الإســـلام والسعوديــــون
علاقة فطرة ووجود
في الأسرة السعودية لم يكن الانتماء
للإسلام والولاء له مجرد رؤية فكرية ، أو منهج سياسي ، أو مجرد شعار يرفع في مرحلة
من مراحل قيام دولتهم وتطورها لمجرد الوصول إلى قلوب المسلمين أو عقولهم سواء في داخل
الجزيرة أو خارجها .
كما لم يكن ذلك ( العهد ) أو ( الحلف )
الذي قـام بين الإمامين محمد بن سعود ومحمد بن عبدالوهاب – رحمهما الله – هو
البدايـة في تحقيق هذا الانتماء ، وإن يكن هو البداية في انطلاق الدولة التي تحرص على
أن تجسد مبادئ الإسلام وأحكامه في واقع الحياة من خلال عدد من النظم والمؤسسات
التي تقوم عليها الدولة .
لقد كان هذا اللقاء التاريخي بين
الإمامين تعبيراً عن إيمان حقيقي داخلي بين الرجلين معا ، استطاع الشيخ محمد بن
عبدالوهاب أن يترجمه إلى توجيهات وأفكار ، على حين عزم الإمام محمد بن سعود على أن
ينتقل به من مرحلة التنظير إلى مرحلة التطبيق من خلال الدولة التي كان يقودها مهما
كان حجمها صغيراً .
ويدرك المؤرخون أن التكامل بين الرجلين
تحقق في مدة وجيزة ؛ فكأن كلا منهما كان ينتظر الآخر ؛ لأنهما التقيا قبل
التقائهما الزماني إيمانا وحباً لهذا الدين ورغبة صادقة في خدمته وفي النهوض بأمته
من واقعها المريض ، وقد كان الشيخ محمد بن عبدالوهاب قد حاول هنا وهناك أن يجد من
يقف معه خالصاً لوجه الله في نشر الدعوة ، على أساس ألا يكون التزامه بها حين تكون
ظروفها مواتية ، وألا يتخلى عنها حين يصبح غرمها أكثر من غنمها ، لكنه لم يجد
بغيته وطلبته إلا في محمد بن سعود رأس الأسرة السعودية ، لقد أيقن أنهم لا يعبدون
الله على حرف ، فإن أصابهم خيرٌ اطمأنوا به ورضوا بالإسلام ديناً ، وإن أصابتهم
فتنةٌ انقلبوا على وجوههم ، فرضوا بالمساومة على دينهم وبيع جزء من منظومتهم
العقيدة والدينية في مواجهة أوضاع أو ضغوط سياسية أو اقتصادية .
كلا ، فالإسلام بالنسبة للأسرة
السعودية ليس مجرد انتساب أو شعار ، بل هو فطرتهم التي يعبرون عنها بطريقة مباشرة
وعفوية ، وهو هواؤهم النقي الذي يتنفسونه في جزيرتهم العربية التي تضم في قلبها
مكة المكرمة التي رفع فيها أبو الأنبياء إبراهيم
خليل الرحمن وابنه إسماعيل –عليهما السلام – قواعد البيت الذي تهفو إليه
قلوب المسلمين في أنحاء العالم كله ، ويقصده الحجيج من جميع فجاج الأرض ، متفاعلين
مع ابتهالات إبراهيم وإسماعيل –عليهما السلام – متضرعين إلى الله – سبحانه وتعالى
– وهما يرفعان قواعد البيت قائلين : {
رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ، رَبَّنَا
وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ
وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ }([1]) .
ومستجيبين مع تفاعلهم مع هذه
الابتهالات الإبراهيمية لنداء إبراهيم الذي أمره الله به ، ووعده بسوق الناس من
أنحاء الدنيا تلبية له : {وَأَذِّنْ
فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالاً وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ
كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ ، لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ
فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الأَنْعَامِ
فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ}([2]) .
هذا المناخ الإيماني مع الصفاء النجدي
البيئي والفطري البعيد عن عوامل الزيف الحضاري إضافة إلى عراقة إيمانية أسرية
موصولة بأصول عريقة متجذرة في التربية فكراً عقدياً وإيماناً وجدانيا واقتناعاً
عقلياً – إن هذا المناخ كله جعل الإيمان بالإسلام والالتزام به بالنسبة للأسرة
السعودية قضية وجود وقضية فطرة مركوزة في النفسية السعودية ، تستعصي بها على عوالم
المد والجزر([3]) ،
وعلى عوامل الانحراف المرضية التي لا تلبث أن تزول ، كما يزول كل عارض سطحي ، بل
إنه بهذه الفطرة وهذا الانتماء النقي قاومت الأسرة كثيراً من العواصف التي فصلت
بين كثير من الجماعات وبين ولاءاتها في التاريخ ، وبهذا عبرت الدولتان السعوديتان
الأولى والثانية كل الأزمات ، ودفعتا عن رضا بقضاء الله وثبات يقيني على الانتماء
محناً ضاريةً ، ظن كثير من الناس أنه لن تقوم للأسرة السعودية بعدها قائمة .
أجل ، فعندما يكون الفكر قوياً موصولاً
بحركة العقل والقلب نابعاً من ثوابت مطلقة يكون قادراً على أن ينتقل من كونه (
فكراً ) إلى كونه ( فعلاً ) ؛ ذلك لأن الفكر المجرد النابع من العقل وحده هو الفكر
الذي يظل مجرد كلام تنظيري ، أما الفكر الذي أشرنا إليه آنفاً فهو فكر قادر على
التغيير وتحقيق التحولات التاريخية .
وإذا كان بعض أصحاب الرؤى المنحرفة
يصفون الأمة الإسلامية بأنها " أمة كلام "، ويقول عنها بعضهم : إنها
" مجرد ظاهرة صوتية " منطلقين في هذا من بعض مراحل سقوطها العابرة – فإن
هؤلاء لا يدركون تأثير الكلمة في بعدها الذي أشرنا إليه ، وأنها الكلمة المؤمنة
التي تصنع الأمم وتبني النهضات ، وهي الكلمة التي قال عنها القرآن الكريم : { اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي
خَلَقَ ، خَلَقَ الإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ ، اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ ، عَلَّمَ
الإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ }([4]) ،
والتي أشار إليها الرسول e عندما طالب قريشا والعرب أن يقولوا
كلمة " لا إله إلا الله " ؛ لتفتح لهم بها الدنيا ، ويملكوا بها العرب
والعجم .
