مقدمــــة :

لحكمة يريدها الله – سبحانه– تنفرد بعض الأمكنة بصفات تميزها عن مثيلاتها، وتمنحها خصوصية تستهوي القلوب المؤمنة ، وتجتذب النفوس المتعطشة لرضوان الله ، كي تنعم في رحابها بطمأنينة العبادة، وتتذوق في أكنافها حلاوة الإيمان . والمسجد النبوي واحد من هذه الأمكنة المتميزة تميز في مُنْشِئه ونشأته، وتميز في وظيفته والعطاءات التي تدفقت منه، وتميز في تخطي آثاره حدود الزمان والمكان، وتميز في (تَمـيُّزِ) الذين وفقهم الله للعناية به وخدمة الإسلام والمسلمين من خلاله . فَمُنْشِؤُهُ هو رسول الله e خاتم الأنبياء والرسل أجمعين، ونشأته هي جزء من نشأة الدين الذي ارتضاه الله لخلقه إلى يوم الدين، وتاريخه الأول هو تاريخ بناء المجتمع المسلم والدولة الإسلامية، ووظيفته صنع الجيل الرائد الذي حمل رسالة السماء إلى أهل الأرض، والعطاءات التي تدفقت منه هي أسس الحضارة الإسلامية وجداولها التي صنعت تاريخاً مجيداً على مر العصور ، وامتدت آثارها عبر القرون من أدنى الأرض إلى أقصاها، وما زالت حتى اليوم رافداً إيمانياً عظيماً لكل من يرزقه الله التفقه في رحابه، والذين وفقهم الله للعناية به في تاريخه الطويل خلفاء وسلاطين وملوك وأمراء وأعيان تقربوا إلى الله بخدمته وعمرانه، وقدموا للإسلام والمسلمين خدمات جُلّى من خلال خدمته . فالمسجد النبوي ليس مجرد موقع من مواقع العبادة، بل هو إضافة إلى ذلك رمز من رموز القدسية، تُشَدُّ إليه الرحال من أطراف الأرض، وتجتمع فيه طوائف من أقطار العالم ترجو أن تتهيأ لها ظروف العبادة المطمئنة . وخدمة المسجد النبوي خدمة لهؤلاء جميعاً، واجتهاد لتمكين الإيمان في قلوبهم، وإعزاز الإسلام من خلالهم .

ولقد وفق الله تعالى– في من وفقه – الملك عبد العزيز –رحمه الله –وأبناءه الذين حملوا أمانة الحكم والإدارة إلى خدمة المسجد النبوي خدمة متميزة جديرة بالثناء والدعاء، وجديرة بأن يفرد لها بحث يبين أبعادها وآثارها القريبة والبعيدة في خدمة الإسلام والمسلمين . وهذا ما وجدت نفسي مشدودة إليه، لأشارك به في موسم الخير والعطاء، موسم الاحتفال بمرور مائة سنة على تأسيس المملكة العربية السعودية، آملاً أن يكون هذا البحث لبنة من لبنات تأريخ العهد السعودي الزاهر، وبياناً للحقيقة، وشكراً وعرفاناً لمن صنعوا الأحداث المجيدة ، وشادوا الصرح الكبير، والله أسأل أن يسدد خطانا ويوفقنا إلى ما يحبه ويرضاه، إنه سميع مجيب .   

تأسيس المسجد النبوي : الحدث

يرتبط تأسيس المسجد النبوي بحدث كبير في تاريخ الإسلام والمسلمين هو الهجرة النبوية من مكة إلى المدينة.

فقد كانت المدينة قبل الهجرة ـ وكان اسمها يثرب ـ بلدة شبه مغلقة على نفسها، بعيدة عن الأحداث التاريخية المؤثرة، تسكنها قبائل الأوس والخزرج واليهود وأفراد من قبائل عربية شتى، وكانت القبيلتان الكبيرتان؛ الأوس والخزرج، شقيقتين لدودتين، انهمكتا لأكثر من قرن في صراعٍ دموي متقطع([1]) ،لم تغب عنه أصابع اليهود ومكائدهم، التي تثير الفتنة وتؤججها بين الحين والآخر([2]). وكان بعض المتصارعين من القبيلتين قد ملَّوا الصراع والدماء ، وأدركوا ألاَّ طائل وراءهما، وأن المستفيد الأكبر من هذه الحروب هم اليهود، فأخذوا يتلمسون الخلاص([3]).

