مقدمـــة :

الحمد لله الذي جعل قوة عباده المسلمين في دينهم وعقيدتهم ، وعزتهم في تمسكهم بحبل الله ، ووحدة صفهم وغلبتهم ونصرهم في تضامنهم وتعاونهم على البر والتقوى والعمل الصالح ، فبذلك جاء الخطاب العلوي الإلهي الكريم : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ، وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا }([1]).

كما ورد الخطاب مرة أخرى مبرزاً أهم صفة لهم وللمؤمنين فيما بينهم ، هي صفة الأخوة الجامعة لا الأخوة المادية الدموية ، ولكنها أخوة الدين أخوة الإسلام التي نوه بها تعالى في قوله : { إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ }([2])، ووصفها بكونها نعمة ، تنبثق من التقوى والإسلام ، وأساسها الاعتصام بحبل الله وتراص الصف وتجنب التفرق ، وقد بينت هذا المعنى الشريف السنة النبوية في قول رسول الله ونبيه الداعي إلى ربه والأمين على وحيه محمد بن عبد الله واصفاً إياه بقوله: " إن مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الأعضاء بالسهر والحمى"([3]) .

فحمداً وشكراً لله على ما به أنعم ، وعلى ما تضمنه كتابه الأقوم من وصف سبيل القوة والسلام والأمن ، وصلى الله على نبي الرحمة وقائد الأمة الذي بلغ الرسالة وأدى الأمانة ، وعلى آله وصحبه وذريته ومن تبع هداه إلى يوم الدين ، أما بعد :

فإنه ليسعدني ويشرفني أن أدعى للكتابة في ذكرى مرور قرن على بداية الدور الثالث الذي فتح فيه الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن الفيصل آل سعود الرياض ، فانطلق منها إلى توحيد أجزاء البلاد تحت راية التوحيد ، ثم تم له تأسيس الدولة العربية السعودية الموحدة([4]) ، وبمناسبة استقبال المائة الثانية المباركة من عمرها المديد بإذن الله للحديث عن صفة كريمة شريفة تعد منقبة من مناقب هذه الدولة ووصفاً لازماً لملوكها ، تعلو بها منازلهم ، وتتوج بأكاليلها هاماتهم ، ألا وهي التضامن الذي نعتد به، ونعده من قبل - واليوم بخاصة - عقيدة وضرورة حيوية لمجتمعنا الإسلامي الذي اختلفت عليه عوادي الزمن ، وهيض جناحه ، فهو يرنو بآماله وتطلعاته إليهم ، وينتظر عن طريقهم ما يعيد إلى هذه الأمة كرامتها ونبلها وقيادتها وريادتها التي كتبها الله لها.

 

تعريف التضامــن :

لقد وقفت إزاء كلمة التضامن في اللغة وقفة غير قصيرة ملاحظاً ما بينها وبين كلمات أخرى من ترادف وترابط في المعنى ، فإنك لا تنطق بها أو تذكرها حتى تنال على ذهنك سائر الكلم والمعاني الأخرى ذات الصلة بها.

والتضامن مأخوذ من ضمـــن الرجل ونحوه ؛ أي كلفــــه ، أو التزم أن يؤدي عنـــه ما لزمـــه، أو ما قد يقصر في أدائــــه، ويقال : تضامن القوم ؛ أي التزم كل منهم بأن يــــؤدي عن الآخر ما قد يقصر عن أدائـــه ، وأن يحميه ويدافع عنه بكل ما يملك من نفس ونفيـــس.

وبعبارة أخرى التضامن هو التزام القوي أو الغني معاونة الضعيف أو الفقير([5]) والدفاع عنه ، والتزام الضعيف أو الفقير مقابل ذلك القيــــام بكل ما في وسعه وطاقته مما يقتضيه التضامن من التعاون والترابط والتساند والتعاضد ، وكاحتياج الدول الفقيرة أو الضعيفة إلى الدول الغنية أو القوية ، ويكون بين طرفين متكافئين قوة وغنى ، ولكن يحتاج كل طرف منهما إلى عون الثاني أو دعمه أو مساندته له فيما لا يقوى أو لا يقدر عليه ، فيتكفل هذا الطرف للآخر بما يحتاج إلى العون والمساندة فيه، والتضامن الاجتماعي : قيام الدولة بمعونة المحتاجين([6]).

