المقدمـــة :

تنطلق الأهمية الإستراتيجية للمملكة العربية السعودية من عدة محاور ، منها: مكانها المتميز في موقع يحتل مركز الصدارة في التأثير في حضارة العالم كله وعلى الأمن العالمي ، وثقلها السياسي والدبلوماسي ، وثرواتها الكامنة .

وقبل هذا فإن هذه البلاد الطاهرة تتميز عن غيرها من بلاد المسلمين بأنها مؤتمنة على أطهر بقاع الأرض مكة المكرمة والمدينة المنورة ، ومقتضى هذا التميز أن يكون عطاء الوطن وقيادته في مستوى تطلعات المسلمين ومراقي أمانيهم ، بل تلمس معاناتهم وسماع أصواتهم أينما كان موقعهم على ظهر البسيطة .

يقول المستشرق الأمريكي ( جورج سارتون ) الأستاذ بجامعة هارفارد المتوفى سنة 1956م : ( سبق للعرب أن قادوا العالم في مرحلتين طويلتين من مراحل التقدم الإنساني طوال ألفي سنة على الأقل قبل أيام اليونان ، ثم في العصور الوسطى مدة أربعة قرون تقريباً ، وليس ثمة ما يمنع هذه الشعوب من أن تقود العالم ثانية في المستقبل القريب أو البعيد ).  

وفي عصرنا الحاضر تحمل الدولة السعودية المباركة لواء الدفاع عن حقوق المسلمين وأمانيهم ، وقد أبانت عن قوة التزامها بهذا الواجب من خلال قيام  الملك عبدالعزيز –رحمه الله – بتوحيد المملكة ، وقد أدرك بثاقب بصره وبعد تفكيره أهمية الوحدة الإسلامية في بناء دولة قوية يُرهب جانبها ، وتُحترم كلمتها ، وتقام على أساس متين من شرع الله ، وجسَّد منهجه في الحكم في كلماته التي يقول فيها : ( إنني خادم هذه البلاد لنصرة هذا الدين وخادم للرعية ، فإذا لم ننصف ضعيفهم ، ونأخذ على يد ظالمهم ،  وننصح لهم ، ونسهر على مصالحهـم ، فنكون قد خُنَّا الأمانة المودعة إلينا ).

لقد حرص الملك عبدالعزيز –رحمه الله– على أن يفيض حكمته التي اغترفها من تجارب كثيرة على أبنائه ، وحرص على أن تكون تلك التجارب قدوة لهم ونبراساً ؛ لأنه كان يدرك أن الدولة ليست ذلك التراب أو تلك الثروة المادية ، بل هي الرجال الذين يقودونها ، ويديرون شؤونها .

 

المبحث الأول : علاقات المملكة بالعالم الإسلامي

أ الثوابــــت :

تنطلق المملكة العربية السعودية في علاقتها بالعالم الإسلامي من قواعد ثابتة، من أهمها:

أولاً: ثقتها بربها الذي اختارها مسؤولةً عن أهم مقدسات المسلمين ، فكان ذلك من أهم الواجبات عليها، تقوم به بأقصى طاقاتها دون كلل أو منّ .

والمملكة العربية السعودية تعرف أن لها خصوصية متميزة ، تنفرد بها بين بلاد المسلمين من جهتين ؛ أولاهما : أن الارتباط بين الدين والدولة بدأ واضحاً منذ نشأة الدولة السعودية واللقاء التاريخي بين الإمام محمد بن سعود والشيخ محمد بن عبدالوهاب، وظل هذا الارتباط قائماً بعد ذلك حتى توج بصدور النظام الأساسي للحكم في عهد خادم الحرمين الشريفين الملك فهد بن عبدالعزيز .

والجهة الثانية : خصوصية تاريخية تتجلى في احتضانها أقدس بقاع الأرض في مكة المكرمة والمدينة المنورة .

ثانياً: ثقتها بنفسها تجاه ما عملته وما سوف تعمله لخدمة المسلمين ورعاية مقدساتهـم دون التدخل في شؤونهم الخاصة ، ومبعث هذه الثقة هو الوضوح في بناء كيان المملكة العربية السعودية على أساس من حبل الله المتين ، والعزم والتصميم من قادتها على سيادة شرع الله .

ثالثاً : ثقتها بفطرة المنصفين المبرئين من الهوى والزيغ على قول الحق والاستماع إلى صوت العقل بما يتفق مع نصوص الشرع الكريم ومقاصده العامة .

ولذا فحين أنجبت نوازع الحسد والشر دعاوى باطلة للانتقاص من المسؤولية السعودية عن الحرمين الشريفين عبر العصور المختلفة لم تدخل القيادة السعودية في مزايدات سياسية مع مروجي تلك الدعاوى والدعايات ، وإنما اكتفت بأن أعادت إلى الأذهان الثوابت التي قامت عليها سياستها.

رابعاً : حرص المملكة العربية السعودية على وضوح أسس العلاقة بينها وبين الدول الإسلامية المختلفة ، وأن رابطة الإسلام هي أقوى روابطها بغيرها وأمتنها.

