المقدمــة:

لم يظهر في الجزيرة العربية في العصر الحديث فكر إستراتيجي متكامل بالمعنى المفهوم للكلمة(1) قبل عهد الملك عبدالعزيز ، يرحمه الله ؛ إذ كانت المشيخات والدويلات القائمة في أرجاء الجزيرة العربية تتخذ الشكل القبلي أكثر من اتخاذها شكل الدولة ، وكانت تعيش أجواء الصراع والخلافات، وتندلع بينها الحروب والمنازعات لأتفه الأسباب ، ويمكن القول دون أدنى مبالغة : إن الملك عبدالعزيز استطاع – بعون الله وتوفيقه – أن ينقل المجتمع الذي كان يعيش على أرجاء تلك الأرض الشاسعة من طور القبيلة إلى طور الدولة موفرًا لتلك الدولة عوامل الرسوخ والثبات والاستمرارية.

وقد استفاد الملك عبدالعزيز من تجارب الدولتين السعوديتين الأولى والثانية اللتين سبقتا قيام المملكة العربية السعودية، فبالرغم من نجاح هاتين الدولتين في ضم القبائل وتوحيد الأرض والظفر بولاء غير مسبوق، لم تتمكنا من تطوير آلية أو اتخاذ مبادرة عملية لتغيير الدور التقليدي للنظم والولاءات القبلية، وهو ما نجح فيه الملك عبدالعزيز عندما أولى العامل الاجتماعي في معادلة التغيير أهمية كبرى بإيجاد نظام الهجر بدءًا من عام 1330هـ/1912م.

ولا شك أن هناك عدة عوامل ساهمت في نجاح الملك عبدالعزيز في تحقيق هذا الهدف الإستراتيجي ، يأتي على رأسها شخصيته الفذة ، وما اشتملت عليه من ملامح القيادة والبطولة والعبقرية ، وقدرته الفائقة على تحويل الخصوم إلى أصدقاء ، وفي توحيد قلوب العباد ، وهو ما وضع الأساس السليم للوحدة الوطنية السعودية التي تعد سمة بارزة من سمات هذا الكيان وركيزة أساسية لأي فكر أو عمل يتعلق بالوحدة أو التضامن على نطاق أوسع ، وأهم من ذلك كله ما كان يتمتع به الملك عبدالعزيز من إيمان عميق وخلق إسلامي في القول والعمل وفي المنهج والتطبيق سواءً على صعيد السياسة الداخلية أو الخارجية.

وكان من الطبيعي ألاّ ينتهي الفكر الإستراتيجي للملك عبدالعزيز عند حد قيام الدولة وتوفير عوامل نهوضها، بل إنه ظل يتطلع منذ الوهلة الأولى لمسيرة التوحيد والبناء لأن تؤدي هذه الدولة الفتية دورًا هامًا ومتناميًا ومؤثرًا على الصعيدين الإقليمي والدولي موليًا أهمية خاصة لدور المملكة يكون كبيرًا ومتميزًا على صعيد تحقيق التضامن الإسلامي، وهو الموضوع الذي يدور حوله هذا البحث الذي يستعرض من هذا المنظور جهود المملكة في هذا المضمار، وما حققته من إنجازات عديدة، وذلك في إطار المنهج القويم الذي وضع أساسه الملك عبدالعزيز ، يرحمه الله ، والتزم به أبناؤه البررة من بعده ، وهو العمل بكتاب الله وسنة رسوله عليه الصلاة والسلام ، والإيمان بأن عزة الأمة الإسلامية إنما تكمن في تضامنها وتعاونها.

وينبغي الإشارة إلى أننا طبقنا في هذا البحث التكامل المنهجي ؛ لأن موضوعه يتراوح بين التاريخ والسياسة ، وإطاره هو المنهج التحليلي، وتوخينا جـــانب الموضوعية والحيادية قدر الإمكان .

ويفترض البحث الفروض الآتية التي نحاول إثباتها في المتن :

1 – أن الملك عبدالعزيز في رؤيته لمفهوم التضامن الإسلامي إنما ينطلق من مفهوم راسخ وثيق الصلة بشخصيته الإسلامية وتنشئته الدينية وبالمنهج الذي احتذاه في تأسيس الدولة وتوطيد أركانها.

2 – أن الملك عبدالعزيز في رؤيته لمفهوم التضامن الإسلامي لا يرى تناقضًا بين التضامن العربي والتضامن الإسلامي ، بل يعتبر بعضهما مكمِّلاً للبعض.

3 – أن مفهوم الملك عبدالعزيز للتضامن الإسلامي مفهوم شامل ومتكامل ينطلق من فكر إستراتيجي واضح المعالم ، يعد هذا التضامن إطارًا عامًا لأي عمل من شأنه أن يؤدي إلى إعلاء كلمة الإسلام وحل مشكلات وقضايا هذه الأمة والارتقاء بمستواها المعيشي والحضاري ؛ لكي تقوم بدورها المؤمَّل على خريطة السياسة الدولية المعاصرة، باعتبارها خير أمة أخرجت للناس ، تأمر بالمعروف ، وتنهى عن المنكر.