إن هذه " الكلمة – الفعل "
هي التي أعطت لكلمات الأنبياء رصيدها في التاريخ ، وعلى هداهم جاءت كلمات المصلحين
.
وكان محمد بن عبدالوهاب من هؤلاء الذين
تمتلئ كلماتهم بوقود إيماني مشبع بالإيجابية والفعالية ، جاء على فترة من المصلحين
الكبار أصحاب الأصوات الجهيرة في الإصلاح والدعوة إلى التوحيد والوحدة ، وحين ظنت
الظنون بالعرب وبالمسلمين ، إذ اكتنف الظلام أجواء العالم الإسلامي ، وانبهمت المطالع
، وركدت ريح العرب في ديارهم ، وتفرقت كلمة المسلمين ، فضعفوا ، وهان شأنهم على
الأقوياء ، فطمع فيهم الطامعون من كل جنس "([5]) .
إن أمير العيينة – وهي بلدة الشيخ محمد
– استجاب للإمام ابن عبدالوهاب ؛ إذ أكرم وفادته ، ورحب به ، وعرض الإمام عليه ما
يدعو إليه من التوحيد ومحاربة الشرك والبدع ، فأيده في دعوته ، ثم كان أن أرسل
إليه أمير الأحساء والقطيف بعد ذلك إنذاراً بإعلان الحرب عليه وقطع الخراج عنه إذا
لم يتخل عن الشيخ ودعوته([6]) ،
فلما وجد الدعوة تمثل تحولاً تاريخياً على هذا النحو قصرت همته ، فآثر مصلحة سلطته
المحدودة " مع ضآلتها " على مصلحة الدعوة " مع عظمتها وامتدادها
العالمي " ، فأمر الشيخ بالخروج من العيينة إلى أي جهة يريدها ، فارتحل الشيخ
إلى الدرعية حيث لقي فيها الترحيب والتأييد من البيت السعودي الذي كان على العكس
من ذلك ، كانت فطرته الإيمانية الدعوية أكبر تأثيراً في نفسه من حدود مصلحته
المحصورة في إطاري القبيلة والإمارة ؛ إذ كان عبدالعزيز بن محمد بن سعود "
ولي عهد الإمام المؤسس لدولة آل سعود في التاريخ النجدي الحجازي " يراسل
الشيخ محمد بن عبدالوهاب ، وهو ما يزال بعيداً في العيينة ، بل كان إخوة الأمير
محمد بن سعود هم الذين اجتمعوا بالشيخ محمد ابن عبدالوهاب ، كما كانت زوجة الأمير
من دوافع القبول ، فكان قبول الأمير محمد ابن سعود التحالف مع الإمام محمد بن
عبدالوهاب قبول أسرة بكل أعضائها ، لها طبيعة إيمانية خالصة ، ولها طموحات إسلامية
دعوية تسمو على طموحاتها القبلية والوطنية .
إن زوجة الأمير تنصحه قائلة له :
" هذا الرجل غنيمة ساقها الله إليك ، فاغتنم ما خصك الله به "([7]) ؛
فالدعوة هنا مغنم ، على حين هي عند الكثيرين مغرم !!
كان الشيخ كبير الثقة في الحصول على
المساعدة والحماية من الإمام محمد بن سعود، وقد أدرك الشيخ ما كان يتمتع به من
صفات الرجل المحارب الفذ ، وكانت الدعوة في ذلك الوقت في حاجة شديدة إلى اليد
القوية التي تساندها وتؤازرها .
يذكر ابن غنام أن الشيخ خرج سنة سبع أو
ثمان وخمسين ومئة وألف من العيينة إلى بلدة الدرعية ، فلما سمع الأمير محمد بن
سعود بوصوله قام من فوره مسرعاً ، فرحب به، وسلم عليه ، وأبدى له غاية الإكرام
والتبجيل ، وأخبره أنه يمنعه مما يمنع منه نساءه وأولاده "([8]) .
وكان مما شرطه الأمير محمد بن سعود على
الإمام محمد بن عبدالوهاب ألا يغادره إذا فتح الله البلاد ونشر الإسلام ، فقبل
الشيخ الشرط قائلاً للأمير : فابسط يدك ، الدم بالدم ، والهدم بالهدم .
لقد تطابقت الإرادتان ؛ لأن القلوب
كانت عامرة بولاء واحد ، وقد أيدت القلوب العقول ، وانطلق الكيان كله من ثوابت
مطلقة ، فلم يكن ثمة تناقض يدفع إلى تضارب مصلحي أو دنيوي ، فأصبح الإمامان في
قطار واحد ، يتجهان إلى غاية واحدة ، تتمثل في " دولة الدعــــوة " التي
تحالفا على نصرة مبادئها فيما عرف باتفاق الدرعية عام 1157هـ/1774م ، وبهذا
الاتفاق أصبح الأمير إماماً ؛ لأن الإمام الروحي للدعوة قد أدى الرسالة ، ووجد
القائد الذي يقود الفيالق تحت راية التوحيد : " لا إله إلا الله ، محمد رسول
الله " ملتزماً بأداء الرسالة ، فاطمأن الشيخ الإمام الداعية الموجه إلى مسيرة (دولة الدعوة ) .
وعندما توفي الإمام محمد بن سعود في
عام 1179هـ /أوائل أكتوبر 1765م كان الإمام محمد بن عبدالوهاب على رأس من بايعوا
ابنه عبدالعزيز بالإمامة بعد أبيه لقيادة "دولة التوحيد والوحدة "
الدولة السعودية الأولى .
ولد عبدالعزيز بن محمد بن سعود عام
(1111هـ/ 1699م) ، ونشأ في بيت الإمارة، وكان في طفولته يغشى مجالس الكبار ،
ويستمع إلى أحاديثهم ، وأكب على القراءة ، وتعلق بحضور حلقات الدرس في المساجد ،
وكان في الدرعية أحد تلامذة الإمام الشيخ محمد بن عبدالوهاب يجلس في حلقات درسه .
وكان يعيش في حياة والده بصورة عادية ،
لم تبهره مظاهر القوة والحكم ، مع أنه كان في معظم الأحيان قائد المعارك التي أخضع
فيها أعداء الدعوة وخصومها([9]) .