وتأكيدها في أكثر من مقام وزمان على أن علاقتها بالعالم الإسلامي ليست علاقة مؤقتة بتطورات سياسية عابرة ، وليست علاقة يقصد بها بسط النفوذ والهيمنة باستغلال ظرف معين يعاني منه هذا البلد الإسلامي أو ذاك ، وإنما هي ضرورة وواجب عليها وعليهم جميعاً .

خامساً: العمل الدؤوب من أجل إعلاء شأن القوة الذاتية للمسلمين ، وإيجاد صيغة تعاون بينهم تضمن تحقيق أهدافهم العليا ؛ أي : " إيجاد صيغة إسلامية دولية تصلح للتفاهم والتعاون بين الدول الإسلامية ، وهذه الصيغة تتطلب حساباً ؛ لأنها صيغة شائكة ودقيقة وكثيرة الحرج ، هذه الصيغة تتطلب حساباً إستراتيجياً وسياسياً حصيفاً، حتى تكون صيغة لا يخشاها ذو سلطان على سلطانه من المسلمين ، ولا تثير في وقت مبكر على الأقل حفائز القوى الدولية المعادية أو المتفاهمة أو المحايدة "([1]) .

والشؤون الإسلامية هي الهاجس الأول لقيادة هذه البلاد ، ولاغرو في ذلك فهذه البلاد بحكم موقعها وكونها قبلة للمسلمين كافة تضطلع بمسؤوليات جسيمة، وتحمل عبء هذه المسؤولية بجد وجسارة لاخور فيها ولا تقاعس .

يقول خادم الحرمين : " نحن نريد أن نبرز لإخواننا الآخرين الذين يمكن أن يكونوا متعطشين لمعنى أو مفهوم العقيدة الإسلامية ، ونعتقد أن هناك من العلماء ومن الخيرين الذين يمكن أن يستطيعوا أن يساعدوا المملكة العربية السعودية على مساعدة المسلم ؛ لكي يتفقه في عقيدته الإسلامية الصحيحة ".

ب – الوقائـــع :

أثبتت تجارب التأريخ ومشاهداته أن حماية الحرمين الشريفين وخدمتهما ومنع التعدي عليهما أو على قاصديهما مسؤولية شرعية ، إنما تقع على السلطة السياسية القائمة في البلد الحرام، ولا يجوز تحت أي مسوغ – وإن لبس برقع المصلحة الزائف – مطالبة غير هذه السلطة  بمشاركتها في هذه المسؤولية ؛ لأن الحماية الشرعية الموضوعية كما هو مقتضى السيادة وضوابطها لا يمكن أن تتحقق في الواقع إلا في ظل سلطة سياسية واحدة قادرة على بسط نفوذها على تلك البقاع بما يحقق المصلحة الشرعية من بسط النفوذ ، وبالتالي لا بد أن يترتب لها حق الطاعة على كل مسلم يتوجه بقلبه إلى البقاع الطاهرة، ويهمه أمر حراستها وخدمتها ، مهما كان مكانه من الأرض ، ومهما كان الزمان الذي يعيش فيه وقته .

وفي العهد السعودي الزاهر أصبحت حراسة الحرمين الشريفين وخدمتها بيد دولة تحكم بشرع الله المطهر ، تستمد منه منهجها السديد ، وترعى جانبه في كل تصرفاتها ، فكان أن صرفت الدولة السنية وفقها الله جهوداً كبيرة ورعاية كريمة للحرمين الشريفين لم تشهدها العصور السابقة ، ويسرت سبل وصول المسلمين إليهما ، وأداء عباداتهم فيهما بصورة لم تتحقق لهم في عصور قبلها .

" فاقترن تجديد أمر الدين بقيام الدولة القوية التي تحمي الدين والقائمين بالدعوة إليه، وهي خصوصية تذكر بما اختص الله به هذه البلاد حين وضع أول بيت للناس في مكة المكرمة فيها، وحين أسس الرسول صلوات الله عليه وسلامه دولة الإسلام الأولى في المدينة المنورة "([2]) .

وفي واقع التطبيق بذلت المملكة العربية السعودية جهوداً كثيرة جداً وعوناً مادياً سخياً جداً في سبيل إنشاء المؤسسات والمنظمات الإسلامية ودعمها وتشجيعها كرابطة العالم الإسلامي ومنظمة المؤتمر الإسلامي والبنك الإسلامي للتنمية ؛ لإدراكها أنها الوعاء الأمين لحفظ تطلعات المسلمين وآمالهم في المدى البعيد .

 

المبحث الثاني : الاهتمام بالدعوة الإسلامية

أولاً – الأسس العامة للدعوة الإسلامية في السياسة السعودية :

أ المرتكزات :

مرتكز المملكة العربية السعودية في اهتمامها بالدعوة الإسلامية قائم في معطياته وأهدافه على أساس الاستمداد من الكتاب الكريم والسنة المطهرة على أنهما مصدر التشريع ومنبع الامتثال، وعلى أساس صياغة الإنسان وصيانته بالإسلام والإيمان والإحسان .