4 – أن الملك عبدالعزيز في رؤيته للتضامن الإسلامي كان يضع في أولوياته خدمة الحرمين الشريفين وحجاج بيت الله الحرام وحماية المقدسات الإسلامية التي تضم إلى جانب الحرمين الشريفين القدس الشريف أولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين ومسرى رسول الله عليه أفضل الصلاة والسلام.

5 – أن فكرة التضامن الإسلامي ظلت تشكل ركيزة هامة من ركائز السياسة السعودية منذ عهد الملك عبدالعزيز – يرحمه الله – حتى الآن.

وبناءً على ذلك اشتمل بحثنا على العناوين الآتية :

أولاً – العوامل التي ساعدت على وضوح الفكر الإستراتيجي السعودي في مجال التضامن الإسلامي :

1 – التنشئة الدينية للملك عبدالعزيز.

2 – خصوصية الموقع وتفرده.

3 – الالتزام بالمنهج.

ثانياً –  مفهوم الفكر الإستراتيجي السعودي للتضامن الإسلامي:

1 – الوحدة مبدأ أساس في الفكر الإستراتيجي للملك عبدالعزيز.

2 – الإيمان بعدم وجود تناقض بين التضامن العربي والتضامن الإسلامي .

3 – الاضطلاع بمسؤولية حماية المقدسات.

ثالثاً – مجالات دعم المملكة لمبدأ التضامن الإسلامي:

1 – خدمة الحرمين الشريفين وحجاج بيت الله الحرام.

2 – دعم القضايا الإسلامية.

3 – خدمة الإسلام والمسلمين في جميع أنحاء العالم.

رابعاً – القدس نقطة التجمع الإسلامي:

1 – موقف المملكة من قضية القدس.

2 – إيمان المملكة بالعمل الإسلامي الموحد لإنقاذ القدس.

 

 

أوَّلاً – العوامل التي ساعدت على وضوح الفكر الإستراتيجي السعودي في مجال التضامن الإسلامي :

1 – التنشئة الدينية للملك عبدالعزيز :

ولــد عبدالعزيـــز في الريـــاض عام 1293هـ/1876م، وعاش فيهـــا طفولته المبكـــرة ، وتلقى على يد والده العنايــــة والرعاية ؛ إذ رباه على تعاليم الإسلام ، وظل الإمام عبدالرحمن على منهجه مع أبنائه وأسرته على الرغم من غربتها في الكويـــت .

ولا يكاد يختلـــف اثنان على أن الإيمان والتديــن شكّلا الناتج الطبيعي للنشأة التي نشأهـــا الملك عبدالعزيز، لا سيما أن مدرســــة القرآن كانت المدرسة الأولى التي تشرب مبادئهــــا وتعاليمها منذ نعومة أظفاره ، فعندما بلغ السابعــة من عمره " عهد به والده إلى المطــــوع عبدالله الخرجي لتعليمه القرآن الكريم، فختمــه في الحادية عشرة من عمــره، ثم تلقى علوم الفقه والتوحيد على يد الشيخ عبدالله بن عبداللطيف ، وقد عــود المطوع الخرجي عبدالعزيز على النهوض عند الفجر قبل طلوع النهار بساعتين لأداء الصــــلاة ، وقد استمر هذا التقليد الذي اكتسبه عبدالعزيز طيلة سني حياته ، وهو يظهر – بالإضافـــة إلى أشياء أخرى – في الميل الداخلي العميق نحو سماع تلاوة القـــــرآن "(2).

ويتحدث سمو الأمير أحمد بن عبدالعزيز عن تلك الصفة في والده بقوله: " كان لجلالته –رحمه الله – برنامجًا يوميًّا منضبطًا، فكان له ورد خاص بعد أن يصلي العشاء وقبل أن ينام وأدعية يناجي بها ربه ، وكان يصلي وتره قبل نومه الذي عادة ما يكون قبل منتصف الليل، ويحرص على تلك الصلاة (الوتر) في الحضر والسفر وحتى أثناء قيادته للمعارك "(3).

ومن عادته أن يقوم في الثلث الأخير من الليل لصلاة التهجد حتى تحين صلاة الفجر :" الذي يصليه جماعة مع الحرص على حضور أبنائه للصلاة وتفقدهم، مجازياً من يتخلف منهم عن الصلاة "(4).

