مقدمـــة :

الحمد لله الذي جعل قوة عباده المسلمين في دينهم وعقيدتهم ، وعزتهم في تمسكهم بحبل الله ، ووحدة صفهم وغلبتهم ونصرهم في تضامنهم وتعاونهم على البر والتقوى والعمل الصالح ، فبذلك جاء الخطاب العلوي الإلهي الكريم : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ، وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا }([1]).

كما ورد الخطاب مرة أخرى مبرزاً أهم صفة لهم وللمؤمنين فيما بينهم ، هي صفة الأخوة الجامعة لا الأخوة المادية الدموية ، ولكنها أخوة الدين أخوة الإسلام التي نوه بها تعالى في قوله : { إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ }([2])، ووصفها بكونها نعمة ، تنبثق من التقوى والإسلام ، وأساسها الاعتصام بحبل الله وتراص الصف وتجنب التفرق ، وقد بينت هذا المعنى الشريف السنة النبوية في قول رسول الله ونبيه الداعي إلى ربه والأمين على وحيه محمد بن عبد الله واصفاً إياه بقوله: " إن مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الأعضاء بالسهر والحمى"([3]) .

فحمداً وشكراً لله على ما به أنعم ، وعلى ما تضمنه كتابه الأقوم من وصف سبيل القوة والسلام والأمن ، وصلى الله على نبي الرحمة وقائد الأمة الذي بلغ الرسالة وأدى الأمانة ، وعلى آله وصحبه وذريته ومن تبع هداه إلى يوم الدين ، أما بعد :

فإنه ليسعدني ويشرفني أن أدعى للكتابة في ذكرى مرور قرن على بداية الدور الثالث الذي فتح فيه الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن الفيصل آل سعود الرياض ، فانطلق منها إلى توحيد أجزاء البلاد تحت راية التوحيد ، ثم تم له تأسيس الدولة العربية السعودية الموحدة([4]) ، وبمناسبة استقبال المائة الثانية المباركة من عمرها المديد بإذن الله للحديث عن صفة كريمة شريفة تعد منقبة من مناقب هذه الدولة ووصفاً لازماً لملوكها ، تعلو بها منازلهم ، وتتوج بأكاليلها هاماتهم ، ألا وهي التضامن الذي نعتد به، ونعده من قبل - واليوم بخاصة - عقيدة وضرورة حيوية لمجتمعنا الإسلامي الذي اختلفت عليه عوادي الزمن ، وهيض جناحه ، فهو يرنو بآماله وتطلعاته إليهم ، وينتظر عن طريقهم ما يعيد إلى هذه الأمة كرامتها ونبلها وقيادتها وريادتها التي كتبها الله لها.

 

تعريف التضامــن :

لقد وقفت إزاء كلمة التضامن في اللغة وقفة غير قصيرة ملاحظاً ما بينها وبين كلمات أخرى من ترادف وترابط في المعنى ، فإنك لا تنطق بها أو تذكرها حتى تنال على ذهنك سائر الكلم والمعاني الأخرى ذات الصلة بها.

والتضامن مأخوذ من ضمـــن الرجل ونحوه ؛ أي كلفــــه ، أو التزم أن يؤدي عنـــه ما لزمـــه، أو ما قد يقصر في أدائــــه، ويقال : تضامن القوم ؛ أي التزم كل منهم بأن يــــؤدي عن الآخر ما قد يقصر عن أدائـــه ، وأن يحميه ويدافع عنه بكل ما يملك من نفس ونفيـــس.

وبعبارة أخرى التضامن هو التزام القوي أو الغني معاونة الضعيف أو الفقير([5]) والدفاع عنه ، والتزام الضعيف أو الفقير مقابل ذلك القيــــام بكل ما في وسعه وطاقته مما يقتضيه التضامن من التعاون والترابط والتساند والتعاضد ، وكاحتياج الدول الفقيرة أو الضعيفة إلى الدول الغنية أو القوية ، ويكون بين طرفين متكافئين قوة وغنى ، ولكن يحتاج كل طرف منهما إلى عون الثاني أو دعمه أو مساندته له فيما لا يقوى أو لا يقدر عليه ، فيتكفل هذا الطرف للآخر بما يحتاج إلى العون والمساندة فيه، والتضامن الاجتماعي : قيام الدولة بمعونة المحتاجين([6]).

فالتضامن دائماً التزام من طرفين أو أطراف ، كل بحسب ما يستطيع ، وبحسب إمكانياته العلمية والفكرية وإمكانياته العملية والمادية .

والتضامن بهذا المعنى يحصل منه التعاون والتكافل والترابط والتعاطف والتكاتف والتناصر والتآلف.

ثم إن التضامن قد يطلق على معنى أشمل وأوسع ؛ إذ منه ما يكون دينيًّا ، أو يكون قومياً ووطنياً ، كما أن منه ما يكون مصلحياً ، أو اقتصادياً ، أو سياسياً ، أو عسكرياً ، أو تآمرياً عدوانياً ، أو خيرياً إنسانياً([7]) .

أما تقييد التضامن بأنه إسلامي فيحدد نوعاً معيناً من أنواعه .

فالتضامن الإسلامي: تكافل المسلمين على وفق ما تقتضيه أوامر الإسلام ونواهيه، وإرشاداته وتوجيهاته، ومقاصده وغايته في جميع شؤونهم الدينية والدنيوية([8]) .

وهذا المعنى يؤكد بوضوح أن كون التضامن إسلاميا يقتضي أن يكون بجميع معانيه ومعاييره ووسائله وأساليبه ومقاصده وأهدافه محكوما بالإسلام ، فتخرج جميع أنواع التضامن التي تتنافى مع الإسلام  .

إلا أن هذا المعاني النبيلة السامية التي وقعت الإشارة إليها قبل تجسد التضامن الحق على أرض الواقع حين تكون مصبوغة بصبغة الإسلام ؛ لأنها معان واقعية وعملية ، لا سرية ولا خيالية ، فتحقق الأخوة الحقة والعدالة الاجتماعية ، وتضمن الخير  والكرامة والقوة والمنعة والسعادة للجميع ، فتذوب جميع الفوارق الاجتماعية  المذمومة من الشعوبية والعنصرية والتفاخر بالأجناس والأنساب وادعاء التفاضل بالأشكال والألوان والألقاب ، فيسود الحق والعدل، ويضمحل الباطل والظلم.

ولقد وضح الشهيد سيد قطب  – رحمه الله تعالى – معنى التضامن في الإسلام أتم توضيح من خلال تفسيره للآية الحادية والسبعين من سورة التوبة ، وهي قول الله تعالى: { وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ سَيَرْحَمُهُمْ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ }([9]) ؛ إذ قال – رحمه الله تعالى – : ( إن طبيعة المؤمن هي طبيعة الأمة المؤمنة طبيعة الوحدة طبيعة التكافل وطبيعة التضامن ، ولكنه التضامن في تحقيق الخير ودفع الشر : { يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنْكَرِ} وتحقيق الخير  ودفع الشر يحتاج إلى الولاية والتضامن والتعاون .

ومن هنا تقف الأمة الواحدة صفا واحدا لا تدخل بينهما عوامل الفرقة ، وحيثما وجدت الفرقة في الجماعة المؤمنة فثمة – ولا بد – عنصر غريب عن طبيعتها وعن عقيدتها ، هو الذي يدخل بالفرقة ، ثمة غرض أو مرض يمنع السمة الأولى ويدفعها ، السمة التي يقررها العليم الخبير ،{ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ } يتجهون بهذه الولاية إلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وإعلاء كلمة الله وتحقيق الوصاية لهذه الأمة في الأرض ، { وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ } الصلة التي تربطهم بالله ، { وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ } الفريضة التي تربط بين الجماعة المسلمة ، وتحقق الصورة المادية والروحية والتضامن ، { وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ } فلا يكون لهم رأي غير أمر الله وأمر الرسول ، ولا يكون لهم دستــــور إلاّ شريعة الله ورسولـــه ، ولا يكون لهم منهــج إلا دين الله ورسوله ، ولا تكون لهم الخيرة إذا قضى الله ورسوله ، وبذلك يوحدون منهجهم ، ويوحدون هدفهم، ويوحدون طريقتهم ، فلا تتفرق بهم السبل عن الطريق الواحد الواصل المستقيم ، { أُوْلَئِكَ سَيَرْحَمُهُمْ اللَّهُ} والرحمة لا تكون في الآخرة وحدها ، إنما تكون في هذه الأرض أولا ، ورحمة الله تشمل الفرد الذي ينهض بتكاليف الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة ، وتشمل الجماعة المكونة من أمثال هذا الفرد الصالح، رحمة الله في اطمئنان القلب وفي الاتصال بالله وفي الرعاية والحماية من الفتن والأحداث ، ورحمة الله في صلاة الجماعة وتعاونها وتضامنها واطمئنان كل فرد للحياة واطمئنانه لرضى الله([10]).

 

ركائز التضامن الإسلامي :

وإذ تم شرح معنى التضامن لغة وشرعا نبدأ الحديث عن الركائز التي يرتكز عليها التضامن الإسلامي ، ونريد بها أصوله وأسسه وأركانه ومقوماته التي لا يتم ولا يستقر على قرار ويقوم على ساق إلا بها .

إن المتتبع للآيات القرآنية والأحاديث النبوية الداعية للمسلمين إلى الوحدة والموالاة والمناصرة والتعاون والترابط يلحظ بوضوح تام أن النصوص تركز على تنبيههم إلى أن كونهم مؤمنين بالله وحده لا شريك له ، وكونهم كلهم ذرية نفس واحدة وهي آدم عليه السلام وكون كتابهم واحدا يقتضي أن يكونوا متحابين متحدين متوالين متناصرين مترابطين متعاونين ، وبعبارة أوضح يقتضي أن يكونوا متحابين متحدين في جميع المجالات وفي كل المواقف على وفق ما ينهجه لهم الإسلام  موقنين بأن جعلهم شعوبا وقبائل إنما قصد به تسهيل التعارف بينهم وتوثيق الروابط بينهم وتيسير التعاون بينهم ، وأن اختلافهم في الألوان والألسن والأشكال إنما يعبر عن عظمة آيات الله الدالة على قدرته سبحانه وتعالى، كما هو الحال في جميع المخلوقات من الحيوانات والنباتات وجمادات وغير ذلك .

وبهذا علم أن التضامن الإسلامي يرتكز على ركائز بلغت الغاية في القوة والمتانة والنهاية في الشمولية والعمومية ، منها :

 

1– الإيمـــان بالله :

والمقصود هنا الإيمان بمعناه الشامل المرادف للإسلام الذي قال الله تعالى عنه : {إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلامُ }([11])،{ وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنْ الْخَاسِرِينَ }([12]) .

ومن الآيات الدالة على كون الإيمان ركيزة للتضامن الإسلامي قوله تعالى : { إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ }([13]) ، { وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ }([14])؛ فقد أوضحت الآية الأولى أن الإيمان هو مرتكز أخوة المؤمنون الموجبة لوحدتهم وتضامنهم  على وفق ما يقتضيه هذا الإيمان ، ووضحت الثانية بأن الإيمان هو مرتكز موالاة المؤمنين الموجبة لتناصرهم وتضامنهم وتواصيهم باتباع ما يرسمه هذا الإيمان الذي وحدهم في جميع شؤونهم الدينية والدنيوية ، ولذا يناديهم الله سبحانه وتعالى عند الأمر والنهي باسم الإيمان في الغالب : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ }([15])، وقد بلغت نداءات الرحمن لعباده المؤمنين بهذا الاسم تسعين نداء في القرآن الكريم .

وهناك حديثان صحيحان متفق عليهما رسما الصورة المثلى التي يجب أن يكون عليها التضامن بين المسلمين ، الحديث الأول قوله : " لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه "([16])، والحديث الثاني قوله : "مثل المسلمين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى"([17])، وفي كلا الحديثين دليل واضح على أن الإيمان ركيزة للتضامن بين المسلمين الذي يجعلهم كالجسد الواحد.

والإيمان بالله الواحد الأحد الفرد الصمد الذي لا شريك له في ربوبيته وألوهيته وفي أسمائه وصفاته هو الذي ألهب مشاعر المؤمنين من المهاجرين والأنصار حتى صار الواحد منهم يؤثر أخاه في الإسلام  على نفسه رغم حاجته : { وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ}([18])، وبالإيمان بالله يتوحد تصور الأمة الإسلامية للوجود والقيم والأعمـــال والأحداث والأشياء والأشخاص ، فترجع إلى ميزان واحد تقوم به ما يعرض لها في الحياة ، وتتحاكم إلى شريعة واحدة من عند الله الأحد الصمد([19]) .

