الإســـلام والسعوديــــون
علاقة فطرة ووجود
في الأسرة السعودية لم يكن الانتماء
للإسلام والولاء له مجرد رؤية فكرية ، أو منهج سياسي ، أو مجرد شعار يرفع في مرحلة
من مراحل قيام دولتهم وتطورها لمجرد الوصول إلى قلوب المسلمين أو عقولهم سواء في داخل
الجزيرة أو خارجها .
كما لم يكن ذلك ( العهد ) أو ( الحلف )
الذي قـام بين الإمامين محمد بن سعود ومحمد بن عبدالوهاب – رحمهما الله – هو
البدايـة في تحقيق هذا الانتماء ، وإن يكن هو البداية في انطلاق الدولة التي تحرص على
أن تجسد مبادئ الإسلام وأحكامه في واقع الحياة من خلال عدد من النظم والمؤسسات
التي تقوم عليها الدولة .
لقد كان هذا اللقاء التاريخي بين
الإمامين تعبيراً عن إيمان حقيقي داخلي بين الرجلين معا ، استطاع الشيخ محمد بن
عبدالوهاب أن يترجمه إلى توجيهات وأفكار ، على حين عزم الإمام محمد بن سعود على أن
ينتقل به من مرحلة التنظير إلى مرحلة التطبيق من خلال الدولة التي كان يقودها مهما
كان حجمها صغيراً .
ويدرك المؤرخون أن التكامل بين الرجلين
تحقق في مدة وجيزة ؛ فكأن كلا منهما كان ينتظر الآخر ؛ لأنهما التقيا قبل
التقائهما الزماني إيمانا وحباً لهذا الدين ورغبة صادقة في خدمته وفي النهوض بأمته
من واقعها المريض ، وقد كان الشيخ محمد بن عبدالوهاب قد حاول هنا وهناك أن يجد من
يقف معه خالصاً لوجه الله في نشر الدعوة ، على أساس ألا يكون التزامه بها حين تكون
ظروفها مواتية ، وألا يتخلى عنها حين يصبح غرمها أكثر من غنمها ، لكنه لم يجد
بغيته وطلبته إلا في محمد بن سعود رأس الأسرة السعودية ، لقد أيقن أنهم لا يعبدون
الله على حرف ، فإن أصابهم خيرٌ اطمأنوا به ورضوا بالإسلام ديناً ، وإن أصابتهم
فتنةٌ انقلبوا على وجوههم ، فرضوا بالمساومة على دينهم وبيع جزء من منظومتهم
العقيدة والدينية في مواجهة أوضاع أو ضغوط سياسية أو اقتصادية .
كلا ، فالإسلام بالنسبة للأسرة
السعودية ليس مجرد انتساب أو شعار ، بل هو فطرتهم التي يعبرون عنها بطريقة مباشرة
وعفوية ، وهو هواؤهم النقي الذي يتنفسونه في جزيرتهم العربية التي تضم في قلبها
مكة المكرمة التي رفع فيها أبو الأنبياء إبراهيم
خليل الرحمن وابنه إسماعيل –عليهما السلام – قواعد البيت الذي تهفو إليه
قلوب المسلمين في أنحاء العالم كله ، ويقصده الحجيج من جميع فجاج الأرض ، متفاعلين
مع ابتهالات إبراهيم وإسماعيل –عليهما السلام – متضرعين إلى الله – سبحانه وتعالى
– وهما يرفعان قواعد البيت قائلين : {
رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ، رَبَّنَا
وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ
وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ }([1]) .
ومستجيبين مع تفاعلهم مع هذه
الابتهالات الإبراهيمية لنداء إبراهيم الذي أمره الله به ، ووعده بسوق الناس من
أنحاء الدنيا تلبية له : {وَأَذِّنْ
فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالاً وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ
كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ ، لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ
فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الأَنْعَامِ
فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ}([2]) .
هذا المناخ الإيماني مع الصفاء النجدي
البيئي والفطري البعيد عن عوامل الزيف الحضاري إضافة إلى عراقة إيمانية أسرية
موصولة بأصول عريقة متجذرة في التربية فكراً عقدياً وإيماناً وجدانيا واقتناعاً
عقلياً – إن هذا المناخ كله جعل الإيمان بالإسلام والالتزام به بالنسبة للأسرة
السعودية قضية وجود وقضية فطرة مركوزة في النفسية السعودية ، تستعصي بها على عوالم
المد والجزر([3]) ،
وعلى عوامل الانحراف المرضية التي لا تلبث أن تزول ، كما يزول كل عارض سطحي ، بل
إنه بهذه الفطرة وهذا الانتماء النقي قاومت الأسرة كثيراً من العواصف التي فصلت
بين كثير من الجماعات وبين ولاءاتها في التاريخ ، وبهذا عبرت الدولتان السعوديتان
الأولى والثانية كل الأزمات ، ودفعتا عن رضا بقضاء الله وثبات يقيني على الانتماء
محناً ضاريةً ، ظن كثير من الناس أنه لن تقوم للأسرة السعودية بعدها قائمة .
أجل ، فعندما يكون الفكر قوياً موصولاً
بحركة العقل والقلب نابعاً من ثوابت مطلقة يكون قادراً على أن ينتقل من كونه (
فكراً ) إلى كونه ( فعلاً ) ؛ ذلك لأن الفكر المجرد النابع من العقل وحده هو الفكر
الذي يظل مجرد كلام تنظيري ، أما الفكر الذي أشرنا إليه آنفاً فهو فكر قادر على
التغيير وتحقيق التحولات التاريخية .
وإذا كان بعض أصحاب الرؤى المنحرفة
يصفون الأمة الإسلامية بأنها " أمة كلام "، ويقول عنها بعضهم : إنها
" مجرد ظاهرة صوتية " منطلقين في هذا من بعض مراحل سقوطها العابرة – فإن
هؤلاء لا يدركون تأثير الكلمة في بعدها الذي أشرنا إليه ، وأنها الكلمة المؤمنة
التي تصنع الأمم وتبني النهضات ، وهي الكلمة التي قال عنها القرآن الكريم : { اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي
خَلَقَ ، خَلَقَ الإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ ، اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ ، عَلَّمَ
الإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ }([4]) ،
والتي أشار إليها الرسول e عندما طالب قريشا والعرب أن يقولوا
كلمة " لا إله إلا الله " ؛ لتفتح لهم بها الدنيا ، ويملكوا بها العرب
والعجم .
إن هذه " الكلمة – الفعل "
هي التي أعطت لكلمات الأنبياء رصيدها في التاريخ ، وعلى هداهم جاءت كلمات المصلحين
.
وكان محمد بن عبدالوهاب من هؤلاء الذين
تمتلئ كلماتهم بوقود إيماني مشبع بالإيجابية والفعالية ، جاء على فترة من المصلحين
الكبار أصحاب الأصوات الجهيرة في الإصلاح والدعوة إلى التوحيد والوحدة ، وحين ظنت
الظنون بالعرب وبالمسلمين ، إذ اكتنف الظلام أجواء العالم الإسلامي ، وانبهمت المطالع
، وركدت ريح العرب في ديارهم ، وتفرقت كلمة المسلمين ، فضعفوا ، وهان شأنهم على
الأقوياء ، فطمع فيهم الطامعون من كل جنس "([5]) .
إن أمير العيينة – وهي بلدة الشيخ محمد
– استجاب للإمام ابن عبدالوهاب ؛ إذ أكرم وفادته ، ورحب به ، وعرض الإمام عليه ما
يدعو إليه من التوحيد ومحاربة الشرك والبدع ، فأيده في دعوته ، ثم كان أن أرسل
إليه أمير الأحساء والقطيف بعد ذلك إنذاراً بإعلان الحرب عليه وقطع الخراج عنه إذا
لم يتخل عن الشيخ ودعوته([6]) ،
فلما وجد الدعوة تمثل تحولاً تاريخياً على هذا النحو قصرت همته ، فآثر مصلحة سلطته
المحدودة " مع ضآلتها " على مصلحة الدعوة " مع عظمتها وامتدادها
العالمي " ، فأمر الشيخ بالخروج من العيينة إلى أي جهة يريدها ، فارتحل الشيخ
إلى الدرعية حيث لقي فيها الترحيب والتأييد من البيت السعودي الذي كان على العكس
من ذلك ، كانت فطرته الإيمانية الدعوية أكبر تأثيراً في نفسه من حدود مصلحته
المحصورة في إطاري القبيلة والإمارة ؛ إذ كان عبدالعزيز بن محمد بن سعود "
ولي عهد الإمام المؤسس لدولة آل سعود في التاريخ النجدي الحجازي " يراسل
الشيخ محمد بن عبدالوهاب ، وهو ما يزال بعيداً في العيينة ، بل كان إخوة الأمير
محمد بن سعود هم الذين اجتمعوا بالشيخ محمد ابن عبدالوهاب ، كما كانت زوجة الأمير
من دوافع القبول ، فكان قبول الأمير محمد ابن سعود التحالف مع الإمام محمد بن
عبدالوهاب قبول أسرة بكل أعضائها ، لها طبيعة إيمانية خالصة ، ولها طموحات إسلامية
دعوية تسمو على طموحاتها القبلية والوطنية .
إن زوجة الأمير تنصحه قائلة له :
" هذا الرجل غنيمة ساقها الله إليك ، فاغتنم ما خصك الله به "([7]) ؛
فالدعوة هنا مغنم ، على حين هي عند الكثيرين مغرم !!
كان الشيخ كبير الثقة في الحصول على
المساعدة والحماية من الإمام محمد بن سعود، وقد أدرك الشيخ ما كان يتمتع به من
صفات الرجل المحارب الفذ ، وكانت الدعوة في ذلك الوقت في حاجة شديدة إلى اليد
القوية التي تساندها وتؤازرها .
يذكر ابن غنام أن الشيخ خرج سنة سبع أو
ثمان وخمسين ومئة وألف من العيينة إلى بلدة الدرعية ، فلما سمع الأمير محمد بن
سعود بوصوله قام من فوره مسرعاً ، فرحب به، وسلم عليه ، وأبدى له غاية الإكرام
والتبجيل ، وأخبره أنه يمنعه مما يمنع منه نساءه وأولاده "([8]) .
وكان مما شرطه الأمير محمد بن سعود على
الإمام محمد بن عبدالوهاب ألا يغادره إذا فتح الله البلاد ونشر الإسلام ، فقبل
الشيخ الشرط قائلاً للأمير : فابسط يدك ، الدم بالدم ، والهدم بالهدم .
لقد تطابقت الإرادتان ؛ لأن القلوب
كانت عامرة بولاء واحد ، وقد أيدت القلوب العقول ، وانطلق الكيان كله من ثوابت
مطلقة ، فلم يكن ثمة تناقض يدفع إلى تضارب مصلحي أو دنيوي ، فأصبح الإمامان في
قطار واحد ، يتجهان إلى غاية واحدة ، تتمثل في " دولة الدعــــوة " التي
تحالفا على نصرة مبادئها فيما عرف باتفاق الدرعية عام 1157هـ/1774م ، وبهذا
الاتفاق أصبح الأمير إماماً ؛ لأن الإمام الروحي للدعوة قد أدى الرسالة ، ووجد
القائد الذي يقود الفيالق تحت راية التوحيد : " لا إله إلا الله ، محمد رسول
الله " ملتزماً بأداء الرسالة ، فاطمأن الشيخ الإمام الداعية الموجه إلى مسيرة (دولة الدعوة ) .
وعندما توفي الإمام محمد بن سعود في
عام 1179هـ /أوائل أكتوبر 1765م كان الإمام محمد بن عبدالوهاب على رأس من بايعوا
ابنه عبدالعزيز بالإمامة بعد أبيه لقيادة "دولة التوحيد والوحدة "
الدولة السعودية الأولى .
ولد عبدالعزيز بن محمد بن سعود عام
(1111هـ/ 1699م) ، ونشأ في بيت الإمارة، وكان في طفولته يغشى مجالس الكبار ،
ويستمع إلى أحاديثهم ، وأكب على القراءة ، وتعلق بحضور حلقات الدرس في المساجد ،
وكان في الدرعية أحد تلامذة الإمام الشيخ محمد بن عبدالوهاب يجلس في حلقات درسه .
وكان يعيش في حياة والده بصورة عادية ،
لم تبهره مظاهر القوة والحكم ، مع أنه كان في معظم الأحيان قائد المعارك التي أخضع
فيها أعداء الدعوة وخصومها([9]) .
وقد وضح – رحمه الله – حقيقة الدعوة
التي قامت على مضامينها الدولة السعودية في رسالته الشهيرة ، قال عنها سماحة الشيخ
الجليل عبدالعزيز بن باز رئيس هيئة كبار العلماء والمفتي العام للمملكة العربية
السعودية في تقديمه لها عند نشرها : " ... الإمام العلامة ناصر السنة وقامع
البدعة عبدالعزيز بن محمد بن سعود أمير المؤمنين في عصره وحامل لواء الجهـــاد في
زمانـــه في البلاد النجدية وملحقاتها ، تولى الإمامة بعد أبيه محمد بن سعود يرحمه
الله ، وبايعه الشيخ الإمام محمد بن عبدالوهاب والأمراء والأجناد والمسلمون بعد
وفاة أبيه يرحمه الله عام 1179هـ .
وقام بالإمامة والدعوة إلى الله سبحانه
والجهاد في سبيله أحسن قيام ، واستمر في ذلك مجاهداً في سبيل الله ناصراً للسنة
وقامعاً للبدعة وناشراً لعلوم الشريعة ومناصراً للشيخ الإمام محمد بن عبدالوهاب
–يرحمه الله –ولأنصاره والداعين إلى سبيل الله بسيفه وسنانه وقلمه ولسانه حتى وافته
المنية في عام 1218هـ .
رحمه الله رحمه واسعة ، ورفع درجاته في
المهديين ، وضاعف له المثوبة ، وجزاه عما قدمه للمسلمين من نصر وجهاد ودعوة وتعليم
وعناية بشؤونهم ومواساة لفقرائهم أحسن الجزاء وأفضله " .
وهذه الرسالة كتبها الإمام عبدالعزيز –يرحمه
الله –إلى العلماء والقضاة في الحرمين والشام ومصر والعراق وإلى غيرهم من علماء
المشرق والمغرب ، أبان فيها دعوة الشيخ الإمام محمد بن عبدالوهاب بن سليمان
التميمي الحنبلي يرحمه الله ، وبيَّن أنها هي الدعوة التي دعت إليها الرسل عليهم
الصلاة والسلام ، وعلى رأسهم إمامهم وخاتمهم وأفضلهم نبينا محمد صلى الله وسلم
وبارك عليه وعليهم أجمعين .
وأوضح فيها – يرحمه الله –حقيقة
العبادة التي خلق الله من أجلها الثقلين ، وأرسل بها الرسل ، وأنزل بها الكتب ،
وحقيقة الشرك الذي أنذرت منه الرسل ، وحذرت منه أممها ، وبيَّن – يرحمه الله
–الأمور التي أنكرها الناس على أصحاب هذه الدعوة المباركة، وأوضح أدلتها ، وكشف
الشبه التي تعلق بها عباد الأنبياء والأولياء .
فجاءت بحمد الله رسالة كافية شافية في
بيان حقيقة التوحيد الذي دعت إليه الرسل، وأقام الله سبحانه عليه الأدلة والبراهين
في كتابه المبين وعلى لسان رسوله الأمين .
كما جاءت كافية شافية في بيان الشرك
الوخيم الذي حذر الله منه عباده ، وأنكرته الرسل على أممهم ، وحكم الله على أهله
بالخلود في النار وحرمانهم من دخول الجنة دار الأبرار ، كما قال عز وجل : { إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ
حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ
مِنْ أَنصَارٍ }([10]) .
وقال سبحانه : { إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ
يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ}([11])،
وقال عز وجل : {
وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وإلى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ
لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنْ الْخَاسِرِينَ }([12]) .
ولعظم شأن هذه الرسالة وكثرة فوائدها
رأيت أن أقدم لها هذه المقدمة الموجزة تأييداً لما تضمنته من الحق وبياناً لشيء من
ترجمة مؤلفها وعلمه وفضله وما قام به من النصرة لدين الله والجهاد في سبيله بسيفه
وسنانه وقلمه ولسانه ومناصرته دعاة الحق وقمعه دعاة البدعة والشرك ، رحمه الله ،
وأكرم مثواه ، وأسأل الله أن ينفع بها المسلمين ، وأن يضاعف الأجر لكاتبها ، وأن
يجيزه أحسن الجزاء وأفضله عما قام به من النصر لدين الله والدعوة إلى سبيله
والجهاد لأعدائه "([13]) .
وفي نهاية العقد الثاني من القرن
التاسع عشر الميلادي ( الثالث عشر الهجري ) وبعد حياة جهادية حافلة استمرت ثلاثة
أرباع قرن انتهت الدولة السعودية الأولى على يد إبراهيم باشا ( ابن محمد علي حاكم
مصر ) ، ونقل آخر أئمتها عبدالله بن سعود إلى مصر في المحرم 1234هـ / نوفمبر سنة
1818هـ ، ونقل في التاسع عشر من المحرم إلى الإسكندرية ، ثم منها إلى الأستانة ،
وهناك دون أي مبرر شرعي تم تنفيذ حكم الإعدام فيه وفي أصحابه في فناء ( أيا صوفيا
) ، وكان ذلك في 18 صفر 1234هـ /17 ديسمبر 1818م .
ومع أن الدولة السعودية الأولى انهارت
من الوجهة والمفهوم السياسيين ، إلا أنها تركت في قلب الجزيرة مقومات الدولة
السعودية الثانية ؛ إذ ظلت أفكار دعوة ابن عبدالوهاب في أذهان الناس ، وظل المجتمع
النجدي يكنُّ ولاءً للأسرة السعودية حاملة راية التوحيد والوحدة ، وكان على رأس
هؤلاء المؤيدين جماعة الشـيخ محمد بن عبدالوهاب من ذوي الرأي النافذ لما لهم من
منزلة دينية محترمة بين أفراد المجتمع النجدي([14]) .
" وانطلاقاً من هذه المقومات ظلت
تتوالى في نجد خلال الحكم التركي المصري انتفاضات ، هدفها إعادة حكم آل سعود ، وكانت
الدولتان التركية ( المرتبكة ) والمصرية ( ذات الطابع القومي ) تقابلان هذه
الانتقاضات بإرسال حملات لإخمادها باعتبارها تحدياً سياسياً لوجودهما في شبه
الجزيرة العربية([15]) .
ولم يكن الإمام تركي بن عبدالله بن
محمد بن سعود الذي عدَّه بعض المؤرخين مؤسس الدولة السعودية الثانية([16])–
بأقل غيرة إسلامية من بناة الدولة السعودية الأولى؛ فقد احتضن الدعوة السلفية ،
وناصرها ، وجاهد في سبيل عودة الناس إليها ، يقول عنه ابن بشر : " كان آمراً
بالمعروف ناهياً عن المنكر ، يرسل النصائح دائماً إلى أهل البلدان من الخاص والعام
، يحضهم على القيام بشرائع الإسلام " .
ويعلق ابن بشر على رسالة من الرسائل
التي كان يوجهها الإمام تركي إلى الناس ، ويضمنها توجيهاته قائلاً :
" رأيت أن أورد رسالة من رسالاته
لرعيته المتضمنة النصيحة ؛ ليعلم من سمعها أنه من الداعين إلى الله المجاهدين في
سبيل الله "([17]) .
ثم يورد له رسالة مليئة بالنصح
والتوجيه والإرشاد جامعة لمعاني الخير ، ثم يقول ابن بشر بعد أن أوردها :
" فانظر إلى هذه النصيحة وما
اشتملت عليه من الأحكام والدعوة إلى الله والشفقة على عباد الله ، وهذه الرسالة
وما في معناها صفة مراسلاته ونصائحه لرعيته التي يبعث بها في كل سنة إلى كل ناحية
، وهذه عادته وعادة ابنه فيصل ، يرسلون النصائح للرعايا في كل سنة ، لكل بلد ورقة
.
ولو رسمت نصائحهم ومراسلاتهم المتضمنة
لذلك وشدة تعاهدهم للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والدعوة إلى الله دائماً لا
يفترون لبلغت كتاباً " .
وإذا أخذنا بوجهة نظر بعض هؤلاء
المؤرخين الذين يرون أن فيصل بن تركي هو الذي يستحق " أن نطلق عليه لقب
المؤسس الأول والحقيقي للدولة السعودية الثانية"([18])،
ولا سيما بدءاً من مدة حكمه الثانية التي دامت حوالي 22 سنة ، وانتهى عام 1865م –
فإننا نجد فيصل بن تركي هذا([19])
" ، متدينا ملتزماً بمبادئ الدين الإسلامي الحنيف ، ميالاً للبحث والدراسة ،
يجالس العلماء ويكرمهم ، حفظ القرآن وهو صغير، كان يقضي وقتا طويلاً من ليله في
التهجد ، وقيل : إن المرضى في مصر كانوا يأتون لداره ؛ كي ينتفعوا ببركته "،
كما يقول عثمان بن بشر([20]) .
ويُعلق أحد هؤلاء المؤرخين السالف
ذكرهم على رسالة وجهها فيصل إلى الشعب النجدي ، فيستخلص منها ثلاث نقاط ، هي :
أولاً : اهتمامه الكبير بالأمور الدينية ، وتعد الرسالة
فقهية أكثر منها سياسية ، فقد ضمنها عدداً من آيات الذكر الحكيم التي تحض على
التقوى وعمل الخير ، ودعا الشعب إلى التمسك بأهداب الدين الحنيف .
ثانياً : أمر بتنظيم هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
، " فلا بد في كل ناحية من طائفة متصدين لهذا الأمر " .
ثالثاً : حض في رسالته الشعب على الوحدة والتماسك ، منبها
إلى مساوئ ما يحدث عن الانقسام والتفرقة بين أبناء الشعب ، مستفيدا بذلك من تجارب
الماضي ومن كثرة المحن والصعوبات التي مرت بها الدولة السعودية الأولى .
ثم يضيف المؤرخ السابق نفسه :
" إن ما نلمسه من هذه الرسالة هو
شدة تدين الإمام فيصل ، فكانت هذه الرسالة بمثابة مرآة انعكست عليها شخصية فيصل
المتدينة ، كذلك فهي توضح مدى تمسكه بالشريعة والعمل من أجلها "([21]) .
ونحن نرى في هذه النقاط الثلاث "
سياسة شرعية " ، ولا نوافق الباحث في منهج الإسلام في وصفه الرسالة بأنها
فقهية أكثر منها سياسية ؛ فالسياسة عندنا جزء من الفقه الإسلامي داخلة فيما يعرف
حديثاً بالنظم الإسلامية ، وقديماً بالسياسة الشرعية . وهذه المرجعية الإسلامية
المعتمدة على القرآن الكريم وأهداب الدين الحنيف والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
والوحدة والتماسك هي جوهر السياسة السعودية في دولها الثلاث ، وبها تنجح الدولة
السعودية دائماً وتتقدم ، وعلى العكس فعندما يقع التهاون فيها تدفع الدولة
السعودية والجزيرة العربية كلها ثمن هذا التهاون سواءً في المحيط الداخلي أم في
المحيط الخارجي ؛ ففي المحيط الداخلي اهتم السعوديون بالناحية الدينية وتقوية
العقيدة، كما اهتموا بالناحية الخلقية كما صورها الدين ، ولذلك حيث سادوا قلت
السرقة والفجور وشرب الخمور ، وأمن الطريق ، وما إلى ذلك .
أما في المحيط الخارجي فقد واجهوا في
كثير من الأقطار الإسلامية ظروفاً دقيقة مختلفة تتنافى مع ما يؤمنون به ، ولكنهم
وقفوا من ذلك بروح واعية ، تتسق مع منطق الحوادث ، واتخذوا بين القوى المختلفة
طريقاً وسطاً ، وكما ساعد على ذلك أن موسم الحج كان فرصة سانحة لعرض دعوتهم وبيان
موقفهم على أكابر الحجاج ، وتفاعل كثير منهم بإيجابية مع الدعوة([22]) .
وعلى الرغم من حرص المملكة على مصلحة
المسلمين جرت محاولات لم تنقطع كان يستغل فيها أعداء الدولة السعودية الفرصة ،
ويوقعون بين أبنائها ، وبينها وبين شعبها ، وبينها وبين الدول الإسلامية حرصاً
منهم على أن تفقد مكانتها بين المسلمين !
وهكذا يؤكد لنا التاريخ أنه كما برزت
المرجعية الإسلامية في الدولة الإسلامية الأولى فكذلك كانت هذه المرجعية هي الأساس
الذي قامت عليه الدولة السعودية الثانية التي لخص بعض الباحثين نظام الحكم فيها
على امتدادها بأنه نظام مبني على أحكام الشرع ، ودستوره القرآن والسنة وما أفتى به
جمهور الأئمة الأربعة([23]) .
لكن الباحث المذكور بعد أن يقول هذا الكلام
الواقعي الصحيح يعود فيقع في الخطأ نفسه الذي وقع فيه سابقاً ، فيصف الدولة
السعودية الثانية بأنها كانت " تسير بالنسبة لأنظمة حكمها حسب الشرع ، وهي
بذلك – كما يقول – اهتمت بالمسائل الروحية دون النظر إلى الحياة المدنية "([24]) ،
والتناقض في هذا التعبير واضح ؛ فالحياة المدنية خاضعة لأنظمة الحكم ومرتبطة
بالمسائل الروحية ، ولا تنفك عنها .
لقد كانت الرسالة " الإسلامية
الشمولية الروحية والمدنية " المرتبطة بالكتاب والسنة واضحة في الدورات
المختلفة للدول السعودية التي لم تكن تدخر وسعاً في الإعلان عن هويتها القائمة على
العودة إلى الكتاب والسنة ونبذ البدع والخرافات ، وكان واضحاً فيها أنها ليس مجرد
إصلاح قلبي وجداني أو مجرد إصلاح اجتماعي تشريعي ، بل كانت حركة دعوية شمولية ،
تشعر برسالتها نحو المسلمين جميعاً ، يقول ابن سند : " كان آل سعود أمة ضعيفة
فقيرة ، وبلادهم ناشفة ليست مخصبة كريف مصر والعراق ، حتى يمكنهم جباية المال منها
، وكان لهم رياسة على العارض فقط ، فلما اجتمع بهم عالمهم " محمد بن
عبدالوهاب النجدي " في القرن الثاني عشر حسَّن لهم نشر الدين المحمدي وإماتة
البدع ، ودس لهم دسيسة([25]) ،
مؤداها أن هذه الحركات تجعلهم ملوك الإسلام عموماً ؛ لأنه لم يبق في ملوك الإسلام
من ينكر المنكر ، فطاوعوه . وهكذا الدول لا تتأسس إلا بالسلطان والدين معا ،
فاقتضى رأيهم أن يحاربوا القرية التي بقربهم مثلاً ، ويدعوهم إلى ما هم عليه ،
فحاربوها ، وأطاعتهم قرى نجد جميعها([26]).
ومن العجيب أن الدولة العثمانية ظلت
عاجزة عن الرؤية الموضوعية للحركة السلفية منذ الدولة السعودية الأولى 1158هـ/
1745م ، ومروراً بالدولة السعودية الثانية (1256 – 1309هـ) / (1840 – 1891م) ، حتى
قيام الدولة السعودية الثالثــة بقيادة الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود
1319هـ / 1902م ، حتى سقوط الخلافـــة العثمانيــة في تركيا على يد مصطفى كمال
(داعية التغريب والعلمنة) سنة 1924م.
وإذا كان للدولة العثمانية بعض العذر
في عجزها عن الرؤية الحقيقية للدولة السعودية والمنهجية السلفية حين سيطر على
خلافة آل عثمان الدونما والماسونية – فإنه ليس لها عذر خلال هذه المدة الطويلة
التي امتدت منذ قيام الدولة السعودية الأولى حتى الدولة الثالثة بقيادة مؤسسها
عبدالعزيز يسوغ هذا العجز المستمر ، فضلاً عن أن يكون هناك أي عذر يسوغ قيام
الدولة العثمانية بإعلان الحرب الرسمية على الدعوة وتدمير بلادها وتأليب "
محمد علي " وأولاده عليها .
وقد خسرت الدولة العثمانية " طوق
النجاة " الذي كان من الممكن أن يقف معها خلال هذه الحقبة يعطيها وقوداً
جديداً تنبعث به روحها التي كان قد أصابها الجمود والخمول.
وعندما تكون الدولة الكبيرة في مراحل
انهيارها يكون خط السقوط أسرع من قدرتها على التفكير وإدراك حقائق الأشياء ، وربما
قضت على نفسها بأكثر مما يقضي عليها أعداؤها . هكذا كان شأن خلافة آل عثمان .
السعوديون والمسؤولية الإسلامية
العالمية :
أشرنا في الصور الماضية إلى ارتباط
الدولة السعودية بالدعوة الإسلامية الإصلاحية ارتباطاً عضوياً ، وارتباطاً فطرياً
وجدانياً وعقلياً ، وقد واجه السعوديون التحديات العثمانية التي تمثلت في هجمة
محمد علي وأبنائه تحت هذه الراية ، وظلوا ثابتين على عقيدتهم حتى مع زوال دولتهم
الأولى .