ويذكر محمد المانع عن هذا الجانب في شخصية الملك عبدالعزيز: " كان الملك عبدالعزيز منذ الأيام الأولى من حياته حتى نهايتها مسلمًا تقيًّا ورعًا يتبع أوامر الشريعة بكل تفاصيلها ، وكان جلالته دائمًا يخصص وقتًا معينًا في اليوم لقراءة القرآن الكريم وغيره من كتب الدين ، وبخاصــة تلك المشتملـــة على أسماء الله الحسنى ، وكان نادرًا ما يتحدث مع أحد دون أن يستشهد بآية من القرآن الكريم الذي كان يستقي منه فيضًا لا ينضب من الحكمة والإلهام، وكان ماهرًا في تفسير الآيات وشرحها بطريقة تخلب أفئدة جلسائه "(5).

وكان جلالته يبدي حرصه الشديد على تأصيل هذه القيم في نفوس رعيته، ومن أمثلة ذلك أنه عندما عقد لجلالته الأمر " بعث البعوث في البادية يعلمون الناس القرآن، حتى أصبح البدوي الذي كان يترنم أثناء سيره في الصحراء بأناشيد العرب يلتذ بمدارسة القرآن "(6).

وكان تدين الملك عبدالعزيز ذا مظهرين : " أحدهما سلوكه الشخصي؛ إذ كان مستقيمًا خلقيًّا محافظًا على أداء الواجبات والسنن الدينية ، وثانيهما مناداته بالإسلام عقيدة صافية وشريعة سمحة "(7).

وتعد العقيدة – بما تشتمل عليه من عناصر يأتي على رأسها الإيمان – إحدى الركائز الأساسية للشخصية الإسلامية ، وهو ما يدفعنا إلى تقرير الحقيقة التي مؤداها أن الإيمان يعتبر مكوِّنًا رئيسًا في شخصية الملك عبدالعزيز.

ولقد شغلت هذه العقيدة وهذا الإيمان روح جلالته ولبه ، " فأصبح قوامه بها واستناده عليها ومنشؤه منها، هي غايته ، وهي مناه في غدواته وروحاته وفي مجالســه وخلواته، ويرى واجبًا عليه أن ينشر روح الدين الخالص بين الناس كافة"(8).

ويؤكد خادم الحرمين الشريفين الملك فهد بن عبدالعزيز هذا الجانب الهام في شخصية الملك عبدالعزيز وانعكاساته على السلوك والممارسة بقوله: "الملك عبدالعزيز حين نفذ واجبه في إعادة وحدة هذه البلاد وإعادة مجدها المبني على دعائم الإسلام الخالد لم يكن يبتغي في ذلك سلطة أو سيادة دنيوية عارضة أو الحصول على جاه أو أي عرض من أعراض الدنيا، بل كان يستشعر في مسعاه واجبًا دينيًا وخلقيًا، كان يمثله سلوكه الشخصي منذ نعومة أظفاره في طهارته وورعه وتقاه ، فقد كان – رحمه الله – قوي الصلة بالله عز وجل ، لا ينام الليل إلاّ قليله ، وكان يقضي أكثره راكعًا أو ساجدًا يطلب العون والنصر من الله في كل أمر من أموره ، وكان يؤمن إيمانًا مطلقًا بأنه لا يتوفر للعقيدة عز وانتشار وخلود إلا في ظل كيان آمن ومطمئن ، يقوم على رعايتهـــا وتبليغها والدعوة إليها والدفاع عنها ، لقد عرَّف نفسه – يرحمه الله – في إحدى خطبه الجامعة قائلا: "إنني أعمل جهد الطاقة في سبيل إعلاء كلمة الدين وإحلال عقيدة السلف الصالح، فإنني مبشرٌ أدعو لدين الإسلام ونشره ، وإنني أدعو لعقيدة السلف الصالح، وهي التمسك بكتاب الله وسنة رسوله محمد e  وما جاء عن الخلفاء الراشدين "، كما عرف نفسه – رحمه الله – قائلا: " إنني مسلم أحب جمع كلمة الإسلام والمسلمين، وليس أحب عندي من أن تجتمع كلمة المسلمين ، ويتحد شملهم ، ويعلو شأنهم "(9).

وليس من الغريب أن يشكل الإيمان المكون الرئيس من مكونات الشخصية العبقرية للملك عبدالعزيز، ذلك أن جلالته – رحمه الله – هو سليل البيت السعودي ، وهو كما ذكر الملك فيصل بن عبدالعزيز – رحمه الله – ذات مرة: " بيت دعوة قبل أن يكون بيت مُلك "(10).

ولا شك أن هذا الجانب في شخصية الملك عبدالعزيز يعد أحد المفاتيح الهامة لفهم الكيفية التي تجلَّت فيها مفهوماته – رحمه الله – بشأن فكرة التضامن الإسلامي.