 

2– الأخوة في الله ، وفي سبيله ، وعلى منهجه :

    وهي التي نوه بها سبحانه ، تجلب للأفراد والجماعات الملتقية على الخير والإيمان أسباب التقدم والرقي والمنعة والعزة والمنعة ، كما أنها النعمة التي أصبغها الله سبحانه عليهم ، فاحتجبت بسببها الأحقاد ، وتلاشت بها التيارات ، وانقضت معها الأطماع، فتكافؤوا في البر ، وأصبحوا يداً واحدة على من سواهم ، وهذه الإخوة التي تضمنتها الآية الكريمة ، الأخوة في الله ضرورية ؛ كي يقوم كيان الأمة الإسلامية على التضامن والحب والتكافل ، فتختفي في ظلالها مشاعر الأثرة ، وتتضاعف بها مشاعر الإيثار .

وتعامل المؤمنين جميعاً شعوباً ودولا ليس أقل أهمية فيما تقتضيه الأخوة من العلاقة والتكافل بين الأفراد؛ لأن الأخطار المحدقة بالعالم الإسلامي والأزمات التي يمر بها تستوجب قيام التضامن بين المؤمنين أينما وجدوا ، وهو إلى جانب كونه عقيدة دينية يعد في هذه الأحوال ضرورة حيوية لتدفع الدول الإسلامية بها عن نفسها أولا هجمات التحالف العدواني من قوى متعددة يستحثها الشيطان بين المسلمين أنفسهم فضلا عن استثارتها بين أعدائهم ، وتحقق تجاوبها مع مقتضيات التقدم والتطور في عصرنا ثانياً ، فتشد الدول الإسلامية أزر بعضها بعضا للقيام بما هي في حاجة ماسة إليه من تغيير وتطوير في الميادين العلمية والثقافية والاجتماعية والاقتصادية .

 

3– وحي الله العليم الحكيم (كتابه وسنة رسوله محمد e ) :

    القرآن الكريم وصفه منزله – جل وعلا – بأنه إمام ، وموعظة، ونور ، وبيان، وبرهان، وتبيان ، وهدى ، وفرقان، ورحمة ، وشفاء لما في الصدور، يهدي للتي هي أقوم ، لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ، قول فصل وما هو بالهزل ، ووصفه من نزل على قلبه e بأنه لا يخلق جديده ، ولا يبلى على الترداد ، ولا تنقضي عجائبه، فيه نبأ من قبلنا وحكم من بعدنا ، ثم هو حجة للمسلمين أو عليهم.

والكتاب والسنــــة هما دستور المسلمين وقانونهم في جميع شؤونهم الدينية والدنيوية : { قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَاي وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ، لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ }([20]) ، فعلى المسلمين أن يستمسكوا بكتاب الله وسنة رسوله محمد e ، وأن يقوموا بالدعــوة إليهما والالتزام بما فيهما : {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا }([21]) .

وقد استقامت هذه الأمة الإسلامية في مراحلها الأولى على هدي القرآن ، وعلى هدي من أنزل على قلبه ، فبينه ، وبلغه ، وحكم به ، وحكمه في النفوس بالأمانة ، ونصبه ميزانا بين أهواء النفوس وفرقانا بين الحق والباطل وسدا بين الوحدانية والشرك ، كان أول هذه الأمة يحكمونه في أنفسهم ، ويقفون عند حدوده ، ويزنون به حتى الخواطر والاختلاجات ، ويردون إليه كل ما يختلف فيه الرأي أو يشذ به الفكر ، أو يزيغ فيه العقل([22]).

يقول إمــــام دار الهجرة مالك بن أنس رحمه الله : "لا يصلح آخر هــــذه الأمة إلا بما صلـــــح به أولها " ، هذا القــــرآن وهذه السنة هما اللذان صلح عليهما أول هذه الأمة ، وهمــــا اللذان لا يصلح آخرها إلا عليهما ، فإذا كانت هذه الأمة شاعرة بسوء حالها ، جادة في إصلاحها ، راغبة في التضامن فيما بينها ، فما عليها إلا أن تعود إلى كتـــــاب ربها وسنة نبيها ، فتحكمهما في نفسها ، وتحكم بهما ، وتسير على ضوئهما ، وتعمــــل بمبادئهما وأحكامهما ، والله يؤيدهــــا ، ويأخذ بناصيتها ، وهو على كل شـيء قديــــر([23]) .

 

4– المساواة في الإنسانية ( الجميع من آدم ، وآدم من تراب ):

قال الله تعالى  : { يا أيها يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ }([24])، { يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَتَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً }([25]) ، { هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ }([26])، فالبشر إخوة أشقاء من أب واحد وأم واحدة ، والإنسان أخو الإنسان ، وهذا الإنسان قد كرمه الله الذي خلقه ، وسخر له ما في السماوات والأرض ، واختاره من بين السماوات والأرض وسائر الأكوان لحمل الأمانة ، ومؤدى جملة ( الإنسان أخو الإنسان ) عقد الأخوة بين أفراد البشر بموجب الإنسانية التي هي حقيقة سارية في كل فرد ، ومقتضى هذه الأخوة أن يشارك الإنسان الإنسان في جميع لوازم الحياة سرورا وحزنا ، لذة وألما ، مشاركة معقولة تنتهي إلى حدود لا تتعداها ، ومقتضى هذه الأخوة أيضا المساواة في الحقوق البشرية العامة  وإلغاء سنة التمايز والاستئثار([27])، ولعل هذا هو السر في أن رسول الله e شرع في خطبة النكاح ركيزتي الإيمان والمساواة في الأصل الإنساني في ثلاث آيات([28]).

ولقد بلغت نداءات الرحمن الرحيم لبني آدم باسم { يَا أَيُّهَا النَّاسُ } في القرآن الكريم تسعة عشر نداء عند الأمر أو النهي أو التوجيه والإرشاد ، مما يدل دلالة واضحة على أن مساواتهم في الإنسانية تعد ركيزة للتضامن فيما بينهم.  

 

5– المسؤولية المشتركة والمتبادلة :

لا تتحقق فكرة التضامــن الإسلامي بين المسلمين ولا ترتكز في النفوس ولا تستقر في القلوب إلا بوجود المسؤولية المتبادلة والمشتركة في نفوسهم ، فما بقيت أمة من الأمم خالـــدة إلا بتبادل هذه المسؤولية بين أبنائها ؛ بأن يشعر كل فرد منهم في نفسه أنه مســـؤول أمام الآخر ، فيتبادل ويشتد هذا الأساس والشعور بينهم ، ثم يرون أنفسهم مع غيرهم من أعضاء الأمة سواء في النفع والضرر ، وفي البأساء والضراء ، وفي الفلاح والخســـران .

و"من أبهج ساعات العمر ساعة يقف فيها أخ يحادث إخوانه على بساط الشعور المشترك والإحساس الصادق والإخلاص القول وحسن الإصغاء ، يتلو عليهم ما فيه العبرة من ماضيهم وحاضرهم ، يذكرهم ما ليسوا عنه بغافلين من أخذ الأهبة للمستقبل المحجوب ، يدعوهم إلى الجد في العمل المشترك ، يدعوهم إلى التعاون في الصالحات ، يدعوهم إلى نفض غبار الكسل والتواكل ، يدعوهم إلى مجاراة السابقين في الحياة ، يدعوهم إلى العمل لما فيه سعادة الدارين ، يدعوهم إلى نبذ موجبات التفرق والتخاذل ، يدعوهم إلى تقوية أسباب الألفة والأخوة ، يدعوهم إلى أخذ شؤون الحياة في أسبابها المعقولة ، يدعوهم فيسمعون فيعرفون قيمة ما دعا إليه ، فيفوز الداعي بفضيلة الدعوة والإرشاد إلى الحق والتنبيه إلى الواجب ، ويفوز المدعو بفضيلة الاسترشاد والعمل بالنصيحة ، ويلتقي الكل عند أشرف غاية في هذه الحياة ، وهي أداء الواجب الاجتماعي "([29]).

 

التضامن الإسلامي مكمن القوة للأمة الإسلامية :

     إن التضامن الإسلامي يحقق بين المسلمين خيري الدنيا والآخرة وعزهما إذا قاموا به حق القيام ، كما حقق ذلك لأسلافهم حين قاموا به حق القيام ، فكانوا سادة الدنيا وقادتها ، وكانوا أصحاب القوة العظمى في العالم كله بلا نزاع .

وذلك أن التضامن الإسلامي يتضمن جميع مظاهر القوة المعنوية والمادية وعواملها، ومن ثم فهو مناط قوة الأمة الإسلامية ، فلا قوة لها بدونه .

وفيما يأتي الإشارة إلى أهم مظاهر التضامن الإسلامي وصوره :

1) الإخاء : كما ألمحنا إلى ذلك من قبل ، وهو سبيل التراحم والتكافل : { إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ}([30]) ، { فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً } ([31]).

2)  الوحدة : وهي مكمن القوة والمنعة : { إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ}([32]) ، { وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِي}([33]) .

3)  المساواة : وبها تحصل العدالة الاجتماعية : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ أَوْ الْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيّاً أَوْ فَقِيراً فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا}([34]) .

4)  الهجرة إلى الله : التي تتحقق بها الكرامة ، ويؤذن بها قوله تعالى : { إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمْ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُوْلَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيراً }([35]) .

5)  التعاطف والتودد والتواصل والإيثار : { وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ}([36]) .

6)  التعاون والتناصر على فعل الخيرات ، وذلك سبيل الظفر والأمانة : {وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ}([37]) .

7)  التواصي بالحق والتواصي بالصبر ، وهو سبيل الاستقامة وصلاح المجتمع والاستقرار والرخاء : { إِنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ ، إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ }([38])، { وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنْ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ}([39]) ، { وَأَلَّوْ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقاً}([40]) .

8)  حماية حوزة الإسلام والمسلمين ، وتأمين مسيرة الدعوة الإسلامية بالجهاد بالبيان والبنان : { وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ}([41])، { وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنْكَرِ وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ}([42]) ،{ الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوْا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنْ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ}([43]) .

9)  عقد السلام والسلم مع كل من سالم المسلمين ، وذلك سبيل لتعميم الخير والإقساط : { لا يَنْهَاكُمْ اللَّهُ عَنْ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ}([44]) .

10)  نشر العلم بمعناه الشرعي العام الشامل لجميع أنواع العلوم النافعة : { اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ ، خَلَقَ الإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ ، اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ ، الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ ، عَلَّمَ الإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ }([45]) ، { قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ }([46]) .

11)  العمل الصالح بمعناه العام : { وَقُلْ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ}([47])  { فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ }([48]) ، { فَإِذَا قُضِيَتْ الصَّلاةُ فَانتَشِرُوا فِي الأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ }([49]).

12)  بناء القوة الزراعية ، والتجارية ، والاقتصادية ، والصناعية ، واستخراج خيرات الأرض وكنوزها . يلفت النظر إلى ذلك القرآن الكريم في العديد من آيته مثل قوله تعالى : { يُنْبِتُ لَكُمْ بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالأَعْنَابَ وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ}([50])  ، { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلاَّ أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ}([51]) ، { وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ لِتُحْصِنَكُمْ مِنْ بَأْسِكُمْ}([52]) ، { وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ}([53]) ، { قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الأَرْضِ }([54])، { هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً }([55]) ، { وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً مِنْهُ }([56]) ، ويحث الرسول الكريم e في قوله : "إن قامت الساعة وفي يد أحدكم فسيلة فإن استطاع ألا يقوم حتى يغرسها فليفعل"([57]).

13)  التكافل الاجتماعي ككفالة الأيتام ، ورعاية العجزة والمساكين وأبناء السبيل، ومحاربة الرق والاستعباد والاستغلال والمجاعة ، وبناء هيئات إغاثية قوية لتخفيف آلام الجوعى والمرضى ، وتهوين خسائر الكوارث والجوائح على من ابتلي بها ، قال تعالى : { وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالاً فَخُوراً}([58]) ، { فَلا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ ، وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ ، فَكُّ رَقَبَةٍ ، أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ ، يَتِيماً ذَا مَقْرَبَةٍ ، أَوْ مِسْكِيناً ذَا مَتْرَبَةٍ }([59]) ؛ وعن رسول الله e : " ليس المؤمن الذي يشبع وجاره جائع " ([60]) .

14)  بناء القوة العسكرية المرهبة لأعداء الله وأعداء المسلمين الرادعة لكل من تسول له نفسه الاعتداء على حرمات المسلمين ومقدساتهم ، قال سبحانه : { وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لا تَعْلَمُونَهُمْ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ }([61]) ، { وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ }([62])، { فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ }([63])، { فَإِذا لَقِيتُمْ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنّاً بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا}([64]) .

15)  تأمين الاستقرار للدين والأمن للأنفس والحفظ للأموال والعقول والأعراض  وجميع المصالح والمنافع الخاصة والعامة وتشجيع التنمية البشرية بالطرق المشروعة ومحاربة الفساد والفواحش والرذائل والجرائم والمسكرات والمخدرات والمشعوذات ونحوها ، كما يقتضي ذلك التشريع الإسلامي ويشهد به واقع الحياة بالمملكة العربية السعودية ، قال جل وعلا : { وَلا تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِهَا}([65]) ، { وَلا تَعْثَوْا فِي الأَرْضِ مُفْسِدِينَ }([66]) ، { وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ }([67]) ، { وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ }([68]) ، { إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ }([69])، { أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً}([70]) ، {وَلا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ }([71]) .

