متزايدة ، فعقد في سنة 1935م في جنيف المؤتمر الإسلامي ، وذلك بمبادرة من شكيب أرسلان ، وحضر المؤتمر ممثلون عن المسلمين المقيمين في أوربا أجانب ووطنيين ، كما شارك فيه المسلمون من دول إسلامية وغير إسلامية ، واختير شكيب ارسلان رئيساً للمؤتمر ورئيساً للجنة الدائمة. ([14])

وهكذا أصبحت فكرة المؤتمر الإسلامي مطروحة على نطاق واسع ، تبرز بشكل واضح في أية مناسبة تتاح ؛ ففي طوكيو بمناسبة المعرض الإسلامي الذي نظم في نوفمبر سنة 1939م عقدت الوفود الإسلامية المشاركة في المعرض (المؤتمر الإسلامي العالمي الأول) الذي تقرر عقده سنوياً في طوكيو تحت رعاية العصبة الإسلامية اليابانية، ولكن ظروف الحرب حالت دون انعقاده. ([15])

 

وسارت فكرة المؤتمر الإسلامي في خط متصاعد ، ومرت بمراحل عديدة من النضج والتبلور إلى أن نشأت رابطة العالم الإسلامي في مكة المكرمة في سنة 1962م ، ودعا مؤتمرها العام سنة 1965م إلى عقد قمة إسلامية ، وكان قبل ذلك عقد لقاء في مقديشيو بالصومال سنة 1964م ، شاركت فيه دول ومنظمات إسلامية ، وقد دعا هذا اللقاء إلى عقد مؤتمر قمة إسلامي لبحث المشكلات التي تعاني منها الأمة الإسلامية والاتفاق على وسائل معالجتها ، وفي الدورة السابعة لمؤتمر العالم الإسلامي في عمان سنة 1967م دعا المشاركون إلى عقد مؤتمر قمة إسلامي لبحث قضية فلسطين واستعادة القدس. ([16])

وبلغت فكرة المؤتمر الإسلامي المستوى اللائق من النضج والاستواء في خريف سنة 1969م، وذلك على إثر محاولة إحراق المسجد الأقصى التي كانت مناسبة انتهزتها المملكة العربية السعودية للتصدي لهذه الهجمة الصهيونية الجديدة سيراً على النهج الذي اختطـــه الملك عبد العزيز مؤسس الدولــــة ؛ إذ وجه الملك فيصــل بن عبدالعزيز– رحمه الله– بالتعاون والتنسيق مع العاهل المغربي جلالة الملك الحسن الثاني الدعوة إلى عقد مؤتمر القمة الإسلامي الأول الذي كان أول مؤتمر إسلامي شامل في تاريخ المسلمين الحديث، عقد في العاصمة المغربية الرباط من 9 إلى 12 رجب سنة 1389هـ الموافق 25ـ 22 سبتمبر 1969 م ، وقد مهد لهذا المؤتمر باجتماع وزراء أربع عشرة دولة إسلامية في القاهرة بعد أيام من العدوان على المسجد الأقصى المبارك، وأيد الوزراء الاقتراح السعودي بعقد مؤتمر إسلامي،وتأليف لجنة تحضيرية اجتمعت في الرباط بعد أقل من شهر من محاولة إحراق المسجد الأقصى.

ومما يلفت النظر عند مراجعة الوثائق والمراجع التي تسجل تطور فكرة المؤتمر الإسلامي ما كتبه الفقيه القانوني الضليع الدكتور عبد الرازق السنهوري في مذكراته الشخصية أثناء إقامته في باريس للدراسة، ففي 30 أكتوبر 1923م كتب يقول تحت عنوان ( جمعيات شعبية لتنمية العلاقات الاقتصادية والثقافية بين الدول والمجموعات الإسلامية ) : ( يجب التفكير في ربط الأمم الشرقية بروابط اقتصادية ولغوية وقانونية قبل التفكير في ربطها بروابط سياسية ، فإن هذه تأتي تالية لتلك، ولتطبيق ذلك يمكن البدء بالنهضات الآتية :

1-         نهضة إسلامية مناسبة لظروف العصر، وهذه النهضة تنتشر في كل الدول العربية.