وعندما ظهرت دولة الملك عبدالعزيز آل
سعود كانت تحمل البذرة نفسها ، وكانت تعبر عنها بطريقة عفوية لا تكلف فيها ولا
تصنع ، بل إن كل انتصاراتهم كانت تعد انتصاراً ( للمسلمين ) و (للموحدين) على
المبتدعة والمارقين .
وبينما كانت خلافة العثمانيين مع مطلع
القرن العشرين الميلادي وبداية الحرب العالمية الأولى تعاني من غيبوبة الموت وتؤذن
كل النذر بأفول شمسها كانت دولة السعوديين تبزغ شمسها من جديد ، وإذا كان العلماني
داعية التغريب مصطفى كمال قد أدت سياسته إلى تقليص دولة الخلافة إلى الحد الذي
أصبحت فيه مجرد دولة لا تزيد على واحد على خمسة عشر من مساحتها الأصلية فإن
عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود كان قد شق طريقه في المدة نفسها نحو صناعة دولة
تخرج من نطاق الرياض وما حولها ؛ لتمتد عبر معظم أرجاء الجزيرة العربية ضامة بين
جناحيها الأماكن المقدسة التي يرنو إليها مسلمو العالم .
وكان عبدالعزيز ومناصروه يدركون أن
مساحتهم الجغرافية وإمكاناتهم البشرية والمادية لا تقارن بالمساحات والإمكانات
نفسها التي تمتع بها العثمانيون في مراحل انطلاقهم ، لكن ذلك لم يثنهم عن حمل راية
( الدعوة الإسلامية النقية ) معتمدين على الله ثم على الإمكانات الروحية والدينية
التي تعطيهم قدرة على الانطلاق وامتيازاً في القبول لدى جماهير المسلمين .
وبيقين لم يكونوا غافلين عن طبيعة
العصر الذي يعيشون فيه ، وهي الطبيعة التي لا تعطي للقوة البشرية والجغرافية
الكلمة الأولى في عصر طويت فيه المسافات بالمواصلات الحديثة وبالإعلام المسموع
والمقروء والمرئي .
وهنا نقف عند رؤية آل سعود في مرحلتهم
الأخيرة على يد عبدالعزيز لأساليب ترجمة مفهوم ( الإسلامية ) إلى خطة للحركة
والدعوة العالمية .
لقد كان الأمر يبدو سهلاً بالنسبة
للدولتين السعوديتين الأولى والثانية ، فكل منهما كانت دولة صغيرة تقف عند حدود
معرفية محدودة ، ولا تستوعب التطور العالمي بالقدر الكافي ، وقد كان من الممكن أن
تكون نهايتهما في هزيمتيهما ، وبالتالي نهاية الدور السعودي التاريخي لو لم تكن
جذوة الدعوة كامنة في وعيها قلباً وعقلاً .
لكن الله أراد أمراً آخر ؛ إذ"
جاءت تجربة عبدالعزيز في ظل الهزيمة الشاملة المادية والمعنوية من المحيط إلى
المحيط ؛ إذ ساد الشك قيادات العالم الإسلامي في جدية الحل الإسلامي أو على الأقل
في إمكانية تطبيقه ، فإذا عبدالعزيز يطرح هذه الإمكانية طرحاً قوياً "([27]) .
ويقول جلال كشك : إنه ومن خلال النظر
التاريخي إلى تجربة عبدالعزيز يمكن للدارس أن يتساءل قائلاً : " لماذا لم
يحقق ابن سعود الأمل الذي علقه عليه المسـلمون والعرب ؛ أي الحل النهـائي للمشكلة
الإسـلامية " ؟!!
ومن ثم يحاول الإجابة من خلال تحليله
ورأيه اللذين سنتناولهما نحن بدورنا
بالتحليل والمناقشة قائلاً : " إذا كان السعوديون لم ينجحوا فلا أحد –
لا محمد أسد ولا غيره من المنتقدين – نجح في طرح الحل الحاسم والدواء الشافي الذي
نبحث عنه حتى الآن منذ مقتل عثمان في رأي البعض ، أو منذ سقوط الأندلس ووصول
البرتغاليين إلى بحر الحجاز في رأي الغالبية "([28]) . وتقتضي
الإشارة إلى محمد أسد في هذا المقام ، ورأى الأستاذ كشك فيه أنه لم ينجح في طرح
الحل الحاسم والدواء الشافي لما حل بالمسلمين عبر قرون .
تقتضي الإشارة التنبيه إلى أن محمد أسد
مفكر وكاتب تعكس مؤلفاته رؤيته ومنهجه، وهو يرى أن " الإسلام بخلاف سائر
الأديان ، ليس اتجاه العقل اتجاهاً روحياً يمكن تقريبه من الأوضاع الثقافية
المختلفة ، بل هو فلك ثقافي مستقل ونظام اجتماعي واضح الحدود ، فإذا امتدت مدنية
أجنبية بشعاعها إلينا وجب علينا أن نتبين لأنفسنا إذا كان هذا الأثر الأجنبي يفعل
فينا فعل المصل المجدد للقوى أو فعل السم "([29]) .
ولا خلاف في أن ما ذكره محمد أسد يظل
دائماً أبرز المعالم الواضحة في هذا العصر بالذات لما ينبغي أن يلتزمه المسلمون في
البحث عن الموقف المتميز والحل الحاسم لما يكتنفهم من مشكلات ، ويحيط بهم من أزمات
، في إطار أن محمد أسد مجرد مفكر هداه الله للإسلام ، وليس صانع دولة .
ويستمر الأستاذ جلال كشك – رحمه الله –
في تحليله ، فيقول : " هذه بالذات ليست غلطة آل سعود ، ولا يمكن تفسيرها
ببساطة بأنها نتيجة تقصير منهم ، أو أن آل سعود بخلوا بجهد كان متاحاً ومعروفاً
سهل البذل ، ولا لأن ابن سعود كان " يفتقر إلى العظمة الداخلية " ، إنها
قضية أكبر من كل جهودنا ، ومن كل الاجتهادات التي طرحت حتى الآن ، ولقد شرق
المؤلفون والباحثون وغربوا ، وماتوا قبل أن يكتشفوا الحقيقة ، وهي القدرة على
تفجير حركة تفرز قيادة قادرة على الاستمرار دون انحراف؛ حتى يتم تحرير المسلمين
"([30]) .
والسؤال الذي يمكن طرحه هنا في مواجهة
هذه الإشكالية :
§
تُرى ما هذا الذي
لم ينجح فيه آل سعود وكان أكبر من طاقتهم ؟
§
وماذا تعني
عبارة ( الحلّ النهائي للمشكلة الإسلامية ) ؟
§
وأيضاً : ما
هذا الذي عجز عن حله محمد أسد والمنتقدون لآل سعود ، والذي يسميه الباحث : "
بالحل الحاسم والدواء الشافي " ؟
ويبدو لنا أن ما يرمي إليه جلال كشك حول
ما سماه : الصلة الوثيقة بين "السعوديين والحل الإسلامي" أنه كان يطمح
في رؤيته للسعوديين إلى نوع من " الحلول الثورية " " الإسلامية
" التي كان أصحابها يصورون لأنفسهم وللناس أنهم يملكون مفاتيح سحرية لتحقيق
" انقلاب عالمي " يجعل المسلمين بمجرد قفزة ثورية يتصدرون الساحة
الحضارية ، ويزاحمون حضارات أوروبا وآسيا ، ويعودون بالطريقة السحرية نفسها لقيادة
قطار الحضارة من جديد ، كما كان شأنهم في القرن الأول ؟
وهذا المنهج الثوري لم يقبله الملك
عبدالعزيز لنفسه ولا لأولاده .
ومما يدل على الاهتمام بهذه النظرة لدى
الأستاذ كشك كثرة المصطلحات " الثورية " التي تتناثر هنا وهناك بين سطور
كتاباته عن تجربة الملك عبدالعزيز ، بل حتى عن تجربة الدولة السعودية الأولى . وفي
أمثلة عابرة لهذه النزعة " الثورية – الإسلامية " التي " كان كشك
" يأمل أن تتحقق في الملك عبدالعزيز نشير بإيجاز إلى بعض ما ورد من تعبيرات
ثورية دالة على هذه النزعة ؛ فالباحث حين يكتب واصفاً إسلامية عبدالعزيز يقول :
إنه – أي إسلام عبدالعزيز – ليس إسلام متصوفة أو دراويش ، ولا حتى إسلام محافظ، بل
" ثورة كاملة " ، تهاجم الملوك والزعماء ، وتحرض الشعوب على الثورة
عليهم ، وهو يدعو إلى تطهير السلوك والمفاهيم والأخذ بالمدنية "([31]) .
ونحن لا نؤمن بهذا المنهاج الثوري الذي
يتمناه كشك من الملك عبدالعزيز ، بل نحن نؤمن بأن إسلام عبدالعزيز هو " إسلام
صحيح " ، وكفى ، وهو إسلام رباني يخاطب الفطرة ، ويتدرج معها ، ولا يؤمن
بالثورية ، ولا يقفز فوق السنن والقوانين .
ويقول كذلك في وصفه لبعض كلمات
عبدالعزيز : " هذه ليست كلمات ملك أو سلطان ، بل ثائر مسلم "([32]) .
إن الحديث عن كنز الذهب والفضة جعل أبا ذر أمة واحدة في صدر الإسلام ، فما بالك
بملك منتصر ينادي بالحل الإسلامي وبهذه المنطلقات الثورية في عصر أجاد هو وصف حال
المسلمين فيه ؟! ([33]) .
ويصف موقف عبدالعزيز من التحديث
والعصرية بقوله : " وقد اتخذ الموقف "الثوري" الإسلامي التقليدي من
قضية " العصرنة " أو التحديث ، وهو القناعة([34])
بتفوق قيم الإسلام ، وتخلف المجتمع الإسلامي ، وتخلف الإنتاج والعلم في هذا المجتمع،
ومن ثم فنحن كسائر الحضارات نحتاج لنقل العلم أو التكنولوجيا التي هي ميراث مشترك
للجنس البشر كله ، ولا دخل فيها للأيديولوجيات ، مع الحفاظ على أيديولوجيتنا ، بل
للحافظ على أيديولوجيتنا وقيمنا ، قال عبدالعزيز : أما التمدن الذي فيه حفظ ديننا
وأعراضنا وشرفنا فمرحباً به وأهلاً ، وأما التمدن الذي يؤذينا في ديننا أو أعراضنا
فوالله لن نرضخ له ولن نعمل به ولو قطعت منا الرقاب "([35]) .
وإذا كنا لا نوافق على إضفاء الثورية
على الملك عبدالعزيز ولا على جهوده وإصلاحاته سواء في مجال الجزيرة العربية أم في
المجال الإسلامي أو الخارجي فذلك لأن الملك عبدالعزيز لم يكن في يوم من الأيام من
هؤلاء الذين دوخوا الأمة وبددوا طاقاتها تحت شعارات ( ثورية ) هائجة لا عقل لها ،
ولم يزعم عبدالعزيز ولا أولاده من بعده أنهم ( ثوريون عرب ) أو ( ثوار مسلمون ) ،
بل إن أكثر ما عاناه عبدالعزيز وأبناؤه – ولاسيما في عهد الفيصل – إنما كان بسبب
هؤلاء الثوريين وشعاراتهم واندفاعاتهم التي كبدت الأمة كثيراً من المال والقوت ،
وأضاعت فرصاً كثيرة للتقدم الحقيقي .
ومصطلح " الثورة " بمعناه
الذي ساد في عصرنا مصطلح لا يرضاه الإسلام دين الدعوة والحوار والبناء عبر التاريخ
والثوابت والتفاعل الإيجابي مع التجارب الإنسانية السابقة والمعاصرة ، على حين
تقوم " الثورة " على الهدم والإلغاء والانفعال بدعوى أن ذلك ضروري
للبناء ، ولكن الذي يحدث فعلاً أن الثوريين يهدمون ، ثم لا يتمكنون من البناء .
أمامنا في تاريخنا المعاصر والمثل
أمامنا أن اليابان هزمت في الحرب العالمة الثانية بقيادة أمبراطورها ( هيروهيتو )
، ثم نهضت اليابان نهضتها الكبرى بقيادة الرجل نفسه !!
أما في عالمنا العرب والإسلامي فقد هدم
الثوريون البنية الأساسية للأمة ، وجلبوا للأمة أعظم النكبات والنكسات ، وهدموا
" الفرد " و " المجتمع " ، ثم ذهبوا إلى قبورهم دون أن يقدموا
شيئاً له قيمة .
والعجب أنهم شيعوا إلى قبورهم من الذين
قدسوهم وعبدوهم بعويل وضجيج ، دون أن تقوَّم معطياتهم التقويم التاريخي الموضوعي ،
اللهم إلا بعد انقضاء المدد الجنائزية الثورية .
على حين ذهب القادة الحقيقيون
والمصلحون العظماء الذين عملوا بعقل وهدوء إلى بارئهم دون ضجيج ، وشيعهم الناس
بثبات المؤمنين بالله الراضين بقضائه المنتظرين لثوابه .
إن هذه الثورية لم تكن أبدا نهج الأسرة
السعودية المرتبطة بالعودة إلى الكتاب والسنة والمنهج الإسلامي الرشيد القائم على
احترام الفطرة والتدرج واحترام آدمية الإنسان وقدراته .
السعوديون : أساليب حضارية لا
ثورية :
لا بد من وقفة موضوعية متأنية عند
التساؤلات التي تثيرها صلة " السعوديين " منذ ظهروا قوة ودولة في جزيرة
العرب بالمنهج الإسلامي في صناعة النهضة والتقدم .
إن هذه التساؤلات تدعو إلى ضرورة البحث
في قضية هامة ، وهي قضية التغيير الحضاري وصناعة الظروف التي تدفع إلى التقدم
الحضاري ، ولاسيما إذا كانت هناك أوضاع تراكمية قد أدت إلى نوع من الغياب التاريخي
والجمود والتخلف على مستوى القاعدة العريضة من جماهير الأمة التي تمتد عبر قارات
الأرض كلها ، فهل يمكن أن يتحقق ذلك من خلال قرار سياسي أو غير سياسي ؟ وهل يملك
شخص واحد ولو كان في حجم صلاح الدين الأيوبي كما يردد بعضهم تحقيق هذا التحول
التاريخي من خلال عدد من المعارك أو تكوين دولة في قطاع محدود من الأرض ؟
-
ولنفترض أن
ذلك قد وقع ، فهل يتحقق به هذا الأمر الذي يسميه بعضهم (الحل النهائي للمشكلة
الإسلامية ) ؟!
إن المشكلة الإسلامية ليست مشكلة نقص في وسائل معينة ، وليست مشكلة هزيمة في معركة من المعارك ، إنها مشكلة حضارية أدت إلى تبديد الطاقات ، واستنزاف المواد الأولية ، وتضييع العقول ، وتمزيق الجسد الإسلامي ، وتكديس الأشياء ، وتعميق معاني الاستهلاك في شرائح الأمة ، ومن ثم فقدت الأمة الرؤية العقدية والمنهجية المستقبلية ، وانتابتها حالة من الفوضى والتكديس ، وتعذر على قطارها أن يقف فوق قضبانه الصحيحة ، فضلاً عن أن ينطلق إلى الأمام .
ولا مناص هنا من القول إنه قد وقع خلط
بين الفعل السياسي والفعل الحضاري ؛ فالفعل السياسي يمكن أن يتحقق في شهر أو سنة ،
فتقوم دولة ما بطرد جيوش الاستعمار الذي يحتل أرضها ، ويتحقق لها ما تفرح به
وتسميه الاستقلال الذي لا يعني في النهاية سوى أن الهيئة الأجنبية الحاكمة قد خرجت
من البلاد هي وجيوشها ، وقد حلت محلها هيئة وطنية من أبناء البلاد ، لكن هل يعني
هذا الفعل السياسي التطابق مع الفعل الحضاري الذي يعني تحقيق المناخ الملائم ؛
لتعبير الأمة عن ذاتها من خلال منظومة فكرية وقيمة ، تحقق لها شروط الإبداع
واللحاق بالعصر الذي تعيشه والمنافسة فيه مع الاحتفاظ بثوابتها وقسماتها الحضارية
؟
ومرة أخرى نقول : إن الفعل السياسي سهل
، ويمكن أن يتحقق في سنة أو بضع سنوات ، أما الفعل الحضاري فشيء آخر ، بل الفعل
السياسي قد ينجح بعد أن تدفع الأمة ثمناً غالياً ، ومع ذلك فقد يفشل الفعل الحضاري
. واعتماداً على النموذج الذي ذكرناه نقول : إن بعض البلدان التي استطاعت الحصول
على الاستقلال السياسي وحكمتها هيئة وطنية قد ازدادت تخلفاً ، بل إن بعض الشعوب
العربية والإسلامية قد ذاقت من ألوان القهر والاغتراب والملاحقة والقمع على يد
الهيئة الوطنية تحت راية علم الاستقلال المرفرف والشعارات الصاخبة المدوية ما لم
تذق جزءاً من مائة منه تحت مظلة الاستعمار السياسي ، بل إن بعض الدول في المحيط
الإسلامي تركها الاستعمار ، وتحقق لها الاستقلال ، وكانت عُملتها ذات قيمة عالية
في مواجهة العملات العالمية ، فلم تكد تمر عدة سنوات من التخبط والفوضى والتكديس
وعبادة الأشخاص والغوغائية حتى هبطت عملتها إلى الحضيض ، وفقد اقتصادها مقوماته
الأساسية ، وبدأت مؤسسات الدولة الوطنية تبيع ثوابتها ومقومات استقلالها للاستعمار
مقابل بعض القروض أو المعونات أو بعض صور التأييد لمواقفها السياسية المتخبطة .
ونضرب مثلاً آخر من تجربتنا الحضارية
الأساسية " التجربة الأم "، لقد انتصر المسلمون في عقود قليلة من الزمان
على إمبراطوريتي الفرس والروم ، لكن هذا الانتصار شيء ، ونشر المسلمين للإسلام بين
الشعوب وتحقيقهم لآليات التفوق الحضاري شيء آخر ، استمروا في تحقيقه قرناً أو
قرنين .
ففي مواجهة حضارة أوروبية وأمريكية
كاسحة ظهر أمام المسلمين مارد عملاق بعد قرون من نومهم العميق ، لا يجوز أن يتصور
أحد أن هناك شخصاً ما يمكن أن يحمل في جعبته ( الحل النهائي للمشكلة الإسلامية ) ،
بل الأمر الطبيعي والمنسجم مع سنن التغيير الاجتماعي أن نتصور وجود أشخاص في حجم (
عبدالعزيز ) يبذلون جهودهم في مساعدة التاريخ على أن يتحرك بقطار الأمة الإسلامية
الممتدة في قارات الأرض في اتجاه ( شروط النهضة ) و ( مؤهلات صناعة الحضارة ) عن
طريق إزالة الأتربة والجراثيم التي علقت ، وباضت ، وأفرخت في العقل المسلم ، ففقد
هذا العقل قدرته على الرؤية الصحيحة لسنن الله في التغيير ، بل فقد قدرته على
الفقه الصحيح في عقيدته وطبيعة رسالته وحقيقة مكانته ، وأصبح عقلاً قابلاً لأن
يلعب به ( البائعون الأيديولوجيون ) ، فيتجهون به يوماً إلى نحلة شرقية تضيع منه ثلاثة
أرباع قرن ، وتحول بعض بلاده إلى معتقلات ترتكب فيها أبشع صور انتهاك إنسانية
الإنسان باسم التقدمية والاشتراكية ، ويتجهون به يوماً آخر بعد أن لحقت بهم على يد
الاتجاه الشرقي أعظم نكساتهم ونكباتهم في التاريخ الحديث إلى الاتجاه الغربي
الليبرالي العلماني ؛ لتنتظرهم كذلك نكسات ونكبات أخرى بانت بوادرها في الانحياز
الأمريكي والأوروبي لإسرائيل، وفي خيانة الصهيونية الإسرائيلية لكل المعاهدات
والمواثيــــق ، إضافة لما حققته الصهيونية من قـــدر كبير من اختراق العقل العربي
والإسلامي ، بل اختراق المقومات الأساسية للأمة العربيـــة والإسلامية ، دون أن
يكون هناك أدنى مقابل أو أدنى تكافؤ في المواجهة الحضاريـــة التي تمثلها الهجمة
الصهيونية التي تسعى طليعــة للهجمة الليبرالية العلمانيـــة والتنصيريــة لغرض
الصدام الحضاري – على حسب تعبير صموائيل هنتجتون – على الحضارة الإسلامية ،
وبالتالي التمكن من اجتياح قلاعها وتجفيف منابعها الإسلامية .
إن الأمر إذن أمر مواجهة حضارية طويلة
النفس ، ولا يصلح معه الدخول في (صدام) مسلح نسبة الانتصار فيه لا تتعدى نسبة
ضئيلة ، فضلاً عن أن الانتصار العسكري أو السياسي ليس هو جوهر القضية فحسب ،
فالقضية حضارية قبل أن تكون سياسية أو عسكرية .
كان عبدالعزيز يجمع بين الثقافة
الإسلامية الموصولة بالفطرة النقية والمنسجمة معها ، ويحمل في وعيه تجربة التاريخ
الإسلامي والحضارة الإسلامية ، ويرتبط بثوابته وماضيه ارتباط حركة وفعالية ، وليس
ارتباط جمود وسكون .
وكان عبدالعزيز يعايش مجتمعاً بدوياً ،
ويرتبط به ، ويحسن التفاعل معه ، بل يحسن قيادته من طور إلى طور .
ومع ذلك كان عبدالعزيز الذي لم يتخرج
من جامعة أمريكية أو أوروبية ، ولم يدرس فلسفة التاريخ على يد ( هيجل ) أو (
شبنجلر ) أو ( أرنولد تويبني ) موصولاً وصلاً يوميا عباديا وفقهيا بالرؤية
القرآنية الحضارية ، وموصولاً أيضاً بأسلافه الذين فتحوا العالم وغيروا التاريخ
دون تهويمات فلسفية أو تعقيدات وتركيبات وتحليلات ترهب الآخرين بادعاء أنها (
علمية ) و ( حتمية ) ، بل انطلق عبدالعزيز في فكره وحركته اعتماداً على أبجديات
ومسلمات واضحة وفطرية ، تعلموها من العروض التاريخية القرآنية المبثوثة في كتاب
ربهم الذي يتعبدون بتلاوته آناء الليل وأطراف النهار .
وكان عبدالعزيز – هذا الرجل البسيط –
مع كل ذلك قادراً على مخاطبة قناصل الدول الأجنبية وكبار الساسة في العالم
واستيعاب ما وراء مقولاتهم وطبيعة أهدافهم ، وقادراً في الوقت نفسه على مخاطبة
رجال القبائل الذين يرفض بعضهم استعمال الهاتف؛ لأن به مساً من الشيطان .
كان عبدالعزيز بهذه العبقرية الفطرية
الممزوجة بالصفاء الإيماني قادراً على فهم المعادلة الحضارية السليمة للفعل
الحضاري في ظل اللحظة الحضارية المعاصرة ، وفي ضوء الإمكانات المتاحة دون أن يهدر
طاقته وإمكاناته في شعارات كبيرة صارخة ، ودون أن يقفز فوق سنن الله في التغيير ،
ودون أن يكون كالنعامة التي تضحك على نفسها في ساعة الخطر ، وتتجاهل حجم عدوها
وأسلحته الفتاكة وإمكاناته العقلية والتكنولوجية والتنظيمية الكبيرة .
كان عبدالعزيز يدرك التحديات الداخلية
التي تواجهه ، ويرى أن التغيير يبدأ منها ، وأنه لا حل نهائي ( للمشكلة الإسلامية
) إلا بترتيب البيوت الإسلامية من داخلها ، وإلا بانطلاق العقل المسلم من موقعه
الذي هو عليه عن طريق التركيز على " الدعوة " وعلى " التربية
" و " التعليم " . وباختصار كان لا بد من الإحاطة والاستيعاب بكل
ما يراه ويقرره ( رواد النهضة ) و ( قادة الرأي ) وجمع أكبر قدر من الخبرات
العربية والإسلامية والأجنبية في بلاده وصوغ ذلك في منهجية متكاملة ذات معيار دقيق
يجري على أساسه ما ينبغي أخذه أو تركه من معطيات حضارة العصر وتجارب الآخرين.
ولعل مالك بن نبي المفكر الإسلامي
الجزائري كان في بحثه عن مقومات النهضة وشروطها كان يشير إلى أمر مهم في هذا
المجال حين ذكر أن كثيراً من الدراسات التي تعالج الضعف والتخلف من فقر وجهل وخلل
في السياسة والتنظيم والاقتصاد لا تتناول في الحقيقة كُنه المرض وأسبابه ، بل
تتحدث عن أعراضه ، وهذا شأن العالم الإسلامي، فهو يدخل إلى صيدلية الحضارة الغربية
طالباً الشفاء ، ولكن من أي مرض؟ وبأي دواء ؟ ([36]) .
فهو يتعاطى هنا وصفة ضد الجهل ، ويأخذ
هناك عُقاراً ضد الاستعمار ، وفي مكان قصي يتناول دواءً كي يشفى من الفقر ، "
ولكننا حين نبحث حالته عن كثب لن نلمح شبح البرء ؛ أي أننا لن نجد حضارة ، ومع ذلك
فهناك جهود محمودة ، يمكن أن نلحظ من خلالها السلبية النسبية لجهود العالم
الإسلامي حين نقارنها بجهود اليابان مثلاً منذ خمسين عاماً ، أو جهود الصين منذ
عشر سنوات ! ... من أجل هذا يجب أن نعرف المقياس العام لعملية الحضارة ؛ ليلقي
لنا ضوءاً كاشفاً على ( السلبية النسبية ) وانعدام الفاعلية في جهود المجتمع
الإسلامي "([37]) .
ومن الحق أن هذه المنهجية السليمة كانت
ماثلة بوعي عميق راسخ فيما يصدر عنه عبدالعزيز من ألق فكري ، وفيما يمارسه من عمل
في بناء النهضـة ، وذلك قبل أن يعبر عنها مالك وغيره من المفكرين بزمن .
إن عبدالعزيز كان يدرك أن تجربة الغرب
في التقدم وما طبقته اليابان بعد ذلك في نهضتها لا يعني أن نقف منها موقف التقليد
بلا تمحيص والأخذ بلا تمييز ، وإذا كان مالك بن نبي يقرر أن المقياس العام في
عملية الحضارة هو أن ( الحضارة هي التي تلد منتجاتها ) سيكون من السخف والسخرية
حتماً أن نعكس هذه القاعدة حين نريد أن نصنع حضارة من منتجات حضارة أخرى .
فإن هذه الحقيقة لم تغب أبداً عن
عبدالعزيز الذي يدل أسلوبه على عدم الاندفاع وراء تجارب الآخرين وتقليدها بغير
تبصر ، كما يدل من ناحية أخرى على عدم السلبية في الموقف منها لما في هذا الموقف
من عدم الانتفاع بما فيها من معطيات سليمة ومنتجات صالحة ، وإذا كان التوجيه
النبوي في مثل هذا الأمر يحدد المسلك الأمثل في قوله e : "الحكمة ضالة المؤمن ، أنّى وجدها فهو أحق بها "([38]) –
فإن ثمة شروطاً لا يصح تجاوزها لتحقيق الموقف المطلوب ، منها :
أولاً : أن نؤمن بأن تخلفنا مرض عارض ،
أصابنا بسبب غيابنا عن سنن الله ، وأن نؤمن في الوقت نفسه بأن قيمنا وهي القيم
النابعة من آخر الرسالات السماوية إلى الأرض هي القيم الأعلى التي تحمل العدل
الكامل لكل البشر دون تفرقة جنسية أو دينية ، وتجربتنا التاريخية في خلال عشرة
قرون ماضية تؤكد ذلك ؛ فيوم كانت أوروبا ترفل في غياهب الجهل والتخلف كانت حضارتنا
مشعلاً للعلم والمعرفة !
ثانياً : أن ننقل عن أوروبا ما يتصل
بالتكنولوجيا والنظم والعلوم النافعة ، وأن نبتعد عن علومها الضارة وسلبياتها
الأخلاقية التي تنخر في جسدها ، ولاسيما فيما يتعلق بوضع المرأة المبتذل في
الحضارة الأوروبية بالإضافة إلى الفنون الهابطة .
ثالثاً : ألا ننسى أننا أمة الدعوة إلى
الله وإلى الدين الصحيح ، وأن نبذل كل جهدنا في سبيل تحريك المسلمين ؛ لينشروا
الإسلام بالحكمة والعلم والحوار الهادف والتسامح وتقديم النموذج الأخلاقي للمسلم
القادر على هضم كل الإنجازات الإيجابية في الحضارة الأوروبية ، بل إخراج هذه
الإنجازات إخراجاً جديداً في إطار إنساني يجعلها طريق خير ونور وحب لكل الناس ،
وليس طريق صراع وهيمنة وإذلال للآخرين .
كانت رؤية عبدالعزيز رجل الإسلام
المعاصر هي الرؤية العملية والواقعية للتغيير والنهضة في ظل الإمكانات والتحديثات
الداخلية والخارجية ، وبالتالي فليس عبدالعزيز في حاجة إلى من يعتذرون عنه ، وليس
أبناؤه وليس السعوديون بعامة في ظل التقويم الصحيح للإمكانات والتحديات الداخلية
والخارجية هم الذين تتجه إليهم أمثال هذه التساؤلات أو المقارنات .
