مقدمة البحث :

الحمد لله الذي يقول الحق وهو يهدي السبيل ، والصلاة والسلام على نبينا محمد خاتم النبيين وإمام المرسلين ، جدد الله به رسالة السماء ، وأحيا ببعثته سنة الأنبياء ، ونشر بدعوته آيات الهداية ، وأتم به مكارم الأخلاق وعلى آله وأصحابه ، الذين فقههم الله في دينه ، فدعوا إلى سبيل ربهم بالحكمة والموعظة الحسنة ، فهدى الله بهم العباد ، وفتح على أيديهم البلاد ، وجعلهم أمة يهدون بالحق إلى الحق تحقيقاً لسابق وعده : { وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمْ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْفَاسِقُونَ}([1]). فشكروا ربهم على ما هداهم إليه من هداية خلقه والشفقة على عباده، وجعلوا مظهر شكرهم بذل النفس والنفيس في الدعوة إلى الله تعالى .

أما بعـد:

فإن تبليغ دعوة الإسلام ، وبيان سماحته ، وسمو مقاصده ، واجب على كل مؤمن بعامة ، وواجب على العلماء بخاصة ، فإذا نهض للقيام بهذا الواجب طائفة فقهت الإسلام وشرائعه وآدابه ، فإن من أعظم واجبات المسلمين في هذا العصر : أن تتضافر جهودهم على إعانة القائمين به ، حتى تتاح الفرصة لبلوغ أفكارهم غاياتها من قلوب الناس وعقولهم ، تجديداً لإبلاغ الدعوة ، وأداء لحق الوراثة في هذا التبليغ {الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلاَّ أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيراً وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ }([2]) .

وقد مرت الأمة الإسلامية بمنعطفات خطيرة ، وتعرضت لمؤمرات من أعدائها استهدفت تقويض أركان ديننا الحنيف ، مما جعل القيام بالدعوة إلى سبيل الله بالقلم واللسان ، والسيف والسنان ، واجباً منوطاً على كل من يستطيع أن يحمل رسالة الحق والخير ، ويؤديها إلى الناس كافة أداء رغيباً صالحاً ، يدفع عنها الشبه ، ويدحض عنها الأباطيل . وقد كانت الحركة الإصلاحية السلفية على يد إمام الدعوة : الشيخ محمد بن عبد الوهاب في القرن الثاني عشر الهجري ، نقطة تحول سياسي إسلامي في تاريخ الدعوة إلى الله ، وقد تأثر بها دعاة الإصلاح في العالم العربي خاصة والإسلامي عامة .

وبفضل هؤلاء الدعاة الذين يضيق المقام عن حصر جهودهم ونتائج أعمالهم تعزى أهم أسباب تعاظم قوة الإسلام والمسلمين في العقود الثلاثة الأخيرة ودخولهم في مرحلة جديدة حاسمة من وقتنا الراهن .

وقد شهدت العقود القليلة الماضية من هذا القرن نمواً مطرداً في الدعوة إلى الله ، وكان للمملكة العربية السعودية النصيب الأوفر في خدمة الدعوة داخلاً وخارجاً ، وسنعني هنا بالدعوة في الداخل فقط، فبفضل الله وجدت المنظمات والمؤسسات والهيئات والوزارات والمجالس والمصالح الحكومية والأنشطة الشعبية والمكاتب الدعوية العاملة في مجال الدعوة ، وكذلك اللجان المتخصصة ، ووسائل الإعلام ، والتعليم ، والمطبوعات والمنشورات ، والمراكز ، والمكتبات العامة والخاصة ، كل هذه الوسائل يتحقق بها وباستعمالها استعمالاً سليماً جانبٌ مهمٌ من جوانب الدعوة إلى الله وكلما انسجمت هذه الوسائل مع الوضع الدعوي ، وأخذت بوسائله وطرائقه كانت أكثر عطاء ، وأكبر أثراً ، وأجدي وسيلة في الدعوة إلى الله تعالى .