وقد وضح – رحمه الله – حقيقة الدعوة
التي قامت على مضامينها الدولة السعودية في رسالته الشهيرة ، قال عنها سماحة الشيخ
الجليل عبدالعزيز بن باز رئيس هيئة كبار العلماء والمفتي العام للمملكة العربية
السعودية في تقديمه لها عند نشرها : " ... الإمام العلامة ناصر السنة وقامع
البدعة عبدالعزيز بن محمد بن سعود أمير المؤمنين في عصره وحامل لواء الجهـــاد في
زمانـــه في البلاد النجدية وملحقاتها ، تولى الإمامة بعد أبيه محمد بن سعود يرحمه
الله ، وبايعه الشيخ الإمام محمد بن عبدالوهاب والأمراء والأجناد والمسلمون بعد
وفاة أبيه يرحمه الله عام 1179هـ .
وقام بالإمامة والدعوة إلى الله سبحانه
والجهاد في سبيله أحسن قيام ، واستمر في ذلك مجاهداً في سبيل الله ناصراً للسنة
وقامعاً للبدعة وناشراً لعلوم الشريعة ومناصراً للشيخ الإمام محمد بن عبدالوهاب
–يرحمه الله –ولأنصاره والداعين إلى سبيل الله بسيفه وسنانه وقلمه ولسانه حتى وافته
المنية في عام 1218هـ .
رحمه الله رحمه واسعة ، ورفع درجاته في
المهديين ، وضاعف له المثوبة ، وجزاه عما قدمه للمسلمين من نصر وجهاد ودعوة وتعليم
وعناية بشؤونهم ومواساة لفقرائهم أحسن الجزاء وأفضله " .
وهذه الرسالة كتبها الإمام عبدالعزيز –يرحمه
الله –إلى العلماء والقضاة في الحرمين والشام ومصر والعراق وإلى غيرهم من علماء
المشرق والمغرب ، أبان فيها دعوة الشيخ الإمام محمد بن عبدالوهاب بن سليمان
التميمي الحنبلي يرحمه الله ، وبيَّن أنها هي الدعوة التي دعت إليها الرسل عليهم
الصلاة والسلام ، وعلى رأسهم إمامهم وخاتمهم وأفضلهم نبينا محمد صلى الله وسلم
وبارك عليه وعليهم أجمعين .
وأوضح فيها – يرحمه الله –حقيقة
العبادة التي خلق الله من أجلها الثقلين ، وأرسل بها الرسل ، وأنزل بها الكتب ،
وحقيقة الشرك الذي أنذرت منه الرسل ، وحذرت منه أممها ، وبيَّن – يرحمه الله
–الأمور التي أنكرها الناس على أصحاب هذه الدعوة المباركة، وأوضح أدلتها ، وكشف
الشبه التي تعلق بها عباد الأنبياء والأولياء .
فجاءت بحمد الله رسالة كافية شافية في
بيان حقيقة التوحيد الذي دعت إليه الرسل، وأقام الله سبحانه عليه الأدلة والبراهين
في كتابه المبين وعلى لسان رسوله الأمين .
كما جاءت كافية شافية في بيان الشرك
الوخيم الذي حذر الله منه عباده ، وأنكرته الرسل على أممهم ، وحكم الله على أهله
بالخلود في النار وحرمانهم من دخول الجنة دار الأبرار ، كما قال عز وجل : { إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ
حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ
مِنْ أَنصَارٍ }([10]) .
وقال سبحانه : { إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ
يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ}([11])،
وقال عز وجل : {
وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وإلى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ
لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنْ الْخَاسِرِينَ }([12]) .
ولعظم شأن هذه الرسالة وكثرة فوائدها
رأيت أن أقدم لها هذه المقدمة الموجزة تأييداً لما تضمنته من الحق وبياناً لشيء من
ترجمة مؤلفها وعلمه وفضله وما قام به من النصرة لدين الله والجهاد في سبيله بسيفه
وسنانه وقلمه ولسانه ومناصرته دعاة الحق وقمعه دعاة البدعة والشرك ، رحمه الله ،
وأكرم مثواه ، وأسأل الله أن ينفع بها المسلمين ، وأن يضاعف الأجر لكاتبها ، وأن
يجيزه أحسن الجزاء وأفضله عما قام به من النصر لدين الله والدعوة إلى سبيله
والجهاد لأعدائه "([13]) .
وفي نهاية العقد الثاني من القرن
التاسع عشر الميلادي ( الثالث عشر الهجري ) وبعد حياة جهادية حافلة استمرت ثلاثة
أرباع قرن انتهت الدولة السعودية الأولى على يد إبراهيم باشا ( ابن محمد علي حاكم
مصر ) ، ونقل آخر أئمتها عبدالله بن سعود إلى مصر في المحرم 1234هـ / نوفمبر سنة
1818هـ ، ونقل في التاسع عشر من المحرم إلى الإسكندرية ، ثم منها إلى الأستانة ،
وهناك دون أي مبرر شرعي تم تنفيذ حكم الإعدام فيه وفي أصحابه في فناء ( أيا صوفيا
) ، وكان ذلك في 18 صفر 1234هـ /17 ديسمبر 1818م .
ومع أن الدولة السعودية الأولى انهارت
من الوجهة والمفهوم السياسيين ، إلا أنها تركت في قلب الجزيرة مقومات الدولة
السعودية الثانية ؛ إذ ظلت أفكار دعوة ابن عبدالوهاب في أذهان الناس ، وظل المجتمع
النجدي يكنُّ ولاءً للأسرة السعودية حاملة راية التوحيد والوحدة ، وكان على رأس
هؤلاء المؤيدين جماعة الشـيخ محمد بن عبدالوهاب من ذوي الرأي النافذ لما لهم من
منزلة دينية محترمة بين أفراد المجتمع النجدي([14]) .
" وانطلاقاً من هذه المقومات ظلت
تتوالى في نجد خلال الحكم التركي المصري انتفاضات ، هدفها إعادة حكم آل سعود ، وكانت
الدولتان التركية ( المرتبكة ) والمصرية ( ذات الطابع القومي ) تقابلان هذه
الانتقاضات بإرسال حملات لإخمادها باعتبارها تحدياً سياسياً لوجودهما في شبه
الجزيرة العربية([15]) .
ولم يكن الإمام تركي بن عبدالله بن
محمد بن سعود الذي عدَّه بعض المؤرخين مؤسس الدولة السعودية الثانية([16])–
بأقل غيرة إسلامية من بناة الدولة السعودية الأولى؛ فقد احتضن الدعوة السلفية ،
وناصرها ، وجاهد في سبيل عودة الناس إليها ، يقول عنه ابن بشر : " كان آمراً
بالمعروف ناهياً عن المنكر ، يرسل النصائح دائماً إلى أهل البلدان من الخاص والعام
، يحضهم على القيام بشرائع الإسلام " .