إن عبدالعزيز والسعوديين قبل عبدالعزيز
وبعده كانوا وما زالوا ينطلقون من ثوابت واضحة ، ومعالم هادية ( إسلامية العقيدة
والحضارة ) ، يدعون إليها الناس ، وينشرونها في الأرض ، ويساعدون انطلاقاً منها كل
مسلم يكون في حاجة إلى عونهم ويستطيعون مساعدته .
الإسلام عقيدةً وعبادةً وشريعةً هو
منهجهم الذي يعملون على تطبيقه ، ويجاهدون به كل نواحي التقصير وكل أسـاليب الغزو
الأخلاقي والفكري ، ويحاولون أن يقدموا البديل الإسلامي في كل المجالات .
أنهم لا يغلبون الجوانب السياسية أو
العسكرية أو الثقافية على الجوانب العقدية والعبادية ، كما يفعل بعض دعاة "
الثورة الإسلامية " وبعض قادة التنظيمات والحركات الإسلامية ( الثائرة ) ،
كلا .
فالإسلام يبدأ بالعقيدة الصحيحة
والعبادة الحقة، والرسول e وصحابته – رضوان الله عليهم – غيروا
العالم ، ونشروا الإسلام ؛ لأنهم كانوا قبل كل شيء على عقيدة صحيحة ورهباناً
بالليل ، يخافون من ذنوب أنفسهم أكثر مما يخافون من كثرة أعدائهم أو قوة عتادهم .
كان عبدالعزيز في مجال دحض شبهات
الأعداء يؤكد على ضرورة اعتماد المسلمين على العقيدة السلفية الصحيحة القائمة على
التمسك بالتوحيد النقي ، قال من خطبه له في مكة : " يسموننا بالوهابيين ،
ويسمون مذهبنا بالوهابي باعتباره مذهباً خامساً ، وهذا خطأ فاحش ، نشأ عن الدعايات
الكاذبة التي كان يبثها أهل الأغراض ، نحن لسنا أصحاب مذهب جديد أو عقيدة جديدة ،
ولم يأت محمد بن عبدالوهاب بالجديد؛ فعقيدتنا هي عقيدة السلف الصالح التي جاءت في
كتاب الله وسنة رسوله وما كان عليه السلف الصالح "([39]) .
" إني لأفضل أن أكون على رأس جبل
آكل من عشب الأرض ، أعبد الله وحده على أن أكون ملكاً على سائر الدنيا ، وهي على
حالتها من الكفر والضلال ، اللهم إنك تعلم أني أحب من تحب ، وأبغض من تبغض ، إننا
لا تهمنا الأسماء ولا الألقاب، وإنما يهمنا القيام بحق واجب كلمة التوحيد "([40]) .
ألا نلمح هنا صدى تاريخ الدعوة في
مهدها حين كان إمام الهدى والدعوة – عليه الصلاة والسلام – وصحابته– رضوان الله
عليهم – يرددون المعاني نفسها في مواجهة الكفر والضلال المحيطين بهما إحاطة السوار
بالمعصم ؟ لنتذكر هنا فقط قول الرسول –عليه السلام– لعمه أبي طالب : " والله
لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري على أن أترك هذا الأمر أو أهلك فيه ما
تركته "([41]) .
ولنتذكر هنا أيضاً السنوات الثلاث التي
أمضاها المسلمون في شعاب مكة يأكلون من أوراق الشجر([42]) ، عبدالعزيز
بحسه الإسلامي يردد المعنى نفسه في القرن العشرين الميلادي .
إنه منهج النبوة الذي ينطلق منه
عبدالعزيز إذن ، وليس المنهج " الثوري " ، إن الملك عبدالعزيز نفسه لم
يتردد أن يعلن " حقيقة رؤيته الإسلامية " بصراحة تمنع الإسقاطات على
منهجه ، إنه يقول في حفـل إعلام البيعة له من أعيان مكة المكرمة في 23 من جمادى
الآخرة عام 1344هـ (8/1/1926م)([43]) :
" أسمع خطباءكم يقولون : هذا إمام
عادل ، وهذا كذا وكذا ، فكل رجل مهما بلغ من المنازل العليا إذا لم يخش الله ويطلب
مرضاته فلا أثر له ولا لعمله ، فمتى تركنا الشهوات وهجرنا المحرمات وعبدنا الله
على بصيرة لاقينا الخير كله ، وهل جاء البلاء للناس إلا من اتباع الشهوات شهوات
النفوس التي هي خراب الدنيا والدين ، لذلك أدعوكم إلى الدين ، واتباع آثار السلف
الصالح ، واتخاذ الصراحة في القول والإخلاص في العمل ، وترك الرياء والملق ، فمتى
اتفق العلماء والأمراء على أن يستر كل منهم الآخر فيمنح الأمير الرواتب والعلماء
يدلسون ويتملقون ضاعت أمور الناس ، وفقدنا – والعياذ بالله – الآخرة والأولى
" .
فهل هذا كلام ملك ثوري أم كلام مصلح
إسلامي يعيد الناس إلى ثوابتهم وأصولهم ؟
وفي مؤتمر الرياض الذي حضره ألوف من
أهل نجد غداة الاثنين 22 جمادى الأولى عام 1347هـ خاطب الملك عبدالعزيز العلماء
كافة قائلاً :
" أنتم – أيها العلماء – اذكروا
أن الله سينبئكم يوم العرض ، وستسألون عما سئلتم عنه اليوم ، وعما ائتمنكم عليه
المسلمون ، فأيدوا الحق في كل ما تسألون عنه ، ولا تبالوا بالكبير والصغير ، بينوا
ما أوجب الله للرعية على الراعي ، وما أوجب للراعي على الرعية في أمور الدنيا ،
وما تجب فيه طاعة ولي الأمر ، وما تجب فيه معصيته ، وإياكم وكتمان ما في صدوركم في
أمرٍ من الأمور التي تسألون عنها ، فمن كتم ما في صدره فالله حسيبه يوم القيامة ،
ولكل من تكلم بالحق منكم فله عهد الله ، والقول الذي يقع خلاف بينكم فيه أنتم
–أيها العلماء – فإني أعمل فيه عمل السلف الصالح ، فأقبل منه ما كان أقرب إلى
الدليل من كتاب الله وسنة رسوله أو قول العلماء الأعلام المعتمد عليهم عند أهل
السنة والجماعة ، وإياكم –أيها العلماء –أن تكتموا شيئاً تبتغون به مرضاة الله
"([44]) .
فهل سمعنا ( بثوري – ملك ) يخاطب شعبه
وعلماءه بهذا الحديث ؟ ألا تعيدنا أصداء هذا الحديث بل لغته إلى عصور الراشدين
وخلفاء الإسلام الصالحين ، وما أكثرهم ؟
بل إن " عبدالعزيز " ليحسم
لنا الأمر حول طبيعة انتمائه وحول منهجه ورسالته وأسلوبه الإسلامي في التغيير
بطريقة لا تترك لنا فرصة للإسقاطات والتأويلات ، يقول لنا عبدالعزيز : " أنا
مبشر ، أدعو لدين الإسلام ولنشره بين الأقوام ، أنا داعية لعقيدة السلف الصالح ،
وعقيدة السلف الصالح هي التمسك بكتاب الله وسنة رسوله وما جاء عن الخلفاء الراشدين
، أما ما كان غير موجود فيها فأرجع بشأنه إلى أقوال الأئمة الأربعة ، فآخذ منها ما
فيه صلاح المسلمين .
أنا مسلم ، وأحب جمع كلمة الإسلام
والمسلمين ، وليس أحب عندي من أن تجتمع كلمة المسلمين ولو على يد عبد حبشي ، وإنني
لن أتأخر عن تقديم نفسي وأسرتي ضحية في سبيل ذلك([45]) .
أنا عربي ، أحب قومي والتآلف بينهم
وتوحيد كلمتهم ، وأبذل في ذلك مجهوداتي، ولا أتأخر عن القيام بكل ما فيه المصلحة
للعرب وما يوحد شتاتهم ويجمع كلمتهم "([46]) .
وقد يقال : إن الخطب – ولا سيما في المناسبات
الإسلامية أو في الأماكن المقدسة –قد تملي بعض الاعتبارات " الوجدانية "
التي تتفق وعواطف المسلمين .
وعلى الرغم من أننا لا نوافق على هذا
القول بهذا التعميم نقدم بعض رسائل عبدالعزيز ومخاطباته لمسؤوليه ولمواطنيه سواء
في مجال تحديد السياسة التي يأمرهم بالالتزام بها والسير عليها ، أم في مجال الرد
على بعض استشاراتهم ومكاتباتهم ، وهذه الرسائل – من وجهة نظر علمية مجردة – تمثل
" وثائق " لا تقبل التحريف أو الإسقاط أو التأويل إلا في حدود دلالاتها
القانونية المجردة والمنضبطة بفقه اللغة .
إن الملك المسلم الملتزم –
بعقليتـــــه الإســــــلامية الواعيــــة – يصدر أمره بأداء صلاة ( الاستسقاء )
وهو مؤمن ( بالتغيير الإسلامي ) المرتبط بإرادة الله وبقدرته – سبحانه وتعالى –
على تحريك الأسباب في اتجاه مشيئته ورحمته .
ففي رسالة الملك عبدالعزيز بن
عبدالرحمن الفيصل([47]) :
" إلى جناب الأخ المكرم حسن بن
محمد الخطيب – سلمه الله تعالى – يرد النص التالي:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته :
بعد ذلك تفهمون أن الناس ما لهم إلا
ربهم والالتجاء إليه في السراء والضراء ، ولا مُنع المطر من السماء إلا بسبب
الذنوب ، ولا غناء لهم عن سؤاله ودعائه والإنابة إليه والاستغفار والتوبة إليه ،
وقد عزم المسلمون على الاستغاثة ( صلاة الاستسقاء ) نهار الاثنين تسعة وعشرين شوال
إن شاء الله . هذا ما لزم تعريفه ، والسلام ( 18 شوال 1350هـ) .
فهل هذا ( منشور ثوري ) أو هو منشور (
ملكٍ عابد ) ؟
وفي رسالته :
" إلى جناب الأخ المكرم الأحشم
عبدالله بن محمد بن ناصر وكافة الإخوان
سلام عليكم ورحمة الله وبركاته . على
الدوام
سلمهم الله تعالى آمين :
بعده –بارك الله فيكم– تعرفون ما منَّ
الله به علينا وعليكم من نعمة الإسلام ، ومن أهمها وأكبرها عبادة الله وحده لا شريك
له والتبري ممن سواه ، والثاني معرفة الحق من الباطل والعمل بما أوجبه الله علينا
، والثالث حكم الشريعة الذي هو أحسن فصل بين الناس ، وهو العدل ، فمن رضي به فقد
فاز ، ومن أنكره ولم يعمل به فقد خسر .
ثم تفهمون أن كل عاقل أحب ما إليه إذا
حصل ما ذكرنا أعلاه ؛ لأن فيه الراحة والأمان والسكون بين المسلمين وعدم التخاذل
والتعدي بالباطل ، وبموجب ذلك اجتهدنا في بعض ما يلزم لأجل راحة المسلمين ونصرة
المظلوم وردع الظالم ، وأوجدنا في كل محل الشخص السوي ، إنه من أولادنا أو من
خدامنا ، وأمرنا بالعدل بين الناس، وتحكيم الشريعة وردع الظالم ونصرة المظلوم
" .
ثم يستمر الكتاب في شرح الأوامر
الإدارية المطلوبة ، ويفوض إلى ابنه سعود في نجد وابنه فيصل في الحجاز تحقيق
المطلوب وضبطه ، ويطلب من الناس الرجوع إليهما ، كل في منطقته .
وأيضاً : " من عبدالعزيز بن
عبدالرحمن آل فيصل
إلى جناب الإخوان الكرام سلطان بن عباس
وكافة الإخوان سلمهم الله تعالى .
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته :
تعرفون أن الله سبحانه وتعالى حفظ هذه
الأمة بقدرته ورحمته ، ثم باتباعهم ما جاء به رسوله – صلوات الله وسلامه عليه –
وتقويم هذه الشريعة ، فببركة الله ثم بركة التوحيد وبركة الصادق المصدوق e كان الناس في أرغد عيش وأتم نعمة ، وكل أمر يخل بالشرع ما فيه خير
، وآخره وبال على أهله .
وبهذه الأيام رأته قلة مروءتهم وكثرة
شرهم ، ويحبون طرق الفتن وبالأخص في المياه والموارد ، كل يدعى أن هذا ملك لي
ولبوي ( لأبي ) وجدي ، والملك لله الواحد القهار ، وبهذا التملك فساد على المسلمين
على مصلحة الشخص وفساد على العموم، فالآن أنا مجر إن شاء الله ما أجرته هذه
الشريعة ، وناه إن شاء الله عما نهت عنه "([48]) .
ثم يستمر الخطاب في بيان أحقية الناس
على الشيوع في الماء إلا من ثبت أنه امتلك بئراً بطرق شرعية .
وهكذا كان الملك عبدالعزيز في خطبه أو
في مخاطباته ، وهكذا كان أيضاً في كل خططه ، كان ملكاً ملتزماً بالحكمة والهدوء مع
إيمانه المطلق بثوابت أمته وتاريخها وحضارتها وفق المنهج السلفي الذي يضع ( النقل
) فوق ( العقل ) ، مؤمناً باستحالة التناقض بين النقل الصحيح والعقل الصحيح ، بل
إن هذا الملك كان مهتماً بطبع كتب العلوم الإسلامية المخطوطة وتحقيقها ، فأمر بطبع
نيف ومائة مجلد من تلك الكتب، على رأسها تفسير القرآن الكريم للإمامين ابن كثير
والبغوي ، والمغني والشرح الكبير لابن قدامة ، ومجموعة رسائل وفتاوى شيخ الإسلام
ابن تيمية ، ومجموعات رسائل ومسائل نجدية لجماعات من علماء نجد ، وبعض كتب الشيخ
محمد بن عبدالوهاب ، وبخاصة الثلاثة الأصول ومجموعة التوحيد الذي هو حق الله على
العبيد ، وخطب الإمام محمد بن عبدالوهاب ، وبعض كتب ابن تيمية الأخرى غير ما ذكرنا
.
كما وقف الملك عبدالعزيز وراء بعض
ناشري الكتب السلفية والتراثية ، ومساعداته للشيخ محمد رشيد رضا معروفة ، وعن
طريقه نشر كتباً كثيرة .
فمن حيث نظرنا على الملك عبدالعزيز
نجده ذلك الملك العاقل البصير الذي لم يتطـــــرق إليــــــه الشك في أصـــــول
عقيدتـــــه وحضارتـــــه قط ، ولم تجعلــــه الضغوط ( الأيديولوجية) قط يعتمد
أساليب غير إسلامية في التغيير ، ولاسيما الضغوط التي تبعت نجاح الثورة البلشفية
سنة 1917م في روسيا ، وما اعتمدت عليه هذه الثورة في تعاملها مع العالم من تشجيع
للانقلابات الدموية ونشر للأحزاب الشيوعية التي يتزعمها في الغالب اليهود والماسون
، وما تذيعه أبواق الثورة الشيوعية وسدنتها والخونة لدينهم وأوطانهم من أفكار
إلحادية وانحلالية ، وما يروجون له من حتمية صراع الطبقات ، وحتمية سيادة
البروليتاريا ، وحتمية القضاء على الملكية الفردية ، وحتمية القضــــاء على الدين
لارتباطـــــه بالإقطاع ، وحتمية زوال الرأسمالية ، إلى غير ذلك من الحتميات
" الساذجة " التي سقطت كما تسقط أوراق الشجر في الخريف ، وبقي الدين
شامخاً ، ولا سيما الإسلام ، وبقيت الطبقات والملكيات الفردية ؛ لأنها من سنن الله
الاجتماعية.
الملك الفذ عبدالعـزيز عاصر ذلك كله ،
لكنه بقي بالإسلام ومنهجه في التغيير فوق كل هذه الضغوط .
وعلى العكس من المنهج الثوري كان الملك
عبدالعزيز مؤمناً بمنهج التغيير الإسلامي الذي يبدأ بتغيير الإنسان " الفرد
" من داخلـه انطلاقـاً من قوله تعالى : {
إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ }([49]) ،
فبدأ عبدالعزيز بتطوير البدو وبتوطينهم وتعليمهم وإعادة صياغة أفكارهم إسلامياً .
وبعد أن كانت الجزيرة العربية مرتعاً
خصباً للصراعات القبلية وعصابات قطع الطرق على الحجاج نجح عبدالعزيز بتطبيقه
الصارم للشريعة والحدود الشرعية في جعل رحلة الحج والرحلات داخل الجزيرة المترامية
الأطراف بعامة رحلات سلام وأمن لا يتوافران لأي بلد في العالم بعد أن كان المجترئ
على هذه الرحلات مغامراً في حكم المفقود ، والراجع منهم في حكم المولود .
أما من كان سعيد الحظ مثل : "
محمد أسد " و " عبدالله فيلبي " وغيرهما من هؤلاء الأجانب الذين
حملوا ورقة صغيرة ممهورة بخاتم عبدالعزيز تفيد أنهم من ضيوفه – فإنهم لا يجدون
الأمان فقط ، بل يجدون إلى جانبه الضيافة والكرم العربيين الرائعين في أي مكان
يهبطون فيه حتى في " الربع الخالي " .
كانت عين عبدالعزيز – وهو يبني دولته
في ظل معادلات معقدة – تتجه إلى تجربة الإسلام الأولى ، تأخذ من وسائلها وآلياتها
" الشريفة " المنسجمة مع " الأهداف الشريفة " بعيداً عن
" المكيافيلية " و " الخيانات " و " الدمويات "
الثورية .
فلم يؤخـذ عليه أنه كان "ملتوياً
ولا " برجماتياً " ولا مقطوع الوشائج بالتقاليد والأعراف الإسلامية
والعربية ، وقبل هذه العادات وفوقها التزامه بكتاب الله وسنة رسوله –عليه الصلاة
والسلام– في حدود قدراته البشرية .
وبتأثير هذا الرباط بين عبدالعزيز وبين
القواعد الإسلامية الأصيلة كان تشخيصه لأمراض الأمة المسلمة ولوسائل علاجها صادقاً
وموضوعياً ، إنه تشخيص من لا يتنكر للماضي ولا ينفيه ، ولا يستورد دواءً معلباً
يفرضه على الجسم الإسلامي إذا كانت طبيعته تأباه ، يقول عبدالعزيز الملك الداعية
الذي يحمل الهم الإسلامي العام : " إن المسلمين متفرقون اليوم طرائق بسبب
إهمالهم العمل بكتاب الله وسنة رسوله ، ومن خطل الرأي الذهاب إلى أن الأجانب هم
سبب هذه التفرقة وهذه المصائب ، إن سبب بلايانا من أنفسنا لا من جانب الأجانب ،
فالمسلمون هم بلاء أنفسهم ، يأتي أجنبي إلى بلد ما فيه المئات ، بل الألوف ، بل
الملايين من المسلمين ، فيعمل عمله بمفرده ، فهل يعقل أن فرداً في مقدوره أن يؤثر
على ملايين الناس إذا لم يكن له بين هذه الملايين أعوان يساعدونه ويمدونه بآرائهم
وأعمالهم ؟ كلا ثم كلا ، فهؤلاء الأعوان هم سبب بليتنا ومصيبتنا . أجل ، إن هؤلاء
الأعوان هم أعداء الله وأعداء أنفسهم ، إذن فاللوم والعتاب واقع على المسلمين
وحدهم "([50]) .
ويقول الملك المسلم أيضاً :
" المسلمون ينقصهم معرفة الزعماء
والأشخاص ونفسياتهم ، فإن هنالك أشخاصاً من المسلمين يتظاهرون بالغيرة والتضحية ،
وهم في حقيقة الأمر على عكس ذلك ، يتظاهرون بالغيرة ، ويسعون في الخفاء لتنفيذ
مآربهم الشخصية والتجسس على أحوال إخوانهم ، وهذا أمر يؤسف له ؛ لأن الأضرار التي
لحقت بالمسلمين العرب جاءت عن هذه الطريقة "([51]) ؛ وبطريقة
أوضح وضع يده على واحد من أهم معالم تخلف المسلمين، ويجلي ذلك قوله :
" يقولون إن المسلمين في تأخر ،
وبحثوا ليجدوا طريقة لتقدم المسلمين ، فما وجدوا طريقة أمامهم إلا أن يقلدوا
الأوروبيين ، ولكنهم لم يقلدوا الأوروبيين فيما كان سبب قوتهم ومنعتهم ، بل قلدوهم
فيما لا يسوغ في دينهم ، فقد مضى على هؤلاء عشرات السنين ، وهم يدعون الناس بالسر
والعلانية بالقول والعمل لتقليد الأوروبيين ، ولكن من منهم عمل إلى اليوم إبرة أو
صنع طيارة أو بندقاً أو مدفعاً ؟ لقد قلدوهم ولكن في غير ما يعود عليهم بالنفع ،
قلدوهم فيما يخالف ما ينتسب إليه المسلم ، وقلدوا ملاحدتهم في الإعراض عن دين الله
"([52]) .
إن هذه الأفكار ليست من ( معاجم ) ولا
( قواميس ) الثوريين ، حتى في أيامهم الأولى التي يخدعون فيها شعوبهم تثبيتاً
لأقدامهم ؛ فالثوريون العرب والمسلمون الذين لم يُكتب تاريخهم الصحيح بعد ، والذين
تزامت ثوراتهم وانقلاباتهم مع قيام دولة إسرائيل ، فشغلوا الأمة عنها ، وأعطوها
الفرصة التاريخية ؛ لكي تنمو في فراغ ، بينما انصرفوا هم إلى إحداث الصخب والمعارك
مع إخوانهم والشك بأبناء شعوبهم والزعم بأن الطـريق لجهاد إسرائيل لا بد أن يمر
بالعواصم العربية أولاً ، والحق أنه مر بالعواصم العربية ، ووقف عندها –هؤلاء
الثوريون كانوا عبيداً للإيديولوجيات الشرقية والغربية، وكانوا ينقلون منها حذو النعل
بالنعل غثاء الحضارة الأوروبية وعرقها الفاسد ، ويهملون إيجابياتها ومنافعها
الكثيرة .
أما منهج عبدالعزيز فكان بعيداً عن هذا
كله ، وأما أساليبه سواء في كلامه أم في أعماله – أي في مجال الفكر والتطبيق –
فكانت ذات خصوصية ضربت بسهم وافر في الإيجابية والتميز .
هل وجد غير عبدالعزيز من يقول في حسم
وفي تحدٍ واضح لكل الشعارات المنافقة والمتهافتة :
" أما التمدن الذي فيه حفظ ديننا
وأعراضنا وشرفنا فمرحباً به وأهلاً ، وأما التمدن الذي يؤذينا في ديننا وأعراضنا
فوالله لن نرضخ له ولن نعمل به ولو قطعت منا الرقاب"([53]) .
كلا ، إنه عبدالعزيز وحده ، عبدالعزيز
بأساليبه الحضارية الإسلامية هو المؤهل لمثل هذا الكلام .
وهو دليل قوي على أصالة عبدالعزيز
وانتمائه العميق لجذوره الحضارية الإسلامية عقيدة وشرعية وإبداعاً حضارياً سواء في
الأهداف أم الأساليب .
ومن أعظم ما يتميز به عبدالعزيز أنه
أدرك أن هذا الانتماء لم يكن حائلاً بينه وبين (المعاصرة ) أو ( التحديث )
بمعناهما الصحيح ، ولم يدر بخلده أبداً أن أمته دون الأمم الأوروبية المتقدمة ، بل
على العكس آمن بأن عقيدة أمته وحضارتها أسمى من حضارة أوروبا في المجالات
الإنسانية والأخلاقية ، وكان واضحاً مع نفسه ومع الآخرين في أنه لا يريد من أوروبا
إلا " التكنولوجيا " ، وأما ما سوى ذلك فلا يهمنا أمره ، فعندنا ما هو
أفضل منه ، وهو ينقم على الذين لم يقلدوا الأوروبيين فيما كان سبب قوتهم فحسب، بل
قلدوهم فيما لا يسوغ في دينهم .
إن هذه الرؤية الحضارية المتقدمة لدى
عبدالعزيز كانت متألقة في وعيه ، فلم ينهزم أبداً أمام كل صور القوة الأوروبية ،
ولو كان الأمر مواتيا لفرض على شعبه إدخال كل الوسائل والنظم الأوروبية النافعة
التي لا تتناقض مع الإسلام ؛ لأن عبدالعزيز يؤمن كما يؤمن كل المسلمين الصادقين
بأن إبداعها في الحقيقة ( فرض كفاية)([54]) إسلامي ، كان
من الواجب أن يكون المسلمون أسبق إليه .
واستعمل عبدالعزيز الوسائل المتدرجة
والحجاج الشرعي القائم على فقهه السديد وفقه بعض معاونيه بالإسلام ؛ حتى استطاع أن
يدخل كثيراً من الآلات الأوروبية في تطوير الصناعة والزراعة ، ورأى أن يستعين
بالخبراء الأجانب لما يعود على الأمة بالنفع، بل إنه عانى وحورب عندما بدأ يستعمل
التلغراف واللاسلكي والإذاعة .
ويفسر بعض الباحثين المسلك الأخلاقي
عند عبدالعزيز من التقشف أو رفض مظاهر الحضارة الغربية المحرمة والفاسدة بأنه كان
نوعاً من " الرفض الثوري والعزة القومية " ([55]) .
والحق أن هذا التفسير مخالف للصواب ،
فما كان تقشف عبدالعزيز ورفضه لمظاهر الفساد وأنواع المحرمات إلا رفضاً إسلامياً
نابعاً من الالتزام بدينه والانتماء لحضارته ، والاستعلاء بقيمه الإسلامية ، وقد
بين عبدالعزيز أن دين الإسلام لا يعرف مبدأ " الغاية تبرر الوسيلة " ،
لكنه يؤمن بأن الغايات الشريفة لا بد لها من وسائل شريفة ، ويؤمن بأن الله طيب لا
يقبل إلا طيباً ، ومن هنا فإن وضوح السلوكيات وشرفها وأخلاقياتها ضرورات لتحقيق
الغايات الواضحة الشريفة ، وفي ضوء هذا المفهوم الإسلامي للوسائل والأساليب التزم
عبدالعزيز وأبناؤه بالخصائص السياسية الآتية :
1-
أنها سياسة
تعتمد الهدوء والصمت في الاتصال والعلاقات ، ولا تعلن عن أهدافها إلا قليلاً ،
ربما لأنها تخشى أن تنحرف بها الإعلانية عن أغراضها ، وتخضع من ثم لاعتبارات لا
تتصل بتصورها الخاص والمستقبل لمصالحها الوطنية .
2-
أنها سياسة
تعتمد على ضبط النفس ، فلا تستفزها سياسة معادية لها مهما غالت في عدائها ؛
لتخرجها من دائـرة تحركها ، وتصرفها عن أهدافها إلى دوائر أخرى، فتفرض عليها مالا
تريد .
3-
أنها سياسة لا
ضغوط داخلية عليها ؛ لأنها في هدوئها وأناتها تستطيع دوماً أن تمارس وبقدر أكبر من
الحرية نشـاطها الخارجي دون أن تضطر إلى الخضوع لمؤثرات الصراع والتنافس([56]) .
ولهذه الخصائص في الأساليب والوسائل
فإن السعودية مجتمعاً ونظاماً تختلف اختلافاً أساسياً وجذرياً عن المجتمعات
الغربية والشرقية والمجتمعين : الغربي الديموقراطي والشيوعي الشمولي بخاصة ، فهي
مجتمع أسري وأبوي وديني ، مجتمع تختلف عقيدته ، وبالتالي نظامه عن المجتمعات
السائدة ، إنه نظام آخر ومجتمع آخر ، يخطئ من يأخذه بمقاييس من خارجه ، وبالتالي
فإن سياسته الخارجية تختلف أهدافاً وأساليباً عن الأنظمة الأخرى([57]) .
أجل ، إنه نظام يعتمد الأساليب
الإسلامية الشرعية الحضارية ، ولا يؤمن بالأساليب الانفعالية أو "
الميكيافيلية " أو " البرجماتية الذرائعية " أو الثورية ، تلك التي
لا تتفق مع طبيعة دينه العظيم أو تقاليده العربية .
المصلحة الإسلامية العليا
محور لسياسة الخارجية السعودية
كان لعبد
العزيز منهجه الإسلامي النابع من عقيدته وفطرية وثقافته ومناخ أسرته وتجربة جزيرته
العربية ، كان يملك الرؤية الإسلامية الحضارية الأصلية ، ولم تكن "الثورية
" أسلوب هذا المنهج كما ذكرنا ، ولم تكن دولة آل سعود هي " الدائرة
المغلقة " التي أراد لها عبد العزيز أن تكون وحدها مناط اهتمامه ، إنها
الدائرة الأولى ، لكنها مرتبطـــة ارتباطا عضويا بالدائرتين الموصلتين بها ، وهي
الدائرة العربية والدائرة الإسلامية .
