المقدمــة:
لم يظهر في الجزيرة العربية في العصر الحديث فكر
إستراتيجي متكامل بالمعنى المفهوم للكلمة(1) قبل عهد الملك
عبدالعزيز ، يرحمه الله ؛ إذ كانت المشيخات والدويلات القائمة في أرجاء الجزيرة العربية
تتخذ الشكل القبلي أكثر من اتخاذها شكل الدولة ، وكانت تعيش أجواء الصراع
والخلافات، وتندلع بينها الحروب والمنازعات لأتفه الأسباب ، ويمكن القول دون أدنى
مبالغة : إن الملك عبدالعزيز استطاع – بعون الله وتوفيقه – أن ينقل المجتمع الذي
كان يعيش على أرجاء تلك الأرض الشاسعة من طور القبيلة إلى طور الدولة موفرًا لتلك
الدولة عوامل الرسوخ والثبات والاستمرارية.
وقد استفاد الملك عبدالعزيز من تجارب الدولتين
السعوديتين الأولى والثانية اللتين سبقتا قيام المملكة العربية السعودية، فبالرغم
من نجاح هاتين الدولتين في ضم القبائل وتوحيد الأرض والظفر بولاء غير مسبوق، لم
تتمكنا من تطوير آلية أو اتخاذ مبادرة عملية لتغيير الدور التقليدي للنظم
والولاءات القبلية، وهو ما نجح فيه الملك عبدالعزيز عندما أولى العامل الاجتماعي
في معادلة التغيير أهمية كبرى بإيجاد نظام الهجر بدءًا من عام 1330هـ/1912م.
ولا شك أن هناك عدة عوامل ساهمت في نجاح الملك
عبدالعزيز في تحقيق هذا الهدف الإستراتيجي ، يأتي على رأسها شخصيته الفذة ، وما
اشتملت عليه من ملامح القيادة والبطولة والعبقرية ، وقدرته الفائقة على تحويل
الخصوم إلى أصدقاء ، وفي توحيد قلوب العباد ، وهو ما وضع الأساس السليم للوحدة
الوطنية السعودية التي تعد سمة بارزة من سمات هذا الكيان وركيزة أساسية لأي فكر أو
عمل يتعلق بالوحدة أو التضامن على نطاق أوسع ، وأهم من ذلك كله ما كان يتمتع به
الملك عبدالعزيز من إيمان عميق وخلق إسلامي في القول والعمل وفي المنهج والتطبيق
سواءً على صعيد السياسة الداخلية أو الخارجية.
وكان من الطبيعي ألاّ ينتهي الفكر الإستراتيجي للملك
عبدالعزيز عند حد قيام الدولة وتوفير عوامل نهوضها، بل إنه ظل يتطلع منذ الوهلة
الأولى لمسيرة التوحيد والبناء لأن تؤدي هذه الدولة الفتية دورًا هامًا ومتناميًا
ومؤثرًا على الصعيدين الإقليمي والدولي موليًا أهمية خاصة لدور المملكة يكون
كبيرًا ومتميزًا على صعيد تحقيق التضامن الإسلامي، وهو الموضوع الذي يدور حوله هذا
البحث الذي يستعرض من هذا المنظور جهود المملكة في هذا المضمار، وما حققته من
إنجازات عديدة، وذلك في إطار المنهج القويم الذي وضع أساسه الملك عبدالعزيز ،
يرحمه الله ، والتزم به أبناؤه البررة من بعده ، وهو العمل بكتاب الله وسنة رسوله
عليه الصلاة والسلام ، والإيمان بأن عزة الأمة الإسلامية إنما تكمن في تضامنها
وتعاونها.
وينبغي الإشارة إلى أننا طبقنا في هذا البحث التكامل
المنهجي ؛ لأن موضوعه يتراوح بين التاريخ والسياسة ، وإطاره هو المنهج التحليلي،
وتوخينا جـــانب الموضوعية والحيادية قدر الإمكان .
ويفترض البحث الفروض الآتية التي نحاول إثباتها في
المتن :
1 – أن الملك عبدالعزيز في رؤيته لمفهوم التضامن الإسلامي
إنما ينطلق من مفهوم راسخ وثيق الصلة بشخصيته الإسلامية وتنشئته الدينية وبالمنهج
الذي احتذاه في تأسيس الدولة وتوطيد أركانها.
2 – أن الملك عبدالعزيز في رؤيته لمفهوم التضامن
الإسلامي لا يرى تناقضًا بين التضامن العربي والتضامن الإسلامي ، بل يعتبر بعضهما
مكمِّلاً للبعض.
3 – أن مفهوم الملك عبدالعزيز للتضامن الإسلامي مفهوم
شامل ومتكامل ينطلق من فكر إستراتيجي واضح المعالم ، يعد هذا التضامن إطارًا عامًا
لأي عمل من شأنه أن يؤدي إلى إعلاء كلمة الإسلام وحل مشكلات وقضايا هذه الأمة
والارتقاء بمستواها المعيشي والحضاري ؛ لكي تقوم بدورها المؤمَّل على خريطة
السياسة الدولية المعاصرة، باعتبارها خير أمة أخرجت للناس ، تأمر بالمعروف ، وتنهى
عن المنكر.
4 – أن الملك عبدالعزيز في رؤيته للتضامن الإسلامي
كان يضع في أولوياته خدمة الحرمين الشريفين وحجاج بيت الله الحرام وحماية المقدسات
الإسلامية التي تضم إلى جانب الحرمين الشريفين القدس الشريف أولى القبلتين وثالث
الحرمين الشريفين ومسرى رسول الله عليه أفضل الصلاة والسلام.
5 – أن فكرة التضامن الإسلامي ظلت تشكل ركيزة هامة من
ركائز السياسة السعودية منذ عهد الملك عبدالعزيز – يرحمه الله – حتى الآن.
وبناءً على ذلك اشتمل بحثنا على العناوين
الآتية :
أولاً – العوامل التي ساعدت على وضوح
الفكر الإستراتيجي السعودي في مجال التضامن الإسلامي :
1 – التنشئة الدينية للملك عبدالعزيز.
2 – خصوصية الموقع وتفرده.
3 – الالتزام بالمنهج.
ثانياً – مفهوم الفكر الإستراتيجي السعودي للتضامن
الإسلامي:
1 – الوحدة مبدأ أساس في الفكر الإستراتيجي للملك
عبدالعزيز.
2 – الإيمان بعدم وجود تناقض بين التضامن العربي
والتضامن الإسلامي .
3 – الاضطلاع بمسؤولية حماية المقدسات.
ثالثاً – مجالات دعم المملكة لمبدأ
التضامن الإسلامي:
1 – خدمة الحرمين الشريفين وحجاج بيت الله الحرام.
2 – دعم القضايا الإسلامية.
3 – خدمة الإسلام والمسلمين في جميع أنحاء العالم.
رابعاً – القدس نقطة التجمع الإسلامي:
1 – موقف المملكة من قضية القدس.
2 – إيمان المملكة بالعمل الإسلامي الموحد لإنقاذ
القدس.
أوَّلاً – العوامل التي ساعدت على وضوح
الفكر الإستراتيجي السعودي في مجال التضامن الإسلامي :
1 – التنشئة الدينية للملك عبدالعزيز :
ولــد عبدالعزيـــز في الريـــاض عام 1293هـ/1876م،
وعاش فيهـــا طفولته المبكـــرة ، وتلقى على يد والده العنايــــة والرعاية ؛ إذ رباه
على تعاليم الإسلام ، وظل الإمام عبدالرحمن على منهجه مع أبنائه وأسرته على الرغم
من غربتها في الكويـــت .
ولا يكاد يختلـــف اثنان على أن الإيمان والتديــن
شكّلا الناتج الطبيعي للنشأة التي نشأهـــا الملك عبدالعزيز، لا سيما أن مدرســــة
القرآن كانت المدرسة الأولى التي تشرب مبادئهــــا وتعاليمها منذ نعومة أظفاره ،
فعندما بلغ السابعــة من عمره " عهد به والده إلى المطــــوع عبدالله الخرجي
لتعليمه القرآن الكريم، فختمــه في الحادية عشرة من عمــره، ثم تلقى علوم الفقه
والتوحيد على يد الشيخ عبدالله بن عبداللطيف ، وقد عــود المطوع الخرجي عبدالعزيز
على النهوض عند الفجر قبل طلوع النهار بساعتين لأداء الصــــلاة ، وقد استمر هذا
التقليد الذي اكتسبه عبدالعزيز طيلة سني حياته ، وهو يظهر – بالإضافـــة إلى أشياء
أخرى – في الميل الداخلي العميق نحو سماع تلاوة القـــــرآن "(2).
ويتحدث سمو الأمير أحمد بن عبدالعزيز عن تلك الصفة في
والده بقوله: " كان لجلالته –رحمه الله – برنامجًا يوميًّا منضبطًا، فكان له
ورد خاص بعد أن يصلي العشاء وقبل أن ينام وأدعية يناجي بها ربه ، وكان يصلي وتره
قبل نومه الذي عادة ما يكون قبل منتصف الليل، ويحرص على تلك الصلاة (الوتر) في
الحضر والسفر وحتى أثناء قيادته للمعارك "(3).
ومن عادته أن يقوم في الثلث الأخير من الليل لصلاة
التهجد حتى تحين صلاة الفجر :" الذي يصليه جماعة مع الحرص على حضور أبنائه
للصلاة وتفقدهم، مجازياً من يتخلف منهم عن الصلاة "(4).
ويذكر محمد المانع عن هذا الجانب في شخصية الملك
عبدالعزيز: " كان الملك عبدالعزيز منذ الأيام الأولى من حياته حتى نهايتها
مسلمًا تقيًّا ورعًا يتبع أوامر الشريعة بكل تفاصيلها ، وكان جلالته دائمًا يخصص
وقتًا معينًا في اليوم لقراءة القرآن الكريم وغيره من كتب الدين ، وبخاصــة تلك
المشتملـــة على أسماء الله الحسنى ، وكان نادرًا ما يتحدث مع أحد دون أن يستشهد
بآية من القرآن الكريم الذي كان يستقي منه فيضًا لا ينضب من الحكمة والإلهام، وكان
ماهرًا في تفسير الآيات وشرحها بطريقة تخلب أفئدة جلسائه "(5).
وكان جلالته يبدي حرصه الشديد على تأصيل هذه القيم في
نفوس رعيته، ومن أمثلة ذلك أنه عندما عقد لجلالته الأمر " بعث البعوث في
البادية يعلمون الناس القرآن، حتى أصبح البدوي الذي كان يترنم أثناء سيره في
الصحراء بأناشيد العرب يلتذ بمدارسة القرآن "(6).
وكان تدين الملك عبدالعزيز ذا مظهرين : " أحدهما
سلوكه الشخصي؛ إذ كان مستقيمًا خلقيًّا محافظًا على أداء الواجبات والسنن الدينية
، وثانيهما مناداته بالإسلام عقيدة صافية وشريعة سمحة "(7).
وتعد العقيدة – بما تشتمل عليه من عناصر يأتي على
رأسها الإيمان – إحدى الركائز الأساسية للشخصية الإسلامية ، وهو ما يدفعنا إلى
تقرير الحقيقة التي مؤداها أن الإيمان يعتبر مكوِّنًا رئيسًا في شخصية الملك
عبدالعزيز.
ولقد شغلت هذه العقيدة وهذا الإيمان روح جلالته ولبه
، " فأصبح قوامه بها واستناده عليها ومنشؤه منها، هي غايته ، وهي مناه في
غدواته وروحاته وفي مجالســه وخلواته، ويرى واجبًا عليه أن ينشر روح الدين الخالص
بين الناس كافة"(8).
ويؤكد خادم الحرمين الشريفين الملك فهد بن عبدالعزيز
هذا الجانب الهام في شخصية الملك عبدالعزيز وانعكاساته على السلوك والممارسة
بقوله: "الملك عبدالعزيز حين نفذ واجبه في إعادة وحدة هذه البلاد وإعادة مجدها
المبني على دعائم الإسلام الخالد لم يكن يبتغي في ذلك سلطة أو سيادة دنيوية عارضة
أو الحصول على جاه أو أي عرض من أعراض الدنيا، بل كان يستشعر في مسعاه واجبًا
دينيًا وخلقيًا، كان يمثله سلوكه الشخصي منذ نعومة أظفاره في طهارته وورعه وتقاه ،
فقد كان – رحمه الله – قوي الصلة بالله عز وجل ، لا ينام الليل إلاّ قليله ، وكان
يقضي أكثره راكعًا أو ساجدًا يطلب العون والنصر من الله في كل أمر من أموره ، وكان
يؤمن إيمانًا مطلقًا بأنه لا يتوفر للعقيدة عز وانتشار وخلود إلا في ظل كيان آمن
ومطمئن ، يقوم على رعايتهـــا وتبليغها والدعوة إليها والدفاع عنها ، لقد عرَّف
نفسه – يرحمه الله – في إحدى خطبه الجامعة قائلا: "إنني أعمل جهد الطاقة في
سبيل إعلاء كلمة الدين وإحلال عقيدة السلف الصالح، فإنني مبشرٌ أدعو لدين الإسلام
ونشره ، وإنني أدعو لعقيدة السلف الصالح، وهي التمسك بكتاب الله وسنة رسوله محمد e وما جاء عن الخلفاء الراشدين "، كما عرف
نفسه – رحمه الله – قائلا: " إنني مسلم أحب جمع كلمة الإسلام والمسلمين، وليس
أحب عندي من أن تجتمع كلمة المسلمين ، ويتحد شملهم ، ويعلو شأنهم "(9).
وليس من الغريب أن يشكل الإيمان المكون الرئيس من
مكونات الشخصية العبقرية للملك عبدالعزيز، ذلك أن جلالته – رحمه الله – هو سليل
البيت السعودي ، وهو كما ذكر الملك فيصل بن عبدالعزيز – رحمه الله – ذات مرة:
" بيت دعوة قبل أن يكون بيت مُلك "(10).