فالتضامن دائماً التزام من طرفين أو أطراف ، كل بحسب ما يستطيع ، وبحسب إمكانياته العلمية والفكرية وإمكانياته العملية والمادية .

والتضامن بهذا المعنى يحصل منه التعاون والتكافل والترابط والتعاطف والتكاتف والتناصر والتآلف.

ثم إن التضامن قد يطلق على معنى أشمل وأوسع ؛ إذ منه ما يكون دينيًّا ، أو يكون قومياً ووطنياً ، كما أن منه ما يكون مصلحياً ، أو اقتصادياً ، أو سياسياً ، أو عسكرياً ، أو تآمرياً عدوانياً ، أو خيرياً إنسانياً([7]) .

أما تقييد التضامن بأنه إسلامي فيحدد نوعاً معيناً من أنواعه .

فالتضامن الإسلامي: تكافل المسلمين على وفق ما تقتضيه أوامر الإسلام ونواهيه، وإرشاداته وتوجيهاته، ومقاصده وغايته في جميع شؤونهم الدينية والدنيوية([8]) .

وهذا المعنى يؤكد بوضوح أن كون التضامن إسلاميا يقتضي أن يكون بجميع معانيه ومعاييره ووسائله وأساليبه ومقاصده وأهدافه محكوما بالإسلام ، فتخرج جميع أنواع التضامن التي تتنافى مع الإسلام  .

إلا أن هذا المعاني النبيلة السامية التي وقعت الإشارة إليها قبل تجسد التضامن الحق على أرض الواقع حين تكون مصبوغة بصبغة الإسلام ؛ لأنها معان واقعية وعملية ، لا سرية ولا خيالية ، فتحقق الأخوة الحقة والعدالة الاجتماعية ، وتضمن الخير  والكرامة والقوة والمنعة والسعادة للجميع ، فتذوب جميع الفوارق الاجتماعية  المذمومة من الشعوبية والعنصرية والتفاخر بالأجناس والأنساب وادعاء التفاضل بالأشكال والألوان والألقاب ، فيسود الحق والعدل، ويضمحل الباطل والظلم.

ولقد وضح الشهيد سيد قطب  – رحمه الله تعالى – معنى التضامن في الإسلام أتم توضيح من خلال تفسيره للآية الحادية والسبعين من سورة التوبة ، وهي قول الله تعالى: { وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ سَيَرْحَمُهُمْ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ }([9]) ؛ إذ قال – رحمه الله تعالى – : ( إن طبيعة المؤمن هي طبيعة الأمة المؤمنة طبيعة الوحدة طبيعة التكافل وطبيعة التضامن ، ولكنه التضامن في تحقيق الخير ودفع الشر : { يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنْكَرِ} وتحقيق الخير  ودفع الشر يحتاج إلى الولاية والتضامن والتعاون .

ومن هنا تقف الأمة الواحدة صفا واحدا لا تدخل بينهما عوامل الفرقة ، وحيثما وجدت الفرقة في الجماعة المؤمنة فثمة – ولا بد – عنصر غريب عن طبيعتها وعن عقيدتها ، هو الذي يدخل بالفرقة ، ثمة غرض أو مرض يمنع السمة الأولى ويدفعها ، السمة التي يقررها العليم الخبير ،{ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ } يتجهون بهذه الولاية إلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وإعلاء كلمة الله وتحقيق الوصاية لهذه الأمة في الأرض ، { وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ } الصلة التي تربطهم بالله ، { وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ } الفريضة التي تربط بين الجماعة المسلمة ، وتحقق الصورة المادية والروحية والتضامن ، { وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ } فلا يكون لهم رأي غير أمر الله وأمر الرسول ، ولا يكون لهم دستــــور إلاّ شريعة الله ورسولـــه ، ولا يكون لهم منهــج إلا دين الله ورسوله ، ولا تكون لهم الخيرة إذا قضى الله ورسوله ، وبذلك يوحدون منهجهم ، ويوحدون هدفهم، ويوحدون طريقتهم ، فلا تتفرق بهم السبل عن الطريق الواحد الواصل المستقيم ، { أُوْلَئِكَ سَيَرْحَمُهُمْ اللَّهُ} والرحمة لا تكون في الآخرة وحدها ، إنما تكون في هذه الأرض أولا ، ورحمة الله تشمل الفرد الذي ينهض بتكاليف الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة ، وتشمل الجماعة المكونة من أمثال هذا الفرد الصالح، رحمة الله في اطمئنان القلب وفي الاتصال بالله وفي الرعاية والحماية من الفتن والأحداث ، ورحمة الله في صلاة الجماعة وتعاونها وتضامنها واطمئنان كل فرد للحياة واطمئنانه لرضى الله([10]).