2-         نهضة تتناول اللغة العربية وإدخال ما يجب إدخاله عليها من التعديلات وتوحيد اللهجات المختلفة.

3-         نهضة اقتصادية ، وتتناول ربط البلاد المستقلة بمعاهدات تجارية واقتصادية واتحاد جمركي أو ما يشبهه ، وهذه النهضة لا تتيسر إلا في البلاد المستقلة .

4-         نهضة لإحياء العلوم والمعارف الشرقية وبخاصة الإسلامية ، وهذه تتناول جميع الدول الشرقية) .

وكتب الدكتور السنهوري في هذه المذكرات أيضاً وفي اليوم نفسه ، يقول : "إن الدول الإسلامية لا يمكن أن تجتمع على شيء واحد غير دين الإسلام"، وفي مذكرته التي كتبها في باريس أيضاً يوم 29 أغسطس سنة 1924م وضع الدكتور السنهوري خطة العمل من أجل إنشاء (جمعية أمم لدول الشرق الإسلامي) ، وكانت هذه الأفكار هي نواة أطروحته للدكتوراه التي ناقشها في جامعة ليون الفرنسية في سنة 1926م حول موضوع الخلافة والتي دعا فيها إلى إنشاء إطار عام للدول الإسلامية يكون بديلاً عن الخلافة ، وما ذهب إليه السنهوري في أفكاره هذه هو قريب من عدة وجوه من منظمة المؤتمر الإسلامي. ([17])

 

3-  قنوات العمل الإسلامي المشترك ومجالاته :

أصبح العمل الإسلامي المشترك حقيقةً من حقائق الحياة العامة في البلدان الإسلامية وواقعاً معترفاً به على الصعيد الدولي، وبحكم فعالية النتائج المترتبة على العمل الإسلامي المشترك وبسبب امتداد التأثير الإيجابي الذي يحدثه في العلاقات الإسلامية وفي علاقات العالم الإسلامي مع المجتمع الدولي فإن مما يتفق وطبائع الأشياء أن تعدد قنوات العمل الإسلامي المشترك وتتسع مجالاته، وتعد منظمة المؤتمر الإسلامي باللجان المتخصصة التابعة لها وبالأجهزة التي تتفرع عنها وبالمنظمات التي تعمل في إطارها القناة الكبرى الرئيسة التي تتفرع عنها قنوات عديدة تصب جميعها في اتجاه واحد، هو تعميق التضامن الإسلامي وتحقيق مستويات رفيعة من النمو والتقدم والازدهار للحياة العامة في بلدان العالم الإسلامي.

لقد كان من شأن نمو العمل الإسلامي المشترك وتصاعد وتيرته في إطار منظمة المؤتمر الإسلامي أن أنشئت أربع لجان متخصصة يرأسها أربعة رؤساء دول إسلامية ، هي :

1– لجنة القدس .

2– اللجنة الدائمة للإعلام والشؤون الثقافية .

3– اللجنة الدائمة للتعاون الاقتصادي والتجاري .

4– اللجنة الدائمة للتعاون العلمي والتكنولوجي.

كما أنشئت صناديق ومراكز وأجهزة فرعية يختص كل منها بفرع من فروع العمل الإسلامي المشترك ، وهي:

1-         صندوق التضامن الإسلامي .

2-         صندوق القدس .

3-         مركز البحوث الإحصائية والإقتصادية والاجتماعية والتدريب .

4-         مركز الأبحاث للتاريخ والفنون والثقافة الإسلامية .

5-         المركز الإسلامي للتدريب التقني والمهني والبحوث .

6-         المؤسسة الإسلامية للعلوم والتكنولوجيا والتنمية .

7-         المركز العالمي للتربية والتعليم الإسلامي .