ويعلق ابن بشر على رسالة من الرسائل
التي كان يوجهها الإمام تركي إلى الناس ، ويضمنها توجيهاته قائلاً :
" رأيت أن أورد رسالة من رسالاته
لرعيته المتضمنة النصيحة ؛ ليعلم من سمعها أنه من الداعين إلى الله المجاهدين في
سبيل الله "([17]) .
ثم يورد له رسالة مليئة بالنصح
والتوجيه والإرشاد جامعة لمعاني الخير ، ثم يقول ابن بشر بعد أن أوردها :
" فانظر إلى هذه النصيحة وما
اشتملت عليه من الأحكام والدعوة إلى الله والشفقة على عباد الله ، وهذه الرسالة
وما في معناها صفة مراسلاته ونصائحه لرعيته التي يبعث بها في كل سنة إلى كل ناحية
، وهذه عادته وعادة ابنه فيصل ، يرسلون النصائح للرعايا في كل سنة ، لكل بلد ورقة
.
ولو رسمت نصائحهم ومراسلاتهم المتضمنة
لذلك وشدة تعاهدهم للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والدعوة إلى الله دائماً لا
يفترون لبلغت كتاباً " .
وإذا أخذنا بوجهة نظر بعض هؤلاء
المؤرخين الذين يرون أن فيصل بن تركي هو الذي يستحق " أن نطلق عليه لقب
المؤسس الأول والحقيقي للدولة السعودية الثانية"([18])،
ولا سيما بدءاً من مدة حكمه الثانية التي دامت حوالي 22 سنة ، وانتهى عام 1865م –
فإننا نجد فيصل بن تركي هذا([19])
" ، متدينا ملتزماً بمبادئ الدين الإسلامي الحنيف ، ميالاً للبحث والدراسة ،
يجالس العلماء ويكرمهم ، حفظ القرآن وهو صغير، كان يقضي وقتا طويلاً من ليله في
التهجد ، وقيل : إن المرضى في مصر كانوا يأتون لداره ؛ كي ينتفعوا ببركته "،
كما يقول عثمان بن بشر([20]) .
ويُعلق أحد هؤلاء المؤرخين السالف
ذكرهم على رسالة وجهها فيصل إلى الشعب النجدي ، فيستخلص منها ثلاث نقاط ، هي :
أولاً : اهتمامه الكبير بالأمور الدينية ، وتعد الرسالة
فقهية أكثر منها سياسية ، فقد ضمنها عدداً من آيات الذكر الحكيم التي تحض على
التقوى وعمل الخير ، ودعا الشعب إلى التمسك بأهداب الدين الحنيف .
ثانياً : أمر بتنظيم هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
، " فلا بد في كل ناحية من طائفة متصدين لهذا الأمر " .
ثالثاً : حض في رسالته الشعب على الوحدة والتماسك ، منبها
إلى مساوئ ما يحدث عن الانقسام والتفرقة بين أبناء الشعب ، مستفيدا بذلك من تجارب
الماضي ومن كثرة المحن والصعوبات التي مرت بها الدولة السعودية الأولى .
ثم يضيف المؤرخ السابق نفسه :
" إن ما نلمسه من هذه الرسالة هو
شدة تدين الإمام فيصل ، فكانت هذه الرسالة بمثابة مرآة انعكست عليها شخصية فيصل
المتدينة ، كذلك فهي توضح مدى تمسكه بالشريعة والعمل من أجلها "([21]) .
ونحن نرى في هذه النقاط الثلاث "
سياسة شرعية " ، ولا نوافق الباحث في منهج الإسلام في وصفه الرسالة بأنها
فقهية أكثر منها سياسية ؛ فالسياسة عندنا جزء من الفقه الإسلامي داخلة فيما يعرف
حديثاً بالنظم الإسلامية ، وقديماً بالسياسة الشرعية . وهذه المرجعية الإسلامية
المعتمدة على القرآن الكريم وأهداب الدين الحنيف والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
والوحدة والتماسك هي جوهر السياسة السعودية في دولها الثلاث ، وبها تنجح الدولة
السعودية دائماً وتتقدم ، وعلى العكس فعندما يقع التهاون فيها تدفع الدولة
السعودية والجزيرة العربية كلها ثمن هذا التهاون سواءً في المحيط الداخلي أم في
المحيط الخارجي ؛ ففي المحيط الداخلي اهتم السعوديون بالناحية الدينية وتقوية
العقيدة، كما اهتموا بالناحية الخلقية كما صورها الدين ، ولذلك حيث سادوا قلت
السرقة والفجور وشرب الخمور ، وأمن الطريق ، وما إلى ذلك .
أما في المحيط الخارجي فقد واجهوا في
كثير من الأقطار الإسلامية ظروفاً دقيقة مختلفة تتنافى مع ما يؤمنون به ، ولكنهم
وقفوا من ذلك بروح واعية ، تتسق مع منطق الحوادث ، واتخذوا بين القوى المختلفة
طريقاً وسطاً ، وكما ساعد على ذلك أن موسم الحج كان فرصة سانحة لعرض دعوتهم وبيان
موقفهم على أكابر الحجاج ، وتفاعل كثير منهم بإيجابية مع الدعوة([22]) .
وعلى الرغم من حرص المملكة على مصلحة
المسلمين جرت محاولات لم تنقطع كان يستغل فيها أعداء الدولة السعودية الفرصة ،
ويوقعون بين أبنائها ، وبينها وبين شعبها ، وبينها وبين الدول الإسلامية حرصاً
منهم على أن تفقد مكانتها بين المسلمين !
وهكذا يؤكد لنا التاريخ أنه كما برزت
المرجعية الإسلامية في الدولة الإسلامية الأولى فكذلك كانت هذه المرجعية هي الأساس
الذي قامت عليه الدولة السعودية الثانية التي لخص بعض الباحثين نظام الحكم فيها
على امتدادها بأنه نظام مبني على أحكام الشرع ، ودستوره القرآن والسنة وما أفتى به
جمهور الأئمة الأربعة([23]) .
لكن الباحث المذكور بعد أن يقول هذا الكلام
الواقعي الصحيح يعود فيقع في الخطأ نفسه الذي وقع فيه سابقاً ، فيصف الدولة
السعودية الثانية بأنها كانت " تسير بالنسبة لأنظمة حكمها حسب الشرع ، وهي
بذلك – كما يقول – اهتمت بالمسائل الروحية دون النظر إلى الحياة المدنية "([24]) ،
والتناقض في هذا التعبير واضح ؛ فالحياة المدنية خاضعة لأنظمة الحكم ومرتبطة
بالمسائل الروحية ، ولا تنفك عنها .