 

ركائز التضامن الإسلامي :

وإذ تم شرح معنى التضامن لغة وشرعا نبدأ الحديث عن الركائز التي يرتكز عليها التضامن الإسلامي ، ونريد بها أصوله وأسسه وأركانه ومقوماته التي لا يتم ولا يستقر على قرار ويقوم على ساق إلا بها .

إن المتتبع للآيات القرآنية والأحاديث النبوية الداعية للمسلمين إلى الوحدة والموالاة والمناصرة والتعاون والترابط يلحظ بوضوح تام أن النصوص تركز على تنبيههم إلى أن كونهم مؤمنين بالله وحده لا شريك له ، وكونهم كلهم ذرية نفس واحدة وهي آدم عليه السلام وكون كتابهم واحدا يقتضي أن يكونوا متحابين متحدين متوالين متناصرين مترابطين متعاونين ، وبعبارة أوضح يقتضي أن يكونوا متحابين متحدين في جميع المجالات وفي كل المواقف على وفق ما ينهجه لهم الإسلام  موقنين بأن جعلهم شعوبا وقبائل إنما قصد به تسهيل التعارف بينهم وتوثيق الروابط بينهم وتيسير التعاون بينهم ، وأن اختلافهم في الألوان والألسن والأشكال إنما يعبر عن عظمة آيات الله الدالة على قدرته سبحانه وتعالى، كما هو الحال في جميع المخلوقات من الحيوانات والنباتات وجمادات وغير ذلك .

وبهذا علم أن التضامن الإسلامي يرتكز على ركائز بلغت الغاية في القوة والمتانة والنهاية في الشمولية والعمومية ، منها :

 

1– الإيمـــان بالله :

والمقصود هنا الإيمان بمعناه الشامل المرادف للإسلام الذي قال الله تعالى عنه : {إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلامُ }([11])،{ وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنْ الْخَاسِرِينَ }([12]) .

ومن الآيات الدالة على كون الإيمان ركيزة للتضامن الإسلامي قوله تعالى : { إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ }([13]) ، { وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ }([14])؛ فقد أوضحت الآية الأولى أن الإيمان هو مرتكز أخوة المؤمنون الموجبة لوحدتهم وتضامنهم  على وفق ما يقتضيه هذا الإيمان ، ووضحت الثانية بأن الإيمان هو مرتكز موالاة المؤمنين الموجبة لتناصرهم وتضامنهم وتواصيهم باتباع ما يرسمه هذا الإيمان الذي وحدهم في جميع شؤونهم الدينية والدنيوية ، ولذا يناديهم الله سبحانه وتعالى عند الأمر والنهي باسم الإيمان في الغالب : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ }([15])، وقد بلغت نداءات الرحمن لعباده المؤمنين بهذا الاسم تسعين نداء في القرآن الكريم .

وهناك حديثان صحيحان متفق عليهما رسما الصورة المثلى التي يجب أن يكون عليها التضامن بين المسلمين ، الحديث الأول قوله : " لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه "([16])، والحديث الثاني قوله : "مثل المسلمين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى"([17])، وفي كلا الحديثين دليل واضح على أن الإيمان ركيزة للتضامن بين المسلمين الذي يجعلهم كالجسد الواحد.