وفي الوقت نفسه كان المسلمون في مكة أشبه بجزيرة في بحر من الشرك، يعانون من صد المشركين وتطاولهم عليهم ([4])  .

وشاء الله أن تتفتح قلوب بعض أهل يثرب لدعوة الحق، وأن يستجيبوا لصوت الإيمان ، ويبايعوا رسول الله e على النصرة والتمكين، ويدعوه للهجرة إليهم كي تبلغ الدعوة الإسلامية مداها([5])، فأرسل رسول الله e مصعب بن عمير t أول الأمر ليبدأ الدعوة في يثرب ، ويستقطب النفوس التي تستجيب لها، ويزيد عدد المسلمين فيها، وكان مصعب الداعية الموفق، فأسلم على يديه عدد من الأوس والخزرج([6]) .

وأذن رسول الله e للمسلمين بالهجرة، ثم تبعهم بصحبة صاحبه الأول أبي بكر الصديق t ، وحاول المشركون النيل منه عليه الصلاة والسلام ، ولكن الله نجاه

 

منهم، ووصل مشارف المدينة ، ونزل في قباء، وكانت قرية مستقلة تفصلها عن المدينة مزارع النخل وبساتين الخضرة والفاكهة([7]).

أمضى رسول الله e في قباء بضعة أيام أسس خلالها مسجد قباء، وشارك في وضع بعض أحجاره ، ثم ترك للصحابة المقيمين فيها أن يتموه، وتوجه نحو المدينة([8]) .

كانت المدينــة مجموعة تجمعات سكانيـــة متوزعة توزعاً قبلياً حيث تسكن بطون من الأوس في مناطق، وبطون من الخزرج في مناطق أخرى، وقبائل اليهود في مناطق ثالثـــة([9]) .  (انظر المصور المرفق للتوزع السكاني في يثرب).

 

 

مضى رسول الله e ومعه أبو بكر الصديق وبعض الصحابة إلى المدينة، وبلغ بطن وادي رانوناء، حيث يسكن بنو سالم بن عوف، بطن من بطون (الخزرج) ، وكان اليوم يوم جمعة، فأدركه وقت الظهر عندهم، فنزل وصلى بهم وبمن معه أول جمعة يصليها في المدينة، وقام إليه بنو سالم بن عوف يسألونه أن يحظوا بشرف إضافته، وأمسك بعضهم بزمام ناقته طمعاً في أن يقتادها إلى منازله، فقال لهم رسول الله e : (دعوها فإنها مأمورة)([10]) ، وسارت الناقة بين المزارع حتى بلغت مساكن بني بياضة فهب إليه بعض وجوهها ، وسألوه e أن ينزل فيهم حيث العدد والعدة والمنعة، فكان جوابه: " دعوها فإنها مأمورة "([11]) .

ومضت المأمورة في الطريق إلى قلب المدينة، ومرت بمساكن بني الحارث (بطن من بطون الخزرج) ، فخرج إليه سادتها سعد بن الربيع وخارجة بن زيد وعبد الله بن رواحة، ورجوه النزول عندهم، فكان الجواب نفسه: " دعوها فإنها مأمورة "([12])  .