8-         المركز الاسلامي لتنمية التجارة .

9-         اللجنة الإسلامية للهلال الدولي .

10-     اللجنة الدولية للتراث الإسلامي .

11-     الاتحاد الرياضي للتضامن الإسلامي .

12-     مجمع الفقه الإسلامي .

13-     المجلس الإسلامي للطيران المدني .

14-     اللجنة الإسلامية الدولية للقانون. ([18])

وفي موازاة مع هذه المؤسسات والمراكز أنشئت منظمات إسلامية تضامنية بقرارات من الهيئات المختصة في المؤتمر الإسلامي ، وبخاصة منها المؤتمر الإسلامي لوزراء الخارجية، وهي :

1-         البنك الإسلامي للتنمية .

2-         وكالة الأنباء الإسلامية الدولية (إينا) .

3-         منظمة إذاعات الدول الإسلامية .

4-         الغرفة الإسلامية للتجارة والصناعة وتبادل السلع .

5-         الاتحاد الإسلامي لمالكي البواخر .

6-         المنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة. ([19])

ويتكامل مع هذه القنوات أجهزة ومؤسسات ووكالات إسلامية غير حكومية عديدة، تنتشر عبر أنحاء العالم ، تقوم بعمل تربوي وثقافي وعلمي واقتصادي واجتماعي ، له تأثيره الملموس في المحيط الإسلامي العام ، ويرتبط العديد من هذه المؤسسات والمنظمات باتفاقيات للتعاون مع المنظمات العاملة في إطار منظمة المؤتمر الإسلامي ، وجميعها تعمل من أجل التضامن الإسلامي في مختلف مجالاته .

 

4 – العمل الإسلامي المشترك من منظور القانون الدولي :

يتفق العمل الإسلامي المشترك في أهدافه ومقاصده وغاياته مع أحكام القانون الدولي من الوجوه كافة ، وتعد منظمة المؤتمر الإسلامي من أهم المنظمات الإقليمية التي تعزز الجهود الدولية من أجل إقرار الأمن والسلم في العالم ، فقد ورد في المادة الثانية والخمسين من ميثاق الأمم المتحدة ما يأتي : (ليس في هذا الميثاق ما يحول دون قيام تنظيمات أو وكالات إقليمية تعالج من الأمور المتعلقة بحفظ السلم والأمن الدوليين ما يكون العمل الإقليمي صالحاً فيها ومناسباً ما دامت هذه التنظيمات أو الوكالات الإقليمية ونشاطها متلائمة مع مقاصد الأمم المتحده ومبادئها ). ([20])

وفي هذا النطاق جاء تأسيس منظمة المؤتمر الإسلامي ؛ ليعبر عن إرادة الأمة الإسلامية في إيجاد وسائل علمية لتقوية أواصر التعاون فيما بينها ، ولتحقيق أكبر المنافع والمصالح لشعوب العالم الإسلامي قاطبة ، والتعاون مع المجتمع الدولي في خدمة الأهداف الإنسانية النبيلة .

ويتلاءم ميثاق منظمة المؤتمر الإسلامي مع ما ورد في المادة الثانية والخمسين من ميثاق الأمم المتحدة ؛ إذ نص في مادته الثانية على (دعم التعاون بين الدول الأعضاء في المجالات الاقتصادية والاجتماعية والعلمية وفي المجالات الحيوية الأخرى ، والتشاور بين الدول الأعضاء في المنظمات الدولية ، واتخاذ التدابير اللازمة لدعم السلام والأمن الدوليين القائمين على العدل ، وإيجاد المناخ لتعزيز التعاون والتفاهم بين الدول الأعضاء والدول الأخرى). ([21])

إن العمل الإسلامي المشترك الذي يستند إلى مبادئ الإسلام ويهتدي بتعاليم الدين الحنيف لا يمكن أن يكون إلا عنصر دعم للمجتمع في جهوده الرامية إلى إقرار مبادئ الشرعية الدولية والعمل على توفير ظروف الحياة الكريمة للبشر كافة ، فالعمل الإسلامي المشترك يسير في تعزيز هذه الجهود وترسيخ قواعد القانون الدولي ، فالعمل الإسلامي المشترك وهو بهذا الاعتبار يناهض كل الأعمال والممارسات التي تتعارض وأحكام القانون الدولي .