ولا شك أن هذا الجانب في شخصية الملك عبدالعزيز يعد
أحد المفاتيح الهامة لفهم الكيفية التي تجلَّت فيها مفهوماته – رحمه الله – بشأن
فكرة التضامن الإسلامي.
2 – خصوصية الموقع وتفرده :
ظل الموقع الجغرافي يلعب دورًا هامًا في صياغة الحدث
السياسي في شبه الجزيرة العربية عبر مراحل التاريخ المختلفة ؛ " لأنه موقع
وسطي بين أفريقيا وآسيا، تتخلله العديد من المراكز التجارية والحضارية منذ أقدم
العصور، من ضمنها البحار الخمسة ذات الأهمية التي توصف بالدفيئة لصلاحية مياهها
للملاحة على مدار العام ، وهي البحر المتوسط والبحر الأحمر والمحيط الهندي والخليج
العربي والبحر الأسود ، وتطل المملكة التي تشغل أربعة أخماس مساحة شبه الجزيرة
العربية على اثنين من أهم هذه البحار (هما البحر الأحمر والخليج العربي)، ولا تبعد
كثيرًا عن البحار الثلاثة الأخـــرى"(11).
وإلى جانـــب ذلك تقع المملكة العربية السعودية في
مركز القلب بالنسبة لعالمها العربي والإسلامي، ومنها ارتفعت راية الإسلام إلى
أطراف العالم " في الشمال والجنـــوب والشــــرق والغــــرب، ومنهـــا خرج
سيد الخلق أجمعين محمد – عليه الصــــلاة والســــلام – لهداية البشر
الضالين ودفعهم إلى طريق الفضيلة والهداية والرشــــاد "(12).
ومن ناحية أخرى تعد المملكة العربية السعودية بدون
منازع عملاق الجزيرة العربية، ليس فقط من حيث مساحتها التي تصل إلى حوالي
2.240.000 كيلو متر مربع ، إنما أيضًا لأنها تأخذ بنصيب الأسد من حيث السكان الذين
تصل نسبتهم إلى 50% تقريبًا من سكان شبه الجزيرة العربية ، ويجاورها من الشرق عدة
دول ، هي الكويت والبحرين وقطر والإمارات العربية المتحدة وعمان ، ومن الجنوب
جمهورية اليمن ، ومن الغرب البحر الأحمر، ومن الشمال الأردن والعراق ، وقد رسمت
جميع حدودها السياسية مع الدول المجاورة "(13).
ولموقع المملكة أهمية قصوى على الأصعدة الدينية
والإستراتيجية والاقتصادية والحضارية ؛ فهي قبلة المسلمين ومهوى أفئدتهم وأرض
الحرمين الشريفين ، وهي تمتلك سواحل طويلة وموانئ هامة على البحرين الأحمر والخليج
العربي ، إضافة إلى قربها من قناة السويس التي تعد ممرًا بحريًّا إستراتيجيًّا
هامًّا ، وهي إلى جانب ذلك تمتلك أكبر احتياطي نفطي في العالم ، وتعد من أكبر دول
العالم إنتاجًا للنفط ، ويزيد في أهمية موقع المملكة المساحة التي يشغلها هذا
الموقع، وقد سبق الإشارة إليها ؛ فالوزن السياسي لأي دولة " يتأثر – كما هو
معروف – بالمساحة التي يشغلها، ولا تستطيع دولة أن تكون عظيمة إلا إذا كانت كبيرة
المساحة "(14).
وخصوصية موقع المملكة لا تقتصر على ما سبق ذكره من
خصائص متفردة، فهنالك خاصية أخرى تجعل لهذا الموقع مكانة فريدة في التراث الحضاري
لهذه الأمة ، تتضح في مناهج العلماء والباحثين والدارسين في مختلف العلوم والفنون
، يطرحها أحد الباحثين(15) في شكل تساؤلات
على النحو الآتي :
§
إذا درس الداعية منطلق الدعوة الإسلامية
ومسارها وتاريخها، فمن أين يبدأ؟
من هاهنا.
§ وإذا درس المختص بالدراسات القرآنية منازل الوحي المكية والمدنية ، وصلة
النبي e بجبريل عليه السلام، وحفظ القرآن
الكريم في الصدور والسطور في أول الأمر، فمن أين يبدأ؟
من ها هنا .
وإذا درس السياسي :
أ – البيعة: وجوبها والوفاء بها.
ب – مولد الدولة الإسلامية ومسارها وتاريخها.
ج – الوحدة الإسلامية: أسسها وقوتها وامتدادها، فمن
أين يبدأ؟
من ها هنا.
§
وإذا درس الفقيه تاريخ التشريع الإسلامي،
فمن أين يبدأ؟
من ها هنا.
§
وإذا درس النحوي أو اللغوي منابع اللغة
في الوضع والاستعمال، فمن أين يبدأ؟
من ها هنا.
§ وإذا درس المتخصص في الدراسات الحضارية: أصول الحركة العلمية، والفكرية
الإسلامية التي امتدت من بعد إلى العالم الإسلامي والعالم كله، فمن يبدأ؟
من ها هنا.
§ وإذا درس المختص بدراسة النهضات الإصلاحية في الإسلام دولة العقيدة
والتجديد الديني التي أقامها الإمام محمد بن سعود بتأييد الإمام محمد بن عبدالوهاب
، رحمهما الله ، ودرس آثار تلك الدولة في العالم الإسلامي، فمن أين يبدأ؟
من ها هنا.
وتعد المملكة العربية السعودية – بناءً على ما تقدم –
ذات أهمية إستراتيجية بالغة بسبب ذلك الموقع المتفرد الذي استشعر الملك عبدالعزيز
أهميته منذ بدء مسيرة التوحيد والبناء قبل مائة عام بدءًا من فتح الرياض (1319هـ/
1902م) عندما كان إقامة ذلك الكيــان الشامــخ بتلك الخصائص المتفردة الحلم الذي
سعى الملك عبدالعزيز – رحمه الله – إلى تحقيقه ، فتحقق بمشيئة الله وتوفيقه بإعلان
قيام المملكة العربية السعودية عام 1351هـ/ 1932م بعد ثلاثين عامًا من معارك
التوحيد والتحرير.
3 – الالتزام بالمنهـــج :
أ – سمات المنهج وخصائصه :
يقوم نظام الحكم في المملكة العربية السعودية في أسسه
الأصلية على كتاب الله تعالى وسنة رسوله عليه الصلاة والسلام، وسيبقى كذلك ما بقي
الدهر بإذن الله "لاعتبارات تاريخية مردها إلى أن الدعوة الإسلامية بدأت
منطلقها من هذه البقعة المقدسة، ولاعتبارات اجتماعية تتمثل في الإرادة العامة
لسكانها الذين يتمسكون بالإسلام دينًا وشريعة ومفهومًا لقيام الدولة، ولاعتبارات
جغرافية تتمثل في اتجاه المسلمين بوجوههم نحو قبلتهم المقدسة في مكة المكرمة،
وبقلوبهم في موطن رسول الله الكريم عليه أفضل الصلاة والسلام، ولاعتبارات منهجية؛
إذ انطلقت منها الدعوة الإسلامية "(16).
وكان الملك عبدالعزيز كلما سئل عن دستور بلاده أجاب:
" دستورنا القرآن، وهو يعني تقيده ومملكته بأحكام الشرع الإسلامي المستمدة من
معاني القرآن الكريم ، وما لم يكن فيه فمن حديث رسوله وعمله عليه الصلاة والسلام ،
وما لم يكن فيهما فمن قضاء أصحابه وسيرتهم "(17).
والقيادة السعودية منذ عهد الملك عبدالعزيز – رحمه
الله – حتى الآن تسير على نفس هذا المنهج الذي يعد القرآن الكريم دستور البلاد ، وأساسها
الإسلام ، وهي في الوقــــت ذاته لا تعــــارض في إدخـــــال أي تطوير أو إصلاح
يفيد البلاد والعباد بشرط ألاّ يتعارض مع أسس الإسلام ومبادئ العقيدة ، وقد اتسم
المنهج الإسلامي الذي اهتدى به الملك عبدالعزيز واستقى منه دليل العمل بعدة خصائص
يمكن إجمالها على النحو الآتي:
- المعيارية: فأساس ذلك المنهج القرآن الكريم، فهو لا يقبل الخطأ
، ولا يحتمل التشكيك ؛ لأنه من لدن حكيم عليم: { لا يَأْتِيهِ
الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ
حَمِيدٍ} (فصلت: 42 ).
والجدير بالذكر أن الملك عبدالعزيز لم يكن بمعزل عن
التيارات والمذاهب الفكرية والسياسيــة التي كانت تمور بها المنطقة من حوله؛ إذ
كان الاتجاه السائد في العالمين العربي والإســـلامي الانخراط في تلك المذاهــــب
والتيارات من علمانية وماركسية وقوميـــة ومكيافيلية وغيرها من الأفكار
والأيدلوجيات المستوردة ، لكن الملك عبدالعزيز كان يؤمـــن بأن تلك المناهج
والأيدلوجيات تتناقض بشكل صارخ مع قيم هذه الأمة وتراثها الديـــني والحضاري، وكان
موقفـــه منها الرفــــض القاطـــع والهجــــران، وكان واثقًا من أن تلك المناهج
لا يمكن أن تحقق مجتمع الأمن والاستقرار بنفس القــــدر الذي يتحقق باتباع المنهج
الذي أساسه كتاب الله وسنة رسوله عليه الصلاة والسلام.
- الصلاحية لكل زمان ومكان : فهو ليس ظرفيًّا ينتهي بانتهاء الظرف أو
المرحلة، وليس منهجًا اجتهادياً من حيث الأصول والأسس يطرأ عليه من التبديل
والتعديل والتحوير والنقض ما يطرأ على المناهج الأخرى التي
ليس لها قداسة مصدره، ولا معجزة حفظ نصه، ولا خصيصة خلوده، ولا ميزة شموله وتنوعه(18).
وقد أعطى نجاح التجربة السعودية التي قامت على أساس
هذا المنهج الدليل القاطع على صلاحيته لكل زمان ومكان.
- الثبات والاستمرارية: فهو ثابت ومستمر بثبات واستمرار الأساس الذي يرتكز
عليه: { إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ
لَحَافِظُونَ } ( الحجر: 9 ) ،
وقد شكل العهد المبرم بين الأمير محمد بن سعود والشيخ محمد بن عبدالوهاب عام
1157هـ/1744م نقطة تحول في تاريخ شبه الجزيرة ، فقد كان البداية الحقيقية لمرحلة
جديدة في تاريخ هذه الأمة، وفي ترسيخ حكم إسلامي حقيقي يقوم على أساس الدعوة
السلفية ، وقد ظلت هذه الدعوة تشكل جوهر المنهج الذي التزم به آل سعود في الحكم
منذ ذلك الوقت حتى الآن .
وصحيح أن سقوط الدرعية 1233هـ/1818م أدى إلى انتهاء
الكيــان السياسي لآل سعود لمــدة معينـــة ، " لكن الدعوة السلفيــــة بقيت
راسخـــة في نفوس الكثير من أتباعهــا "(19)، وقد تكرر الشيء نفسه عند نهاية الدولة السعودية
الثانية ، فهذه الأمة كانت قد أدركت أن صلاح أمرها واستقرار أحوالها واستتباب
أمنها إنما يكمن في اتباعها للمنهج القويم الذي سارت عليه البلاد منذ منتصف القرن
الثاني عشر الهجري.
وقد نجح الإمام تركي بن عبدالله بن سعود في إعادة
الحكم السعودي بعد خمس سنوات فقط من سقوط الدرعية ، واستطاع توحيد البلاد تحت
سلطته بسهولة ؛ " لأن الناس جربوا حياة التفرق والاضطراب ، وتاقوا إلى الرجوع
نحو حياة الوحدة والأمن والاستقرار لهذا دخلت أكثر مدن وقرى نجد تحت سلطة الإمام
تركي سلماً "(20).
وكذا كان الأمر إثر ظهور عبدالعزيز على مسرح الأحداث
في المنطقة بدءًا من عام 1319هـ/ 1902م، فقد التفت الرعية من حوله شوقًا إلى حياة
الأمن والاستقرار تحت ظل راية التوحيد التي لم تتغير ولم تتبدل منذ إبرام ذلك
العهد الشهير بين الإمام والأمير، ولعل هذه الخاصية تعد من أهم سمات هذا المنهج ؛
ذلك أنه من النادر أن نجد دولة ظلت تحتفظ بمنهج ثابت في الحكم على مدى مثل تلك
الحقبة الطويلة.
وهذا دليل واضح على أن هذا المنهج لا يعطي التجربة
السعودية صفتي الثبات والاستمرارية وحسب، وإنما أيضًا القدرة على التواصل حتى يرث
الله الأرض ومن عليها.
- الشمول والتكامل: فهو يتضمن الحلول لكل مشكلات الحياة، ويتعرض لكل صغيرة وكبيرة في حياة
الأمة وفي دينها ودنياها، فهي تتعامل معه في المطعومات والمشروبات، وفي الزواج
والطلاق وتسمية الأولاد، وفي بر الوالدين، وفي صلة الأرحام، وفي أعمال الخير والبر
(21).
- الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر "فريضة فرضها
الله عز وجل في محكم كتابه ؛ لأنه بهذه الفريضة يبقى المجتمع المسلم مصونًا
ومحفوظًا مــــن الفواحـــش والجرائم والمنكـــرات ، وقــــد علم الملك عبدالعزيز
–رحمه الله – أهمية هذه الفريضة في حفظ المجتمع المسلم من الجرائم ، فأصدر أمره
بتأسيس هيئات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر "(22).
- إقران القول بالفعل: وهي خاصية أخرى من خصائص هذا المنهج ؛ لأنه يتعلق بصدق المؤمن ؛ لأنه لا
قيمة لقول لا يلتزم به صاحبه ، ويذكر خادم الحرمين الشريفين الملك فهد بن
عبدالعزيز حول هذه الخاصية في المنهج الذي التزم به جلالة الملك عبدالعزيز :
" لقد كانت السياســة بالنسبة لـــــه – رحمه الله – ثوابت تقوم على
المبــادئ والأخـــلاق وتلــــتزم التزامًا مطلقًا بالمنهــــاج الإســــلامي
إطارًا وسلوكًا قولا وعمـــــلا "(23).
