لحكمة يريدها الله –
سبحانه– تنفرد بعض الأمكنة بصفات تميزها عن مثيلاتها، وتمنحها خصوصية تستهوي
القلوب المؤمنة ، وتجتذب النفوس المتعطشة لرضوان الله ، كي تنعم في رحابها
بطمأنينة العبادة، وتتذوق في أكنافها حلاوة الإيمان . والمسجد النبوي واحد من هذه
الأمكنة المتميزة تميز في مُنْشِئه ونشأته، وتميز في وظيفته والعطاءات التي تدفقت
منه، وتميز في تخطي آثاره حدود الزمان والمكان، وتميز في (تَمـيُّزِ) الذين وفقهم
الله للعناية به وخدمة الإسلام والمسلمين من خلاله . فَمُنْشِؤُهُ هو رسول الله e خاتم الأنبياء والرسل أجمعين، ونشأته هي جزء من نشأة الدين الذي
ارتضاه الله لخلقه إلى يوم الدين، وتاريخه الأول هو تاريخ بناء المجتمع المسلم
والدولة الإسلامية، ووظيفته صنع الجيل الرائد الذي حمل رسالة السماء إلى أهل
الأرض، والعطاءات التي تدفقت منه هي أسس الحضارة الإسلامية وجداولها التي صنعت
تاريخاً مجيداً على مر العصور ، وامتدت آثارها عبر القرون من أدنى الأرض إلى
أقصاها، وما زالت حتى اليوم رافداً إيمانياً عظيماً لكل من يرزقه الله التفقه في
رحابه، والذين وفقهم الله للعناية به في تاريخه الطويل خلفاء وسلاطين وملوك وأمراء
وأعيان تقربوا إلى الله بخدمته وعمرانه، وقدموا للإسلام والمسلمين خدمات جُلّى من
خلال خدمته . فالمسجد النبوي ليس مجرد موقع من مواقع العبادة، بل هو إضافة إلى ذلك
رمز من رموز القدسية، تُشَدُّ إليه الرحال من أطراف الأرض، وتجتمع فيه طوائف من
أقطار العالم ترجو أن تتهيأ لها ظروف العبادة المطمئنة . وخدمة المسجد النبوي خدمة
لهؤلاء جميعاً، واجتهاد لتمكين الإيمان في قلوبهم، وإعزاز الإسلام من خلالهم .
ولقد وفق الله تعالى– في من وفقه – الملك عبد العزيز –رحمه
الله –وأبناءه الذين حملوا أمانة الحكم والإدارة إلى خدمة المسجد النبوي خدمة
متميزة جديرة بالثناء والدعاء، وجديرة بأن يفرد لها بحث يبين أبعادها وآثارها
القريبة والبعيدة في خدمة الإسلام والمسلمين . وهذا ما وجدت نفسي مشدودة إليه،
لأشارك به في موسم الخير والعطاء، موسم الاحتفال بمرور مائة سنة على تأسيس المملكة
العربية السعودية، آملاً أن يكون هذا البحث لبنة من لبنات تأريخ العهد السعودي
الزاهر، وبياناً للحقيقة، وشكراً وعرفاناً لمن صنعوا الأحداث المجيدة ، وشادوا
الصرح الكبير، والله أسأل أن يسدد خطانا ويوفقنا إلى ما يحبه ويرضاه، إنه سميع
مجيب .
يرتبط تأسيس المسجد النبوي بحدث كبير في تاريخ الإسلام والمسلمين هو
الهجرة النبوية من مكة إلى المدينة.
فقد كانت المدينة قبل الهجرة ـ وكان اسمها يثرب ـ بلدة شبه مغلقة على
نفسها، بعيدة عن الأحداث التاريخية المؤثرة، تسكنها قبائل الأوس والخزرج واليهود
وأفراد من قبائل عربية شتى، وكانت القبيلتان الكبيرتان؛ الأوس والخزرج، شقيقتين
لدودتين، انهمكتا لأكثر من قرن في صراعٍ دموي متقطع([1]) ،لم تغب عنه أصابع اليهود ومكائدهم، التي تثير الفتنة
وتؤججها بين الحين والآخر([2]). وكان بعض المتصارعين من القبيلتين قد
ملَّوا الصراع والدماء ، وأدركوا ألاَّ طائل وراءهما، وأن المستفيد الأكبر من هذه
الحروب هم اليهود، فأخذوا يتلمسون الخلاص([3]).
وفي الوقت نفسه كان المسلمون في مكة أشبه بجزيرة في بحر من الشرك، يعانون
من صد المشركين وتطاولهم عليهم ([4]) .
وشاء الله أن تتفتح قلوب بعض أهل يثرب لدعوة الحق، وأن يستجيبوا لصوت
الإيمان ، ويبايعوا رسول الله e على النصرة والتمكين، ويدعوه للهجرة إليهم كي تبلغ الدعوة الإسلامية
مداها([5])، فأرسل رسول الله e مصعب بن عمير t
أول الأمر ليبدأ الدعوة في يثرب ، ويستقطب النفوس التي تستجيب لها، ويزيد عدد
المسلمين فيها، وكان مصعب الداعية الموفق، فأسلم على يديه عدد من الأوس والخزرج([6]) .
أمضى رسول الله e
في قباء بضعة أيام أسس خلالها مسجد قباء، وشارك في وضع بعض أحجاره ، ثم ترك
للصحابة المقيمين فيها أن يتموه، وتوجه نحو المدينة([8]) .
كانت المدينــة مجموعة تجمعات سكانيـــة متوزعة توزعاً قبلياً حيث تسكن
بطون من الأوس في مناطق، وبطون من الخزرج في مناطق أخرى، وقبائل اليهود في مناطق
ثالثـــة([9]) .
(انظر المصور
المرفق للتوزع السكاني في يثرب).

مضى رسول الله e
ومعه أبو بكر الصديق وبعض الصحابة إلى المدينة، وبلغ بطن وادي رانوناء، حيث يسكن
بنو سالم بن عوف، بطن من بطون (الخزرج) ، وكان اليوم يوم جمعة، فأدركه وقت الظهر
عندهم، فنزل وصلى بهم وبمن معه أول جمعة يصليها في المدينة، وقام إليه بنو سالم بن
عوف يسألونه أن يحظوا بشرف إضافته، وأمسك بعضهم بزمام ناقته طمعاً في أن يقتادها إلى
منازله، فقال لهم رسول الله e
: (دعوها فإنها مأمورة)([10]) ، وسارت الناقة بين المزارع حتى بلغت
مساكن بني بياضة فهب إليه بعض وجوهها ، وسألوه e
أن ينزل فيهم حيث العدد والعدة والمنعة، فكان جوابه: " دعوها فإنها مأمورة
"([11]) .
ومضت المأمورة في الطريق إلى قلب المدينة، ومرت بمساكن بني الحارث (بطن من
بطون الخزرج) ، فخرج إليه سادتها سعد بن الربيع وخارجة بن زيد وعبد الله بن رواحة،
ورجوه النزول عندهم، فكان الجواب نفسه: " دعوها فإنها مأمورة "([12])
.
