مقدمــة
:
بعث الله سبحانه وتعالى
رسوله محمد e بالرسالة الخاتمة دين
الإسلام الذي أخرج الله بها العرب خاصة والإنسانية عامة من دياجير الظلام إلى نور الإسلام
، ومن ذل الفرقة والتشتت إلى عز الوحدة والوئام ، وقد جمع الله به العرب
المتناحرين والمختلفين ، فكون منهم خير أمة أخرجت للناس ، تأمر بالمعروف ، وتنهى
عن المنكر وتؤمن بالله , فأصبحوا أمة واحدة بعد التفرق وقوة واحدة بعد التمزق ،
استطاعت أن ترتفع برسالة الإسلام ، وترفع بها الآخرين من وهاد الكفر والشتات إلى
قمم الإيمان والتضامن والوحدة التي امتن الله سبحانه وتعالى على رسوله e بتحقيقها له في قوله تعالى : {وَأَلَّفَ بَيْنَ
قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ
قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ } ([1]) .
وقد
ازدادت هذه الألفة قوة ورسوخا بانتشار الإسلام ودخول الناس فيه أفواجا، فكان من
مظاهر تضامن هذه الأمة الإسلامية ما سجله التاريخ في عصر الخلفاء الراشدين والدولة
الأموية والدولة العباسية وبعض الدول الإسلامية التي وجدت على مسرح الأحداث بعد
ذلك مما يعد سجلا حافلا بإنجازات المسلمين في مجال التضامن الإسلامي والوحدة
الإسلامية ، بالرغم من وجود عوامل الفرقة والشتات من اختلاف في العرق واللسان
والألوان وتباعد الأمكنة وسعي الأعداء الحثيث إلى تمزيق شمل الأمة الإسلامية طوال
تاريخها المديد ، حتى عندما نجحت بعض تلك المساعي في تمزيق شمل الأمة أو اغتصاب
بعض أطرافها لم تخل بقاع العالم الإسلامي من الأصوات التي تنادي بتفعيل التضامن
الإسلامي والوحدة للوقوف في وجه الأعداء .
وقد
نجحت كثير من تلك الجهود في إيقاظ الأمة ودحر أعدائها وإحياء روح التضامن في كثير
من أقطارها .
وقد
حفظ لنا التاريخ كثيرا من الأسماء اللامعة طوال تاريخ الأمة الإسلامية ممن كان لهم
الأثر البالغ في إذكاء روح التضامن الإسلامي وتذكير الأمة بأهميته كلما نابها خطب
أو اعتدى عليها عدو .
ويكفي
أن يذكر الباحث في هذا الصدد حركات الجهاد التي قادها علماء الأمة الإسلامية في
العصور المختلفة ودورها في حماية الأمة من اعتداءات المعتدين وأطماع الطامعين ،
ومما يذكر في هذا الصدد -
أيضاً - جهود صلاح الدين الأيوبي والظاهر
بيبرس وابن تيمية والعز بن عبدالســـــلام وغيرهم في القديم وجهود الشيخ محمد بن
عبد الوهاب وجمال الدين الأفغاني ومحمد عبده ومحمد إقبال في العصر الحديث وغيرهم
مما سيرد بعضه في صلب هذا البحث .
تعريف
التضامن الإسلامي :
التضامن
الإسلامي مفهوم موجود في نصوص الشريعة الإسلامية وإن كانت الكلمة لم ترد في
المصادر القديمة ، ولو نظرنا إلى جذر الكلمة "ضمن" لوجدناه يحمل معنى
الاستعداد لأن يؤدي شخص ما عجز آخر عن أدائه من دين ؛ أي بمعنى كفله([2]) .
أما
عندما تصبح الكلمة مزيدة على وزن تفاعل فإنها تحمل معنى الالتزام المتبادل من كلا
الطرفين بأن يعين أحدهم الآخر ويتحمل عنه ما لا يستطيع تحمله ، وهذا الالتزام قد
يكون بين القوي والضعيف أو قد يكون بين متكافئين ، وهذا المعنى هو أقرب إلى
مفهوم التضامن في العصر الحديث الذي يشبه
مفهوم التكافل .
وأما
مفهوم التضامن في العصر الحديث فهو "التزام من كل واحد من الأمة لبقيتها أن
يكون لهم بخيره وعلى الإسلام بسلاحه([3]) ، وهذا يعني
أن كل فرد من أفراد الأمة يسعى لما فيه خيرها وخير أفرادها ، ويحاول أن يصد عنها
السوء بكل ما أوتي من قوة ، كما أنه يقف معها بكل قدراته ضد أعدائها ، وهذا
التضامن هو بين أفراد الأمة فيما بينهم وبين الأمة بصفة عامة ممثلة في دولها
وحكوماتها المتعددة . ويعرف الشيخ مناع القطان مفهوم التضامن الإسلامي بين الدول
بقوله : " أن تتضافر جهود كل دولة إسلامية مع أخوتها بذلا وعطاء ومساندة
وحماية وتكافلا في وعاء الإسلام استجابة لما يتطلبه هذا الدين من أبنائه الذين
ينتمون إليه من حب وإخاء وتعاون ونصرة حتى تكون أمة الإسلام أمة واحدة "([4]) { إِنَّ هَذِهِ
أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِي }([5]) .