وقد كان الملك عبدالعزير حريصاً على ترجمة أقواله إلى أفعال على أرض الواقع
، ولم يعرف عنه قط أنه قطع على نفسه وعدًا ولم ينفذه أو عهدًا تحلل منه.
وهو يقول بهذا الصدد: " لست من رجال القول الذين يرمون اللفظ بغير
حساب، أنا رجل عمل إذا قلت فعلت، وعيبٌ علي في ديني وشرفي أن أقول قولا لا أتبعه
بالعمل، وهذا شيء ما اعتدت عليه، ولا أحب أن أتعوَّد عليه أبدًا "(24).
- تضمنه لمبدأ الشورى : يعد مبدأ الشورى من أهم المبادئ الشرعية التي يقوم عليها النظام السياسي في الإسلام ،
وأدلة الشورى بوصفها أساسًا للحكم في الإسلام مشتقة من الكتاب والسنة النبوية
لقوله تعالى: { فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ
فِي الأَمْرِ } ( سورة آل
عمران: 159) ، بل إن لأهمية الشورى سميت سورة من سور القرآن الكريم بسورة الشورى(25).
وقد التزم الملك عبدالعزيز بهذا المبدأ ، وجعل منه
ركيزة هامة من ركائز الحكم في البلاد ، وتمثل بشكل كبير بسياسة الباب المفتوح
والتلاحم بين القيادة والشعب.
- تضمنه لنظام البيعة:البيعة هي العقد الشرعي الصحيح بين الحاكم والمحكوم،
وهذا العقد الشرعي هو ما تواترت الأدلة، وتعضدت البراهين على العمل به في التاريخ
الإسلامي، وكان الملك عبدالعزيز يعلم أهمية البيعة باعتبارها مصدر الشرعية للحكم،
" ولأجل هذا أحياها، وأمضاها بحسبانها الميثاق والعهد بينه وبين شعبه "(26).
ب – التمسك بالمنهج :
فالمنهج الذي سار عليه الملك عبدالعزيز طيلة مدة حكمه
والتزم به أبناؤه البررة من بعده هو – كما سبق أن أوضحنا – استمرار لذات المنهج
الذي سارت عليه من قبل الدولتان السعوديتان الأولى والثانية.
وقد ظل الملك عبدالعزيز متمسكًا بهذا المنهج في أطوار
حياته كلها ،" فحين دخل الرياض أنفذ المنهج على مستوى الرياض ، وحين اتسعت
الرقعة وانداح السلطان كبرت مسؤولياته تجاه تعميم المنهج، فعممه ، ووسع مداه بعزم
وحزم يتناسبان مع التبعات الجديدة "(27).
ولم يكتف الملك عبدالعزيز بذلك ؛ إذ إنه لم يلبث أن
انطلق بالدعوة إلى التوحيد من محيط الجزيرة العربية " متخذًا موقف الداعي إلى
الله ؛ ليبلغ ما يجب عليه تجاه نشر الدعوة داعيًا المسلمين جميعًا في أنحاء الأرض
إلى التوحيد الصحيح ، وينطلق بهم إلى العمل بكتاب الله وسنة رسوله e
"(28).
وكان – رحمه الله – في كل اجتماعاته الخاصة والعامة
بين أهله وخاصته أو بين أهل البلاد حينما يلتقي بهم في كل مناسبة في اجتماعاته
الدولية بين عامة المسلمين يوصي بالتمسك بالكتاب والسنة، وأن يجتمع الناس عليهما، وأن
يعملوا بما فيهما، فليس في الحياة أمر إلا وتعرض له القرآن الكريم"(29).
وكان الملك عبدالعزيز يرى أن الأخذ بأسباب التطور لا
يعد خروجًا عن المنهج طالما أنه لا يتعارض مع أسس الدين الإسلامي الحنيف والعقيدة
الإسلامية السمحة محققًا بذلك التـــوازن الدقيق في المعادلــة الصعبة التي طرفاها
الأصالة والمعاصرة ؛ ليكون النتاج الطبيعي لهذا المزج دولة الإيمان والعلم ، ويتضح
ذلك المعنى بقول جلالته – رحمه الله – : " إن خطتي التي سرت – ولا أزال أسير
عليها – هي إقامة الشريعة السمحة، كما أنني أرى من واجبي ترقية جزيرة العرب،
والأخذ بالأسباب التي تجعلها في مصاف البلاد الناهضة مع الاعتصام بحبل الدين
الإسلامي الحنيف "(30).
وينطوي هذا الموقف للملك عبدالعزيز على دلالة واضحة
تكتسب أهمية خاصة ونحن بصدد الحديث عن تبلور فكره الإستراتيجي حول مفهوم التضامن
الإسلامي ، وهي أن الملك عبدالعزيز لم ينطلق في مفهوماته تلك من منطلق عصبي، وإنما
انطلق من فكر مفتوح ، يرفض التعصب والجمود والانغلاق على الذات، ويحلق في آفاق
رحبة ، تستلهم من إسلامنا الحنيف بواعث النهوض بالأمة وإمكانات تحقيق التقدم.
جـ – الأمن عنصر أساس من عناصر المنهج:
كان الملك عبدالعزيز يؤمن – بحسب ما ذكر خادم الحرمين
الشريفين – إيمانًا مطلقًا بأنه " لا يتوفر للعقيدة عز وانتشار وخلود إلا في
ظل كيان آمن ومطمئن ، يقوم على رعايتها وتبليغها والدعوة إليها والدفاع عنها
"(31).
وقد اتسمت المدد التي غاب فيها السعوديون عن الإمساك
بزمام الأمور في البلاد بتفشي الأعمال الإجرامية من سرقة وسلب ونهب وخطف وقتل ،
ولا سيما أثناء وقت الحج ، وقد وصل هذا الاضطراب الأمني إلى ذروته قبيل ظهور الملك
عبدالعزيز على مسرح الأحداث وشروعه في توحيد البلاد ، وقد حدث هذا التحول العظيم
في مدة زمنية قياسية ، وأصبح الأمن أحد خصائص هذا الوطن بعد أن كان مسرحًا
لاستباحة النظـام ، لتصبح المملكة العربية السعودية البلد الأكثر أمنًا وأمانًا في
العالم ، وقد حرص الملك عبدالعزيز منذ الوهلة الأولى على تطبيق حدود الله والتمشي
بموجب الشريعة الإسلامية وتنفيذ القصاص على المجرمين دون هوادة أو رحمة إدراكًا
منه أنَّه لا يمكن الشروع في إرساء قاعدة راسخة لبناء التنمية وتحقيق التقدم في
البلاد في غياب استتباب الأمن، وأنه لا يمكن للمملكة العمل من أجل تحقيق أهدافها
والقيام بدورها على صعيد خدمة الحرمين الشريفين وحجاج بيت الله الحرام والقضايا
الإسلامية إلا في ظل وجود قاعدة أمنية عريضة ومجتمع مستقر ومناخ أمني مثالي .
وتتجلى عبقرية الملك عبدالعزيز بهذا الصدد في نجاحه
في توحيد قبائل المملكة بعد أن كانت الصراعات والمنازعات بينها تشكل صفة بارزة
لمجتمع شبه الجزيرة ، وذلك عن طريق توطين البدو ضمن مجتمعات الهجر وتحويل سلوكهم
العدواني إلى شكل من أشكال الولاء والانتماء للدولة على أسس دينية سليمة، فتحولت
تلك الميول إلى استعداد وتوثب في الدفاع عن أرض الوطن وتوحيده وبنائه.
وقد أدى ذلك كله إلى أن تتبوأ المملـــكة مركز
الصــــدارة من بين الـــدول الأكثر تمتُّعًا بالاستتبـــاب الأمني في العالم ،
فقــد قال "دي جانــيرو" (De Janero) في الندوة
العلمية لدراسة تطبيق التشريع الجنائي الإسلامي في مكافحة الجريمة التي عقدت في
الرياض سنة 1396هـ/ 1976م: " باعتباري رئيسًا للجنة الأمم المتحدة لمكافحة
الجريمة أقول: إن المملكة العربية السعودية قد أوضحت لنا – ونجحت في ذلك – أنَّ
الشريعة الإسلامية قادرة بدرجة كبيرة جدًا على مكافحة الجريمة، أو على الأقل توسيع
مدى الأمن ، وأن هذه المهمة يمكن أن تلخص في كلمة واحدة، هي أن المملكة العربية
السعودية قد نجحت في كفاحها هذا ؛ لكي تحصل على الأمن بطريقة إيجابية وقانونية في
بلادها "(32).
وفي المؤتمر الثاني والثمانين لرؤساء الشرطة في
العالم الذي عقد في ميامي بولاية فلوريدا بالولايات المتحدة تلقت المملكة العربية
السعودية شهادة رسمية تسجل الحقيقة الواقعية من أنَّها أقل دول العالم جريمة
وأكثرها أمنًا (33).
ثانياً – مفهوم الفكر الإستراتيجي السعودي للتضامن الإسلامي :
1 – الوحدة مبدأ أساس في الفكر الإستراتيجي السعودي :
ظلت الوحدة تشكل مرتكزًا أساسًا في الفكر الإستراتيجي
السعودي منذ عهد الملك عبدالعزيز – رحمه الله – حتى الآن ، ويتضح هذا الفكر
الإستراتيجي أكثر ما يتضح من خلال تحقيق التجربة السعودية لأهدافها، وتعد هذه
التجربة بكل المقاييس من أهم وأنجح التجارب الوحدوية المعاصرة.
كما يتضح هذا الفكر الإستراتيجي من خلال الحقائق
الآتية:
1– أقام الملك عبدالعزيز مشروعه الوحدوي على أساس
متكامل لإرساء دعائم دولة حقيقية ، وليس إمارة أو مشيخة ، لها دور وثقل متميزين
على الصعيدين الإقليمي والدولي.
2 – اشتملت تلك الإستراتيجية على إدراك كامل بظروف
وتقلبات العصر.
3 – كما تضمنت
استقراء المستقبل ، وتوقع القوى الصاعدة في العالم، وإيلاء العامل الدولي ما
يستحقه من اهتمام.
ويمكن القول دون أدنى مبالغة : إنَّ وحدة هذه البلاد
كانت نتاجًا لمجموعة من الخصائص القيادية التي تفاعلت في شخص الملك عبدالعزيز،
يأتي على رأسها نبذه للعصبية القبلية ، وقد تجلى ذلك في عدم ركونه إلى قبيلته
(عنزة)، والعمل على بناء قاعدة شعبية واسعة تقوم على أساس المحبة والتآلف بين
أفراد شعبه الذي كان يعد كل فرد من أفراده ابنًا أو أخًا له ، لذا فقد كان الملك
عبدالعزيز يسعى إلى توحيد قلوب الشعب قبل توحيد أجزاء البلاد.
وكان من الطبيعي أن تتسع دائرة هذا الفكر الوحدوي بعد
أن تحققت وحدة هذا الكيان بحمد الله وتوفيقه 1351هـ/ 1932م إلى آفاق أرحب ، وقد
تجلى ذلك في دعوته لتحقيق الوحدة العربية.
وقد فطن عبدالعزيز إلى الوحدة العربية قبل أن يفكر
فيها أي عربي ؛ " إذ أعلن رأيه فيها وأمله في تحقيقها حين سأله والي البصرة
التركي عن الوسيلة التي يعالج بها ما عليه ولاة العـــرب من الشقـــاق وخروج
بعضـــهم من الدولــة العثمانية ، فكان جوابه – رحمه الله – : إنكم لم تحسنـــوا
إلى العرب، ولا عاملتموهم في الأقل بالعدل ، إنكم المسؤولون عما في العرب من شقاق
، فقد اكتفيتم بأن تحكموا ، وما تمكنتم حتى من ذلك ، قد فاتكم أن الراعي مسؤول عن
رعيته ، وفاتكم أن صاحب السيادة لا يستقيم أمره إلا بالعدل والإحسان، وفاتكم أن
العرب لا ينامون على الضيم ، ولا يبالون إذا خسروا كل ما لديهم وسلمت كرامتهم ،
وإني أرى أن تدعوا رؤساء العرب كلهم كبيرهم وصغيرهم إلى مؤتمر يعقد في بلد لا
سيادة ولا نفوذ فيه للحكومة العثمانية؛ لتكون لهم حرية المذاكرة ، والغرض من هذا
المؤتمر التعارف والتآلف ، ثم تقرير أحد أمرين : إما أن تكون البــــلاد العربية
كتلة سياسية واحدة يرأسها حاكم واحد، وإما أن تقسموها إلى ولايات ، فتحددون حدودها
، وتقيمون على رأس كل ولاية رجلاً كفيًّا من كل الوجوه ، وتربطونها بعضها ببعض بما
هو عام مشترك من المصالح والمؤسسات ، وينبغي أن تكون هذه الولايات مستقلة استقلالا
إداريًا ، وتكونوا أنتم المشارفين عليها، فإذا تم ذلك فعلى كل أمير عربي أو رئيس
ولاية أن يتعهد بأن يعضد زملاءه ، ويكون وإياهم يدًا واحدة على كل من تجاوز حدوده
أو أخلّ بما هو متفق عليه بيننا وبينكم "(34).
ولقد عاش عبدالعزيز كل عمره يدعو إلى هذه الوحدة
ويقول: كيف استطاع الأمريكان أن يجعلوا من ثماني وأربعين أمة أمة واحدة؟ أليس في
الولايات المتحدة ثماني وأربعون ولاية؟ (في ذلك الوقت)، أليس في تلك الولايات من
عوامل الخلاف والفرقة كتباين الأصل وتنازع الأهداف أكثر مما في بلاد العرب؟
إذا كان هؤلاء قد استطاعوا بالرغم من الاختلاف بين
ولاياتهم في الذوق والمثل أن يقيموا من بينهم دولة واحدة، وفيها ولاية مثل كاليفورنيا
عدد سكانها قدر عدد سكان البلاد العربية جميعًا، فإنَّ من الغريب حقًا ألا يستطيع
العرب تحقيق هذا بين بلادهم، وعوامل الاتحاد عندنا أقوى، فنحن جميعا عرب ، ولغتنا
واحدة ، وديننا واحد ، وظروف الحياة تفرض علينا أن تكون لنا أهداف واحدة (35).