وواصلت الناقة سيرها ، فبلغت مساكن بني عدي بن النجار (بطن من بطون
الخزرج) ، فسارع إليه من أعيانها سليط بن قيس وآخرون ، وأمسكوا زمام الناقة طمعاً
في أن يكون لهم ما لم يكن لمن قبلهم، فكان الجواب نفسه: " دعوها فإنها مأمورة
" . وسارت الناقة ، وقد ترك لها زمامها غير مشدود ، ولا موجهاً لجهة معينة حتى
بلغت مساكن بني النجار ، وهم أيضاً بطن من بطون الخزرج، ودخلت أرضاً بين المساكن
غير ممهدة فيها بعض أشجار النخيل وأعشاب وقبور قديمة، ولم تكن مستثمرة إلا في
تجفيف التمر عند جنيه، لذلك كانت تسمى (مربداً) ، وعندما دخلتها الناقة توقفت
فيها، ثم بركت دون أن تستقر، ومن حولها جمع من المسلمين أحاطوا بالركب، ولم تلبث
الناقة أن قامت ثانية وسارت غير بعيد في الأرض ذاتها، ثم عادت إلى مكانها الأول
وبركت فيه بركة استقرار ومكث، وأدرك رسول الله e
أن هذا هو المقام الذي انتهت إليه (المأمورة) فنزل عنها وقال: " هذا المقام
إن شاء الله"([13]) . وسارع أبو أيوب الأنصاري t إليها فحل عنها الرحل وحمله إلى بيته ،
وكان قريباً من الموقع، وأقبل الصحابة الكرام على رسول الله e
كل يدعوه أن ينزل عنده لينال شرف الإضافة، ولعل رسول الله e
قد رأى في مبادرة أبي أيوب وسبقه إلى الرحل كياسة وحسن تصرف، ورأى أن اختيار
المضيف من بين الصحابة المتلهفين لإضافته ما يسعد بعضهم ، ويغص للحرمان منه بعضهم
الآخر، فكان المخرج غاية في اللباقة والإقناع، سأل عن رحله، فقيل: حمله أبو أيوب
إلى داره، فقال عليه الصلاة والسلام: (المرء مع رحله)([14]).
وتروي بعض كتب الحديث والسيرة أنه e
في اليوم الثاني سأل عن أصحاب المربد فقيل له: إنه لغلام أو لغلامين يتيمين
يكفلهما أسعد بن زرارة فأرسل إليهم (ثامنوني بحائطكم) أي أخبروني عن الثمن
لأشتريه، فقالوا هو لك يا رسول الله، وقال الوصي على اليتيم أو اليتيمين: (أنا
أرضيه يا رسول الله) أي : أنه سيتحمل ثمنه ويدفعه له، فأبى رسول الله e إلا أن يشتريــــه شراء، وقدر الثمن
بما كان سائداً آنئذ، ودفعه أبو بكر t
من ماله الذي حمله في هجرته. وأعلم رسول الله e
الصحابة بأن هذه الأرض ستكون المسجد الجامع ، وأنه عازم على بنائه([15]).
وهنا نتوقف قليلاً لننظر في حدث اختيار موقع المسجد النبوي حيث تبدو لنا
دلالات عدة ، من أهمها :
أول ما تقف عنده قوله e
لكل من أراد أن يأخذ خطام ناقته ( دعوها فإنها مأمورة ) ، فهي واضحة الدلالة على
الجانب الغيبي في الاختيار: أي على وجود توجيه إلهي مباشر، تمضي فيه الناقة
العجماء ، وهي تحمل سيد البشر إلى الموقع الذي اختاره الله له، وألهم رسوله الله e أن يبني فيه مسجده، وهذا التوجيه لا
نعرفه من قبل في غير بيت الله الحرام الذي بوأه الله –سبحانه –لإبراهيم([16])، فهل يصل بنا الاستنتاج إلى أن مكانة المسجد النبوي وقدسيته
تجعل موقعه يتحدد بالتعيين المباشر الذي يظهر لرسول الله e
وللصحابة الكرام في حينه؟ ([17])
وثمة دلالة أخرى ترتبط بالجانب الاجتماعي والنفسي، فقد كانت حكمة بالغة
منه e أن يعلن لكل من دعاه
للنزول عنده أن الاختيار أمر غيـبي لا يد له فيه (دعوها فإنها مأمورة) ، وعندما
يكون الاختيار على هذا النحو فلن يثير شيئاً من الحساسية أو الشعور بتفضيل طرف على
آخر، خاصة إذا أدركنا أن حروب السنوات الطويلة بين الأوس والخزرج التي هدأت لتوها
مازال رمادها يغطي جمراً، ولا أدل على ذلك من محاولات اليهود الإيقاع بين
القبيلتين ونجاحهم في ذلك لمدة وجيزة([18]).
فالعامل النفسي خلفه الشعور بالرضا التام، والعامل الاجتماعي خلفه الاتفاق
الكامل بين جميع القبائل وبطونها على الإقبال على المسجد النبوي الذي اختار موقعه
رسول الله e بإلهام رباني
وعملهم فيه بحماسة ونشاط.
ثالثاً : الدلالة
الجغرافية:
ترتبط الدلالة الثالثة بالجانب الجغرافي للمدينة آنئذٍ، فقد كان سكان
المدينة يتوزعون في شبه دائرة تمتد من أطراف قباء إلى منطقة الجرف، وهذا يعني أن
المنطقة التي صارت موقعاً للمسجد النبوي هي قلب تلك التجمعات، وهذا عامل جغرافي
مهم يساعد على تجميع المسلمين في المسجد.
رابعاً : الدلالة
التشريعية :
الدلالة الرابعة تشريعية أرست قاعدة عظيمة من قواعد الملكية الفردية
والملكية الجماعية، وما يسمى في عصرنا الحاضر أيضاً بحق الفرد وحق الجماعة، وأقامت
توازناً دقيقاً في العلاقة بينهما: حق الفرد في حفظ ماله وصيانة ملكيته الخاصة،
وحق الجماعة في الاستمــــلاك إذا كانت المصلحــــة تقتــــضي ذلك، على أن تدفع
تعويضاً عادلاً لقاء ما استملكته.
فالمسجد ضرورة للجماعة، ولا بد له من أرض يقوم عليها، والأرض ملكية خاصة
وحق من حقوق الأفراد، فلا بد أن يقابل هذا الحق بتعويض عادل هو الثمن الذي دفعه
أبو بكر الصديق t . وليس للجماعة
أن تتجاوز هذا الحق.
ومن جوانب التشريع في هذا الحدث أيضاً إصراره e
على أن يشتري الأرض شراء ، وأن يدفع ثمنها؛ لأنها كانت ملكاً ليتيم أو يتيمين وعلى
الرغم من أن الوصي على هذا اليتيم قدمها هبة، وعرض أن يعوض اليتيم من ماله. وليس
أكثر من هذا دلالة على حفظ مال اليتيم حتى من شبهة تهاون الوصي أو التنازل حياء واستحياء، أو عن
رضا آنيٍّ لمن لم يبلغ مرحلة الأهلية الكاملة، فثمة رواية تقرر أن اليتيم مالك
الأرض جاء إلى رسول الله e
، وتنازل عن الأرض أو وهبها، لكن رسول الله e
أبى أن يأخذها منه إلا شراء([19]) ؛ ولو أن رسول الله e أخذ المربد دون ثمن لصار فعله قاعدة
يستن بها، ولكنه أراد أن يسنّ قاعدة غير ذلك، قاعدة حماية حقوق اليتيم والقاصر. وثمة
دلالة تشريعية أخرى تلفت النظر في هذا الحدث وفي حدث قريب سبقه عند وصوله e إلى قباء، هي: أهمية بناء المسجد
وأولويته في تأسيس المجتمع المسلم وتنظيمه. فقد كان أول ما فعله رسول الله e عند وصوله إلى قباء هو الشروع في بناء
المسجد للمسلمين المقيمين فيها، وأول ما فعله عند وصوله إلى المدينة هو الشروع في
بناء المسجد النبوي، فهذه الأولوية ذات دلالة قوية وكبيرة على أهمية المسجد وضرورة
إقامته في أي تجمع سكاني للمسلمين في كل زمان ومكان.