وواصلت الناقة سيرها ، فبلغت مساكن بني عدي بن النجار (بطن من بطون الخزرج) ، فسارع إليه من أعيانها سليط بن قيس وآخرون ، وأمسكوا زمام الناقة طمعاً في أن يكون لهم ما لم يكن لمن قبلهم، فكان الجواب نفسه: " دعوها فإنها مأمورة " . وسارت الناقة ، وقد ترك لها زمامها غير مشدود ، ولا موجهاً لجهة معينة حتى بلغت مساكن بني النجار ، وهم أيضاً بطن من بطون الخزرج، ودخلت أرضاً بين المساكن غير ممهدة فيها بعض أشجار النخيل وأعشاب وقبور قديمة، ولم تكن مستثمرة إلا في تجفيف التمر عند جنيه، لذلك كانت تسمى (مربداً) ، وعندما دخلتها الناقة توقفت فيها، ثم بركت دون أن تستقر، ومن حولها جمع من المسلمين أحاطوا بالركب، ولم تلبث الناقة أن قامت ثانية وسارت غير بعيد في الأرض ذاتها، ثم عادت إلى مكانها الأول وبركت فيه بركة استقرار ومكث، وأدرك رسول الله e أن هذا هو المقام الذي انتهت إليه (المأمورة) فنزل عنها وقال: " هذا المقام إن شاء الله"([13]) . وسارع أبو أيوب الأنصاري t إليها فحل عنها الرحل وحمله إلى بيته ، وكان قريباً من الموقع، وأقبل الصحابة الكرام على رسول الله e كل يدعوه أن ينزل عنده لينال شرف الإضافة، ولعل رسول الله e قد رأى في مبادرة أبي أيوب وسبقه إلى الرحل كياسة وحسن تصرف، ورأى أن اختيار المضيف من بين الصحابة المتلهفين لإضافته ما يسعد بعضهم ، ويغص للحرمان منه بعضهم الآخر، فكان المخرج غاية في اللباقة والإقناع، سأل عن رحله، فقيل: حمله أبو أيوب إلى داره، فقال عليه الصلاة والسلام: (المرء مع رحله)([14]).

وتروي بعض كتب الحديث والسيرة أنه e في اليوم الثاني سأل عن أصحاب المربد فقيل له: إنه لغلام أو لغلامين يتيمين يكفلهما أسعد بن زرارة فأرسل إليهم (ثامنوني بحائطكم) أي أخبروني عن الثمن لأشتريه، فقالوا هو لك يا رسول الله، وقال الوصي على اليتيم أو اليتيمين: (أنا أرضيه يا رسول الله) أي : أنه سيتحمل ثمنه ويدفعه له، فأبى رسول الله e إلا أن يشتريــــه شراء، وقدر الثمن بما كان سائداً آنئذ، ودفعه أبو بكر t من ماله الذي حمله في هجرته. وأعلم رسول الله e الصحابة بأن هذه الأرض ستكون المسجد الجامع ، وأنه عازم على بنائه([15]).

دلالات الحدث:

وهنا نتوقف قليلاً لننظر في حدث اختيار موقع المسجد النبوي حيث تبدو لنا دلالات عدة ، من أهمها :

أولاً : الدلالة الغيبية:

أول ما تقف عنده قوله e لكل من أراد أن يأخذ خطام ناقته ( دعوها فإنها مأمورة ) ، فهي واضحة الدلالة على الجانب الغيبي في الاختيار: أي على وجود توجيه إلهي مباشر، تمضي فيه الناقة العجماء ، وهي تحمل سيد البشر إلى الموقع الذي اختاره الله له، وألهم رسوله الله e أن يبني فيه مسجده، وهذا التوجيه لا نعرفه من قبل في غير بيت الله الحرام الذي بوأه الله –سبحانه –لإبراهيم([16])، فهل يصل بنا الاستنتاج إلى أن مكانة المسجد النبوي وقدسيته تجعل موقعه يتحدد بالتعيين المباشر الذي يظهر لرسول الله e وللصحابة الكرام في حينه؟ ([17])

ثانياً : الدلالة الاجتماعية والنفسية:

وثمة دلالة أخرى ترتبط بالجانب الاجتماعي والنفسي، فقد كانت حكمة بالغة منه e أن يعلن لكل من دعاه للنزول عنده أن الاختيار أمر غيـبي لا يد له فيه (دعوها فإنها مأمورة) ، وعندما يكون الاختيار على هذا النحو فلن يثير شيئاً من الحساسية أو الشعور بتفضيل طرف على آخر، خاصة إذا أدركنا أن حروب السنوات الطويلة بين الأوس والخزرج التي هدأت لتوها مازال رمادها يغطي جمراً، ولا أدل على ذلك من محاولات اليهود الإيقاع بين القبيلتين ونجاحهم في ذلك لمدة وجيزة([18]).