16)  التعارف والتساكن ، والتعايش العالمي ، وإقامة العدل العالمي ، وإدخال الناس في الإسلام  بالحكمة والموعظة الحسنة ، والمجادلة بالتي هي أحسن من غير إكراه أو تهديد : { يا يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ }([72]) ، { إن اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ}([73]) ، {لاإِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنْ الغَيِّ }([74]) ، { أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ }([75]) ، { وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ }([76]) ، {وَلا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ }([77]) .

17)  الوفاء بالعهود والمواثيق : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ }([78]) ، { وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ}([79]) ، { وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ }([80]) ، { إِلاَّ الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ أَوْ جَاءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ أَنْ يُقَاتِلُوكُمْ أَوْ يُقَاتِلُوا قَوْمَهُمْ}([81]) .

 

التضامن الإسلامي هو القاعدة التأسيسية للمملكة العربية السعودية :

لا نشك أبدا في كون الخطاب الإلهي الكريم الذي يتجدد وقعه وأثره مع كل آية عددناها مظهراً من مظاهر التضامن وعاملا من عوامله ؛ ليعد تشريفاً للأرض في اتصالها بالسماء ، وللإنسان أينما حل بما يغمره به سبحانه من رعاية ربانية فائقـــة ، وما يفتحه في وجهه من أبواب الخير والرحمة والكرامة والسعادة ؛ فالعبد حين يدعوه جل جلاله إلى الإيمان والتوحيد فيستجيب لخالقه ، وحين يوصيه ربه بالتقوى فتنفذ إلى أقطار نفسه اليقظة ويملأ روعه بالهدى ، ليصبح أعظم قدرة وأكثر استعداد لتحمل الأمانة وأداء الواجب ، وبلوغ أسمى المراتب وأعلاها ، فإن الله - عزت قدرته وجلت نعمته - ينادي عباده ، ويكرر لهم النداء من فوق السموات العلى : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ}([82]) ؛ لتكون حقائق الإيمان ومعاني التوحيد قاعدة أصلية أساسية للتعاون والتراحم والتكافل والتضامن بين المؤمنين كافة .

وفي مقامنا هذا الذي نحن فيه نجد وقائع لها دلالتها تنطق بها سيرة زعماء هذه الدولة الأولين ، يرويها تاريخهم المجيد.

جاء الشيخ محمد بن عبدالوهاب([83]) الداعية المجدد الحامل للواء التوحيد الخالص والهداية الكاملة كما هو معلوم مطارداً من قبل بعض أمراء المنطقة ، ولما وصل إلى الدرعية تلقاه حاكمها الإمام محمد بن سعود ([84]) ، فأجاره ، وأكرمه ، واستمع إلى دعوته ، واقتنع بها ، ورآها الحق الذي لا حيدة عنه ، وقدر بالغ احتياج الأمة إليها ، فسمح للإمام محمد بن عبدالوهاب بنشر دعوته في ربوع الإمارة ، وأيده وأعانه على ذلك ، وهكذا التقت الدعوة الصادقة الصالحة ، يرفع بها صوته الجهير شيخ السلفية وصاحب السلطة الدينية والإصلاحية مع همة وعزم أمير الدرعية ممثل السلطة السياسية التنفيذية الإمام محمد بن سعود في 1157هـ/1740م([85])، وبقدر ما كان الداعية يحتاج إلى قوة تحميه وسلطان يأويه كان الأمير في حاجة إلى من يقوض في ديار الإسلام  الخرافات والأباطيل والأوهام ، وينشر مكانها ما ينبغي أن تنعقد عليه قلوب أهل الملة من صحيح العقائد ومناهج السلوك الحميد والاستقامة على دين الله، فهاتان القوتان كانتا متضامنتين متعاونتين تسعيان في جد وحرص إلى تجديد الدين وإيضاح معالمه  وتعليم الناس قواعده وأصوله وإقامة دولة مسؤولة عن الأمة تجمع كلمتها ، وتحقق سيادتها، وتتولى الذود عن عقيدتها ومقومات ملتها، وتجعل القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة ميزاناً لأعمالها ومصدراً لأحكامها وطريقاً لإقامة الشرع فيها بين جميع أفرادها وطبقاتها ، وهل من شيء يمكن أن ينعت بالأوفق والأقوى والأصلح والأبقى من هذا التضامن الذي كان خير سبيل للنهوض بالأمة وإصلاح المجتمع الإنساني متى التُزم به واطرد وجوده بين الحاكمين والدعاة إلى الله .

وعلى هذه القاعدة قاعدة التعاهد والتضامن قامت الدولة الإسلامية الأولى في المدينة المنورة ؛ إذ تعاهد رسول الله وأهل يثرب على التضامن بحق تبليغ الدعوة الإسلامية ، ولذا سموا بالأنصار ، وكانوا قد بايعوا رسول الله على أن ينصروه إذا قدم إليهم ، ويمنعون مما يمنعون منه أنفسهم وأزواجهم وأبناءهم([86]) .

وهذه هي القاعدة المحورية للدولة الإسلامية الحقة في أي زمان وفي أي مكان ؛ تعاهد وتضامن بين العلماء الربانيين والأمراء الصالحين .

ومن هاتين الفئتين يتكون أهل الحل والعقد في الإسلام  ، وهم المعنيون بأولي الأمر في قوله تعالى : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنْكُمْ}([87]) .

ومن المعلوم أن قيام هذه الدولة السعودية كان من عهد الإمام الصالح الملك عبدالعزيز بن عبد الرحمن آل سعود ، وهي اليوم امتداد لتلك الدولة الإسلامية السعودية التي أسست على التضامن الإسلامي القائم على عقيدة الإسلام  وشريعته ودعوته ، وأن المملكة العربية السعودية بذلك لتعد منبع الإسلامي ومهد الدين العالمي الخاتم ومنطلقه الأول إلى قارات الدنيا .

ومن يرجع البصر في الأوصاف والمعاني التي قدمناها وذكر ما يؤكد على طلبها والقيام بها من الشارع يجدها دون شك بالوجه الذي وردت عليه منقسمة إلى نوعين : الأول لا يعدو في واقع الأمر أن يكون سببا أو دافعاً لتحقيق التضامن، والثاني يشكل صورا للتضامن ، هي - وإن اختلفت ألفاظها ودلالاتها الخاصة بها - تشعر بأن الصلة قائمة بينها .

 

الأوضاع بالمملكة العربية السعودية في عهد جلالة الملك عبد العزيز ومتطلباتها :

بفضــــل الله ثم باجتمـــاع قوى الخير واعتمــــاد مؤسس الدولــــــة الملك الراحــــل عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود([88]) على القاعدة التضامنية في العمل بينه وبين الدعاة إلى الحق إعلاء لكلمة الله تمكن أول الملوك السعوديين من بناء دولته الحديثــة  وإقامة سياسته على الأصول المرعية في الدين على المنهج الإسلامي الذي ترمي إليه سيرة الراشدين ومن بعدهم من الملوك الصالحين ، وتحددها وتضع شروطها وأحكامها لنا كتب السياسة الشرعية ، وما إن شرع الملك الرائد في دراسة أوضاع العرب بمكة المكرمة والحجاز وأحوال المجتمعات الإسلامية في أطراف البلاد مشرقها ومغربها حتى أدرك ما عليه المسلمون من وهن ومن تلاشي لديهم من حقائق دينهم ومقومات ملتهم، فأقدم غير مبال على التدخل والإصلاح مستخدماً في ذلك الوقت كل الوسائل المتاحة ، فاستطاع بجهاده أن يقوم المعوج، ويقضي على كثير من الفساد ، يشهد بهذا الدور ما قامت به سياسته الداخليـــة التي وصف آثارها أبو الحسن الندوي قائــــــلاً :" فسدت الأوضاع في أوائل هذا القرن ( 19م ) ، واختلت الأمور في مركز الإسلام في الحجاز والحرمين ، واضطرب الأمن ، وأطبق الجهل ، وضعفت العقيدة، وشاعت كثير من العادات الجاهلية ، وعم الفقر ، وانتشرت الفوضى، وصعبت ممارسة فريضة الحج وشعائره وأركانه، فكان من تدبير الله تعالى أن قيض آل سعود لإصلاح الأوضاع وإقامة الأمن وإنشاء الطرق وتأمينها وحراسة الحجاج ... وتوفير المواد الغذائية إلى حد لم يخطر بالبال ، فتوجه الملك عبد العزيز بن سعود سنة 1343هـ إلى الحجاز منظماً وإدارياً ومؤسساً لحكومة كبيرة ، فملك الحجاز ، وضبط الأمور، وأمَّن الطرق ، وكانت بارقة أمل انتعشت بها قلوب المسلمين في العالم الإسلامي بصفة عامة ، كل ذلك حمل كثيراً من المخلصين المحبين للبقاع المقدسة أن يدعوا لهذه الحكومة بالتوفيق والتأييد "([89]).

وعجب المرحوم الشيخ حسن البنا من جهود هذا الزعيم الرائد الذي ظهر بالسعودية، ومما استطاع أن يبذله من أموال وطاقات ، ويضعه من حكيم الخطط الجهادية والإصلاحية ، وأنه لم يكن يخشى إلا الله ، حتى بلغ ما بلغه من قوة وشموخ وعزة وسلطان ، وأنجزه من مشاريع تخدم المسلمين كافة والعرب المقيمين بالجزيرة خاصة معلناً عن تقديره لأعماله وتأييده لجهوده بقوله : " من كان يظن أن الملك عبدالعزيز آل سعود - وقد نفيت أسرته ، وشرد أهله، وسلب ملكه - يسترد هذا الملك ببضعة وعشرين رجلاً ، ثم يكون بعد ذلك أملاً من آمال العالم الإسلامي في إعادة مجده وإحياء وحدته"؟([90]).

ومع كون المجاهدين والصالحين معرضين إلى أولي بطش شديد يقاومونهم ، وإلى معارضين يفسدون عليهم خططهم، ويتربصون بهم الدوائر ، فإن العزم والصدق والإخلاص في القيام بالرسالة الإصلاحية مرتبطة ببناء الدولة على قواعد ثابتة إسلامية، تجعل من التضامن بين القوة الدعوية والقوة التنفيذية طريقاً لمعرفة الواقع بدقة ودراسة طرق تغييره وسبيلاً لتقاسم جلائل الأعمال من أجل القيام بالمهمات الضرورية والحاجية الكثيرة المتعددة التي تتوقف عليها مصالح الجماعات والأفراد والأوطان والأقاليم في العالم الإسلامي ثم الانبراء إلى الاتصالات المباشرة، كل في محيطه ؛ الدعاة بالجماهير الغفيرة من عامة المؤمنين وخاصتهم، والساسة بنظرائهم من ملوك ورؤساء وقادة لبحث القضايا الجارية وتقديم نتائج النظر فيها أولاً ، وإقناع الأطراف المتنوعة والمتشعبة بما يتطلبه الأمر من عقيدة ثابتة وتصور كامل للمشكلات والأخطار التي تهدد كيان الأمة ومقومات وجودها ، وما يقتضيه ذلك من بذل سخي وأمل صادق في الله تنفتح به المغالق، وترتبط بسببه المسببات بأسبابها ، وقد أتاح الله للصابرين والمجاهدين ما يحرصون عليه من يسر وقدرة على معرفة أنجع الحلول وأجداها وأهمها وأولاها .

 

مزيــة الحرمين الشريفين  :

وإنه لمن جلائل النعم ما تؤمنه المملكة وبلاد الحجاز للمقيمين والوافدين من فرص التعارف والتقارب والتحاب ومواصلة العمل في سبيل الله في رحاب البيت العتيق أو بالحرم المدني ، وهم يزدادون كل يوم إن شاء الله تمسكاً بالدعوة وقياماً بالعمل الصالح لتقلبهم في عرصات تلك المقامات ، وبخاصة في الحج بين مناطق العبادة والمشاعر ، ولما تفيض به نفوسهم من فضائل ، وما توحي به تلك الديار من التمسك بحبل الله المتين  والدعوة الخالصة إلى الله سبحانه وإلى ما ينفع الناس في عاجلهم وآجلهم : { وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً وَقَالَ إِنَّنِي مِنْ الْمُسْلِمِينَ}([91]) ، فاللقاءات التي تتم بهذه المناسبة والمجالس التي تعقد في تلك الأرض الطيبة والعلم النافع الذي يتلقى بها والذكر الذين يملأ حياة المرء وروعه لا يكون به المؤمن إلا عابداً ، ولا يكون إلا خاشعاً ، ولا يكون إلا صادقاً، وإنه للطريق النافع طريق الداعي إلى الله والمستجيبين له الذين يسيرون على هديه ترسيخاً للعقيدة الصحيحة وإصلاحاً للنفوس وتوحيداً للصفوف وجمعاً للكلمة والعمل الصالح النافع للمجتمع الإسلامي بل للمجتمع الإنساني البشري ، وهذا من أشرف معاني التضامن بين أحباء الله من عباده الصالحين.