 

 

 

المبحث الثالث : جهود المملكة العربية السعودية في إطار العمل الإسلامي المشترك

1 – الملك عبد العزيز وفكرة المؤتمر الإسلامي :

كان الملك عبد العزيز داعيةً من دعاة الوحدة الإسلامية ورائداً من رواد التضامن الإسلامي ، أعطى من خلال العمل الذي قام به والجهود التي بذلها والدولة التي أسسها في أصعب الظروف المثال الحي الملموس للعمل الإسلامي التضامني الذي تتجسد آثاره في الواقع ، وتترسخ نتائجه في الأرض .

ويمكن القول : إن الإنجاز الحضاري الشامخ الذي حققه الملك عبد العزيز والذي يتمثل في تأسيس المملكة العربية السعودية على قواعد الإيمان والتوحيد تعد في حقيقة أمره وجوهره وفي طبيعته والنتائج المترتبة عليه عملاً إسلامياً في ذروة الأعمال التاريخية التي تخلد في صحائف القائمين عليها وصناعها ما بقي الدهر .

لقد اتجه اهتمام الملك عبد العزيز منذ عهده المبكر إلى تأسيس الدولة السعودية تحت راية " لا إله إلا الله ، محمد رسول الله "، وبقدر ما كان يعمل من أجل استرجاع الشرعية التاريخية لهذه الدولة وتوطيدها فإنه كان حريصاً على أن تكون دعماً وسنداً للأمة الإسلامية قاطبة .

وتبلورت في عقل الملك عبد العزيز فكرة التضامن الإسلامي بالقدر الكافي وبالصورة الواضحة ، فعقد العزم على عقد أول مؤتمر إسلامي عالمي في مكة المكرمة في سنة 1926م في أعقاب النصر الذي حققه في المعارك التي خاضها من أجل الوحدة والتضامن وجمع الكلمة واستتباب الأمن والطمأنينة وفي سبيل إقرار السلم وإحياء روح الوفاق والوئام بين أبناء الجزيرة العربية ، وعقد المؤتمر في تلك المرحلة الدقيقة من التاريخ المعاصر وفي ظروف كانت تقتضي أن يوجه الملك عبد العزيز من قلب مكة المكرمة النداء إلى العالم الإسلامي ؛ ليلتئم شمل هذا المؤتمر على ذلك المستوى ، ولمعالجة قضايا مستجدة كانت تتطلب المعالجة المسؤولة وبروح الالتزام بمبادئ الأخوة الإسلامية والحرص على تجاوز الخلافات والتطلع إلى المستقبل .

وفي هذا المؤتمر برزت الخاصية المميزة للسياسة العامة للمملكة العربية السعودية طوال هذه العقود ، وهي الواقعية في الفعل والموضوعية في الممارسة والاتزان والرصانة وأخذ كل الاعتبارات في الحسبان ، فلقد كان مما جاء في إحدى كلمات الملك عبد العزيز خلال هذا المؤتمر الذي كان المشاركون فيه يحاولون القيام بكل شيء دون تريث وتدبر للعواقب : ( أخشى إن حرصنا على القيام  بكل شيء أن يجعلنا ذلك نفقد كل شيء ، وأفضل شيء هو التدرج في السير ، فرب عجلة وهبت ريثاً ). ([22])