وكان للملك عبدالعزيز وجهة نظر خاصة في مسألة تخاذل
العرب أوضحها في إحدى المناسبات بقوله: " الذي أتمناه أن يجمع الله كلمة
العرب على الاتفاق بينهم؛ ليسلموا من شرور أنفسهم ، فإذا سلموا من شرور أنفسهم
سلمت نيتهم، وأمكنهم أن يحفظوا أنفسهم من الأذى، فالعرب بتخاذلهم آذوا أنفسهم أكثر
مما آذاهم الأجنبي"(36).
وكانت الوحدة العربية بالنسبة للملك عبدالعزيز هاجسًا
ملحًا ، وليس شعارًا دعائيًّا يفتــقر إلى المصداقية ، ويتضح ذلك من قوله ذات مرة
: " إني على استعداد لأن أكون أنا وأسرتي كجندي بسيط أجاهد في سبيل العرب ،
وتوحيد كلمة العرب ، وتأسيس الوحدة بين العرب ، ولا أريد من وراء ذلك جزاءً ولا
شكــورًا"(37).
وقد حاول عبدالعزيز محاولة ثانية لوضع أساس تقوم عليه
وحدة عربية بصورة ما؛ إذ انتهز مناسبة وقوع الحرب العظمى الأولى ، فبعث إلى أمراء
العرب الخصوم منهم والأصدقاء ناصحًا لهم باقتناص الفرصة ؛ ليوحدوا جهودهم جميعًا ،
ويستردوا مكانة العرب التي كانت لهم في صدر الإسلام حين انعقدت خناصرهم على رفعة
البلاد العربية وإعلاء شأنها بين الأمم والشعوب، وليتخلصوا من الاستعمار وذله،
ويرفعوا عن كواهلهم تدخل الأجنبي في مقدراتهم السياسية والاقتصادية ، وكتب في ذلك
للشريف حسين حاكم الحجاز ، ثم كتب لابن الرشيد والإمام يحيى حاكم اليمن والشيخ
مبارك حاكم الكويت، ولم يفكر واحد من هؤلاء الأمراء حتى في الرد عليه والإجابة على
كتابه ولو بالرفض إلا ابن الرشيد ، فكان صريحًا ، وأعلن في غير مداراة بأنه قد حدد
موقفه تجاه الحرب القائمة ، وأنه قد أخذ فيها جانب الأتراك (38).
ولم يكتف الملك عبدالعزيز بالدعوة إلى الوحـــدة
العربية بالقول فقـــط، بل إنه سعى إلى وضـــع هذه الفكرة ضمن حيز الوجود بالرغم
من موقف بعض الأمراء والرؤساء العرب من دعوته للوحدة العربية إبَّان وقوع الحرب
العظـــمى ، وذلك بإبرام "معاهـــدة أخوة وتحالـــف " مع العــراق في
محرم 1355هـ/أبريل 1936م، انضمت إليها المملكة اليمانية في جمادى الآخرة
1356هـ/أغسطس 1937م.
وقد جاء فيها : " يجوز لأية دولة عربية أخرى
مستقلة أن تطلب الانضمام إلى هذه المعاهدة، وأن الفرقاء الثلاثة المتعاقدين
سيتشاورون فيما بينهم لتنفيذ الأغراض المختصة بالشؤون الإسلامية والقومية العربية
، وأن الممثلين الدبلوماسيين والقنصليين لكل منهم يجوز أن يقوموا بتمثيل مصالح
الفريق الآخر عندما يرغب... "(39).
وقد تجسد موقف المملكة العربية السعودية من الوحدة
العربية بشكل واضح من خلال الدعوة لإنشاء جامعة الدول العربية التي تعد المملكة
إحدى الدول الأعضاء المؤسســة لها ، وبعد إنشائهـــا عام 1365هـ/ 1945م ذكر الملك
عبدالعزيز – رحمه الله – في حديثه للشعب السعودي في شهر صفر من ذلك العام: "
من فضل الله علينا جميعًا أن كانت كلمتنا – في هذه الزيارة والتي قبلها – مجتمعة
على مواصلة جهدنا في تأييد جامعة الدول العربية وبذل كل مرتخص وغال في تأييد
التضامن بين سائر دول الجامعة بالقلب والروح لما فيه خير دول الجامعة ، بل ولما
فيه الخير لسائر البلاد الإسلامية والعربية ، وسنستمر على هذه السياسة بمشيئة الله
ما حيينا "(40).
وكان الملك عبدالعزيز يؤمن بأن الوحدة العربية هي
ركيزة للوحدة الإسلامية ، وقد سار أبناء الملك الراحل على نفس هذا النهج الذي أثمر
قيام مجلس التعاون الخليجي عام 1401هـ/ 1981م، ويعد المجلس شكلا من أشكال الوحدة
العربية ضمن المجال الإقليمي، وهو ذلك الشكل الذي يتخذ إطارًا له وحدة الصف
والكلمة والموقف على أن تحتفظ كل دولة بخصائصها الإقليمية وشخصيتها السيادية ، كما
أثمر هذا النهج أيضًا في قيام العديد من المنظمات الإسلامية التي كانت بالدرجة
الأولى نتاجًا للجهود السعودية وثمرة من ثمار هذا النهج.
2 – الإيمان بعدم وجود تناقض بين التضامن العربي
والتضامن الإسلامي:
كان مفهوم الملك عبدالعزيز للعروبة أنها موقف وشهامة
ومروءة ، ويتأكد لنا هـــذا المفهوم من خلال مخاطبته – يرحمه الله – للوزير
البريطاني في 3 ذي القعدة 1356هـ/ 1938م في المحدبة معبِّرًا عن امتعاضه من الموقف
البريطاني في فلسطين، ومدى تأثير ذلك في مركز بريطانيا في العالمين العربي
والإسلامي إلى أن قال : " إنَّ الذي أخبرك به بصراحة هو أن حكومة بريطانيا لم
تقدر موقفي ، وإنني على كل حال أفي لديني وعربيتي قبل كل شيء ، والمحافظـــة على
شرفي وعلى ديني وعربيــــتي تقضي عليَّ بالكثير "(41).
وعلى الرغم من أن الهوية السعودية التي رسم معالمها
الملك عبدالعزيز تتضمن الدعوة إلى الوحدة العربية والوحدة الإسلامية، إلا أن
الدعوة إلى الوحدتين لا تشكل "ثنائية " أو "ازدواجية " إلا
باللفظ فقط ، فهي في حقيقتها " تجسيد للكل في واحد، والواحد في الكل"،
وهي تشير بذلك إلى أن الوحدة العربية التي قامت في التاريخ ودفعت حركة الحضارة
الإنسانية إلى الأمام لم تكن في يوم من الأيام وحدة عربية قومية ضيقة بالمفهوم
العرقي أو المتزمت للعروبة، وإنما كانت وحدة عربية إسلامية سمحة، روعيت فيها
الخصائص الإقليمية لكل شعوبها، وتفتحت على كل الشعوب الأخرى لمحبة وخير الإنسانية
جمعاء "(42).
ومن جانب آخر فإن مفهوم المملكة للتضامن الإسلامي
الجماعي هو المفهوم الكلي للعلاقات بين المسلمين بما في ذلك الدول الإسلامية(43).
ويقصد بالتضامن الإسلامي الجماعي التأكيد على وحدة
العالم الإسلامي السياسية ، ومن ثمَّ فإن الهدف الأول للتضامن الإسلامي هو توطيد
العلاقات السياسية والاقتصادية والاجتماعية بين الدول الإسلامية، وتطوير سياسات
مشتركة بين تلك الدول إزاء القضايا الدولية ، حتى تتحقق وحدة الأمة الإسلامية ،
وذلك بهدف إعلاء كلمة الله امتثالاً لقوله تعالى: { وَتَعَاوَنُوا
عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ
} (المائــــدة : 2)، و{ وَلا تَكُونُوا
كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمْ الْبَيِّنَاتُ
}( آل عمران:105)، وقول رســـــول الله e
: ( والله في عون العبد ما كـــان العبد في عـــون أخيه )، و( المؤمن للمؤمن
كالبنــيان المرصوص ، يشدُّ بعضه بعضًا ) (44).
ولا بد من التذكير أيضًا بأن مفهوم المملكة للتضامن
الإسلامي يقوم على أساس العمق الإستراتيجي الهام للمملكة العربية السعودية بالنسبة
لعالمها الإسلامي الذي تنتمي إليه قلبًا وقالبًا.
وقد استوجب منها ذلك الاضطلاع بدور رائد وفعال ضمن
الإطار الإسلامي للمحافظة على تضامنه ووحدته وتماسكه(45).
3 – الاضطلاع بمسؤولية حماية المقدسات:
يشكل مبدأ الدفاع عن الدين والمقدسات ركيزة هامة من
ركائز منهج الحكم السعودي الذي أرسى دعائمه الملك عبدالعزيز ، وقد ظل مفهوم
القيادة السعودية لهذا المبدأ سابقاً لا يتغير، وهو العمل على تأمين الظروف
والعوامل التي تتيح للمؤمنين الوصول إلى تلك الأماكن المقدسة دون تعرض لأية أخطار
تهدد أرواحهم أو تعيقهم عن الوصول إليها، والحيلولة دون تعرض تلك المقدسات لأي
عدوان يستهدف النيل من قداستها.
ولا يقتصر هذا المفهوم على المقدسات الإسلامية في مكة
المكرمة والمدينة المنورة وحسب ، وإنما يتضمن أيضًا المقدسات الإسلامية في القدس
الشريف ، وقد اتضح هذا المبدأ من خلال المواقف الآتية التي أبدتها الحكومة
السعودية منذ عهد القائد المؤسس الملك عبدالعزيز – رحمه الله – :
– عندما قام نفر من اليهود الصهاينة بالاعتداء على
المصلين ، وهم يؤدون صلاة الجمعة في المسجد الأقصى عام 1348هـ/1929م، وذلك بإلقاء
القنابل عليهم، انبرى الملك عبدالعزيز مبرقًا لملك بريطانيا محتجًّا ومعربًا عن
سوء الأثر الذي أحدثه ذلك الاعتداء في نفسه وفي نفس شعبه مطالبًا بضرورة المحافظة
على شعائر الدين ومعاقبة الآثمين ومنع تكرار هذا الحادث(46).
– وظل هذا الموقف ثابتًا في كل مرة يتعرض فيها الأقصى
للعدوان الصهيوني الغاشم ، وقد عبر عن نفسه أصدق تعبير عام 1389هـ/1969م عندما
تعرض المسجد الأقصى لمحاولة إحراقه الآثمة ، فسارع جلالة الملك فيصل – رحمه الله –
بتوجيه نداء إلى العالم الإسلامي ناشده فيه إعلان الجهاد(47).
– ووقفت المملكة موقفًا حازمًا إزاء المحاولات
الصهيونية المتكررة الرامية إلى تهويد القدس والتي تستهدف ضمن ما تستهدفه هدم
الأقصى وبناء الهيكل المزعوم في محله.
وقد وصل هذا الموقف الحازم إلى ذروته في عهد خادم
الحرمين الشريفين، وذلك بإعطاء هذا الموضوع الأولوية في مباحثات القادة السعوديين
واجتماعهم مع نظرائهم من زعماء دول العالم خلال الزيارات المتبادلة والمؤتمرات
الإقليمية والدولية وفي المحافل الدولية ، كما احتل الأولوية في جدول اجتماعات
مجلس الوزراء السعودي كل يوم اثنين عاكسًا ما توليه حكومة خادم الحرمين الشريفين
من أهمية قصوى لهذا الموضوع.
– وبادرت القيادة السعودية بكل الحسم والاقتدار إلى
التصدي لمحاولة الاعتداء على الحرم المكي الشريف التي قامت بها فئة مضللة من
المجتمع في الأول من القرن الهجري الخامس عشر/1979م ، وتمكنت من إخماد تلك
المحاولة الآثمة في مهدها، وتطهير الحرم المكي الشريف من براثنها في مدة زمنية
قياسية.
– وعندما تعرض المسجد الحرام لمحاولة تخريب من قبل
فئة منحرفة من الحجاج الوافدين إلى هذه الديار المقدسة في موسم حج 1407هـ/ 1987م
بهدف إجهاض موسم حج ذلك العام، وترويع حجاج بيت الله الحرام، وعرقلة أداء الفريضة،
وتخريب بيت الله الحرام الذي جعله الله مثابة للناس وأمنًا، انبرت القيادة
السعودية إلى التصدي لهذه الفئة بحزم لإفشال هذا العدوان، وإعادة الأمن والطمأنينة
إلى نفوس الحجاج، والعمل على استمرار مسيرة الحج إلى نهايتها، وهو ما نجحت في
تحقيقه في زمن قياسي أثار الإعجاب في نفوس المسلمين قاطبة.
ثالثاً – مجالات دعم المملكة لمبدأ التضامن الإسلامي :
1 – خدمة الحرمين الشريفين وحجاج بيت الله الحرام:
شعر الملك عبدالعزيز بعد ضم الحجاز عام 1345هـ/1925م
أن عليه مسؤولية كبرى في المحافظــــة على الحرمين الشريفـــــين والعنايــــة
بهما وتوفير سبل الأمن والراحــــة للحجاج والمعتمرين ، وتمثل ذلك في العديد من
الإنجازات التي تحققت منذ عهده – رحمه الله – حتى الآن على النحو الآتي:
– العمل على
تأمين الحج : من مظاهر حرصه – رحمه الله – على تأمين الحج ومنذ البدايات المبكرة
في حكمه للبلاد أنه خلال حصار جدة عام 1344هـ/ 1924–1925م أذن لجنوده في الانسحاب
من جبهة القتال أيام الحج ، وكان أكبر همه في تلك السنة أن يستولي على بعض الثغور
الحجازية كينبع والقنفذة تيسيرًا لدخول الحجاج من البحر(48).