وهكذا
يظهر من المعنى اللغوي لكلمة التضامن وكذلك من تعاريفها المتعددة أن المقصود بالتضامن
الإسلامي هو التكافل بين الدول الإسلامية والتعاون على ما فيه مصلحتها ومصالح
شعوبها والوقوف صفا واحدا ضد كل ما يهدد الأمة الإسلامية من أخطار خارجية ، وهو
بهذا المفهوم ينطلق من طبيعة المؤمن وطبيعة الأمة المؤمنة التي هي طبيعة الوحدة
وطبيعة التكافل وطبيعة التضامن ، ولكنه التضامن في تحقيق الخير ودفع الشر كما يقول
الشيخ سيد قطب ، رحمه الله([6]) .
التأصيل
الشرعي لمفهوم التضامن الإسلامي :
الإسلام
دين التوحيد الذي يتطلب الوحدة من أتباعه والتضامن فيما بينهم لما فيه مصلحتهم في
الدنيا والآخرة ، وقد قرر الله سبحانه وتعالى أخوة المؤمنين التي تعني وحدة المصير
والتضامن المبني على صلة العقيدة التي ينبغي أن تكون أقوى من صلة الدم, قال تعالى : { إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ }([7]) ،
وقد أكد الله سبحانه وتعالى على أن هذه الأخوة تعني وحدة الأمة وتضامن أفرادها
بقوله تعالى : { وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً
وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ}([8]) ،
وقد حذر الله –جل شأنه – الأمة
الإسلامية من الفرقة، وأمرهم بالتمسك بحبل الله المتين بقوله تعالى : { وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ
جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا}([9]) ،
وقد قرر الرسول e في أول الدستور لدولة الإسلام في
المدينة المنورة أن " المؤمنين والمسلمين من قريش ويثرب ومن تبعهم فلحق بهم
وجاهد معهم أمة واحدة من دون الناس"
([10]).
وهذه
الدعوة إلى الوحدة والأمر بالاعتصام بمنهج الله والتحذير من الفرقة هي الأسس التي
قام عليها التضامن الإسلامي في القديم والحديث ، واستعمال القرآن لكلمة الاعتصام
يعطي معنى خاصا لأهمية التضامن ، وأنه هو الملجأ الذي يمكن أن يجنب الأمة الفرقة ،
ويحميها من أعدائها ، يقول الدكتور محمد الكتاني : " والاعتصام هو أحد
المفاهيم الأساسية التي قامت عليها دعوة القرآن باعتباره قاعدة لتحقيق الوحدة
الإسلامية المنشودة , ذلك أن الإسلام لا ينطلق من مبدأ التوحيد لينتهي إلى التوحيد
فقط ، وإنما ينطلق من التوحيد لينتهي إلى التوحيد بين المسلمين ، ومن أجل ذلك كانت
الدعوة الإسلامية دعوة دينية سياسية ؛ لأنها كانت دعوة إلى إقامة مجتمع العقيدة
الذي يحكم شريعة الإسلام في علاقاته ومعاملاته بغير استثناء"([11]) .
مستويات
التضامن الإسلامي ومجالاته :
ينبغي
أن يكون التضامن الإسلامي هو السمة الغالبة على الحياة الإسلامية انطلاقا من قوله
تعالى :{ وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ
وَالتَّقْوَى }([12]) وقوله
: { وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ
بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ }([13]) ؛
ولهذا نجد أن مفهوم التضامن الإسلامي يوجد على مستويات المجتمع المسلم كافة بدءا
بالأسرة وانتهاء بالدول الإسلامية وإن تباعدت مواقعها الجغرافية ؛ فعلى مستوى
الأسرة أمر الله بالتراحم والتواصل والتعاطف بين أفراد الأسرة الواحدة سواء كانت
كبيرة أو صغيرة ، ولم يكتف بذلك ، بل سن القوانين التي تحقق هذا التراحم والتواصل
من خلال صلة الرحم والتكافل والميراث وغير ذلك من الوسائل التي تؤكد هذا المعنى.
وعلى
مستوى الجماعة المسلمة أمر الله بالتضامن والتعاون على البر والتقوى في المجالات
النافعة كافة ، كما وضع لذلك الأسس والقواعد التي يمكن أن يتم عليها هذا التضامن ،
ومن هذا الباب جاء تنظيم الزكاة ودفع العاقلة للدية إذا كان القاتل لايستطيع
الوفاء وغير ذلك من مظاهر التضامن الجماعي في الإسلام .
وأما
مظاهر التضامن مع الدولة الإسلامية فتتمثل في إقامة الأحكام بالعدل وإشاعة الأمن
والطمأنينة للجميع ، كما تتمثل في الطاعة من قبل الرعية للحاكم المسلم إذا أطاع
الله وسار على النهج القويم ، هذا بين الدولة ورعاياها ، أما بين الدول الإسلامية
فهي مخاطبة بما خوطب به الأفراد والمجتمع المسلم من التعاون على البر والتقوى
وتولي المؤمنين ومناصرتهم انطلاقاً من مبدأ الأخوة الإسلامية ، وأن المؤمنين بعضهم
أولياء بعض([14]).
وأما
مجالات التضامن الإسلامي بين الدول الإسلامية فينبغي أن تشمل كل المجالات الحيوية
التي تحتاجها المجتمعات المسلمة في مجال الاقتصاد والتربية والتعليم والإعلام
والدفاع وغير ذلك مما يسهم في تكامل الدول الإسلامية وإغنائها عن الاستعانة بغير
المسلمين ، كما ينبغي أن يشمل التعاون مجالات تبادل الخبرات العلمية والفنية
والتكامل في المنتجات الصناعية والزراعية والتجارية ، فتقدم الدول الإسلامية على
بقية الدول في التعامل والتعاون .