والمملكة العربية السعودية –بحمد الله تعالى– تعمل جاهدة في كل هذه المجالات وتستعمل كل هذه الطرق فيما يحقق الدعوة إلى الله .

ثم إن هذه المجالات قابلة للتطوير والتحديث وإعادة النظر في بعض وسائلها وطرائقها ، وتستبدل بها ما يناسب ظروف العصر ومتطلباته .

ولعل هذا البحث المقدم لمؤتمر المملكة في مائة عام يسلط الضوء على بعض جهود الدولة السعودية في دورها الثالث ، وبخاصة في مجال الدعوة ونشرها داخلياً وخارجياً بدءاً من المؤسس الأول : الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود –رحمه الله –حتى اليوم ، ونحن نعيش عهد خادم الحرمين الشريفين ، حيث انفتحت الدولة على العالم من أقصاه إلى أقصاه ، وأصبح دورها الدعوي له صوت مسموع ، وأثر ملموس نسأل الله أن يسدد الخطى ، ويوفق على الدرب ، وأن ينفع بهذه الجهود ، إنه نعم المولي ونعم النصير .

 

 

تمهيــــد :

أ –  الأطوار الدعوية بالمملكة واكبت تاريخها وتطورها :

الدعوة إلى الله –تعالى– واكبت البشرية منذ بدايتها على عهد آدم أبي البشر عليه السلام ، ثم تجددت الدعوة بإرســـال نوح عليـــه السلام ، ثم بلغت أوجها في نبوة محمد e حيث أكمل الله الدين ، وأتم على عباده النعمة ، ورضي للبشرية كلها الإســـلام دينــا.

وتاريخ الدعوة إلى الله تعالى هو أعرق تاريخ عرفته البشرية ووعاه عقلها ، والأنبياء والرسل جميعاً هم حملة مشعل الهداية بحكم ما اصطفاهم الله له : {وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنْ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ فَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ}([3]) .

إن الله تبارك وتعالى أرسل رسله داعين إلى عبادته ، ومعهم البشارة والنذارة ليتعظ الناس فيحيا من حي عن بينة ، ويهلك من هلك عن بينة ، وليقطع على الناس حجة الجهل أو عدم البلاغ ، قال تعالى : { رُسُلاً مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لأَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزاً حَكِيماً }([4]) .

ومنذ أن قامت المملكة العربية السعودية ، كان المنهج واضحاً ، والغاية محدودة ، يقــول الملك عبد العزيز – رحمه الله – : " نحن دولة تقوم على كتاب الله وسنة نبيه محمد بن عبد الله عليه أفضل الصلاة والسلام نناهض كل ما يتعارض مع ذلك أو يخرج بنا عنه "([5]) .

وقال –رحمه الله – وهو المؤسس لهذا الكيان يوم دعا علماء الحجاز وأهل الرأي فيه عقب دخوله مكة المكرمة : ( إن أفضل البقاع هي التي يقام فيها شرع الله ، وأفضل الناس من اتبع أمر الله ، وإن لهذا البيت شرفه ومقامه ، منذ رفع سمكه سيدنا إبراهيم عليه السلام ) ([6]) .

 

وقال أيضاً : " لا ينفعنا غير الإصلاح في كل شيء ، الإخلاص في العبادة لله وحده، والإخلاص في الأعمال كلها ، والذي أبغيه في هذه الديار أن يعمل فيها بما في كتاب الله وسنة نبيه في الأمور الأصلية ، أما في الأمور الفرعية فاختلاف الأئمة فيها رحمه "([7]) .

ومن توفيق الله – تعالى – أن البلاد لم تحد عن هذه الجادة ، على الرغم من كل الأحداث والمتغيرات والتقلبات السياسية والتيارات والمذاهب والأيدلوجيات التي هبت على هذا العالم خلال خمسين عاماً مضت .