لقد كانت الرسالة " الإسلامية
الشمولية الروحية والمدنية " المرتبطة بالكتاب والسنة واضحة في الدورات
المختلفة للدول السعودية التي لم تكن تدخر وسعاً في الإعلان عن هويتها القائمة على
العودة إلى الكتاب والسنة ونبذ البدع والخرافات ، وكان واضحاً فيها أنها ليس مجرد
إصلاح قلبي وجداني أو مجرد إصلاح اجتماعي تشريعي ، بل كانت حركة دعوية شمولية ،
تشعر برسالتها نحو المسلمين جميعاً ، يقول ابن سند : " كان آل سعود أمة ضعيفة
فقيرة ، وبلادهم ناشفة ليست مخصبة كريف مصر والعراق ، حتى يمكنهم جباية المال منها
، وكان لهم رياسة على العارض فقط ، فلما اجتمع بهم عالمهم " محمد بن
عبدالوهاب النجدي " في القرن الثاني عشر حسَّن لهم نشر الدين المحمدي وإماتة
البدع ، ودس لهم دسيسة([25]) ،
مؤداها أن هذه الحركات تجعلهم ملوك الإسلام عموماً ؛ لأنه لم يبق في ملوك الإسلام
من ينكر المنكر ، فطاوعوه . وهكذا الدول لا تتأسس إلا بالسلطان والدين معا ،
فاقتضى رأيهم أن يحاربوا القرية التي بقربهم مثلاً ، ويدعوهم إلى ما هم عليه ،
فحاربوها ، وأطاعتهم قرى نجد جميعها([26]).
ومن العجيب أن الدولة العثمانية ظلت
عاجزة عن الرؤية الموضوعية للحركة السلفية منذ الدولة السعودية الأولى 1158هـ/
1745م ، ومروراً بالدولة السعودية الثانية (1256 – 1309هـ) / (1840 – 1891م) ، حتى
قيام الدولة السعودية الثالثــة بقيادة الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود
1319هـ / 1902م ، حتى سقوط الخلافـــة العثمانيــة في تركيا على يد مصطفى كمال
(داعية التغريب والعلمنة) سنة 1924م.
وإذا كان للدولة العثمانية بعض العذر
في عجزها عن الرؤية الحقيقية للدولة السعودية والمنهجية السلفية حين سيطر على
خلافة آل عثمان الدونما والماسونية – فإنه ليس لها عذر خلال هذه المدة الطويلة
التي امتدت منذ قيام الدولة السعودية الأولى حتى الدولة الثالثة بقيادة مؤسسها
عبدالعزيز يسوغ هذا العجز المستمر ، فضلاً عن أن يكون هناك أي عذر يسوغ قيام
الدولة العثمانية بإعلان الحرب الرسمية على الدعوة وتدمير بلادها وتأليب "
محمد علي " وأولاده عليها .
وقد خسرت الدولة العثمانية " طوق
النجاة " الذي كان من الممكن أن يقف معها خلال هذه الحقبة يعطيها وقوداً
جديداً تنبعث به روحها التي كان قد أصابها الجمود والخمول.
وعندما تكون الدولة الكبيرة في مراحل
انهيارها يكون خط السقوط أسرع من قدرتها على التفكير وإدراك حقائق الأشياء ، وربما
قضت على نفسها بأكثر مما يقضي عليها أعداؤها . هكذا كان شأن خلافة آل عثمان .
السعوديون والمسؤولية الإسلامية
العالمية :
أشرنا في الصور الماضية إلى ارتباط
الدولة السعودية بالدعوة الإسلامية الإصلاحية ارتباطاً عضوياً ، وارتباطاً فطرياً
وجدانياً وعقلياً ، وقد واجه السعوديون التحديات العثمانية التي تمثلت في هجمة
محمد علي وأبنائه تحت هذه الراية ، وظلوا ثابتين على عقيدتهم حتى مع زوال دولتهم
الأولى .
وعندما ظهرت دولة الملك عبدالعزيز آل
سعود كانت تحمل البذرة نفسها ، وكانت تعبر عنها بطريقة عفوية لا تكلف فيها ولا
تصنع ، بل إن كل انتصاراتهم كانت تعد انتصاراً ( للمسلمين ) و (للموحدين) على
المبتدعة والمارقين .
وبينما كانت خلافة العثمانيين مع مطلع
القرن العشرين الميلادي وبداية الحرب العالمية الأولى تعاني من غيبوبة الموت وتؤذن
كل النذر بأفول شمسها كانت دولة السعوديين تبزغ شمسها من جديد ، وإذا كان العلماني
داعية التغريب مصطفى كمال قد أدت سياسته إلى تقليص دولة الخلافة إلى الحد الذي
أصبحت فيه مجرد دولة لا تزيد على واحد على خمسة عشر من مساحتها الأصلية فإن
عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود كان قد شق طريقه في المدة نفسها نحو صناعة دولة
تخرج من نطاق الرياض وما حولها ؛ لتمتد عبر معظم أرجاء الجزيرة العربية ضامة بين
جناحيها الأماكن المقدسة التي يرنو إليها مسلمو العالم .
وكان عبدالعزيز ومناصروه يدركون أن
مساحتهم الجغرافية وإمكاناتهم البشرية والمادية لا تقارن بالمساحات والإمكانات
نفسها التي تمتع بها العثمانيون في مراحل انطلاقهم ، لكن ذلك لم يثنهم عن حمل راية
( الدعوة الإسلامية النقية ) معتمدين على الله ثم على الإمكانات الروحية والدينية
التي تعطيهم قدرة على الانطلاق وامتيازاً في القبول لدى جماهير المسلمين .
وبيقين لم يكونوا غافلين عن طبيعة
العصر الذي يعيشون فيه ، وهي الطبيعة التي لا تعطي للقوة البشرية والجغرافية
الكلمة الأولى في عصر طويت فيه المسافات بالمواصلات الحديثة وبالإعلام المسموع
والمقروء والمرئي .
وهنا نقف عند رؤية آل سعود في مرحلتهم
الأخيرة على يد عبدالعزيز لأساليب ترجمة مفهوم ( الإسلامية ) إلى خطة للحركة
والدعوة العالمية .