 

الحرص على التضامن وعقد المؤتمرات :

وبجانب هذه الدعوة الكريمة والتنبيه إلى ما فرط من أوقات وفرص والحث على التطهر وتدارك الوضع أقام رجال السلطة السياسية التنفيذية ندوات لهم ومؤتمرات ، صدع فيها الملك عبد العزيز بقوله : "أنا مبشر ، أدعو لدين الإسلام  ونشره بين الأقوام، أنا داعية لعقيدة السلف الصالح ، وعقيدة السلف الصالح هي التمسك بكتاب الله وسنة رسوله وما جاء عن الخلفاء الراشدين ، أما ما كان غير موجود فيها فأرجع بشأنه إلى أقوال الأمة الأربعة آخذ منها ما فيه صلاح المسلمين ، أنا مسلم ، وأحب جمع كلمة الإسلام والمسلمين ، وليس أحب عندي من أن تجتمع كلمة المسلمين ولو على يد عبد حبشي ، وإنني لا أتأخر عن تقديم نفسي وأسرتي ضحية في سبيل ذلك ، أنا عربي ، وأحب قومي والتآلف بينهم وتوحيد كلمتهم ، وأبذل في ذلك مجهوداتي ، ولا أتأخر عن القيام بكل ما فيه المصلحة للعرب وما يوحد أشتاتهم ، ويجمع كلمتهم"([92]).

ولقد انعقد أول مؤتمر بمكة المكرمة 1349هـ/1929م وعرف بمؤتمر "جزيرة العرب"، كان موضوعه بحث القضية الفلسطينية ، ومناصرة المجاهدين في نضالهم ، ومقاومة الصهيونية ، ومن ورائها الاستعمار البريطاني([93]) .

ثم اتسعت نظرة الملك عبد العزيز ، وشمل بعنايته واهتمامه عن طريق المؤتمرات أيضاً دول العالم الإسلامي التي كانت ترزح تحت الاستعمار أو الحماية أو الوصاية أو الانتداب ؛ ليساند بعضها بعضاً، وتبحث مجتمعة قضاياها فيما بينها، وفيما يقتضيه ويتطلبه هذا العمل من تضامن وتعاون من أجل استرجاع سيادتها واستعادة قوتها وعزتها والحكم والتصرف في ثرواتها المتنوعة الكبيرة المغتصبة.

وعقد المؤتمر الإسلامي الأول بمكة المكرمة في 26/10/1345–1926، وكان عدد الدول الإسلامية المشاركة فيه ستاً وعشرين دولة([94])، وكانت القاعدة الأساسية التي انطلقت منها أعماله دعوة راعي المملكة ورئيس المؤتمر إلى ضرورة التزام المسلمين بكتاب الله وسنة رسوله في جميع أعمـــالهم وتوحيد الصف الإســـلامي والتعاون على ما فيه مصلحة الإسلام والمسلمين امتثالاً لقوله تعالى : { وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ}([95]) .

ومما أعلن عنه في هذه المناسبة موحد المملكة العربية السعودية وناشر الأمن في أطرافها : "إني أدعو المسلمين جميعاً إلى عبادة الله وحده والرجوع للعمل بما كان عليه السلف الصالح ؛ لأنه لا نجاة للمسلمين إلا بهذا ، وأسأل الله تعالى أن يوفقنا جميعاً إلى ما يحبه ويرضاه"([96]) ، ومن هذه الجملة القصيرة يتضح أساس منهج الدولة القائم على الدعوة إلى التوحيد والتمسك بالشريعة الإسلامية .

 

قــرارات المؤتمـر :

وصدرت عن هذا المؤتمر الإسلامي العام بعد الدرس وتداول النظر بين أعضائه قرارات جيدة ، هي :

1 –    إنشاء منظمة إسلامية دائمة.

2 –    انتخاب لجنة تنفيذية عالمية.

3 –    انتخاب شكيب أرسلان رحمه الله أميناً عاماً للمؤتمر الإسلامي([97]).

وهكذا كانت بداية التفكير والعمل المنظم السياسي والاجتماعي والاقتصادي عن طريق مؤسسة إسلامية عالمية ، يلتقي فيها ممثلو الدول الإسلامية والمسلمين ، يتدارسون مشكلاتهم ، ويطلبون الحلول لها بمساعدة بعضهم بعضاً ، وفي هذا تضامن مطرد بين أعضائها في الوسائل والتدابير التي يختارونها وفي الأهداف والغايات التي يعملون من أجل تحقيقها .

تلك هي جوانب من الخطة السياسية التضامنية التي وضعها مؤسس الدولة العربية السعودية ، ودعا إليها بقوله وفعله، وهي دون شك تؤكد على قيام الولاية العامة بين المسلمين كما وصفهم الله تعالى بذلك في قوله : { وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ }([98]) ، { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ}([99])  ، وقال  : "المسلمون تتكافؤ دماؤهم ، ويسعى بذمتهم أدناهم ، وهم يد على من سواهم"([100]) ، وقال : "ذمة المسلمين واحدة"([101]) .

وهكذا كانت دعوته في حياته - رحمه الله - فالمنهج الذي اختاره لنفسه ، وهي من بعد ذلك الطريق والمسار الذي جرى فيه أبناؤه ، وما هذا إلا توجيه وتعليم من توجيهاته وتعليماته لهم ، يدعمون به الحق ، ويقيمون به العدل ، ويذودون به عن الحوض ، ويزيلون به العقبات والصعاب .

 

جلالة الملك سعود بن عبد العزيز :

   وجاء الملك سعود([102]) إثر وفاة والده 1373هـ/1953م، فنهج نهجه، وترسم خطاه جاعلا العقيدة أساسا ومنطلقا ، ولقد قام بزيارات للبلاد من حوله في الشرقين الأدنى والأقصى ، ولقي بكل مكان حل به تقديرا واعتزازاً بالمملكة لما قامت وتقوم به من رتق الفتق وجمع الشمل بين الدول والشعوب الإسلامية وللدعوة إلى التضامن التي قام بها من قبله والده ، وكان من أبرز الكلم الناطقة بتلاحم المسلمين ووجوب التضامن فيما بينهم قوله مخاطبا جمهرة من أهل باكستان أثناء زيارته لهذه البلد الهندي الإسلامي: " إنني لمغتبط بهذا الشعور الإسلامي الأخوي الذي يجمعنا ، ومعتز بالرابطة الدينية التي تشدنا بعضنا إلى بعض والأهداف العادلة السليمة التي نعلن عنها وننادي بها ، ولا سبيل عندنا لتحقيق ذلك غير الاعتصام بالله ، وهذا هو المبدأ الذي التزمنا به نوصي به أنفسنا ، وندعو إليه إخواننا ، ونبتهل إلى الله تعالى أن يحقق آمالنا بكل ما فيه الخير لأمتنا والمسلمين كافة "([103]).

ولتركيز أصول التضامن أسرع الملك سعود –رحمه الله – إلى إنشاء مؤسستين إسلاميتين : الأولى تنفيذا لقرارات المؤتمر الإسلامي العام الأول الذي انعقد بمكة المكرمة 14/12/1381هـ ، والقاضي بتكوين منارة من منارات الإسلام وموئلاً دائما للمسلمين في كل رقعة من رقاع الأرض ، ألا وهي رابطة العالم الإسلامي .

 

رابطـة العالـم الإسـلامي([104]) :

جاء في ميثاق المجلس التأسيسي لهذه المنظمة : " نعاهد الله تعالى على أن نؤدي فريضة الله علينا بتبليغ رسالته ونشرها في جميع أنحاء العالم ، وأن نؤكد من جديد إيماننا بأنه لا سلام للعالم إلا بتطبيق القواعد التي أرساها الإسلام  "([105]) ، وحددت أهداف هذا الجهاز العظيم بالقيام برسالته على أكمل وجه والعمل على جعل التضامن الإسلامي المنشود أمراً واقعاً وملموساً ، ورعاية شؤون المسلمين في عامة الأقطار ، والاضطلاع بمجاهدة المؤامرات الخطيرة التي يريد أعداء  الإسلام  فتنة المسلمين بها عن دينهم وتمزيق وحدتهم والقضاء على الأخوة بينهم ، وتولي النظر في القضايا الإسلامية بما يحقق مصالح المسلمين وآمالهم ، ويعين على حل مشكلاتهم ، ويقدم لهم أينما وجدوا خدماته في مجال التربية والتعليم والثقافة والرعاية الاجتماعية والصحية ونحوها؛ حتى يبلغوا مصاف الشعوب القوية المتقدمة([106]) .

 

الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة :

 والمؤسسة الثانية هي الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة ، وهي مركز عالمي للدراسات العلمية في مختلف المراحل ، يؤمها الطلاب المسلمون من جميع أقطار العالم، ويربو عدد جنسياتهم على المائة من آسيويين وأفارقة وعرب وأوروبيين وأمريكيين ، وتتولى الإنفاق عليهم في تنقلاتهم من بلدانهم إلى الجامعة وفي إقامتهم الكاملة بالمدينة المنورة وفي كل ما يحتاجون إليه من لوازم الدراسة على حساب المملكة العربية السعودية ، يتعلمون بها لسان القرآن العربية ، ويدرسون الكتاب والسنة ، والعقيدة الصحيحة السليمة ، والفقه وأصوله ، وشيئاً من التاريخ الإسلامي ، والدعوة ومناهجها ، وتعد  الجامعة منهم علماء وفقهاء وقادة فكر ودعاة يستمرون على تأكيد الصلة بين جامعتهم التي تخرجوا فيها وبين أوطانهم التي يعودون إليها رسل هداية ، ينشرون بها العلم والمعرفة الإسلامية ابتغاء رفع المستويات الثقافية بها وتكوين أجيال صالحة علمية إسلامية تتولى من بعدهم القيادة الفكرية بالجهات النائية :{ فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ }([107]) .

  وقد قامت الجامعة الإسلامية إلى جانب تخريجها لهذه الفئات المؤمنة التي تعنى بتربيتها وتهذيبها وتوجيهها بالاعتماد عليها في نشر الإسلام والدعوة إلى الحق في المناطق البعيدة النائية بأعمال جليلة ، منها :

1 - إعداد اللقاءات والمؤتمرات العلمية التخصصية كالمؤتمر العالمي الأول لتوجيه الدعوة وإعداد الدعاة الذي أقيم سنة 1397هـ بالمدينة المنورة .

2 - المؤتمر العالمي الثاني سنة 1404هـ لبحث تخطيط سبل الدعوة الإسلامية ، وبيان طرق الوحدة الإسلامية ، والتحقيق العملي لأوجه التضامن الإسلامي .

3 - إنشاؤها معهداً للتضامن الإسلامي ، مقره بالصومال ؛ خدمة لأبناء المسلمين في القارة الأفريقية .

4 - توزيعها لآلاف النسخ من الكتب والمنشورات على المنظمات والهيئات والمدارس والمؤسسات الإسلامية في مختلف البلاد([108]) .

 

جلالة الملك فيصل بن عبدالعزيز([109]) :

   أدرك خصوم الإسلام  وأعداء التضامن الإسلامي ما يمكن أن يترتب على المنهج الإصلاحي العقدي والتضامني من آثار تنال من سلطانهم أو تحد من نفوذهم ، فاحتد النزاع معهم ، وساءت أحوال المجتمعات العربية والإسلامية ، وما إن ولي الملك فيصل ابن عبدالعزيز أمر المملكة وقيادة السياسة السعودية حتى تبين له أن الدول العربية وكذا الإسلامية منقسمة على نفسها بتوزيعها تيارين شرقي وغربي ، وأحس بالنزعات تقوم حول اليمن إثر انحسار الحكم البريطاني عن جنوب الجزيرة ، ولحظ في الأفق قيام تكتلات واتحادات إقليمية مع ما عليه العالم الإسلامي من تمزق بسبب ظهور القوميات الكبرى والمحلية به المتأثرة بالمفارقات العنصرية والعرقية ، وظهرت الحركات والأنظمة الثورية التي تزعم مجافاتها للفلسفات والمنازع الفكرية السياسية ، وتظاهر بالانفصال عنها ، في حين سيطرت عليها العلمانية ، ووقعت في أحضان الاشتراكية ، وسقطت في حبائل الراديكالية والفاشية أو التحريرية الليبرالية ، وكانت أعظم الأخطار التي استشرت فيها هي الاستعمار والشيوعية والصهيونية ، ولعل مرد ذلك استيلاء الفراغ والخواء الروحي على أهل الملة ، وانطفاء جذوة الإيمان بسبب كثرة النحل والأهواء ، وانتشار المذاهب الهدامة الإلحادية([110]) :{ ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ}([111]) .