ولا
شك أن المجتمعات المسلمة إذا استطاعت أن ترتفع إلى مستوى مثاليات الإسلام دعوته
تتضامن واتباع منهجه في التكامل ستصبح مثالا يحتذى وأنموذجاً جديراً بالدراسة
والتجريب من قبل غير المسلمين ممن يلفت نظرهم التجارب الرائدة والمناهج المفيدة
التي تحتاجها البشرية في حياتها على هذا الكوكب.
ملامح
التضامن الإسلامي :
التضامن
الإسلامي مفهوم واسع قد تختلف حول تحديده الأفهام ، فقد يكون شاملا من وجهة نظر
معينة ، وقد يكون محدوداً في مفهوم أخرى ، ولذا فقد يكون من المناسب أن أحدد في
هذه الدراسة المعالم الرئيسة للتضامن الإسلامي والمكونات الضرورية المطلوب توافرها
في أي دعوة للتضامن من قبل علماء المسلمين ومصلحيهم وقياداتهم.
وسوف
أكتفي بذكر الملامح الرئيسة للتضامن الإسلامي التي لا بد أن تجدها كلها أو بعضها
في الدعـــوات التي قامت لتحقيق التضامن الإسلامي بين المسلمين قديما وحديثاً :
1-
الدعوة إلى العودة إلى الإسلام
والالتزام بتعاليمه كافة : لقد أثبتت التجارب التاريخية أن ضعف المسلمين ينتج عن
ضعف التزامهم بالإسلام وعدم التمسك بتعاليمه العامة أو تأكيده على مفهوم التضامن
الإسلامي، ولذا تلاحظ أن كل من دعا إلى التضامن الإسلامي يؤكد على أهمية تطبيق
الشريعة الإسلامية في المجتمعات المسلمة.
2-
التذكير بالأخوة الإسلامية: من
المسلم به أن ضعف المسلمين وتفرقهم ووجود الفرقة والشحناء بينهم ينتج عن ضعف
الأخوة الإسلامية ، ولذا كان من أولويات إحياء التضامن الإسلامي التذكير بأهمية
الأخوة الإسلامية وما يترتب عليها من تعاون وتكافل.
3-
الوحدة الإسلامية: إن الوحدة
الإسلامية هي نتيجة طبعية لالتزام الأمة الإسلامية بمبدأ التوحيد ، ولذا فلا بد
للتضامن الإسلامي أن يركز على الوحدة الإسلامية، ويسعى إلى تحقيقها بكل الوسائل
المشروعة ، والوحدة الإسلامية هي العمود الفقري الذي يحمل التضامن الإسلامي ، ولذا
فلا بد من تقويتها والتذكير المستمر بأهميتها وإقامة المؤسسات والآليات اللازمة
لتفعيلها من قبل دعاة التضامن الإسلامي وحماته في العالم الإسلامي.
4-
الدعوة إلى نصرة المسلمين: من
أساسيات التضامن الإسلامي التي بينتها السنة المطهرة أن المسلمين يد واحدة على من
سواهم ؛ ولذا فإن نصرة المسلمين واجب على المسلمين جميعاً ، ولا بد من أن تتمثل
هذه النصرة في أعمال حقيقية سواء كانت عسكرية أو سياسية أو اقتصادية ، وهذه النصرة
تتأكد عندما تتعرض بلاد المسلمين إلى عدوان خارجي ؛ إذ يجب الوقوف في وجه العدو
المشترك وحماية مصالح المسلمين.
5-
الدعوة إلى التكامل بين الدول
الإسلامية: لا شك أن تكامل الدول الإسلامية في المجال السياسي والعسكري والاقتصادي
أمر على غاية الأهمية ، ومن نافلة القول أن تحقيق التكامل بين الدول الإسلامية
سيجعل التضامن الإسلامي حقيقة واقعة، ويحرر الدول الإسلامية من الاعتماد على الدول
غير الإسلامية في احتياجاتها الضرورية ، ولا شك أن هذا التحرر سيجعل الدول
الإسلامية مستقلة في قراراتها المصيرية ، ومن ثم لا ترضخ للضغوط الخارجية التي
تمارسها الدول ذات المصالح التي تتعارض مع المصلحة الإسلامية العامة.
6-
الدعوة إلى نبذ الجمود
والتقليد: يمر العالم الإسلامي بكثير من التحديات التي تفرض عليه البحث عن حلول
ناجعة لما يواجهه من قضايا فكرية وفقهية في المجالات كافة ، ولن يتسنى له ذلك إلا
بالتحرر من ربقة الجمود والتقليد الذي يكبل العقل المسلم ، ويجعله يعيش في الماضي
دون القدرة على التفاعل مع القضايا المعاصرة التي تفرزها الحياة الحديثة يومياً ،
ولذا فقد ارتفعت أصوات دعاة التضامن الإسلامي طوال التاريخ الإسلامي على ضرورة نبذ
التقليد وفتح باب الاجتهاد والخروج من ضيق الجمود الذي يحول بين العلماء وبين
اقتراح الحلول لما يستجد من قضايا في المجتمعات المسلمة.