لقد كان الأمر يبدو سهلاً بالنسبة
للدولتين السعوديتين الأولى والثانية ، فكل منهما كانت دولة صغيرة تقف عند حدود
معرفية محدودة ، ولا تستوعب التطور العالمي بالقدر الكافي ، وقد كان من الممكن أن
تكون نهايتهما في هزيمتيهما ، وبالتالي نهاية الدور السعودي التاريخي لو لم تكن
جذوة الدعوة كامنة في وعيها قلباً وعقلاً .
لكن الله أراد أمراً آخر ؛ إذ"
جاءت تجربة عبدالعزيز في ظل الهزيمة الشاملة المادية والمعنوية من المحيط إلى
المحيط ؛ إذ ساد الشك قيادات العالم الإسلامي في جدية الحل الإسلامي أو على الأقل
في إمكانية تطبيقه ، فإذا عبدالعزيز يطرح هذه الإمكانية طرحاً قوياً "([27]) .
ويقول جلال كشك : إنه ومن خلال النظر
التاريخي إلى تجربة عبدالعزيز يمكن للدارس أن يتساءل قائلاً : " لماذا لم
يحقق ابن سعود الأمل الذي علقه عليه المسـلمون والعرب ؛ أي الحل النهـائي للمشكلة
الإسـلامية " ؟!!
ومن ثم يحاول الإجابة من خلال تحليله
ورأيه اللذين سنتناولهما نحن بدورنا
بالتحليل والمناقشة قائلاً : " إذا كان السعوديون لم ينجحوا فلا أحد –
لا محمد أسد ولا غيره من المنتقدين – نجح في طرح الحل الحاسم والدواء الشافي الذي
نبحث عنه حتى الآن منذ مقتل عثمان في رأي البعض ، أو منذ سقوط الأندلس ووصول
البرتغاليين إلى بحر الحجاز في رأي الغالبية "([28]) . وتقتضي
الإشارة إلى محمد أسد في هذا المقام ، ورأى الأستاذ كشك فيه أنه لم ينجح في طرح
الحل الحاسم والدواء الشافي لما حل بالمسلمين عبر قرون .
تقتضي الإشارة التنبيه إلى أن محمد أسد
مفكر وكاتب تعكس مؤلفاته رؤيته ومنهجه، وهو يرى أن " الإسلام بخلاف سائر
الأديان ، ليس اتجاه العقل اتجاهاً روحياً يمكن تقريبه من الأوضاع الثقافية
المختلفة ، بل هو فلك ثقافي مستقل ونظام اجتماعي واضح الحدود ، فإذا امتدت مدنية
أجنبية بشعاعها إلينا وجب علينا أن نتبين لأنفسنا إذا كان هذا الأثر الأجنبي يفعل
فينا فعل المصل المجدد للقوى أو فعل السم "([29]) .
ولا خلاف في أن ما ذكره محمد أسد يظل
دائماً أبرز المعالم الواضحة في هذا العصر بالذات لما ينبغي أن يلتزمه المسلمون في
البحث عن الموقف المتميز والحل الحاسم لما يكتنفهم من مشكلات ، ويحيط بهم من أزمات
، في إطار أن محمد أسد مجرد مفكر هداه الله للإسلام ، وليس صانع دولة .
ويستمر الأستاذ جلال كشك – رحمه الله –
في تحليله ، فيقول : " هذه بالذات ليست غلطة آل سعود ، ولا يمكن تفسيرها
ببساطة بأنها نتيجة تقصير منهم ، أو أن آل سعود بخلوا بجهد كان متاحاً ومعروفاً
سهل البذل ، ولا لأن ابن سعود كان " يفتقر إلى العظمة الداخلية " ، إنها
قضية أكبر من كل جهودنا ، ومن كل الاجتهادات التي طرحت حتى الآن ، ولقد شرق
المؤلفون والباحثون وغربوا ، وماتوا قبل أن يكتشفوا الحقيقة ، وهي القدرة على
تفجير حركة تفرز قيادة قادرة على الاستمرار دون انحراف؛ حتى يتم تحرير المسلمين
"([30]) .
والسؤال الذي يمكن طرحه هنا في مواجهة
هذه الإشكالية :
§
تُرى ما هذا الذي
لم ينجح فيه آل سعود وكان أكبر من طاقتهم ؟
§
وماذا تعني
عبارة ( الحلّ النهائي للمشكلة الإسلامية ) ؟
§
وأيضاً : ما
هذا الذي عجز عن حله محمد أسد والمنتقدون لآل سعود ، والذي يسميه الباحث : "
بالحل الحاسم والدواء الشافي " ؟
ويبدو لنا أن ما يرمي إليه جلال كشك حول
ما سماه : الصلة الوثيقة بين "السعوديين والحل الإسلامي" أنه كان يطمح
في رؤيته للسعوديين إلى نوع من " الحلول الثورية " " الإسلامية
" التي كان أصحابها يصورون لأنفسهم وللناس أنهم يملكون مفاتيح سحرية لتحقيق
" انقلاب عالمي " يجعل المسلمين بمجرد قفزة ثورية يتصدرون الساحة
الحضارية ، ويزاحمون حضارات أوروبا وآسيا ، ويعودون بالطريقة السحرية نفسها لقيادة
قطار الحضارة من جديد ، كما كان شأنهم في القرن الأول ؟
وهذا المنهج الثوري لم يقبله الملك
عبدالعزيز لنفسه ولا لأولاده .
ومما يدل على الاهتمام بهذه النظرة لدى
الأستاذ كشك كثرة المصطلحات " الثورية " التي تتناثر هنا وهناك بين سطور
كتاباته عن تجربة الملك عبدالعزيز ، بل حتى عن تجربة الدولة السعودية الأولى . وفي
أمثلة عابرة لهذه النزعة " الثورية – الإسلامية " التي " كان كشك
" يأمل أن تتحقق في الملك عبدالعزيز نشير بإيجاز إلى بعض ما ورد من تعبيرات
ثورية دالة على هذه النزعة ؛ فالباحث حين يكتب واصفاً إسلامية عبدالعزيز يقول :
إنه – أي إسلام عبدالعزيز – ليس إسلام متصوفة أو دراويش ، ولا حتى إسلام محافظ، بل
" ثورة كاملة " ، تهاجم الملوك والزعماء ، وتحرض الشعوب على الثورة
عليهم ، وهو يدعو إلى تطهير السلوك والمفاهيم والأخذ بالمدنية "([31]) .
ونحن لا نؤمن بهذا المنهاج الثوري الذي
يتمناه كشك من الملك عبدالعزيز ، بل نحن نؤمن بأن إسلام عبدالعزيز هو " إسلام
صحيح " ، وكفى ، وهو إسلام رباني يخاطب الفطرة ، ويتدرج معها ، ولا يؤمن
بالثورية ، ولا يقفز فوق السنن والقوانين .