فالعامل النفسي خلفه الشعور بالرضا التام، والعامل الاجتماعي خلفه الاتفاق الكامل بين جميع القبائل وبطونها على الإقبال على المسجد النبوي الذي اختار موقعه رسول الله e بإلهام رباني وعملهم فيه بحماسة ونشاط.

ثالثاً : الدلالة الجغرافية:

ترتبط الدلالة الثالثة بالجانب الجغرافي للمدينة آنئذٍ، فقد كان سكان المدينة يتوزعون في شبه دائرة تمتد من أطراف قباء إلى منطقة الجرف، وهذا يعني أن المنطقة التي صارت موقعاً للمسجد النبوي هي قلب تلك التجمعات، وهذا عامل جغرافي مهم يساعد على تجميع المسلمين في المسجد.

رابعاً : الدلالة التشريعية :

الدلالة الرابعة تشريعية أرست قاعدة عظيمة من قواعد الملكية الفردية والملكية الجماعية، وما يسمى في عصرنا الحاضر أيضاً بحق الفرد وحق الجماعة، وأقامت توازناً دقيقاً في العلاقة بينهما: حق الفرد في حفظ ماله وصيانة ملكيته الخاصة، وحق الجماعة في الاستمــــلاك إذا كانت المصلحــــة تقتــــضي ذلك، على أن تدفع تعويضاً عادلاً لقاء ما استملكته.

فالمسجد ضرورة للجماعة، ولا بد له من أرض يقوم عليها، والأرض ملكية خاصة وحق من حقوق الأفراد، فلا بد أن يقابل هذا الحق بتعويض عادل هو الثمن الذي دفعه أبو بكر الصديق t . وليس للجماعة أن تتجاوز هذا الحق.

ومن جوانب التشريع في هذا الحدث أيضاً إصراره e على أن يشتري الأرض شراء ، وأن يدفع ثمنها؛ لأنها كانت ملكاً ليتيم أو يتيمين وعلى الرغم من أن الوصي على هذا اليتيم قدمها هبة، وعرض أن يعوض اليتيم من ماله. وليس أكثر من هذا دلالة على حفظ مال اليتيم حتى من شبهة  تهاون الوصي أو التنازل حياء واستحياء، أو عن رضا آنيٍّ لمن لم يبلغ مرحلة الأهلية الكاملة، فثمة رواية تقرر أن اليتيم مالك الأرض جاء إلى رسول الله e ، وتنازل عن الأرض أو وهبها، لكن رسول الله e أبى أن يأخذها منه إلا شراء([19]) ؛ ولو أن رسول الله e أخذ المربد دون ثمن لصار فعله قاعدة يستن بها، ولكنه أراد أن يسنّ قاعدة غير ذلك، قاعدة حماية حقوق اليتيم والقاصر. وثمة دلالة تشريعية أخرى تلفت النظر في هذا الحدث وفي حدث قريب سبقه عند وصوله e إلى قباء، هي: أهمية بناء المسجد وأولويته في تأسيس المجتمع المسلم وتنظيمه. فقد كان أول ما فعله رسول الله e عند وصوله إلى قباء هو الشروع في بناء المسجد للمسلمين المقيمين فيها، وأول ما فعله عند وصوله إلى المدينة هو الشروع في بناء المسجد النبوي، فهذه الأولوية ذات دلالة قوية وكبيرة على أهمية المسجد وضرورة إقامته في أي تجمع سكاني للمسلمين في كل زمان ومكان.

بناء المسجد النبوي :

تذكر الروايات أن رسول الله e عندما وجّه إلى بناء المسجد اجتمع عدد من الأنصار والمهاجرين، وقاموا بإعداد الأرض للبناء، فمهدوا سطحها ونبشوا القبور القديمة ، ونقلوا رممها ، ودفنوها في مكان آخر، وقطعوا أشجار النخيل المتفرقة، وأعدوا جذوعها لتكون أعمدة المسجد وسواريه([20]) ، وحفروا أساسه إلى عمق ثلاثة أذرع (1.5 م)، وبنوه بالحجارة حتى وصل إلى سطح الأرض ، ثم بنوا فوق الأرض باللبن الترابي([21]).