 

2 – خصوصية الموقع وتفرده :

ظل الموقع الجغرافي يلعب دورًا هامًا في صياغة الحدث السياسي في شبه الجزيرة العربية عبر مراحل التاريخ المختلفة ؛ " لأنه موقع وسطي بين أفريقيا وآسيا، تتخلله العديد من المراكز التجارية والحضارية منذ أقدم العصور، من ضمنها البحار الخمسة ذات الأهمية التي توصف بالدفيئة لصلاحية مياهها للملاحة على مدار العام ، وهي البحر المتوسط والبحر الأحمر والمحيط الهندي والخليج العربي والبحر الأسود ، وتطل المملكة التي تشغل أربعة أخماس مساحة شبه الجزيرة العربية على اثنين من أهم هذه البحار (هما البحر الأحمر والخليج العربي)، ولا تبعد كثيرًا عن البحار الثلاثة الأخـــرى"(11).

وإلى جانـــب ذلك تقع المملكة العربية السعودية في مركز القلب بالنسبة لعالمها العربي والإسلامي، ومنها ارتفعت راية الإسلام إلى أطراف العالم " في الشمال والجنـــوب والشــــرق والغــــرب، ومنهـــا خرج سيد الخلق أجمعين محمد عليه الصــــلاة والســــلام لهداية البشر الضالين ودفعهم إلى طريق الفضيلة والهداية والرشــــاد "(12).

ومن ناحية أخرى تعد المملكة العربية السعودية بدون منازع عملاق الجزيرة العربية، ليس فقط من حيث مساحتها التي تصل إلى حوالي 2.240.000 كيلو متر مربع ، إنما أيضًا لأنها تأخذ بنصيب الأسد من حيث السكان الذين تصل نسبتهم إلى 50% تقريبًا من سكان شبه الجزيرة العربية ، ويجاورها من الشرق عدة دول ، هي الكويت والبحرين وقطر والإمارات العربية المتحدة وعمان ، ومن الجنوب جمهورية اليمن ، ومن الغرب البحر الأحمر، ومن الشمال الأردن والعراق ، وقد رسمت جميع حدودها السياسية مع الدول المجاورة "(13).

ولموقع المملكة أهمية قصوى على الأصعدة الدينية والإستراتيجية والاقتصادية والحضارية ؛ فهي قبلة المسلمين ومهوى أفئدتهم وأرض الحرمين الشريفين ، وهي تمتلك سواحل طويلة وموانئ هامة على البحرين الأحمر والخليج العربي ، إضافة إلى قربها من قناة السويس التي تعد ممرًا بحريًّا إستراتيجيًّا هامًّا ، وهي إلى جانب ذلك تمتلك أكبر احتياطي نفطي في العالم ، وتعد من أكبر دول العالم إنتاجًا للنفط ، ويزيد في أهمية موقع المملكة المساحة التي يشغلها هذا الموقع، وقد سبق الإشارة إليها ؛ فالوزن السياسي لأي دولة " يتأثر – كما هو معروف – بالمساحة التي يشغلها، ولا تستطيع دولة أن تكون عظيمة إلا إذا كانت كبيرة المساحة "(14).

وخصوصية موقع المملكة لا تقتصر على ما سبق ذكره من خصائص متفردة، فهنالك خاصية أخرى تجعل لهذا الموقع مكانة فريدة في التراث الحضاري لهذه الأمة ، تتضح في مناهج العلماء والباحثين والدارسين في مختلف العلوم والفنون ، يطرحها أحد الباحثين(15) في شكل تساؤلات على النحو الآتي :

§        إذا درس الداعية منطلق الدعوة الإسلامية ومسارها وتاريخها، فمن أين يبدأ؟

من هاهنا.

§ وإذا درس المختص بالدراسات القرآنية منازل الوحي المكية والمدنية ، وصلة النبي e بجبريل عليه السلام، وحفظ القرآن الكريم في الصدور والسطور في أول الأمر، فمن أين يبدأ؟

من ها هنا .

وإذا درس السياسي :

أ – البيعة: وجوبها والوفاء بها.

ب – مولد الدولة الإسلامية ومسارها وتاريخها.

ج – الوحدة الإسلامية: أسسها وقوتها وامتدادها، فمن أين يبدأ؟

من ها هنا.

§        وإذا درس الفقيه تاريخ التشريع الإسلامي، فمن أين يبدأ؟

من ها هنا.

§        وإذا درس النحوي أو اللغوي منابع اللغة في الوضع والاستعمال، فمن أين يبدأ؟

من ها هنا.

§ وإذا درس المتخصص في الدراسات الحضارية: أصول الحركة العلمية، والفكرية الإسلامية التي امتدت من بعد إلى العالم الإسلامي والعالم كله، فمن يبدأ؟

من ها هنا.

§ وإذا درس المختص بدراسة النهضات الإصلاحية في الإسلام دولة العقيدة والتجديد الديني التي أقامها الإمام محمد بن سعود بتأييد الإمام محمد بن عبدالوهاب ، رحمهما الله ، ودرس آثار تلك الدولة في العالم الإسلامي، فمن أين يبدأ؟

من ها هنا.