ويقول كذلك في وصفه لبعض كلمات
عبدالعزيز : " هذه ليست كلمات ملك أو سلطان ، بل ثائر مسلم "([32]) .
إن الحديث عن كنز الذهب والفضة جعل أبا ذر أمة واحدة في صدر الإسلام ، فما بالك
بملك منتصر ينادي بالحل الإسلامي وبهذه المنطلقات الثورية في عصر أجاد هو وصف حال
المسلمين فيه ؟! ([33]) .
ويصف موقف عبدالعزيز من التحديث
والعصرية بقوله : " وقد اتخذ الموقف "الثوري" الإسلامي التقليدي من
قضية " العصرنة " أو التحديث ، وهو القناعة([34])
بتفوق قيم الإسلام ، وتخلف المجتمع الإسلامي ، وتخلف الإنتاج والعلم في هذا المجتمع،
ومن ثم فنحن كسائر الحضارات نحتاج لنقل العلم أو التكنولوجيا التي هي ميراث مشترك
للجنس البشر كله ، ولا دخل فيها للأيديولوجيات ، مع الحفاظ على أيديولوجيتنا ، بل
للحافظ على أيديولوجيتنا وقيمنا ، قال عبدالعزيز : أما التمدن الذي فيه حفظ ديننا
وأعراضنا وشرفنا فمرحباً به وأهلاً ، وأما التمدن الذي يؤذينا في ديننا أو أعراضنا
فوالله لن نرضخ له ولن نعمل به ولو قطعت منا الرقاب "([35]) .
وإذا كنا لا نوافق على إضفاء الثورية
على الملك عبدالعزيز ولا على جهوده وإصلاحاته سواء في مجال الجزيرة العربية أم في
المجال الإسلامي أو الخارجي فذلك لأن الملك عبدالعزيز لم يكن في يوم من الأيام من
هؤلاء الذين دوخوا الأمة وبددوا طاقاتها تحت شعارات ( ثورية ) هائجة لا عقل لها ،
ولم يزعم عبدالعزيز ولا أولاده من بعده أنهم ( ثوريون عرب ) أو ( ثوار مسلمون ) ،
بل إن أكثر ما عاناه عبدالعزيز وأبناؤه – ولاسيما في عهد الفيصل – إنما كان بسبب
هؤلاء الثوريين وشعاراتهم واندفاعاتهم التي كبدت الأمة كثيراً من المال والقوت ،
وأضاعت فرصاً كثيرة للتقدم الحقيقي .
ومصطلح " الثورة " بمعناه
الذي ساد في عصرنا مصطلح لا يرضاه الإسلام دين الدعوة والحوار والبناء عبر التاريخ
والثوابت والتفاعل الإيجابي مع التجارب الإنسانية السابقة والمعاصرة ، على حين
تقوم " الثورة " على الهدم والإلغاء والانفعال بدعوى أن ذلك ضروري
للبناء ، ولكن الذي يحدث فعلاً أن الثوريين يهدمون ، ثم لا يتمكنون من البناء .
أمامنا في تاريخنا المعاصر والمثل
أمامنا أن اليابان هزمت في الحرب العالمة الثانية بقيادة أمبراطورها ( هيروهيتو )
، ثم نهضت اليابان نهضتها الكبرى بقيادة الرجل نفسه !!
أما في عالمنا العرب والإسلامي فقد هدم
الثوريون البنية الأساسية للأمة ، وجلبوا للأمة أعظم النكبات والنكسات ، وهدموا
" الفرد " و " المجتمع " ، ثم ذهبوا إلى قبورهم دون أن يقدموا
شيئاً له قيمة .
والعجب أنهم شيعوا إلى قبورهم من الذين
قدسوهم وعبدوهم بعويل وضجيج ، دون أن تقوَّم معطياتهم التقويم التاريخي الموضوعي ،
اللهم إلا بعد انقضاء المدد الجنائزية الثورية .
على حين ذهب القادة الحقيقيون
والمصلحون العظماء الذين عملوا بعقل وهدوء إلى بارئهم دون ضجيج ، وشيعهم الناس
بثبات المؤمنين بالله الراضين بقضائه المنتظرين لثوابه .
إن هذه الثورية لم تكن أبدا نهج الأسرة
السعودية المرتبطة بالعودة إلى الكتاب والسنة والمنهج الإسلامي الرشيد القائم على
احترام الفطرة والتدرج واحترام آدمية الإنسان وقدراته .
السعوديون : أساليب حضارية لا
ثورية :
لا بد من وقفة موضوعية متأنية عند
التساؤلات التي تثيرها صلة " السعوديين " منذ ظهروا قوة ودولة في جزيرة
العرب بالمنهج الإسلامي في صناعة النهضة والتقدم .
إن هذه التساؤلات تدعو إلى ضرورة البحث
في قضية هامة ، وهي قضية التغيير الحضاري وصناعة الظروف التي تدفع إلى التقدم
الحضاري ، ولاسيما إذا كانت هناك أوضاع تراكمية قد أدت إلى نوع من الغياب التاريخي
والجمود والتخلف على مستوى القاعدة العريضة من جماهير الأمة التي تمتد عبر قارات
الأرض كلها ، فهل يمكن أن يتحقق ذلك من خلال قرار سياسي أو غير سياسي ؟ وهل يملك
شخص واحد ولو كان في حجم صلاح الدين الأيوبي كما يردد بعضهم تحقيق هذا التحول
التاريخي من خلال عدد من المعارك أو تكوين دولة في قطاع محدود من الأرض ؟
-
ولنفترض أن
ذلك قد وقع ، فهل يتحقق به هذا الأمر الذي يسميه بعضهم (الحل النهائي للمشكلة
الإسلامية ) ؟!
إن المشكلة الإسلامية ليست مشكلة نقص في وسائل معينة ، وليست مشكلة هزيمة في معركة من المعارك ، إنها مشكلة حضارية أدت إلى تبديد الطاقات ، واستنزاف المواد الأولية ، وتضييع العقول ، وتمزيق الجسد الإسلامي ، وتكديس الأشياء ، وتعميق معاني الاستهلاك في شرائح الأمة ، ومن ثم فقدت الأمة الرؤية العقدية والمنهجية المستقبلية ، وانتابتها حالة من الفوضى والتكديس ، وتعذر على قطارها أن يقف فوق قضبانه الصحيحة ، فضلاً عن أن ينطلق إلى الأمام .