وقبل أن تنشب الحرب بينه وبين الإمام يحيى ملك اليمن
تعمد جلالته التسويف فيها والتمهل حتى انصرف الناس من حجهم(49).
– العمل على تيسير أداء الحجاج لمناسكهم، وذلك من
خلال استحداث إدارة للحج مرتبطة بوزارة المالية نيط بها العديد من المهام مثل
" استقبال موظفيها للحجاج عند وصولهم البلاد من البر أو البحر أو الجو لتيسير
الإجراءات لهم، وتهيئة أماكن نزولهم، والعناية بحركة تنقلاتهم وتنظيم أمورهم حتى
في تأدية المناسك إلى أن يغادروا البلاد، ومساعدة إدارات الصحة والإسعاف والشرطة
والبلديات في ترتيب الرحلات بين مكة والمدينة، وإنشاء مشارب للماء في أماكن متعددة
ومراكز ثابتة ومتنقلة، وإقامة مخيمات في المحطات الرئيسة لاستراحة الحجاج، والنظر
في برامج أسفارهم ومواعيدها وإنشاء المظلات والحمامات وتوابعها، وإنشاء محطة إذاعة
خاصة بإذاعة النشرات الحكومية عن الحج والحجاج، ولإرشاد التائهين عن خيامهم وإعلان
أسمائهم وأسماء مطوفيهم، إلى جانب إنشاء مخيم خاص بالتائهين في عرفات ومنى
لإيوائهم وإطعامهم، وإرشاد كل منهم إلى مقره(50).
– إلغاء رسوم الحج : لعل من أهم إنجازات الملك
عبدالعزيز في هذا المجال إلغاء رسوم الحج المالية التي كانت تؤخذ من الحجاج لقاء
ما يقدم لهم من خدمات عامة ، وقد كانت رسوم الحج باهظة إلى سنة 1371هـ/ 1952م
عندما أمر الملك عبدالعزيز وزير ماليته بإعفاء الحجاج من تلك الرسوم ، وقدرت
حينئذٍ بثلاثين مليونًا من الريالات(51).
– توسعة الحرمين الشريفين : في عام 1368هـ/1949م أمر
الملك عبدالعزيز بإصلاح وترميم المسجد النبوي وتوسيعه من 10.203 متر مربع إلى
16.326 مترًا مربعًا " بعد أن ضـــاق ازدحام الوافدين إليه، وبدأ العمل بهذا
المشروع في شوال 1370هـ/ 1951م، وكلف حوالي 70 مليون ريال ، كما قام بترميم للمسجد
الحرام في مكة المكرمة أيضًا ".(52)
ومن الإنجازات التي تحققت على هذا الصعيد إنشاء معمل
كسوة الكعبة سنة 1345هـ/ 1925م.
وقد تواصلت جهود أبناء الملك الراحل – رحمه الله – في
هذا المضمار الذي يهدف إلى تيسير سبل أداء الحجاج لمناسكهم وتقديم كل الخدمات التي
تكفل لهم أداء الركن الخامس للإسلام في أجواء من الراحة والطمأنينة ؛ حتى يعودوا
إلى ديارهم سالمين، ووصلت تلك الجهود إلى ذروتها في عهد خـــادم الحرمين الشريفين
الذي تحقق في عهده أضخم توسعة شهدهما الحرمان الشريفــــان في العصر الحديث ، كما
عبّدت الطرق في مشاعر الحج كلها بمكة ومنى وعرفة ومزدلفـــة، وشقت الأنفـــاق في
الجبـــال للمشاه والسيارات، ومهدت الأرض في منى ؛ لتتسع أكثر لعــدد الحجــــاج،
وأقيمت الجسور العملاقـــة، وأضيئت المشـــاعر المقدسة بالكشافات الكبيرة، ووفرت
ميـــاه الشرب ودورات الميـــاه في المشاعر المقدسة على نطـــاق واسع، وأقيمت
المستشفيات والمستوصفات الصحية ، كما طوّرت الدولة مصنع كسوة الكعبة ، فأقامت له
مبنى حديثًا ، وأنشـأت مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف في المدينة المنورة
عام 1405هـ/1985م (53).
2– خدمة القضايا الإسلامية :
لعبت المملكة العربية السعودية منذ فجر تأسيسها دورًا
هامًا وبارزًا على صعيد دعم القضايا الإسلامية ، ونحن عندما نتحدث عن القضايا
الإسلامية فإنَّ هذا الحديث يتسع ليشمل ضمن ما يشمله القضايا العربية ، وبالإمكان
تقسيم الدور السعودي في هذا المجال إلى قسمين:
أ – خدمة
المملكة للقضايا الإسلامية في عهد الملك عبد العزيز.
ب – خدمة المملكة للقضايا الإسلامية بعد وفاته ، رحمه
الله .
أ– خدمة المملكة للقضايا الإسلامية في عهد الملك عبد
العزيز:
شغلت عدة قضايا إسلامية باله ، واستأثرت باهتمامه ،
وقدم لنصرتها العون في كل ميدان ، ومن تلك القضايا القضية السورية، وكان مفتاح
موقف الملك عبد العزيز من هذه القضية : " إيمانه وعقيدته من ناحية، واقتناعه
أن المصير السوري يؤثر إيجابًا وسلبًا على واقع بلاد المشرق العربي ومصيرها من
ناحية ثانية ".(54)
وكان أول عون مادي قدمه عبد العزيز إلى القضية
السورية إسهامه بتزويد الثـــورة السورية الوطنية عام 1344هـ/1925م بكل ما استطاع
من مال وسلاح(55).
وعندما قصفت القوات الفرنسية عام 1365هـ/1945م مجلس
النواب السوري وأحياء دمشق بالمدفعية وراحت تطارد زعماء سوريا الوطنيين راح عبد
العزيز يضغط على الحكومة الأمريكية والبريطانية لوقف العدوان الفرنسي، ويبرق لابنه
الأمير فيصل بوصفه رئيسًا للوفد السعودي
في مؤتمر سان فرنسيسكو " ليتذرع بجميع الوسائل من أجل نصرة سوريا ولبنان
والتمكين لاستقلالهما وسيادتهما "(56).
ولعبت المملكة دورًا فاعلاً على صعيد نصرة الشعب
العربي في دول المغرب العربي الشقيق حتى نالت استقلالها تباعًا ، إلا أنَّ دور
المملكة في دعم وتأييد القضية الفلسطينية وقضية القدس كان – ولايزال – الهاجس
الأكبر للقيادة السعودية، ونظرًا لأهمية ذلك الدور فسنخصص له جزءًا خاصًا ومنفردًا
من هذا البحث.
وهنالك
قضيتان إسلاميتان استأثرتا باهتمام الملك عبد العزيز : هما قضية استقلال
أندونيسيا ، وقضية استقلال باكستان. وفيما يتعلَّق بالقضية الأولى فقد كان أبناء
الشعب الأندونيسي في الحجاز أثناء الجهاد الأندونيسي ضد الاستعمار محل احترام
جلالة الملك عبد العزيز ، " ونالوا عظيم المساعدات ، وبذل – رحمه الله –
جهودًا موفَّقة في سبيل تحريره ، وكان الكثيرون من زعمائه المجاهدين على اتصال
دائم بجلالته، يهتدون بهديه ، ويعملون بنصائحه" (57).
وعندما اعتدى الهولنديون على حرية زعماء إندونيسيا
غضب الملك عبد العزيز لذلك، وبذل عدة مساعٍ لإطلاق سراحهم إلى أن نالوا حريتهم ،
واستأنفوا المفاوضات مع هولندا التي انتهت بقيام جمهورية الولايات المتحدة
الإندونيسية "(58).
أمَّا ما يتعلق بالقضية الثانية فقد دعمت المملكة في
عهد الملك عبد العزيز قضية استقلال الباكستان دعمًا بلا حدود ، وقد كان سرور الملك
عبد العزيز باستقلال باكستان عظيمًا جدًا، وكان ذلك اليوم يوم بهجة عامة في جميع
أنحاء المملكة العربية السعودية "؛ لأنه اليوم الذي تحرر فيه شعب مسلم كبير
من نير الاستعمار ، وكان جلالته يرى أن في عز باكستان عز الإسلام والعرب أجمعين ،
خصوصًا أنَّ جلالته يذكر بكل إطراء مواقف المسلمين في الهند واشتراكهم في المؤتمر
الذي دعا إليه جلالته عند تبوّئه حكم الحجاز، ولذلك كانت المملكة العربية السعودية
في مقدمة الدول التي اعترفت بحكومة باكستان، وأيدت اشتراكها في هيئة الأمم المتحدة
، وأسست لها مفوضية في كراتشي ؛ لتكون واسطة لتقوية أواصر الصداقة والود بين
البلدين "(59).
ب – خدمة المملكة للقضايا الإسلامية بعد وفاة الملك
عبد العزيز:
واصل أبناء الملك الراحل – رحمه الله – مسيرة التضامن
الإسلامي بعد وفاة والدهم، وظل مبدأ دعم القضايا الإسلامية مبدأ أساسًا ومرتكزًا
هامًّا في السياسة السعودية ، وخلال تلك المسيرة وقفت المملكة بكل ثقلها مؤيدة
لقضايا العالم الإسلامي، ومن ذلك :
·
القضية
الأفغانية :
في مؤتمر وزراء خارجية الدول الإسلامية الثامن عشر
المنعقد في الرياض سنة 1408هـ/1988م سعت الدبلوماسية السعودية لإعطاء مقعد
أفغانستان في المؤتمر للمجاهدين الأفغان، ووافق المؤتمر بمبادرة السعودية على
المشروع السعودي، واحتل "قلب الدين حكمتيار " ممثل حكومة المجاهدين مقعد
أفغانستان في منظمة المؤتمر الإسلامي ، وكان هذا السعي جزءًا من جهد عام
للدبلوماسية السعودية لنيل الاعتراف الدولي بحكومة المجاهدين، كذلك ربطت السعودية
قضية استئناف العلاقات الدبلوماسية بالاتحاد السوفيتي بحل القضية الأفغانية، وبالذات
بانسحاب القوات السوفيتية من أفغانستان (60).
كذلك لعبت المملكة دورًا هامًا في وقف الصراع
الأفغاني، فقد جمعت القادة الأفغان في مكة المكرمة، وتم التوقيع على وثيقة "
إسلام أباد " بجوار بيت الله الحرام في 18 رمضان 1413هـ/1993م (61).
·
قضية قبرص :
اقتربت المملكة من قضية القبارصة الأتراك من منظور
التضامن الإسلامي، وهو يعني تأييد مطالب القبارصة الأتراك في تكوين كيان سياسي خاص
بهم، ولذلك فقد ساندت المملكة مطالب القبارصة الأتراك في الأمم المتحدة، وساعدتهم
في الحصول على وضع المراقب في منظمة المؤتمر الإسلامي، كما أن رابطة العالم
الإسلامي في دورتها المنعقدة في مارس 1987م حثت الدول الإسلاميــــة على الاعتراف
بالجمهورية التركية لشمال قبرص ، وتعد المملكة من الدول الإسلامية القليلة التي
تدعم قضية المسلمين القبارصة دعمًا كاملا (62).
·
الأزمة
اللبنانية:
اهتمت السعودية بالأزمــة اللبنانيــــة منذ
اندلاعهـــا، وحاولت التدخل لحلها بشكل سلمي من خــــلال الاتصالات التي أجراهـــا
الملك خالد بن عبد العزيز –رحمه الله – بالرئيسين السوري واللبـنـــاني في العامين
1395–1396هـ وبأطــراف عربية أخرى بهـــدف إعـــادة الحـياة الطبيعية في لبنــــان
إلى الحالة التي كانت عليها قبل بدء الحرب الأهلية عام 1395هـ(63).
وشاركت المملكة في قوات الردع العربية بالإضافة إلى
السودان وليبيا ، كما شاركت في تمويل الميزانية الخاصة بتلك القوات(64).
وعندما اجتاحت إسرائيل الأراضي اللبنانية عام
1402هـ/1982م " تدخلت الدبلوماسية السعودية لإجراء اتصالات مع الولايات
المتحدة للتوصل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار، وصرح وزير الخارجية السعودي الأمير
سعود الفيصل أن عدم تدخل الولايات المتحدة لوقف العدوان الإسرائيلي سيؤثر على
علاقات السعودية بالولايات المتحدة، كما دعت المملكة إلى عقد لجنة سداسية في
الطائف وجدة في يونيو 1402هـ/1982م لإيجاد مخرج للأزمة اللبنانية والإعداد لاتفاق
لبناني فلسطيني حول وجود المقاومة الفلسطينية في لبنان، وقد أسفرت المحادثات عن
اتفاق في 5 يوليو 1402هـ/1982م يتعلق بموافقة منظمة التحرير الفلسطينية على الخروج
من بيروت مع اتخاذ الحكومة اللبنانية كل الإجراءات الكفيلة بضمان أمن سكان بيروت
وضواحيها بما فيها المخيمـــات الفلسطينية ، وفي 25 سبتمبر 1983م/1403هـ تم
الإعلان عن وقف إطلاق النار بناءً على مســاعٍ سعودية بذلها الأمير بندر بن سلطان
اعتبارًا من صباح اليوم التالي "(65).
غير أن الدور السعودي الأهم في القضية اللبنانية جاء في سياق الحل الشامل لتلك القضية من خلال
اتفاقية الطائف ، وقد دعا مؤتمر القمة العربي المنعقد في الدار البيضاء في مايو
1409هـ/1989م إلى تشكيل لجنة ثلاثية من خادم الحرمين الشريفين والملك الحسن الثاني
والرئيس الشاذلي بن جديد ؛ على أن يكون لهذه اللجنة الصلاحيات كافة لحل الأزمة
اللبنانية، وواجهت اللجنة صعوبات جمة في التوفيق بين الآراء المتعارضة لمختلف
أطراف الأزمة اللبنانية سواءً بين اللبنانيين والسوريين أو بين اللبنانيين أنفسهم،
وبعد اجتماعات متعددة عقد وزراء خارجية الدول الممثلة في اللجنة الثلاثية اجتماعًا
في جدة في خريف ذلك العام ، صدر في أعقاب بيان ينص على وقف إطلاق النار بشكل فوري
في كل أنحاء لبنان، وتأليف لجنة أمنية برئاسة الأخضر الإبراهيمي وزير الخارجية
الجزائري ومندوب اللجنة الثلاثية اللبنانية للإشراف على وقف إطلاق النار، وتوجيه
الدعوة إلى أعضاء مجلس النواب اللبناني للاجتماع ومناقشة وثيقة الوفاق الوطني في
نهاية ذلك الشهر بعد تثبيت وقف إطلاق النار، وقد استطاع مبعوث اللجنة الثلاثية أن
يتوصل إلى تنفيذ اتفاق وقف إطلاق النار والإعداد للحوار النيابي الذي استضافته
المملكة وعقد في الطائف.