والإيمان بالله الواحد الأحد الفرد الصمد الذي لا شريك له في ربوبيته وألوهيته وفي أسمائه وصفاته هو الذي ألهب مشاعر المؤمنين من المهاجرين والأنصار حتى صار الواحد منهم يؤثر أخاه في الإسلام  على نفسه رغم حاجته : { وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ}([18])، وبالإيمان بالله يتوحد تصور الأمة الإسلامية للوجود والقيم والأعمـــال والأحداث والأشياء والأشخاص ، فترجع إلى ميزان واحد تقوم به ما يعرض لها في الحياة ، وتتحاكم إلى شريعة واحدة من عند الله الأحد الصمد([19]) .

 

2– الأخوة في الله ، وفي سبيله ، وعلى منهجه :

    وهي التي نوه بها سبحانه ، تجلب للأفراد والجماعات الملتقية على الخير والإيمان أسباب التقدم والرقي والمنعة والعزة والمنعة ، كما أنها النعمة التي أصبغها الله سبحانه عليهم ، فاحتجبت بسببها الأحقاد ، وتلاشت بها التيارات ، وانقضت معها الأطماع، فتكافؤوا في البر ، وأصبحوا يداً واحدة على من سواهم ، وهذه الإخوة التي تضمنتها الآية الكريمة ، الأخوة في الله ضرورية ؛ كي يقوم كيان الأمة الإسلامية على التضامن والحب والتكافل ، فتختفي في ظلالها مشاعر الأثرة ، وتتضاعف بها مشاعر الإيثار .

وتعامل المؤمنين جميعاً شعوباً ودولا ليس أقل أهمية فيما تقتضيه الأخوة من العلاقة والتكافل بين الأفراد؛ لأن الأخطار المحدقة بالعالم الإسلامي والأزمات التي يمر بها تستوجب قيام التضامن بين المؤمنين أينما وجدوا ، وهو إلى جانب كونه عقيدة دينية يعد في هذه الأحوال ضرورة حيوية لتدفع الدول الإسلامية بها عن نفسها أولا هجمات التحالف العدواني من قوى متعددة يستحثها الشيطان بين المسلمين أنفسهم فضلا عن استثارتها بين أعدائهم ، وتحقق تجاوبها مع مقتضيات التقدم والتطور في عصرنا ثانياً ، فتشد الدول الإسلامية أزر بعضها بعضا للقيام بما هي في حاجة ماسة إليه من تغيير وتطوير في الميادين العلمية والثقافية والاجتماعية والاقتصادية .

 

3– وحي الله العليم الحكيم (كتابه وسنة رسوله محمد e ) :

    القرآن الكريم وصفه منزله – جل وعلا – بأنه إمام ، وموعظة، ونور ، وبيان، وبرهان، وتبيان ، وهدى ، وفرقان، ورحمة ، وشفاء لما في الصدور، يهدي للتي هي أقوم ، لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ، قول فصل وما هو بالهزل ، ووصفه من نزل على قلبه e بأنه لا يخلق جديده ، ولا يبلى على الترداد ، ولا تنقضي عجائبه، فيه نبأ من قبلنا وحكم من بعدنا ، ثم هو حجة للمسلمين أو عليهم.

والكتاب والسنــــة هما دستور المسلمين وقانونهم في جميع شؤونهم الدينية والدنيوية : { قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَاي وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ، لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ }([20]) ، فعلى المسلمين أن يستمسكوا بكتاب الله وسنة رسوله محمد e ، وأن يقوموا بالدعــوة إليهما والالتزام بما فيهما : {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا }([21]) .

وقد استقامت هذه الأمة الإسلامية في مراحلها الأولى على هدي القرآن ، وعلى هدي من أنزل على قلبه ، فبينه ، وبلغه ، وحكم به ، وحكمه في النفوس بالأمانة ، ونصبه ميزانا بين أهواء النفوس وفرقانا بين الحق والباطل وسدا بين الوحدانية والشرك ، كان أول هذه الأمة يحكمونه في أنفسهم ، ويقفون عند حدوده ، ويزنون به حتى الخواطر والاختلاجات ، ويردون إليه كل ما يختلف فيه الرأي أو يشذ به الفكر ، أو يزيغ فيه العقل([22]).