وتعد المملكة العربية السعودية – بناءً على ما تقدم – ذات أهمية إستراتيجية بالغة بسبب ذلك الموقع المتفرد الذي استشعر الملك عبدالعزيز أهميته منذ بدء مسيرة التوحيد والبناء قبل مائة عام بدءًا من فتح الرياض (1319هـ/ 1902م) عندما كان إقامة ذلك الكيــان الشامــخ بتلك الخصائص المتفردة الحلم الذي سعى الملك عبدالعزيز – رحمه الله – إلى تحقيقه ، فتحقق بمشيئة الله وتوفيقه بإعلان قيام المملكة العربية السعودية عام 1351هـ/ 1932م بعد ثلاثين عامًا من معارك التوحيد والتحرير.

 

3 – الالتزام بالمنهـــج :

أ – سمات المنهج وخصائصه :

يقوم نظام الحكم في المملكة العربية السعودية في أسسه الأصلية على كتاب الله تعالى وسنة رسوله عليه الصلاة والسلام، وسيبقى كذلك ما بقي الدهر بإذن الله "لاعتبارات تاريخية مردها إلى أن الدعوة الإسلامية بدأت منطلقها من هذه البقعة المقدسة، ولاعتبارات اجتماعية تتمثل في الإرادة العامة لسكانها الذين يتمسكون بالإسلام دينًا وشريعة ومفهومًا لقيام الدولة، ولاعتبارات جغرافية تتمثل في اتجاه المسلمين بوجوههم نحو قبلتهم المقدسة في مكة المكرمة، وبقلوبهم في موطن رسول الله الكريم عليه أفضل الصلاة والسلام، ولاعتبارات منهجية؛ إذ انطلقت منها الدعوة الإسلامية "(16).

وكان الملك عبدالعزيز كلما سئل عن دستور بلاده أجاب: " دستورنا القرآن، وهو يعني تقيده ومملكته بأحكام الشرع الإسلامي المستمدة من معاني القرآن الكريم ، وما لم يكن فيه فمن حديث رسوله وعمله عليه الصلاة والسلام ، وما لم يكن فيهما فمن قضاء أصحابه وسيرتهم "(17).

والقيادة السعودية منذ عهد الملك عبدالعزيز – رحمه الله – حتى الآن تسير على نفس هذا المنهج الذي يعد القرآن الكريم دستور البلاد ، وأساسها الإسلام ، وهي في الوقــــت ذاته لا تعــــارض في إدخـــــال أي تطوير أو إصلاح يفيد البلاد والعباد بشرط ألاّ يتعارض مع أسس الإسلام ومبادئ العقيدة ، وقد اتسم المنهج الإسلامي الذي اهتدى به الملك عبدالعزيز واستقى منه دليل العمل بعدة خصائص يمكن إجمالها على النحو الآتي:

- المعيارية: فأساس ذلك المنهج القرآن الكريم، فهو لا يقبل الخطأ ، ولا يحتمل التشكيك ؛ لأنه من لدن حكيم عليم: { لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ} (فصلت: 42 ).

والجدير بالذكر أن الملك عبدالعزيز لم يكن بمعزل عن التيارات والمذاهب الفكرية والسياسيــة التي كانت تمور بها المنطقة من حوله؛ إذ كان الاتجاه السائد في العالمين العربي والإســـلامي الانخراط في تلك المذاهــــب والتيارات من علمانية وماركسية وقوميـــة ومكيافيلية وغيرها من الأفكار والأيدلوجيات المستوردة ، لكن الملك عبدالعزيز كان يؤمـــن بأن تلك المناهج والأيدلوجيات تتناقض بشكل صارخ مع قيم هذه الأمة وتراثها الديـــني والحضاري، وكان موقفـــه منها الرفــــض القاطـــع والهجــــران، وكان واثقًا من أن تلك المناهج لا يمكن أن تحقق مجتمع الأمن والاستقرار بنفس القــــدر الذي يتحقق باتباع المنهج الذي أساسه كتاب الله وسنة رسوله عليه الصلاة والسلام.

- الصلاحية لكل زمان ومكان : فهو ليس ظرفيًّا ينتهي بانتهاء الظرف أو المرحلة، وليس منهجًا اجتهادياً من حيث الأصول والأسس يطرأ عليه من التبديل والتعديل والتحوير والنقض ما يطرأ على المناهج الأخرى التي ليس لها قداسة مصدره، ولا معجزة حفظ نصه، ولا خصيصة خلوده، ولا ميزة شموله وتنوعه(18).

وقد أعطى نجاح التجربة السعودية التي قامت على أساس هذا المنهج الدليل القاطع على صلاحيته لكل زمان ومكان.