وقد اجتمع البرلمانيون اللبنانيون في الطائف بحضور
وزراء الدول المختصة في اللجنة الثلاثية، وأسفرت المناقشات عن إقرار اتفاق الطائف
في 23 ربيع الأول 1409هـ الموافق 22 أكتوبر 1989م ، كما أسفر المؤتمر عن انعقاد
مجلس النواب اللبناني في قاعدة القليعات وانتخاب رئيس الجمهورية اللبنانية (رنيه
معوض) ، وبعد اغتياله من العناصر المعارضة لاتفاق الطائف تم انتخاب إلياس الهراوي
رئيسًا للجمهورية اللبنانية، وكان ذلك تمهيدًا لوقف نزيف الدم في الحرب الأهلية
اللبنانية التي دامت عقدًا ونصف وبدء مسيرة الوفاق اللبناني(66).
·
قضية البوسنة
والهرسك :
امتد الدور الإسلامي للمملكة إلى البوسنة والهرسك،
وكان للجهود الجبارة التي بذلها خادم الحرمين الشريفين الملك فهد بن عبدالعزيز
وولي عهد الأمين سمو الأمير عبد الله بن عبدالعزيز وبقيادة ميدانية بجمع التبرعات
من سمو الأمير سلمان بن عبدالعزيز أثرها الملموس في تخفيف المعاناة عن كاهل هذا
الشعب المسلم الشجاع الذي تعرض لأبشع أنواع البطش والتنكيل على يد المعتدين الصرب
، وكان لتقديم حكومة خادم الحرمين الشريفين أنواع الدعم كافة لهذا الشعب المسلم
وفي الانتصار له في المحافل الدولية كافة أثره في حقن الدماء المسلمة وفي تحقيق
الأماني الوطنية لهذا الشعب الأبي في التحرر والاستقلال "(67).
·
القضية
الصومالية:
كان للدبلوماسية السعودية المنطلقة من هذه الركيزة
دور بارز آخر على صعيد احتواء النزاع الصومالي " عندما جمعت أطراف هذا النزاع
في جدة عام 1411هـ/1991م بهدف وقف القتال ووضع نهاية للحرب الأهلية فيه، مما أدى
إلى التوقيع على وثيقة مصالحة بين أطراف النزاع ،
وخروج أطراف النزاع الصومالي عن الالتزام بتنفيذ بنود هذه الوثيقة لم يثن
المملكة من مواصلة جهودها في إطار العمل على وقـف حمام الدم الصومالي، وتمثل ذلك
في مساهمة المملكة بقوات سلام تجاوبًا مع مساعي الأمم المتحدة وفرض السلام هناك
"(68).
·
قضية تحرير
الكويت:
تحركت المملكة إثر الغزو العراقي الغاشم للكويت في 2 أغسطس
1990م/1410هـ في اتجاهين أساسيين ، هما العمل الدبلوماسي لدفع العراق على سحب قواته من
الكويت، " فقد بادر خادم الحرمين الشريفين بالاتصال بالقيادة العراقية
وبالقيادات العربية الأخرى، وظهرت فكرة عقد مؤتمر قمة عربي مصغر في جدة للبحث عن
مخرج دبلوماسي لرحيل القوات العراقية عن الكويت، كما شاركت المملكة في مؤتمر القمة
العربي المنعقد في القاهرة للبحث عن صيغة سياسية لحل الأزمة ، وبعد تأكد نية
العراق العدوانية ولا سيما بعد حضور نائب الرئيس العراقي عزت إبراهيم إلى جدة
وتأكيده بأنَّ ضم الكويت هو قرار لارجعة فيه تحركت المملكة من أجل حشد قواتها
لحماية أراضيها وأراضي باقي دول الخليج العربية من احتمال اعتداء عراقي ، ولا سيما
بعد أن بدا واضحًا أن القوات العراقية تتحرك نحو الأراضي السعودية برغم تأكيدات
القيادة العراقية، وفي هذا الإطار استضافت المملكة القيادة الكويتية والشعب
الكويتي الذي أجبر على مغادرة بلاده في أراضيها، ووفرت لهم التسهيلات اللازمة لممارسة
أعمال الشرعية الكويتية ووسائل العيش الكريم مؤقتًا لحين عودتهم لأراضيهم، وبذلك
وفرت المملكة ملجأ أساسيًّا للكويتيين مكَّنهم من إعادة تنظيم صفوفهم.
أمَّا الاتجاه الثاني فكان هو العمل العسكري لتحرير
الكويت، فقد استعانت المملكة بقوات من بعض الدول العربية وبعض الدول الصديقة
المعارضة للغزو العراقي لردع احتمال العدوان العراقي، وشاركت في كل الجهود
السياسية في إطار الأمم المتحدة وجامعة الدول العربية من أجل حث القيادة العراقية
على الانسحاب من الكويت ، ولما بدا واضحًا إصرار القيادة العراقية على تجاهل
القرارات الدولية الصادرة من مجلس الأمن وفرت المملكة القاعدة التي انطلقت منها
عمليات تحرير الكويت بجانب مشاركة قواتها الفعالة في تلك العمليات ، وكانت القوات
السعودية في مقدمة القوات التي حررت الكويت في فبراير 1991م (69).
3– خدمة الإسلام والمسلمين في جميع أنحاء العالم:
شكل ذلك المجـــال أحــد المظاهر الهامة لمبدأ
التضامن الإسلامي الذي تؤمن به المملكة ، وذلك عبر العديــد من القنــوات التي تصب
جميعها في خانة تلك الخدمة التي دأبت المملكة على تقديمهــــا للإسلام والمسلمين
في جميـــع أنحاء العالم منذ عهد القائد المؤسس الملك عبدالعزيز ، رحمه الله .
وأهم تلك القنوات :
أ– المؤتمرات والمنظمات الإسلامية:
الحج مؤتمر إسلامي : استطاع الملك عبد العزيز – رحمه الله – وأبناؤه من بعده ترسيخ مفهوم
جديد لالتقاء المسلمين في الرحاب الطاهرة في موسم الحج كل عام ، يقوم على أساس
التضامن الإسلامي ، فقد كان جلالته يلتقي بعلماء الأقطار الإسلامية، ويناقش معهم
هموم وقضايا العالم الإسلامي " مثل الشيخ عبدالمجيد سليم شيخ الأزهر، والشيخ
محمد رشيد رضا صاحب المنار، والشيخ محمود شكري الآلوسي من العراق، والشيخ محمد
الفقي من مصر، والشيخ بهجت البيطار من الشام، وأمير البيان شكيب أرسلان من لبنان
وغيرهم"(70).
وقد ظلت تلك العادة سنة حميدة ، تحرص القيادة
السعودية على اتباعها في موسم الحج كل عام.
ويمكن القول : إن علاقات الملك عبد العزيز بالعالم
الإسلامي " لم تبدأ من خلال القنوات الدبلوماسية الحديثة التي تعني إيفاد
الرسل والسفراء واستقبال الوفود والسفراء، وإنَّما حرص على أن تكون علاقاته مع
الأمة الإسلامية من خلال أكبر تجمع إسلامي عالمي يتم كل عام خلال موسم الحج، وقد
كان هؤلاء الحجيج هم سفراؤه الحقيقيون ورسله إلى شعوبهم "(71).
وقد عبر عن هذا المضمون الملك فيصل بن عبدالعزيز
–يرحمه الله– بقوله: " إن بالإمكان استغلال هذه الفرصة فرصة الحج بأن يتقدم
منكم نخبة من المسلمين، ويجتمعوا كل عام ؛ ليتدارسوا أمر المسلمين في مشارق الأرض
ومغاربها، ولينظروا ماذا يجب على المسلمين أن يفعلوه، سواءً في علاقاتهم بين بعضهم
بعضًا، أو في علاقاتهم مع غيرهم . وأنا لا أقول بأنه يجب على كل مسلم في بلد
يواطنه فيه غير مسلمين أن يثوروا أو يحدث اضطراب ، فدين الإسلام لم يدع إلى ذلك ،
وإنما دعا إلى الدعوة والحكمة والعمل والحق ، فاتقوا الله ما استطعتم "(72).
المؤتمر الإسلامي الأول بمكة المكرمة:
ليس غريبًا على البلد الذي ظل هاجسه الرئيس الارتقاء
بالأمة الإسلامية وإعلاء كلمة التوحيد منذ قرابة السبعين عامًا انطلاقًا من شعور
قائدها المؤسس الملك عبدالعزيز بمسؤولياته الدينية أن يكرس جل جهوده وإمكاناته في
دعم التضامن الإسلامي وتحقيق وحدة الصف الإسلامي، وأن يكون رائدًا في هذا المجال ،
ويؤكد ذلك أن أول دعوة لعقد قمة إسلامية في عصرنا الحديث انطلقت من المملكة قبل
نحو خمسة وسبعين عامًا وتحديدًا يوم الاثنين 26 ذي القعدة 1344هـ/7 يونيو 1926هـ
حينما دعا الملك عبدالعزيز– رحمه الله– إلى عقد مؤتمر إسلامي في رحاب مكة المكرمة
بحضور العديد من الوفود الإسلامية ؛ لتكون تلك الدعوة بمثابة الانطلاقة الحقيقية
للعمل الإسلامي المشترك وأسس التنظيم الإسلامي الدولي الحديث الذي تحوَّل فيما بعد
إلى منظمة المؤتمر الإسلامي التي كانت المملكة أيضاً رائدة في العمل على إنشائها
ودعمها ، وقد حضر المؤتمر وفود من الهند ومصر وجاوا وفلسطين ولبنان وسوريا وروسيا
وتركستان وأفغانستان واليمن والسودان إلى جانب وفود من نجد والحجاز وعسير(73).
وقد اختتم المؤتمر جلساته الثماني عشرة التي استمر
انعقادها ثلاثين يومًا في 26 ذي الحجة 1344هـ / 7يوليو 1926م بمجموعة من القرارات
" كان نصيبها الإهمال من العالم الإسلامي، حيث لم يدخل منها في حيز التنفيذ
إلا القليل ، وكان كل ما نفذ هو الذي أوكلت مهام تنفيذه إلى الحكومة الحجازية،
وكانت هذه قد قامت بتنفيذه حرصًا على توفير الأمن والعمل على راحة الحجاج بتوفير
الوسائل الصحية والمواصلات في حدود إمكانيات الدولة في ذلك الوقت "(74).
وقد تمخضت عن هذا المؤتمر النتائج الآتية (75):
– كسب الاعتراف من جانب العالم الإسلامي بعبد
العزيز ملكًا على الحجاز ، وقد اتضح هذا الاعتراف في خطب أعضاء الوفود التي تضمنت
عبارات الإجلال والشكر للملك عبد العزيز.
– أتاحت
إثارة مسألة التسامح الديني الفرصة في إظهار الصورة الحقيقية للدعوة السلفية.
– شكل انعقاد المؤتمر فرصة لتوحيد كلمة المسلمين
نحو معنى جديد، وإن كان هذا المعنى روحانيًا إلا أنَّ الأهميّة تأتي في اجتماع تلك
الكلمة بعد طول فرقة في شمل المسلمين.
ومن قرارات المؤتمر التي كان لها أثر بالغ وصدى
إيجابي ذلك القرار الذي ينص على ألا يقاتل المسلم المسلم ، وقد دارت حوله أبحاث
جمة أصولية شرعية فقهية، وذلك بغرض " أن يبلغ الجنود المسلمين في الجيش
الفرنسي الذي كان يقاتل الثورة السورية ومجاهديها الأبطال، فقد طبع ووزع بطرق جيدة
على الجنود المسلمين، ومن التوفيق أن كان له مفعول حَسن من حُسن الاستجابة له
وتنفيذ معناه وفحواه بطرق مختلفة، منها الفرار من الجيش الفرنسي والالتجاء إلى
بيوت ومعاهد وجمعيات رتبت الأمور معها سلفاً "(76).
المؤتمر الإسلامي لمكافحة العلمانية:
تبنـــت الحكومة السعودية هذا المؤتمر الذي عقد في
مكة المكرمة في ذي الحجة 1381هـ/1962م لمناقشة سبل مكافحة العلمانية في العالم
العربي والإسلامي، "وحضر المؤتمر مندوبون حكوميون وغير حكوميين من البلدان
الإسلامية، ورغم أن المؤتمر لم يحصل على دعم رسمي من كل البلدان الإسلامية فإن
عددًا أكبر من ممثلي الحكومات شاركوا في هذا المؤتمر الذي تمخض عنه إنشاء رابطة
العالم الإسلامي التي كان هدفها الأساس نشاطات نشر الإسلام "(77).
وقد تقرر أن تكون مكة المكرمة مقرًّا دائمًا لتلك
الرابطة ؛ " لترعى بذرة التضامن الإسلامي ، وتبلغ رسالة الإسلام ، وتنشرها في
أنحاء المعمورة "(78).
مؤتمر الرباط :
دعا الملك فيصل بن عبد العزيز إلى عقد هذه القمة
الإسلامية على إثر إقدام الصهاينة على جريمة إحراق المسجد الأقصى المبارك في 1389هـ/1969م.