يقول إمــــام دار الهجرة مالك بن أنس رحمه الله : "لا يصلح آخر هــــذه الأمة إلا بما صلـــــح به أولها " ، هذا القــــرآن وهذه السنة هما اللذان صلح عليهما أول هذه الأمة ، وهمــــا اللذان لا يصلح آخرها إلا عليهما ، فإذا كانت هذه الأمة شاعرة بسوء حالها ، جادة في إصلاحها ، راغبة في التضامن فيما بينها ، فما عليها إلا أن تعود إلى كتـــــاب ربها وسنة نبيها ، فتحكمهما في نفسها ، وتحكم بهما ، وتسير على ضوئهما ، وتعمــــل بمبادئهما وأحكامهما ، والله يؤيدهــــا ، ويأخذ بناصيتها ، وهو على كل شـيء قديــــر([23]) .

 

4– المساواة في الإنسانية ( الجميع من آدم ، وآدم من تراب ):

قال الله تعالى  : { يا أيها يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ }([24])، { يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَتَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً }([25]) ، { هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ }([26])، فالبشر إخوة أشقاء من أب واحد وأم واحدة ، والإنسان أخو الإنسان ، وهذا الإنسان قد كرمه الله الذي خلقه ، وسخر له ما في السماوات والأرض ، واختاره من بين السماوات والأرض وسائر الأكوان لحمل الأمانة ، ومؤدى جملة ( الإنسان أخو الإنسان ) عقد الأخوة بين أفراد البشر بموجب الإنسانية التي هي حقيقة سارية في كل فرد ، ومقتضى هذه الأخوة أن يشارك الإنسان الإنسان في جميع لوازم الحياة سرورا وحزنا ، لذة وألما ، مشاركة معقولة تنتهي إلى حدود لا تتعداها ، ومقتضى هذه الأخوة أيضا المساواة في الحقوق البشرية العامة  وإلغاء سنة التمايز والاستئثار([27])، ولعل هذا هو السر في أن رسول الله e شرع في خطبة النكاح ركيزتي الإيمان والمساواة في الأصل الإنساني في ثلاث آيات([28]).

ولقد بلغت نداءات الرحمن الرحيم لبني آدم باسم { يَا أَيُّهَا النَّاسُ } في القرآن الكريم تسعة عشر نداء عند الأمر أو النهي أو التوجيه والإرشاد ، مما يدل دلالة واضحة على أن مساواتهم في الإنسانية تعد ركيزة للتضامن فيما بينهم.  

 

5– المسؤولية المشتركة والمتبادلة :

لا تتحقق فكرة التضامــن الإسلامي بين المسلمين ولا ترتكز في النفوس ولا تستقر في القلوب إلا بوجود المسؤولية المتبادلة والمشتركة في نفوسهم ، فما بقيت أمة من الأمم خالـــدة إلا بتبادل هذه المسؤولية بين أبنائها ؛ بأن يشعر كل فرد منهم في نفسه أنه مســـؤول أمام الآخر ، فيتبادل ويشتد هذا الأساس والشعور بينهم ، ثم يرون أنفسهم مع غيرهم من أعضاء الأمة سواء في النفع والضرر ، وفي البأساء والضراء ، وفي الفلاح والخســـران .

و"من أبهج ساعات العمر ساعة يقف فيها أخ يحادث إخوانه على بساط الشعور المشترك والإحساس الصادق والإخلاص القول وحسن الإصغاء ، يتلو عليهم ما فيه العبرة من ماضيهم وحاضرهم ، يذكرهم ما ليسوا عنه بغافلين من أخذ الأهبة للمستقبل المحجوب ، يدعوهم إلى الجد في العمل المشترك ، يدعوهم إلى التعاون في الصالحات ، يدعوهم إلى نفض غبار الكسل والتواكل ، يدعوهم إلى مجاراة السابقين في الحياة ، يدعوهم إلى العمل لما فيه سعادة الدارين ، يدعوهم إلى نبذ موجبات التفرق والتخاذل ، يدعوهم إلى تقوية أسباب الألفة والأخوة ، يدعوهم إلى أخذ شؤون الحياة في أسبابها المعقولة ، يدعوهم فيسمعون فيعرفون قيمة ما دعا إليه ، فيفوز الداعي بفضيلة الدعوة والإرشاد إلى الحق والتنبيه إلى الواجب ، ويفوز المدعو بفضيلة الاسترشاد والعمل بالنصيحة ، ويلتقي الكل عند أشرف غاية في هذه الحياة ، وهي أداء الواجب الاجتماعي "([29]).