من خلال هذا المنظور الشمولي ننظر إلى الملك عبد العزيز رائداً من رواد العمل الإسلامي المشترك ، فقد ضرب أروع الأمثلة في الإيثار والتسامح والصفح ؛ ليلم الشمل ، ويوحد الكلمة ، وليحرر البلاد من أغلالٍ كانت تشل الحركة ، وتعوق المسيرة ، وتضعف الكيان ، وتحول دون بلوغ الغايات النبيلة التي سعى من أجلها ، وبذلك ملك القلوب ، وأشاع الأمن والطمأنينة ، وفتح الطريق آمنة أمام المسلمين من كل فج عميق للحج ولزيارة مسجد الرسول e ، ولقد بذل الملك عبد العزيز في هذا السبيل جهوداً عظيمة لإيجاد المناخ الملائم للتغيير وللبناء وللوحدة وللتضامن الذي هو أساس العمل الإسلامي المشترك .

إن الدارس لمختلف الأطوار التي اجتازها العمل الإسلامي المشترك ينتهي إلى نتيجة على قدر كبير من الأهمية ، وهي أن المؤتمر الإسلامي الذي دعا إليه الملك عبد العزيز في سنة 1926م في تلك المرحلة الدقيقة من تاريخ الإسلام المعاصر وفي أعقاب سقوط الخلافة وافتضاح المؤامرة الاستعمارية ضد العالم الإسلامي كان هو التجمع الإسلامي المؤثر الذي مهد السبل إلى قيام العمل الإسلامي المشترك كما نعرفه اليوم ، وكأن (منظمة المؤتمر الإسلامي ) هي تجسيد للآمال والرغبات التي عبر عنها المشاركون في (مؤتمر العالم الإسلامي ).

لقد رسخ الملك عبد العزيز القواعد للعمل الإسلامي المشترك من جهة ، وخلق مملكة عظيمة من الأشتات التي كانت متصارعة من جهة ثانية ، وأقام دولة شامخة متماسكة افتخر بها الجميع ، ولما كوَّن الملك هذه المملكة الفسيحة فتح أبوابه للحضارة والمجد ، وهيأها لتأخذ مكانها العظيم في التاريخ. ([23])

وتتجلى للباحث المتأمل في السياسة العامة التي انتهجها الملك عبد العزيز الملامح الواضحة لفكرة التضامن الإسلامي، فلقد كان ميالاً إلى إقامة علاقات متينة مع الدول الإسلامية ، حريصاً على حل الخلافات بالحسنى ؛ حقناً للدماء ورغبة في تجنب الوقوع في الفخاخ التي كان ينصبها المستعمرون لجر الأشقاء إلى الاحتراب والاقتتال .

ومن النتائج العظيمة لهذه السياسة العاقلة الحصيفة أن صارت الأراضي المقدسة لأول مرة منذ عهود متطاولة آمنة مطمئنة مستقرة ، وأصبحت الطرق ممهدة مفتوحة أمام المسلمين للحج وللزيارة في أمن ودعة وسكينة ، وهذا إنجاز عظيم الشأن حققه الملك عبد العزيز ، يعد اللبنة الأولى في صرح التضامن الإسلامي المعاصر .

لقد أدت فكرة المؤتمر الإسلامي دوراً حاسماً في تجميع الرأي العام الإسلامي حول الملك عبد العزيز ، وتشهد الوقائع والمكاتبات الرسمية للملك عبد العزيز بعد التدقيق والتحقيق ليس بالبراعة السياسية وحدها ، بل بالوعي الكامل بمسؤولياته الوطنية والقومية وبفهمه لوضعية العالم الإسلامي ، فلقد أدرك بذكائه اللماح الأثر الذي يمكن أن تحدثه هذه الفكرة في العالم الإسلامي الذي كان بعد سقوط الخلافة أشبه باليتيم الذي فقد أباه. ([24])

وتلك كانت بداية الطريق نحو التضامن الإسلامي والعمل الإسلامي المشترك الذي سارت فيه المملكة العربية السعودية بإيمانٍ وثقةٍ وقوةٍ.