ولا مناص هنا من القول إنه قد وقع خلط
بين الفعل السياسي والفعل الحضاري ؛ فالفعل السياسي يمكن أن يتحقق في شهر أو سنة ،
فتقوم دولة ما بطرد جيوش الاستعمار الذي يحتل أرضها ، ويتحقق لها ما تفرح به
وتسميه الاستقلال الذي لا يعني في النهاية سوى أن الهيئة الأجنبية الحاكمة قد خرجت
من البلاد هي وجيوشها ، وقد حلت محلها هيئة وطنية من أبناء البلاد ، لكن هل يعني
هذا الفعل السياسي التطابق مع الفعل الحضاري الذي يعني تحقيق المناخ الملائم ؛
لتعبير الأمة عن ذاتها من خلال منظومة فكرية وقيمة ، تحقق لها شروط الإبداع
واللحاق بالعصر الذي تعيشه والمنافسة فيه مع الاحتفاظ بثوابتها وقسماتها الحضارية
؟
ومرة أخرى نقول : إن الفعل السياسي سهل
، ويمكن أن يتحقق في سنة أو بضع سنوات ، أما الفعل الحضاري فشيء آخر ، بل الفعل
السياسي قد ينجح بعد أن تدفع الأمة ثمناً غالياً ، ومع ذلك فقد يفشل الفعل الحضاري
. واعتماداً على النموذج الذي ذكرناه نقول : إن بعض البلدان التي استطاعت الحصول
على الاستقلال السياسي وحكمتها هيئة وطنية قد ازدادت تخلفاً ، بل إن بعض الشعوب
العربية والإسلامية قد ذاقت من ألوان القهر والاغتراب والملاحقة والقمع على يد
الهيئة الوطنية تحت راية علم الاستقلال المرفرف والشعارات الصاخبة المدوية ما لم
تذق جزءاً من مائة منه تحت مظلة الاستعمار السياسي ، بل إن بعض الدول في المحيط
الإسلامي تركها الاستعمار ، وتحقق لها الاستقلال ، وكانت عُملتها ذات قيمة عالية
في مواجهة العملات العالمية ، فلم تكد تمر عدة سنوات من التخبط والفوضى والتكديس
وعبادة الأشخاص والغوغائية حتى هبطت عملتها إلى الحضيض ، وفقد اقتصادها مقوماته
الأساسية ، وبدأت مؤسسات الدولة الوطنية تبيع ثوابتها ومقومات استقلالها للاستعمار
مقابل بعض القروض أو المعونات أو بعض صور التأييد لمواقفها السياسية المتخبطة .
ونضرب مثلاً آخر من تجربتنا الحضارية
الأساسية " التجربة الأم "، لقد انتصر المسلمون في عقود قليلة من الزمان
على إمبراطوريتي الفرس والروم ، لكن هذا الانتصار شيء ، ونشر المسلمين للإسلام بين
الشعوب وتحقيقهم لآليات التفوق الحضاري شيء آخر ، استمروا في تحقيقه قرناً أو
قرنين .
ففي مواجهة حضارة أوروبية وأمريكية
كاسحة ظهر أمام المسلمين مارد عملاق بعد قرون من نومهم العميق ، لا يجوز أن يتصور
أحد أن هناك شخصاً ما يمكن أن يحمل في جعبته ( الحل النهائي للمشكلة الإسلامية ) ،
بل الأمر الطبيعي والمنسجم مع سنن التغيير الاجتماعي أن نتصور وجود أشخاص في حجم (
عبدالعزيز ) يبذلون جهودهم في مساعدة التاريخ على أن يتحرك بقطار الأمة الإسلامية
الممتدة في قارات الأرض في اتجاه ( شروط النهضة ) و ( مؤهلات صناعة الحضارة ) عن
طريق إزالة الأتربة والجراثيم التي علقت ، وباضت ، وأفرخت في العقل المسلم ، ففقد
هذا العقل قدرته على الرؤية الصحيحة لسنن الله في التغيير ، بل فقد قدرته على
الفقه الصحيح في عقيدته وطبيعة رسالته وحقيقة مكانته ، وأصبح عقلاً قابلاً لأن
يلعب به ( البائعون الأيديولوجيون ) ، فيتجهون به يوماً إلى نحلة شرقية تضيع منه ثلاثة
أرباع قرن ، وتحول بعض بلاده إلى معتقلات ترتكب فيها أبشع صور انتهاك إنسانية
الإنسان باسم التقدمية والاشتراكية ، ويتجهون به يوماً آخر بعد أن لحقت بهم على يد
الاتجاه الشرقي أعظم نكساتهم ونكباتهم في التاريخ الحديث إلى الاتجاه الغربي
الليبرالي العلماني ؛ لتنتظرهم كذلك نكسات ونكبات أخرى بانت بوادرها في الانحياز
الأمريكي والأوروبي لإسرائيل، وفي خيانة الصهيونية الإسرائيلية لكل المعاهدات
والمواثيــــق ، إضافة لما حققته الصهيونية من قـــدر كبير من اختراق العقل العربي
والإسلامي ، بل اختراق المقومات الأساسية للأمة العربيـــة والإسلامية ، دون أن
يكون هناك أدنى مقابل أو أدنى تكافؤ في المواجهة الحضاريـــة التي تمثلها الهجمة
الصهيونية التي تسعى طليعــة للهجمة الليبرالية العلمانيـــة والتنصيريــة لغرض
الصدام الحضاري – على حسب تعبير صموائيل هنتجتون – على الحضارة الإسلامية ،
وبالتالي التمكن من اجتياح قلاعها وتجفيف منابعها الإسلامية .
إن الأمر إذن أمر مواجهة حضارية طويلة
النفس ، ولا يصلح معه الدخول في (صدام) مسلح نسبة الانتصار فيه لا تتعدى نسبة
ضئيلة ، فضلاً عن أن الانتصار العسكري أو السياسي ليس هو جوهر القضية فحسب ،
فالقضية حضارية قبل أن تكون سياسية أو عسكرية .
كان عبدالعزيز يجمع بين الثقافة
الإسلامية الموصولة بالفطرة النقية والمنسجمة معها ، ويحمل في وعيه تجربة التاريخ
الإسلامي والحضارة الإسلامية ، ويرتبط بثوابته وماضيه ارتباط حركة وفعالية ، وليس
ارتباط جمود وسكون .
وكان عبدالعزيز يعايش مجتمعاً بدوياً ،
ويرتبط به ، ويحسن التفاعل معه ، بل يحسن قيادته من طور إلى طور .