ب – المنطلقات :

ومنطلق المملكة العربية السعودية في اهتمامها بالدعوة الإسلامية نابع من خيارات متفوقة وحقائق راقية وقواعد ثابتة، تعتمد على تحصيل المصالح والترغيب فيها ودرء المفاسد والتحذير منها ، وإشاعة الفضائل الخلقية والحض على السعي إليها ، وبتر الرذائل والدعوة إلى القضاء عليها، والعدل والإحسان مع القريب والبعيد ، يقول الله سبحانه وتعالى : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى }([3]) .

ج – الأهداف والمناهج :

تضع المملكة العربية السعودية في قائمة أولياتها تحقيق الأهداف الإسلامية بواسطة مناهج علمية؛ لأن الدعوة الإسلامية دعوة هادفة مثمرة ، تسعى إلى تحصيل الخير للمجموع البشري، بل للكائنات الحية كلها بالعدل والإحسان ؛ أي بالتوازن في علاقة الإنسان بربه وبأخيه الإنسان وبالكون ؛ فعلاقته مع ربه علاقة توحيد وعبادة ، وعلاقته مع أخيه الإنسان علاقة مودة وتراحم ، وعلاقته بالكون علاقة إحسان .

ثم إن الهدف السامي لابد أن يؤازره منهج صحيح لضمان تحقيق أكبر قدر من النجـاح من مراعاة حال المدعوين من حيث المستوى الثقافي والاجتماعي ، وتحريك مشاعرهم نحو الاستفادة مما فيهم وحولهم من آيات الله في الإنسان والكون والحياة ، ومعرفة مصطلحات الواقع ؛ حتى لا يتسلق بدهياته ، فيكون مثاراً للسخرية والإنكار، وأن يخطط لدعوته بروية وتفكير بحثاً عن أقصر الطرق وأنفعها، وأن ينظر لظروف الزمان والمكان بعين بصيرة ، فلا يزرع الشيء في غير موسمه ، أو يطلب حصاده قبل أوانه.

ثانياً – التطبيـــق :

الدعوة الإسلامية من ركائز السياسة السعودية في كل العصور ، أكد هذه الركيزة مؤسس هذه البلاد الملك عبدالعزيز ، رحمه الله ، وجعلها سبباً للعزة والفخار بقوله : " ثم إن الغاية من هذا الاجتماع هي التعارف والتآلف ، لعل الله أن يوفقنا بذلك لخدمة الدين ونشر حقيقته ، وبهذا وحده ننال العز والفخار في الدنيا والآخرة ، وثقوا بأن الله يؤيد من يعمل ويسعى في هذا السبيل"([4])  .

وجاء الملك سعود – رحمه الله – ليطبق الدعوة في الواقع ، فمارسها بنفسه مخاطباً أهالي كراتشي بقوله : " إن الأمن والسلام الذي يرفرف على بلادي لم يكن إلا نتيجة لطاعة الله، والسير على هدى كتابه وسنة نبيه الكريم e ، والتمسك بأحكام الشريعة وأوامر الله ، وإني لوثيق الأمل بأن مندوبيكم بالجمعية الدستورية سيعملون على وضع دستور لباكستان ، قوامه تعاليم القرآن الكريم وأحكام الشريعة الإسلامية ، وذلك مما سيجعل طريقكم سهلاً ميسوراً ، ويجنبكم المتاعب الاجتماعية والاقتصادية ، ويحل مشكلاتها ... "([5])  .

وأبان الملك فيصل – رحمه الله – عن أهداف سياسة المملكة العربية السعودية في الدعوة الإسلامية، فقال : " ليس لنا أي هدف ولا أي غرض في دعوتنا الإسلامية  سوى أن تكون كلمة الله هي العليا ، ودينه هو الظاهر ، وأن يتعاون المسلمون فيما بينهم فيما فيه صالحهم ورفع مستوى شعوبهم وتعاونهم الأخوي في كل مجالات الحياة من اقتصادية واجتماعية وثقافية"([6])  .

وكان عهد الملك خالد – رحمه الله –امتداداً للعهود السابقة ، فجاءت جولاته في العالم الإسلامي تحمل الطابع الدعوي الذي يميز سياسة هذه البلاد .

وفي عهد خادم الحرمين الشريفين الملك فهد بن عبدالعزيز وبعد أن اتسعت علاقات المملكة العربية السعودية بدول العالم أصبح التخطيط الذي تحرسه وسائل يتعدى نفعها ويعم أثرها ضرورة للدعوة الإسلامية في ظل التقدم العلمي والانفتاح على حضارات العالم .

وقد أكد ذلك خادم الحرمين الشريفين بقوله : " المملكة العربية السعودية هي واحدة من دول أمة الإسلام ، هي منهم ولهم ، نشأت أساساً لحمل لواء الدعوة إلى الله، ثم شرَّفها الله بخدمة بيته وحرم نبيه ، فزاد بذلك حجم مسؤوليتها ، وتميزت سياستها ، وتزايدت واجباتها ، وهي إذ تنفذ تلك الواجبات على الصعيد الدولي إنما تتمثل ما أمر به الله من الدعوة إلى سبيله بالحكمة والموعظة الحسنة "([7])  .