ذلك أن التزام أبناء الملك عبد العزيز –رحمه الله– بهذا المنهج القويم لم يكن محل اختيار أو مراوحة لأسباب عدة :

أولاً : أن الهدف من قيام المملكة العربية السعودية كان هو تصحيح الأوضاع العقدية بعدما شابها من شوائب الجهل والتخلف والتفكك والانقسام والتمزق والرعب الذي ساد الجزيرة العربية وضرب بأطنابه في أرجائها .

ثانياً : أن المملكة العربية السعودية تضم أقدس البقاع وأطهرها ، وتتشرف بخدماتها والقيام عليها ، وتتحمل مسؤولية تيسير أسباب الوصول إليها ، وخدمة المسلمين الذين يأتونها من كل مكان .

ثالثاً : أن المسلمين في كل مكان من هذا العالم ينظرون إلى هذه البلاد على أنها مهبط الوحي ، ومآزر النبوة ، ومصدر الإيمان ، ومحور الوحدة والتلاحم بينهم ، ومن ثمَّ يجدون فيها الآمال والقوة والخير والطمأنينة .

رابعاً : أنه لا يوجد بلد في العالم عليه من المسؤوليات وله من الاحترام والتقدير والمحبة لدى الشعوب المؤمنة ما لهذا البلد ؛ لما توافر له من خصائص ومميزات ، وما استقام فيه من عدل واطمئنان ، بفضل التطبيق الشامل لأحكام الشرع ، والامتثال لأوامر الله ، واجتناب نواهيه([8]) . وإذا كان الأمر كذلك ، فهل يستغرب أن يكون الإسلام هو المصدر الوحيد الذي تستمد منه هذه الدولية الشرعية ، ويصبح مصدر قوتها ، وتمسك شعبها ، ومبعث الخير العميم الذي يتفجر في أنحاء أرضها؟

إن الذين يعرفون هذه المنطقة قبل مائة عام ، ثم تابعوا مسيرة هذه البلاد منذ وحدها الملك عبد العزيز – رحمه الله – حتى اليوم يدركون حقيقة الأمن والاستقرار الذي تنعم به ، بل ويجدون تعليلاً منطقياً سليماً للسلام النفسي والاجتماعي الذي يخيم على ربوعها ، ويميز حياة شعبها عن كثيرٍ من الشعوب القلقة وغير المستقرة ، أو البائسة واليائسة بفعل تحياة الخوف والهلع والدمار والاضطراب ، نتيجة البعد عن أوامر الله ، وعدم التزامها بتطبيق شريعته الخالدة .

أما كيف تحقق كل هذا ؟ ! فإن نظرة سريعة إلى الأنظمة والممارسات العامة داخل هذه البلاد توافر إجابة دقيقة على الكثير من التساؤلات التي تبحث عن أسباب النعم الكثيرة التي تحياها المملكة العربية السعودية ، ويتمتع بها المواطن والمقيم والوافد إليها بفضل الله تعالى .

فالمحافظة على القيم الإسلامية ، وتطبيق شريعة الله وترسيخها ونشرها ، والدفاع عن الدين والوطن ، والمحافظة علي الأمن والاستقرار الاجتماعي للبلاد كلها دعامة التنمية في المملكة ومنبع الاستقرار فيها .

أما بالنسبة للسياسة التعليمية في المملكة فإن أهم شئ نحرص عليه في سياستنا التعليمية هو تنشئة الأجيال على الأسس الدينية وربطهم بتاريخ الإسلام وعظمته([9]) .

ويكفي أن نشير الآن إلى أن لدينا سبع جامعات تركز ثلاث جامعات منها على الدراسات الإسلامية والشرعية ، وهي منارا ت للعلم والهدى ، وهي: الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة ، وجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية في الرياض ، وجامعة أم القرى في مكة المكرمة ، فضلاً عن التخصصات العلمية المماثلة في بقية الجامعات الأخرى ، وكذلك عشرات المعاهد والكليات المنتشرة في مختلف أنحاء المملكة .