 

منهج الملك فيصل الإسلامي الإصلاحي :

   أعاد هذا الواقع إلى ذهن الملك الخطة نفسها التي نشأ عليها ورآها ماثلة في المنهج السياسي لوالده والتي رآها تفتر أحياناً وتنتعش أخرى ، ولكنها في الأصل الذي قامت عليه من قبل مع ما تقتضيه المواقف الماكرة العدائية من تصرف وإجراء ، وقد قال عند مبايعة الشعب له : " أول ما نطلب منكم تقوى الله والتمسك بتعاليم دينه وأحكام شريعته ، فذلك أساس عدلنا ومرد حكمنا وسر قوتنا ، ولنذكر دائماً أننا في معركة بناء تطلب منا صبراً وجهداً ، وستكون نتيجتها بعون الله ثمرات يانعة ننعم بها ، وتنعم بها أجيالنا القادمة " ، ويمضي فيؤكد هذا بقوله : " وإن الالتفاف حول تعاليم الإسلام  يشكل دعامة قوية ، تساعد على دعم التفاهم وبناء العلاقات الأخوية بين البلدان الإسلامية ، كما أن في الدعوة الإسلامية للتعاون صلاحا لشؤون المسلمين في دينهم ودنياهم رغم ما توحي إليهم الدول الأجنبية من تزييف لها وتخويف منها ، وإن التضامن ليشكل قوة كبرى في سبيل إيجاد نظام عالمي عادل يساعد على تأمين حياة أفضل لجميع الشعوب ، ويقدم للعالم الإسلامي بصورة خاصة وحدة اقتصادية متكاملة "([112])، ولعل هذا المعنى هو الذي كان يعنيه في حديثه عن المحور الاقتصادي .

وقد صورت ذلك التايمز في ديسمبر 1974م بقولها : إن المملكة العربية السعودية  وهي عضو في الأسرة الدولية تشعر بمسؤولياتها تجاه جميع أفراد هذه الأسرة ، وعند استقرار الوضع في هذه المنطقة فإن المملكة لن تتأخر عن التعاون مع أصدقائها لتحقيق السعادة والرفاهية لجميع شعوب العالم ، وإن شعور المملكة بهذه المسؤولية ليجعلها تنشئ وتساهم في كثير من الصناديق التي أنشئت لمساعدة الدول النامية ، وقد أقرضت مؤخرا البنك الدولي سبعمائة وخمسين مليون دولار لمساعدة الدول المحتاجة([113]) .

ومثلما كان حريصا على منهجه الاقتصادي الذي أعرب عنه في هذا المقام نجده عاقدا العزم على مواجهة اعتداءات الأعداء وتحدياتهم للشعوب الإسلامية ، فهو بعد إحراق المسجد الأقصى في منتصف شهر يونيو سنة 1967م وإثر ضم اليهود للقدس  نادى جميع رؤساء الدول الإسلامية إلى وجوب بذل الجهد عصبة واحدة من أجل إنقاذ الأماكن المقدسة من السيطرة الإسرائيلية ، وفي هذا تضامن مع الشعوب المكافحة المؤمنة، وقد جاء في خطابه حول القدس : " إنني أعتبر من واجبي دعوة جميع رؤساء الدول الإسلامية في العالم ؛ ليوحدوا جهودهم ، وليعبئوا وسائلهم لإنقاذ المسجد الأقصى وسائر الأماكن المقدسة الإسلامية من أيدي الصهيونية ، وليس الدفاع عن فلسطين واجب العرب وحدهم ، ولكنه واجب مقدس على جميع المسلمين والمؤمنين، وهم مسؤولون عنه أمام الله ، فعلى جميع المسلمين والمؤمنين أن يؤازروا إخوانهم العرب في معركة المصير المشترك"([114]) .

 

رحلات فيصل وزياراته:

 وللتوصل إلى جمع كلمة الدول الإسلامية رأى من الضروري أن يمهد لذلك بالاتصال المباشر بعدد من ساسة الدول الإسلامية من ملوك ورؤساء في مختلف البلاد ؛ لتدارس الأوضاع معهم وتوعية شعوبهم وإذكاء الحمية فيهم وتحقيق التعاون معهم والتضامن بينهم.

وهكذا بدأت زيارات الملك فيصل داعيا للإسلام والسلام ، وشملت رحلاته وتنقلاته على مدى خمس سنين دولا وأقطارا متعددة ، وكان يؤكد في هذه المناسبات على الإشعار بما يأتي :

أولا : بما يجري في البلاد العربية والإسلامية من عدوان استعماري وسيطرة ونفوذ إسرائيلي وتدبير من الصهيونية للتعاون مع الحكومات الغربية المساندة لها بقصد إخراج الفلسطينيين من ديارهم وتشريدهم خارج وطنهم وتهجير اليهود إلى أرض فلسطين من روسيا ودول أوروبا الشرقية إلى ما زعموا أرض الميعاد ، وكان الاحتلال الصهيوني والاستيطان اليهودي للأراضي المباركة ، ثم امتداد نفوذ الاحتلال إلى كثير من أطراف البلاد العربية المجاورة لفلسطين مثل مصر وسوريا والأردن ولبنان .

ثانيا : بما يقوم به الغرب من حملات شرسة على البلاد العربية والإسلامية ، وما يبذله من جهد لتحقير الإسلام  في نظر معتقديه وتحطيم وحدتهم وبث الشقاق فيما بينهم وفرض هيمنته عليهم بما حققه وتميز به دونهم من تقدم علمي وتكنولوجي، وتحديه لهم بالعجز عن بلوغ مرتبته مهما بلغوا من جهد إلا بالسير على خطاه وفي ركابه والرضى بالتبعية له ونسيانهم لكل ما يربطهم بماضيهم مما يجعلهم منكرين لعقيدتهم وحضارتهم وفاقدين لهويتهم.

   وليس من سبيل أمام الشعوب الإسلامية لتأكيد ذاتها وأصالتها وتعزيز مناعتها أمام التيارات المذهبية الدعائية المتضاربة من رأسمالية أو شيوعية أو ما إليهما إلا الإيواء إلى ركن ركين وظل ظليل من رحمة الله ودينه وشريعته حتى لا تضل  ولا تشقى ، وتتحقق نعم الله الكونية المادية والتنظيمية الشرعية  التي تكفل كرامة الناس في أبدانهم وعقولهم وأرواحهم ، وتضمن رشدهم في العلم والعمل واستثارة الطاقات المادية والبشرية ، وتنشر العدل في التعامل والتبادل والتوزيع محليا وعالميا بين المسلمين أنفسهم أو بين المسلمين وغيرهم .

وإن في ذلك للقاعدة الأساسية للتضامن الإسلامي على المستوى الدولي ، وهي أن تستقيم على نهج الإسلام  خلايا الجسد الإسلامي كله أفرادا وشعوبا ودولا([115]).

وهذا المعنى الأصيل الذي يملأ جوانح المسلمين ويدعم فيهم الاعتداد بالذات  والاعتزاز بالهوية والسير على منهج الإسلام في تقويم الحاضر وتشييد المستقبل لهو المعنى الذي تردد كثيرا في خطب الملوك من آل سعود منذ قيام دولتهم على يد جلالة الملك عبد العزيز إلى اليوم ، وهو ما نجد التأكيد عليه في الظروف المتعاقبة لهذا البلد الأمين في مسيرته الإسلامية التضامنية بقصد نقض ما يعترض سبيل الدعاة و المجاهدين من عراقيل وعقبات كأداء تقف في وجه المجتمعات الإسلامية بسبب ما مرت به من تخلف ، وحل بها من تجزءات وعصبيات ، ودمرها من أهواء بعض المفتونين المهزومين الذين يستسهلون المتابعة للغرب القوي ، ويفضلونها على الاعتماد على الذات والتعاون مع المسلمين :{ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ}([116]) .

وإذا كان الجانب الأول المسيطر على عقول آل سعود وأفئدتهم هو التمسك بحبل الله والاعتصام بالكتاب والسنة والتشاور بين الدول الإسلامية وشعوبها وبذل النصيحة للأئمة المسلمين وعامتهم فإن الجانب الثاني هو الجانب التنظيمي العملي المترتب على الأول والقائم منه مقام النتيجة من المقدمة .

 

فيم يكمن المستقبل الإسلامي ؟

    ولو وازنا بين تطلعات الفئتين لجزمنا بأن مستقبل الإسلام والمسلمين ليس رهين التقنية والتقدم العلمي والقوة الاقتصادية والتفوق العسكري فحسب ، ولكنه بكل ذلك وبقدر من التمسك بهذه العوامل وبأسباب العزة والمنعة ، ينبغي على الشعوب والدول الإسلامية أن تكون ملتزمة بالقيم العالية والمبادئ السامية متمسكة بالمنهج الرشيد الذي دعا إليه كتاب ربنا ودستور حياتنا في غير ما آية من آياته الخالدة التي ينتظم منها ميثاقنا مع الله ، وترسم على أساسه معاملاتنا المختلفة في هذا العالم مع من فيه وما فيه ، فمن آياته الكريمة وقوانينه التي سنها لنا ما تنطق به الجواهر اللوامع والكلم الفرائد التي نقرؤها ، فتنير دياجيرنا ، ونرجو أن تتحكم في سلوكنا وعامة تصرفاتنا ما دام قد تبين لنا أنها الحق ، وأنها تنزيل من حكيم عليم :

    { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ }([117]) ، { إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ}([118]) ، { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى }([119]) ، {كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ أَوْ الْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيّاً أَوْ فَقِيراً فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً }([120]) ، { وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ }([121]) ، { وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلا تَنقُضُوا الأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمْ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلاً إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ ، وَلا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنكَاثاً تَتَّخِذُونَ أَيْمَانَكُمْ دَخَلاً بَيْنَكُمْ أَنْ تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبَى مِنْ أُمَّةٍ إِنَّمَا يَبْلُوكُمْ اللَّهُ بِهِ وَلَيُبَيِّنَنَّ لَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ ، وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَلَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ ، وَلا تَتَّخِذُوا أَيْمَانَكُمْ دَخَلاً بَيْنَكُمْ فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِهَا وَتَذُوقُوا السُّوءَ بِمَا صَدَدْتُمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَلَكُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ، وَلا تَشْتَرُوا بِعَهْدِ اللَّهِ ثَمَناً قَلِيلاً إِنَّمَا عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ ، مَا عِنْدَكُمْ يَنفَدُ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ وَلَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُوا أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ }([122]).

    وهكذا جاء القرآن الكريم بهذه الآيات وبالآيات كلها ؛ لتكون للأمة تشريعاً وتنظيماً وهداية وتوجيهاً ، جاء لينشئ أمة ، وينظم مجتمعا ، ويؤسس عالماً ، ويرسي نظاماً ، فهو الدعوة العالمية الإنسانية التي لا تعصب فيها لقبيلة أو أمة أو جنس ، وهو دعوة إلى عقيدة هي الآصرة والرابطة بين جميع الشعوب والدول الإسلامية بعيداً عن مساوئ القومية والعصبية .

    فهو يدعو المؤمنين المستجيبين له والمتمسكين به إلى السلم وإلى إيثاره على ما سواه من الأحوال ، يغرس في نفوس الجماعة المسلمة الحفاظ على الأمانة وأداءها إلى أهلها ، يروضها على كظم الغيظ وعلى السماحة ، ويحملها على العدالة في جميع الظروف وكل المجالات شهادة منها لله وتعاملا معه ، كما يجند المؤمن على محاسبة النفس لذاتها ومواجهتها بما يكون لديه من سلطان وقدرة على المراقبة .

    فالتمسك بهذا المنهج هو الذي مكن القادة وحكام البلاد العربية والإسلامية من دراسة الأحوال وتحليل الأوضاع والأحداث الكثيرة التي جرت في بناء أمتنا بسبب التيارات المخالفة لمنهجنا المناوئة لملتنا والمحاربة لجامعتنا الإسلامية .

وهذا ما دعا الشهيد فيصل إلى التأكيد في حواره مع رؤساء الدول الإسلامية على عوامل تمزقنا وشتات أمرنا وضياع ثرواتنا وذهاب سيادتنا على أوطاننا ، يستحثهم على الأخذ بالعقيدة الجامعة بيننا الموحدة لصفوفنا والموقظة لشعوبنا ، خصوصا بعد أن رأى ما عليه العالم الغربي رغم قوته المادية وتقدمه العلمي وسبقه الحضاري من تعزيز لقدراته باجتماعه حول تكتلات سياسية واقتصادية ونحوها ، هي المحور والفيصل في التحرك والتطوير واتخاذ القرار ، وذلك مثل منظمة الدول الأمريكية ، والحلف الأطلسي , والسوق الأوربية المشتركة, والميثاق الدفاعي الإقليمي لدول جنوب آسيا، ومعاهدة الأمن والدفاع المشترك ,  والجامعة العربية ,  ومنظمة الوحدة الأفريقية ،  وليس من بين المؤسسات السياسية الدولية في العالم الإسلامي منظمة سياسية تعنى بقضايا المجتمعات الإسلامية ، فاقتضى هذا الوضع من الملك فيصل ومن ملوك ورؤساء الدول الإسلامية التفكير في إيجاد مؤسسة تقوم برد كل ألوان العدوان على العالم الإسلامي , كما تعمل على حل مشكلاته واتخاذ التدابير الناجعة لتنميته في كل الميادين. 