 

التضامن الإسلامي مكمن القوة للأمة الإسلامية :

     إن التضامن الإسلامي يحقق بين المسلمين خيري الدنيا والآخرة وعزهما إذا قاموا به حق القيام ، كما حقق ذلك لأسلافهم حين قاموا به حق القيام ، فكانوا سادة الدنيا وقادتها ، وكانوا أصحاب القوة العظمى في العالم كله بلا نزاع .

وذلك أن التضامن الإسلامي يتضمن جميع مظاهر القوة المعنوية والمادية وعواملها، ومن ثم فهو مناط قوة الأمة الإسلامية ، فلا قوة لها بدونه .

وفيما يأتي الإشارة إلى أهم مظاهر التضامن الإسلامي وصوره :

1) الإخاء : كما ألمحنا إلى ذلك من قبل ، وهو سبيل التراحم والتكافل : { إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ}([30]) ، { فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً } ([31]).

2)  الوحدة : وهي مكمن القوة والمنعة : { إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ}([32]) ، { وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِي}([33]) .

3)  المساواة : وبها تحصل العدالة الاجتماعية : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ أَوْ الْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيّاً أَوْ فَقِيراً فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا}([34]) .

4)  الهجرة إلى الله : التي تتحقق بها الكرامة ، ويؤذن بها قوله تعالى : { إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمْ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُوْلَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيراً }([35]) .

5)  التعاطف والتودد والتواصل والإيثار : { وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ}([36]) .

6)  التعاون والتناصر على فعل الخيرات ، وذلك سبيل الظفر والأمانة : {وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ}([37]) .

7)  التواصي بالحق والتواصي بالصبر ، وهو سبيل الاستقامة وصلاح المجتمع والاستقرار والرخاء : { إِنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ ، إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ }([38])، { وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنْ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ}([39]) ، { وَأَلَّوْ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقاً}([40]) .

8)  حماية حوزة الإسلام والمسلمين ، وتأمين مسيرة الدعوة الإسلامية بالجهاد بالبيان والبنان : { وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ}([41])، { وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنْكَرِ وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ}([42]) ،{ الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوْا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنْ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ}([43]) .

9)  عقد السلام والسلم مع كل من سالم المسلمين ، وذلك سبيل لتعميم الخير والإقساط : { لا يَنْهَاكُمْ اللَّهُ عَنْ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ}([44]) .

10)  نشر العلم بمعناه الشرعي العام الشامل لجميع أنواع العلوم النافعة : { اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ ، خَلَقَ الإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ ، اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ ، الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ ، عَلَّمَ الإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ }([45]) ، { قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ }([46]) .

11)  العمل الصالح بمعناه العام : { وَقُلْ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ}([47])  { فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ }([48]) ، { فَإِذَا قُضِيَتْ الصَّلاةُ فَانتَشِرُوا فِي الأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ }([49]).

12)  بناء القوة الزراعية ، والتجارية ، والاقتصادية ، والصناعية ، واستخراج خيرات الأرض وكنوزها . يلفت النظر إلى ذلك القرآن الكريم في العديد من آيته مثل قوله تعالى : { يُنْبِتُ لَكُمْ بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالأَعْنَابَ وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ}([50])  ، { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلاَّ أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ}([51]) ، { وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ لِتُحْصِنَكُمْ مِنْ بَأْسِكُمْ}([52]) ، { وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ}([53]) ، { قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الأَرْضِ }([54])، { هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً }([55]) ، { وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً مِنْهُ }([56]) ، ويحث الرسول الكريم