 

 

- الثبات والاستمرارية: فهو ثابت ومستمر بثبات واستمرار الأساس الذي يرتكز عليه: { إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ } ( الحجر: 9 ) ، وقد شكل العهد المبرم بين الأمير محمد بن سعود والشيخ محمد بن عبدالوهاب عام 1157هـ/1744م نقطة تحول في تاريخ شبه الجزيرة ، فقد كان البداية الحقيقية لمرحلة جديدة في تاريخ هذه الأمة، وفي ترسيخ حكم إسلامي حقيقي يقوم على أساس الدعوة السلفية ، وقد ظلت هذه الدعوة تشكل جوهر المنهج الذي التزم به آل سعود في الحكم منذ ذلك الوقت حتى الآن .

وصحيح أن سقوط الدرعية 1233هـ/1818م أدى إلى انتهاء الكيــان السياسي لآل سعود لمــدة معينـــة ، " لكن الدعوة السلفيــــة بقيت راسخـــة في نفوس الكثير من أتباعهــا "(19)، وقد تكرر الشيء نفسه عند نهاية الدولة السعودية الثانية ، فهذه الأمة كانت قد أدركت أن صلاح أمرها واستقرار أحوالها واستتباب أمنها إنما يكمن في اتباعها للمنهج القويم الذي سارت عليه البلاد منذ منتصف القرن الثاني عشر الهجري.

وقد نجح الإمام تركي بن عبدالله بن سعود في إعادة الحكم السعودي بعد خمس سنوات فقط من سقوط الدرعية ، واستطاع توحيد البلاد تحت سلطته بسهولة ؛ " لأن الناس جربوا حياة التفرق والاضطراب ، وتاقوا إلى الرجوع نحو حياة الوحدة والأمن والاستقرار لهذا دخلت أكثر مدن وقرى نجد تحت سلطة الإمام تركي سلماً "(20).

وكذا كان الأمر إثر ظهور عبدالعزيز على مسرح الأحداث في المنطقة بدءًا من عام 1319هـ/ 1902م، فقد التفت الرعية من حوله شوقًا إلى حياة الأمن والاستقرار تحت ظل راية التوحيد التي لم تتغير ولم تتبدل منذ إبرام ذلك العهد الشهير بين الإمام والأمير، ولعل هذه الخاصية تعد من أهم سمات هذا المنهج ؛ ذلك أنه من النادر أن نجد دولة ظلت تحتفظ بمنهج ثابت في الحكم على مدى مثل تلك الحقبة الطويلة.

وهذا دليل واضح على أن هذا المنهج لا يعطي التجربة السعودية صفتي الثبات والاستمرارية وحسب، وإنما أيضًا القدرة على التواصل حتى يرث الله الأرض ومن عليها.

- الشمول والتكامل: فهو يتضمن الحلول لكل مشكلات الحياة، ويتعرض لكل صغيرة وكبيرة في حياة الأمة وفي دينها ودنياها، فهي تتعامل معه في المطعومات والمشروبات، وفي الزواج والطلاق وتسمية الأولاد، وفي بر الوالدين، وفي صلة الأرحام، وفي أعمال الخير والبر (21).

- الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر "فريضة فرضها الله عز وجل في محكم كتابه ؛ لأنه بهذه الفريضة يبقى المجتمع المسلم مصونًا ومحفوظًا مــــن الفواحـــش والجرائم والمنكـــرات ، وقــــد علم الملك عبدالعزيز –رحمه الله – أهمية هذه الفريضة في حفظ المجتمع المسلم من الجرائم ، فأصدر أمره بتأسيس هيئات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر "(22).

- إقران القول بالفعل: وهي خاصية أخرى من خصائص هذا المنهج ؛ لأنه يتعلق بصدق المؤمن ؛ لأنه لا قيمة لقول لا يلتزم به صاحبه ، ويذكر خادم الحرمين الشريفين الملك فهد بن عبدالعزيز حول هذه الخاصية في المنهج الذي التزم به جلالة الملك عبدالعزيز : " لقد كانت السياســة بالنسبة لـــــه – رحمه الله – ثوابت تقوم على المبــادئ والأخـــلاق وتلــــتزم التزامًا مطلقًا بالمنهــــاج الإســــلامي إطارًا وسلوكًا قولا وعمـــــلا "(23).

وقد كان الملك عبدالعزير حريصاً على ترجمة أقواله إلى أفعال على أرض الواقع ، ولم يعرف عنه قط أنه قطع على نفسه وعدًا ولم ينفذه أو عهدًا تحلل منه.

وهو يقول بهذا الصدد: " لست من رجال القول الذين يرمون اللفظ بغير حساب، أنا رجل عمل إذا قلت فعلت، وعيبٌ علي في ديني وشرفي أن أقول قولا لا أتبعه بالعمل، وهذا شيء ما اعتدت عليه، ولا أحب أن أتعوَّد عليه أبدًا "(24).