لقد كان لعبد العزيز وجدانه الإسلامي
العالمي ، وكان يشعر بولائه للدعوة السلفية التي أصبحت جزءا من قسمات أسرته ودولته
، وهي " دعوة سلفية " ، لا تعني أبدا مذهبية معينة كما يصورها بعضهم ،
بل هي تحاور الجميع ، وتتعامل مع الجميع على أساس ثابت أساس ثابت لا تحيد عنه ، ولا يستطيع أن يختلف معها حوله مسلم
واحد، إنها تدعو إلى العودة إلى كتاب الله وسنة رسوله الصحيحة واقتفاء أثر السلف
الصالح في ثقة تامة بما قاله الرسول – عليه السلام – :"تركت فيكم ما إن تمسكتم به فلن تضلوا بعدي :
كتاب الله ، وسنتي ".([58]) وفي ثقة تامة بصلاحية الإسلام لكل زمان ومكان ، بل
بقدرة الإسلام على أن يكون الأكثر تقدما في كل العصور بشرطين :
أولهما:الحفاظ
على الصلة الكريمة بالله كما شرعها الله ورسوله e
.
ثانيهما:الحفاظ
على إنسانية الإنسان ، ولا إنسانية للإنسان في التصور الإسلامي دون دين صحيح ،
فليس "بالعقل النسبي " وحده يستطيع الإنسان عبور رحلة الحياة محتفظا
بالمستوى الإنساني اللائق بإنسانيته ، فالدين بثوابته المطلقة يضمن الحق والعدل
لحركة العقل البشري في التاريخ .
وهذان الشرطان
الأساسان قادران – لو قام المسلمون بواجبهم الحضاري –على أن يصهرا كل الإنجازات
الحضارية المعاصرة في بوتقتهما وفق منظومة ربانية إنسانية رائعة تتحقق لها ما جاء
التعبير عنه بقوله تعالى : {صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنْ اللَّهِ
صِبْغَةً}([59]) .
لقد كانت هذه
" الرؤية الإسلامية " هي منهج
الملك عبد العزيز ، وهي التي تشكل قاعدة وعيه السياسي والحضاري.
وكان بطريقة
تلقائية تجمع العقل الواعي والوجدان الإيماني – ينطلق في كل تصرفاته من هذه الزاوية ومفرداتها .
فلم ينطق الملك عبد العزيز في حركته التاريخية من فراغ ،
وفي الوقت نفسه لم يكن الملك عبد العزيز ينطلق من أرضية فلسفية أو تنظيرية معقدة .
لقد كان
القرآن وما فيه من قصص الماضين وتجارب السابقين ومعالم الهداية ماثلا في ذهن عبد
العزيز وحاضرا حضورا قويا لا يغفل عنه إيماناً والتزاما وعملا .
كان عبدالعزيز يعي أن الصحابة–رضوان الله عليهم– قد
استحقوا أن يكونوا {خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ}([60])
، وأصبحوا بذلك مع عدم تحضرهم بالقدر
المساوي أو القريب من أدائهم قادة الدنيا وأئمة الحق والمثل العليا .
على أساس من
هذا يمكن القول : إن تجربة آل سعود في دولتهما الأولى والثانية وارتباطها – كما
ألمحنا – بالحركة السلفية في الدولتين معا كانت حاضرة في وعي عبدالعزيز، فكان يشعر
وهو يتحرك بالضوابط والمعالم التي تقود خطواته على الدرب .
ثم إن للإسلام
طبيعة طيبة تجعل الدين محور الحياة ، وتجعل الدنيا مرتبطة بالدين في كل شؤونها
الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والثقافية : { قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي
وَمَحْيَاي وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (162) لا شَرِيكَ لَهُ
وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ }([61]) .
وعلى خطا محمد
بن عبد الوهاب ومحمد بن سعود معا كان عبد العزيز يعرف امتداده التاريخي ، ويعرف
أيضا أنه لا يجوز له لا شرعا ولا عقلا أن يبقى واقفا في مكان ناظرا إلى الماضي
ومعطياته غير عابئ بتحديات المستقبل ، بل كان عليه أن يهضم تجربة الماضي ، وأن
يأخذ من إيجابياتها وسلبياتها معلما من معالم حركته ، ومن ثم لا يجوز له أن ينسى
أن مدافع أولاد محمد علي الألباني هي التي قضت على دولة الدعوة الأولى، وأن من
الضروري أن يوضع العلم الدنيوي في مكانه الصحيح تطبيقا للآية الكريمة : {
وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ }([62]) ، ولئن كانت الحركة السلفية حركة فكر يطالب بالعودة
إلى الأصول الثابتة ، إلا إنها مع ذلك تمثل تعبيرا عن رفض التواكلية والسكونية
والبِدْعية والطُّرُقية والانعزالية التي شلت حركة المسلمين ، وهي بطبيعتها دعوة
إصلاح تتجه إلى كل المسلمين ، وتمثل حربا على كل العوائق التي تحول بين المسلمين
وبين التوحيد والوحدة ، فبالتوحيد الصحيح تنطلق الأمة لنشر الإسلام كما انطلق
الأسلاف البواسل ، وبالتوحيد الصحيح نفسه تتجه الأمة إلى الوحدة والأخوة وإيثار
راية التوحيد الواحدة على كل عوامل التشرذم والفرقة ، مهما كانت أسباب هذه الفرقة
ودواعيها والخلاف المؤدي إليها .
إن هذا الرصيد
بثوابته الفكرية القرآنية وبتجاربه التاريخية كان جماع ما يملكه عبدالعزيز من
قواعد الانطلاق الفكري ، يضاف إليه عقل كبير يشبه الإناء العظيم الذي توضع فيه
المياه النقية العذبة ، فيظهر جمالها ورواءها .
ولم يغفل عبد
العزيز عن الأمر الخطير الذي يجب عليه أن يفعله ، وهو أن ينظر إلى ما حوله ، ويعرف
الدوائر المحيطة به ومدى قوتها وضعفها ، وماذا يجب عليه نحوها، وكيف يمكنه أن
يتفاعل مع ( العرب ) ومع (المسلمين ) ومع ( الإنسانية ) أصدقاء وأعداء ؟! وهذه هي
( الدوائر الثلاث ) التي ضمنها نظرته ، بالإضافة إلى (الأرضية الداخلية) التي يقف
فوقها ، وتشكل مصدر قوته وفاعليته .
وقد رسم خطة
حركته على ضوء تقديره السليم لقوته الداخلية ولهذه الدوائر المحيطة به ، فلم يقع
فيما وقع فيه حملة الشعارات الصارخة الذين يستعجلون المعارك ، ثم يكون النصر
لأعدائهم عليهم !
لكن عبد
العزيز كان يحسب لكل خطوة ما وراءها ؛ حتى لا يحقق مصلحة صغيرة على حساب مصلحة
كبيرة ، ومع ذلك كانت مواقفه واضحة أصلية نابعة من ثوابته التي لا يساوم عليها ؛
فهذا الرجل المخلص لدينه وأمته كان مع مصالح العرب العليا في كل المجالات على طول
الطريق ، وكان – وهو الأهم – مع الثوابت العربية والإسلامية التي تحفظ العرب
مكانتهم الرائدة في الحضارة الإسلامية ، حتى في أوقات ضعفه أو فقره لم تكن المبادئ
والثوابت معروضة للمساومة في دهاليز السياسة ، كما كان يفعل في عصره كثير من
الزعماء والساسة الذين كانوا يهاجمون الاستعمار بالنهار ، ويجلسون إلى مائدته
بالليل ، ويقولون فيه كل مكروه من " القول " ، أما " الحل "
فشيء مختلف تماما .
أما عبد
العزيز فكان لا يقول ولا يفعل إلا ما يتفق مع دينه ، وما يقدر على تنفيذه وما
يمليه عليه ضميره ، لقد خالف العثمانيين ، وفرضوا عليه أن يحاربهم ، لكنه كان أشرف
مخالف لهم ، ولم يطعنهم من الخلف باسم " القومية " أو " الدولة
العربية الكبرى" المولودة في رحم السياسة الاستعمارية والصهيونية .
تجنب الصدام
مع أوروبا ، ولا سيما بريطانيا ، لكنه كان من أعظم المناوئين لها والمحبطين
لسياستها ، وكانت مواقفه في قضية " واحة البريمي " وقضية " رشيد
عالي الكيلاني " السياسي العراقي الذي لجأ إلى عبد العزيز من وجه بريطانيا
التي كانت تطارده بكل قوة ، وبعد أن أشعل الثورة في العراق ضدها ، فحماه عبد
العزيز ، ورفض كل ضغوط بريطانيا ، بل لقد قال لبريطانيا على لسان ابنه الأمير فيصل
: " لن تأخذي " رشيد عالي الكيلاني " إلا بعد القضاء على آخر رجل
سعودي "([63]) .
ثم إنه لم
توجد حركة تحرير من الاستعمار في المحيطين العربي والإسلامي إلا وساعدها مساعدة فعلية
، يذكرها أصحاب تلك الحركات بكل تقدير .
وكان يدرك أنه
يحكم أشرف البقاع في الأرض ، وأن الجزيرة العربية هي منبع العروبة وأرض الإسلام
وقبلة المسلمين ، وإليها تهفو قلوبهم ، ومن حق كل مسلم أن يطمع في مساعدتها له ؛
ليحافظ على دينه أو لغته أو مقوماته الإسلامية سواء كان يعيش في بلد أكثريتها
إسلامية ، أم يعيش ضمن أقلية في بلد غير مسلم .
ومنذ استقرت
مملكة عبد العزيز في حدودها المعروفة الآن تقريبا وخضعت له الحجاز سنة 1344هـ/
1925م وضع سياسته على أساس خدمة المسلمين والعرب والوقوف مع مصلحتهم بكل ما يستطيع
.
وقد كان
الإعلان عن توحيد المملكة العربية السعودية عام 1351هـ /1932م تحولا مهما في
السياسة الخارجية ، بعد أن أمضى الملك عبد العزيز ثلاثة عقود من الزمان في مواجهة
التفكك الداخلي والصراعات المحلية في الجزيرة وفي مواجهة النفوذ البريطاني الذي
كبَّل حكام إمارات الخليج باتفاقيات الحماية البريطانية التي يشرف عليها مقيم
سياسي ، يشبه " الحاكم الفعلي " لدول الخليج أو إماراته ، وتحت مظلة هذه
الحماية البريطانية تنازلت إمارات الخليج لبريطانيا عن جميع الشؤون المتصلة
بسياستها الخارجية !
ويضاف إلى
القوى الداخلية التي كانت تحارب عبد العزيز والنفوذ البريطانية القوة العثمانية
التي كانت تساعد أعداء عبد العزيز في الداخل مثل ابن الرشيد والشريف ؛ لكي
يستطيعوا إحباط مخططات عبد العزيز الرامية لتوحيد الجزيرة تحت راية التوحيد
السلفية .
فعندما نجح
عبد العزيز في مواجهة هذه القوى والإعلان عن قيام دولته الكبيرة الموحدة بدأت
السياسة الخارجية السعودية ترمي بثقلها في اتجاه المصالح العربية والإسلامية
العليا .
وبينما كانت
الإستراتيجية السعودية قبل عام 1932م – وهو العام الذي شهد قيام المملكة العربية
السعودية – مركزة بالدرجة الأولى على داخل الجزيرة العربية تطورت هذه الإستراتيجية
، فبدأت مصالح العرب والمسلمين تحتل المكانة البارزة في الاهتمام السعودي العام ،
وفي مجال السياسة الخارجية السعودية التي أصبح شاغلها الشاغل هو الدفاع عن قضايا
العرب والمسلمين بصفة خاصة مستغلة مكانتها الإسلامية وسياستها العربية المعتدلة وثروتها في
مرحلة ظهور النفط ، ويؤكد هذا التحول ما ورد في الصحيفة الحكومية السعودية "
أم القرى " في عددها الصادر في السادس عشر من سبتمبر 1932م قبل يومين من (
إعلان توحيد المملكة ) ؛ إذ قامت الصحيفة المذكورة باستعراض الخطوط الرئيسة لسياسة
المملكة ، وأهم إنجازات تلك السياسة ، وكان من أبرز ما جاء في التقرير الذي نشرته
الصحيفة ما يأتي :
1– قامت المملكة بإرسال وفد برئاسة الأمير فيصل
لزيارة معظم عواصم الدول الأوربية ، وذلك لبحث إنشاء علاقات صداقة مع تلك الدول ،
واستغرقت زيارة الوفد ثلاثة أشهر .
2– عقد عدة اتفاقيات صداقة بين المملكة وكل من
اليمن وفرنسا وسوريا ولبنان وأفغانستان .
3– انضمت المملكة إلى اتفاقية باريس الخاصة بحظر
الاعتداء على الدول الأخرى .
4– قبلت الحكومة الدعوة لمؤتمر نزع السلاح ،
فكلفت سفيرها في لندن تمثيلها في ذلك المؤتمر .
5– حل معظم المشكلات المتعلقة بين الحكومتين
السعودية واليمنية .
6– أسس مجلس لوكلاء الوزارات برئاسة الأمير فيصل
بن عبد العزيز ، وقد نيط بهذا المجلس تنفيذ السياسة العامة للدولة([64]) .
ويلاحظ أن "فيصل بن عبد العزيز
" كان الراعي الأول للسياسة الخارجية بعد أبيه بتوجيه منه منذ كان فتى في
الرابعة عشرة من عمره ، ولهذا فلم تكد تعلن وحدة المملكة حتى كان فيصل مدربا كل
التدريب ، ومستعدا كل الاستعداد بمواهبه وكفايته ووضوح رؤيته العربية والإسلامية
والدولية ؛ لقيادة سفينة العلاقات الخارجية السعودية ورسم هندستها بمقاييس دقيقة
حكيمة ، شهد له بها الأعداء قبل الأصدقاء .
كانت عقيدة الإسلام وشريعته أو –
بتعبير آخر – كان " الدستور الإسلامي " هو العامل الرئيس الذي يشكل
فلسفة السياسة الخارجية السعودية ، يضاف إلى ذلك الطبيعة الخاصة للنظام السعودي ؛
إذ إن الملك هو خادم الحرمين الشريفين اللذين هما محط أنظار المسلمين في جميع بقاع
الأرض ، يترتب عليه أن يكون للمملكة ولسياستها الخارجية وضعها الخاص([65])،
ويذكر وليام إدي William Eddy السفير الأمريكي في
المملكة خلال أحد لقاءاته مع الملك عبد العزيز أن الملك أوضح له بصريح العبارة
موقفه لكونه مسلماً وحاكما للحرمين الشريفين في تعامله مع الماديين الغربيين قائلا
:
"إننا – المسلمين – نملك شيئا
ثمينا ، ألا وهو العقيدة الخالصة ، أما أنتم فقد منحكم الله الحديد بكل منافعه ،
فلأننا لم نؤمر بعدم استعماله فإننا سنستفيد من صنائعكم ، وفي الوقت نفسه نطالبكم
بعدم التدخل في عقيدتنا "([66]) .
ويذكر (إدي) حديث الملك عبد العزيز بإسهاب عن مزايا القرآن
، وتنظيمه جميع الأمور الدينية والدنيوية ، وتنظيمه العلاقة الأسرية والتعليم
والزواج والإرث والتملك وجميع أمور الحياة ، فمن هذه الناحية أوضح الملك أننا لسنا
بحاجة إلى أي مساعدة من الغرب ، ولكن من ناحية أخرى نحن نحتاج بدون شك لمخترعات
الغرب ، مثل الطائرات والتكنولوجيا([67]) .
فنحن نجد في هذا النص وضوحا في الرؤية
يعلنه صاحبه أمام سفير دولة أجنبية عظمى ، ولا يستعمل فيه أساليب المداراة أو
الكلمات ذات الوجوه المتعددة التي درج على استعمالها رجال الدبلوماسية والسياسة ،
ويؤكد لنا هذا الحوار أيضا " وضوح المعادلة الحضارية " في وعي عبد
العزيز ، وهو يتعامل مع القوى العظمى الأجنبية في عصره ، ونلاحظ أن هذا الأسلوب
الواضح وهذه المعادلة الحضارية الواضحة قد ورثها فيصل بن عبد العزيز ( الأمير ثم
ولي العهد ثم الملك) وعلى يديه – وهو مهندس الدبلوماسية السعودية العالمي – تحقق
في أرض الواقع كل ما كان يطمح إليه عبدالعزيز، وذلك في حدود الإمكانات الذاتية
للمملكة ومستوى التحديات التي تواجهها في المحيط الإسلامي والعربي والإنساني .
وقد كان عبد العزيز يستشرف آفاق المستقبل
وهو يخصص ( الفيصل بن عبد العزيز) للسياسة الخارجية ، ثم وهو يرسل ( الفيصل ) بين
الحين والحين إلى الدول الأجنبية لمدة شهور طويلة ، ثم يضعه نائباً له على الحجاز
الذي يعد مكانا إسلاميا ودوليا بطبيعته ، ويفرض تعاملا سياسيا ودبلوماسيا مع جميع
المسلمين ومع العالم .
وفي رؤيتها الحضارية كانت السياسة
السعودية تجنح إلى ما فيه سلام عالمي وعربي وإسلامي يقوم على العدل ، فبينما تسعى
إلى عقد اتفاقات سلام وتعاون في المحيط العربي نراها كذلك تسرع إلى التوقيع على
اتفاقيات " حظر الاعتداء " و " نزع السلاح"، وشتى الاتفاقيات
التي تؤصل الوئام العالمي ، وتقود خطا البشرية إلى الحوار والتفاهم بطريقة أخلاقية
إنسانية .
والمملكة في عهد عبد العزيز وأبنائه
عندما تجنح إلى هذا التكامل العربي وهذا السلام العالمي ترى في ذلك المناخ المناسب
لخدمة أهدافها الإسلامية التي هي محور فلسفتها السياسية ، فما لم يكن المحيط
العربي – وهو حمى المملكة وسياجها – محيطا آمنا بل مدعما للمملكة فإنها لن تستطيع
أن تنطلق عالميا بالقدر الكافي ، بل إن طاقتها يمكن أن تستنزف في خلافات جانبية ،
ولهذا نجد المملكة أسرع الدول إلى قبول الحلول السلمية ، حتى لو كانت في موقف
المتنصر ، فهي تعد أي صراع في المحيط العربي ليس فيه منتصر ولا منهزم ، بل هو
استنزاف للطاقة العربية ، ويعد موقف الملك عبد العزيز وأبنائه من المشكلة اليمنية
نموذجا لهذه السياسة السعودية في المحيط العربي .
ويضاف أيضا نموذج آخر لا يقل قوة عن
النموذج السابق ، وهو موقف الملك فيصل من الرئيس جمال عبد الناصر بعد نكبة حزيران
(يونية 1967م) عندما وقف معه بل مع مصر مرتفعا إلى قمة الأخلاق الإسلامية متناسيا
كل الإهانات التي لحقت بشخصه من الرئيس عبدالناصر وكل الآثار التي ترتبت على حرب
اليمن الكئيبة !
لكن هذه السياسة السعودية في دوائرها
الثلاث كانت تأخذ موقفا واضحا قويا مضادا لكل أسلوب أو حركة أو مذهبية أو منظمة
يتأكد لها أنها ضد الإسلام أو المسلمين ، فعندما تأكد للمملكة أن الاتحاد السوفيتي
تحت قيادته الشيوعية جاد في نشر مذهبه المادي الإلحادي رفضت كل محاولاته للتقرب
إليها سواء في عهد الملك عبد العزيز أم في عهد أبنائه من بعده ، وعلى الرغم من
محاولة الجانب السوفيتي استغلال حاجة الملك عبد العزيز إلى الدعم السياسي
والاقتصادي ، رفض الملك عبدالعزيز كل الإغراءات ؛ لأن هذه الإغراءات بل الدنيا
كلها لا تساوي عند الملك عبد العزيز السماح للدولة الروسية بنشر مبادئها الإلحادية
والاستعبادية في بلاده ، وقد قطع كل الطرق على الجانب السوفيتي عندما أصدرت في عام
1938م أوامر إلى السفير الروسي بمغادرة البلاد السعودية فورا ، وتم فعلا إغلاق مقر
البعثة السوفيتية ، وغادر جميع الدبلوماسيين السوفيت البلاد ما عدا طبيب البعثة
الذي رفض العودة وآثر البقاء في خدمة الملك عبد العزيز ودولته([68]) .
وكان منطقيا إذن أن تتزعم المملكة في
المحيطين العربي والإسلامي الحرب بكل الأساليب ضد وجود هذا المذهب الهدام ، فلم تبخل
بجهد في كشف حقيقة الاشتراكية والشيوعية ، واستغلت كل المنابر وكل قنوات الاتصال
من أجل مقاومة التسلل الإلحادي والمادي ، وقد كان من قدر الملك فيصل – رحمه الله –
أن يتحمل العبء الكبير في مواجهة هذا الفكر الذي نجح الاستعمار السوفيتي في أن
يخدع به بعض البلاد العربية ، وكانت نكبة 1967م ثمرة من ثمرات هذا الفكر الذي مزق
البلاد العربية، وحولها إلى ميدان صراع بين من يسمون بالتقدميين –وهم قادة الهزائم
والفقر – ومن يسمون بالرجعيين ، وهم الذين تمسكوا بهويتهم وعقيدتهم([69]) .
وكان من قدر الملك فهد بن عبد العزيز
أن يواجه هذا المد الشيوعي في مستوى آخر، وذلك عندما زحفت الجيوش السوفيتية على
أفغانستان من أجل تحويلها إلى دولة شيوعية ، فنجحت حكومة المملكة – ومن وراءها
المخلصون للإسلام والمجاهدون الأفغان – في ضرب القوة السوفيتية ضربات قاتلة ، كانت
أحد الأسباب في انهيار دولة الإلحاد السوفيتية .
لقد واجه الملك فهد الشيوعية إبان
قوتها مرتين : مرة وهو ولي للعهد ، ومرة وهو ملك على البلاد . وكان في المرتين
قويا صلبا ، يعضده شعب السعودية كله .
وهذا نموذج آخر لدوران السياسة
الخارجية السعودية مع المصالح العليا للإسلام والمسلمين ، وهو أن بريطانيا بذلت
مضنية لحث الملك عبد العزيز على الانضمام لعصبة الأمم المتحدة ، لكنه كان يرفض
بقوة ؛ لأنه رأى أن العصبة كانت تخدم المصالح الاستعمارية ، وذلك لأن ميثاقها قد
أقر شرعية الانتداب وسيطرة عدد من الدول الأوربية على بعض الدول العربية ، وهو
الشيء الذي لا يمكن أن يقبله الملك عبدالعزيز لذلك أصر الملك عبد العزيز على موقفه
ذاك ، حتى تم حل العصبة وإيجاد منظمة الأمم المتحدة بدلا عنها في أعقاب الحرب
العالمية الثانية عام 1945م التي نهض ميثاقها على حرية جميع الشعوب بتقرير مصيرها
، فكانت المملكة العربية السعودية إحدى الدول المشاركة في تأسيس هذه المنظمة وأحد
الأعضاء المؤسسين لها([70]) .
فالدولة السعودية تدور مع الإسلام ومع
مصلحة العرب والمسلمين ضد الشرق والغرب ؛ لأن " السلام " عندها لا يعني
خيانة الإسلام أو ثوابتها الحضارية ؛ لأنه في حالة الخيانة هذه يكون استسلاما ، وليس
سلاما .
بين خريطة الواقع ورسالة البلاغ
عرف عالمنا المعاصر كتلا سياسية أعلنت
انتماءها لأيديولوجية من الأيديولوجيات أو عقيدة من العقائد ، فاليهود أعلنوا
انتماءهم لدينهم ولوطن قومي ديني زعموه وطنا دينيا لهم ، وركبوا في سبيل تحقيق أهدافهم
كل ما أتيح لهم مما قدمه لهم أعوانهم ، ولم يتركوا وسيلة من الوسائل المنافية
للخلق والمحاربة لله والمهلكة للإنسانية إلا اتبعوها، فالبشرية عندهم في مستوى
الأبقار والعبيد !
والشيوعيون حاربوا الدين كله ، وهدموا
ما هدموا من المعابد ، وحاربوا كل الطبقات – ولا سيما الأغنياء – لصالح طبقة واحدة
، هي البروليتاريا ، وأشعلوا الحروب في العالم باسم الثورية والتقدمية ، وأباد
ستالين وحده نحو عشرة ملايين من البشر ، معظمهم من المسلمين ، وأقاموا "
الدولة النموذج " للاشتراكية العلمية ، الدولة التي تفسر بالمادة كل شيء ، وتحارب
من أجل الاقتصاد كل القيم والفاعليات والأديان والأخلاق والحريات .
وفي المقابل أعلن العالم الرأسمالي
انتماءه للديمقراطية والحرية الفردية ، ولم تكن صفحته الاستعمارية السوداء أقل
سواء من الصفحة الشيوعية إلا في شعاراتها البراقة ، فهي دائما ( عنصرية بيضاء) ،
وتكيل بمكيالين ، وتصطنع الطواغيت والجبابرة من العساكر الخونة لدينهم وأوطانهم ،
والغاية عندها تبرر الوسيلة تماما ، مثل اليهودية الصهيونية والشيوعية المادية .
وعندما أوشك الملك عبد العزيز على
إقامة دولته الموحدة في الجزيرة نظر حوله ، فوجد هذه القوى تحيط به .
فاليهود يمكرون لإقامة دولتهم ، ويقفون
وراء الحروب العالمية والشيوعية الدولية ، وهم مدججون بالمال والعلم والتفوق
السياسي والإعلامي .
والشيوعيــــة تحاول أن تدق باب
الجزيــــرة بكل الطرق ، والرأسمالية الغربية سواء في ظل أوربا أم أمريكا تسعى
لمصالحها ، ويبدو تواطؤها مع اليهود ظاهرا ، كما أنها تلعب بالعرب ، وتقف ضد
استقلالهم ، وليس لديها منظومة قيمة منصفة يمكن الاطمئنان إليها ، وإن كانت هي
الأقل في أرصدة السوء بالنسبة للصهيونية والشيوعية كمًّا لا كيفــــا.
وفي مقابل هذه القوى هناك عالم عربي
وإسلامي يعيش مرحلة غياب حضاري ، تلعب به القوى الاستعمارية ، كأنه قطع ميتة من
الشطرنج ، فمع انهيار الخلافة العثمانية الذي كان قد دخل في عهد عبد العزيز طوره
الأخير بعد أن كانت دولة العثمانيين تتداعى منذ مدة ظهرت الوطنيات والقوميات
والولاءات القبلية بديلا للأخوة الإسلامية والمصالح الإسلامية العليا ، وكانت
فيالق بريطانيا الوافدة وعملاؤها المنافقون في الداخل يكمل كل منهم الآخر في تبديد
الطاقات وتمزيق الصفوف ، وكانت صفوف الخونة أكثر تنظيما وأقوى تمكينا بفضل الدعم
الاستعماري من صفوف الوطنيين والعرب المؤمنين الملتزمين بالإسلام عقيدة وحضارة
والمدافعين بحق عن أمتهم والواقفين بصدق في خندقها .
وبينما كانت أسراب الطائرات الأسبانية
والفرنسية والإنجليزية والأمريكية تتعاون ضد أهل الريف في المغرب تألبت عليهم وعلى
بطلهم المسلم محمد بن عبد الكريم الخطابي قوى ( مغربية ) وافرة العدد شديدة البأس
، تقربت إليهم بضرب أشقائهم في الدين والوطن انتظارا لبعض المكاسب من فرنسا
وأسبانيا . وقل مثل هذا في بلاد إسلامية كثيرة .
لقد ازدحمت المرحلة – وبخاصة في الثلث
الأول من هذا القرن – بقوى الاستعمار الأوربي ومؤامراته ، كما ازدحمت بخيانات بعض
القيادات العربية ذاتها ، وكان أهم ما يشغل بال الملك عبد العزيز محاولة إخراج
المسلمين من هذا المستنقع والسير في طريق وحدتهم ، ولقد حاول جاهدا برغم علمه بأن
السبيل إلى تحقيق ذلك ليست مفروشة بالورود .
كان النصف الأول من هذا القرن مليئا
بحق بأضخم الأحداث للعرب والمسلمين ، فقد انحل عقد الخلافة الإسلامية ، وتحللت إلى
قوميات وشعوبية، وحدث ارتداد عن أصالة الإسلام الذي يدعو إلى وحدة المسلمين مجردة
من النزعات الجنسية والعنصرية : التورانية ، والبابلية ، والفرعونية وغيرها ، ولئن
كنا لا نبرئ ساحة الاستعمار الصليبي بكل مخططاته من هذه الأحداث فنحن في الوقت
نفسه نحمل القيادات العربية والإسلامية كل المسؤوليات بسبب مطامعه ومصالحها([71]) .
وقد عبر الملك عبد العزيز عن هذا
الواقع الأليم الذي يجعل المسلمين والعرب يبادون بأيدي المسلمين والعرب ، وذلك في
كلماته المشهورة : " الإنجليز
والفرنسيون معذورون إذا عادونا ، ولكن المصيبة التي لا عذر لأحد فيها أن المسلمين
أصبحوا أعداء أنفسهم "([72]) .
وفي مواجهة هذه الخريطة بكل أبعادها
الدولية الخارجية التي لا يمكن تجاهلها وأبعادها الداخلية الأليمة – ماذا يمكن أن
يفعل الملك عبد العزيز الرجل الذي يحكم بلدا واسعة ، لكنها ذات أعداد قليلة وذات
صلة محدودة بالعالم الخارجي والحضاري المعاصر ؟
البلد الذي لا يجد حوله إلا إخوانا
ممزقين فكريا وسياسيا وعقديا يعانون من الهزيمة الداخلية والانكسار أمام زحف
الحضارة الأوربية ومنظومتها العقيدة والقيمة التي تمتطي صهوة التكنولوجيا ؛ لتخدع
بها الناس عن جشعها وأنانيتها ومظالمها وعنصريتها وإلحادها .