ومن أهم القرارات التي تمخضت عن هذه القمة ذلك القرار
الذي يدعو إلى عقد مؤتمر لوزراء خارجية البلدان المشاركة في المؤتمر" لمناقشة
نتيجة مؤتمر القمة وإنشاء أمانة دائمة لتعزيز التعاون بين الدول الأعضاء " (79)، وقد انعقد ذلك المؤتمر لوزراء الخارجية
وأصدر العديد من القرارات الهامة من " إنشاء الأمانة العامة الإسلامية التي
كلف بها فيما بعد الأمير تنكو عبد الرحمن رئيس وزراء ماليزيا، وحددت مهمة الأمانة
بالعمل على إنقاذ الأماكن المقدسة، وأعلن أن المقر المؤقـــت لها هو جدة حتى يتم
تحرير القــدس". (80)
وقد توالى عقد مؤتمرات القمة الإسلامية التي شكلت
آلية للعمل الإسلامي الموحد وللتصدي لمشكلات المسلمين وهموم قضاياهم والعمل على
حلها ، وظلت المملكة تواصل جهودها في سبيل إنجاح تلك المؤتمرات وتفعيل أدائها خدمة
للإسلام والمسلمين في جميع أنحاء العالم ، وكان آخرها مؤتمر القمة الإسلامي الثامن
الذي عقد في طهران في شهر شعبان 1418هـ/ 1997م ، وحضره صاحب السمو الملكي الأمير
عبد الله بن عبدالعزيز ولي العهد ونائب رئيس مجلس الوزراء ورئيس الحرس الوطني ،
وقد عد المؤتمر علامة بارزة في مسيرة التضامن الإسلامي وما تضطلع به المملكة من
مسؤوليات وما تحمله من رسالة سامية في سبيل تحقيق التضامن الإسلامي.
المنظمات والمؤسسات المنبثقة عن منظمة المؤتمر
الإسلامي :
يمكن القول : إن منظمة المؤتمر الإسلامي تجلَّت في
شكلها النهائي عبر مكوناتها الأربعة الآتية:
– مؤتمر ملوك ورؤساء الدول والحكومات.
– مؤتمر وزراء الخارجية.
– الأمانة العامة والأجهزة المتفرعة عنها.
– محكمة العدل الإسلامية الدولية ، إلى جانب العديد
من اللجان والمؤسسات والمنظمات التي أنشئت ضمن إطار المنظمة الأم(81).
ومن أهم هذه اللجان والمؤسسات : لجنة القدس – صندوق
القدس – صندوق التضامن الإسلامي – البنك الإسلامي للتنمية – وكالة الأنباء
الإسلامية – منظمة إذاعات الدول الإسلامية– المنظمة الإسلامية للتربية
والعلوم والثقافة – منظمة العواصم
الإسلامية .
والجدير بالذكر أنَّ المملكة تقدِّم دعمًا سخيًّا
للمنظمات الإسلامية لمساعدتها على القيام بأعمالها على أكمل وجه ، وقد قدمت
المملكة لمنظمة المؤتمر الإسلامي منذ تأسيسها حتى عام 1413هـ/1993م
(3.929.000.000) ريال عبر الأمانة العامة وأجهزتها ، وتمثل مساهمات المملكة عشرة في المائة
من ميزانية المنظمة، فضلا عن تقديم تبرعات طوعية شملت أنشطتها المختلفة بلغت حوالي
875 مليون ريالا ، إضافة إلى دعم المملكة لرابطة العالم الإسلامي التي شهدت
توسُّعا ملحوظًا في أنشطتها وتعدد هيئاتها في عهد خادم الحرمين الشريفين ، وتعد
المملكة الدولة الأولى في العالم من حيث نسبة ما تقدمه من مساعدات تنمية إلى
إجمالي الناتج من خلال القنوات الثنائية والإقليمية والدولية بلغت 70.6 مليار ريال
استفادت منها 72 دولة في شتى أنحاء العالم، كما قامـــت المملكة بإلغاء ديون رسمية مستحقة لها على عدد من الدول بقيمة
6 مليارات دولار استجابة لدعوة منظمة المؤتمر الإسلامي خلال القمة السادسة لها في
داكار عام 1412هـ/1992م(82).
ب– إنشاء المساجد والمراكز الإسلامية والمدارس في شتى
أنحاء العالم :
عملت المملكة على بناء جسور التعاون مع الدول
الإسلامية والجاليات الإسلامية في جميع أنحاء العالم ، ونشر الدعوة والثقافة
الإسلامية والتعليم في تلك البقاع من خلال إنشاء المساجد والمراكز الإسلامية التي
بلغت " أكثر من 210 مركز إسلامي وحوالي 1400 مسجد و 1000 مدرسة في جميع أنحاء
العالم ، ومن أكبر هذه المراكز والمساجد في آسيا مسجد الملك فيصل في إسلام أباد
الذي بدأ تنفيذه عام 1396هـ/1976م ، وبعد عامين بدأ إنشاء الجامعة الإسلامية
الملحقة به ومعهـــد البحوث ، ومسجـــد الملك فيصل بالشارقة، ومركز الملك فهد
الإسلامي في جزر المالديف، ومسجد خورفكان في دبي ، ومسجد أم الحصن في البحرين،
والمراكز الإسلامية في طوكيو، والمركز الإسلامي الإندونيسي السعودي للدراسات
والتنمية الإسلامية وثلاثة مساجد في الصين(83).
وفي أفريقيا هناك مسجد الملك فيصل في نجامينا بتشاد ،
ومسجد ومركز الملك فيصل في كوناكري بغينيا، ومسجد بنانجول في جامبيا ، ومسجد
باوندي في الكاميرون وغيرها.
وفي أوروبا مراكز إسلامية في بروكسل وجنيف ومدريد
وجبل طارق ولندن وزغرب ولشبونة وفينا، وفي الولايات المتحدة هناك المركز الإسلامي
بواشنطن ، والمركز الإسلامي في نيويورك، ومسجد عمر بن الخطاب في لوس أنجلوس ،
ومسجد فرزنو بولاية كليفورنيا ، والمركز الإسلامي في بولدر بولاية كلورادو،
والمركز الإسلامي بولاية ميزوري وميري لاند وشيكاغو وأوهايو وإيست لانسنج وفي لوس
أنجلوس وشمال فرجينيا وغيرها .
ويعد المركز الإسلامي ومسجد الملك فهد في أدنبرة
بأوسكتلندا من أحدث ما تم إنجازه من تلك الصروح التي أصبحت منتشرة في جميع أنحاء
العالم كمنارات للهدى وشواهد على جهود هذه البلاد وقادتها في سبيل نشر الدين
الإسلامي الحنيف.
وقد بذلت المملكة جهودًا كبيرة في إقامة المدارس
الإسلامية في الخارج ، ولا سيما في القارة الإفريقية ؛ لكون هذه القارة الأكثر
تعرضًا لأخطار الحملات التنصيرية والتبشيرية ، وقد أقيمت تلك المدارس بالتبرع
الكامل من الحكومة السعودية أو بالتعاون مع الحكومات في الدول الإسلامية الأفريقية
، وقد اتحدت الجهود السعودية مع الدول الإسلامية في مجال العقيدة الإسلامية واللغة
العربية بهدف نشر اللغة العربية والمعرفة الصحيحة للعقيدة الإسلامية في العالم
الإسلامي(84).
جـ ـ دعم الأقليات المسلمة:
ظلت المملكة تبدي حرصها الشديد وجهدها الكبير فيما
يتعلق بمناصرة أفراد الجاليات الإسلامية في شتى أرجاء العالم سواءً على صعيد دعمهم
ومناصرتهم ، أم على صعيد تقديم شتى أنواع الدعم المادي والمعنوي لهم ؛ لكونها
رائدة في مجال التضامن الإسلامي ، وقيِّمة على الحرمين الشريفين.
ويتمثل هذا الدعم في العديد من الأوجه والمجالات ؛
" فإلى جانب إنشاء المساجد والمراكز الإسلامية والمعاهد والمدارس لأبناء هذه
الجاليات تقوم المملكة بتقديم المنح الدراسية في جامعاتها ومعاهدها لأبناء تلك
الجاليات، وإيفاد عدد كبير من المعلمين السعوديين لتدريس أبناء المسلمين العلوم
الشرعية واللغة العربية، بالإضافة إلى دعم المكتبات الإسلامية في مختلف أرجاء
العالم بالكتب والمراجع، وتوزيع المزيد من كتب التراث الإسلامي والكتب التي تعالج
قضايا الأقليات والجاليات، وإيفاد الأئمة والدعاة، ومساعدة وإغاثة أبناء هذه
الجاليات في مواجهة الكوارث والنكبات من حروب وغيرها ، كذلك نظمت المملكة العديد
من المؤتمرات والندوات التي تخدم قضاياهم وتساهم في حل مشكلاتهم(85).
د– إنشاء الكراسي العلمية السعودية في الجامعات
العالمية الشهيرة: أولت المملكة هذا الموضوع أهمية كبرى ، ولا سيما في ظل حملات التشويه
التي تستهدف الإسلام والمسلمين ، والتي تروج لها أبواق الدعاية الصهيونية ، وتسخر
لها كافة الوسائل الإعلامية ، ومن هذا المنطلق قامت المملكة بإنشاء العديد من
الكراسي العلمية في أشهر وأكبر جامعات العالم ، ووصل هذا التوجه إلى ذروته في عهد
خادم الحرمين الشريفين ، ومن هذه الكراسي (86):
§
كرسي خادم الحرمين الشريفين بجامعة
كليفورنيا (1404هـ/1984م).
§
كرسي خادم الحرمين الشريفين بجامعة هار
فارد (1413هـ/1993م).
§
كرسي خادم الحرمين الشريفين في جامعة
لندن (1414هـ/1995م).
§
كرسي الأمير نايف بجامعة موسكو
(1416هـ/1996م).
هـ– إنشاء
الأكاديميات الإسلامية العلمية :
إضافة إلى ما سبق عملت المملكة على إنشاء سلسلة من
الأكاديميات الإسلامية العلمية في العديد من مناطق العالم حرصًا على أن يتلقى
أبناء الجالية السعودية وأبناء الدبلوماسيين والمبتعثين السعوديين بصفة خاصة
والجاليات العربية والإسلامية بصفة عامة تعليمهم في الخارج في إطار من الدين
الإسلامي الصحيح ، ومن أشهر تلك الأكاديميات:
§
الأكاديمية السعودية بواشنطن.
§
أكاديمية الملك فهد في لندن
(1405هـ/1985م).
§
أكاديمية الملك فهد في بون
(1416هـ/1996م).
§
أكاديمية الملك فهد في موسكو
(1413هـ/1993م).
و – إنشاء
مكاتب الدعوة والإرشاد :
أولت المملكة جهوداً كبيرة في مجال الدعوة والإرشاد
والإفتاء، فأنشأت رئاسة لها عام 1374هـ/1954م تحولت عام 1414هـ/1993م إلى وزارة
الشؤون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد للإشراف على المساجد والأوقاف وجهود
الدعاة والدعوة والإرشاد إلى دين الإسلام على الوجه الصحيح سواء داخل المملكة أو
خارجها(87).
ويناط بهذه الوزارة مسؤولية " التخطيط والإشراف
على تنفيذ ومتابعة كل ما يخص شؤون الدعوة لاعتماد برامجها وخططها وتحديد وسائلها
وتأهيل الدعاة وتوجيههم ومتابعتهم "(88).
رابعاً – القدس نقطة التجمع الإسلامي :
تنشأ هذه الفرضية " القدس نقطة التجمع
الإسلامي" بالنسبة للمملكة لكونها رائدة التضامن الإسلامي من تعامل المملكة
مع هذه القضية من خلال الحقيقتين الآتيتين :
1 – أن موقف المملكة من قضية القدس يشكل مرتكزًا
هامًا وأساسًا في السياسة السعودية منذ عهد الملك عبدالعزيز ، يرحمه الله .
2 – إيمان المملكة بالعمل الإسلامي الموحد كآلية
فاعلة في العمل على إنقاذ القدس من المخططات الصهيونية الرامية إلى تهويدها ،
ويتضح ذلك من خلال تبني المملكة لسياسة المنظمات والمؤتمرات الإسلامية التي كانت
رائدة في الدعوة إلى إنشائها لإنقاذ القدس بالدرجة الأولى وصيانة عروبتها
ومقدساتها.
وتعد قضية القدس بالنسبة للمملكة قضية مركزية "
نظرًا لما تشكله هذه المدينة بما تضمه من مقدسات إسلامية من أهمية خاصة بالنسبة
للمسلمين في جميع أنحاء المعمورة؛ فهي أولى القبلتين ، وبها المسجد الأقصى المبارك
ثالث الحرمين الشريفين ومسرى رسول الله عليه الصلاة والسلام "(89).
والرباط الذي يجمع بين مكة المكرمة وبين القدس الشريف
رباط لا يمكن فصامه لقوله تعالى في مطلع سورة الإسراء: { سُبْحَانَ
الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِنْ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى
الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا
إِنَّه هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ}، فقد جعل الله تعالى بين هاتين البقعتين
المقدستين جسرًا روحيًّا لا تنفصم عراه(90).
والمملكة لا تنظر إلى قضية القدس على أنها قضية
منفصلة عن القضية الفلسطينية، ولكنها تعد القدس جوهر هذه القضية ومرتكزها الأساس ،
وأن أي حل للقضــية الفلسطينية لا يكفل لمدينة القدس وضعها السابق لحرب
1387هـ/1967م لا يدخل في نطاق ما ترتئيه من تصور للحل العادل والشامل للقضية
باعتبار القدس جزءًا لا يتجزأ من الأراضي العربية المحتلة في تلك الحرب، ويسري عليها
ما يسري على تلك الأراضي.