 

المبحث الثالث : الاهتمام بالأقليات المسلمة

أولاً نشأة الأقليات الإسلامية :

من فضل الله تعالى على المسلمين أن جعل الإسلام ديناً عالمياً للناس كافة ، وجعل نبيه  e خاتم الأنبياء والمرسلين ، وفي عصر الخلافة الراشدة وما بعده امتدت الفتوح الإسلامية إلى دول كثيرة  في مناطق متعددة ، ووصل الإسلام إلى مناطق أخرى عن طريق التجار المسلمين .

وكانت سهولة تعاليم الإسلام ووضوحها وموافقتها لفطرة الإنسان سبباً لأن يؤمن كثير من الناس بهذا الدين ، يقول توماس أرنولد([8]) : " كان المثل الأعلى الذي يهدف إلى أخوة المؤمنين كافة في الإسلام من العوامل القوية التي جذبت الناس بقوة نحو هذه العقيدة "([9])  .

ويقول : هنري دي كاستري([10]) : " نعتقد أن استطلاع حال هذا الدين في العصر  الحاضر لا يبقي أثراً لما زعموه من أنه إنما انتشر بحدّ الحسام ، ولو كان دين محمد e انتشر بالعنف والإجبار للزم أن يقف سيره بانقضاء فتوحات المسلمين ، مع أننا لا نزال نرى القرآن يبسط جناحيه في جميع أرجاء المسكونة"([11])  .

وبذلك تكونت جماعـــات مسلمة في جميـــــع قارات العالم ، غير أن بعضــــهم – لقلتهم أو بسبب ديانتهم – تعرضوا لمحاولات التنصير أو التجهيل أو الضغط الاقتصادي، أو تغذية عوامل التفرقة القبلية([12])  .

فكان من حقهم أن يحظوا برعاية إخوانهم المسلمين في الدول الإسلاميـة واهتمامهم وعونهم، ناهيك عن الدولة التي كرمها الله برعاية مقدسات المسلمين .

فلا عجب أن تمتد أغصان شجرة الرعاية السعودية المباركة للمسلمين في كل صقع من الأرض ، تشعرهم بأخوة الإسلام ، ولتصل إلى كل مسلم تقرحت أحداقه بالشكوى الباكية ، أو أترعت مشاربه بالمهانة المؤلمة ، أو أشبع ظهره بسياط الظلم القاهر، وحيثما كان موقعه في هذا العالم مترامي الأطراف .

ثانياً –  علاقة الدولة السعودية بالأقليات الإسلامية :

بادر الملك المؤسس عبدالعزيز – رحمه الله – بغرس شجرة الرعاية السعودية للمسلمـين منذ اللحظة الأولى في سعيه لاسترداد ملك آبائه ، وحين دخل الحجاز ووطد ملكه فيها أعلن في حج عام 1371هـ عن إلغاء الرسوم التي كانت تؤخذ من الحجاج ، رغم حاجة الدولة السعودية الناشئة إلى كثير من الموارد لمواجهة أعباء البناء والتأسيس ولتمويل مشروعاتها وتحقيق طموحاتها .

فكانت هذه المبادرة من الملك عبدالعزيز – رحمه الله – إعلاناً عن رغبته في تقوية روابط الإخاء الإسلامي ، وحرصه على تسهيل فرص اجتماع المسلمين من مختلف أنحاء الأرض على صعيد الأماكن المقدسة التي هي رمز وحدتهم وقبلة عباداتهم بيسر وسهولة .

فلا عجب بعد ذلك إذا صادفت هذه الخطوة المباركة ارتياحاً في العالم الإسلامي عموماً، وعند الأقليات الإسلامية خصوصاً التي يعاني معظمها ظروفاً اقتصادية صعبة، ولا عجب كذلك إذا كان ثناء العالم الإسلامي وشكره وتقديره لفاعلها ثمرة طبيعية لأهميتها([13]) .

وغذَّى الملك المؤسس عبدالعزيز – رحمه الله – شجرة رعاية الأقليات الإسلامية بماء عنايته؛ لتأخذ مساحة أكبـر من اهتمامه وحرصه ، وكان لذلك أثر كبير في نفع الأقليات الإسلامية في العالم ، فصرَّح خلال المأدبة التي أقامها للحجاج الهنود عام 1355هـ عن هذه الرعاية بقوله : "نحب المسلمين جميعاً ، ونرجو لهم الخير والفلاح والسعادة ، ونرجو من الله سبحانه وتعالى أن ينصر دينه ، ويعلي كلمته ، ويجمعنا على كلمة " لا إله إلا الله ، محمد رسول الله " ، إنه سميع قدير" ([14]) .