تذكر الروايات أن رسول الله e
عندما وجّه إلى بناء المسجد اجتمع عدد من الأنصار والمهاجرين، وقاموا بإعداد الأرض
للبناء، فمهدوا سطحها ونبشوا القبور القديمة ، ونقلوا رممها ، ودفنوها في مكان
آخر، وقطعوا أشجار النخيل المتفرقة، وأعدوا جذوعها لتكون أعمدة المسجد وسواريه([20]) ، وحفروا أساسه إلى عمق ثلاثة أذرع
(1.5 م)، وبنوه بالحجارة حتى وصل إلى سطح الأرض ، ثم بنوا فوق الأرض باللبن
الترابي([21]).
ونجد في كتب الحديث الصحيح أخباراً عن اجتهاد الصحابة وحماستهم في العمل
وهم يرون رسول الله e
بينهم يشاركهم فيه فيحمل اللبن على بطنه الشريفة، ويردد معهم أبياتاً ينشدها عبد
الله بن رواحة.([22])
ونستنتج من المصادر القديمة والحديثة([23])
أن مبنى المسجد كان على النحو الآتي:
مبنى من اللَّبِن الطيني مستقيم على الاتجاهات الأربعة، طوله 35 متراً
وعرضه 30 متراً ، ترتفع جدرانه قرابة المترين عن الأرض، فيه ثلاثة أبواب: باب وسط
جداره الجنوبي. وباب في الثلث الشمالي من الجدار الشرقي ، وباب يقابله في الجدار
الغربي، وليس في الجدار الشمالي باب.
ولا يغطي السقف مساحـة المسجد كلهـا، فالرسوم التي وضعها بعض الدارسين
المحدثين، تظهر ثلاثة صفوف من الأعمدة في الجهة الشمالية إلى منتصف المسجد
تقريباً، في كل صف ستة أعمدة ، وهي التي كانت تحمل السقف الذي أنشئ من جريد النخل([24]).
وهناك صف غير مكتمل في الجهة الجنوبية يظلل ((الصُفَّة)) التي كانت مأوى
للفقراء والمساكين ومن لا بيت له. وهذا يعني أن أكثر من ثلث أرضية المسجد كانت
ساحة مكشوفة لا يغطيها شيء([25]). ولا شك أن وجود ساحة توفر الإضاءة والتهوية، وليس لدينا ما
يشير إلى وجود نوافذ في الجدران.
كانت صفوف الصحابة تنتظم خلف رسول الله e
باتجاه الشمال، حيث كانت القبلة إلى بيت المقدس، وظلت كذلك سبعة عشر شهراً في بعض
الروايات([26]) .
ولم يكن للمسجد محراب، وكان عليه الصلاة والسلام يقف في منتصف الجهة
الشمالية، وإذا خطب استند إلى جذع قريب منه ما زال في موقعه عمود حجري حتى الآن
يسمى (الأسطوانة المُخَلَّقة)([27]). ولم يكن فيه آنئذ منبر، ولم يكن
للمسجد مآذن، وعندما شُرِع الأذان كان بلال t يصعد إلى سطح المسجد ، ويقف على جزء من العريش، وربما صعد إلى سطح منزل
مجاور([28]).
أما أرض المسجد فكانت ترابية على النحو الذي مهدت به عندما بدأ بناء
المسجد، وظل كذلك حتى هطل مطر شديد، تسرب من السقف ، وملأ أرض المسجد، فجعل الرجل
يملأ ثوبه من الحصى ويفرشه حيث يريد أن يصلي، فأعجب ذلك رسول الله واستحسنه، ففرشت
الأرض من يومها بالحصباء، وهي رمل الأودية الخشن ([29]).
وقد استغرق بناء المسجد والحجرتين الملحقتين به على أغلب الروايات سبعة
أشهر([30]).
أما الصفّة فيصورها بعض المؤرخين والدارسين قديماً وحديثاً على أنها مرتفع
ترابي بسيط في الجهة من المسجد (دكة) يمتد من الجهة الغربية إلى قرب الباب الجنوبي
طولاً ، وتمتد عرضاً مسافة مترين ونصف، حيث تنتصب الأعمدة التي تحمل سقفاً من
الجريد يغطي هذه المساحة([31]).
وفي الجهة الجنوبية الشرقية أقيمت خارج المسجد حجرتان ملتصقتان بجداره،
لكل منهما باب يفتح على المسجد، وكانت مسقوفة أيضاً بالجريد، وارتفاعها بارتفاع
المسجد النبوي([32]) .

إن المرء ليقف مشدوهاً أمام
هذا الزهد والتقشف فعلى حين كانت بعض بيوت أهل المدينة كبيرة واسعة وبعضها من
طابقين كان بيت رسول الله e على هذا النحو من الإعراض عن زخرف الدنيا والتواضع، وورد في بعض
روايات السيرة النبوية أن الأنصار –رضي الله عنهم –جمعوا له المال ليبنيه ويزخرفه
، فأبى ورد المال وقال: عريش كعريش أخي موسى([33]).
عندما بني المسجد كانت القبلة إلى بيت المقدس، وقد صلى رسول الله e
بالمسلمين إليها أشهر عدة ، وخلال هذه المدة كانت الدعوة الإسلامية تلاقي مواجهة
ماكرة من اليهود، على الرغم من وجود معاهدة بينهم وبين المسلمين ولم يُسْلِم منهم
إلا عدد قليل جداً على رأسهم عبد الله بن سلام t([34])، وقد اتخذ بعض اليهود المعاندين للإسلام قضية القبلة حجة يتطاولون
بها ويزدادون عناداً، وكان هذا يُحزن رسول الله
e ، ويجعله يقلب
نظره في السماء، ينتظر توجيهاً ربانياً يشفي صدره، وما لبثت أن نزلت الآية
الكريمة: { قَدْ نَرَى
تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا
فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّوا
وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ..}([35]).
فَفُرِّج عن رسول الله e ، وتحول مع المسلمين إلى الكعبة ،
وأرسل إلى الصحابة المقيمين في أطراف المدينة من يبلغهم أمر التحول على الفور([36]) .
وقد اقتضى هذا التغيير في القبلة تغييراً محدوداً في مبنى المسجد، فالصفوف
التي كانت تنتظم في الجهة الشمالية ينبغي أن تتحول إلى الجهة الجنوبية، والصُفّة
التي كانت في الجهة الجنوبية ينبغي أن تنتقل إلى الجهة الشمالية، وهذا يعني
تغييراً كاملاً في السقف ومواقع الأعمدة التي تحمله، حيث ظللت الجهة الجنوبية،
وسُدَّ البابُ الذي كان فيها ، وفُتح عوضاً عنه باب في الجدار الشمالي، ونقلت
الصُفّة إلى جواره .

كثر عدد المسلمين في المدينة، وأصبح المسجد يضيق عن استيعابهم، وخاصة في
الأوقات التي يأمر فيها رسول الله e بالصلاة جامعة، وفي
أيام الجمعة، فلما كان العام السابع للهجرة، وبعد عودته e من خيبر، شكى إليه بعض الصحابة ما
يجدونه من ضيق في المسجد، فوجه e إلى توسعته([37]) ، وكان بجواره من جهة الغرب والشمال أرض لم تبن بعد ،
فأشتراها عثمان بن عفان t
، ووهبها للسمجد . وبدأت التوسعة ؛ هدم الجداران الغربي والشمالي، ومُدَّتْ في كل
صف ثلاثة أعمدة جديدة غرباً، وازدادت صفوفها ثلاثة صفوف شمالاً، وأعيد بناء
الجدارين كما كانا، وأعيد في كل منهما الباب الذي كان فيه في موازاة موقعه السابق.