وتجد للأسف الشديد قطاعا من الحكام
والمثقفين يسقطون تحت سنابك خيولها، ويتحولون بالترغيب إلى أبواق عاجزة عن التسلح
بأية رؤية نقدية أو أصالة شخصية أو مقاييس عادلة مطلقة ، ولربما ينالون من إخوانهم
في الدين والوطن أكثر مما ينال العدو السافر منهم ، بل إنهم ينالون من الدين نفسه
ويحاربونه ، وكأنه العقبة أمام التقدم ، فالإسلام وحده هو الذي يحارب بقوة من بعض
أبنائه ، على حين لا يفكر الهندوكي عابد
البقر ، ولا اليهودي صاحب التوراة المحرفة العنصرية ، ولا النصراني " المثلث
" ، ولا الياباني الذي يعبد "الإمبراطور" ويعدّه من نسل آلهة الشمس
– في جعل العقيدة هي العقبة والعدو ،
فمؤهلات الدنيا أسلحة حيادية بين الناس ، والإسلام وحده هو الذي يجعل ملكية هذه
المؤهلات فرض كفاية وعبادة ، ومع ذلك فهو الدين الوحيد الذي خانه بعض أبنائه ،
وحاربوه مع أعدائه ، بل ربما أكثر من أعدائه ، وزعموا أنه العقبة أمام التقدم
والنهضة !
ماذا يفعل عبد العزيز في ظل هذه
الخريطة المليئة بالثقوب السوداء والمساحات المشوهة ؟
وهنا يقف عبد العزيز الموقف الحضاري
الذي يمليه إسلامه ، إنه لا يقف موقفا ثوريا انفعاليا يسعى إلى القفز والاختزال
وخداع النفس وإعلان حرب على الإخوة والعداء معا ، وهو لا يعتمد الوسائل الثورية
التي تهدم ولا تبني ، بل لم يتأرجح يوما بين اليأس والغفلة ، فلا هو ييئس من رحمه
الله ، ويؤثر الاستسلام ، ولا هو يغفل عن " خريطة الواقع " ، ويتجاهل
موطئ قدمه ، إنه مسلم أولا كما قال .
والإسلام يقول له ولكل القادة والدعاة ما قاله للرسول –
عليه السلام – في القرآن :
1– { يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا
أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ
يَعْصِمُكَ مِنْ النَّاسِ} ([73]) .
فالبلاغ واجب حتمي دون نظر إلى حجم الأعداء أو
مساحة السواد في الخريطة ؛ لأن الله يعصم من الناس إذا استعمل القائد الوسائل
الإسلامية الحكيمة التي تجسدها الآية الأخرى:
2– { ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ
الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ}([74]) .
3– {خُذْ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ
وَأَعْرِضْ عَنْ الْجَاهِلِينَ }([75]) .
وذلك كله في حدود الطاقة البشرية التي تجسدها
آيات كثيرة ، منها :
4– { لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلاَّ مَا
آتَاهَا }([76]) .
5– { لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلاَّ
وُسْعَهَا}([77]) .
ومع كل الضباب المحيط بالواقع الإسلامي ، فيجب أن
تبقى الثقة في وعد الله مطلقة.
6– { هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى
وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ }([78]) .
7– {
اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ
يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ }([79]).
ولذلك يجب أن يكون المسلم متفائلا دائما بعيدا عن
اليأس والقنوط ، وإلا دخل في دائرة الكفر .
8– {إِنَّهُ لا يَيْئَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ
إِلاَّ الْقَوْمُ الكَافِرُونَ}([80]) .
وأخيرا فالله أكبر من كل جبابرة الدنيا وسدنتها ،
وليس زعماء الشرق أو الغرب إلا أدوات يحركها القدر الأعلى لتأديب المسلمين
البعيدين عن رسالتهم ، فالله على كل شيء قدير ، وبيده الأمر كله ، وإليه ترجع
الأمور .
9– {قُلْ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي
الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ
تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ
قَدِيرٌ}([81]) .
إنها منظومة تحقق للمسلم التوازن
النفسي والفكري المشبع بالأمل والطمأنينة والثقة المطلقة في الله ، وتبعث في نفسه
الرغبة العارمة في العمل الهادئ العاقل تاركا الأمور لله مفوضا عواقب الأمور إليه
.
والمهم أن يؤدي المسلم ما كلفه الله به
في حدود استطاعته مستعملا الوسائل الشرعية والخلقية التي يقرها دينه الذي يأمر
بضرورة انتهاجها بوسائل كريمة ، وينهى عن الخداع والأساليب الرديئة بحجة أن الغاية
كريمة .
وهكذا قامت في هذه الجزيرة العربية وفي
ظل هذه الخريطة المحلية والدولية وفي مواجهة هذا الواقع بأبعاده الشرقية والغربية
– دولة إسلامية واضحة الانتماء والولاء ، لا تتنكر لرسالتها ، ولا تشعر بالدونية
بقيمها ، بل تشعر بأنها القيم الأعلى الضرورية لإخراج خير أمة أخرجت للناس إلى حيز
الوجود التاريخي الفاعل ، ولإخراج الإنسانية كلها من الظلمات إلى النور .
وعلى هذه القيم كان عبد العزيز في وضح
النهار على مسمع من العالم كله يقبل المبايعة من أهل مكة المكرمة ومن كل الذين
ينضمون تحت رايته ويخضعون لدولته : "نبايعك على أن تكون ملكا على الحجاز على
كتاب الله وسنة رسوله e وما عليه الصحابة – رضوان الله عليهم –
والسلف الصالح والأئمة الأربعة رحمهم الله " (فعلى هذا بايعه أهل مكة سنة
1926م / 1344هـ ) ([82]) .
وتجيء بيعة عبد العزيز في الحجاز ملكا
كما هو الحال البيعة في كل أجزاء مملكته الأخرى ، وبالرغم من النصر أيضا تجيء
مشروطة باتباع كتاب الله وسنة رسوله ؛ أي أنها بيعة إسلامية يشترط فيها المجتمع
على الحاكم أن يكون الإسلام شريعة حكمه ، وسيكون هذا الشرط دوما ملزما للحاكم
والمحكوم ، وبمعنى آخر : إنه " عقد الحكم " الذي سيظل يميز المملكة
العربية السعودية مجتمعا ونظاما عن أي بلد آخر ، ويجعلها مختلفة إلى حد كبير عن
المجتمعات الأخرى ، وهو ما سيحدد فيما بعد أهداف سياستها الخارجية وضبط سلوكها
"([83]) .
ونحب أن نؤكد أن ( فلسفة السياسة )
السعودية الداخلية والخارجية أو (جوهر الحكم) أو (المذهبية الحاكمة ) فيها كانت
تقوم على هذا الأصل الإسلامي الذي يمثل "الدعامة "الفكرية والدستورية
والعقد الاجتماعي الذي يربط النظام الحاكم بالأمة .
ومما لا شك فيه أن السعودية بهذا
المنهاج الإسلامي السياسي المحكم تعد نسيجا وحدها في العالم المعاصر .
ولا يقلل من هذه الحقيقة أن يقع تقصير
في جانب ، أو أن تختلف الرؤية في تحليل موقف ، فالالتزام بالعقائد والأفكار لا
يعني العصمة في التطبيق ، فالتاريخ البشري هو تاريخ الناس بكل إمكاناتهم (
الإيجابية ) على الصعود وكل استعداداتهم ( السلبية ) للهبوط، وهو تاريخ نضالهم بين
عوامل المد والجز وضغوط الانخفاض وعوامل الارتفاع ودنيا الغرائز وأشواق الروح .
والمهم في الجماعة المسلمة أن تبقى
مجاهدة على رأس الثوابت ، محاولة التطوير في صور التطبيق المحققة للفعاليات
والإيجابيات في أرض الواقع ، ومقاومة لكل عوامل الإحباط ، هكذا كان عبد العزيز في
ظل أصعب الظروف ، وهكذا كان أبناؤه من بعده .
وما مواقف سعود وفيصل وخالد وفهد في وجه
الأيديولوجيات الشيوعية والقوميات اللادينية والعلمانية الليبرالية والصهيونية
والصليبية إلا التطبيق البشري "لعقد بيعة الأساسي" الذي قامت عليه
الدولة السعودية !!
وما جهودهم في إقامة المؤسسات
الإسلامية الشعبية والرسمية ذات الطابع الدولي والمحلي ، وجهودهم أيضا في نشر
الثقافة الإسلامية وإقامة آلاف المساجد والمراكز الإسلامية في العالم ، وتبنيهم
للقضايا الإسلامية ووقوفهم مع المسلمين أقليات وأكثريات – إلا الجانب للتطبيق
البشري لعقد البيعة الذي قامت عليه الدولة في ظل خريطة الواقع التي ألمحنا إلى بعض
معالمها .
لبناء الدولـة السعودية المعاصـرة
كان
لا بد للبناء أن يكون قويا من داخله ؛ حتى يستطيع أن يكون نموذجا ، وأن يتعامل مع
الآخرين وهو يقف على أرضية صلبة ، وإذا كان فاقد الشيء لا يعطيه فإن الدول القائمة
على أسس متناقضة والتي تستهلكها صراعات داخلية هذه الدول لا تستطيع أن تتعامل مع
العالم بقوة ، ولا أن تقدم نفسها نموذجاً ، ولا أن تؤثر في الآخرين .
لقد كان الملك عبد العزيز راشدا واعيا
هذه المعادلة ، ولهذا كانت جهوده كبيرة في مجال إقامة دولته على أسس راسخة ، وكان
لا يقبل أي تنازل في هذا المجال ، وكما استطاع أن يطمئن إلى حدوده الجنوبية
بالدفاع والهجوم ، وبالشدة وباللين استطاع أن يؤمن حدوده الغربية ، وأن يجعل نسبة
الأمن والانتماء فيها مثل نسبتها في نجد ، وكذلك كان الأمر بالنسبة للمنطقتين
الشرقية والشمالية وللمناطق الجنوبية ، وقد لا يتصور الكثيرون الآن أن صمام الأمان
كان من أكبر بواعث الوحدة والانسجام في هذه الدولة المترامية الأطراف القليلة
السكان في ذلك الوقت .
كما قد لا يتصور الكثيرون أن صمام أمان
هذه الدولة وعامل وحدتها الأكبر إنما كان في التطبيق الحازم للشريعة الإسلامية
والشعور القوي لدى الجميع بالانتماء إلى دولة قامت ؛ لتعيد المسلمين إلى العقيدة
الصحيحة ، ولتحقق الأمن والأمان للوافدين إلى بيت الله الحرام حاجين أو معتمرين ،
وقد كان المسلمون في داخل المملكة وخارجها يشعرون بأنهم ينتقلون في كل عام من طور
إلى طور ، وبأن ما كان مغامرة غير مأمونة العواقب من قبل قد أصبح شيئا عاديا
يعيشونه في كل يوم ، وبأن هناك قيادة تأخذ بأيديهم في رفق وحزم معا ، فهي تعفو عن
كثير ما لم يصل الأمر إلى انتهاك لشريعة الله أو إخلال بالأمن .
لقد نظر عبد العزيز إلى كل المفردات
التي يقوم عليها بناء الدول بطريقة موضوعية صحيحة ، وكان يدرك أن الجزيرة العربية
قد نامت طويلا ، فتخلفت عن الإسلام ، وتخلفت عن الحضارة المعاصرة فلا هي كسبت
دينها ، ولا هي كسبت دنياها ، ولا هي عملت بالوحي الصحيح الذي يقودها إلى العقل
الصحيح ، ولا عملت بالعقل الصحيح الذي لا بد أن يلتقي مع الوحي الصحيح .
وكان على عبد العزيز أن يقود السفينة
السعودية نحو الإسلام الصحيح والعقل الصحيح لبناء دولة قادرة على الحياة والمنافسة
في عصر العلم والتقدم التكنولوجي والفكري الهائل ، وكانت ثوابته الفكرية أمام
عينيه وفي قلبه وعقله ، لا يحيد عنها ، ولا يزيغ .
لكن عبد العزيز كان يعلم أن من عوائق
النجاح ما كان يصدر عنه بعضهم من آراء تريد للثوابت الفكرية الإسلامية أن تظل
رافضة للتفاعل الإيجابي مع مزايا الحضارة المعاصرة .
لم يكن بعض هؤلاء يدرك أن هذه الثوابت
صالحة لكل زمان ومكان ؛ لأن مصدرها خاتم الأديان المؤهل للبقاء والقيادة إلى يوم
القيامة ، كما أنه لا يدرك أن هذه الثوابت احتضنت العقل ، وواجهت خلال قرون طويلة
حضارات مختلفة وتحديات كثيرة ونجحت في التفوق عليها بأساليب ملائمة ، ولذا هي
قادرة على أن تواجه الحضارة المعاصرة بأساليب ( اجتهادية واقعية ) مناسبة ، ومن
هنا فإن الملك عبد العزيز راح بوسائل تجمع بين المرونة والحسم يعمل على تجاوز هذا
الجمود ، ومضى يسوس الأمور بطريقة حكيمة تحقق الهدف دون مواجهة الواقع بطريقة
انفعالية ( ثورية ) تفكك نسيج المجتمع ، وتحدث صراعا بين طبقاته .
وعلى هذا النحو نجح عبد العزيز وأبناؤه
في تجاوز الواقع المتخلف وفي الاستجابة
المناسبة للتحدي ، فوضعوا المعاصرة على قاعدة الأصالة ، وضموا العقل
المجتهد المنفتح إلى الوحي الصالح النقي .
يقول حافظ وهبة :" أخبرني جلالة
الملك عبدالعزيز في شعبان 1351هـ /ديسمبر 1932م أثناء زيارتي للرياض أن المشايخ
حضروا عنده سنة 1331هـ لما علموا بعزمه على إنشاء محطات لاسلكية في الرياض وبالمدن
الكبيرة ، فقالوا له : " يا طويل العمر ، لقد غشك من أشار عليك باستعمال
التلغراف وإدخاله في بلادنا ".
فقال الملك : لقد أخطأتم ، فلم يغشنا
أحد . ثم قال :"إخواني المشايخ ، أنتم الآن فوق رأسي ، تماسكوا بعضكم مع بعض
، لا تدعوني أهز رأسي ، فيقع بعضكم أو أكثركم ، وأنتم تعلمون أن من وقع على الأرض
لا يمكن أن يوضع فوق رأسي مرة ثانية ، مسألتان لا أسمع فيها كلام أحد بعد أن ظهرت
فائدتها لي ولبلادي : اللاسلكي، والسيارات ، وما من دلائل في كتاب ولا سنة يمنع من
استعمالهما"([84]) .
وبهذا الموقف الواعي في مواجهة الجمود
الشديد جمع الملك عبدالعزيز الحفاظ على الثوابت والاجتهاد الذي يواجه التغيرات
التكنولوجية والعملية ، ويستوعبها ، ويجعلها في خدمة الثوابت .
وفي هذا الطريق راح عبدالعزيز يصدر
قرارات ، وينشئ مؤسساته ، ويتعامل مع العالم واثقا من فقهه الصحيح بالإسلام .
وأنت تشعر عندما تقرأ قرارات تشكيل
الوزارات والإدارات وإقامة الهيئات والبحث عن الكفاءات من مصر ومن سوريا ومن
العراق ومن غيرها – كأن عبد العزيز يبني دولة لم تكن لها قواعد قبل اليوم ، ولئن كان
ذلك واضحا في توطينه للبدو الذين كانوا يعيشون حياة أبعد ما تكون عن نظامي الدولة
والحضارة فالحق أن الملك عبدالعزيز كان يقيم قواعد الدولة كلها ، ويستشير خيرة
شعبه ، ويستعين بكل الخبرات ، وكأنه يبدأ من نقطة الصفر ، وحسبنا نموذجاً أن
المرأة كانت محرومة من التعليم ، ولم تكن هناك بصفة عامة مدارس فضلا عن أن تكون
هناك معاهد عليا أو جامعات ، وما يقال في التعليم يقال مثله في كثير من المجالات ،
مع أن هذه الأمة كانت مع البشرية قد اجتازت بعضا من القرن العشرين الميلادي، ومن
هنا كان عبدالعزيز يعي أن مسؤوليته مسؤولية إسلامية حضارية ، وأنه لا بد أن ينقل
شعبه وحكومته إلى الإسلام الصحيح الذي يقتضي وجود حضارة إسلامية صحيحة تتعامل مع
القوى الحضارية المعاصرة في محاولة اللحاق بها ، أو على الأقل الانتقال بالجزيرة
العربية إلى العصر الحديث .
وبهذه الرؤية التي تمثل التنظير الصحيح
لمشروع حضاري إسلامي تقوم به دولة متسعة الجغرافيا محدودة البشر والإمكانات بهذه
الرؤية وضع عبد العزيز قطار التقدم في (المملكة العربية السعودية ) فوق قضبانه
الصحيحة ؛ لينطلق هذا القطار بعد ذلك في عهده وفي عهد أبنائه وفق معالم واضحة
وإشارات هادية تلتزم بالثوابت وتحسين التفاعل مع الآخرين ، وتعرف أن لها رسالة
عالمية لا يمكن أن تتحقق إلا بإقامة البناء السعودي على أسس متينة فكرا وتطبيقا .
واجتهد عبد العزيز وأبناؤه في بناء
الدولة السعودية من الداخل ، وبالتالي الانطلاق بها نحو تحقيق رسالتها العالمية
خارج حدودها ، وبخاصة في نطاق البلاد العربية والإسلامية ، وحيث تقيم الجاليات
العربية والإسلامية في العالم .
ونحن هنا عند هذا المحاط سنتعامل مع
التجربة السعودية دولة ونهضة منذ قيامها حتى نهاية القرن العشرين الميلادي (
الرابع عشر الهجري ) على أساس أنها تجربة واحدة وضع عبد العزيز قواعدها ، واستكمل
أبناؤه طوابق البناء فيها ، وما لم يفعله عبد العزيز لانشغاله بأولويات البناء
الداخلي ولضعف الإمكانات الاقتصادية والثقافية قبل ظهور البترول فإن أبناءه – بعون
الله – قد أقاموه بعد أن أفاء الله عليهم من خيره ، وبعد أن رسخت مكانتهم في العالم
الإسلامي ، وبعد أن نجحوا في إقامة شبكة من العلاقات والاتصالات مع الخارج لا تقل
عن أرقى دول العالم .
وانطلاقا من هذا نتكلم عن مجالات
النهضة السعودية الأساس بهذه النظرة الشمولية التي تنتظم آل سعود جميعا في دولتهم
الثالثة : ( عبد العزيز ، وسعود ، وفيصل ، وخالد ، ثم فهد ) مركزين فقط على أهم
الأركان والجوانب ومشيرين إلى الأصول والعموميات فحسب ؛ يقينا منا بأن الفروع
تابعة للأصول ، وبأن الجزئيات ملحقة بالكليات .
يعد التعليم الأساس الأول في البناء
الداخلي ، ولاسيما في عصر التحديات العلمية الهائلة ، ومن غير التعليم لا يمكن
عبور الفجوة الحضارية ، ولهذه المكانة للتعليم أولاه عبد العزيز وأبناؤه أهمية
كبيرة .
ولما كان التعليم يقوم على بعض
الكتاتيب وحلقات المساجد فإن الملك عبد العزيز بدأ ينشئ المدارس ودور العلم ،
ويشجع على الالتحاق بالوسائل لنشر التعليم
، فاستخدم المدرسين الأكفاء من البلاد العربية المجاورة ، وكان المدرسون
المصريون والسوريون هم أوائل الوافدين إلى المملكة ، وعندما أخذت الحركة العلمية
تنمو وتشق طريقها إلى الأمام بإقبال الناس عليها أصدر الملك عبد العزيز أمرا
بتشكيل ( مديرية المعارف العامة ) في 15 مارس 1926م ؛ لتضطلع بمهمة الحركة العلمية
، وتكون هي المسؤولة عن سير النهضة العلمية وتوسيع نطاقها .
وقد وضعت مديرية المعارف العامة
برنامجها الواسع لجميع المراحل التعليمية ، وفتحت مدارس جديدة في سائر أنحاء
المملكة ، كما قسمت المملكة سبع مناطق ، يشرف على كل منطقة معتمد للمعارف يساهم في
تنظيم منطقة ، ويعمل على تطويرها واطراد نموها .
ولما كانت المملكة العربية السعودية لا
تتوافر بها الكوادر المؤهلة للقيام بالتدريس في هذه المدارس أصدر الملك أوامره
لمديرية المعارف بإيفاد من لديهم المهارات الخاصة من السعوديين لمصر لتلقي أصول
التربية والتعليم ؛ ليصبحوا مؤهلين للتدريس بالمدارس السعودية ، فتم ترشيح أول
بعثه سعودية من خريجي المدارس السعودية في أوائل سنة 1344هـ / 1926م لإيفادها إلى
مصر([85]) .
وفي عام 1345هـ/ 1926م أنشئ المعهد
العلمي السعودي ؛ ليكون النواة الأساسية لتكوين كوادر المعلمين ؛ لكون العمل في
هذا المجال يتطلب كفاية عالية ومهارات خاصة، وقد أطلق عليه اسم ( المعهد الإسلامي
) ([86]) .
وفي عام 1928م تشكل أول مجلس للمعارف
برئاسة ( الأستاذ صالح شطا) مدير المعارف العام ، ووكل إليه وضع نظام تعليمي في الحجاز
، يراعى فيه توحيد التعليم في الحجاز والسعي لجعل المرحلة الابتدائية إجبارية
ومجانية ، وأن يكون التعليم على أربعة مراحل ، يسبق المرحلة الابتدائية مرحلة
تحضيرية ثم بعد ذلك المرحلة الثانوية ، ويراعى فيها تدريس لغة أجنبية وعلوم
الطبيعة والكيمياء ، وقد وضعت تحت اسم ( سنن الكائنات ) ، فالمرحلة العالية([87]) .
وبتوجيه من الملك عبد العزيز قررت
إدارة المعارف السعودية في 19جمادى الأولى عام 1355هـ/1936م فتح مدرسة باسم (
مدرسة تحضير البعثات ) ، هدفها إعداد الطالب للالتحاق بكليات الجامعات المصرية ،
وهي الطب والهندسة والزراعة ومدرسة الفنون والصنائع العليا ، وقد نشرت مديرية
المعارف العامة إعلانا بصحيفة "أم القرى" بشأن هذه المدرسة ، وكانت أول
مدرسة ثانوية في المدرسة ، ومدة الدراسة بها ثلاثة سنوات([88]) .
ومنذ عام 1361هـ/ 1942م بدأت البعثات
التعليمية السعودية لمصر تتطور سنة بعد أخرى ، وبخاصة المبعوثون إلى جامعة الأزهر
في كلية الشريعة وكلية اللغة العربية وكلية أصول الدين ، وإلى غير جامعة الأزهر
أوفد طلاب كثيرون من المملكة إلى جامعة "فؤاد الأول – القاهرة " ؛
ليدرسوا في كلياتها المختلفة ، وكذلك للدراسة في معاهد الشرطة والطيران والبرق
والهاتف والمساحة ، ثم أوفدت بعثات أخرى إلى جامعة الإسكندرية لدراسة الطب والأدب
والتجارة ، ولم يأت عام 1953م – وهي السنة التي توفي فيها الملك عبد العزيز – حتى
كانت إدارة المعارف قد تحولت إلى وزارة للمعارف ، رأسها سمو الأمير فهد بن عبد
العزيز ، ومن ثم تطور التعليم تطوراً كميا ونوعيا ، فبلغ عدد المدارس 326 مدرسة
ابتدائية ، بها 734 تلميذا ، ويقوم بالتدريس ، بها 1652 مدرسا ، من بينهم 1453
مدرسا مصريا ، كما كان هناك مدرستان ثانويتان ، بهما 534 طالبا ، يقوم بتدريسهم 43
مدرسا ، كما كان هناك كذلك معهد للمعلمين وكلية للشريعة([89])، وقد بلغت
ميزانية التعليم في عام 1953م عشرين مليونا من الريالات السعودية ، وهذا مبلغ كبير
بالنسبة للإمكانات في ذلك الوقت .
وقد حرص الأمير فهد وزير المعارف على
المزواجة بين التعليم والثقافة ، وقد استطاع أن يقنع اللجنة الثقافية للجامعة العربية
بعقد دورتها التاسعة في المملكة ، فعقدت اللجنة الثقافية اجتماعاتها في مدينة جدة
في 21/6/1374هـ ، وكان رئيس اللجنة الدكتور طه حسين ، وقد استطاع الفهد أن يجعل من
هذا الاجتماع مهرجانا للعلوم والثقافة والآداب .
يقول طه حسين عن انطباعاته عن النهضة
التعليمية في المملكة بعد لقائه بالفهد : "وقد حدثني سمو الأمير فهد بن عبد
العزيز آل سعود وزير المعارف بالمملكة العربية السعودية بأنه كان يخشى أن يجد من
أهل البادية مقاومة لنشر التعليم ، فأصبح الآن لا يدري كيف يرضي حاجاتهم إلى تعليم
أبنائهم ، وهو قد أنشأ في أول هذا العام سبعين ومائتي مدرسة ، وما أظن إلا أنه
سيضطر إلى إنشاء أكثر منها في العام المقبل"([90]) .
ويضيف طه حسين قائلا : " لقد
حدثني سمو الأمير فهد عن كثير من المنشآت التعليمية التي يريد تنفيذها اليوم قبل
الغد ، حتى اضطررت إلى أن أشير عليه بشيء من الأناة في بعضها" ([91]) .
ولقد سارت وزارة المعارف في خطين
متوازيين : الأول التوسع في التعليم الثانوي ، والثاني البدء في التحضير لإعداد
الأساتذة والمعيدين الأكفاء القادرين على القيام بواجباتهم في الجامعة المرتقبة .
واحتفلت المملكة في الأربعاء 14 ربيع
الثاني 1377هـ في عهد جلالة الملك سعود ابن عبدالعزيز بافتتاح أول جامعة فيها ،
ويقول الأمير فهد وزير المعارف في هذه المناسبـــة: إن الدارس المتتبع للتعليم في
السنوات الأخيرة ليلمس النهضة السعودية القويــــة التي تستهدف تنشئة جيل مستنير ،
ولو أردت أن أقــدم دليلا لا يمكن إنكـــاره أو تجاهله لقدمت مقارنــــة حقيقـــية
لميزانية وزارة المعــارف في السنوات الخمس الأخيرة، هذه مقارنة توضح أن
ميزانيــــــة العام الدراسي 1372 هـ (12.817.466) ريـالا ، وأن ميزانية العـام
الدراسي 1373 هـ (20.000.000) ريال ، وأن
ميزانيـــــة العام الدراسي 1374هـ (48.597.152) ريال ، وأن ميزانية العام
الدراسي 1375هـ (65.098.404) ريـــــالات
، وأن ميزانية العام الدراسي 1376هـ (88.618.704) ريالات . أما اليوم فتستقطع
ميزانية الدولة حسب ما جاء في بيانات وزارة المالية لميزانية عام 1419هـ .
وقد تطور التعليم في المملكة تطورا
تراكميا كما وكيفا في عهود أبناء عبد العزيز : سعود، وفيصل ، وخالد ، وبخاصة مع
تطور الإمكانات الاقتصادية ومع الانفتاح على العالم وتشابك العلاقات .
وقد كان للملك فيصل –رحمه الله– جهد
رائع ورائد في عالم تعليم البنات وفي إنشاء عشرات المدارس الخاصة بتعليم الفتيات ،
ولم يمنعه جهاده في مجال العلاقات الخارجية أن تكون له خطوات عملاقة في تطوير
المجتمع السعودي ، ولاسيما في مجال التعليم والدعوة الإسلامية ، وقد نجح في مقاومة
من حاولوا الوقوف ضد تعليم المرأة وفتح مدارس لتعليم البنات في مدنهم .
ونحن نلمح هذا التطور الكمي التراكمي
عندما نصل إلى عهد الملك فهد ، ونجد أعداد المتعلمين لا تكاد تقبل المقارنة مع
أعدادهم في مطلع الخمسينيات الميلادية (السبعينيات الهجرية من القرن الرابع عشر
الهجري ) .
ففي عام 1400هـ تجاوز عدد الطلاب والطالبات في
المدارس مليونين ومائتين وخمسين ألف طالب
وطالبة ، ووصل عدد المدارس تسعة عشر ألف مدرسة ، وأصبح عدد الكليات في عام 1414هـ
مائة وثلاثة وخمسين كلية ، تضم نحو ربع مليون طالب .
وعلى صعيد مدارس التعليم الفني ومعاهده
ازداد عددها خلال عشرة أعوام من 22 مركزا إلى 70 مركزا ومعهدا منتشرة في مختلف
أنحاء المملكة([92]) .