وظلت الشجرة المباركة يانعة مثمرة في عهود أبناء الملك عبدالعزيز – رحمه الله – إلى عهد خادم الحرمين الشريفين ؛ إذ يندر أن يمر يوم دون أن تنقل وسائل الإعلام خبراً أو أكثر عن صورة من صور الاعتناء بالمسلمين ورعايتهم ، ولاسيما الأقليات الإسلامية .

ثالثاً أسس علاقة الدولة السعودية بالأقليات الإسلامية :

يمكن القول : إنه لا يوجد في سياسات دول العالم ما هو أوضح من سياسة الدولة السعودية؛ نظراً لثباتها ولقيامها على أسس راسخة لا تتغير .

ولذا فإنه في مجال علاقة الدولة السعودية بالأقليات الإسلامية يسهل على كل أحد التعرف على الأسس التي قامت عليها تلك العلاقة التي ظلت صامدة منذ عهد المؤسس الملك عبدالعزيز إلى عهد خادم الحرمين الشريفين ، ويمكن إجمالها فيما يأتي :

1 – قيامها على أساس مبدأ الأخوة الإيمانية ، وما يحمله هذا المبدأ من معانٍ سامية ، وما يمليه من واجبات على أطرافه ، كل بحسبه .

يقول الملك عبدالعزيز – رحمه الله – : " ... وإن قوام الأمر على ما يأتي :

أولاً : الاعتراف بنعمة الإسلام.

وثـــانياً : اتحـــاد المسلمين وتعـــاضدهم واتباع قــولــه تعالى: { وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا }([15]) " ([16]) .

وقد شرح الملك فيصل – رحمه الله – علاقة المملكة العربية السعودية بالعالم الإسلامي والأقليات الإسلامية بقوله : " علاقتنا بإخواننا المسلمين سواء كانوا دولاً إسلامية أو مسلمين في بلد غير إسلامي هي علاقات الأخوة والمحبة ، مع السعي لتوطيد هذه العلاقات التي يفرضها علينا ديننا وشريعتنا "([17]) . 

2– قيامها على أساس النظر إلى الأقليات الإسلامية على أنها عضو من أعضاء كيان الأمة الإسلامية ، لها ما لهم ، وعليها ما عليهم ، والتأكيد على أهمية العمل الجماعي لهؤلاء الأعضاء جميعاً .

يقول خادم الحرمين الشريفين : " المملكة العربية السعودية هي واحدة من دول أمة الإسلام ، هي منهم ولهم ، نشأت أساساً لحمل لواء الدعوة إلى الله ... إن العمل الجماعي هو الصفة المميزة لنجاح الأمة الإسلامية وقدرتها على مواجهة التحديات"([18]) .

 

3 – قيامها على أساس أن نصرة الأقليات الإسلامية وبذل واجب الأخوة الإيمانية لها والسعي لحل مشكلاتها لا يصح أن يكون بالتدخل في الشؤون الداخلية للدول  التي يعيشون  فيها؛ لأن المملكة العربية السعودية لا ترضى أن يتدخل أحد في شؤونها الداخلية ، ولأن النصرة والعمل الجاد يمكن أن يتحقق من غير هذا الطريق الشائك .

وقد أعلنت حكومة المملكة العربية السعودية هذا الأساس في كل عصورها ، وأكَّده خادم الحرمين الشريفين الملك فهد بقوله مبيناً علاقته بالعالم الإسلامي : " سوف نمد أيدينا لهم مثلما مدّوا أيديهم لنا ، ونعد أن علاقتنا بهم هي علاقة متينة وقوية في أي مكان سواء كانوا دولاً أو ملايين البشر في دول غير إسلامية ، مع العلم أننا لن نتدخل في شؤون أي دولة "([19]) .

رابعاً –  نتائج رعاية الدولة السعودية الأقليات الإسلامية([20]) :

لا تستطيع جريدة الحصر أن تحصي الجهود والإنجازات التي قدمتها الدولة السعوديــــة في خدمة الإسلام والمسلمين ؛ لأنها بدأت مع بداية تأسيسها ، وربما أقول إذا توخيت الدقة قبل ذلك ، ولم تتوقــــف لحظة واحـدة ، وتعددت ميادينها ، وتنوعـــت بشكل لا بد أن يستأثر بإعجاب وثناء المنصف المبرأ من رذيلة التعصب الأعمى والحقـــــد الدفين ، فهي لذلك حققـــت نتائج باهرة ، يمكن التنويه إلى أهمها فيما يأتي :

1-   حل قسم كبير من المشكلات الاقتصادية التي كانت تعاني منها كثير من الأقليات الإسلامية بدعم من الدولة السعودية ومتابعتها.

2- نشر العقيدة الصحيحة والعلم الشرعي في كثير من تجمعات الأقليات الإسلامية في قارات العالم ، ومنح قسم منهم فرصاً لتلقي هذا العلم في معاهد وجامعات المملكة بجهود سخية من الدولة السعودية .

1- دوران عجلــة التعمير في عدد من مشروعات التنمية في كثير من الدول الإسلاميـة، وفي بعض التجمعات الإسلامية في الخارج، وفي كثير من المساجد والمراكز الإسلامية المتكاملة وفق أحدث التصاميم ، تقام فيها بدعم الدولة السعودية .