1 – موقف المملكة من قضية القدس:
ولسنــا في حاجة للتدليل على موقف المملكة العربية
السعودية إزاء القضية الفلسطينية منذ عهد الملك عبدالعزيز –رحمه الله – الذي عبر
عن نفسه بشكل واضح وقوي في جميع مراحل القضية بدءًا من ثورة 1355هـ/1936م وقرار تقسيم
فلسطين، والموقف الحازم من الملك عبدالعزيز إزاء العرض الذي حمله فيلبي (Philby)
إلى جلالته من الصهيــــوني د. وايزمــــن (Chaim Weizman)
بدفــــع عشريــــن مليــون جنيه لقـاء أن يغض جلالته الطرف عن النشاط الصهيوني في
فلسطين ، وهو العرض الذي سجل التاريــخ موقفًا حازمًا يحسب لجلالته، ثم الموقف
عندما اندلعت حرب 1367هـ/ 1948م، وشاركت فيها المملكة بتقديم الدعم المادي
والمعنوي إلى جانب المشاركة الفعلية في تلك الحرب التي أبلى فيها الجنود
والمتطوعون السعوديون بلاءً حسنًا ، وسقط منهم عشرات الشهداء – بإذن الله –
والجرحى.
وقد توثق موقف الملك عبدالعزيز إزاء هذه القضية بشكل
يقطع على أي جهة أي مجال للتشكيك أو المزايدة ، ويستطيع أي باحث الرجوع إلى تحقيق
مجلة " لايف " مع الملك عبدالعزيز في 1363هـ/31 مايو 1943م وإلى وقائع
اجتماع الملك عبدالعزيز بالرئيس الأمريكي فرانكلين روزفلت (Franklin Roosevelt)
في البحيرات المرة على ظهر الطراد كوينسي واجتماعه مع رئيس الوزراء البريطاني
ونستون تشرشل (Winston
Churchill) بعد ذلك في الفيوم في فندق
الأوبرج، وكذا الرسائل المتبادلـــة بينه –رحمه الله – وبين روزفلـــت وترومان (Harry Truman)
وتشرشل بهذا الشــــأن، وأيضًا في مرافعـــات الأمير فيصل – آنذاك – في الأمم
المتحدة دفاعًا عن قضية فلسطين عام 1366هـ/1947م ، وقد بدأت قضية فلسطين تفرض
نفسها على الساحة إثر العدوان الإسرائيلي الغادر على الأمة العربية في
1387هـ/1967م بعد أن سقطت القدس أسيرة في يد الصهاينة الذين سعوا إلى تهويدها منذ
اللحظات الأولى من الاحتلال.
وقد صعدت قضية القدس إلى أولويات اهتمام العالم
الإسلامي عامة واهتمام المملكة خاصة بعد إعلان إسرائيل القدس عاصمة أبدية وموحدة لها،
وهو ما يتعارض مع القرارات الدولية واتفاقية جنيف الرابعة وغير ذلك من القوانين
والمواثيق والأعراف الدولية.
وقد اضطلعت المملكة بجهود دبلوماسية مكثفة على مختلف
الأصعدة من أجل الحفاظ على عروبة القدس بالتعاون مع الدول الإسلامية حتى صدور قرار
مجلس الأمن الدولي رقم 478 في عام 1400هـ/1980م الذي طالب جميع الدول التي أقامت
بعثات دبلوماسية في القدس بسحبها فوراً (91).
ونتيجة لذلك " سحبت ثماني بلدان مكاتبها
الدبلوماسية من القدس ، كما أن بلداناً كثيرة لم تنقل مكاتبها إلى القدس "(92).
وقد حظيت مدينة القدس باهتمام بالغ من خادم الحرمين
الشريفين الملك فهد بن عبدالعزيز آل سعود الذي عبر عن ذلك بقوله في إحدى المناسبات
الإسلامية: " إن قضية فلسطين ووضع الأراضي المحتلة – وفي مقدمتها القدس – ما
زالا يحتلان جل اهتمامنا، ويستغرقان الكثير من جهودنا ومساعينا "(93).
وجسد خادم الحرمين الشريفين الملك فهد بن عبدالعزيز
ذلك التوجه عمليًّا حينما أصدر توجيهاته الكريمة في 1412هـ أبريل من عام 1992م بأن
تتحمل المملكة كل نفقات إصلاح وترميم الأماكن المقدسة بمدينة القدس المحتلة، وفي
تبرعه في المؤتمر الحادي والعشرين لوزراء خارجية الدول الأعضاء في منظمة المؤتمر
الإسلامي المنعقد في كراتشي في 1413هـ/أبريل عام 1993م بمبلغ عشرة ملايين دولار
لدعم صندوق القدس، وفي تسيير حملة تبرعات شعبية على مستوى جميع مناطق المملكة
لأغراض إعمار وإنقاذ الأماكن المقدسة في القدس الشريف تنفيذًا لتوجيهاته التي صدرت
في 1414هـ /أبريل 1994م(94).
2 – إيمان المملكة بالعمل الإسلامي الموحد لإنقاذ
القدس :
وقد كانت القدس أحد الدوافع القوية والأسباب الرئيسة
التي أدت إلى تبني آلية المؤتمرات الإسلامية وسيلة لجمع كلمة المسلمين وتوحيد
صفوفهم من أجل درء الأخطار المهددة لعروبة القدس ومقدساتها.
ولا ننسى أن المؤتمر الإسلامي العالمي الذي عقد في
القدس في 1350هـ/1931م إنما كان بهدف الدفاع عن عروبة القدس والتصدي لمحاولات
تهويدها التي بدأت بمحاولة تهويد حائط البراق عام 1348هـ/1929م.
وينبغي التذكير هنا بأن المؤتمر كانت جذوره مؤتمر مكة
الإسلامي الذي عقد عام 1345هـ/1926م.
وقد صدر عن مؤتمر القدس عدة قرارات ، من أهمها(95):
1 – صيانة مكان البراق الشريف من العدوان اليهودي.
2 – إنشاء جامعة إسلامية في القدس باسم جامعة المسجد
الأقصى.
3 – تخليص سكة حديد الحجاز – وهي وقف إسلامي – من
السيطرة الأجنبية الفرنسية البريطانية في سوريا والأردن وفلسطين.
4 – مشروع الدعوة والإرشاد على نطاق يشمل العالم
الإسلامي.
5 – طلب إلغاء التنصير البربري في المغرب، وكانت
الجمعيات التنصيرية تعمل تحت حماية فرنسا لتنصير البربر.
وبالرغم من فشل ذلك المؤتمر في تنفيذ ما صدر عنه من
قرارات وما دعا إليه من توصيات، إلا أن فكرة التضامن الإسلامي وكونها عملية
لمواجهة المحاولات الصهيونية لتهويد القدس ظلت تفرض نفسها باعتبارها مقومًا أساسًا
من مقومات العمل على تحرير القدس من براثن المحتل الغاصب ، وقد كان مؤتمر القمة
الإسلامي الطارئ في الرباط الذي دعا الملك فيصل إلى عقده على إثر المحاولات
الصهيونية بإحراق المسجد الأقصى عام 1389هـ/1969م البداية الحقيقية للعمل الإسلامي
الموحد في مواجهة الأخطار الصهيونية المتزايدة المهددة لعروبة القدس ومقدساتها.
فقد كانت قضية القدس وحريق المسجد الأقصى هو البند
الوحيد المطروح في جدول الأعمال، وظلت القدس تسجل في جدول أعمال منظمة المؤتمر
الإسلامي ومؤتمرات وزراء خارجية الدول الإسلامية منذ ذلك الوقت حتى الآن.
وقد نص ميثاق منظمة المؤتمر الإسلامي في الهدف الخامس
من أهدافه على " تنسيق العمل من أجل الحفاظ على سلامة الأماكن المقدسة وتحريرها
ودعم كفاح الشعب الفلسطيني ومساعدته على استرجاع حقوقه وتحرير أراضيه "(96).
وفي قراراتها حول هذا الموضوع وعبر مؤتمراتها
المتعاقبة عبرت منظمة المؤتمر الإسلامي ممثلة بأعضائها عن إيمانها بأن "
السلام العادل في المنطقة يمكن تحقيقه على أساس الانسحاب الإسرائيلي الكامل وغير
المشروط من كل الأراضي العربية والفلسطينية، واسترجاع الحقوق المشروعة للشعب
الفلسطيني بما في ذلك حقوق ممارسة السيادة فوق أرضه وموارده الوطنية بحرية، وإنشاء
دولته المستقلة في فلسطين وعاصمتها القدس"(97).
وقد وضعت منظمة المؤتمر الإسلامي ضمن إستراتيجيتها
لتحرير القدس وفلسطين إعلان الجهاد" كواجب على كل مسلم رجلا أو امرأة ، أمرت
به الشريعة الإسلامية ودعوة كل المسلمين الذين يعيشون داخل البلدان الإسلامية ،
وخارجها للقيام بهذا الواجب بمساهمة كل منهم طبقاً لقدراته في سبيل الله عز وجل
والأخوة الإسلامية والحق "(98).
ومن أجل الوفاء بالتزامها بالجهاد ولتساعد في تطبيق
إستراتيجيتها أنشأت المنظمة لجنة القدس المكونة من خمسة عشر عضوًا ، كما أقامت
صندوق القدس لتمويل النشاطات التي تقرها اللجنة(99).
الهوامـــش
(1) أكثر تعريفات كلمة الإستراتيجية قرباً
الى الشمول: " فن وعلم تحريك الطاقات بعد التخطيط لمجمل الإيجابيات المتيسرة لتوجيهها الى
الأهداف العليا للأمة" . انظر العميد أ. ح. محمد إبراهيم رحمو، أضواء حول
الإستراتيجية العسكرية للملك عبدالعزيز وحروبه، ص11.
(4)
نفسه.
(9)
مجلة " الدارة "، العدد الرابع، رجب 1406هـ/مارس 1986م.
(13)
د. محمد عبدالله السلمان، توحيد المملكة العربية السعودية، وأثره في الاستقرار الفكري والسياسي والاجتماعي، ص11 .
(18)
د. التركي، مصدر سابق، ص 109.
(23)
" الدارة "، مصدر
سابق .
(27)
المصدر السابق، ص 43.
(31)
" الدارة
"، مصدر سابق.
(35)
المصدر السابق، ص 97.
(43)
د. الصويغ، مصدر سابق، ص 59.
(50)
نفسه ، ص 1335–1336 .
(52)
المصدر السابق، ص 84.
(53)
نفسه ، ص 313.
(56)
نفسه ، ص 134.
(59)
نفسه ، ص 325.
(64)
نفسه ، ص 151.
(66)
نفسه.
(69)
د. الصويغ ، مصدر سابق ، ص 157–158.
(86)
المصدر السابق.
(90)
المصدر السابق .
(91)
جريدة " البلاد " ، العدد 15066 في 25/5/1418هـ– 26/9/1997م.
(94)
المصدر السابق.
(99)
نفسه، ص 126.
المصادر
والمراجع
§
د. إبراهيم عبده، إنسان الجزيرة،
القاهرة، مكتبة الآداب بالجماميز.
§
أحمد عسة، معجزة فوق الرمال، بيروت،
1965م.
§
د. أمين ساعاتي، التطور السياسي في
المملكة العربية السعودية، جدة، دار العمير للثقافة والنشر، 1407هـ/1987م.
§
د. بكر عمر العمري ود. وحيد حمزة هاشم،
السياسة الخارجية السعودية بين النظرية والتطبيق، جدة، 1410هـ/1990م.
§
خير الدين الزركلي، شبه الجزيرة العربية
في عهد الملك عبدالعزيز، بيروت، دار العلم للملايين، 1977م.
§
السيد عبدالحميد الخطيب، الإمام العادل، بطولته
– سر عظمته، القاهرة، شركة مكتبة ومطبعة مصطفى البابي الحلبي، 1360هـ/1951م.
§
عبدالرحمن بن عبدالعزيز العثمان، التجربة
السعودية، جدة، دار البيان العربي، 1418هـ/1997م.
§
د. عبدالعزيز بن حســــين الصويغ،
الإسلام في السياسة الخارجيــــة السعودية، الرياض، 1414هـ/1992م.
§
عبدالله بن حسين الموجان، الملك
عبدالعزيز آل سعود بين نصره الله ونصرة الله له، جدة، 1418هـ/1998م.
§ د. عبدالله بن عبدالمحسن التركي، الملك عبدالعزيز والمملكة العربية
السعودية، المنهج القويم في الفكر والعمل، القاهرة، الزهراء للإعلام العربي،
1409هـ/1989م.
§
عجـــــاج نويهـض، رجال من فلســـطين،
بيروت، منشــورات فلسطين المحتلة،1401هـ/1981م.
§
عرفان نظام الدين وعلي طاهر الدجاني،
القدس إيمان وجهاد، بيروت، ط (2)، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، 1987م.
§
محمد إبراهيم رحمو، أضواء حول
الإستراتيجية العسكرية للملك عبدالعزيز وحروبه، الرياض، دارة الملك عبدالعزيز،
1396هـ.
§
د. محمد عبدالقادر هنادي، جهود المملكة
العربية السعودية في خدمة الدعوة الإسلامية ماضيًا وحاضرًا، جدة، 1416هـ/1995م.
§
د. محمد عبدالله السلمان، توحيد المملكة
العربية السعودية وأثره في الاستقرار الفكري والسياسي والاجتماعي، جدة،
1416هـ/1996م.
§
محمد المانع، توحيد المملكة العربية
السعودية، ترجمة د. عبدالله صالح العثيمين، الدمام، 1401هـ.
§
محمد منـــير البديــــــوي، المتوكــــل
على الودود عبدالعزيز آل سعود، الرياض،1397هـ/1977م.
§
محمود حجازي، ملك وتاريخ، جدة، دار الأصفهاني
للطباعة، 1313هـ.
§ د. مديحة أحمد درويـــــش، تاريخ الدولة السعوديـــــة حتى الربـــع الأول
من القرن العشرين، ط (2)، جدة، دار الشروق للنشر والتوزيع والطباعة، 1413هـ/1993م.
§
نجدة فتحي صفوة، فيصل بن عبدالعزيز من
خلال أقواله وأعماله، بيروت، دار الكتاب الجديد، 1972م.
§
مجلة " الدارة "، العدد
الرابع، رجب 1406هـ/مارس 1986م.
§
" البلاد "، العدد 15066 في
25/5/1418هـ– 26/9/1997م.
§
" العالم الإســــلامي "،
العدد 1562 في 4 – 10 ربيـــــع الآخـــــر 1419هـ – 27 يوليـــــو – 2 أغسطس
1988م.