ونجد في كتب الحديث الصحيح أخباراً عن اجتهاد الصحابة وحماستهم في العمل وهم يرون رسول الله e بينهم يشاركهم فيه فيحمل اللبن على بطنه الشريفة، ويردد معهم أبياتاً ينشدها عبد الله بن رواحة.([22])

 

ونستنتج من المصادر القديمة والحديثة([23]) أن مبنى المسجد كان على النحو الآتي:

مبنى من اللَّبِن الطيني مستقيم على الاتجاهات الأربعة، طوله 35 متراً وعرضه 30 متراً ، ترتفع جدرانه قرابة المترين عن الأرض، فيه ثلاثة أبواب: باب وسط جداره الجنوبي. وباب في الثلث الشمالي من الجدار الشرقي ، وباب يقابله في الجدار الغربي، وليس في الجدار الشمالي باب.

ولا يغطي السقف مساحـة المسجد كلهـا، فالرسوم التي وضعها بعض الدارسين المحدثين، تظهر ثلاثة صفوف من الأعمدة في الجهة الشمالية إلى منتصف المسجد تقريباً، في كل صف ستة أعمدة ، وهي التي كانت تحمل السقف الذي أنشئ من جريد النخل([24]).

وهناك صف غير مكتمل في الجهة الجنوبية يظلل ((الصُفَّة)) التي كانت مأوى للفقراء والمساكين ومن لا بيت له. وهذا يعني أن أكثر من ثلث أرضية المسجد كانت ساحة مكشوفة لا يغطيها شيء([25]). ولا شك أن وجود ساحة توفر الإضاءة والتهوية، وليس لدينا ما يشير إلى وجود نوافذ في الجدران.

كانت صفوف الصحابة تنتظم خلف رسول الله e باتجاه الشمال، حيث كانت القبلة إلى بيت المقدس، وظلت كذلك سبعة عشر شهراً في بعض الروايات([26]) .

ولم يكن للمسجد محراب، وكان عليه الصلاة والسلام يقف في منتصف الجهة الشمالية، وإذا خطب استند إلى جذع قريب منه ما زال في موقعه عمود حجري حتى الآن يسمى (الأسطوانة المُخَلَّقة)([27]). ولم يكن فيه آنئذ منبر، ولم يكن للمسجد مآذن، وعندما شُرِع الأذان كان بلال t يصعد إلى سطح المسجد ، ويقف على جزء من العريش، وربما صعد إلى سطح منزل مجاور([28]).

أما أرض المسجد فكانت ترابية على النحو الذي مهدت به عندما بدأ بناء المسجد، وظل كذلك حتى هطل مطر شديد، تسرب من السقف ، وملأ أرض المسجد، فجعل الرجل يملأ ثوبه من الحصى ويفرشه حيث يريد أن يصلي، فأعجب ذلك رسول الله واستحسنه، ففرشت الأرض من يومها بالحصباء، وهي رمل الأودية الخشن ([29]).

وقد استغرق بناء المسجد والحجرتين الملحقتين به على أغلب الروايات سبعة أشهر([30]).

أما الصفّة فيصورها بعض المؤرخين والدارسين قديماً وحديثاً على أنها مرتفع ترابي بسيط في الجهة من المسجد (دكة) يمتد من الجهة الغربية إلى قرب الباب الجنوبي طولاً ، وتمتد عرضاً مسافة مترين ونصف، حيث تنتصب الأعمدة التي تحمل سقفاً من الجريد يغطي هذه المساحة([31]).

وفي الجهة الجنوبية الشرقية أقيمت خارج المسجد حجرتان ملتصقتان بجداره، لكل منهما باب يفتح على المسجد، وكانت مسقوفة أيضاً بالجريد، وارتفاعها بارتفاع المسجد النبوي([32]) .

 


 

 

 

إن المرء ليقف مشدوهاً أمام هذا الزهد والتقشف فعلى حين كانت بعض بيوت أهل المدينة كبيرة واسعة وبعضها من طابقين كان بيت رسول الله  e على هذا النحو من الإعراض عن زخرف الدنيا والتواضع، وورد في بعض روايات السيرة النبوية أن الأنصار –رضي الله عنهم –جمعوا له المال ليبنيه ويزخرفه ، فأبى ورد المال وقال: عريش كعريش أخي موسى([33]).