كما تلتزم السياسة الإعلامية بالأهداف والمبادئ والمنطلقات نفسها حيث : تنبثق هذه السياسة من الإسلام الذي تدين به الأمة عقيدة وشريعة ، وتهدف إلى ترسيخ الإيمان بالله –عز وجل– في نفوس الناس ، والنهوض بالمستوى الفكري ، والحضاري والوجداني للمواطنين وإلى تعميق فكرة الطاعة لله و لرسوله وأولى الأمر ، كما تستمد الأنظمة المالية والتجارية والاقتصادية في المملكة مضامينها من الشريعة الإسلامية الخالدة في إداراتها لمسؤولياتها ونهوضها بمختلف النشاطات .

" وجاءت أنظمة الحكم والشورى والمناطق الصادرة بتاريخ 27/8/1412هـ لتؤكد تصميم المملكة العربية الســعودية على استمرارها ، في تمسكها الشديد بالعمل في ضوء شريعة الله ، وهدي نبيه الكريم e "([10]) .

يقول خادم الحرمين الشريفين: " إن دستورنا في المملكة العربية السعودية هو كتاب الله الكريم الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ، وسنة رسوله e الذي لا ينطق عن الهوى ، ما اختلفنا في شئ إلا رددناه إليهما ، وهما الحاكمان على كل ما تصدره الدولة من أنظمة ... إننا ثابتون – بحول الله وقوته – على الإسلام ، نتواصى بذلك جيلاً بعد جيل ، وحاكماً بعد حاكم "([11]) .

إن المملكة العربية السعودية كانت وما زالت وسوف تستمر –بإذن الله تعالى– دولة قيم ومبادئ أخلاقية إنسانية ، ونموذج عدل وسلام ومحبة ووئام ، وهو ما جعلها باستمرار مرشحة للمزيد من التفوق والنهوض والاستقرار ؛ لأنها لا تعاني من اختلاف في الموازين والمقاييس ، كما أنها تنطلق في ممارستها من نهج واضح وقويم ، وليس بإمكان أي أحد أن يزايد عليها فيه ، أو يدفعها إلى الخروج عليه ، أو العمل بعيداً عنه وفي الوقت نفسه فإنها لا تتردد لحظة واحدة في مراجعة أنظمتها ، وتجاربها والاستفادة من كل معطى إنساني أو حضاري ينسجم مع ثوابتها ، ويوفر لها فرص العيش في قلب العصر بكل خصائصه المفيدة والمثمرة والبناءة .

وفق الله قادة هذه البلاد لكل خير ، ووقاهم شر المغرضين والحاسدين ، ورد كيد أعدائهم في نحورهم إنه نعم المولي ونعم النصير .

 

ب – سمات الرسالة الدعوية بالمملكة وأهدافها([12]) :

للدعوة بالمملكة سمات واضحة ، وأهداف نبيلة نجملها فيما يأتي :

 

1-  محاربة البدع والقضاء على الوثنية العقدية :

كان أول واجب من واجبات العاملين في مجال الدعوة الإسلامية وخاصة في المملكة العربية السعودية هو الهجوم على الوثثنية العقدية والشرك الجلي من عبادة غير الله ، وتقديم النذور والقرابين لأصحاب القبور والصالحين ، وهذه ذيول منتشرة في كثير من بقاع العالم ، وتخلو منها المملكة العربية السعودية .

2-  صيانة الحقائق الدينية والمفاهيم الإسلامية من التحريف  والتخبيط :

كذلك كان من أولويات الدعوة في المملكة صيانة الحقائق الدينية والمفاهيم الإسلامية من التحريف والتخبيط ، فإن التوحيد الخالص هو جوهر هذه العقيدة ، وروح الإسلام كله .

3-  الجد والاجتهاد في عرض حقائق الإسلام ودرء الشبهات عن رجال الدعوة في المملكة خاصة ، وفي العالم عامة :

إن الدعاة بالمملكة جدوا في أن يعرض الإسلام على أنه لا خيار لأحد في الأخذ به أو رده ، بل هو الصراط المستقيم ، وغيره هو الضلال المبين ، وأن الدعوة إلى الإسلام لا تعني الدعوة المجردة إلى فضائل الإسلام ومحاسن عقيدته وشريعته وبيان فساد  ما يخالف هذه العقيدة من حقائق وتصورات وشرائع ، بل يشمل أيضاً الدفاع عن حملة هذا الدين ، وتصحيح مواقفهم ، وتبرير أعمالهم بالحق لا بالباطل ، وفضح مخازي أعدائهم ، وكشف ألاعيبهم ، وتفنيد افتراءاتهم .