- تضمنه لمبدأ الشورى : يعد مبدأ الشورى من أهم المبادئ الشرعية التي يقوم عليها النظام السياسي في الإسلام ، وأدلة الشورى بوصفها أساسًا للحكم في الإسلام مشتقة من الكتاب والسنة النبوية لقوله تعالى: { فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ } ( سورة آل عمران: 159) ، بل إن لأهمية الشورى سميت سورة من سور القرآن الكريم بسورة الشورى(25).

وقد التزم الملك عبدالعزيز بهذا المبدأ ، وجعل منه ركيزة هامة من ركائز الحكم في البلاد ، وتمثل بشكل كبير بسياسة الباب المفتوح والتلاحم بين القيادة والشعب.

- تضمنه لنظام البيعة:البيعة هي العقد الشرعي الصحيح بين الحاكم والمحكوم، وهذا العقد الشرعي هو ما تواترت الأدلة، وتعضدت البراهين على العمل به في التاريخ الإسلامي، وكان الملك عبدالعزيز يعلم أهمية البيعة باعتبارها مصدر الشرعية للحكم، " ولأجل هذا أحياها، وأمضاها بحسبانها الميثاق والعهد بينه وبين شعبه "(26).

ب – التمسك بالمنهج :

فالمنهج الذي سار عليه الملك عبدالعزيز طيلة مدة حكمه والتزم به أبناؤه البررة من بعده هو – كما سبق أن أوضحنا – استمرار لذات المنهج الذي سارت عليه من قبل الدولتان السعوديتان الأولى والثانية.

وقد ظل الملك عبدالعزيز متمسكًا بهذا المنهج في أطوار حياته كلها ،" فحين دخل الرياض أنفذ المنهج على مستوى الرياض ، وحين اتسعت الرقعة وانداح السلطان كبرت مسؤولياته تجاه تعميم المنهج، فعممه ، ووسع مداه بعزم وحزم يتناسبان مع التبعات الجديدة "(27).

ولم يكتف الملك عبدالعزيز بذلك ؛ إذ إنه لم يلبث أن انطلق بالدعوة إلى التوحيد من محيط الجزيرة العربية " متخذًا موقف الداعي إلى الله ؛ ليبلغ ما يجب عليه تجاه نشر الدعوة داعيًا المسلمين جميعًا في أنحاء الأرض إلى التوحيد الصحيح ، وينطلق بهم إلى العمل بكتاب الله وسنة رسوله e "(28).

وكان – رحمه الله – في كل اجتماعاته الخاصة والعامة بين أهله وخاصته أو بين أهل البلاد حينما يلتقي بهم في كل مناسبة في اجتماعاته الدولية بين عامة المسلمين يوصي بالتمسك بالكتاب والسنة، وأن يجتمع الناس عليهما، وأن يعملوا بما فيهما، فليس في الحياة أمر إلا وتعرض له القرآن الكريم"(29).

 

وكان الملك عبدالعزيز يرى أن الأخذ بأسباب التطور لا يعد خروجًا عن المنهج طالما أنه لا يتعارض مع أسس الدين الإسلامي الحنيف والعقيدة الإسلامية السمحة محققًا بذلك التـــوازن الدقيق في المعادلــة الصعبة التي طرفاها الأصالة والمعاصرة ؛ ليكون النتاج الطبيعي لهذا المزج دولة الإيمان والعلم ، ويتضح ذلك المعنى بقول جلالته – رحمه الله – : " إن خطتي التي سرت – ولا أزال أسير عليها – هي إقامة الشريعة السمحة، كما أنني أرى من واجبي ترقية جزيرة العرب، والأخذ بالأسباب التي تجعلها في مصاف البلاد الناهضة مع الاعتصام بحبل الدين الإسلامي الحنيف "(30).

وينطوي هذا الموقف للملك عبدالعزيز على دلالة واضحة تكتسب أهمية خاصة ونحن بصدد الحديث عن تبلور فكره الإستراتيجي حول مفهوم التضامن الإسلامي ، وهي أن الملك عبدالعزيز لم ينطلق في مفهوماته تلك من منطلق عصبي، وإنما انطلق من فكر مفتوح ، يرفض التعصب والجمود والانغلاق على الذات، ويحلق في آفاق رحبة ، تستلهم من إسلامنا الحنيف بواعث النهوض بالأمة وإمكانات تحقيق التقدم.

جـ – الأمن عنصر أساس من عناصر المنهج:

كان الملك عبدالعزيز يؤمن – بحسب ما ذكر خادم الحرمين الشريفين – إيمانًا مطلقًا بأنه " لا يتوفر للعقيدة عز وانتشار وخلود إلا في ظل كيان آمن ومطمئن ، يقوم على رعايتها وتبليغها والدعوة إليها والدفاع عنها "(31).