تعديل في البناء :

عندما بني المسجد كانت القبلة إلى بيت المقدس، وقد صلى رسول الله  e بالمسلمين إليها أشهر عدة ، وخلال هذه المدة كانت الدعوة الإسلامية تلاقي مواجهة ماكرة من اليهود، على الرغم من وجود معاهدة بينهم وبين المسلمين ولم يُسْلِم منهم إلا عدد قليل جداً على رأسهم عبد الله بن سلام t([34])، وقد اتخذ بعض اليهود المعاندين للإسلام قضية القبلة حجة يتطاولون بها ويزدادون عناداً، وكان هذا يُحزن رسول الله  e ، ويجعله يقلب نظره في السماء، ينتظر توجيهاً ربانياً يشفي صدره، وما لبثت أن نزلت الآية الكريمة: { قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ..}([35]).

فَفُرِّج عن رسول الله  e ، وتحول مع المسلمين إلى الكعبة ، وأرسل إلى الصحابة المقيمين في أطراف المدينة من يبلغهم أمر التحول على الفور([36])  .

وقد اقتضى هذا التغيير في القبلة تغييراً محدوداً في مبنى المسجد، فالصفوف التي كانت تنتظم في الجهة الشمالية ينبغي أن تتحول إلى الجهة الجنوبية، والصُفّة التي كانت في الجهة الجنوبية ينبغي أن تنتقل إلى الجهة الشمالية، وهذا يعني تغييراً كاملاً في السقف ومواقع الأعمدة التي تحمله، ‏حيث ظللت الجهة الجنوبية، وسُدَّ البابُ الذي كان فيها ، وفُتح عوضاً عنه باب في الجدار الشمالي، ونقلت الصُفّة إلى جواره .

 


أول توسعة للمسجد النبوي :

كثر عدد المسلمين في المدينة، وأصبح المسجد يضيق عن استيعابهم، وخاصة في الأوقات التي يأمر فيها رسول الله  e بالصلاة جامعة، وفي أيام الجمعة، فلما كان العام السابع للهجرة، وبعد عودته e من خيبر، شكى إليه بعض الصحابة ما يجدونه من ضيق في المسجد، فوجه  e إلى توسعته([37]) ، وكان بجواره من جهة الغرب والشمال أرض لم تبن بعد ، فأشتراها عثمان بن عفان t ، ووهبها للسمجد . وبدأت التوسعة ؛ هدم الجداران الغربي والشمالي، ومُدَّتْ في كل صف ثلاثة أعمدة جديدة غرباً، وازدادت صفوفها ثلاثة صفوف شمالاً، وأعيد بناء الجدارين كما كانا، وأعيد في كل منهما الباب الذي كان فيه في موازاة موقعه السابق. ومُدَّ السقف ليغطي التوسعة الجديدة، وبذلك صــــار شكل المسجــــد مربعاً تقريباً يبلغ طــــول ضلعه 50 متراً، وتقرر بعض المصــــادر أن ضلعه العرضي (شمال وجنوب) كان أقل من ذلك بنصف متر أو متر([38]). ولا نجد أية إشارة إلى تغيير في ارتفاع الجدران أو فتح نوافذ أو تغييرات أخــــــرى.

ويمضي الزمان بالمسجد النبوي وهو لصيق بحياة رسول الله  e ، لصيق به في العبادة، وفي الأوقات التي يتحلق فيها الصحابة حوله e يَسْمَعونه ، ويتعلمون منه أمور دينهم، وفي الخطابة يخطبها في الجمعة والعيدين، وكلما حزب أمر ودعت الحاجة، لصيق به في حياته الخاصة، حيث حجرات زوجاته اللواتي يعشن معه فيها، ولاسيما حجرة عائشة وحجرة ابنته فاطمة وزوجها علي رضي الله عنهم أجمعين .

وتنتهي السنة العاشرة للهجرة ، ويعود رسول الله