4-  الدعوة بالحكمة :

الدعوة إلى صراط الله المستقيم وهو الإسلام دين الله الحق بالحكمة والموعظة الحسنة، محل الدعوة التي بعث الله بها نبيه محمد e  ، فهم لا يدعون إلى مذهب فلان ولا إلى رأي فلان ، بل يدعون إلى صراط الله المستقيم ، وهو ما دل عليه الكتاب والسنة المطهرة ، وعلى رأس ذلك الدعوة إلى العقيدة الصحيحة ، وإخلاص العبادة لله وحده ، والإيمان باليوم الآخر ، وبكل ما أخبر الله به ورسوله e ، وبهذه الحكمة الدعوية التي تتكئ على الرفق والصبر والعزيمة ، وتدعو الناس بالرسائل والمكاتبات والسلوك العملي إلى توحيد الله والإخلاص له ، وإقامة العبادات ، ويدخل في ذلك الدعوة إلى الجهاد في سبيل الله ، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وقيادة الناس وتوجيههم إلى الأخذ بما شرع الله في الطهارة والصلاة والمعاملات والنكاح والطلاق والجنايات والنفقات والحرب والسلم ، حيث إن هذا الدين شامل ، يدعو إلى مكارم الأخلاق ، ومحاسن الأعمال ، وينهى عن سفاسف الأخلاق وسيء الأعمال([13]) .

5-  إصدار الفتاوى وتبصير الناس بأمر دينهم :

الدعوة بالموعظة والمجادلة  بالتي هي أحسن وتعظيم أمر  الله والإحسان إلى عباده وإصدار الفتاوي ؛ لأن مرتبة الافتاء ، هي القدرة على تبصير الناس بالحلال والحرام ، وما يجوز وما لا يجوز في أمور الدين ، وإنها لمرتبة عالية بلغها بعض الدعاة ، وبعضهم تدرج مترقياً فيها حتى وصل إلى درجة الاجتهاد المطلق([14]) ، أو المقيد([15]) .

وقد كان ولا يزال للدعاة والمفتين نصيب كبير في نشر الدعوة ، وتصحيح العقائد، وربط الناس بالدين في أمور معاشهم ، وفي شتى مجالات حياتهم الأسرية ، والاجتماعية ، والاقتصادية .

6-  نصيحة ولاة الأمر :

الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، والمواعظ العامة التي تلقى على عامة الناس ، والإمامة ، والخطابة ، والتأليف ، ونشر عقيدة السلف الصالح ، وشرح مبادئ الدعوة السلفية للحجاج وغيرهم ، وطباعة الكتب وتوزيعها مجاناً ، وتسخير كل الأجهزة والقطاعات والمؤسسات لخدمة الدعوة السلفية والشفاعة لأهل الحاجات لدي ولاة الأمر وغيرهم ، وتيسير جميع الوسائل المعينة على ذلك قولاً وفعلاً ودعماً وغير ذلك كثير من السمات الدعوية التي تتميز بها الدعوة بالمملكة .


 

الفصل الأول

المكانة الدينية للمملكة

ويشتمل على :

أ‌-           تطبيق الحدود الشرعية .

ب‌-       الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر . 

جـ- رعاية الحجاج وخدمتهم .

د  - العناية بالحرمين الشريفين . 

هـ - مكانة علماء المملكة في نفوس المسلمين . 

           أ‌            تطبيق الحدود الشرعية :

" الشريعة الإسلامية تدعم مقاومة المجتمع لبواعث الجريمة ، ودوافع الانحلال ، وتكبح جماح نوازع الشر الكامنة في النفس الأمارة بالسوء ، وإقامة الحدود جزء من الشريعة الإسلامية .