ومُدَّ السقف ليغطي التوسعة الجديدة، وبذلك صــــار شكل المسجــــد مربعاً تقريباً
يبلغ طــــول ضلعه 50 متراً، وتقرر بعض المصــــادر أن ضلعه العرضي (شمال وجنوب)
كان أقل من ذلك بنصف متر أو متر([38]). ولا نجد أية إشارة إلى تغيير في
ارتفاع الجدران أو فتح نوافذ أو تغييرات أخــــــرى.
ويمضي الزمان بالمسجد النبوي وهو لصيق بحياة رسول الله e
، لصيق به في العبادة، وفي الأوقات التي يتحلق فيها الصحابة حوله e يَسْمَعونه ، ويتعلمون منه أمور دينهم،
وفي الخطابة يخطبها في الجمعة والعيدين، وكلما حزب أمر ودعت الحاجة، لصيق به في
حياته الخاصة، حيث حجرات زوجاته اللواتي يعشن معه فيها، ولاسيما حجرة عائشة وحجرة
ابنته فاطمة وزوجها علي رضي الله عنهم أجمعين .
وتنتهي السنة العاشرة للهجرة ، ويعود رسول الله e
من الحج، ثم يتوعك، ثم يشتد عليه المرض ، فيستأذن زوجاته أن يُمَرَّض في بيت عائشة
فَيأْذنَّ له، ويشتد عليه المرض، ثم يلحق بالرفيق الأعلى، وقد اشتدت الصدمة على
الصحابة، وأذهلت بعضهم مثل عمر بن الخطاب t
، الذي هدد بقتل كل من يقول أن رسول الله e قد مات. ثم جاء أبو بكر فتلا الآية
الكريمة : { وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ
خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِيْن مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى
أَعْقَابِكُمْ }([39]) ، فهدأ روعهم واستسلموا لحزن عميق([40]). واختلفوا في دفنه فمن قائل ندفنه في مسجده، ومن قائل ندفنه
مع أصحابه. فقال أبو بكر: إني سمعت رسول الله e
يقول : ما قبض نبي إلا دفن حيث يقبض . فرفع فراش رسول الله e
فحفر له تحته([41]) ، وكسب المسجد النبوي مدى الدهر جواراً
لجسد سيد ولد آدم عليه الصلاة والسلام ([42]).

المسجد النبوي
في عهد أبي بكر الصديق
t :
وفي خلافة أبي بكر الصديق التي استمرت من ربيع الأول عام 11 للهجرة إلى جمادى
الآخرة عام 13 للهجرة لم يحدث أي تغيير في المسجد النبوي سوى ما ذكرته بعض
الروايات من أن بعـــض جذوع النخــــل التي تحمل السقف ظهر فيها نخر، فأمر أبو بكر
t بتبديلها بجذوع
جديدة([43])، وليس من المستغرب ألا يحدث أي تغيير
يذكر في المسجد النبوي في هذه المدة لأنها قصيرة من جهة، ومن جهة أخرى لأن المدينة
لم يزد عدد سكانها، بل قلّ بسبب خروج عدد من أبنائها للجهاد في حروب المرتدين
وكتائب الفتوحات في الشام والعراق .
ازداد عدد السكان في المدينة المنورة ، واتسع العمران ، وكثر المترددون
على المسجد النبوي حتى ضاق بهم، وظهر شيء من النخر في بعض الجذوع التي يستند إليها
السقف فقرر عمر بن الخطاب t
عام 17هـ أن يوسع المسجد، وكان البناء قد شغل الأرض حوله، فدعا أصحاب البيوت
المجاورة ، (فقال: اختاروا مني بين ثلاث خصال: إما البيع فَأُثمِّنَ " أي :
أقدر الثمن وأدفعه " ، وإما الهبة فأشكر، وإما الصدقة على مسجد رسول الله ) ،
وكانت إحدى الدور المجاورة للعباس بن عبد المطلب عم رســــول الله e أقطعه إياها ودعا له بالبركـــة فيهــا، فأبى أن
يتركها أول الأمر، لكنه ما لبث أن تصدق بها، فبنى له عمر داراً أخرى عوضاً عنها من
بيت مال المسلمين([44]) .
امتدت توسعة عمر في ثلاث جهات : الجنوب، حيث ازدادت المساحة خمسة أمتار،
والغرب، حيث ازدادت عشرة أمتار، والشمال حيث ازدادت خمسة عشر متراً([45])، ولم يتغير شيء في جهة الشرق بسبب وجود
الحجرات، وكانت بعض زوجات رسول الله e يعشن فيها([46]).
حافظت توسعة عمر t
على معظم السمات العامة السابقة للمسجد من جهة، ومن جهة أخرى أحدثت بعض التغييرات،
فقد ظل المبنى من اللَبِن الترابي، وظلت أعمدته من جذوع النخل، وظل سقفه من جريد
النخل. غير أن الأساس الذي بنيت عليه الجدران ازداد إلى مسافة قامة رجل، ويقدرها
بعض المؤرخين([47]) بمترين إلا ربعاً وازداد ارتفاع
الجدران إلى 5.5 متراً، وصار سمك السقف مع
العوارض التي تمتد فوق الجذوع متراً واحداً، وبني فوق السطح جدار ساتر بارتفاع نصف
متر تقريباً. وهذا الارتفاع في الجدران الثلاثة يقتضي رفع الجدار الشرقي الذي لم
تمسَّه التوسعة ليستوي السقف. كما حدث تغيير في عدد الأبواب ، فتضاعف عددها وصارت
ستة، زاد في الجدار الشرقي باباً سُمي باب النساء؛ لأن عمر قال: لو تركنا للنساء
باباً، ويبدو أنه خُصص لهن آنئذ، وفي الجدار الشمالي باباً، وفي الجدار الغربي
باباً سُمي باب السلام، وصُقلت الجدران من الداخل بلياسة طينية، وفرشت أرض المسجد
برمل وحصى ناعمة أحضرت من وادي العقيق([48])، وخصصت ساحةٌ شمالي المسجد ملاصقة لجداره الخارجي ليجلس فيها
من يريد الحديث في أمور الدنيا وإنشاد الشعر، وكانت على شكل دكة ترتفع عن الأرض
مسافة نصف متر تقريباً، سميت (البطيحاء) ([49]).
وقد انتهى العمل في المسجد في السنة السابعة عشرة نفسها وصلى فيه
المسلمون، وكان حجم الزيادة 1100م2 تقريباً، وحجم المساحة الكلية بعد التوسعة 3575
م2 تقريباً .

في عام 29 للهجرة رأى الخليفة عثمان بن عفان t
أن المسجد يضيق بالمصلين ، فاستشار كبار الصحابة في أن يعيد بناءه ويوسعه ،
فاستحسنوا ذلك، فاشترى الدور المحيطة به من جهاته الثلاثة: الجنوبية والغربية والشمالية،
ولم يقرب الجهة الشرقية لوجود الحجرات فيها، وشرع في هدم المبنى القديم ، وإقامة
مبنى جديد أوسع ، وذلك في ربيع الأول من العام نفسه، وكان يشرف عليها بنفسه ويقضي
الأوقات الطويلة مع العاملين فيها، واستمر العمل إلى المحرم عام 30 للهجرة حيث تمت
التوسعة([50]).