وقد اتسمت المدد التي غاب فيها السعوديون عن الإمساك بزمام الأمور في البلاد بتفشي الأعمال الإجرامية من سرقة وسلب ونهب وخطف وقتل ، ولا سيما أثناء وقت الحج ، وقد وصل هذا الاضطراب الأمني إلى ذروته قبيل ظهور الملك عبدالعزيز على مسرح الأحداث وشروعه في توحيد البلاد ، وقد حدث هذا التحول العظيم في مدة زمنية قياسية ، وأصبح الأمن أحد خصائص هذا الوطن بعد أن كان مسرحًا لاستباحة النظـام ، لتصبح المملكة العربية السعودية البلد الأكثر أمنًا وأمانًا في العالم ، وقد حرص الملك عبدالعزيز منذ الوهلة الأولى على تطبيق حدود الله والتمشي بموجب الشريعة الإسلامية وتنفيذ القصاص على المجرمين دون هوادة أو رحمة إدراكًا منه أنَّه لا يمكن الشروع في إرساء قاعدة راسخة لبناء التنمية وتحقيق التقدم في البلاد في غياب استتباب الأمن، وأنه لا يمكن للمملكة العمل من أجل تحقيق أهدافها والقيام بدورها على صعيد خدمة الحرمين الشريفين وحجاج بيت الله الحرام والقضايا الإسلامية إلا في ظل وجود قاعدة أمنية عريضة ومجتمع مستقر ومناخ أمني مثالي .

وتتجلى عبقرية الملك عبدالعزيز بهذا الصدد في نجاحه في توحيد قبائل المملكة بعد أن كانت الصراعات والمنازعات بينها تشكل صفة بارزة لمجتمع شبه الجزيرة ، وذلك عن طريق توطين البدو ضمن مجتمعات الهجر وتحويل سلوكهم العدواني إلى شكل من أشكال الولاء والانتماء للدولة على أسس دينية سليمة، فتحولت تلك الميول إلى استعداد وتوثب في الدفاع عن أرض الوطن وتوحيده وبنائه.

وقد أدى ذلك كله إلى أن تتبوأ المملـــكة مركز الصــــدارة من بين الـــدول الأكثر تمتُّعًا بالاستتبـــاب الأمني في العالم ، فقــد قال "دي جانــيرو" (De Janero) في الندوة العلمية لدراسة تطبيق التشريع الجنائي الإسلامي في مكافحة الجريمة التي عقدت في الرياض سنة 1396هـ/ 1976م: " باعتباري رئيسًا للجنة الأمم المتحدة لمكافحة الجريمة أقول: إن المملكة العربية السعودية قد أوضحت لنا – ونجحت في ذلك – أنَّ الشريعة الإسلامية قادرة بدرجة كبيرة جدًا على مكافحة الجريمة، أو على الأقل توسيع مدى الأمن ، وأن هذه المهمة يمكن أن تلخص في كلمة واحدة، هي أن المملكة العربية السعودية قد نجحت في كفاحها هذا ؛ لكي تحصل على الأمن بطريقة إيجابية وقانونية في بلادها "(32).

وفي المؤتمر الثاني والثمانين لرؤساء الشرطة في العالم الذي عقد في ميامي بولاية فلوريدا بالولايات المتحدة تلقت المملكة العربية السعودية شهادة رسمية تسجل الحقيقة الواقعية من أنَّها أقل دول العالم جريمة وأكثرها أمنًا (33).

 

 

ثانياً – مفهوم الفكر الإستراتيجي السعودي للتضامن الإسلامي :

1 – الوحدة مبدأ أساس في الفكر الإستراتيجي السعودي :

ظلت الوحدة تشكل مرتكزًا أساسًا في الفكر الإستراتيجي السعودي منذ عهد الملك عبدالعزيز – رحمه الله – حتى الآن ، ويتضح هذا الفكر الإستراتيجي أكثر ما يتضح من خلال تحقيق التجربة السعودية لأهدافها، وتعد هذه التجربة بكل المقاييس من أهم وأنجح التجارب الوحدوية المعاصرة.

كما يتضح هذا الفكر الإستراتيجي من خلال الحقائق الآتية:

1– أقام الملك عبدالعزيز مشروعه الوحدوي على أساس متكامل لإرساء دعائم دولة حقيقية ، وليس إمارة أو مشيخة ، لها دور وثقل متميزين على الصعيدين الإقليمي والدولي.

2 – اشتملت تلك الإستراتيجية على إدراك كامل بظروف وتقلبات العصر.

3 – كما تضمنت استقراء المستقبل ، وتوقع القوى الصاعدة في العالم، وإيلاء العامل الدولي ما يستحقه من اهتمام.

ويمكن القول دون أدنى مبالغة : إنَّ وحدة هذه البلاد كانت نتاجًا لمجموعة من الخصائص القيادية التي تفاعلت في شخص الملك عبدالعزيز، يأتي على رأسها نبذه للعصبية القبلية ، وقد تجلى ذلك في عدم ركونه إلى قبيلته (عنزة)، والعمل على بناء قاعدة شعبية واسعة تقوم على أساس المحبة والتآلف بين أفراد ش