7-
الدعوة إلى التحرر من النفوذ
الأجنبي : من أهم أهداف التضامن الإسلامي إخراج الدول والشعوب الإسلامية من نير
النفوذ الأجنبي بجميع أشكاله ، ولهذا نجد أن دعاة التضامن الإسلامي قد حرصوا على
تبيان مساوئ النفــوذ الخارجي في بلاد المسلمين ، وشددوا في الدعوة إلى التخلص من
هذا النفوذ ، وعدوا وجود هذا النفوذ مما يتعارض مع أبسط قواعد التضامن الإسلامي
واستقلالية القرار الإسلامي الذي عليه هذا التضامن.
أهمية
التضامن الإسلامي :
لا
يشك مسلم بأهمية التضامن الإسلامي لتأكيد دور الأمة الإسلامية ، بل إن التضامن
الإسلامي يعد حلماً لكثير من المهتمين بقضايا العالم الإسلامي ، ويعدونه الطريق
الطبيعي إلى تفعيل الوجود الإسلامي في هذا العصر، وهذا الاقتناع بأهمية التضامن
الإسلامي يتأكد عندما تستعرض تاريخ الأمة الإسلامية في عصورها الزاهرة.
لقد
تحققت وحدة العرب في الجزيرة العربية مع بعثة الرسول الكريم e ، فتم نشر الإسلام في العالم القديم في
زمن قياسي ، وأصبحت الأمة الإسلامية في عهد الرسول الكريم e وخلفائه الراشدين مثالاً رائعاً
للتضامن والوحدة.
ولقد
تعززت هذه الوحدة باتساع الفتوحات الإسلامية في زمن الدولة الأموية ، وآتت ثمارها
تقدماً معرفياً وعلمياً في المجالات كافة في عهد الدولة العباسية ؛ إذ شهدت الدولة
الإسلامية العظمى وازدهار الحضـــارة الإسلاميـــة في أنحاء المعمورة كافة بشكل لم
يشهد له التاريخ مثيلاً على الرغم من كثرة ما ازدهر من حضارات ووجد من دول.
ولقد
كانت مظاهر التضامن الإسلامي سائدة في ربوع الدولة الإسلامية من أقصاها إلى أقصاها
على جميع المستويات العلمية والعسكرية والسياسية والاقتصادية ، حتى أن الخليفة
العباسي هارون الرشيد قال مخاطباً سحابة محملة بالمطر : " أمطري حيث شئت ،
فإن خراجك سيصلني "([15]).
نتائج
غياب التضامن الإسلامي في التاريخ الإسلامي:
كان
التضامن الإسلامي والالتفاف المتحد حول كلمة التوحيد أهم أسباب النجاح الذي حققته
الأمة الإسلامية في عصورها الذهبية سواء كان ذلك في زمن الرسول الكريم e وخلفائه الراشدين أو في زمن الدولة الأموية الفتية ذات الفتوحات
الكثيرة أو في زمن الدولة العباسية عندما نضجت الحضارة الإسلامية ، وتعددت المعارف
المبنية على الوحي ، وظهرت العبقرية الإسلامية في جميع الميادين العلمية والأدبية
والإدارية والسلوكية وغيرها .
وعلى
الرغم من تباعد أطراف الدولة الإسلامية في كافة بقاع الأرض المعروفة في ذلك الوقت
فإن القيادة المركزية واحدة والأهداف واحدة ، والرسالة واحدة ، والآمال واحدة في
جميع الولايات الإسلامية دون إلغاء أي خصوصية لشعب من شعوب الدولة، وبهذا كان مظهر
التضامن الإسلامي هو أوضح المظاهر ، ليس فقط وقت الحاجة أو خلال مواسم الحج ،
وإنما على طول العام ، وقد انعكس ذلك على جيران الدولة الإسلامية الذين تأثروا بما
رأوا فيها من تقدم واستقرار وحدة بين شعوبها المتعددة الأجناس ، فاستفادوا من
المعطيات الإسلامية في كثير من بقاع الأرض سواء كان ذلك في أوربا أو آسيا أو
أفريقيا حيث كانت الدولة الإسلامية صاحبة السلطة في معظم بقاع العالم القديم
والحضارة الإسلامية مصدر الإلهام والتأثير الإيجابي الوحيد في العصور الوسطى.
بمرور الزمن وبسبب تباعد المسافات بين أجزاء الدولة الإسلامية
وبسبب انتشار بعض العصبيات غير الإسلامية وظهور بعض الخلافات الداخلية في الدولة
الإسلامية وبروز بعض النزعات الاستقلالية بين بعض البيوتات ذات الأطماع الانفصالية
والأحقاد التاريخية بدأت تضعف مظاهر التضامن الإسلامي في الدولة الإسلامية ، وحل
محلها في كثير من البقاع دعوات ذات أهداف خاصة تريد تمزيق جسم الدولة الإسلامية
المترامية الأطراف([16]) ،
هذا بالإضافة إلى تحرك بعض الدول التي قهرتها الدولة الإسلامية ، ورغبت قيادة تلك
الدول في الثأر لما حل لأسرهم الحاكمة من جراء استيلاء الدولة على الحكم في
مناطقهم ، وهكذا تحرك التتار والمغول في الشرق والصليبيون في المغرب ، وانتعشت
أحلام بعض المتربصين بالدولة الإسلامية الكبرى ، فأخذوا يكيدون لها في الخارج
والداخل مستعينين ببعض أفراد الدولة الإسلامية ممن لم تؤمن قلوبهم ولم تصفُ
سرائرهم من أفراد الطابور الخامس في المجتمع المسلم مثل ابن العلقمي وغيره . وبضعف
التضامن الإسلامي لم تستطع الدولة الإسلامية أن تواجه التحديات المتعددة التي ظهرت
في القرن السادس والسابع الهجريين ، ونتج عن ذلك تطورت مهمة في تاريخ الأمة
الإسلامية ، أذكرها مختصرة فيما يأتي:
1- تمزق الدولة الإسلامية والقضاء على الخلافة العباسية: تعرض
العالم الإسلامي لسلسلة من الغزوات من الشرق والغرب قضت على ما بقي من قوة في
الدولة الإسلامية ، وقد شجع ذلك بعض الأمراء على الاستقلال في المناطق التي كانت
تحت حكمهم.