كما صدر الأمر السامي الكريم رقم
7/هـ/5267 وتاريخ 7/3/1403هـ المؤيد لقرار اللجنة العليا لسياسة التعليم رقم 209
لعام 1403هـ الذي أكد على ضرورة الاهتمام بالتعليم الفني على مستوى الكليات
المتوسطة ؛ نظرا لحاجة المملكة الماسة إلى فئة من الفنيين ذات مهارات فنية عالية
تستطيع أن تسهم بشكل فعال في النهضة الحاضرة التي تمر بها المملكة ، وكان قد تم
حتى الآن إنشاء ست كليات متوسطة تقنية في كل من الرياض وجدة والدمام وبريدة وأبها
والأحساء .
ومن المؤكد الآن ونحن على مشارف القرن
الحادي والعشرين الميلادي أنه لا توجد مدينة سعودية إلا وفيها مدارس تقنية ومدارس
ثانوية ومتوسطة وابتدائية كافية ، وفي معظم المدن كليات إعداد المعلمين المتوسطة ،
كذلك في معظمها كليات متناثرة تابعة للجامعات الثمان الكبرى في المملكة في الرياض
( جامعتان ) وفي جدة وفي مكة المكرمة وفي المدينة المنورة والدمام وفي الأحساء
وأخيرا في عسير ، هذا بالإضافة إلى أكثر من 60 معهدا علميا تابعاً لجامعة الإمام
محمد بن سعود الإسلامية ، وهناك معاهد تكنولوجية خاصة ، ومدن للتقنية والتكنولوجيا
، ومكتبات عامة وخاصة تخضع لأحدث النظم المكتبية في العالم .
وليس من شأننا هنا أن نتتبع الأرقام
المتصاعدة بشريا وماليا في المجال التعليمي ، فهذا أمر يطول ، وهو ليس بيت القصيدة
بالنسبة لموضوعنا ، وحسبنا فقط أن نشير إلى أن هذا التطور الهائل في التعليم كما
وكيفا قام على الأسس نفسها التي قامت عليها المملكة فكرا وعقيدة وأهدافا ، ودليلنا القوي هو أن فلسفة التعليم وركائزه
وأهدافه التي عكستها إستراتيجية السياسة التعليمية في المملكة والتي طبعت طبعتها
الأولى 1390هـ /1970م تؤكد الحقيقة ، لقد جاء فيها ما يأتي:
1– أن السياسة التعليمية من الخطوط العامة التي تقوم
عليها عملية التربية والتعليم والسياسة
التعليمية في المملكة العربية السعودية تنبثق من الإسلام الذي تدين به عقيدة
وعبادة وخلقا وشريعة وحكما ونظاما متكاملا للحياة([93]) ، (ثم جاء في
الباب الأول الأسس التالية ).
2– الإيمان بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد e نبيا ورسولا.
3– التصور الإسلامي الكامل للكون والإنسان والحياة ،
وأن الوجود كله خاضع لما سنه الله تعالى ؛ ليقوم كل المخلوقات بوظيفة دون خلل أو
اضطراب.
4– الحياة
الدنيا مرحلة إنتاج وعلم ، يستثمر فيها المسلم طاقاته عن إيمان وهدى ، الحياة
الأبدية الخالدة في الدار الآخرة ، فاليوم عمل ولا حساب ، وغدا حساب ولا عمل .
5– الرسالة
المحمدية هي المنهج الأقوم للحياة الفاضلة التي تحقق السعادة لبني الإنسان وتنقذ البشرية مما تردت فيه من فساد
وشقاء .
6– المثل
العليا التي جاء بها الإسلام لقيام حضارة إنسانية رشيدة بناءه تهتدي برسالة محمد e ؛ لتحقيق العزة في الدنيا والسعادة في الدار الآخرة .
7– الإيمان
بالكرامة الإنسانية التي قررها القرآن الكريم ، وناط بها القيام بأمانة الله في
الأرض([94]) .
ويتابع الباب الأول أيضا وضع الأساس
العام ، فيشير في البندين الأساسيين الآتيين إلى حق الفتاة في التعليم ، ومن ثم حق
الشعب كله كذلك في التعليم .
9– تقرير
حق الفتاة في التعليم بما يلائم فطرتها ويعدها لمهمتها في الحياة ، على أن يتم هذا
بحشمة ووقار في ضوء شريعة الإسلام ، فإن النساء شقائق الرجال .
10– طلب العلم فرض على كل فرد بحكم الإسلام ، ونشره
وتيسيره في المراحل المختلفة واجب على الدولة بقدر وسعها وإمكاناتها .
(وفي الباب الأول كذلك ترد الإشارة إلى
ضرورة التفاعل الواعي مع التطورات الحضارية المعاصرة من منطلق الثقة بمقومات الأمة
وتاريخها ، وليس من منطلق الانهزامية والدونية )، تقول السياسة التعليمية حول هذه
الأهداف :
16– التفاعل الواعي مع التطورات الحضارية العالمية
في ميادين العلوم والثقافة والآداب بتتبعها والمشاركة فيها وتوجيهها بما يعود على
المجتمع والإنسانية بالخير والتقدم .
17– الثقة الكاملة بمقومات الأمة الإسلامية ، وأنها
خير أمة أخرجت للناس ، والإيمان بوحدتها على اختلاف أجناسها وألوانها وتباين
ديارها { إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ
فَاعْبُدُونِ} [ الأنبياء : 92 ] .
18– الارتباط الوثيق بتاريخ أمتنا وحضارة ديننا
الإسلامي والإفادة من سير أسلافنا ؛ ليكون ذلك نبراسا لنا في حاضرنا ومستقبلنا .
19– التضامن الإسلامي في سبيل جمع كلمة المسلمين
وتعاونهم ودرء الأخطار عنهم([95]) .
(وأخيرا في الباب الأول كذلك ترد الإشارة إلى
شخصية المملكة حارسة وخادمة للحرمين الشريفين ، ومسؤولة عن اللغة العربية لغة
القرآن الكريم وعن الدعوة الإسلامية في الشرق والغرب ) . لقد وردت البنود ( 23 ،
24 ، 25 ) تقول :
23– شخصية المملكة العربية السعودية متميزة بما
خصها الله به من حراسة مقدسات الإسلام وحفاظها على مهبط الوحي ، واتخاذها الإسلام
عقيدة وعبادة وشريعة ودستور حياة ، واستشعار مسؤوليتها العظيمة في قيادة البشرية
بالإسلام وهدايتها إلى الخير .
24– الأصل هو أن اللغة العربية لغة التعليم في
مواده كافة وجميع مراحله إلا ما اقتضت الضرورة تعليمه بلغة أخرى .
25– الدعوة إلى الإسلام في مشارق الأرض ومغاربها
بالحكمة والموعظة الحسنة من واجبات الدولة والأفراد ؛ هداية للعالمين ، وإخراجا
لهم من الظلمات إلى النور، وارتفاعا بالبشر في مجال العقيدة إلى مستوى الفكر
الإسلامي([96]) .
وهكذا في مستوى التطبيق ، كما يتمثل في
الأرقام البشرية والمالية التي تعكس النهضة التعليمية التي تمثل منطلقا أساسا من
منطلقات الإقلاع الحضاري السعودي وفي مستوى التنظيم الذي عكسته السياسة التعليمية
للمملكة ، هكذا من خلال التطبيق والتنظير تتضح مصداقية الولاء والانتماء السعودي ،
ومصداقية العمل على الإقلاع الحضاري وفقا للسنن الاجتماعية التي وضعها الله لنهضة
الأمم ، وفي إطار المعادلة الحضارية الصحيحة : الأصالة الرشيدة الواعية ،
والانتفاع الواعي الرشيد .
في عملية البناء
الحضاري تحتل صناعة الإنسان المكانة الأولى ، ولهذا بدأنا في رصدنا لمقومات الدولة
السعودية الثالثة بالتعليم والتثقيف .
بيد أن حركة صناعة
الحضارة لا يمكن أن تمضي على أساس التركيز على جانب واحد ؛ ذلك لأنها متشابكة
ومتكاملة ، ويمكن أن يكون الخلل في جانب سببا في إفساد كل الجوانب .
وبالنسبة لبيئة بدوية
منفصلة عن الحضارة مترامية الأطراف قليلة السكان يؤمها الناس من كل مكان للحج والعمرة
والزيارة كان تحقيق الأمن أساسا لا يمكن إهماله أو التقليل من شأنه ، وفي هذا
الجانب تجلت عبقرية عبد العزيز حين اعتمد على الشريعة الإسلامية في تحقيق الأمن
الذي كان قبل وصوله إلى الحكم مترديا في الجزيرة العربية لدرجة كبيرة .
لقد كانت القبائل في
الجزيرة تجعل لنفسها حمى تفرض فيه على كل المارين إتاوات معينة ، وإلا تعرضوا
للنهب والقتل ، وكانت حياة الكثير منهم تعتمد على الأسلاب والمغانم التي يغنمونها
من الحجاج والتجار ، بما أن نسبة البادية إلى الحاضرة كانت تقترب من 70 بالمائة
فلنا أن نتوقع خطورة الأوضاع وصعوبتها ، ولاسيما وهؤلاء البدو يرتحلون من مكان إلى
مكان ، وكل شيخ قبيلة يعد نفسه ملكا متوجا ، فكان البدو في السلم يعيشون من إغارة
بعضهم على بعض ، ولم يكن في الحرب يحكمهم دين ، أو تهذبهم حضارة .
وفي مواجهة هذا الوضع
الخطير بتكوين جيش كبير موحد يقوم على عقيدة التوحيد ويستطيع الإجهاز على أية
قبيلة تخرج عن الطاعة هداه إيمانه إلى تطبيق الشريعة بقوة وحزم ، فأدرك رجال
البادية والقبائل أن الأمر جد لا هزل فيه ، كما هدته عبقريته المؤمنة إلى تحويل
هؤلاء البدو الرحل إلى (الهجر) التي ابتنيت على شكل قرى صغيرة فيها المسجد ، وفيها
القضاء ، وفيها التعليم ، وحولها يمكن أن تدور الزراعة أو الرعي عن طريق حفر
الآبار ، فكانت الشريعة من جانب وتوطين البدو في ( الهجر ) من جانب آخر جناحي قضية
تحقيق الأمن وتحضير الجزيرة العربية والطريق الصحيح للخروج من الموقع المتردي
الممزق .
وقد ساعد الملك البدو
على البناء ، بل جلب لهم مواد البناء ، وأمر بحفر الآبار للسقيا والزراعة ، وأقام
الكتاتيب والمساجد ، وعين الوعاظ والمعلمين ، فبدأ تحول جديد في تاريخ الجزيرة
العربية .
وقد وقف العلماء مع
الملك عبد العزيز ، وأضاءت تعاليم الإسلام هذه المهاجر الجديدة ، كما أضاءت نفوس
البدو الذين تابوا وأقلعوا عما كانوا عليه من قبل ، وقد زادت هذه الهجر على مائة
في زمن قصير ، وحسبنا أولى هذه الهجر ، وهي ( هجرة الأرطاوية ) ، أصبحت خلال بضع
سنوات مدينة عامرة يسكنها نحو عشرين ألفا يملكون منازل ، ولهم حلقات علمية .
ويعود نجاح هذا
الأسلوب إلى شخصية الملك عبد العزيز وسمعته لكونه بطلا وزعيما مفطورا على الزعامة
وإماما في تطبيق حدود الشريعة وعادلا لا يعرف التفرقة.
وفي ضوء هذا الرصيد
كان الملك عبد العزيز قد حقق نجاحه الحاسم حين دعا شيوخ القبائل الحجازية ،
فأكرمهم ، وأعطاهم ، ثم أبلغهم أنه يعرف كما يعرفون حمى كل عشيرة في البادية ومداه
، وأن شيخ كل عشيرة سيصبح بعد اليوم المسؤول عن كل ما يقع في مدى عشيرته مما يخل
بالنظام والأمن ، فإن سيطر عليه وقمعه فبها ، وإلا وجب على شيخ العشيرة المجاورة
له أن يتصدى لحفظ الأمن ، فإن أبطأ أو عجز تدخل جيش الملك ؛ ليفرض النظام ، ويوفر
الأمن([97]) .
وبعد هذا البيان
والتحذير المفاجئ قدم الملك عبدالعزيز لشيوخ العشائر قائمة المحظورات مع أسبابها
وعقوبات مخالفيها ، فحظر الغزو ، وحظر فرض ( الخوة ) (وهي نوع من الإتاوة تأخذها
العشائر من المارين ) أو أخذها ، ومنع فرض الضرائب ، كما جعل الدولة هي المسؤولة
وحدها عن عقاب المجرمين ، وحظر على العشائر أن تقيم مضاربها على الطرق العامة ؛
ليبقى المسافرون أكثر شعوراً بالاطمئنان على أنفسهم وأموالهم وتجارتهم([98]) .
وهكذا بدل عبد العزيز
الأوضاع السيئة السابقة ، فانتقلت القبائل المغيرة إلى قبائل مدافعة عن الأمن ،
فكان أن سعد بهذه النتائج أهل الحجاز ، كما نعم أيضا ضيوف الرحمن ، وأصبح الأمن في
بلاد الحجاز أحد الصور الباهرة التي أخذ الحجاج يشيدون ويتغنون بها في مواطنهم
الأصلية .
وبالإضافة إلى هذا عهد
الملك عبدالعزيز إلى حرسه الخاص بمهام الشرطة في مكة المكرمة ، وأقام مفارز صغيرة
ثابتة من الإخوان في القرى والمدن ، وسيَّر دوريات متنقلة تتألف كل منها من عدد من
الفرسان في شتى أنحاء البلاد .
وقد قامت مفارز الأمن
بتطبيق أحكام الشريعة بصرامة لا هوادة فيها ، فكان القتلة والمجرمون يساقون إلى
محكمة مؤلفة من ثلاثة قضاة ، وكانت الإجراءات حازمة وناجزة، فالقاتل يقطع رأسه ،
وتقطع اليد للسارق الذي يقبض عليه متلبسا ، فإذا لم يرتدع قطعت الثانية ثم القدم
اليمنى فالقدم اليسرى ، ومن وجد مخمورا ضرب ثمانين جلدة ، وأما المحصنون فيرجمون
حتى الموت .
وقد آتت هذه الخطة
ثمارها بصورة مدهشة ، فقد ساد الأمن والنظام أنحاء الحجاز خلال وقت قصير ، وجاءت
الصورة الجديدة متباينة تماماً لما كان يسود الحجاز على مدى أوقات طويلة([99]) قبل الملك عبدالعزيز .
وقد توارث أبناء
عبدالعزيز هذه القواعد المكينة وهذه الأسس الواضحة ، وقد أكرمهم الله بالمال
والإمكانيات ، فطوروا الوسائل والآليات التي تحقق تطبيق الشريعة ، وتحقق الأمن ،
وقد مهدوا الطرق ، واستحدثوا جهاز شرطة قويا يتبع وزارة الداخلية مستفيدا من كل
الإمكانات العصرية في ملاحقة المجرمين ، وأصبح كثير من الناس تقريبا يملكون سيارات
، كما سارت الحافلات والقطارات بين مدن المملكة وفاقا لأحدث التطورات العصرية .
وقد تكون جيش قوي قادر
على حماية البلاد والذود عن حياضها , كما أنشئ الحرس الوطني ، وهو مؤسسة عسكرية
ذات أبعاد ثقافية وحضارية ، وله دور كبير
في حراسة البلاد بالتنسيق مع الجيش ، على حين يقوم الجيش بحراستها جوا وبحرا وبرا
.
الشريعة
الإسلامية والعدل والشورى في المملكة :
لا تقوم البلاد ولا
تزدهر النهضات بعيدا عن العدل والشورى ، وإذا كانت الوسائل المادية والبشرية هي
الجانب الذي يمثل " القوة " – فإن العدل والشورى يمثلان " الحق
" و"العقل" ؛ فالعدل حصاد إقامة موازين الحق بالقضاء وفق أحكام
الشريعة .
والشورى هي حصاد العمل
الجماعي للأمة ، وبهما يتطور الأمر من عبقرية فرد إلى عبقرية نظام ، ومن صلاحية
مقيدة بشخص إلى صلاحية مستمرة تتجاوز الفرد المحدود.
والشريعة الإسلامية
شريعة عدل مطلق سياسة واقتصاديا واجتماعيا ،وليس القضاء إلا الأداة الضامنة لتنفيذ
شريعة العدل التي وضعها الله ضمن نظام تشريعي متكامل .
ومنذ أرسى الملك
عبدالعزيز دعائم دولته مرورا بأبنائه جميعا كان نظام القضاء ممثلا في وزارة العدل
ومحاكمها وقضاتها وفي ديوان المظالم الذي يوقف كل الأجهزة بما فيها أعلى سلطة في
الدولة عند حدود الله في إقامة الحق والعدل كان هذا النظام القضائي الإسلامي ضمانة
من ضمانات أمن الأمة والدولة ، وكان تعبيرا صريحا عن شخصيتها الإسلامية المتميزة
في عصر خالفت فيه كثير من الدول الإسلامية شريعة الله ، واستوردت قوانين وضعية
أباحت الزنا والخمور والفجور والظلم ، وحرمت كثيرا مما أحل الله .
وقد توافر للقضاة
الاستقلال والحماية والكفاية والحصانة ؛ حتى يعملوا في أفضل ظروف العمل بعيدين عن
أية ضغوط .
ونورد بعض المواد
المقتبسة من ( نظام القضاء في المملكة العربية السعودية ) الصادر عن مجلس الوزراء
عن طريق " الأمانة العامة لمجلس الوزراء " ؛ للدلالة على الروح
الإسلامية للنظام القضائي ، وعلى ارتباطه بالحق والعدل في إطار شريعة الإسلام .
فقد ورد في الباب
الأول ما يأتي :
1– القضاة
مستقلون ، لا سلطان عليهم في قضائهم لغير
أحكام الشريعة الإسلامية والأنظمة المرعية ، وليس لأحد التدخل في القضاء .
2– القضاة
غير قابلين للعزل إلا في الحالات المبينة في هذا النظام .
وورد في الباب الثاني
ما يأتي :
5– تتكون المحاكم الشرعية من :
( أ
) مجلس القضاء الأعلى .
(ب) محكمة
التمييز .
(ج) المحاكم العامة .
(د) المحاكم الجزئية .
وتختص كل منها
بالمسائل التي ترفع إليها طبقا للنظام ، ويلاحظ أنها جميعا بدرجاتها القضائية
المختلفة تندرج تحت عبارة ( المحاكم الشرعية ) ، وهي المحاكم التي قضت عليها كثير
من الدول ( الإسلامية ) !
ولم يكن عبد العزيز
المؤمن الملتزم ليغفل أمرا كالشورى وهو يسعى لإقامة دولة قوية ذات رسالة عالمية ،
إن" للشورى " سورة باسمها في القرآن الكريم الذي يقرؤه عبدالعزيز في كل
يوم ، وهي تطبيقا موجودة في سنة الرسول –عليه الصلاة والسلام –القولية والعملية والتقريرية
، فضلا عن أن العمل بها تنفيذ لأمر إلهي صريح ، قال تعالى لنبيه –عليه السلام–
تعليما للأمة التي تقتدي به:{ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ}([100])، فالشورى إذن هي جوهر
النظام السياسي ، وهي كذلك عبادة وسبيل للإصلاح العام في كل المجالات ، ولهذا
فعندما استتبت أمور الدولة السعودية على أساس التوحيد والوحدة بعد ضم الحجاز سرعان
ما دعا عبد العزيز إلى تعيين أشخاص من ذوي الكفاية والصلاح والدين ؛ ليتكون منهم
" مجلس استشاري " برئاسة ابنه الأمير فيصل نائبه في الحجاز ، وبعد عام
واحد أصبح هذا المجلس ( مجلس الشورى ) ، وكان ذلك في عام 1345هـ ، وكانت له
صلاحيات الفصل في شؤون الدولة كلها ، وبعد ذلك بعام آخر صدر لهذا المجلس نظام يحدد
عدد أعضائه ، وكيفية اختيارهم ، ومدة العضوية ، والشروط المطلوب توافرها في العضو
، وأهم اختصاصات المجلس ، وهي غالبا كل ما يتصل بإدارة الدولة([101]) .
وكان واضحا في ذهن عبد
العزيز وأبنائه أن الشورى – وهي عبادة واجتماع وسياسة – هي غير بعض النظم وتلك
الأساليب التي تمارسها تحت مظلة الديمقراطية
؛ لتمرير ما تود تمريره من قرارات بسهولة تامة ، ليست في حقيقة الأمر سوى
شكل من أشكال الديكتاتورية .
لأن الحاكم عندما يسوق
رغباته في صورة قرارات جاهزة للموافقة عليها فمعنى ذلك ببساطة أنه مقتنع بأنه وحده
على صواب ، وأن جميع من يعارضونه على خطأ .
أما عبد العزيز فقد
كان زعيما بالفطرة ، وكان صريحا بالوراثة ، وكان شجاعا في القبول والرفض على
السواء ، وكان حاكما قريبا من القلوب يعبر عنها وتعبر عنه دون حاجة إلى أي نوع من
أنواع المناورات السياسية([102]) التي لا تتفق لا مع
الرجولة ولا مع الخلق ، فضلا عن الدين .
وفي الوقت نفسه كان
واضحا في ذهن عبد العزيز وأبنائه أن الشورى نظام ( عبادي وسياسي ) مختلف في جوهره
عن " الديمواقراطية " الغربية التي تجعل حرية النزوات والغرائز فوق
أوامر الله ونواهيه ، وتجعل كفة " العقل " – وهو في حقيقته الهوى والميل
للسفور – فوق وحي الله .
أما الشورى الإسلامية
فهي تأخذ أفضل ما في النظم السياسية والاجتماعية المعاصرة، لكنها خاضعة لشريعة
الله ، لا تحرم ما أحله الله ، ولا تحل ما حرمه .
ولئن كان النظام الإسلامي يرفض المادية
ودعوى الشمولية فيها –وهي من خصائص النظام الشيوعي – فإنه كذلك يرفض تأليه الغرائز
، وعبادة الفرد ، ومحاربة الدين والأخلاق باسم
الحرية والعقلانية ، وإذا كانت الشيوعية معيبة في موقفها من الدين والفرد فالديموقراطية
معيبة كذلك في موقفها من الدين والمجتمع ، والفرق بينهما كما رأى عبد العزيز فرق
في الدرجة لا في النوع .
يقول الملك
عبد العزيز :" أريد رجالا يعملون بصدق وعلم وإخلاص ؛ حتى إذا أشكل عليَّ أمر
من الأمور رجعت إليهم في حله، وعملت بمشورتهم ، فتكون ذمتي خالصة ، والمسؤولية
عليهم ، وأريد الصراحة في القول "([103]) .
وهكذا كان
إيمان عبد العزيز بأن الشورى عبادة ، ولهذا فإن أقصى ما يبتغيه أن تكون ذمته خالصة
، وهذا يعني رضا ربه عليه .
ويتحدث الأمير
فهد بن عبد العزيز عندما كان وزيرا للداخلية عن الشورى في مقابل دعاة الديمقراطية
بمعناها الليبرالي إلى الغربي ، فيتمنى أن تقدم المملكة النموذج العصري للشورى
الإسلامية التي تعالج أمراض الديمقراطية ، وتأخذ منها ومن غيرها ما قبله الإسلام ،
يقول الأمير فهد :"النقطة الثالثة هذا الخطأ الشائع الذي يعد النظام
الديمقراطي الغربي وكأنه النموذج والقدر المحتوم الذي يجب على كل الشعوب أن تحتذيه
أو تسير عليه ، وقد كثر الحديث عن عجز النظام الديمقراطي عن حل مشكلات الناس، بل
عجزه عن الاستمرار والتكهن بانهياره في أعرق الدول ممارسة له ، لا يجوز أن نستمر
في تصور أنه الشكل الوحيد المتاح للمشاركة في تدبير الأمور وتحقيق الصالح العام .
لقد أمر
الإسلام بالشورى وعلينا أن نقتبس من عقيدتنا الإسلامية الصحيحة ما هو مفيد ، بل أن
نكتشف نظاما جديدا ينبع من ديننا وتقاليدنا وتراثنا ، ويستفيد من تجارب وأخطاء
النظم الأخرى ، وكلي أمل أن تصبح السعودية هي أرض ميلاد هذا النظام الجديد الذي
يقدم الحل الإسلامي لمشكلات العصر "([104]) .
وفي مكان
وزمان آخرين يشير الملك فهد بن عبد العزيز عند إصداره لنظام مجلس الشورى المطبق
الآن في المملكة إلى أصالة نظام الشورى وأصالة الشرعية بصفة عامة من الدولة
السعودية ، يقول :" لم تعرف المملكة العربية السعودية ما يسمي بالفراغ
الدستوري ، فمفهوم الفراغ الدستوري من حيث النص هو : ألا تكون لدى الدولة مبادئ
موجهة ولا قواعد ولا أصول مرجعية في مجال التشريع وتنظيم العلاقات .
إن المملكة
العربية السعودية لم تشهد هذه الظاهرة في تاريخها كله ؛ لأنها طوال مسيرتها تحكم
بموجب مبادئ موجهة وأصول واضحة يرجع إليها الحكام والقضاة والعلماء وسائر العاملين
في الدولة "([105]) .
إنها بالطبع
المبادئ المستقاة من شريعة الله الموجودة في كتاب الله وسنة رسوله عليه الصلاة
والسلام ، وهما الأصلان اللذان تدور في فلكهما صور الاجتهاد الفقهي كل العصور
انطلاقا من الإيمان الثابت بصلاحية الإسلام لكل زمان ومكان .
وبوضوح شديد
لا التباس فيه تسجل المواد الأولى في (نظام مجلس الشورى ) المعمول به في المملكة
الآن والذي أصدره الملك فهد بن عبد العزيز تسجل هذه المواد المنطق الإسلامي (
العبادي – الشرعي ) لنظام الشورى ، ونكتفي هنا بذكر المادتين الأولى والثانية من
هذا النظام تأكيدا لهذا الطابع التأصيلي الإسلامي .
تقول المادة
الأولى :
عملا بقول
الله تعالى : { فَبِمَا رحمه مِنْ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً
غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ
لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ
إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ }([106])، وقوله سبحانه: { الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ
وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ }([107]) ، واقتداء
برسول الله e في مشاورة
أصحابه وحث الأمة على التشاور ينشأ مجلس الشورى ، ويمارس المهام المنوطة به وفقا
لهذا النظام والنظام الأساسي للحكم ، ملتزما بكتاب الله وسنة رسوله ، محافظا على
روابط الأخوة والتعاون على البر والتقوى " .
وتقول المادة
الثانية :
"يقوم مجلس الشورى على
الاعتصام بحبل الله والالتزام بمصادر التشريع الإسلامي، ويحرص أعضاء المجلس على
خدمة الصالح العام والحفاظ على وحدة الجماعة وكيان الدولة ومصالح الأمة " .
وما يهمنا
الإلماح إليه هنا هو الطبيعة الإسلامية والمنطق الشرعي اللذان واجه بهما عبد العزيز
وأبناؤه تحديات العصر وأطروحاته السياسية والفكرية و "الأيديولوجية " .
وبينما كانت قوى كثيرة في المحيط الإسلامي والعربي تنهزم أمام الضغوط العالمية
الشرقية والغربية كان عبد العزيز وأبناؤه شديدي الإيمان بعظمة الإسلام وبقدرة
مبادئه المنزلة من الله الذي يعلم من خلق على مواجهة كل التطورات ، وعلى تقديم نظم
سياسية واقتصادية واجتماعية وثقافية وإعلامية ، تستفيد بلا أدنى حرج من كل إبداعات
العقل البشري , وفي الوقت نفسه تحقق للبشرية إنسانيتها ، وتحفظ لها صلتها الكريمة
بالله سبحانه وتعالى .
أدرك الملك
عبدالعزيز بثاقب فكره كما أدرك أبناؤه من بعده وهو يجوبون العالم ويتعاملون مع
أوروبا وأمريكا – أن الإعلام قوة معاصرة لا يمكن الاستغناء عنها ، وفي ظل الجهل
والأمية والتخلف العلمي والفهم المغلط الإسلامي والنزوع إلى البداوة ورفض
الاختراعات الحديثة في ظل هذا كله تقدم الملك عبد العزيز وأبناؤه في المجال
الإعلامي بحكمة وأناة ، وكان لديهم ما يعتمدون عليه ، ويقوي موقفهم ، وهو إيمانهم
بالإسلام وانتماؤهم لشريعته ، ويقينهم بأنه لكل العصور ، وبقدرته على استيعاب كل
الوسائل الإيجابية في الحضارة الحديثة ، بل قدرته على استحداث البدائل الإبداعية
التي تجعل هذه الوسائل أدوات بناء وتحضير حقيقيين ، يليقان بإنسانية الإنسان،
ويرضى عنهما الله سبحانه وتعالى .
وقد كان صعبا
في ظل النظام القبلي وحالة التشرذم التي سادت قبل توحيد الجزيرة أن تزدهر الصحافة
السعودية ، مما أدى إلى انعدام دور الصحف والمجلات في ربط المجتمع بعضه ببعض
وبالمجتمعات الأخرى المجاورة ، فضلا عن صعوبة انتشار أو توزيع الصحف القادمة من
خارج شبه الجزيرة العربية([108]) .