أحدثت توسعة عثمان تغييراً جذرياً في طبيعة المبنى، فقد بني من الحجارة
المنقوشة (المنحوتة) والجص ، وصنعت الأعمدة من الحجارة ، ووضع في جوفها قطع من
الحديد والرصاص المصهور لتتماسك أجزاؤها بقوة، وأنشئ السقف من خشب الساج القوي
والثمين ، وأُحدثت في أعلى الجدار الشرقي فتحات للإنارة، وصقلت الجدران كلها بطبقة
رقيقة من الجص، وبنيت مقصورة حول مصلى الإمام (المحراب) ، فيها فتحات يراه المصلون
منها لحمايته([51]) ، وقد بلغت مساحة هذه التوسعة (496م2)
، فأصبحت المساحة الكلية للمسجد 4071 م2 تقريباً ([52]).
ولا شك أن التغير الجذري الذي حدث في طبيعة المبنى متأثر بالتطور العمراني
الذي شهدته المدن الإسلامية بعامة في ذلك الوقت بما فيها المدينة المنورة .

مرّ على المسجد النبوي أكثر من نصف قرن وهو على الحالة التي صار عليها في توسعة
عثمان بن عفان t ، فلما تولى
الخلافة الوليد بن عبد الملك نشط العمران في زمنه فقد كان مولعاً به، ينفق عليه
بسخاء، وكان للمسجد النبوي نصيب من هذا النشاط، فقد أمر الوليد واليه على المدينة
آنئذ عمر بن عبد العزيز أن يجدد المسجد النبوي ويوسعه ويدخل الحجرات فيه ، وينفق
عليه بسخاء([53]) ، ويقرر الطبري أن السبب الرئيس لذلك
ضيقه من الهاشميين الذين كانوا يحتفظون بحجرة فاطمة داخل المسجد، وربما تخوفه من
أن يصبح مركز جذب لأنصارهم ضد الأمويين، فاشترى عمر الدور المحيطة بالمسجد ، وشرع
بالهدم في شهر صفر عام 88 للهجرة، وأرسل إليه الوليد بنائين ومزخرفين استقدمهم من
ملك الروم، وأحمالاً من الفسيفساء، فبدأوا بالبناء بعد الفراغ من الهدم، واستمروا
فيه حتى عام 91هـ، وكان عمر يشرف عليه باستمرار في جميع مراحله، وجاء الوليد بن
عبد الملك حاجاً وتفقد المبنى الجديد وأعجب به، وتمنى لو أنه أنفق عليه المزيد([54]) .
أحدثت العمارة الأموية تغييرات كبيرة في مبنى المسجد ، وأضافت إليه عناصر
جديدة لم تكن موجودة من قبل، فقد امتدت التوسعة من الجهات الشرقية والشمالية
والغربية، وهُدمت الحجرات عدا حجرة عائشة، وصارت جزءاً من أروقة المسجد الشرقية ،
وبني عليها الحائز، وهو جدار خماسي الأضلاع، على شكل مربع التصق بضلعه الشمالي
مثلث، قاعدته متحدة بالضلع الشمالي، وضلعاه ممتدان شمالاً ليضم حجرة فاطمة، ورأسه
عند موضع تهجده e
. ويبلغ ارتفاعه ستة أمتار ونصف، الغاية منه الحيلولة دون الوصول إلى القبور أو
رؤيتها. ويذكر السمهودي أن عمر بن عبدالعزيز جعله مخمّساً خشية أن يشبه الكعبة أو
أن يستقبل الناس القبور كما يستقبلونها([55]).
أما جدران المسجد فقد بنيت بالحجارة المنحوتة، وبلغ سمكها 95 سم عدا
الجدار الشرقي الذي زاد سمكه عن متر بقليل، بسبب تعرض هذه الجهة للسيول([56])، وزخرفت الجدران من الداخل بزخرفة
بديعة وخاصة الجدار الجنوبي المتجه للقبلة، وأنشئ قبة محراب مجوف ، وأنشئت حوله
مقصورة تفنن المزخرفون في نقوشها، وصنعت الأعمدة من الحجارة المنحوتة، وربطت
أجزاؤها بالحديد المغطى برصاص مصهور، وثبتت في الأرض وسط قواعد مربعة واسعة، وكسيت
بطبقة رقيقة من الجص يجعلها تبدو كالرخام الأبيض، ووضع في أعلاها تيجان مذهبة
تستند إليها جسور تحمل سقفاً من خشب الساج الثمين يرتفع عن الأرض 12.5 متراً،
وأقيم سقف آخر فوقه بارتفاع متر ليشكل عازلاً يحميه من تسرب مياه الأمطار ويخفف
الحرارة. وأنشئ للمسجد أربعة مآذن مربعة، واحدة في كل زاوية منه، يتراوح ارتفاعها
بين 27 و30 متراً ([57]) .
وازداد عدد الأبواب فأصبح عشرين باباً، ثمانية منها في الجهة الشرقية،
وثمانية في الجهة الغربية، وأربعة في الجهة الشمالية، ولم يفتح في الجهة الجنوبية
أي باب([58]) .
بلغت مساحة التوسعة 2369 م2، وصارت المساحة الكلية للمسجد 6440م2، وتعد
هذه التوسعة تغييراً نوعياً كبيراً حتى ذلك الوقت، ليس من حيث المساحة وحسب، بل من
حيث التغيرات التي طرأت عليه، وأهمها الزخرفة التي لم يُعرف لها مثيل من قبل،
والمحراب المجوف، والمآذن الأربعة، والحائز الخماسي، وعدد الأبواب.

التوسعة الخامسة
: في عهد المهدي:
ظل المسجد النبوي على الحالة التي صار عليها في توسعة الوليد بن عبد الملك
حتى زمن الخليفة العباسي المهدي باستثناء تغييرات محدودة هي: هدم المئذنة التي في
الزاوية الجنوبية الغريبة (عند باب السلام) وبناء الشرفات . أما المئذنة فعندما حج
الخليفة سليمان بن عبد الملك سنة 97هـ لحظ أنها تشرف على الدار التي ينـزل فيها
الخلفاء وكبار الأمويين (دار مروان بن الحكم) فأمر بهدمها([59]). وأما الشرفات فقد بناها أمير المدينة عبد الواحد بن عبد
الله النضري سنة 104هـ في عهد الخليفة الأموي يزيد بن عبدالملك، وهي بناء بارز في
القسم العلوي من الجدران المطلة على صحن المسجد([60]) .
وفي سنة 160هـ زار الخليفة العباسي المهدي المدينة ، وأمر بتوسعة المسجد
النبوي، ولما عاد إلى بغداد أرسل الأموال اللازمة، فاشتريت الدور التي ستدخل أرضها
في التوسعة ، وبدأ العمل بهدمهــــا سنة 161هـ ، ثم بدأ البناء ، واستمر حتى عام
165هـ ([61]) .
تركزت التوسعـــــة في الجهـــــة الشمالية، حيث ضمت إلى المسجد مساحة
تقدر بـ ( 2450 ) متراً ، فصارت مساحة المسجد الكلية 8890م تقريباً . كما أدخلت
تعديلات على الأبواب والنوافذ، فأضيفت أربعة أبواب في الجهة الجنوبية، خصصت
للأمراء وكبار الزوار والإمام والخطيب. فأصبح عدد الأبواب أربعة وعشرين باباً،
أغلق معظمها بعد ذلك بالتدريج .
أما النوافذ فبلغ عددها ستين نافذة، وكانت فتحات علوية تتوزع على الجدران
الأربعة، منها 19 نافذة في كل من الجدارين الشرقي والغربي، و11 نافذة في كل من
الجدارين الشمالي والجنوبي، وهذا يعني أن المسجد النبوي قد تحققت له إضاءة طبعية
عالية في النهار .
وتقدر مساحة الزيادة منه 2450م2 ، وبذلك تصبح مساحته الكلية 8890 م2 .