2- الحروب الصليبية: مني العالم الإسلامي بموجات من الغزو العاتي
التي حاولت أن تقضي عليه وتمحو أثره من وجه البسيطة والتاريخ العام ، وكانت الفرص
التي استغلتها تلك الهجمات هي مناسبات تمزق الدولة الإسلامية وضعف التضامن
الإسلامي بين أجزائها ، فقد نجحت الحروب الصليبية في الاستيلاء على بيت المقدس
وعدد من المدن المهمة في قلب العالم الإسلامي ، وكما نجحت هذه الهجمات في اختراق
الدولة الإسلامية أثناء غياب التضامن الإسلامي فإنها ردت على أدبارها خاسرة من
خلال تفعيل التضامن الإسلامي واستنفار الشعوب المسلمة وتعريفها بالخطر القادم ،
وقد كانت النتيجة لصد هذه الهجمات إنقاذ الحضارة البشرية من التتار وإنقاذ الدولة
الإسلامية من الهجمة الصليبية الحاقدة التي أرادت أن تقضي على الدولة الإسلامية في
حوض البحر الأبيض المتوسط.
وقد توالت ضربات الأعداء على الحضارة الإسلامية من الشرق
والغرب وعلى مدد متقاربة أو متباعدة ، فكان أهم الهجمات التي زعزعت العالم
الإسلامي هي هجمة التتار من الشرق الذين قضوا على الخلافة العباسية ، وقد كانت هذه
الهجمة ضربة مؤلمة للحضارة الإسلامية ، ولو نجح التتار في اجتياح العالم لقضوا على
الحضارة الإنسانية أو أخروها عدة قرون على الأقل.
3- ضياع الأندلس وبعض المناطق الإسلامية الأخرى: لقد كان من
نتائج غياب التضامن الإسلامي أن تكالب الأعداء على الدولة الإسلامية في الأندلس
حتى مزقوها إلى دويلات صغيرة متناحرة ، ثم قضوا على تلك الدويلات واحدة تلو الأخرى
حتى كان آخرها دولة بني الأحمر التي أخرج آخر ملوكها من الأندلس صاغراً ذليلاً ،
وقد تبع ذلك إخراج المسلمين من الأندلس أو إجبارهم على اعتناق النصرانية أو قتلهم
بحيث أصبح الإسلام في الأندلس أثراً بعد عين
، وقد انتزعت مناطق أخرى في أرجاء من الدولة الإسلامية ، ووقعت تحت سلطة
دول غير إسلامية في آسيا وأفريقيا وبعض جزر البحر الأبيض المتوسط.
4- لقد كان من نتائج غياب التضامن الإسلامي أن تمزقت الأمة
الإسلامية وطمع فيها الأعداء في كل مكان: وقد أدى ذلك إلى وقوع فلسطين تحت
الاستعمار البريطاني ثم تسليمها لليهود ؛ لتكون وطناً قومياً لهم ، كما تمزقت
الدولة الإسلامية في الهند ، واستولى غير المسلمين عليها ، وأصبح المسلمون تحت
الحكم غير الإسلامي ، وأوجد ذلك ما يعرف الآن بأكبر أقلية مسلمة في العالم تفوق في
عددها تعداد كثير من سكان البلدان الإسلامية ، وأعني بذلك الأقليــــة المسلمة في
الهند ، هذا بالإضافة إلى ما حصل من وقوع المسلمين تحت سيطرة أعدائهم في كثير من
بقاع العالم في آسيا بصفة خاصة وإفريقيا وأوربا بصفة عامة ، ومن المعروف أن
المسلمين في الفلبين وبورما والهند وسيرلانكا وآسيا الوسطى وروسيا الاتحادية وبعض
دول الكتلة الشيوعية السابقة بالإضافة إلى دول البلقان وبعض الدول الأفريقية
مازالوا يعانون من الاضطهاد والقمع واستلاب الحريات ومصادرة الحقوق الأساسية في
كثير من تلك الدول وغيرها من مواقع الأقليات المسلمة في العالم.
محاولات
إحياء التضامن الإسلامي :
عرفت
الأمة الإسلامية اعتقاداً وتجربة أن قوتها تتناسب طرداً مع تمسكها بالإسلام وتحقيق
مفهوم التضامن الإسلامي ، ولهذا فكلما شعرت الأمة بأنها مهددة في عقيدتها وتاريخها
ووجودها فزعت إلى مقومات التضامن الإسلامي ، وأخذت تجمع نفسها ، وتلم شعثها ؛
لتستقيم أمورها مرة أخرى ، وتحتل المكانة اللائقة بها.
عندما
شعرت الأمة الإسلامية بالخطرين الصليبي والمغولي ورأت نتائج الفرقة تنادى المخلصون
من أبناء الأمة من العلماء والسياسيين إلى ضرورة إحياء التضامن الإسلامي والوقوف
في وجه أعداء الأمة والدفاع عن بيضة الإسلام ، وقد ارتفعت أصوات بعض العلماء
الأجلاء في تلك المناسبات ، وشاركوا في الجهاد وتحفيز الناس ، واستثاروا نخوتهم
مثل شيخ الإسلام ابن تيمية وسلطان العلماء العز بن عبد السلام ، رحمهما الله رحمة
واسعة.