2–  المملكة العربية السعودية في إطار جامعة الدول العربية :

لما كانت المملكة العربية السعودية هي النموذج الحي لفكرة الوحدة العربية ولمبدأ التضامن الإسلامي ، وكان إنشاؤها على يد الملك الباني المؤسس عبد العزيز قد قام على الإيمان بعقيدة التوحيد ومبدأ الوحدة ، فإن الخط الرئيس في السياسة الخارجية التي انتهجتها المملكة كان يسير دائماً مع آمال الأمة العربية ، ويستجيب إلى تطلعات العالم الإسلامي ، وكان من الطبيعي جداً أن تتجاوب المملكة مع الفكرة العربية التي تبلورت في أعقاب الحرب العالمية الثانية والتي كانت ترمي إلى تأسيس تنظيم سياسي إقليمي يجمع أشتات الدول العربية المستقلة إلى ذلك العهد ، وكان الملك عبد العزيز في طليعة الزعماء العرب الذين عملوا من أجل تطبيق مبادئ الإخاء العربي وجمع العرب حول كلمة سواء لمواجهة الأخطار التي كانت تتهدد البلاد العربية في تلك المرحلة.

والواقع يشهد على أن المملكة العربية السعودية كانت دائماً تلتزم بخط الوحدة في سياستها الخارجية من منطلق الوعي السياسي الناضج بالمتغيرات التي كانت تسود المنطقة العربية والعالم بأسرة أثناء الحرب وبعدها، وكان الملك عبد العزيز واعياً الوعي الكامل بالضرورات التي تفرض انتقال الوطن العربي إلى مرحلةٍ جديدةٍ تتميز بتجاوز الخلافات التي كانت تعصف بالعلاقات العربية.

ولكن التزام المملكة العربية بالفكرة العربية وانحيازها الكامل إلى وحدة الصف والهدف في مواجهة الأخطار لم يكونا من قبيل الاندفاع مع العواطف أو ارتجال المواقف لتسجل في مواقف التاريخ ، وإنما كان هذا الالتزام وذلك الانحياز إلى الحق العربي سياسةً مبدئيةً تقوم على الدراسة والتحليل واستقراء الوقائع وفهم طبيعة الأحداث واستشراف آفاق المستقبل ، ولهذا السبب نجد المملكة العربية السعودية تتريث قليلاً قبل التوقيع على برتوكــول الإسكندرية الذي وقع عليه رؤساء الوفود العربية في اللجنة التحضيرية للمؤتمر العربي العام يوم 7 أكتوبر سنة 1944م ، وهو البروتوكول الذي يعد الأساس الأول لميثاق جامعة الدول العربية ؛ لتقلِّبَ الأمور على وجوهها ، ولتتأكد من مواقع الأقدام ، حتى يكون الإقدام على الالتزام بهذا العمل العربي المشترك الوليد واثقاً الوثوق كله ، ثم ما لبثت المملكة أن وقعت على ميثاق جامعة الدول العربية، وكانت ضمن الدول العربية السبع المستقلة عهدئذ التي نهضت بأعباء تأسيس هذه الجامعة ، وقد أناب الملك عبد العزيز الشيخ يوسف ياسين وزير خارجية المملكة العربية السعودية للتوقيع على ميثاق جامعة الدول العربية ، وكان بمعيته خير الدين الزركلي المستشار بمفوضية المملكة في القاهرة .

كذلك بادرت المملكة العربية السعودية إلى التوقيع على معاهدة الدفاع المشترك والتعاون الاقتصادي بين دول الجامعة العربية وملحقها العسكري الذي وافق مجلس الجامعة عليه يوم 13 أبريل سنة 1950م ، ووقعت المملكة أيضاً على البروتوكول الإضافي لهذه المعاهدة الذي وافق مجلس الجامعة عليه يوم 2 فبراير سنة 1951م ، وقد وقع باسم المملكة الأمير فيصل وزير الخارجية عهدئذ.