وقد حرص القائمون على التوسعة على أن يزخرفوا الجزء المضاف، لكنهم لم
يبلغوا زخرفة الجدار الجنوبي الذي زخرفه عمر بن عبد العزيز([62]) .

الإصلاحات
والترميمات في العهد العباسي :
تعد التوسعة التي قام بها المهدي هي الوحيدة في العصر العباسي، غير أن
المسجد النبوي شهد خلال هذا العصر عدة إصلاحات وترميمات نوجزها فيما يأتي:
– في عام 193 هـ قام
أمير المدينة أبو البختري بإصلاح السقف من جهة الحجرة والقبر النبوي الشريف من الأموال التي أرسلها الخليفة
هارون الرشيد([63]).
– في عام 202 هـ حدثت
عده إصلاحات عامة زمن الخليفة المأمون.
– في عام 246 هـ أمر
الخليفة المتوكل على الله بإجراء التحسينات الآتية ، وكلف إسحاق ابن مسلمة بالإشراف عليها :
– ترميم بعض الجدران
وكسوتها بالفسيفساء، وتبليط الأرض بالرخام الأبيض، وإنشاء وزرة رخام على الجدران
بارتفاع 1.75 سم ([64]).
– في عام 283 هـ جرت
إصلاحات في الواجهة الشرقية المطلة على صحن المسجد بأمر الخليفة المعتضد([65]).
– في عام 548 هـ أرسل
الوزير جمال الدين الأصفهاني أموالاً لتجديد الوزرة الرخامية على جدران الحجرة
وذلك في ولاية القاسم بن مهنا ([66]) .
– في عام 557 هـ أمر
نور الدين زنكي بإقامة جدار من الرصاص حول القبر ، وتربط بعض المصادر هذا الحدث
بمحاولة قام بها اثنان من الصليبيين لسرقة الجسد النبوي الشريف([67]).
– في عام 566 هـ أرسل
الوزير حسين أبو الهيجا أموالاً لإكمال كسوة الجدران الخارجية للحجرة النبوية
بالرخام ([68]).
– في عام 574 هـ أحدث
صلاح الدين الأيوبي نظام الخدم المنقطعين للمسجد النبوي الذي سمي فيما بعد ((الأغوات)) فأرسل مجموعة من
الخصيان ليكونوا خداماً دائمين في المسجد النبوي([69]).
– في عام 576 هـ أرسل
الخليفة الناصر أموالاً لتجديد الجدار الشرقي للمئذنة الرئيسة ، ولعمل قبة وسط صحن
المسجد لحفظ ذخائر المسجد النبوي الشريف وخاصة المصحف العثماني ([70]).
في ليلة الجمعة أول شهر رمضان عام 654 هـ دخل أحد فراشي المسجد النبوي إلى
مخزن المسجد، وكان بيده سراج موقد فوضعه فوق قفص فيه بعض الأقمشة فأمسكت النار
فيها، وانتقلت بسرعة إلى أطراف المخزن ، وعلقت بما فيه من حصر وبسط ، وارتفعت إلى
السقف ، فدبت فيه بسرعة ، واجتمع الناس لإطفائها فلم يقدروا عليها، واستولت النار
على السقف كله ، وسقطت أجزاؤه المحترقة فوق الخزائن والنوافذ والكتب ، فاشتعل كل
ما في المسجد؛ وبعد جهود مضنية أطفئت النيران ، وتحول المسجد إلى أنقاض عدا الحجرة
الشريفة التي سقط سقفها فقط([71]) .
وكتب أمير المدينة إلى الخليفة العباسي المستعصم بالله ، فأرسل الأموال ،
وبدأ إصلاح المسجد في مطلع عام 655هـ ، فأعيد بناء السقف في القسم الجنوبي وفوق
الحجرة. وعندما اجتاح التتار بغداد عام 656 هـ انقطع التمويل الذي كان يرد منها ،
وانتقلت مسؤولية العناية بالمسجد إلى مصر وحكامها الجدد المماليك.
قامت دولة المماليك في مصر إثر وفاة آخر السلاطين الأيوبيين عام 648 هـ ([72])، وعندما سقطت بغداد في يد التتار وقتل الخليفة استقدم السلطان
المملوكي الظاهر بيبرس أحد ورثته وبايعه بالخلافة دون أن تكون له السلطة الحقيقية([73])، وأصبحت الحجاز تابعة للمماليك، الذين
امتد حكمهم إلى القرن العاشر الهجري .
كان أول ما فعله المماليك للمسجد النبوي إكمال البناء الذي بدأ في عهد
المستعصم ، وقد أرسل السلطان الأموال اللازمة لإصلاح ما دمره الحريق، وأنجزت عملية
الترميم عام 661 هـ وعاد المسجد النبوي إلى ما كان عليه دون أية زيادة في مساحته([74]) .
وأسهم ملك اليمن المظفر شمس الدين في عمليات الإصلاح والتجديد ، فأرسل
منبراً وضع مكان المنبر المحترق .
وفي عام 665 هـ أرسل الظاهر بيبرس مقصورة خشبية وضعت حول الحائز الذي يضم
الحجرة النبوية والمسافة الممتدة خلفها ([75]) .
وتوالت بعد ذلك إضافات محدودة وأهمها إضافتان :
الأولى : القبة التي بنيت فوق الحجرة النبوية التي أصبحت علامة مميزة
للمسجد النبوي، فقد أمر ببنائها السلطان سيف الدين قلاوون عام 678 هـ فوق سطح
المسجد، وصفحت بألواح من الرصاص([76]) .
والإضافة الثانية هي : المئذنة الرابعة التي أعيد بنائها عام 706 هـ عند
باب السلام بأمر السلطان محمد بن قلاوون([77]).
وبرز اسم السلطان المملوكي قايتباي ( 872 ـ 901 هـ ) ضمن الذين عنوا
بالمسجد النبوي عناية خاصة، فقد بدأ عام 879 هـ عملية إصلاحات استمرت حتى عام 884
هـ حيث زار المدينة واطلع على ما نفذ، ويشمل ما يأتي([78]) :
1ـ تغيير السقف والعقود
التي تحمله في الإيوان الشرقي، المطل على ساحة المسجد الداخلية.
2ـ هدم الجدار الشرقي
وإعادة بنائه من أساسه وإصلاح السقف الذي يعلوه.
3ـ تجديد سقف الروضة
وإلغاء الجسور الخشبية التي تحمله والاستعاضة عنها بعقود من الطوب الأحمر المحروق.
4ـ إصلاح سقف الرواق
الشرقي عند باب جبريل وباب النساء والجزء الجنوبي المواجه للقبر .
5ـ هدم السقف القديم
الداخلي للحجرة النبوية وبناء قبة صغيرة بالأحجار البازلتية.
6ـ تجديد رخام الحجرة
النبوية ورخام الجدار الجنوبي (القبلة).
7ـ تجديد المقصورة
الخشبية حول القبر النبوي الشريف.
غير أن هذه الإصلاحات جميعاً ضاع أثرها عندما نشب الحريق الثاني في المسجد
النبوي عام 886هـ .