أولاً
– جهود آل زنكي وصلاح الدين الأيوبي:
يُعَدُّ
السلطان عماد الدين زنكي أحد الحكام المسلمين الذين تصدوا للهجوم الصليبي على العالم
الإسلامي ، ورفعوا علم الجهاد تحت راية التضامن الإسلامي ، وقد حمل راية الجهاد
بعده ابنه نور الدين زنكي أحد الحكام المسلمين الذين ساروا على النهج الإسلامي
الصحيح واقتفوا أثر الرسول e وخلفائه الراشدين ، يقول عنه وعن صلاح
الدين الأيوبي المؤرخ أبو شامة:"أطربني ما رأيت من آثاره ، وسمعت من أخباره
مع تأخر زمانه ، ثم وقفت بعد ذلك على سيرة سيد الملوك بعده الملك الناصر صلاح
الدين الأيوبي، فوجدتهما في المتأخرين كالعمرين رضي الله عنهما في المتقدمين"([17])،
وقد شجع السلطان قلج أرسلان السلجوقي وأخاه قطب الدين وصاحب حصن كينا وصاحب ماردين
على محاربة الصليبيين معه ، وقد تحققت على يديه عدد من الانتصارات والفتوحات حيث
استعاد الرها سنة 539هـ، ثم تولى القيادة بعده نـــور الدين الذي استولى على حصن
العريمــة ، وهزم الفرنجة في بصرى الشام 543هـ. وفي عام 546هـ أسر جوسلين ، واستولى
على عدد من الحصون من أعمال حلب ، وفي سنة 549 هـ أدخل دمشق في دولته ، وقد استمرت
معاركه مع الصليبيين ، وقد تمكن بعد عشر سنوات في إحدى معاركه العظيمة مع
الصليبيين من أسر عددٍ من أمراء الروم منهم البرنــس سيمون صاحب أنطاكية وحمص
وصاحب طرابلس وابن جوسلين .
وقد
أدرك نور الدين أن توحيد الشام ومصر من أهم أسباب الوقوف في وجه الصليبيين ، وقد
نجح في ذلك ، وتمكن من إرجاع مصر للمسلمين .
وهكذا
أثبتـــت أفعال نــــور الدين زنكي أن "فكرة الوحدة بين الأقطار الإسلامية – ولو كانت مبدئياً بين الأقطار المجاورة – من أعظم الخطوات في مواجهة الأخطار الخارجية خاصة إذا قامت
هذه الوحدة على أسس سليمة"([18]) .
تابع
السلطان صلاح الدين الأيوبي خطوات نور الدين زنكي في مجال رفع راية التضامن
الإسلامي ومجاهدة الصليبيين واسترجاع المدن الإسلامية منهم ، وقد بدأ حملاته على
المدن القريبة منه التي كانت تحت سيطرة الصليبيين ، واستولى عليها تباعاً، وأسقط
حصونها الواحد تلو الآخر ، اجتمع ضده الكثير من قيادات الصليبيين في سهل حطين على
أمل أن يقضوا عليه، ولكن الله نصره مؤزراً في معركة حطين عام 583هـ /1187م ، وقد
مهد ذلك لفتح بيت لمقدس ، واستمرت الحرب بينه وبين الصليبيين ، وحاصر عكا ثلاث
سنوات ، وانتصر عليهم رغم وصول المساعدات
الأوربية ، وتأخر بعض المسلمين عن مساندته ، كما حصل من أمير دولة الموحدين عن
الوقوف مع صلاح الدين([19]) .
وكان
من الواضح أن سبب نجاح صلاح الدين والمسلمين على الصليبيين هو "تجمع المسلمين
من كافة الأنحاء لمواجهتهم ، وسرعان ما اتضح للصليبيين أنهم ليسوا أمام مصر
وسوريا، بل أمام القوى الإسلامية من مختلف البقاع"([20]) ، وقد أدرك
المسلمون أن طريق النصر ليس في الوحدة والتضامن الإسلامي فحسب ، بل كان لا بد أن
يتناسوا إلى حد كبير ما بينهم من خصومات ، ويجمعوا كلمتهم لاستعادة الأرض التي
خسروها ، ويتضح ذلك من ميل المصريين إلى نور الدين زنكي وترحيبهم بصلاح الدين
الأيوبي وميل حاكم دمشق إلى نور الدين وتسليم المدينة له([21]) ، وهكذا كان
اتحاد كلمة المسلمين وتضامنهم هو السبيل الوحيد لعزتهم وفوزهم في الدنيا والآخرة.