وكان أمرا
منطقيا أن تضعف وتذبل كل مجالات إصدار الصحف في مدة ما قبل الوحدة ، وفي المدة ما
بين 1332–1373هـ بدأت بشائر ميلاد الصحف في جو من الاستقرار السياسي ، وبخاصة بعد
توحيد المملكة في عام 1343هـ / 1924هـ ، وكان على صحافة هذه المدة أن تساعد على
نهضة البلاد وتوحيدها ، وهي صحف فردية قام بها أفراد مخلصون ، وعلى رأسها صحيفة
" أم القرى " ، وصحيفة " صوت الحجاز"، وصحيفة "المدينة
المنورة " ، ومجلة " المنهل "، و " اليمامة ".
وفي عام
1383هـ صدر نظام المؤسسات الصحفية الذي يفتح المجال للدعم والتنشيط لصحف الأفراد
والمؤسسات ، فازدهرت الصحافة السعودية التي كان يغلب عليها المقال والتحليل في هذه
المدة ، وقد وجد فيها القلم المحلي السعودي في صفحاتها المنفذ الوحيد لنشر نتاجه
الأدبي ، لا سيما أن الصحافة قامت على أكتاف المصلحين والمهتمين بفن الكلمة
والدعوة الاجتماعية ، كما أن صحافة هذه المدة تعد بالنسبة للسعوديين أساس النشاط
الفكري والأدبي ، ومن ثم كان لها أثرها الكبير في تشكيل الأدب العربي الحديث في
المملكة العربية السعودية([109]) .
وقد صدرت في عهد الملك عبد العزيز تسع صحف ومجلات ، هي :
جريدة أم
القرى في 17/5/1909م ، جريدة بريد الحجاز صدرت في 16/11/1924م ، جريدة صوت الحجاز
صدرت في 16/11/1909م ، ثم جريدة المدينة المنورة صدرت في 8/4/1937م ، مجلة الإصلاح
صدرت في 1/8/1928م ، مجلة المنهل صدرت في 1937م ، مجلة النداء الإسلامي صدرت في
6/1937م ، مجلة الحج، مجلة اليمامة . وبعد عهد الملك عبد العزيز حتى صدور نظام
المؤسسات الصحفية صدرت في المملكة ست عشرة صحيفة ومجلة([110]) .
وفي العقدين
الآخرين تطورت الصحافة السعودية تطورا كبيرا ، وتجاوزت الحدود الداخلية ، وأصبحت
توزع في معظم دول العالم ، وتصدر بلغات متعددة ، كما أصبح للسعودية نفوذ وتوجيه
صحافي عالمي كبير ، ولاسيما من خلال عدد من الصحف التي تصدر من العواصم الأوربية .
وفي المجال
الإذاعي يعود الفضل إلى الملك عبد العزيز في تأسيس أول نظام إذاعي في المملكة
العربية السعودية ؛ ففي رمضان المبارك 1368هـ/1949هـ انطلق أول بث إذاعي من
المملكة يركز على البرامج الدينية والثقافية باللغة العربية ، ويتجه إلى الجزيرة
العربية كلها .
وفي الثالث
والعشرين من شهر رمضان المبارك من العام نفسه / الثالث من يوليو تموز عام 1949م
أصدر جلالة الملك عبد العزيز أول مرسوم ملكي رقم 7/3/16/3996 يختص بتأسيس أول نظام
إذاعي في المملكة العربية السعودية ، ويحدد فيه طريقة اختيار مديرها المسؤول عن
تنفيذ سياستها أمام الدولة ومكانها ، وما يذاع فيها ، وعن أعمالها الإدارية
وبرنامجها([111]) .
وقد تطورت
الإذاعة السعودية بعد ذلك ، واستقلت عام 1950م عن إدارة البرق والبريد ، وبعد ثلاث
سنوات تعددت الأستوديوهات ، وفي عام 1371هـ/1952م تم استكمال الوسائل الفنية
لإدارة الاتصال السلكي واللاسلكي والإرسال الإذاعي بين المسجد الحرام وأستديو مكة
المكرمة ، وسعد المسلمون في العالم كله بالاستماع إلى الأذان والقرآن وشعائر
الصلاة حيا على الهواء ، بالإضافة إلى خطبة الجمعة والعيدين وقد توج هذا الاهتمام
بإنشاء إذاعة القرآن الكريم.
وقد تطورت
الإذاعات ، وتعددت ، ودخل التلفاز (الإذاعة المرئية) بعد ذلك ، وانتشرت الإذاعات
والبرامج الموجهة باللغات العالمية ، واستحدثت الوسائل الفنية التي تنافس الدول
المتقدمة ، لكن المهم في كل ذلك – صحافة وإذاعة وتلفاز – أن المملكة لم تنس أبدا
مبادئها الثابتة ، بل أقامت سياستها الإعلامية على الأصول الإسلامية التي أقامت
عليها من قبل نظامها السياسي وبقية نظمها التعليمية والاجتماعية ، وحسبنا في هذا
المقام أن نشير إلى بعض المواد الأساسية الأولى في "السياسة الإعلامية في المملكة
العربية السعودية " ، وهي السياسة التي أقرتها الدولة ممثلة في مجلس الوزراء
بقيادة خادم الحرمين الشريفين .
تقول المادة الأولى في السياسة
الإعلامية :" يلتزم الإعلام السعودي بالإسلام في كل ما يصدر عنه ، ويحافظ على
عقيدة سلف هذه الأمة ، ويستبعد من وسائله جميعها كل ما يناقض شريعة الله التي
شرعها للناس " .
وتقول المادة الثانية :"يعمل
الإعلام السعودي على مناهضة التيارات الهدامة والاتجاهات الإلحادية والفلسفات
المعادية ومحاولات صرف المسلمين عن عقيدتهم ، ويكشف زيفها ، ويبرز خطرها على
الأفراد والمجتمعات والتصدي للتحديات الإعلامية المعادية بما يتفق مع السياسة
العامة للدولة " .
توجيه الكتاب ومعدي البرامج إلى وجوب
الالتزام بقواعد الفصحى نحوا وصرفا وسلامة في التعبير وصحة في استعمال الألفاظ
" .
وتقول المادة الثانية والعشرون :
" يؤكد الإعلام السعودي على أن الدعوة إلى الله بين المسلمين وغيرهم قائمة
إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها ، ولذلك فهو يقوم بنصيبه في أداء هذا الواجب
الجليل ، سالكا في دعوته إلى الله سبيل الحكمة والموعظة الحسنة ، معتمدا على
مخاطبة الفكر ، ومبتعدا عن كل ما من شأنه أن يثير حفائظ الآخرين ".
وتقول المادة الثالثة والعشرون :"
تعمل المؤسسات الإعلامية السعودية مع نظيراتها في العالم الإسلامي عامة والعربي
منه خاصة على تبني منهج إعلامي موحد ، يخدم مصالح المسلمين الدينية والدنيوية ،
ويمثل وحدتهم الفكرية والحضارية ، ويؤلف بين قلوبهم " .
وفي عالم الواقع – وليس في عالم
التنظير والسياسة فقط – تعمل المملكة على تطبيق سياساتها كلها مدركة بأن النزعة
الانهزامية لدى كثير ممن انتهج مناهج اشتراكية ليبرالية عالمية ستؤثر على مستوى
الأفراد والمنظمات والدول بالطبع على مستوى إشعاعاتها وتأثيراتها ، بالإضافة إلى
تأثيرات التصورات الدنيوية والقوى العالمية المعادية بعامة والصهيونية بصفة خاصة ،
بيد أن المملكة ماضية في طريقها متمسكة بثوابتها ذات الأصول الربانية والقيم
الأخلاقية والمبادئ الإنسانية ، لا يضرها من خالفها .
ونحن نستطيع أن نضم إلى جهود الإعلام
مطمئنين كل الجهود الدعوية التي تقوم بها المساجد والرئاسة العامة لإدارات البحوث
العلمية والإفتاء ومؤسسات وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية بعد إنشائها في عهد
الملك فهد ، كما انضم إليها الرئاسة العامة لهيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
التي بدأت نواتها في عهد الملك عبد العزيز ، وكان مقرها الأول في مدرسة أحمد عيد
بباب الصفا بمكة المكرمة ، وكان الأساس في إنشائها مراقبة تنفيذ أحكام الشرع
وإقامة الشعائر ، وحث الناس على الطاعة ، واتخاذ جميع الوسائل الموصلة إلى الأمر
بالمعروف والنهي عن المنكر بالحكمة والموعظة الحسنة، إلا إذا أعياها أمر من الأمور
فإنها ترفع به مذكرة إلى أولي الأمر ، وهذه الهيئة امتداد لنظام الحسبة في الإسلام([112]) .
وكل هذه الجهود تتضافر من أجل حماية
الجبهة الداخلية من الأمراض الحضارية العقدية والخلافية التي تسود عالمنا المعاصر
، ويحاول سدنتها الهجوم على معاقل الإيمان، وعلى رأسها أرض التوحيد وخاتم الأنبياء
ومهبط آخر الكتب السماوية والحرمين الشريفين ، فهؤلاء يريدون ألا يعبد الله في
الأرض ، وألا تصبح كلمة الله هي العليا ، ويحرصون على أن يسود العقل المنحرف
المساحة التي يحتلها الدين في نفوس الناس وفي حياتهم ، ويريد الله أن يحق الحق ،
ويبطل الباطل ، ولوكره الكافرون والمنافقون .
والمملكة العربية السعودية تعلم هذا ،
وتدرك أن الإسلام – على العكس من الأديان والمذاهب الموجودة في الأرض – ليس فيه ما
يؤخذ عليه عقلا أو علما أو خلقا، فعقيدته توحيد خالص ، وشريعته عدل ورحمة لكل
الناس ، وأخلاقه دعوة للسمو ، وهو يحترم الأنبياء جميعا ، ويدافع عنهم ، ويقدر
الله حق قدره ، ويجعل لعبادته برنامجا يوميا يلتزم به المسلم ، فلماذا تخصيص هذا
الدين بهذه الحروب التي تشن عليه ، على حين تستعمل السياسة الرقيقة والدبلوماسية
الهادئة مع الذين يعبدون الأبقار ، بل ومع الذين لا يعبدون إلا الدرهم والدينار ،
وينكرون وجود الله والدين ، وكأن الحياة غابة حيوانية، لا حضارة إنسانية ، وكأن الناس
جاؤوا ليأكلوا ويرتعوا كما ترتع الأنعام دون حساب أو مسؤولية ، وهو تصور كما نرى
لا يليق بالعقل ، ولا يليق بمكانة الإنسانية في الكون ، ولا برسالته التي استخلفه
الله عليها ، وتسعى المملكة العربية السعودية إلى النهوض بها وتبليغها للعالم من
خلال دولة محدودة ، لكن محدوديتها لم تمنعها – ولن تمنعها بإذن الله – من أن تبلغ
رسالة الإسلام إلى العالم مطمئنة إلى وعد الله : {
كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً
بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ
}([113]) .
المملكة العربية السعودية بيت العرب
والمسلمين :
نجحت المملكة العربية السعودية نجاحا
كبيرا في ربط سياستها بمعظم الدول الإسلامية، وإقامة قواعد بنائها الداخلي :
التعليمية ، والأمنية ، والاجتماعية ، والثقافية ، والإعلامية ، والدعوية ، على
هذه الأصول بطريقة واضحة لا لبس فيها .
أما في المجال الواقعي والتطبيقي فقد
جاهدت المملكة العربية السعودية جهادا كبيرا ؛ كي تكون بلادها نموذجا فريدا
لمبادئها الإسلامية ، وذلك في ظل عالم تسوده الأديان والمذاهب المنحرفة والمناهج
غير الأخلاقية والإباحية ، وكان لا بد من أن توجد صعوبات ، وأن يقع صراع مرير بين
الإيمان والإسلام من جانب والمبادئ الدنيوية والمادية والانحلالية من جانب آخر .
وكان على المملكة العربية السعودية أن
تلتزم الحكمة والهدوء ، وألا تسمح لخصوم الإسلام بجرها إلى معارك ومهاترات تشغلها
عن رسالتها العالمية ، وكانت تعلم أن تحطيم نموذجها الإسلامي هدف لكل الشيوعيين
والعلمانيين والصهاينة ، وتعلم أيضا أن قطاعا من المنافقين في داخل العالم
الإسلامي قد خانوا الله ، وانضموا لخندق أعداء الإسلام ، وهو يحسبون أنهم يحسنون
صنعا .
ولجأت المملكة العربية السعودية إلى
التعاون مع أبناء شعبها ومع كل المسلمين الغيارى في العالم ، بل مدت أيديها
للتعاون مع كل دعاة الحق والخير والسلام في العالم.
لقد كان الملك عبد العزيز ملتزما
بالإسلام دونما تجزئة طوال حكمه ( 1319– 1373هـ /1902–1953هـ) ، ولكنه كذلك كان
مقتنعا بأن ( وحدة الأمة ) الإسلامية وتضامنها غاية يمكن أن تتعدد لبلوغها المسالك
في ضوء الظروف المعاصرة ، كما يمكن أن تتحقق في صور متعددة ، على حسب ما يوافق
مصالح المسلمين ، ومن هذه المسالك والأشكال ما يمكن أن يتلاءم مع الحفاظ على
" الاستقلال الوطني " المعروف للدولة الحديثة ، ولا يتعارض معه ، والملك
عبد العزيز في وجهته هذه قد أكد نهجا سياسيا رائدا في الحكم الإسلامي المعاصر.
وبينما حاولت قوى حاكمة متعددة في
العراق والأردن ومصر المزايدة على موضوع إحياء الخلافة الإسلامية بعد إسقاط كمال
أتاتورك لها في تركيا سنة 1924م فإن الملك عبد العزيز كان يدرك أن موضوع الخلافة
أصبح لعبة تقف وراءها قوى دولية تسعى لتأجيج العداوة بين زعماء المسلمين ، ولهذا
فقد رفضها عبد العزيز ؛ لأنه كان يتخوف من تلك القوى الأجنبية الدولية التي لا
تفتأ تحرك مشروعات التجمع المصطنع خدمة لمصالحها ، وقد أبدى الملك عبد العزيز في
موقفه قضية الخلافة فقها إسلاميا سديدا من جهة ووعيا سياسيا بواقع العصر من جهة
أخرى([114]) .
ومن جهة أخرى كذلك سعى الملك عبد
العزيز لتحقيق التقارب والتضامن بين البلاد العربية ، فنشط في مجال توثيق الأخوة
والصداقة عن طريق عقد معاهدات الصداقة والتعاون وحسن الجوار بين المملكة العربية
السعودية والعرب ، وبدأ بعقد معاهدات تحالف بين المملكة العربية السعودية والعراق
واليمن ثم مصر وبقية البلاد العربية ، كما امتدت جهوده إلى عقد المعاهدات مع سائر
الدول الإسلامية ، وقد عقدت المملكة معاهدة للصداقة مع تركيا سنة 1348هـ / 1933م ،
وهكذا وقف الملك عبد العزيز موقف التأييد وراء كل التكتلات العربية والإسلامية ،
ومن بينها تأييد المملكة لإنشاء جامعة الدول العربية والتوقيع على ميثاقها في 7 من
ربيع الثاني سنة 1364هـ/ 22 من مارس 1945م([115]) .
لقد حرصت سياسة الملك عبد العزيز
الخارجية على ألا تسمح للآخرين بالتدخل في منظومتها الداخلية ، وبالتالي فإنه لم
يكن يتدخل في شؤون الآخرين إلا في إطار المصلحة العربية الإسلامية ، وكان يرى أن
اتحاد الأصفار أو المتناقضين لن يؤدي إلى نتيجة ، فلا بد من انتظار عبور المرحلة
التي تتسم بالضعف والتشرذم والتبعية ، وذلك عن طريق الحرص على الأخذ بيد كل العرب
وكل المسلمين واستعمال الدبلوماسية الهادئة التي ترفض ردود الأفعال الاستفزازية
والتي تشغل عن البناء والنهضة وعن إعداد القوة إن استجيب لدواعيها .
وعندما فتح الله على أبناء عبد العزيز
نشطوا في تقديم العون المالي والفكري والسياسي لكل العرب والمسلمين ، وذلك إما
بطريقة مباشرة ، وإما عن طريق المساعدات التي تقدمها الهيئات الإسلامية التي
أنشأتها المملكة ؛ لتكون واجهة للتعامل مع المسلمين والعالم .
وفي مقارنة قام بها الدكتور "
فؤاد عبد السلام الفارسي " "وزير الإعلام السعودي الحالي " بين
نسبة حجم المساعدات الأمريكية لعام 1973م نموذجاً ، وهي المساعدات التي بلغت حوالي
1.5 بليون دولارا من إجمالي الميزانية الأمريكية العامة لنفس العام ، والتي بلغت
246.5 بليون دولارا ( أي أنها نسبة ستة من عشرة في المائة ) ، على حين بلغت نسبة
المساعدات الخارجية السعودية الخارجية السعودية ( 5.75 في المائة ) ؛ إذ إن
السعودية أنفقت 1.3 بليون دولار من أصل وارداتها وهو 22.6 بليون دولار ، ويستنتج
الدكتور الفارسي من هذا أن هذه النسبة المئوية لحجم المساعدات الخارجية السعودية
لا يعادلها أي نسبة في العالم ، سواء بين الدول الصناعية المتطورة ، وعلى رأسها
الولايات المتحدة الأمريكية ، أو بين سائر الدول الأخرى المنتجة للبترول([116]) .
إن المملكة العربية السعودية تدرك ما
تفعل وهي تقدم ما تقدم ، ولاسيما في المحيطين العربي والإسلامي ، فانتشال هؤلاء
المسلمين والعرب من واقعهم دينيا وعلميا وثقافيا واقتصاديا أمر يدخل في صميم
رسالتها ، بل يتصل بجوهر بنائها الداخلي نفسه ، فهي بالإسلام قامت ، وللإسلام
والمسلمين تعيش وتعمل ، وهل تستطيع أن تنسى أنها الأرض التي اصطفاها الله ، فتنزل
فيها القرآن ، عاش فيها وانطلق منها رسول الله خاتم النبيين عليه السلام ، وبدأت إشعاعات الإسلام الأولى من أرضها مكة
المكرمة والمدينة المنورة وما حولهما ، وبها الحرمان الشريفان اللذان تهفو إليهما
قلوب المسلمين في العالم؟
فليس نافلة أن تقف السعودية بما لها
وبطاقاتها وراء إخوانها في الإسلام ، فتساعدهم على الاستقلال عن الاستعمار ، وتقدم
لهم كل صور العون عند الحاجة ، وتيسر لهم أمر الحج إلى البيت الله الحرام ، وتنفق
المليارات على الطرق المؤدية إلى الأماكن المقدسة وعلى توسعة الحرمين الشريفين .
ولقد كان أبناء عبد العزيز امتدادا له
في منهجه بكل جوانبه وأركانه ، ولديهم الفرص والإمكانات التي لم تتوافر لوالدهم
الذي كان مشغولا ببناء وحدة المملكة وبتوفير الحاجات الاقتصادية الأساسية لها ،
أما هم فقد حباهم الله بدولة متحدة قوية غنية ، ولقد استطاع الفيصل – رحمه الله –
الذي حمل راية السياسة الخارجية منذ عهد أبيه وخلال عهد أخيه الملك سعود – رحمه
الله –أن يستغل الإمكانات التي حباهم الله بها لخدمة السعودية والمسلمين في العالم
كله .
وتعد ولاية فيصل للحكم في 27/جمادى
الآخرة 1384هـ ( 2 نوفمبر 1964م ) استمرار وتأكيدا للسياسة الخارجية عربيا
وإسلاميا ودوليا ، هذه السياسة التي بدأت في عهد الملك عبد العزيز ، ومع ذلك وفي
ضوء الظروف الداخلية والعربية والدولية التي تولى فيها الفيصل ونظرا لتجربته
الطويلة ودبلوماسيته الرائعة قيل حول ولايته للحكم : " إن اعتلاء فيصل عرش
المملكة العربية السعودية قد دفع هذه المملكة الناشئة ستة قرون إلى الأمام ،
وهيأها لكي تصبح في عتبة القرن العشرين "([117]).
وعندما تولى فيصل ألقى بعد قبول البيعة
والتهاني خطابه الرسمي الذي يوضح معالم سياسته الداخلية والخارجية ، فعن سياسة
الخارجية التي كان يتولى مسؤوليتها منذ أربعة عقود حتى أصبح ملكا قال :
" إن من أهداف سياستنا الخارجية
التعاون إلى أقصى الحدود مع الدول العربية الشقيقة والسعي معها إلى تحرير جميع
أجزاء الوطن العربي التي لا تزال تحت الاستعمار والسير مع الدول الإسلامية في كل
ما يحقق للمسلمين عزتهم ورفعة شأنهم، ونؤيد ميثاق جامعة الدول العربية ، وندعمه ،
ونؤيد ميثاق الأمم المتحدة ومؤتمرات باندونج ودول عدم الانحياز ، ونسعى بكل ما
أتينا من قوة إلى أن يسود العالم سلام عادل وحرية وطمأنينة دائمة"([118]) .
بهذه الكلمات حدد
فيصل معالم سياسته التي ستسير عليها بلاده ، ونلاحظ أنها تدور حول عدة اتجاهات :
أولا: الاتجاه العربي ، فهي توصي بالتعاون لأقصى
الحدود مع الدول العربية .
ثانيا : الاتجاه
الإسلامي ، ويتطلع فيصل في هذا الاتجاه إلى العمل مع الدول الإسلامية في كل ما
يحقق للمسلمين عزتهم ورفعة شأنهم ، وهو اتجاه جعله فيصل في مقدمة اتجاهاته
السياسية .
ثالثا : الاتجاه
الدولي نحو بقية دول العالم ، وقد أراده فيصل أن يكون تعاونا يؤدي في النهاية إلى
أن يسود السلام والطمأنينة كل أنحاء العالم الذي تعد بلاده جزءا منه([119]) .
وكان الفيصل صادقا في تطبيق هذا المنهج
، بل إنه في المحيط الإسلامي بخاصة بلغ القمة التي صعب أن ينافسه فيها أحد في
القرن الرابع عشر للهجرة العشرين للميلاد ، بل ربما في التاريخ الحديث كله .
وإذا تتبعنا مسيرة التاريخ بعد فيصل
وجدناها كالشأن في عهد فيصل تمضي وفق الأسس السعودية الثابتة التي وضع دعائمها
الملك عبد العزيز رحمه الله ، إنها الأسس التي تجعل المحيطين العربي والإسلامي
كأنهما للمملكة ؛ فهي تذود عنهما قدر طاقتها ، كما تذود عن حمى الدولة السعودية .
ولنتأمل في هذه الكلمات التي يقولها
الملك فهد بن عبد العزيز حول طبيعة الخلافات العربية لنلمس منها هذه الروح المحبة
لكل البلاد العربية ، يقول ([120]): "لا
أحب أن يوصف ما يطرأ بين الأشقاء في الأسرة العربية الواحدة بأنه خلاف، هناك مسائل
معلقة تعتبر من مخلفات الماضي القريب الذي كانت تعيشه بعض البلدان العربية الشيقة
قبل أن تستعيد سيادتها ، وهي مسائل تركها لنا الأجانب ممن وجدوا في بعض البلدان
العربية في الماضي لغرض في نفوسهم ، ومن طبيعة الأمور أن تجري تسوية هذه المسائل
بروح أخوية طيبة تستهدف المصلحة العربية العليا ، أما ما قامت به المملكة على هذا
الصعيد فهو واجب عليها بحكم أخوتها للجميع وبدافع من مسؤوليتها في إطار سياسة وحدة
الصف العربي التي تنتجها المملكة عن إيمان وقناعة ، وهي من صلب المبادئ الأساسية
التي أقام عليها جلالة الملك عبد العزيز دعائم المملكة الراسخة ، وسنظل – بإذن
الله – أمناء عليها ملتزمين بهذا النهج القويم"([121]).
وعلى إثر نجاح الملك خالد في حل خلاف
بين الرئيس المصري أنور السادات والرئيس السوري حافظ الأسد – أثنى الرئيس السادات
على جهود الملك خالد وولي عهده الأمير فهد قائلا:" إننا نعتبر السعودية هي
بيت العرب ، نزوره كلما اختلفنا ؛ ليعود الصفاء والوئام إلى الإخوة "([122]).
وعلى إثر نجاح الملك فهد في حل مشكلة
لبنان الدامية في مؤتمر الطائف في 22/10/1989م– قال الشاذلي القليبي الذي كان
أمينا عاما لجامعة الدول العربية([123]) : " إن
جهود الفهد كانت العامل الأساسي لوصول لبنان إلى مرفأ الأمان والاستقرار ".
كما قال وزير الإعلام اللبناني
:"إن دور الملك فهد أعطى للبنان مزيدا من الرؤية الواضحة حول دوره واستقراره
".
وفي مشكلة الصومال التي كانت مشكلة
عربية إسلامية مؤرقة – وما زالت – بذل خادم الحرمين الشريفين الملك فهد جهودا كبير
لحل المشكلة ، وكان من نتائج جهوده اجتماع مندوبي الفصائل الصومالية بالمملكة ،
ويبلغ عددهم ثلاثمائة مندوب ، وذلك في الثالث عشر من المحرم سنة 1412هـ .
وقد وجه إليهم الملك فهد الكلمة الآتية
:" إننا نتألم مع جميع من تألم من شعب الصومال أو من المسلمين عامة بمشارق
الأرض ومغاربها ، وكنا ننتظر ما حدث في جيبوتي ، الحمد لله أرى الآن هذه الوجوه
المستبشرة التي عانت الأمرين وعانت من المشاكل في السنوات الفائتة ، ولا أعتقد
أنني سوف أبصِّر إخواني في هذا التجمع الآن ما هي الطرق الأفضل ؛ لأن التجربة حصلت
، والفرقة حدثت ، ولكن أعتقد أن ما حدث هو التفتيش عن الطريق الصحيح ، وعن أن تسير
الأمة الصومالية في الطريق المستقيم "([124]).
وعلى هذا النحو نستطيع أن نتعرف على
مواقف المملكة في حل المشكلات العربية والإسلامية في الجزائر وفي أفغانستان
والبوسنة والهرسك وفي غيرهما ، بل نحن نستطيع أن تقول مطمئنين :
إنه لم توجد مشكلة أو قضية في المحيطين
العربي والإسلامي إلا كان للمملكة دور أساسي في حلها .
المملكة العربية السعودية
وقضيــتا الجزائــر وفلسطــين
ألمحنا إلى وقوف السعودية مع كل
القضايا العربية والإسلامية مبدأ ثابتاً من مبادئها الإسلامية امتثالاً لقوله
تعالى : { إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ}([125]) ،
ولم نر ضرورة إلى الوقوف عند كل قضية ؛ لأن هذا يحتاج إلى بحوث كثيرة ، وقد كتبت
فيها كتب كبيرة ، بالإضافة إلى أننا لا نسعى في بحثنا هذا إلى تكثيف عملية الرصد
المعلوماتي ، بل سعينا إلى استخلاص المنهج القائم على الرؤية الإسلامية والولاء
للإسلام ، وهو المنهج الذي حاولنا كشف معالمه من كل القضايا التي عرضنا لها .
ومرة أخرى نشير إلى أن استخلاص هذا المنهج الإسلامي هو جوهر
بحثنا ، وهو غايته من كل القضايا التي نعرض لها .
وفي المحيط العربي وفي المحيط الإسلامي
بل في المحيط الدولي كانت المنهجية الإسلامية هي القاسم المشترك للسياسة السعودية
.
ونحسب أننا لم نعد في حاجة إلى إضافة
أي جديد حول البنية الإسلامية الداخلية للدولة السعودية عبر أدوارها الثلاثة :
الأولى والثانية والثالثة ، بيد أن الدولة الثالثة بقيادة الملك عبدالعزيز أتاح
الله لها ما لم يُتح لغيرها ، فاستطاعت الخروج من محيط الجزيرة العربية إلى العالم
كله ، ومع ذلك كانت المنهجية الإسلامية في رؤيتها وتعاملها ثابتة وراسخة .
وفي الوقت الذي كانت فيه الحركات
القومية الطورانية في تركيا والفارسية في إيران والعربية في أكثر البلاد العربية
تزدهر وتنتشر كانت قيادة عبدالعزيز وأبنائه ثابتة على إسلاميتها تنطلق منها وحدها
لمعالجة كل الأمور ، وترى أن الإسلامية هي الحل الوحيد، وأن النعرات التمزيقية
عرقية أو مذهبية لن تصلح بديلاً للإسلام ، أما إذا كانت الوطنيات والأجناس في إطار
الإسلام وشريعته وأهدافه فأهلاً بها ومرحباً ، وهي مراحل للتكامل ، وليس بديلاً عن
الإسلام أو عقبات في طريق الإسلام .
وليست فلسطين وحدها في المحيط العربي
هي التي أصر السعوديون على أنها قضية إسلامية ، بل كانت الإسلامية منهجاً للتعامل
مع كل القضايا العربية ، وعلى سبيل المثال فإن الثورة الجزائرية قد عالجها
السعوديون بالمنهج نفسه .
لقد سافر الشيخ محمد البشير الإبراهيمي
( الرجل الثاني في جمعية العلماء المسلمين بالجزائر بعد عبدالحميد بن باديس ) إلى
المملكة العربية السعودية أواخر عام 1954م للدعوة لقضية الجزائر ، والتقى بالملك
سعود بن عبد العزيز ، وشرح البشير للملك سعود دور الجزائر في التاريخ وعلاقة
الجزائر بفرنسا ، وأسباب الثورة في الجزائر وملامحها العربية والإسلامية وتنظيمات
الثورات في داخل الجزائر وخارجها ، سائقا في ذلك الصدد الحجج والبراهين ، ومنها
إجابة وزير الخارجية الفرنسي على سؤال لأحد الصحفيين عن موضوع التفاوض مع
الجزائريين قال : ( لن ندع الهلال ينتصر على الصليب )([126]).