وقد قرر الإسلام عقوبات رادعة جاءت مفصلة لعدد من الجرائم ، وهي : الردة، وقتل النفس ، والزنا ، والقذف ، والسرقة ، وقطع الطريق ، وشرب الخمر ، وتركت الجرائم الأخرى للقاضي يقدر عقوبتها . هذه تسمي : جرائم التعزير , ومن المعلوم أنه يوجد ارتباط وثيق بين تطبيق الحدود الشرعية وبين استتباب الأمن واستقرار الأمر ، ولهذا كانت الاضطرابات والخلافات السياسية التي وجدت في شبة الجزيرة العربية حيناً من الدهر سبباً في اضطراب الحدود ، فشاع القتل والسلب ، وتفشى الجهل، وسادت العادات والتقاليد البالية ، وساء فهم أحكام الدين ، وساد التعصب للموروث من قيم وعادات وتقاليد لا تتفق وقواعد الشرع الحنيف ، وكان للمملكة من ذلك أوفر الحظ والنصيب "([16]) .

ولما أذن الله للظلام أن ينقشع ، وللنور أن يتجلى من جديد ، بدأ الملك عبد العزيز – رحمه الله – مسيرة التوحيد في البلاد على هدي الشريعة الإسلامية العادلة فقضى على الجريمة وأسبابها ، ونشر الطمأنينة ، ووضع النواة الأولي لمجتمع إنساني جديد قاده بحركة إصلاح كبيرة ، وشاملة ، ولم يكن يهدف من وراء ذلك الحزم في تطبيق الحدود الشرعية سوي تطهير المجتمع من أدران الرذيلة ، وإقامة الأمن وتوطيده ، بنشر قواعد الشرع الحنيف ، وتنفيذ أحكامه تنفيذاً لا يعرف الهوادة ولا التردد ، ولا المحاباة ، ولا التمييز ، وليس أدل على ذلك من إقامة الحدود بعد صلاة الجمعة مباشرة في ساحة عامة أمام أكبر المساجد في ذلك البلد المقام فيه الحد ، وبذلك تناقصت معدلات الجريمة ، بل وانعدمت في بعض الحدود ، بتوفيق الله تعالى .

" وطبقاً لنصوص النظام الأساسي للحكم ونظام القضاء فإن القاعدة العامة التي أقيمت عليها المملكة العربية السعودية هي أن القضاء والأحكام يتم طبقاً للشريعة الإسلامية ، والكل سواسية أمام حكم الشرع وأمام القضاء ، وحق التقاضي مكفول بالتساوي للمواطنين والمقيمين في المملكة على حد سواء "([17]) .

وهكذا تحقق للمملكة بل وللجزيرة ما كانت تفتقده من الأمن والأمان والرخاء والاستقرار ، واستطاع عبد العزيز أن يقيم للعالم مثالاً حياً لصلاحية تطبيق أحكام الشريعة الإسلامية في القرن العشرين ، وها هي ذا المملكة العربية السعودية تقف اليوم شامخة بفضل تطبيق أحكام شرع الله ورعاية حدوده في أرضه ، فلله الحمد والمنة .

وأسجل بهذه المناسبة الحقائق الآتية([18]) :

الحقيقة الأولى :

هي أنه ربما يخيل لبعض الجهلة بأحكام الشريعة أو لمكابرته ومعاندته أن العقوبات في الإسلام قاسية فظة ، وهذه فرية([19]) دندن حولها من وصف بهذا الوصف لسطحية تفكيره أو لتسرعه في الحكم ، فالإسلام يقدر عقوبات رادعة كالجلد وتقطيع الأطراف لفئات شريرة تعطل العمل والإنتاج ، وفي تطبيق الحدود عليها حفظ لمئات الأرواح وآلاف الأطراف والأيدي سليمة طاهرة عاملة منتجة .