ثانياً - جهود الحركات الإسلامية المعاصرة لإحياء
التضامن الإسلامي:
يُعَدُّ القاسم المشترك بين حركات التضامن
الإسلامي التي ظهرت في العصر الحديث هو قناعة مؤسسيها بابتعاد المسلمين عن نبع
الإسلام الصافي وإهمالهم لكثير من جوانبه الإيجابية التي أوجدت الأمة الإسلامية
وحققت لها النصر والتمكين في المجالات كافة ، ولهذا كان أول ما دعا إليه أولئك
المصلحون هو العودة إلى الإسلام من جديد وتطبيق تعاليمه كلها في مجالات الحياة
الإسلامية كافة ، وإذا تم ذلك فستكون النتيجة كما وعد الله سبحانه وتعالى في قوله:
{ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا
مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الأَرْضِ كَمَا
اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمْ الَّذِي
ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً
يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً
} ([22])،
ولهذا فإن إشارة اليقظة كما يقول أنور الجندي في العالم الإسلامي تتمثل" في
صيحة المسلمين لالتماس المفاهيم الأساسية للإسلام بحسبان أن مرحلة الضعف
والاستعمار إنما ترجع أساساً إلى فقدان المسلمين قوتهم وكيانهم إنما جاء نتيجة فقدانهم
لقيمهم الأساسية التي تحمل طابع التأهب الدائم والحرص المستمر" ([23]).
والجدير بالذكر أن الدعوة إلى الالتزام بالإسلام
والاستعداد الجهادي كانت ومازالت ديدن علماء الإسلام ومصلحيه في كل زمان ومكان ،
وقد كانت الحاجة إلى هذه الدعوة أخف في القرون الأولى وحقبة ازدهار الحضارة
الإسلامية ، ولكنها في العصر الحديث أصبحت ضرورة ملحة لوقوع الشعوب الإسلامية تحت
الاستعمار وضعف ارتباطهم بالإسلام ، وهذا جعلهم لقمة سائغة للأعداء ، وحرمهم من
كثير من عناصر القوة ومنبهات الأمة إلى مصدر الخطر الذي يتهددها ، وقد لاحظنا هذه
الدعوة في زمن شيخ الإسلام ابن تيمية ، ثم في زمن العز بن عبد السلام وجلال الدين
السيوطي وشمس الدين السخاوي وغيرهم، ولكنها اشتدت ، وأصبحت نموذجاً يتكرر في بلاد
الإسلام في عصور ضعف الأمة الإسلامية وبعد الهجمة الاستعمارية التي تعرض لها
العالم الإسلامي من أقصاه شرقاً إلى أقصاه غرباً.
ثالثاً
– بدايات الدعوات الإصلاحية الحديثة :
شهدت الهند في القرن الحادي عشر الهجري السابع
عشر الميلادي إحدى أوائل دعوات الإصلاح في العصر الحديث ، وهي دعوة الشيخ أحمد السرهندي
1034هـ /1634م الذي وقف ضد دعوة توحيد الأديان التي تبناها الملك أكبر دعماً لملكه
، وقد نجح في محاربة البدع والعقائد الفاسدة في تاريخ الهند في العصر الحديث ،
وكان إيذاناً بحركات الإصلاح التي جاءت بعده على مدد متباعدة نوعاً ما.
وجاء بعد السرهندي بحوالي قرن من الزمان
1161هـ/1762م الإمام ولي الله الدهلوي الذي أصَّل الفكر الإسلامي في الهند ، وواجه
به التحديات التي كان المسلمون يمرون بها إبان السيطرة البريطانية([24]) ،
ويعد المصلحان السرهندي والدهلوي من المجددين الذين تابعوا المنهج الذي رسمه شيخ
الإسلام ابن تيمية رحمه الله ، ويعد السيد الإمام أحمد بن عرفان الشهيد 1201–1246هـ أحد رواد حركة الإصلاح المهمين في الهند في القرن
الثالث عشر الهجري ، وقد كان لحركته أثرٌ بالغٌ في الهند وخارجها ، واستطاع أن
يوجد يقظة إسلامية شعبية ، ويكون إمارة إسلامية لمناهضة الإنجليز في شبه القارة
الهندية ، وقد أسس خلافة إسلامية على منهاج النبوية في منطقة بشاور وما حولها ،
ولكن استطاع الإنجليز أن يتحالفوا مع بعض شيوخ القبائل وكذلك شيوخ الطرق الصوفية
للقضاء على الشيخ ودعوته ، فاستشهد في معركة بالاتوت هو وعدد من أنصاره ، من بينهم
العلامة محمد إسماعيل عبد المغني بن ولي الله الدهلوي عام 1246هـ([25]) ،
وقد كان الشيخ أحمد بن عرفان متأثراً بدعوة الشيخ عبد الوهاب ، وأفاد منها كثيراً.
رابعاً
– دعوة محمد بن عبد الوهاب:
أما
أقوى الحركات الإصلاحية وأبعدها أثراً في العالم الإسلامي فكانت دعوة التوحيد التي
أطلقها الشيخ محمد بن عبد الوهاب – رحمه الله – من جزيرة العرب ، وقد لاقت دعــوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب
نجاحاً كبيراً ليس في جزيرة العرب فحسب ، ولكن تأثر بها كثير من الدعوات الإصلاحية
في العالم الإسلامي ، ويمكن إرجاع أسباب نجاح دعوة محمد بن عبد الوهاب لعدة عوامل
، من أهمها ما يأتي:
1-
أنها انطلقت من أرض الحرمين
الشريفين ومنبع رسالة الإسلام في قلب الجزيرة العربية التي يتطلع إليها المسلمون
في كل مكان لتلقي التوجيه والقيادة الرشيدة.
2-
أنها كانت في منطقة بعيدة عن
التحديات التي كان يعاني منها العالم الإسلامي ، وبخاصة النفوذ الاستعماري
والسيطرة الأجنبية.
3-
أن تركيز دعوة الشيخ محمد بن
عبد الوهاب على التوحيد الخالص لم يمنعها من الدعوة إلى الإسلام الشامل الكامل
الذي يوجه الحياة الإنسانية بمناحيها كافة.