 

عمل جلالة الملك فيصل من أجل تأسيس منظمة المؤتمر الإسلامي :

  في منتصف سنة 1385هـ /1965م أخذ الملك فيصل ينفذ فكرة التضامن الإسلامي داعيا إلى عقد مؤتمر قمة إسلامي يضم جميع ملوك ورؤساء الدول الإسلامية, وذلك رغم المعارضة الشديدة لبعض الدول العربية , ثم انتقل إلى مرحلة التنفيذ الحقيقي لعقد مؤتمر قمة إسلامي ، فوجه الدعوة إلى كل ملوك ورؤساء الدول الإسلامية , وشجعته على ذلك مؤتمرات أخرى كانت تحضيرية له :

1-  مؤتمر مقديشو الإسلامي سنة 1384هـ/1964م ، وقد ضم عدداً من ممثلي الحكومات والحركات الإسلامية , وقام ببحث المشكلات الإسلامية والوسائل العملية لحلها .

2-  مؤتمر رابطة العالم الإسلامي سنة 1385هـ/1965م، بمكة المكرمة , وقد دعا قادة العالم الإسلامي إلى عقد مؤتمر قمة إسلامي , فقد جاء على لسان الملك فيصل في افتتاحه : " إننا نؤيد الدعوة إلى مؤتمر قمة إسلامي"([123]) .

3-  عقد الدورة السابعة لمؤتمر العالم الإسلامي بعمان في الأردن 1387هـ/1967م، وقد طالب المشاركون فيها بعقد مؤتمر قمة إسلامي لفلسطين وتحرير القدس.

4-  وقبل هذه الدورة قيام الملك فيصل بحملة سياسية نشطة ، زار أثنائها معظم دول العالم الإسلامي 1385–1386هـ/19651966م , حث فيها قادة المسلمين على توحيد الصف الإسلامي ، وحشد التأييد لعقد مؤتمر قمة إسلامي يقوم بتأسيس المنظمة الإسلامية العالمية المنشودة , يتجسد فيها التضامن الإسلامي.

5-  اعتداء اليهود الغاشم على المسجد الأقصى بحرق أجزاء منه , وقد فجر هذا الحادث الأثيم عواطف المسلمين حكاما ومحكومين , واستغل فيصل الحكيم هذا  العمل الإجرامي للدعوة إلى عقد مؤتمر القمة الإسلامي أيضا , فاستجاب له قادة العالم الإسلامي بالإجماع ، وقام جلالة الملك الحسن الثاني ملك المغرب باستضافته ، وتم عقد مؤتمر القمة 1389/1969 بالرباط([124]).

وأخيرا تم الاتفاق والإعلان عن ولادة المنظمة الإسلامية المنشودة عقب اجتماع وزراء خارجيـــة الدول الإسلاميـة في جدة بالمملكة العربية السعودية 15–17محرم1390هـ /22–25 مارس 1970م، وعرف هذا الاجتماع باسم المؤتمر الإسلامي الأول لوزراء خارجية الدول الإسلامية , وأطلق على المنظمة اسم "منظمة المؤتمر الإسلامي"، وعيِّن لها أمين عام .

وفي اللقاء الثالث لوزراء خارجية الدول الإسلامية بجدة تمت الموافقة على ميثاق منظمة المؤتمر الإسلامي , وذلك في سنة 1392هـ في شهر الله المحرم (1972م) .

 

منظمة المؤتمر الإسلامي :

  تكونت منظمة المؤتمر الإسلامي ، واتخذ لها شعارا قوله سبحانه : { وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً } , وضُبطت أهدافها على النحو الآتي :

1-          الحفاظ على القيم الروحية والاجتماعية الإسلامية .

2-   مساندة الشعوب في كفاحها ضد الاستعمار والاستغلال ودعمها في سبيل الحفاظ على كرامتها واستقلالها وحقوقها الوطنية ، وتأتي في مقدمة القضايا قضية شعب فلسطين وسلامة الأماكن المقدسة وتحريرها , ذلك أنها تعد المحرك الأول لإنشاء المنظمة .

3-           تعزيز التضامن الإسلامي في المجالات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والعلمية وجميع المجالات الحيوية الأخرى .

4-         العمل على محو التفرقة العنصرية والقضاء على الاستعمار في جميع أشكاله وصوره .

5- حماية الأقليات المسلمة في الدول غير الإسلامية التي جاء بلاغ مكة ينص عليها بسبب ما يجري من أحداث في كثير من أرجاء العالم من اضطهاد للأقليات والجماعات المسلمة ودعوة الدول التي توجد بها تلك الأقليات إلى تمكينها من ممارسة شعائرها الدينية ومنحها حقوق المواطنة في كنف الدولة وحرمة القانون([125]).

 

الندوة العالمية للشباب الإسلامي :

   وبقدر عناية الملك الراحل بالقضايا الدولية الكبرى وما تحتاجه من جهود وتعاون وتضامن كان اهتمامه البالغ بشباب هذه الأمة ، أسس من أجله الندوة العالمية للشباب الإسلامي 1392هـ/1972م ؛ لتكون عاملا من عوامل تأصيل التضامن الإسلامي وتطبيقه .

وتتولى الندوة العالمية للشباب الإسلامي مساعدة المنظمات الشبابية الإسلامية أينما كانت مادياً ومعنوياً  ، وهي توجه الشباب المسلم لإنشاء المنظمات والمؤسسات المهنية , وتُعمق الإيمان بالتمسك بكتاب الله وسُنة رسوله , وتُصحح أفكار الشباب واتجاهاتهم؛ ليستقيموا على الدين الخالص([126]) .

   وهكذا بعد ما قدمه من جهود في سبيل إعانة المستضعفين وبذله من سعي في تحقيق التضامن بين الدول الإسلامية وعناصر الشباب فيها مضى في الخالدين مستشهدا في سبيل الله وعزة المسلمين .

 

جلالـة الملك خالد بن عبد العزيز([127]) :

  ومن خلال ما قدمناه عن التضامن في منهج مؤسس الدولة وفي عمل الملك الشهيد في سائر الدول والأمصار واتخاذه شعارا لهذه الأمة وأداة قوية لإعانة الشعوب وإنقاذها مما تتخبط فيه من أزمات يأتي الملك خالد على غرار ما فعله والده المؤسس وأخواه الكريمان ، فيؤكد في خطاب توليته الالتزام بالتضامن والدعوة إليه ؛ ليظل السمة الدالة على سمو الأمة الإسلامية وتفانيها في القيام بواجباتها نحو غيرها من الشعوب المتطلعة إلى عونها ونجدتها .

 

خطـاب جلالـة الملك خالـد :

   جاء في بداية خطابه : " إن من أهم الركائز التي قامت عليها سياستنا الخارجية هي الدعوة إلى التضامن الإسلامي رفعاً لشأن المسلمين في أقطارهم وتقوية لأواصر التعاون بينهم"، وهو عند التفاته إلى ما هو متوافر بفضل الله لدى المملكة من سعة وثراء يؤكد أن ثروات المملكة العربية السعودية هي لخير الأمة الإسلامية بصفة خاصة ، والأسرة البشرية بصفة عامة , فقال :" إن الثروة البترولية التي أنعم الله بها على المملكة نعتبرها "مسؤولية" في أعناقنا تجاه الأسرة البشرية ؛ لتكون وسيلة رخاء وازدهار اقتصادي للعالم , ووسيلة مساندة لقضايا الإسلام والأمة العربية والإسلامية "([128]) .

 وبتتبعنا لهذه المنقبة المعلن عنها والمطبقة من طرف كل ملوك الدولة السعودية نحس بأنهم جميعا يشعرون شعوراً مشتركاً , ويدركون تمام الإدراك أن التضامن الإسلامي هو الروح المحرك لسياسة المملكة المبنية على عقيدة الإسلام وشريعته ودعوته.

 

مؤتمر القمــة الثالـث :

ومن التجمعات الإسلامية التي ظهرت فيها روح التضامن ملموسة مؤتمر القمة الثالث الذي دعا إلى عقده جلالة الملك خالد – رحمة الله – برحاب البيت الحرام بمكة المكرمة في ربيع الأول 1401هـ /يناير1981م، وقد أشادت وسائل الإعلام بجهوده الخيرة، وبسيره على الخطة التي رسمها الملك عبد العزيز – رحمه الله – لنفسه ولبنيه من بعده قائلة : " لقد حمل راية التضامن والأخوة الإسلامية بعد شقيقه الملك فيصل , وعمل بلا كلل على نبذ الخلافات وتوحيد الكلمة وجمع شمل المسلمين تحت راية التوحيد والأخوة والتآلف والتآزر والمحبة والتضامن ، ويشهد لهذا بلاغ مكة الصادر عن مؤتمر القمة الثالث الذي ينص على أنه ميثاق إسلامي عقدته الدول الأعضاء في منظمة المؤتمر الإسلامي وخطة سياسية واقتصادية وثقافية ارتضتها هذه الدول لنفسها, وتعهدت بالعمل بمقتضاها في إطار السعي لتحقيق ما يوفر الخير والرخاء لجميع الأمة الإسلامية "([129]).

 

خادم الحرمين الشريفين الملك فهد بن عبد العزيز :

  جاء في إثر هذه الصفوة الكريمة من الملوك الميامين خادم الحرمين الشريفين الملك فهد بن عبد العزيز([130]) بعد أن تقلب في المناصب العليا في الدولة , وكانت له الممارسة الكبرى في جميع الشؤون ، عرف عن كثب أدوار المؤسسات الحكومية ومختلف الوزارات , واطلع على جوانب الضعف والقوة فيها ، فكان عاملا بارزاً في إصلاحها والتقدم بها ، وهو ما كان يؤمله فيه أسد الجزيرة لما لمسه فيه من عزم , وشهد له به من كريم السجايا وعالي الصفات وسداد الرأي وحُسن التدبير ، ومن أيام ولايته العهد لأخيه الملك خالد –رحمه الله – أعلن عن رأيه في الدعوة إلى التضامن وعن طرق تحقيقه .

 

المنهج التضامني :

  صرح خادم الحرمين الشريفين "بأن المملكة العربية السعودية باعتبارها قبلة المسلمين وبلد المقدسات هي الأمينة على مقدرات هذه الأمة ، ولهذا نعتقد اعتقاداً جازماً وأكيدا بأن الوسيلة لإظهار قوة العالم الإسلامي إنما تكون من خلال تضامنه , حتى نستطيع الوصول إلى أهدافنا بأن نكون شركاء في رسم السياسة الدولية "([131]) .

 وفي تفصيله لهذا الرأي وبيان سبل النجاح يعود بنا إلى مبادئ الدين وقيم الإسلام  وأحكام الشريعة مذكراً بأن المملكة واحدة من دول أمة الإسلام ، فهي منهم ولهم ، نشأت تحمل لواء الدعوة إلى الله  , ثم شرفها سبحانه بخدمة بيته العتيق وحرم نبيه الشريف ، فزاد بذلك حجم مسؤوليتها , وتميزت سياستها ، وتضاعفت لأجله واجباتها ، وهي إذ تنفذ تلك الواجبات على الصعيد الدولي تتمثل ما أمر الله به من الدعوة إلى سبيله بالحكمة والموعظة الحسنة ، ويمضى خادم الحرمين الشريفين بعد ذلك في خطابه قائلا : "هذا هو منطلق سياستنا في الداخل والخارج ، ولذلك فإن على المؤمنين من قادة المسلمين وعلمائهم مسؤولية كبرى في مؤازرتنا في الحق والسير معنا في طريق الدعوة إلى الله وتطبيق أحكامه في شتى فروع الحياة "([132]).

ونظرة فاحصة في هذا الكلام تدعونا لتنبيه بعض الفئات إلى أن هذا المطلب أساس، وهو لا يختلف عما نحن فيه مطالبون به ، فإن الخير كله ينبع في أمتنا من دستورها ومقوماتها وهدي رسولها وسنة الأئمة الصالحين ، وإن أصول الديانة لحقيقة نورانية ، واستقامة سلوكية ، ووعي الواجبات ، وتحمل في الأداء ، ونصح لكل مسلم , ومساعدة على التقدم , وتعاون على البر والتقوى , وتضامن في الحق ، وهل هذا التضامن بين أفراد أمتنا وبين الأقاليم والأوطان العربية والإسلامية إلا روح تسري في أجسامنا, ودم يجري في عروقنا وخير وعطاء وعمل صالح .

  وبالوقوف على خطب خادم الحرمين الشريفين العديدة نجده يتنقل بنا بين معان مختلفة للتضامن وصور تطبيقيه له في ملتنا ومجتمعاتنا الإسلامية .

  فالتضامن ليس مقصورا على الدعم المادي وتقديم المنح والمساعدات لمن يحتاج إليها, ولا هو واقف عند بناء العلاقات المتينة الأخوية بين الشعوب والدول الإسلامية في منظماتها ,  بل هو يتجاوز ذلك إلى سائر وجوه البر والنفع العام المادي والأدبي في الداخل والخارج ؛ فالمشاريع الخيرية وتكوين لجان الإغاثة ومعالجة المرضى كلها بما تحققه أو تضطلع به متضامنة مع من يتردد عليها من ذوي الحاجات ، وكذلك عمارة المساجد وبناء المعاهد والمدارس والكليات والجامعات والمكتبات كل ذلك من صور التضامن القائم بين الأجيال المتعاقبة من أجل محاربتها للضياع والفراغ الروحي والجهل ونشرها للثقافة ، والعمل على إعداد المواطن الصالح ، والإطار الجيد النافع الذي يخدم وطنه والأمة الإسلامية بما أُعدله داخل تلك المؤسسات.