في الثالث عشر من شهر رمضان عام 886هـ سقطت صاعقة على المئذنة الرئيسة
(الجنوبية الشرقية) فصدعتها وأصابت
شظاياها السقف ، فأشعلت النيران فيه ، وامتدت إلى محتويات المسجد الأخرى ،
فأتت عليها وسقطت معظم عقود المسجد وأعمدته، ولم يسلم من النار سوى الحجرة النبوية
والقبة التي فوقها([79])، ولما بلغ السلطان قايتباي الأمر بكى
بكاءً شديداً ، وأمر بإعادة بناء المسجد النبوي ، وأرسل الأموال والصناع ومواد
البناء، فجرت عمارة شاملة للمسجد استمرت إلى رمضان سنة 888هـ ، وأعيد المسجد
النبوي كما كان مع توسعة محدودة في القسمين الشرقي والشمالي يبلغ مجموعها 120م2،
وتغييرات في بعض أقسامه هي([80]) :
1 – إلغاء السقفين والاستعاضة عنهما بسقف واحد ارتفاعه 11متراً.
2 – هدم قبة الحجرة النبوية وإعادة بنائها.
3 – إضافة قباب جديدة هي:
– قبة فوق الجزء الواقع بين الحجرة النبوية والجدار الجنوبي.
– ثلاث قباب صغيرة حول هذه القبة.
– قبتان صغيرتان فوق باب السلام.
– قبة صغيرة فوق المحراب العثماني.
4 – زيادة مساحة الجزء الشرقي المقابل للحجرة النبوية والواقع
بين باب جبريل وباب النساء.
5 – بناء عقود وأقواس فوق الأعمدة لتحمل السقف عوضاً عن
الجسور الخشبية.
6 – بناء مئذنة خامسة عند باب الرحمة.
7 – وضع كسوة من الرخام على جدار باب السلام، والمحراب
العثماني ودكة المؤذنين.
8 – إحداث شرفات ونوافذ وطاقات في الأجزاء العليا من الجدران
للتهوية والإضاءة.
وبعد الفراغ من البناء حضر السلطان قايتباي وزار المسجد ، وأمر ببناء رباط
ومدرسة وطاحون وسبيل ماء وفرن ، ووقفها على المسجد ، وعمل مائدة دورية للفقراء كما
أوقف أراضي وعقارات في مصر يحمل ريعها للمسجد النبوي والمقيمين في المدينة([81]).

المسجد النبوي
في العهد العثماني :
بدأ عهد الدولة العثمانية في الجزيرة العربية عام 923 هـ، وانتهى بخروج
فخري باشا ورجاله من المدينة عام 1337هـ، وخلال هذه المدة جرت عدة إصلاحات
وترميمات للمسجد النبوي. وأعيد إعماره وتوسعته مرة واحدة في عهد السلطان عبدالمجيد
.
كان أول عمل للعثمانيين في المسجد النبوي في عهد السلطان سليمان القانوني
أثناء تعميره سور المدينة والقلعة عام 940 – 948 هـ ، وجرت فيه الإصلاحات الآتية([82]):
1 – تجديد باب الرحمة
وباب النساء .
2 – هدم الجدار الغربي
وإعادة بنائه .
3 – هدم المنارة
الشمالية الشرقية، وكانت تسمى السنجارية، وبناء منارة جديدة مكانها سميت المنارة
السليمانية .
4 – بناء المحراب
السليماني ليصلي فيه الإمام الحنفي .
5 – تبييض الأعمدة
والجدران .
6 – نصب أَهلة من
النحاس المطلي بالذهب فوق المآذن .
7 – ترخيم الروضة ،
وعمل وزرة على الحجرة النبوية ، وتجديد صفائح الرصاص على القبة التي فوقها.
وفي عهد السلطان مراد الثالث 982 – 1003 هـ أجريت الإصلاحات الآتية([83]):
1ـ تجديد الجدار
الشرقي من باب النساء إلى المئذنة السليمانية .
2ـ ترميم السقف وتبييض الجدران والأعمدة إثر زلزال وقع عام 996 هـ .
3ـ عمل المنبر الرخامي البديع (موجود حالياً في مسجد قباء) .
وفي عهد السلطان محمد الرابع (1058 –1099هـ) جُددت منارة باب السلام
المبنية سنة 706هـ([84]) .
وفي عام 1191 هـ رخمت أرضية المسجد من باب السلام إلى المئذنة الجنوبية
الشرقية وترخيم أسطوانات الصف الأول من الروضة([85]).
وفي عام 1228 في عهد إبراهيم باشا جُددت القبة الكبيرة وطلاؤها باللون
الأخضر بعد هدم القديمة وبناء جديدة وتغطيتها بصفائح رصاص وطلائها باللون الأخضر ،
وكساء حوائط الحجرة بالبورسلان([86]) .
في عام 1265هـ ظهرت تشققات في بعض جدران المسجد النبوي وقبابه وسقطت
إحداها على بعض الزوار فماتوا، فكتب شيخ الحرم داود باشا إلى السلطان العثماني عبد
المجيد بالأمر، فأرسل السلطان خبراء لفحص المبنى ، فقرروا أن حالته خطرة، فأمر
بتجديده كلياً ، وأرسل الأموال والبنائين والحجارين والنقاشين المهرة([87]).
اهتم المشرفون على العمارة الجديدة بتوفير الأحجار المناسبة، ووجدوا جبلاً
قرب ذي الحليفة ذا حجارة حمراء ، فأقاموا فيه ورشة عمل ضخمة لإعداد الأحجار
المنحوتة والأعمدة الحجرية المطلوبة، وما زال هذا الجبل على حاله بعد شقه نصفين
وأخذ الحجارة من جوفه، ويقع الآن بطريق الجامعات ضمن معسكر قيادة منطقة المدينة
المنورة. وأقاموا ورشة أخرى عند الحرة لإعداد الحجارة السوداء الصلبة للجدران،
وورشة ثالثة لإعداد مواد البناء اللازمة كالجص والنورة وغيرهما، وبدأوا ينفذون
العمل على مراحل كي لا تتعطل الصلاة والزيارة في المسجد النبوي، فكانوا يحجزون
جزءاً من المسجد النبوي ثم يهدمون البناء القديم فيه ثم يبنونه من جديد وفق
التنظيم الذي أعدوه.
استمر العمل في البناء ثم الزخرفة اثنتي عشرة سنة فانتهى في عام 1277هـ
اتسعت فيه مساحة المسجد النبوي 1293 متراً مربعاً. وبلغت مساحته الكلية 10303م2
وكانت الزيادة في الجانبين الشمالي والشرقي([88]) .
تعد هذه العمارة ((أول عمارة ضخمة مميزة، حيث كانت مادتها وطرازها
وتصميمها يختلف كلية عن العمارات التي سبقتها))([89]) ، فقد اختفت السقوف الخشبية، وأنشئ عوضاً عنها سقف يتكون من مجموعة كبيرة
من القباب تحملها عقود وتيجان وأعمدة حجرية، وأصبح القسم الجنوبي يضم اثني عشر
رواقاً، والغربي ثلاثة أروقة، وكل من الشمالي والشرقي رواقين، ويتوسط صحن المسجد
المكشوف هذه الأروقة. ويختلف عدد الأعمدة في القسم الجنوبي عنه في الأقسام الأخرى،
فقد حافظت خطة التوسعة على مواقع الأعمدة القديمة في هذا القسم لمكانتها التاريخية
وكستها بطبقة من الرخام المزخرف بماء الذهب، وزادت أبواب المسجد باباً خامساً في
القسم الشمالي سمي باب المجيدي وهُدمت المئذنة الشمالية الغربية وبنيت من جديد
وسميت المئذنة المجيدية.
تميزت العمارة المجيدية أيضاً بالزخارف الكثيرة التي تغطي القباب
والجدران، فسطح القباب الداخلية جميعها مغطى برسوم نباتية جميلة، وعلى استدارة
أحزمتها كتبت آيات قرآنية، وعلى أطراف العقود كتب لفظ الجلالة في مواقع عدة وأسماء
الرسول e وصفاته والخلفاء
الراشدين، وكتب بعض الشعر في مديح الرسول e
.