4-
أن الدعوة رزقت بمن تبناها
ودعمها سياسياً ، وهو الإمام محمد بن سعود الذي وقف مع الشيخ محمد بن عبد الوهاب
ودافع عنه ومكنه من تبليغ دعوته ، وهذا لم يتيسر لكثير من الدعوات التي قامت ،
فقضي عليها في مهدها.
ونجاح
دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب السلفية لا يعني أنها لم تتعرض لمشكلات من قبل
الأعداء ، بل العكس تماماً هو الذي حصل ؛ إذ ناصبها العداء الاستعمار الإنجليزي ،
وأوغر عليها صدور قادة الدولة العثمانية التي كانت ترى فيها خطراً على نفوذها
السياسي والديني ، فدفعت محمد علي إلى حربها ، فقضى على الدولة التي تولت حماية
الشيخ ، ولكن ذلك لم ينه الدعوة السلفية ، بل استمرت ، ووصل أثرها إلى خارج
الجزيرة العربية ، وتأثرت بها الحركات الإصلاحية في الهند والعراق والشام ومصر
والمغرب، فكان من تلاميذها الألوسي الكبير في بغداد ، والأفغاني ومحمد عبده في مصر
وجمال الدين القاسمي في الشام ، وخير الدين في تونس، وصديق حسن خان في بهوبال
بالهند([26])
.
وقد
كانت إحدى وسائل محاربة دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب السلفية تسميتها بالوهابية
وإلصاق كثير من التهم والأباطيل بها وبمؤسسها –
رحمه الله – ومحاولة طمس معالم الدعوة الواضحة
التي هي محل اتفاق بين علماء المسلمين ، وقد اتسمت دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب
بصفات واضحة ، أهمها ما يأتي:
1-
الدعوة إلى التوحيد الخالص
بأركانه الثلاثة : الربوبية ، والألوهية ، والأسماء والصفات . والابتعاد عن كل ما
يتعارض مع صفاء التوحيد من ممارسات شركية
وبدعية وسلوكية.
2-
ضرورة العودة إلى المصادر الأصلية
للشريعة المتمثلة في الكتاب والسنة على فهم السلف الصالح وفتح باب الاجتهاد.
3-
عدم التقيد بمذهب معين من
المذاهب الأربعة ، بل يجوز للقاضي أن يأخذ من أي مذهب رجح لديه دليله ، ولا يباح
التقليد إلا عند العجز.
4-
الابتعاد عن المسائل الخلافية
التقليدية التي سببت الفرقة بين المذاهب الإسلامية في التاريخ الإسلامي وعدم الخوض
في مسائل الذات والصفات والجبر والاختيار وغيرها مما ينبغي أن يرجع فيها إلى نصوص
الكتاب والسنة النبوية المطهرة.
5-
ضرورة قيام إمام للأمة
الإسلامية ، تلتف حوله الأمة ، وتجتمع كلمتها ؛ ليقوى شأنها ، وتدافع عن نفسها
وعقيدتها ، وليس بالضرورة أن تكون الإمامة هي الخلافة ، بل ما يتفق عليه المسلمون
وتتحقق فيه شروط الحاكم العادل.
6-
الدعوة الصريحة إلى العودة إلى
الإسلام في صفاته ونقائه كما هو موجود في كتاب الله وسنة رسوله e وإجماع سلف الأمة ، وهذا يعني الدعوة إلى التضامن الإسلامي على
منهاج النبوة ؛ ليعود للأمة عزها ومجدها في إطار الجامعة الإسلامية التي تجمع كل
عناصر الأمة ، يقول مؤلفا تطور الفكر السياسي في الإسلام : " ويرجع تاريخ هذه
الفكرة (الجامعة الإسلامية) إلى الدعوة الوهابية ، فقد كان الوهابيون ينادون بوجوب
عودة الحكم الإسلامي"([27]) .
لقد
أيقظت حركة الشيخ محمد بن عبد الوهاب كثيراً من أبناء العالم الإسلامي إلى الخطر
الذي يتهدد الأمة الإسلامية ، وقد تمكنت الدعوة السلفية من الوصول إلى كثير من
بقاع العالم الإسلامي من خلال اتصالها بالحجاج ، يقول لوتروب ستيوارد : "لقد ظل
الوهابيون يبثون روح الحركة في مئات الألوف من الحجاج الوافدين كل عام إلى مكة
المكرمة والمدينة المنورة ، واستطاع الوهابيون أن يبذروا بذوراً ، تلاها الاختمار
الشديد للثورة الدينية في كل فجر إسلامي حتى وصلت دعوتهم إلى أقصى المعمورة ، وقد
اتصلت الدعوة بالهند وأفغانستان ، وكان من ثمارها محمد بن علي السنوسي الذي تلقاها
في مكة المكرمة ، وأنشأ طريقة مهدت للجامعة الإسلامية ، وبالجملة فإن دعوة التوحيد
كانت صيحة التوحيد في مواجهة خطر سقوط العالم الإسلامي في براثن النفوذ
الغربي"([28]).
وسوف أستعرض في هذا البحث باختصار أهم حركات
الإصلاح في العصر الحديث التي تأثرت بدعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب ، رحمه الله ،
وذلك لأهمية دور هذه الحركات في مسيرة التضامن الإسلامي وإذكاء روح الوحدة
الإسلامية في قلوب الشعوب المسلمة في أنحاء العالم الإسلامي.
خامسا