2- قيام بعض الحكومات غير المسلمة بإفساح الطريق أمام الأقليات الإسلامية للمشاركة في الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية في بلدانهم بفضل الدعم والمتابعة مادياً ومعنوياً من الدولة السعودية .

3- يمكن أن يلحق بالأقليات الإسلامية الدول الإسلامية الفقيرة ؛ إذ رسَّخت الدولة السعودية في الأذهان أهمية رعاية واجب الأخوة الإيمانية وفائدة التكافل بين الدول الإسلامية كما هو بين الأفراد ، فأسقطت في المؤتمر الإسلامي المنعقد في عاصمــة السنغال داكار عام 1991م القروض الميسرة عن الدول الإسلامية الفقيرة .

 

المبحث الرابع : الدعوة إلى التضامن الإسلامي

أولاً – أهداف الدعوة إلى التضامن الإسلامي ، ودوافعها :

حرصت المملكة العربية السعودية على التأكيد أكثر من مرة في أكثر من مناسبة على أن هدفها من الدعوة إلى التضامن الإسلامي هو جمع كلمة المسلمين في ظل الهدف الأسمى للدين الإسلامي ، وأكدت أنها لا تسعى من وراء دعوتها هذه إلى السيطرة أو بسط النفوذ أو مسايرة تطور سياسي طارئ أو استغلال ظرف معين .

وفي مجال الدوافع يمكن الإشارة في هذا الصدد إلى أهم دافعين أدَّيا إلى انطلاق دعوة التضامن الإسلامي من المملكة العربية السعودية :

أولهما : أن الدولة السعودية قامت منذ يومها الأول على أساس ديني مستمد من كتاب الله تعالى ومن سنة نبيه e ، ولاسيما بعد أن دخل الملك عبدالعزيز رحمه الله – مكة المكرمة ، فأصبحت مقدسات المسلمين تحت مسؤوليته ، مما جعل مهمة الدولة السعودية في جمع كلمة المسلمين وتحقيق وحدتهم واجباً لا يصح التخاذل عن الوفاء به .

وثانيهما : إدراك مؤسسها الملك عبدالعزيز – رحمه الله –وأبنائه من بعده أثر القيادة في الأخذ بيد الأمة نحو تحقيق غاياتها العليا ، مما استوجب العمل على جمع كلمة قيادات الدول الإسلامية إلى ما فيه خير أوطانهم وأمتهم ، وذلك ما كرره كثيراً الملك المؤســـس عبدالعزيز – رحمه الله – في أكثر من مناسبة ، بل في كل مناسبة .

يقول الملك عبدالعزيز – رحمه الله – : " وكل ما ندعو إليه هو جمع كلمة المسلمين واتفاقهم ؛ ليقوموا بواجبهم أمام ربهم وأمام بلادهم ، والذي نُشْهِدُ الله عليه ونحن أوسطكم في الإسلام وأوسطكم في العروبة أننا ما ننام ليلة إلا وأمر جميع المسلمين يهمنا ... تهمنا حالتهم ، ويهمنا أمرهم ، ويزعجنا كل أمر يدخل عليهم منه ذلٌّ أو خذلان ؛ لأننا نرى أنهم منا ، ونحن منهم ، كما تهمنا جميع بلاد المسلمين ، وإننا نرجو الله أن يوقظ المسلمين من غفلتهم ؛ ليتعاضدوا ويتعاونوا "([21]) .

وقد عمل الملك سعود رحمه الله على تأكيد عنايته بما نذر والده المؤسس نفسه له بقولـه : " فليس لنا ولا لكم أي غاية خاصة ولا منفعة شخصية فيما ندعو إليه ونسعى له غير جمع كلمة المسلمين عامة في مشارق الأرض ومغاربها على الحق، وأن يكونــــوا إخواناً متحابين في الله ، وأن يكونوا كالبنيان المرصوص والجسد الواحد {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً}([22]) . 

هذا الهدف هو هدفنا ، وهذه الغاية هي غايتنا ، وذلك المبدأ هو مبدأنا ، نوصي به أنفسنا ، وندعو إليه إخواننا ، ونبتهل إلى الله تعالى المطلع على خائنة الأعين وما تخفي الصدور أن يحقق آمالنا وأهدافنا لكل ما فيه خير المسلمين كافة ، وأن يوحد قلوبنا، ويجمع صفوفنا، ويلم شعثنا وكلمتنا في كل ما فيه خيرنا جميعاً وعزنا واستعادة أمجادنا الخالدة التالدة في التاريخ بين أمم الأرض "([23]) .

وفي عهد الملك فيصل – رحمه الله – أصبح للدعوة إلى التضامن الإسلامي صوت مسموع في العالم كله ، يقول عنها : " نحن مع إخواننا المسلمين في كل قطر وفي كل مكان ، ونسعى بكل ما أوتينا من قوة لتوحيد صفوف المسلمين ، وزيادة التقارب بينهم ، وإزالة كل ما يشوب علاقاتهم من خلافات أو توترات "([24]) .