وعملت المملكة العربية السعودية في إطار جامعة الدول العربية بكل ما تمتلك من الإمكانات والوسائل من أجل رأب الصدع وتوحيد الصف وجمع الكلمة ودعم الجهود العربية المشتركة من أجل تحقيق التقدم والازدهار للأمة العربية وفي سبيل مساندة نضال الشعب العربي الفلسطيني والشعوب العربية الأخرى التي كانت تواجه الاحتلال والاستعمار والحماية في حقبة الأربعينيات والخمسينيات .

وتمثل المملكة العربية السعودية في ساحة العمل العربي المشترك المنهج الوسط في سياستها العربية الإسلامية والدولية وفي علاقتها مع المجتمع الدولي عموماً ؛ ولذلك فإن الحضور السعودي في جامعة الدول العربية له ثقله الخاص ، وله طبيعته المتميزة ، وله تأثيره الإيجابي في مسار العمل العربي المشترك الذي هو في جوهره جزء لا يتجزأ من العمل الإسلامي المشترك .

 

3 –  المملكة العربية السعودية في إطار منظمة المؤتمر الإسلامي:

ترتبط المملكة العربية السعودية بمنظمة المؤتمر الإسلامي بأوثق الروابط وأمتنها ، فهي من الدول المؤسسة لهذه المنظمة ، وهي إلى ذلك دولة المقر والراعية لهذه المنظمة والساهرة على توفير الأسباب والإمكانات الكاملة والظروف الملائمة لأدائها لمهامها ، وفي المملكة عقد مؤتمر القمة الإسلامي الثالث في سابقة غير معهودة ومبادرة تاريخية بالغة الأهمية ، وهو المؤتمر الذي جدد الحياة في جسم منظمة المؤتمر الإسلامي بما أحدثه من آليات جديدة وبما اتخذه من قرارات هامة كان لها بالغ الأثر في انتظام العمل الإسلامي المشترك.

والعلاقة القائمة بين المملكة العربية السعودية ومنظمة المؤتمر الإسلامي تتجاوز مجرد العضوية الفاعلة والنشيطة والدعم المالي والأدبي إلى التبني الكامل والالتزام التام بهذه المنظمة فلسفةً ومبدأً وغاية ، وإلى الإيمان برسالتها وأهدافها ، وإلى الاقتناع بضرورة وجودها ؛ لتلبي حاجةً حيويةً تقتضيها طبيعة العصر وروحه، وتستوجبها متطلبات الدفاع عن المصالح العليا للأمة الإسلامية .

إن المملكة العربية السعودية تعتمد في توجيهاتها الخارجية وفي علاقاتها بجيرانها وبغيرها من البلدان مبادئ ثابتة تسعى إلى المعاملة الحسنة وحسن الجوار والتزام الحق والذود عنه وفق سياسة ملتزمة أثبتتها التجربة السعودية منذ نشأة الدولة في إطار العلاقات الدولية المتشابكة وتدخلات المفاهيم والمواقف والمصالح والمشارب ، ولقد ظلت المملكة وستظل ـ إن شاء الله تعالى ـ وفية لهذه المبادئ ، وقد أكد الملك عبد العزيز هذه المبادئ في كثير من خطبه وتصريحاته ، ومن أقواله في هذا الصدد : ( إن علينا للدول الأجنبية حقوقاً ، ولها علينا حقوقاً ، لهم علينا أن نفي بجميع ما يكون بيننا وبينهم من العهود { إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولاً } ( الإسراء ، الآية 34 ) ، والمسلم العربي يشين بدينه وشرفه أن يخفر عهداً أو ينقض وعداً ، والصدق أهم ما نحافظ عليه).([25])