  ومن أجل صور التضامن حرص الملك فهد منذ ولايته على أن يشرف بنفسه على المشروعات الخاصة بالأراضي المقدسة , وأن يقضي شهرين أو أكثر كل عام  فيها لمتابعة الخطط الموضوعة والاطلاع على ما نفذ منها وإصدار التوجيهات التي يراها ؛ ليكون الإنجاز المتحقق في مستوى المسؤولية التي تحملها المملكة العربية السعودية تجاه هذه البقاع الطاهرة([133]) .

 

العناية بالمقدسات وتوسعة الحرمين الشريفين :

  لا بدع أن نعد من الصور المشرقة للتضامن عمارة المساجد وتوسيعها ورعاية أماكن العبادة ومشاعرها ، فإن المملكة وإن انطلقت من مسؤوليتها الدينية إلى فعل ذلك بإذن خادم الحرمين الشريفين سدانةً منها للبيت العتيق وللمسجد النبوي الشريف وعنايةً فائقة بالمشاعر المقدسة وتجهيزها بأحسن الوسائل لهي تقدم بذلك أعظم وجوه البر والتعاون  وأكمل صور التضامن مع مئات الآلاف من الحجيج الذين يؤمون في كل موسم هذه الديار قياما منهم بركن جليل من أركان الإسلام الخمسة , وليطوفوا بالبيت العتيق أشرف وأقدس معلم من معالم التوحيد في الأرض ، وهم رغم كثرتهم وتزايد أعدادهم ينعمون بمختلف أسباب الراحة والسعة والرزق التي تقدمها المملكة لهم([134]).

 

مجمع الملك فهد لطباعة القرآن الكريم :

  ومن بين الأعمال الصالحة التي تتضاعف عليها المثوبة بإذن الله ذلك الإنجاز العظيم مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف بالمدينة المنورة , وهو يقدم للمسلمين في كل أقطار المعمورة نسخا شريفة من الكتاب الكريم , يهرعون إليها عند تلاوة القرآن والتعبد بتلاوته ، وقد قام هذا المجمع الذي أراده خادم الحرمين الشريفين مركزاً متخصصاً في البحث العلمي الدقيق في القرآن وعلومه بنشاطات متعددة , منها تكوين مكتبة متخصصة في هذا المجال ، فوضع من أجل ذلك بجانب قسم الطباعة والنشر تفاسير موجزة للقرآن الكريم تعين على فهم آياته , كما تولى تسجيل القرآن على أشرطة ؛ ليُسمع متلواً بترتيل مشاهير القراء , وقام بطبع القرآن الكريم في لغات عدة مختلفة آسيوية وأفريقية وأوربية نشرا لكتاب الله العزيز ودعوة للإسلام وتنويراً للقلوب والأذهان([135]).

 

المؤسسات والمنظمات الإسلامية :

  ولا غرو أن يعد من وجوه التضامن والتعاون دعم خادم الحرمين الشريفين للمؤسسات والمنظمات الإسلامية التي تكونت في ظل رعايته واستمرت قائمة بواجباتها بفضل عنايتـــه ، ولا التفــــات إلى تجاهل الخصوم لهذه المناقب أو تحقيرهم لها ، وذلك ما حمل حارس البلاد والأمة الإسلامية على التنويه بها والرد على المعارضين لها والحاقدين بقوله : " لقد أطلقت من هذه الديار المقدسة دعوة التضامن الإسلامي ,  فثار ضدها من في الشرق والغرب , وحاولوا وأد الفكرة في مهدها ، ولكن عزيمة المخلصين من قادة المسلمين مكنتنا ، فأنشأنا منظمة المؤتمر الإسلامي والمؤسسات والهيئات التي تنبثق منها وتعمل لتحقيق أهدافها .

وهذه هي الدائرة التي نمارس الآن  نشاطنا الإسلامي داخلها ، وهي لا تقل أهمية أو قوة عن دائرة الأمة العربية، فالإسلام عزنا, والمسلمون سندنا وعمقنا الإستراتيجي". وهو وإن نظر إلى مجال التعاون في البلاد الإسلامية وفي المنظمات الدولية لا يغفل ذكر الطابع الإنساني للتضامن إذ يقول :" إن السياسة التي ننتهجها تقوم على التضامن مع الأشقاء والتعاون مع الأصدقاء والإسهام في كل الجهود التي تعود بالنفع على علاقتنا مع الدول الشقيقة والصديقة , كما يعود على المجتمع الدولي بالخير ".

 

إنشاء المراكز الإسلامية في العالم ومساندتها :

  إنه من الضروري أن نذكر هنا بالمراكز الإسلامية في العالم التي كان للمملكة العربية السعودية الدور الأعظم والنصيب الأوفر في تأسيسها والسهر عليها .

  فقد أنشات المملكة العربية السعودية في أقطار كثيرة وبخاصة في دول الأقليات المسلمة مراكز تهذيب وتكوين وتعليم وتثقيف ، أساسها الإسلام ، ومنطلقها صحة العقيدة , تعد نقاط ارتكاز للتضامن الإسلامي ونشر المعرفة الإسلامية , وهي تقوم بعملها الكبير بين أفراد الجاليات المسلمة في تلك البلدان , وتنشر الوعي الديني في أوساط المسلمين , كما أنها مراكز جذب نشطة لكل الراغبين في التعرف على الإسلام ومنهجيته وسماته الحضارية .

  إن المملكة بتوجيهات خالصة من قادتها منذ أن شرفهم الله تعالى بحمل الأمانة  تولي أمر المسلمين عناية خاصة , وتنشر أصول التضامن الإسلامي بين المسلمين كافة في أنحاء المعمورة جاعلة ذلك في قمة اهتماماتها , وما يراه المرء من جهد دؤوب في هذه المجالات ليعد ترجمة صادقة , بل تحقيقاً لمعنى التضامن التي تقوم به المملكة في أطراف العالم خدمة للمسلمين ودعما لنهضتهم وتنمية لمجتمعاتهم في القارة الأفريقية وفي آسيا وأوربا وغيرها من القارات .

  وما مسجد الملك فهد الذي تشرف صاحب السمو الملكي الأمير عبدالعزيز بن فهد بافتتاحه مؤخرا في لوس أنجلوس بالولايات المتحدة الأمريكية إلا ثمرة جديدة للجهود الموفقة لقادة هذه الدولة , وفقهم الله إلى الخير .

  ولا شك أن هذه المراكز والمؤسسات الإسلامية في أنحاء العالم قد أدت وتؤدي عملاً كبيراً في خدمة الإسلام , وقد استفاد منها الملايين من المسلمين معرفة وعلما وثقافة ، وهي إلى جانب ما تقوم به من التربية والتعليم تتصدى للحملات المعادية للإسلام والمسلمين , وترد أكاذيب المرجفين وأباطيل الحاقدين وافتراءاتهم التي يوجهونها للإسلام والمسلمين .

  ومن صور التضامن الباهرة الارتقاء بالمشاريع الزراعية في المملكة إلى أن تحقق الاكتفاء الغذائي الذاتي وإعانة الدولة على أن تقوم بإغاثة المنكوبين بتقديم ما يحتاجون إليه من آلاف الأطنان من التمور والحبوب([136]).

 

سياسة التضامن الإسلامي في المملكة :

أي شيء هو أجدى على الأمة الإسلامية من النصيحة لها وجمع كلمتها وتوحيد صفها ، فهذا في واقع الأمر له أبعاده العظيمة في تحقيق التضامن بين الأفراد , والمصالحة بين الفصائل والجماعات الإسلامية أينما كانت ، وقد رأينا من اهتمام خادم الحرمين الشريفين ما يبرز هذه الحقائق في ذيل إحدى خطبه حين قال :" ومع استعراض بقية هموم أمتنا الإسلامية فإننا نشارك إخوتنا المسلمين في كل مكان تلك الهموم , وبخاصة إخواننا المسلمون في البوسنة والهرسك وأفغانستـــان والصومال الذين فعلنا من أجلهم ما بوسعنا لمساعدتهم في محنتهم ، وإننا لنعبر عن شديد أسفنا للنزاع الداخلي الذي يعصف بأفغانستان والصومال ، وإن الصراعات بين أفراد الأسرة الواحدة لا تجلب إلا الويلات والثارات والبغضاء وشماتة الأعداء ، وإنا لا نزال نؤكد بكل حياد أن المملكة تضع إمكاناتها لمساعدة البلدين الشقيقين أفغانستان والصومال لتجاوز المحنة إذا صفت النية, وتوافرت النية الحقيقية لنبذ العنف والعودة إلى الصفاء والسلام ، ولقد أكدنا مراراً استعدادنا لرعاية أي رغبة حقيقية للمصالحة والوحدة والسلام ونبذ الفرقة "([137]) .

رأيتُ المساعي كُـلهـا وتلاحقــتْ         فُـروعُ العـُلى مجمـوعـــةً وأصولُـــها

إذا ما أمالت للطعـان رماحَهـــــــا        وشَـــــنَّ عليهــــا للقــــــــاء شَـلـيلـُها

فثـمَّ عـوالٍ ما تُردُّ صـدورُهــــــــــا       وثـمَّ جيـــــادٌ مـا يُـفَــــــــلُّ رَعـيلُـــها

وثَمَّ الحماةُ الذائدون عــن الحـمـى    عشـيةَ لا يحمـى النســــــاءَ بـعُـولُـــها

هو الحامل الأعبــــــاءَ كَلَّ مُطيقُـها     وعـجَّ عَـجـيج المُوقَـرات حَـمولُــهـا

طويـلُ نجـاد يحتبــى فى عصـابـــةٍ        فيَفْـرعُـهــــــــا مستعـليـــاً ويـطوُلــُـها

حليـم إذا التفَّت عليـــه عشـــيرةٌ        تَطَـأطـأ لـهُ شبانُهــــا وكُهـولـــُـــــــها

وإن نُعرةٌ يوماً أمَـالــت رؤوسَـها       أقام على نهج الهــــدى يَستَميلُـــها.([138])

 

      وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم .

 

 

 

 

الهوامـــــش



([1]) آل عمران :102 , 103 .

([2]) الحجرات :10 .

([3]) البخاري :أدب :27  ؛ مسلم : بر66 , 67 ؛ أحمد بن حنبل : 4/286 ,270, 278 275 .

([4]) المملكة العربية السعودية : تاريخ وحضارة وتنمية ص 19 .

([5]) انظر : المعجم الوجيز , والمعجم الوسيط , مادة "ضمن" . وسعدي أبو جيب , القاموس الفقهي , حرف"الضاد" .

([6]) نفس المراجع .

([7]) طلعت سالم محمد رضـــوان : التضامن الإسلامي ودور المملكة العربية السعودية ص 11 وما بعدها .

([8]) محمد حسن عواد , التضامن الإسلامي الكبير في ظلال دعوة القائد الزعيم ص 19–22 .

([9]) التوبة :71 .

([10]) سيد قطب , في ظلال القرآن : 3/1675– 1676 .

([11]) آل عمران :19 .

([12]) آل عمران : 85 .

([13]) الحجرات :10 .

([14]) التوبة : 71 .

([15]) آل عمران : 102 .

([16]) البخاري , 13 باب من الإيمان أن يحب لنفسه؛ مسلم , كتاب الإيمان , 72 ، باب الدليل على أن من خصال الإيمان أن يحب لأخيه ما يحب لنفسه من الخير .

([17]) متفق عليه . البخاري , كتاب الأدب ، 6011 ، باب رحمة الناس والبهائم ؛ مسلم , كتاب البر والصلة , 2586 ، باب تراحم المؤمنين وتعاطفهم وتعاضدهم .

([18]) الحشر : 9 .

([19]) سيد قطب . في ظلال القرآن : مرجع سابق .

([20]) الأنعام : 162 , 163 .

([21]) آل عمران : 103 .

([22]) د. أحمد طالب , آثار الإمام الإبراهيمي : 4/93– 95 .

([23]) انظر :نفس المرجع السابق .

([24]) الحجرات : 13 .

([25]) النساء : 1 .

([26]) الأعراف :189 .

([27]) د. أحمد طالب , آثار الإمام الإبراهيمي : 1/95 .

([28]) وهي : آل عمران : 102 , والنساء : 1 , والأحزاب : 70 ، 71 .

([29]) د . أحمد طالب , آثار الإمام الإبراهيمي : 1/50 .

([30]) الحجرات : 10 .

([31]) آل عمران : 103 .

([32]) الأنبياء : 92 .

([33]) المؤمنون : 52 .

([34]) النساء : 135 .

([35]) النساء : 97 .

([36]) الحشر : 9 .

([37]) المائدة  : 2 .