ويقول عن دعوته للتضامن الإسلامي تحديداً : " إن الدعوة إلى تآخي المسلمين ، وإلى تقاربهم وإلى تعاونهم ليست ملكاً لي وحدي ، ولكنها فريضة على كل مسلم ومسلمة ، وإنني إذا كنت أتشرف وأعتز بأنني أحد المسلمين الذين يدعون إلى تقارب المسلمين وتحابهم فإنني أعدّ هذا أعظم فخر وشرف لي "([25]) .

وفي سبيل التضامن الإسلامي رعى الملك خالد – رحمه الله – المؤتمر الإسلامي الثالث المنعقد بجوار بيت الله الحرام في مكة المكرمة والطائف عام 1401هـ ، " فانبثق عن المؤتمر برعايته بيان مكة التاريخي، ولجنة المساعي الحميدة؛ لإنهاء الخلافات بين بعض الدول الإسلامية لتوحيد صفوفها للانطلاق نحو ما فيه خير المسلمين وسؤددهم"([26]) .

وأكَّد خادم الحرمين الشريفين الملك فهد بن عبدالعزيز حرصه على التضامن الإسلامي ، فقال: " وأنتم تعلمون –أيها الإخوة– كيف انطلقت من هذه الديار المقدسة في المملكة العربية السعودية دعوة التضامن الإسلامي، فثار ضدها الشرق والغرب، حاولوا وأد الفكرة في مهدها، ولكن عزيمة المخلصين من قادة المسلمين مكنتنا، فأنشأنا منظمة المؤتمر الإسلامي والمؤسسات والهيئات التي تنبثق منها أو تعمل لتحقيق أهدافها ، وهذه هي الدائرة التي نمارس الآن نشاطنا الإسلامي داخلها، وهي لا تقل أهمية أو قوة عن دائرة الأمــة العربية ، فالإسلام عزُّنا ، والمسلمون سندنا وعمقنا الإستراتيجي "([27]) .

ثانياً التطبيق ووسائله :

حملت المملكة العربية السعودية على عاتقها عبء مسؤولية الدعوة إلى التضامن الإسلامي انطلاقاً من الدوافع التي بينتها في مطلع هذا المبحث ، وقد مارست المملكة هذه المسؤولية من خلال عدة محاور ، من أهمها :

1-    بيان ضرورة التضامن للعالم الإسلامي ، وإيضاح أهداف الدعوة إليها ودوافعها في المناسبات المختلفة ، وإقناع غير المسلمين بأن هذه الدعوة ليست من قبيل الأحلاف الموجهة ضد الآخرين ؛ لأنها تهدف إلى جمع كلمة قادة المسلمين وإسعاد شعوبهم ، وليس العدوان على أحد ، كما هو واضح من أقوال الملك عبدالعزيز والملك سعود – رحمهما الله – عن أهمية التضامن للمسلمين في مطلع هذا المبحث .

2-    إنشاء المنظمات والمؤسسات الإسلامية السياسية والاقتصادية ؛ لتكون وعاءً يحمل تطلعات المسلمين بتنظيم يطول أمده ، ويتسع أثره ، كما هو واضح من كلام خادم الحرمين الشريفين السابق ذكره قريباً .

3-    الدفاع عن قضايا المسلمين في المحافل الدولية والإقليمية وفي الزيارات الرسمية وعلى صعيد العلاقات بين المملكة العربية السعودية وبين الدول الأخرى . وللتعرف على أهمية هذا المنشط يذكر أن زيارات الملك فيصل – رحمــه الله – اكتسبت أهمية قصـوى في هذا المجال ؛ لما أنتجته من آثار عظيمة لمصلحة الإسلام والمسلمين .

4-    الدعوة إلى عقد المؤتمرات الإسلامية والمشاركة فيها والسعي لإنجاحها وتحقيق أهدافها ، كما هي الحال عند عقد المؤتمر الإسلامي بجوار البيت الحرام في عهد الملك خالد رحمه الله .

 

المبحث الخامس : تبني القضايا الإسلامية ، والدفاع عن حقوق المسلمين

أولاً – قضية فلسطين :

1 – أسباب الاهتمام بقضية فلسطين :

أخذت قضية فلسطين حيزاً كبيراً جدًا من اهتمام المملكة العربية السعودية ، وكانت لهذا الاهتمام أسباب موضوعية ومنطقية ، يمكن إجمال أهمها في الآتي :

أ – لا تتوقف نظرة المملكة العربية السعودية إلى قضية فلسطين عند كونها أرضاً عربية مغتصبة ، وإنما تنظر إليها من منظور إسلامي أشمل مُؤَسَّسٍ على أن حل مشكلة فلسطين وتحريرها واجب ديني يهم جميع المسلمين، ويهم المملكة بالدرجة الأولى ؛ لأنها حامية مقدسات المسلمين .