وقد استجاب الملك سعود لمساعي البشير
الإبراهيمي ، وبدأت السفارة تقف مع الثورة الجزائرية ، وتوزع المنشورات لصالح
الثورة الجزائرية ، كما وجهت السعودية نداء لمجلس الأمن لمناقشة الموقف في الجزائر
، وفي يناير 1958م التقى الملك سعود بوفد جزائري ، وكان من نتائج هذا اللقاء قرار
الملك سعود بإعادة افتتاح اكتتاب جديد لدعم الثورة الجزائرية بمبلغ مليار فرنك
يكون نصيب الحكومة فيه 25 مليون فرنك ، كما أبدى الملك استعداده لدعم الثورة
بالسلاح أو بالجهد السياسي ، كما أنه كشف عن رغبته في الدعوة لمؤتمر عام لملوك
المسلمين لدراسة القضية الجزائرية وبحث مطالبها وطريقة إسهام الدول الإسلامية في
إعداد المعونة الخاصة بالجزائر "([127]) .
وهكذا تبدو الروح الإسلامية جلية في
وقفة المملكة العربية السعودية مع الثورة الجزائرية .
أما قضية فلسطين فقد بذل السعوديون
فيها جهدهم من المنطلق الإسلامي نفسه .
لقد حذر الملك عبد العزيز الرئيس
الأمريكي من الأخطار التي تنجم عن التفكير بفلسطين وطناً يأوي إليه اليهود ، وقال
: إن العرب واليهود بعد وعد بلفور المشؤوم لا يمكن أن يتعايشوا مع اليهود لا في
فلسطين ولا في أي بلد عربي آخر([128]) .
وألح على الرئيس الأمريكي أن يقطع له
عهدا بألا تقف الولايات المتحدة الأمريكية ضد العرب في فلسطين ، ولا سيما عندما
تضع الحرب العالمية الثانية أوزارها ، وقد تأثر الرئيس الأمريكي بصراحة الملك عبد
العزيز ، وقطع له عهدا باسم الولايات المتحدة الأمريكية بألا تقف بلاده ضد العرب
في قضية فلسطين([129]) ،
وألا تساعد الصهيونية ضدهم ، وألا تتخذ أي قرار فيما يختص بالوضع الأساسي في
فلسطين من غير استشارة تامة لكل من العرب واليهود على السواء([130]) .
لكن من المؤسف أن يكون الرئيس روزفلت
عندما عرضت فلسطين على الأمم المتحدة قد مات ، وأن يكون قد حل محله الرئيس ترومان
، وأن يتجاهل الرئيس الأمريكي الجديد ما قطعه سلفه من عهود باسم حكومته وبلاده
للملك عبد العزيز ، فيقف وقفة انحياز عدائي سافر إلى جانب الصهاينة .
ولم تقف جهود عبد العزيز من قضية
فلسطين عند الدفاع عن حقوق العرب في العواصم الغربية والمنظمات الدولية ، بل إنه
كان دائما على صلة بزعماء العرب في فلسطين ، يقدم لهم كل عون يستطيع ، ويغذي
الثورات العربية بالمال والسلاح ، ويكرر دائما أن قضية فلسطين – وهذا ما يهمنا
التركيز عليه هنا – ليست قضية عرب فلسطين فحسب ، بل هي قضية كل عربي وكل مسلم([131]) .
ويؤكد هذا المعنى المؤرخ خير الدين
الزركلي عندما يتحدث عن مواقف الملك عبدالعزيز من قضية فلسطين ، فيقول([132]) :
" كانت للملك عبد العزيز مواقف العربي المسلم، الصحيح العروبة ، الصادق
الإسلام ، فساهم في قضية فلسطين بسعيه وماله ورجاله .
كما ساهم في القضايا العربية الأخرى
بما كان يرى حفظه في سجل الدواوين ، ولا يأذن في نشره .
وقد ألف الناس " الإعلان "
عن أعمالهم ، وعبد العزيز لا يعلن ، وأدى ذلك في بعض الأحيان إلى قوارص من النقد
وجهت إليه وإلى حكومته في بعض الصحف ، فكانت كلمته :" نحن لا نعمل للناس ،
نحن نعمل لمرضاة رب الناس "([133]) .
والحق أننا نجد رسائل الملك عبد العزيز
الكثيرة إلى الرئيس روزفلت وإلى الحكومة البريطانية تنضح كلها بالروح الإسلامية([134]) ،
وفي هذه الرسائل فند كل الحجج الصهيونية ، وأبان عن الطبيعة العربية والإسلامية
للقضية الفلسطينية ، كما كشف خيانة الحلفاء للعرب بعد وقوفهم معهم في الحرب
العالمية الأولى ، ورفض المؤامرة الأمريكية التي حاولت توريطه في أن يجتمع مع
الزعيم الصهيونى وايزمان ، وقد جاء في رفضه الذي أرسله إلى الرئيس الأمريكي روزفلت
:
" وأما ما ذكر فخامته من جهة
مقابلتي للدكتور حاييم وايزمان فأحب أن يعلم فخامة الرئيس بأننا نقابل كل من يأتي
إلينا من جميع الأديان بكل ترحاب ، مع القيام بالواجب لهم حسبما يقتضيه مقامهم من
الإكرام . وأما اليهود بصفة خاصة فلا يخفى على الرئيس ما بيننا وبينهم من عداوة
سابقة ولاحقة ، وهي معلومة ومذكورة في كتبنا التي بين أيدينا ومتأصلة من أول
الزمان ، فمن هذا يظهر جليا أننا لا نأمن غدر اليهود، ولا يمكننا البحث معهم أو
الوثوق بوعودهم .
أولا : لأننا نعرف نواياهم نحو العرب والمسلمين ،
وثانيا : لأننا لم نتصل بالعرب لنعرف رأيهم " . ومضى جلالته قائلا:" أما
الشخص الذي هو الدكتور وايزمان فهذا الشخص بيني وبينه عداوة خاصة ، وذلك لما قام
به نحو شخصي من جرأة مجرمة بتوجيهه إليَّ من دون جميع العرب والمسلمين تكليفا
دنيئا لأكون خائنا لديني وبلادي ، والأمر الذي يزيد البغض له ولمن ينتسب إليه ،
وهذا التكليف قد حدث أول سنة من هذه الحرب ؛ إذ أرسل إليَّ شخصا أوروبيا معروفاً
يكلفني أن أترك مسألة فلسطين ، وتأييد حقوق العرب والمسلمين فيها ، ويسلم إليَّ
عشرين مليون جنيه مقابل ذلك ، وأن يكون هذا المبلغ مكفولا من جهة فخامة الرئيس
نفسه ، فهل من جرأة أو دناءة أكبر من هذه ؟ وهل من جريمة أكبر من هذه الجريمة
يتجرأ عليها الشخص بمثل هذا التكليف، ويجعل فخامة الرئيس كفيلا لمثل هذا العمل
الوضيع ؟ .
إني لا أشك في أن فخامة الرئيس لا يقبل
هذا ، لا في حقي ولا في حقه ، فهذه من جملة الأسباب التي أريد أن تعرضوها على
فخامة الرئيس ؛ حتى يرى إلى أي حد يتجرأ اليهود للوصول إلى غاياتهم الباطلة ،
وينظر برأيه السديد في هذه الأعمال التي يغني بيانها عن وصفها "([135]) .
ويذكر خير الدين الرزكلي أن فكرة
اجتماع وايزمان بالملك عبد العزيز ومحاولة شراء صمته عن قضية فلسطين فكرة بريطانية
، وهي ربما من بنات أفكار المستر تشرشل ، وأن جون فيليبي المعروف ربما لعب دورا
فيها ، والمهم عندنا هو أن الواقعة توضح كما قدمنا أسلوبا من أساليب العمل
الصهيوني الذي تبرر فيه الغاية الوسيلة ، كما إنها توضح مدى قلق الصهيونية من
معارضة الملك عبد العزيز لمشاريعهم في فلسطين وفاعلية تلك المعارضة([136]) .
كما توضح بجلاء إسلامية الملك عبد
العزيز ، وموقفه هذا يذكرنا بموقف السلطان عبد الحميد الذي رفض الرشوة اليهودية
كذلك ، فجزاهما الله خيرا عن الإسلام والمسلمين .
وكان أبناء عبد العزيز : سعود ، وفيصل
وخالد ، وفهد ، على خطاه ، كانوا مع إسلامية القضية الفلسطينية ومع بذل كل الجهود
في سبيل مقاومة الصهيونية .
وقد فطن أبناء عبد العزيز إلى المستنقع
الآسن الذي انحدر إليه بعض العرب حين جلبوا الشيوعية والاشتراكية ، وظنوا أن
التعاون مع الماركسيين يمكن أن يكون طريقا لتحرير فلسطين .
أما بعض الشيوعيين العرب الخونة لله
ولدينهم وأمتهم فقد رأوا أن الاتحاد بين الطبقتين العاملتين في البلاد العربية
وإسرائيل هو الحل .
وقد نبه الفيصل – رحمه الله – إلى خطر
هذه الآراء الماركسية على القضية الفلسطينية وعلى العرب جميعا ، وقد أوضح مرارا أن
إسرائيل هي المستفيدة من هذا الاتجاه ، في حين أن مصلحة العرب بعامة ومصلحة قضية
فلسطين بخاصة تفرض على العرب عدم الانزلاق إلى هذه الهاوية المهلكة .
وقد رفع الفيصل صوته بقوة مناديا بأن
الخلاص من خطر إسرائيل لا يكون بالارتماء في أحضان الماركسية داخل البلاد العربية
، ولا بدوران الدول العربية في ذلك المعسكر الاشتراكي، وأن عدم الانتباه إلى هذا
الخطر سيكون من نتائجه المميتة سقوط البلاد العربية في هذه الماركسية مع التمكن
للكيان الإسرائيلي ؛ لأن الافتئات على الحق العربي في فلسطين وإقامة دولة
الإسرائيلي قد أسهمت به العواصم الاشتراكية في العالم مع العواصم الرأسمالية يوم
أن أقيم الكيان الإسرائيلي ، وأن الدول الماركسية لا تعادي إسرائيل ككيان ، وإنما
تعترف بها وتحافظ عليها ، كما أن الماركسية في الأصل تتجه إلى إشعال نيران الحرب
الطبقية داخل الكيانات القومية ؛ لتمزقها وتسيطر عليها ، في حين أن الحركات
الوطنية المتمسكة بالقيم الروحية هي وحدها التي قادت عبر التاريخ حركات التحرر من
الاغتصاب ، وجهدت في استعادة الحقوق الوطنية المسلوبة([137]) .
ومن أجل فلسطين كان الفيصل – رحمه الله
– يتغاضى عن مهاترات الاشتراكيين ، ويحتسب عند الله إساءاتهم وعبثهم الصبياني .
وقبيل انعقاد مؤتمر القمة العربية
الثالث بذل جهودا كثيرة للإصلاح بين سوريا ومصر وصولا من خلال المؤتمر إلى ميثاق
عمل عربي مشترك كان الفيصل يسعى إليه .
ولما انعقد مؤتمر القمة العربي الثالث
في الدار البيضاء (13أيلول 1965م / 17جمادى الأولى 1385هـ ) تجاوب ملوك العرب
ورؤساؤهم مع روح السياسة التي رأى الفيصل انتهاجها ، فكان من أوائل ما فعله المؤتمر
أن وضع ميثاقا للتضامن العربي ، نص على تحقيق هذا التضامن في كل القضايا العربية ،
وبخاصة قضية تحرير فلسطين([138]).
ولم ينجح الفيصل في استصدار هذا البيان
فقط ، بل إنه نظرا لمكانته الإسلامية الرفيعة فوضه المؤتمر في بذل المساعي لدى
ملوك الدول الإسلامية ورؤسائها ؛ من أجل مساندة قضية فلسطين لكونها قضية العرب
والمسلمين جميعا([139]) .
ومن أجل فلسطين تغاضى الملك فيصل عن كل
الإهانات والشتائم التي تفنَّن عبدالناصر ورجاله في توجيهها له ، وكان موقفه في
مؤتمر القمة العربي الرابع في الخرطوم من 22 جمادى الأولى 1387هـ / 29 أغسطس 1967م
موقفا تاريخيا ارتفع فيه إلى مستوى بهر الأمة العربية والإسلامية كلها ، إنه لم
يتكلم عن شيء مما مضى قط عندما رأى عبد الناصر منهزما منكسرا بما جلبه على الأمة
في نكبة حزيران ، فمثل الفيصل لا يشمت في أحد ، بل إنه أخذ المبادرة مؤكدا أننا
جميعا إخوان ، ويجب أن نتساعد ساعة الضيق ، وإن لم نساعد اليوم فمتى نتساعد يا ترى
، بل إنه رفض استعماله كلمة المساعدة ، وقال : إننا نقوم بالتزام واجب علينا .
ومن أجل فلسطين المسلمة أيضا بادر
الملك فيصل إثر الجريمة البشعة التي ارتكبتها إسرائيل في حق المسجد الأقصى عندما شجعت
بعض الإسرائيليين على القيام بإحراق المسجد الأقصى في 11 جمادى الآخرة 1389هـ /21
أغسطس 1969م ، فانتهزها الفيصل فرصة لتجديد دعوته إلى التضامن الإسلامي بعد أن كان
الاشتراكيون والقوميون اللادينيون يحاربونها ، ونجح الفيصل في دعوته ، واستجاب له
أمام ضغط الرأي الإسلامي العام من كان يحاربه في عداوة التضامن الإسلامي قبل ذلك .
وبينما اكتفى غالبية زعماء المسلمين
بإدانة إسرائيل وجه الفيصل الدعوة إلى جميع الشعوب الإسلامية لإعلان الجهاد ضد
إسرائيل قائلا : " لقد عبثت الصهيونية الغادرة بأرضنا ، واستباحت حرماتنا ،
وامتدت يدها إلى مقاساتنا ، فأناشدكم إعلان الجهاد"([140]) .
وشدد الفيصل على ضرورة عقد مؤتمر للقمة
الإسلامية ، وهي الدعوة التي قام الملك الحسن الثاني بتوجيهها إلى ملوك ورؤساء
الدول الإسلامية لحضور هذا المؤتمر في عاصمة بلاده " الرباط " لمناقشة
القضايا الإسلامية([141]) ،
وقد استجابت الدول الإسلامية لهذه الدعوة ، وتحققت دعوة فيصل ، وتم عقد أول مؤتمر
قمة للدول الإسلامية بمدينة الرباط في 9 رجب 1389هـ/22سبتمبر 1969م([142]) ،
فبدأ تاريخ جديد في العمل الإسلامي يشق طريقه إلى الوجود ، بل إنه في الحق بزوغ
فجر جديد أعطى للإسلامية عقيدة وحضارة
زخما وقوة لم يكن المسلمون يحلمون بهما .
ونحن نجد المعاني الإسلامية نفسها التي
كان يرددها الفيصل حول القدس وفلسطين يرددها خادم الحرمين الشريفين الملك فهد في
بعض تصريحاته قبل أن يتولى الحكم : " إن تحرير القدس واستعادتها عربية
إسلامية هو في نظري واجب إسلامي محتم وأمانة في أعناق العرب والمسلمين ، فإن تم
ذلك بالطرق السلمية فالعرب والمسلمون أمة سلم وسلام يرتكزان على الإيمان والحق
والعد ، وإلا فالجهاد في سبيل الله يصبح أمرا لا مفر منه "([143]) .
وعندما احتاجت بعض المواقع الإسلامية
في القدس للترميم أمر الملك فهد بأن تتحمل المملكة جميع التكاليف اللازمة لصيانة
المواقع الإسلامية في القدس الشريف والتي تشمل مسجد الصخرة ، والمسجد الأقصى ،
ومسجد الخليفة عمر ، كما أمر بصيانة مساكن الأئمة والخطباء والمؤذنين والقائمين
على خدمة المساجد المذكورة([144]) .
ولا يستطيع باحث أن ينكر أن المنطق
الإسلامي لقضية فلسطين هو المنطق الصحيح، وأنه لو تعاون العرب مع عبد العزيز
وأبنائه على هذا النهج بدلا من استيراد الأفكار الإلحادية واللادينية والعنصرية
المضللة لتغير وجه التاريخ العربي المعاصر ، ولما أضاع العرب عقودا عديدة في
صراعات سياسية وحروب تابعة للمذاهب التي يستوردونها ، يستفيد منها العدو ، وتضيع
بسببها الإمكانات والطاقات ، وتجد إسرائيل في ظل هذا المناخ فرصتها لتتحول من
" دولة العصابات " ، كما كانوا يقولون إلى الدولة الوحيدة في المنطقة
العربية التي تمتلك الذرة ، وتمتلك التكنولوجيا المعقدة ، وتهدد الوجود العربي كله
بهيمنتها السياسية والإعلامية على أمريكا ومن يمشون في فلكها ، وكان هذا هو الثمن
الذي دفعه العرب عندما تنكروا لدينهم وحضارتهم ، وهو يقاتلون قوما يصنعون لهم من
خلال التوراة المغلوطة ، ومن خلال العبرية المنقرضة دينا وحضارة، يريدون أن يحكموا
بهما العالم كله ، مع أنهم أصبحوا بعد أن خانوا تعاليم موسى – عليه السلام –
الحقيقة شر أمة أخرجت للناس .
نظرت الدولة السعودية إلى مسؤوليتها عن الحج والحرمين على أساس أن هذه
المسؤولية تكليف من الله واختيار منه ، ونعمة ستحاسب عليها ، وشرف لا بد أن تدفع
ثمنه ، وعبادة يتوصل بها إلى رضوان الله والجنة .
وأمام هذا سقطت كل المعادلات
الاقتصادية ، فبذلت المملكة العربية السعودية بسخاء، وجاهدت ، بل غامرت بمستقبلها
أيام كان عبد العزيز في مراحل تأسيس دولته حين اختار – جزاه الله خيرا – أن يضرب
بيد من حديد كل قبيلة عابثة مهما كانت شوكتها ، وأن يجعل رئيس كل قبيلة مسؤولا عن
الأمن في حماه ، وإلا دفع الثمن غاليا، فأهين بعد تكريم ، وأصابه الذل بعد العز
والسؤدد ، وفي سبيل الله لم يأبه عبدالعزيز بالنتائج السياسية التي كان يمكن أن
تترتب على هذا الحسم وهذه الصلابة ، وكانت الشريعة سلاحه الذي يحارب به كل
المفسدين ، فلم تمض مدة قليلة حتى ظهرت بشائر النصر ، وتحقق قول الرسول e ، فأصبح الحاج يمشي من أقصى الشمال تبوك ، ومن أقصى الجنوب في
نجران وجازان ، ومن أقصى المشرق في الحدود مع دول الخليج العربي لا يخاف إلا الله
والذئب على غنمه ، ويصل بكل أمواله وأولاده إلى الحرمين الشريفين سالما آمنا ، بل
بلغ الأمر أن يفقد الحاج شيئا في الطريق ، فلا يقوى أحد على التقاطه حتى يظهر
صاحبه .
وعندما تطورت الأحوال الاقتصادية في
عهد عبد العزيز وأبنائه تمكنوا بتوفيق الله من شق أفضل الطرق ورصفها على أحدث
الطرق الحديثة وتزويدها بالاستراحات المناسبة والحراسات والإسعافات التي يحتاج
إليها ، فبعد أن كان الحاج يذهب إلى الحجاز مفقودا ويعود مولودا أصبحت الرحلة إلى
الحج رحلة جميلة ، أقرب ما تكون – لولا الشعائر والمناسك – إلى أن تكون نزهة أو
سياحة !
وكل ذلك قد تكبدتــه المملكة ، حتى
رسوم الحج الضئيلــــة كان الملك عبد العزيز – رحمه الله – قد ألغاها من حج عام
1371هـ ، وقد أصبحت الأماكن المقدسة حافلة بكل خيرات الله ، وأصبح الحجاج يعودون
إلى بلادهم بمشتريات كثيرة ، ربما لا توجد
في بعض البلاد الإسلامية .
وكان من أكبر مجالات الإنفاق التي وفق
الله المملكة إليها ما أنفقته المملكة على توسعه الحرمين الشريفين ، وهي توسعة
وإصلاحات بدأت منذ عهد الملك عبد العزيز ؛ إذ أصدر أوامره في عام 1344هـ بترميم
وإصلاح ما يحتاج إليه مبنى المسجد الحرام .
وفي عام 1354هـ أمر الملك عبد العزيز
بوضع خطة لعمارة وإصلاح عموم أنحاء المسجد الحرام ، وكلف ابنه فيصلا بالإشراف على
ذلك .
وفي عهد الملك سعود بدأت في ربيع الآخر
عام 1375هـ أعمال التوسعة في الجهتين الجنوبية والشرقية ، وهدمت الدور بعد نزع
ملكيتها وتقديم التعويضات المناسبة لأهلها، ثم توالت العمارة والتوسعة في المسجد
الحرام ، فواصل الملك فيصل والملك خالد – رحمهما الله – الاهتمام بالعمارة
والتوسعة في المسجد الحرام([145]) .
وعندما تولى الحكم خادم الحرمين
الشريفين الملك فهد بن عبد العزيز أولى المسجد الحرام عناية فائقة ، فوضع في صفر
عام 1409هـ حجر الأساس لتوسعة جديدة في الحرم المكي الشريف ، وأضيف إلى التوسعة
تحويل أنفاق السيارات والمشاة بمكة المكرمة، وتهيئة الساحات المحيطة بالمسعى
للصلاة ، وتلطيف الهواء بالحرم المكي بما في ذلك التوسعة والمسعى .
ولقد تضمنت توسعة المسجد الحرام إضافة
جزء جديد على مبنى المسجد الحالي من الناحية الغربية في منطقة السوق الصغير بين
باب العمرة وباب الملك عبد العزيز ، بحيث أصبحت التوسعة والعمارة على النحو الآتي
:
1– مساحة أدوار مبنى التوسعة (76.000) متر مربع
موزعة على الدور الأرضي الدور الأول والقبو والسطح .
2– تجهيز الساحات الخارجية ، ومنها الساحة
المتبقية من جهة السوق الصغير ، والساحة الواقعة شرقي المسعى ، بمساحة إجمالية
تبلغ (85.000) متر مربع .
وبذلك تصبح مساحة المسجد الحرام شاملة مبنى
المسجد بعد توسعته والأسطح وكامل الساحات (356.000) متر مربع تتسع لحوالي (
773.000) مصل ، ويصل الرقم إلى أكثر من مليون مصل في أوقات المواسم ( الحج والعمرة
ورمضان ) ، كما يتضمن مبنى التوسعة مدخلا رئيسيا جديدا ، و18 مدخلا عاديا([146]) ،
وهذه بالإضافة إلى مداخل المسجد الحرام الحالية البالغ عددها "3" مداخل
رئيسية ، و" 7 " مداخل عادية، ومئذنتان جديدتان بارتفاع 89 مترا زيادة
على المآذن الحالية البالغ عددها سبع مآذن . وتسهيلا لحركة المصليين فقد تم إضافة
مبنيين للسلالم المتحركة ، وتحتوي على مجموعتين من السلالم المتحركة ، وبذلك يصبح
إجمالي عدد مباني السلالم المتحركة سبعة مبان .
جدول رقم (1) : توسعة الحرم المكي الشريف ( بالأرقام )
|
بيــــــــان |
الوضع قبل
التوسعة |
التوسعة |
الإجمالي |
|
مساحة المسجد الحرام |
193 ألف
متر مربع |
163 ألف
متر مربع |
356 ألف
متر مربع |
|
عدد المصلين |
410 ألف
مصل |
773 ألف
مصل |
أكثر من مليون مصل |
|
المآذن |
7 |
2 |
9 الواحدة
بارتفاع 89 |
|
المداخل
الرئيسية |
3 |
1 |
4 مداخل |
|
المداخل العادية |
27 |
18 |
45 مدخلا |
|
مداخل البدروم |
4 |
2 |
6 مداخل |
|
السلالم المتحركة |
7 |
4 |
11 سلما |
|
عدد أبواب المسجد الحرام |
27 |
14 |
441 بابا |
|
عدد دورات المياه وأماكن الوضوء |
5000 |
4000 |
9000 حمام
وميضأة |
أما المسجد النبوي الشريف فقد حظي هو
الآخر من عبد العزيز وأبنائه بعناية لائقة به، ففي 5 شوال عام 1370هـ أمر الملك عبد
العزيز بالتوسعة في المسجد النبوي الشريف ، وبدأت في هذا اليوم المرحلة الأولى من
العمارة والتوسعة السعودية ، وشملت العمارة السعودية والتوسعة حوالي 12271 مترا
مربعا ، وبلغ عدد الأعمدة التي تمت في العمارة 474 عموداً مربعا ، و 232 عموداً
مستديرا ، وبلغ عدد العقود 689 عقدا، وعدد المصابيـــح 12411 مصباحا ، وانتهت
أعمـــال التوسعة وهـــذه العمارة سنة 1375هـ([147]).
وقد واصل أبناء الملك عبد العزيز
التوسعة والعمارة من بعده ، فانتزعوا ملكية بعض البيوت والساحات حول المسجد ، مع
إيجاد ميدان فسيح يتصل بشارع المناخ ؛ ليزيد من اتساع المسجد النبوي الشريف .
أما في عهد الملك فهد فقد أصدر مرسوما
ملكيا بإعادة تخطيط المدينة المنورة وتجميلها وتحسينها ، وفي السادس من محرم عام
1406هـ بدأ العمل في توسعة المسجد النبوي الشريف وما يتبعه من مساحات ومواقف
للسيارات ومبان للخدمات([148]) .
وقد تضمن مشروع خادم الحرمين الشريفين
لعمارة الحرم النبوي الشريف وتوسعته إضافة مبنى جديد على مبنى المسجد الحالي يحيط
به ويتصل به من الشمال والشرق والغرب ، بمساحة قدرها (82.000) متر مربع ، ويستوعب
(150.000) مصل ، وبذلك تصبـــح المساحات الإجماليـــة للدور الأرضي في المسجد
(98.500) متر مربع تستوعب ( 180.000) مصل ، وبذلك سوف يتسع المسجد النبوي الشريف
بعد التوسعة لأكثر من ( 270.000) مصل ضمن مساحة إجمالية تبلغ 165500 متر مربع،
وتتضمن أعمال الإنشاءات : دورا تحت الأرض بمساحة الدور الأرضي بالتوسعة ، وتحوي
التوسعة ستة عشر مدخلا رئيسيا .
وللمسجد بعد التوسعة عشر مآذن ، منها
ست مآذن جديدة ، ارتفاع كل منها 104 متر([149]) .
جدول رقم (2) : توسعة المسجد النبوي الشريف بالأرقام
|
بيان |
الوضع قبل التوسعة |
التوسعة |
الإجمالي |
|
مساحة المسجد |
16500 ألف متر مربع |
148500
متر مربع |
165000 متر مربع |
|
عدد المصلين |
58 ألف |
642000
مصل |
700000
مصل |
|
المآذن |
4 بارتفاع
72 مترا |
6بارتفاع
104 مترا |
10مآذن |
|
المداخل |
7 |
16 |
23 مدخلا |
|
الأبواب |
16 |
65 |
81 بابا |
|
عدد الأسقف |
–– |
27 |
27 سقفا |
|
السلالم المؤدية للسطح |
–– |
18 |
18 سلما |
وإذا أضيف إلى هذه خدمات أخرى كتوفير
ماء زمزم في المسجدين الحرام والنبوي مثلجا, والثريات, والجماليات ، والكماليات
الأخرى – نجد إننا أمام نقلة هائلة في عمارة المسجد الحرام والمسجد النبوي
وتوسعتهما ، وقد كلف ذلك مليارات من الريالات السعودية,( انظر الجدول رقم 3) ، لم
تطلب المملكة فيها عونا من أحد, بل إنها لتقدم للحجاج والزوار مساعدات أخرى وهدايا
من مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف.
وقد استضاف الملك آلاف من الحجاج , ولا
سيما حجاج آسيا الوسطى وأفغانستان والبوسنة والهرسك, وذلك على نفقته الخاصة تقديرا
لظروفهم التي كابدوها سياسيا أو اقتصاديا.
ولهذا لا نعجب إذا علمنا أن عدد الحجيج
في بداية عهد الملك عبد العزيز بعد قيام دولة الوحدة والتوحيد لا يتجاوز مائتي ألف
، أما الآن فقد تجاوز مليونين,وذلك مع تحديد نسب الحجاج من داخل المملكة وخارجها.
جدول رقم(3) : تكاليف مشروعات توسعة و إعمار الحرمين الشريفين
والأماكن المقدسة التي تشمل المرافق والطرق والأنفاق الأخرى المتعلقة بها
|
العدد |
اســـــــــــم
المشــــــــــــروع |
التكاليف
بالريال السعودي |
|
1 |
تكاليف توسعة الحرم
المكي الشريف بما في ذلك شراء الأراضي اللازمة للتوسعة |
3.178.181.775 |
|
2 |
تكاليف مشروعات
هيئة تطوير منى |
4.609.000.000 |