([38]) العصر كاملة .

([39]) الأعراف :96 .

([40]) الجن : 16 .

([41]) التوبة : 122 .

([42]) آل عمران : 104 .

([43]) الحج : 41 .

([44]) الممتحنة : 8 .

([45]) العلق : 15 .

([46]) الزمر : 9 .

([47]) التوبة : 105 .

([48]) الملك :15 .

([49]) الجمعة : 10 .

([50]) النحل : 11 .

([51]) النساء : 29 .

([52]) الأنبياء : 80 .

([53]) الحديد : 25 .

([54]) يوسف : 29 .

([55]) البقرة : 29 .

([56]) الجاثية : 13 .

([57]) من حديث أنس بن مالك ، وفي رواية : " إن قامت على أحدكم القيامة وفي يده فسلة فليغرسها " . أحمد , المسند : 3/184، 191 .

([58]) النساء : 36 .

([59]) البلد : 11–14 .

([60]) رواه البخاري في الأدب المفرد رقم 112 , وهو صحيح .

([61]) الأنفال : 60 .

([62]) الحديد : 25 .

([63]) الأنفال : 57 .

([64]) محمد : 4 .

([65]) الأعراف : 56 .

([66]) هود : 85 .

([67]) البقرة : 190 .

([68]) البقرة : 188 .

([69]) المائدة : 90 .

([70]) المائدة : 32 .

([71]) الأنعام : 151 .

([72]) الحجرات : 13 .

([73]) النساء : 58 .

([74]) البقرة : 256 .

([75]) يونس : 99 .

([76]) النحل : 125 .

([77]) العنكبوت : 46 .

([78]) المائدة : 1 .

([79]) الأنفال : 61 .

([80]) النساء : 92 .

([81]) النساء : 90 .

([82]) آل عمران : 102 .

([83]) محمد بن عبد الوهاب بن سليمان التميمي النجدي , ولد 1115/1703 بالعيينة في نجد ، وتوفي 1206/1792 بالدرعية،  زعيم النهضة الدينية الإصلاحية الحديثة في جزيرة العرب . أحمد عبد الغفور عطار , محمد بن عبد الوهاب .

([84]) أكبر أبناء سعود 1179/1765 ، تولى الإمارة بعد وفاة أبيه ، وتزامنت ولايته مع ظهور الداعية المجدد محمد بن عبد الوهاب . وزارة الإعلام ، هذه بلادنا : 10 .

([85]) طلعت سالم محمد رضوان , التضامن الإسلامي ودور المملكة العربية السعودية : ص 14 .

([86]) انظر : ابن هشام , السيرة النبوية : 1/442 .

([87]) النساء : 59 .

([88]) هو صقر الجزيرة 1373/9–11–1953 ، جاهد , والتزم شريعة ربه , وقام بتوطيد الأمن  وتوطين البدو , وهو أول حاكم إسلامي نادى في القرن العشرين بالتضامن . وزارة الإعلام . هذه بلادنا : 14 – 15  ؛ أحمد عبد الغفور عطار , صقر الجزيرة ، ص 56 .

([89]) الندوي , كيف ينظر المسلمون إلى الحجاز وجزيرة العرب ؟، ص 13 – 18 .

([90]) الشيخ حسن البنا . إلى أي شيء ندعو الناس ؟، ص 54 .

([91]) فصلت :33 .

([92]) خير الدين الزركلي , مختصر الملك عبد العزيز : 216 .

([93]) المسند , المنظمات الدولية والإقليمية وأثرها على العالم الإسلامي : 20 .

([94]) نفس المرجع ص 22 .

([95]) المائدة : 2 – 3 .

([96]) طلعت سالم محمد رضوان : مرجع سابق , ص 19 .

([97]) المسند , مرجع سابق ص 23 .

([98]) التوبة : 71 .

([99]) النساء : 124 .

([100]) أبو داود . ديات 147 , البخاري . ديات 11 , النسائي . قسامة 9 ، 13 , ابن ماجة . ديات 31 , أحمد بن حنبل : 1, 122/2 , 180, 211, 215 .

([101]) البخاري . فرائض 21 , المدينة 1. جزية 10 , الاعتصام 5 .

([102]) ولد 1319/1902 بالكويت ، تولى الحكم 1373/1953، وتنازل عنه لأخيه فيصل 1377/1958 ، توفي  1388/1969 بأثينا  . الزركلي . الأعلام 3/90 .

([103]) عبد المنعم الغلامي , جلالة الملك المغفور له عبد العزيز آل سعود : 483 .

([104]) الدليل الإعلامي : 3 .

([105]) الدليل الإعلامي : 3–22 , رابطة العالم الإسلامي : عشرون عاماً على طريق الدعوة والجهاد , مقداد يالجن . الشعوب الإسلامية ووسائل التقريب بينها 116 –230 .

([106]) صلاح الدين المنجد , أحاديث عن فيصل والتضامن الإسلامي : 89 –96 .

([107]) التوبة : 122 .

([108]) دليل الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة 1398 , مقداد يالجن : 237 – 244 .

([109]) الابن الثاني للملك عبد العزيز 1904 – 1906 بالرياض 1975،  شارك في العمليات الحربية التي يقودها والده ، ترأس وفد بلاده لأول اجتماع للجمعية العامة لهيئة الأمم المتحدة في لندن 1946، قامت سياسته على عدم الاعتراف بدول الكتلة الشرقية , دعا لإقامة حلف إسلامي ، وتنقل بين دول كثيرة ، ونشر دعوته ، أصدر قراراً بمنع البترول عن الولايات المتحدة وبريطانيا لتواطؤ الدولتين في العدوان على الدول العربية . أحمد عطية الله . القاموس السياسي : 899 – 900 .

([110]) محمد الحبيب بن الخوجة . التضامن الإسلامي والأخوة العربية في سياسة الملك الشهيد فيصل ابن عبد العزيز : 7 .

([111]) الروم : 41 .

([112]) منير العجلاني : تاريخ المملكة في سيرة الزعيم فيصل : 213 – 215 .

([113]) جريدة البلاد , جدة : 30/12/1974 .

([114]) محمد الحبيب بن الخوجة , مرجع سابق : 13 .

([115]) محمد فتحي عثمان . التضـــامن الإسلامي عقيدة وضرورة . مجلة الأمة : شعبان 1401هـ  ص 14 .

([116]) آل عمران : 22 .

([117]) البقرة : 208 .

([118]) النساء : 58 .

([119]) المائدة : 8 .

([120]) النساء : 135 .

([121]) المائدة : 3 .

([122]) النحل : 91–96 .

([123]) انظر : د. عبد الرحمن إبراهيم الضحيان : المنظمات الدولية ص 258 .

([124]) طلعت سالم محمد رضوان , مرجع سابق : ص 20 .

([125]) صلاح شلبي , التضامن الإسلامي ومنظمة المؤتمر الإسلامي : 49 . المسند مرجع سابق 35–36 . الضحيان مرجع سابق : 257 – 360 .

([126]) الجات ووقائع اللقاء الخامس للندوة العالمية للشباب الإسلامي بنيروبي : 45 – 466 .

([127]) ولد سنة 1331 ، وتوفي 1402 هـ , وحكم من سنة 1396 إلى سنة 1402 هـ .

([128]) المجلة العربية , العدد الثالث , ذو الحجة 1396 : 29 .

([129]) الضحيان , مرجع سابق : 94 – 95 .

([130]) ولد سنة 1340هـ/1921م بالرياض، وبعد ولايات متعددة وإسهامات جليلة في القيام بشؤون المملكة ارتقى سدة الحكم، وتمت له البيعة 21 شعبان 1402هـ /13يونيو 1982م.

([131]) المجلة العربية , العدد الثالث , ذو الحجة 1396 : 29 .

([132]) جريدة عكاظ , عدد تذكاري , 21/8/1407 هـ : 28 – 29 .

([133]) وزارة الإعلام ، هذه بلادنا : 46 .

([134]) جريدة الشرق الأوسط : 3 يونيو 1998م .

([135]) وزارة الإعلام , مرجع سابق : 112 – 113 .

([136]) نفس المرجع : 285 .

([137]) جريدة الشرق الأوسط , 6 ربيع الأول 1419/30 يونيو 1998م .

([138]) الشريف الرضي . الديوان : 2/185 – 186 .

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

ثبت المراجــع

 

§        القرآن الكريم .

§        أحمد بن حنبل . المسند , موسوعة السنة ( الكتب الستة وشروحها ) ط . الثانية , دار سحنون ودار الدعوة , أسطنبول , 1413هـ/1992م .

§        د. أحمد طالب الإبراهيمي . آثار الإمام محمد البشير الإبراهيمي . دار الغرب الإسلامي , ط الأولى , 1997م .

§        أحمد عبد الغفور عطار :صقر الجزيرة (بدون تاريخ ومكان الطباعة ) .

§        أحمد عسة . معجزة فوق الرمال , المطابع الأهلية اللبنانية , ط3 , 1971م , لبنان .

§        أحمد عطية الله . القاموس السياسي .

§        جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية . مهرجان التضامن الإسلامي , نشرة المهرجان (1) .

§        أبو الحسن علي الحسني الندوي . كيف ينظر المسلمون إلى الحجاز وجزيرة العرب ؟, دار الاعتصام , الطبعة الثانية , القاهرة 1399هـ .

§        خير الدين الزركلي . مختصر تاريخ الملك عبد العزيز (دون تاريخ ومكان الطباعة) .

§        أبو داود . السنن , موسوعة السُنة (الكتب الستة وشروحها) ط . الثانية , دار سحنون ودار الدعوة , أسطنبول , 1413هـ/1992م .

§        رابطة العالم الإسلامي . عشرون عاما على طريق الدعوة والجهاد , مكة المكرمة , 1401/ 1981 .

§        سيد قطب , في ظلال القرآن . دار الشروق , ط9 , 1400 هـ / 1980م , بيروت لبنان .

§        الشرق الأوسط . العدد 7154 ، السنة العشرون , 6 ربيع الأول 1419هـ , 30 يونيو (حزيران , 1998م) .

§        صلاح الدين المنجد . أحاديث عن فيصل والتضامن الإسلامي . دار الكتاب الجديد , الطبعة الأولى , بيروت لبنان ، 1974م .

§        صلاح الدين شلبي . التضامن ومنظمة المؤتمر  الإسلامي , 1987م (بدون مكان الطباعة) .

§ طلعت سالم محمد رضوان . التضامن الإسلامي ودور المملكة العربية السعودية , جدة , معهد الدراسات الدبلوماسية / بحوث دبلوماسية ( د ت) وزارة الخارجية , الرياض , 1405هـ .

§        عبد الرحمن بن إبراهيم الطحان . المنظمات الدولية الإسلامية , الطبعة الأولى , 1411هـ/1991م ( دار النشر  : بدون ) .

§        عبد الله بن علي المسند . المنظمات الدولية والإقليمية وأثرها على العالم الإسلامي , دار المنار , القاهرة 1412هـ/1991م .

§        عبد المنعم الغلامي .  الملك الراشد جلالة المغفور له عبد العزيز آل سعود , الطبعة الثانية , دار اللواء, الرياض ,1400هـ .

§        عكاظ , عدد تذكاري بتاريخ 21/8/1407هـ .

§        قدري قلعجي . موعد مع الكرامة . قبس من حياة فيصل بن عبد العزيز وآرائه السياسية . دار الكتاب العربي (بدون تاريخ ومكان الطباعة) .

§        مجلة الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة . العددان , 55 , 56 , السنة 14 رجب / ذو الحجة 1402هـ .

§        المجلة العربية , العدد الافتتاحي الأول , جمادى الآخرة ـ رجب 1395 هـ .

§ محمد بن إسماعيل البخاري : الجامع الصحيح . موسوعة السُنة (الكتب الستة وشروحها ) ط الثانية , دار سحنون ودار الدعوة , أسطنبول , 1413هـ/1992م .

§ محمد حسن عواد . التضامن الإسلامي الكبير في ظلال دعوة القائد الزعيم فيصل بن عبدالعزيز، طبعة أولى ، مطبوعات الشعب ، القاهرة ، 1976م.

§        محمد فتحي عثمان . التضامن الإسلامي عقيدة وضرورة ( بدون تاريخ ومكان الطباعة ) .

§        مقداد يلجن . الشعوب الإسلامية ووسائل التقريب بينها , إدارة الثقافة والنشر بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية , 1408هـ / 1988م .

§        منظمة المؤتمر الإسلامي , إعداد وتنفيذ شركة مروة للعلاقات والإعلام والإنتاج – جدة  (بدون تاريخ ) .

§ الندوة العالمية للشباب الإسلامي , الدعوة الإسلامية , الوسائل , الخطط , المداخل , أبحاث ووقائع اللقاء الخامس المنعقد بنيروبي بكينيا , الطبعة الثانية , الندوة العالمية للشباب الإسلامي والرياض , 1405هـ .

§        النسائي . السنن , موسوعة السُنة (الكتب الستة وشروحها ) ط . الثانية , دار سحنون ودار الدعوة , أسطنبول , 1413هـ/1992م.