ب – إدراك المملكة العربية السعودية حقيقة الأطماع الصهيونية في المنطقة ، وما يشكل ذلك من تهديد أمني وإستراتيجي للدول العربية والإسلامية ، وعلى رأسها المملكة ، ولا سيما حلم الصهيونية في إقامة دولة إسرائيل الكبرى .

ج – إدراك المملكة العربية السعودية أن سبب نشأة قضية فلسطين هو فرقة المسلمين واختلافهم، وأن استمرار هذا الوضع يهدد بضياع مناطق أخرى من العالم الإسلامي ، يضاف إلى ذلك أن قادة المملكة العربية السعودية منذ عهد مؤسسها إلى اليوم هم رواد الدعوة إلى التضامن الإسلامي والمنافحون عنها . 

2 – مجالات خدمة المملكة قضيةَ فلسطين :

انطلاقاً من اهتمام المملكة الكبير بقضية فلسطين والدفاع عنها تعددت جهودها في خدمتها ، وأخذت عدة مسارات ومجالات ، يمكن تبين أهمها فيما يأتي :

أ – المجال العسكري : خاض الجيش السعودي حرب عام 1948م ؛ إذ " لم يتردد الملك عبدالعزيز في أن يشترك الجنود السعوديون مع إخوانهم المصريين وبقية الدول العربية التي قررت التصدي عسكرياً لليهود ، وهذه الدول هي سوريا والعراق ولبنان والأردن "([28]) .

  وشارك الجيش السعودي – بعد ذلك – في الجبهة السورية في حرب عام 1973 م.

ب – المجال الاقتصادي : وقد أخذ هذا المجال صوراً من الدعم ؛ للتخفيف مما يعانيه أهل فلسطين من تضييق الصهاينة ، وفي حالات أخرى على حسب ما تقتضيه طبيعة الصراع الإسلامي الصهيوني.

  فكانت هناك المساعدات المادية والعينية للفلسطينيين ، وقد بدأت منذ عهد المؤسس الملك عبدالعزيز – رحمه الله – إلى عهد خادم الحرمين الشريفين ، والالتزامات المالية التي تعهدت بها المملكة العربية السعودية لدعم صمود المقاومة الفلسطينية ، بل دول المواجهة مع العدو الصهيوني، ثم كانت خطوة الملك فيصل – رحمه الله – بقطع النفط عن الدول المؤيدة لإسرائيل في حرب عام 1973م أداة فعالة ، آتت ثمارها المرجوة .

ج – المجال السياسي : ما فتئت المملكة العربية السعودية تدافع عن قضية فلسطين وحقوق الفلسطينيين في مختلف الأصعدة السياسية مستثمرة علاقاتها السياسية وثقلها السياسي والاقتصادي في العالم دون منَّة أو تفاخر ، ولم تدخر وسعاً في عرض هذه القضية بقوة في المحافل والمنظمات العربية والدولية .

يقرر هذه الحقيقة الملك فيصل – رحمه الله – بقوله : " إن ما نقوم به نحن تجاه إخواننا في فلسطين وكذلك تجاه إخواننا العرب والمسلمين فهذا ليس لنا فيه أي فضل ؛ لأن الفضل لله سبحانه وتعالى ؛ إذ وفقنا إلى أن نقوم بكل ما يجب علينا تجاه إخواننا وتجاه عقيدتنا "([29]) . 

واهتمام قادة المملكة العربية السعودية بالقضية الفلسطينية وبذلهم الجهود السخية في كل المجالات المتاحة عسكرية واقتصادية وسياسية بدأ منذ أن ظهرت شرارتها الأولى إلى اليوم ، فقد أعلن الملك عبدالعزيز – رحمه الله – منذ وقت مبكر جداً دون تردد عن رعايته للقضية الفلسطينية وسعيه الدؤوب من خلال عدد من مجالات العمل لحلها ، فقال مخاطباً جمع الحجيج عام 1364هـ /1945م .

" إن مسألة فلسطين هي أهم ما يشغل أفكار المسلمين والعرب في هذه الأيام ، وهي المسألة التي يجب أن تكون موضع عناية الجميع ومدار اهتمامهم .

ومع أنني لا أحب كثرة الكلام ، وأفضِّل على الدعاية العملَ الصامت المثمر ؛ فإنني أقول بصراحة : إن السكوت عن قضية فلسطين لا يوافق المصلحة ، وقد سبق لي أن تكلمت مع أركان الحكومة البريطانية ، كما تحدثت طويلاً مع الرئيس روزفلت ، وذكرت بكل صراحة الحيف الذي أصاب إخواننا عرب فلسطين والإعنات والقهر اللذين خضعوا لهما ، وطالبت وطلبت من الرئيس الراحل إنصاف عرب فلسطين ، إن لم يكن بالمساعدات الفعلية فعلى الأقل بالوقوف على الحياد"([30]) .

وسار على هذا المنهج في ضوء هذا الالتزام أبناؤه من بعده ، وجاء مشروع الملك فهد للسلام عام 1981م ، وأصبـــح أساساً لبيـــان قمة فاس عام 1982م(