والمملكة العربية السعودية مثال حي وواقع ملموس مشهود في ذلك ، إذ يسير فيها الراكب من أدناها إلى أقصاها ولربما لا يرى فيه مشوهاً واحداً أو مكسحاً أو مقطوعاً ليس ذلك لأنهم لا يقيمون للحدود وزناً كلا كلا ، بل إن إقامتهم للحدود قد حالت بين الناس و الجرائم التي تقام بسببها الحدود .

الحقيقة الثانية :

هي أن الحدود تنفذ في مجتمعنا بحمد الله ، وهو قائم على أصول الإسلام ، الحياة فيه منظمة ، والأسس والمناهج منسجمة مع ما قرره الإسلام في تنظيم الحياة ، إننا نعم ننفذ الحدود والعقوبات في مجتمع نظيف لا تخرج فيه النساء متبرجات في الطرقات ، ولا توجد فيه الصور العارية أو الملاهي المثيرة ، وتتوزع فيه الثروة توزيعاً عادلاً ، ويتوافر فيه للناس جميع التسهيلات والتيسيرات التي يؤمن معها وقوعهم في الأخطاء وارتكابهم للمحرمات بتوفيق الله تعالى .

الحقيقة الثالثة :

أن العقوبات في المملكة لا تنفذ جزافاً أو اعتباطاً ، بل إن تنفيذها ينسجم مع قواعد الإسلام من حيث الدقة في شروط الإثبات ، وكفالة حق الدفاع ، ومرور مدة من الزمن لإجراء التحقيق قبل إقامة الحد ، وسعي القضاة لدرء الحد ، وبعد ذلك لا قبله تطبق العقوبة الرادعة على شخص لا يدفعه إلى جريمته مسوغ معقول .

الحقيقة الرابعة :

بهذا الحزم الصارم والإيمان الكامل أصبح الناس في المملكة بحمد الله ينامون ملء جفونهم ، ويغدون ويروحون ليالي وأياماً آمنين ، ويتركون أمتعتهم وبضائعهم في الحوانيت ، ويتوجهون لأداء فريضة الصلاة دون خوف من عبث العابثين أو سطو الطامعين ، وهذا من ثمار بركات تطبيقهم لشرع الله تعالى .

الحقيقة الخامسة :

أن نظاماً كهذا يقوم على تطبيق أحكام الله ، وحكومة عادلة كهذه تنفذ شريعة الله يدان لها بالولاء والطاعة ، كيف لا ؟ ومناهجها إسلامية منبثقة عن إرادة المسلمين، والمسلمون فيها تطلعاتهم وآمالهم منسجمة مع الإسلام ، وخاضعة لحكم الله في أي قضية من القضايا ، وهذه الحكومة المسلمة شريعتها شريعة الله ، وسنتها سنة رسول الله e ، تعمل لتوحيد أمة الإسلام وتعبئ نفسها تعبئة جهادية للقيام بما تقدر عليه من أمر الجهاد لتوحيـــد المسلمين ، وجمـــع كلمتهم ، وهذه الحكومة علامتها في كتاب الله تعالى – ما ذكره الله بقوله : {وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ (40) الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوْا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنْ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ}([20]) .

الحقيقة السادسة :

أن حكومة كهذه مدعوة إلى أن تثبت  وجودها في كل ميدان من ميادين التشريع الإسلامي ، كما أن عليها –دولة وشعباً وحكومة– يقع واجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، فتحث على الفضيلة وتدعو إليها ، وتحمل عليها ، وتعمل بها ، وتستنكر الرذيلة وما يحرض عليها وما يغري بها ، ولا بد أن تتجنب المفاسد التي تنخر في عظامها، فتنشر الأثرة في كيانها ، وتثير الشهوات في أركانها ، وعلى كل مسلم يعيش في كنف مثل هذه الحكومة أن يكون لديه الإحساس والشعور بالمسؤولية .

قال عمر بن عبد العزيز ([21]) – رحمه الله  – في تفسير قوله تعالى : { وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنْ الْمُنْكَرِ ...} الآية . قال – t