من هذه المبادئ السامية والمثلى تستمد المملكة العربية السعودية التزامها الواثق القوي برسالة منظمة المؤتمر الإسلامي، وبحافز من الإيمان بهذه المبادئ الثابتة تؤدي المملكة العربية السعودية رسالتها وواجبها ، وتنهض بمسؤولياتها في دائرة منظمة المؤتمر الإسلامي على النحو الذي ينسجم تمام الانسجام مع رسالاتها الإسلامية ومع عناصر تكوينها ومقومات وجودها، فهي الدولة التي قامت على أساس المبادئ الإسلامية ، وهي الدولة التي شرفها الله تعالى بخدمة الحرمين الشريفين، وهي التي تدعم السياسة التي تنهجها منظمة المؤتمر الإسلامي على جميع الأصعدة دفاعاً عن الحقوق المشروعة للأمة الإسلامية وحمايةً لمصالحها العليا وتأميناً لوجودها المادي والمعنوي ؛ فالإسلام الذي تتشرف المملكة العربية السعودية بخدمته هو الذي يلزمها بأن تكون دائماً في طليعة العاملين من أجل التضامن الإسلامي ، وفي مقدمة الداعمين للعمل الإسلامي المشترك في جميع مستوياته وقنواته الرسمية والشعبية ، مما سنعرض له في موضعه .

وتشكل المملكة بنهجها المعتدل وبمواقفها الملتزمة بالشرعية الإسلامية وبالحق وبالعدل وبالقانون الدولي عنصر توازنٍ شديد الأهمية عظيم الثقل داخل المجموعة الإسلامية لكونها تسعى دائماً إلى الائتلاف والتفاهم والتوافق والتعاون ، وتعمل باستمرار من أجل الحفاظ على سلامة الموقف الإسلامي الدولي واعتداله ومطابقته لروح الإسلام .

ويمكن القول استناداً إلى الاستقراء العميق لواقع العمل الإسلامي المشترك على الصعيدين العربي الإسلامي والدولي : إن حضور المملكة العربية السعودية في ساحة منظمة المؤتمر الإسلامي يمثل المصدر الأقوى الذي يمد هذه المنظمة بأسباب البقاء والاستمرار في أداء رسالاتها السامية.

 

4 –  المملكة العربية السعودية والعمل الإسلامي الشعبي :

يتكامل العمل الإسلامي المشترك في مجاليه الرسمي والشعبي ، ويعزز بعضه بعضاً ، ولاسيما إذا التزم العمل الإسلامي على مستوى المنظمات والهيئات والمؤسسات غير الحكومية بالخط العام الذي يسير عليه العمل الإسلامي المشترك على مستوى المنظمات الحكومية ما دام الهدف الرئيس الذي يعمل له الجميع هو خدمة قضايا الأمة الإسلامية والدفاع عن مصالحها والرفع من مستوى الحياة في البلاد الإسلامية من النواحي كافة ، من خلال العناية بتكوين الإنسان وتربيته وتعليمه وتثقيفه وترقية وجدانه وإعداده الإعداد الجيد لمواجهة أعباء الحياة إلى جانب السعي من أجل رفع المعاناة والحرمان والظلم والحيف عن كاهل الإنسان المسلم الذي يتعرض لظروف المحنة بسبب الكوارث الطبيعية أو الحروب أو الصراعات العرقية والطائفية أو غيرها من الحالات والوضاع التي تتطلب تقديم العون والمساعدة والدعم والإنقاذ .

وللمملكة العربية السعودية قدم راسخة في هذا المجال ، فهي تدعم دعماً مادياً وأدبياً غير مشرط العمل الإسلامي الشعبي في مختلف أنحاء العالم ، فتقدم المساعدات المالية والعينية إلى المنظمات والجمعيات والمراكز الثقافية الإسلامية والجامعات والمعاهد وهيئات الإحسان والإغاثة والوكالات الإنسانية المتخصصة في مساعدة المسلمين الذين يتعرضون للمحنة وللأزمة في شتى أصقاع الأرض .

ويتمثل الدعم الكبير غير المحدود الذي تقدمه المملكة العربية السعودية للعمل الإسلامي الشعبي في رعايتها الشاملة لثلاث هيئات إسلامية شعبية لها حضور واسع ومؤثِّر في معظم أنحاء العالم في البلدان الإسلامية وفي أوساط الأقليات والجاليات الإسلامية في شتى أقطار المعمورة ، وهي :