أما جدار القبلة فيغطيه الرخام بارتفاع قامة، ثم تتوالى زخارف الفسيفساء
البديعة والقيشاني الصيني والآيات المكتوبة بخط الخطاط الفذ عبد الله زهدي الذي
مكث ثلاث سنوات ينقش ببراعة خطوطه المزخرفة، وتتداخل الألوان مع فنون التذهيب
لتشكل لوحات تبرز جماليات الفن الإسلامي في درجاته العليا.

التوسعة
السعودية الأولى :
منذ أن وحَّد الملك عبد العزيز أطراف المملكة العربية السعودية بدأت مرحلة
استقرار ونمو في سائر مدن المملكة، وكان للمدينة المنورة نصيب وافر منها، فقد
أنهكتها سنوات القلق والصراع أواخر العهد العثماني، وحالت دون نموها بعد ذلك على
الوجه المطلوب سنوات من الضعف الإداري وشح الموارد. فلما كتب الله لها أن تنضم إلى
عقد المنظومة السعودية أخذت تلتقط أنفاسها، وتستعيد عافيتها، وتستعد لتطورات كبيرة
قادمة، تحملها عوامل استتباب الأمن والبعد عن القلق والصراعات الداخلية والخارجية.
والضبط الإداري المحكم .
وكان من أول التطورات التي شهدتها المدينة المنورة في العهد السعودي
الزاهر وأهمها حتى ذلك الوقت التوسعة السعودية الأولى التي بدأت بأمر من جلالة
الملك عبدالعزيز وبإشرافه وتمت على يد خلفه الملك سعود رحمهما الله .
وقبل أن نمضي في تفاصيل هذه التوسعة نشير إلى اهتمام الملك عبد العزيز
بالمسجد النبوي في سياق اهتمامه بالحرمين الشريفين .
ففي عام 1348هـ أمر بإجراء إصلاحات وترميمات في الأرضية المحيطة بالصحن
وبعض الأعمدة في الرواقين الشرقي والغربي([90]) .
وفي عام 1350هـ أمر بإحاطة الأعمدة التي يلحظ عليها أي تشقق أو تصدع
بأطواق من الحديد([91]).
وفي عام 1354هـ وافق على عرض تقدمت به وزارة الأوقاف المصرية ـ وكان قد
تجمع لديها مبلغ كبير من واردات أوقاف الحرمين في مصر – على أن تقوم ببعض
الترميمات في المسجد، فحضرت مجموعة من المهندسين والفنيين المصريين ، وقامت بترميم
الأعمدة والمآذن والمداخل وطلاء الجدران والنقوش([92]).
أما التوسعة التي أمر بها فتبدأ قصتها في عام 1368هـ عندما نشرت الصحف
المصرية نقلاً عن بعض الزوار المصريين الذين زاروا المسجد النبوي خبراً عن وجود
تشققات في بعض الأعمدة، وما لبثت بعض الصحف أن هولت الأمر ، وتنادت لإنقاذ مبنى
المسجد النبوي من خطر السقوط، ووجد بعض المحررين في هذه القضية مادة إعلامية مثيرة
فأفاضوا فيها واستثاروا القراء، وانتقلت القضية إلى المساجد وتحمس لها الخطباء،
وتحولت النداءات العاطفية إلى مقترحات ومشاريع ، وتشكلت لجنة لجمع التبرعات ،
ونشرت إعلاناتها في الصحف والمساجد ، وبدأت تتلقى التبرعات السخية.. حدث ذلك كله
دون أن يرجع أحد إلى الجهة القائمة على المسجد النبوي أو يتحقق من صحة الروايات
المتزايدة .
(وما كادت الأنباء توافي مسامع جلالة الملك حتى أبرق لرئيس الوزارة
المصرية، يطلب إليه أن ترد التبرعات إلى أربابها، وأنه سيضطلع بتكاليف عمارة
المسجد من ماله الخاص ابتغاء رضوان الله تعالى)([93]).
وكلف جلالته مدير الإنشاء والتعمير في المملكة آنئذ الشيخ محمد بن لادن
بدراسة الأمر وموافاته بتقرير مفصل، واستعان محمد بن لادن بمجموعة من المهندسين
المصريين فدرسوا أوضاع المسجد العمرانية بدقة ، ( وأجروا عدة اختبارات في كل
جهاته، فتبين لهم أن رطوبة خفيفة تسربت إلى الجدار الغربي من المجاري المجاورة،
وأنها أحدثت فيه وفي بعض السواري تآكلاً خفيفاً، ومثل ذلك وجدوا في بعض سواري
الجهة الشرقية والشمالية، وسبب هذه الرطوبة غفلة المهندسين الذين أشرفوا على
العمار في العهد العثماني عن وضع طبقة عازلة تحول دون تسرب الرطوبة …)([94]) . وأوصت اللجنة بالمحافظة على القسم الجنوبي ، وهدم القسم الشمالي مع
الجدار الغربي وإعادة بنائه .
رفع محمد بن لادن التقرير إلى الملك عبد العزيز فأصدر أمره بإعداد
الدراسات والرسومات اللازمة والتنفيذ .
وحدثت بعد ذلك مداخلة من المهندسين الذين عُهد إليهم وضع الخرائط والتصميمات
؛ إذ (تجاوزوا قرار المهندسين السابقين، وقرروا هدم المسجد النبوي كله ما خلا
الحجرة المطهرة )([95]). وشاع الخبر في المدينة فأحدث ضجة
كبيرة ورفعت العرائض إلى الملك عبد العزيز للحفاظ على تراث المسجد النبوي، فأمر
بتشكيل لجنة أخرى ، واستقدم عدداً من المهندسين الباكستانيين، وبعد دراسة مدققة
رفعت اللجنة تقريرها مؤيدة رأي اللجنة الأولى ، فأصدر الملك أمره إلى وزير
الداخلية لاستمرار العمل في مشروع التوسعة على النحو الذي قررته اللجنة الأولى ،
وتشكيل لجنة من الخبراء لتقدير أثمان العقارات التي ستزال بسبب التوسعة([96]).
وفي الخامس من شوال عام 1370هـ أقيم حفل خاص بالمسجد النبوي للبدء بأعمال
التوسعة، وأعطيت الأوامر ببدء هدم العقارات المستملكة بعد أن دُفعت أثمانها،
وعُزلت منطقة التوسعة عن المبنى الجنوبي بجدار، كي لا تتوقف الصلاة والزيارة في
المسجد، ثم أزيلت الأروقة الشمالية والشرقية والغربية، والمآذن الشمالية الثلاث،
وأقامت إدارة المشروع مصنعاً كبيراً للأحجار والموزاييك في آبار علي، ومصنعاً
للرخام في جدة، وورشة في منطقة الداودية لإعداد لوازم البناء والتجهيزات الأولية،
واستوردت المواد اللازمة عن طريق ينبع([97]) .
وفي الرابع والعشرين من شهر رمضان 1372هـ بدأت عملية البناء، وفي الثاني
من شهر ربيع الأول عام 1373هـ توفي الملك عبد العزيز رحمه الله، فخلفه ابنه الملك
سعود، الذي حضر إلى المدينة في الشهر نفسه مع عدد من الدبلوماسيين، وكان البناء قد
ارتفع عن الأرض، فوضع بيده أربعة أحجار في الزاوية الشمالية الغربية من التوسعة
تأكيداً لاستمرار المشروع الذي بدأه الملك الراحل، فتواصل العمل بهمة ونشاط إلى
عام 1375هـ . حيث افتتح المسجد في الخامس من ربيع الأول من ذلك العام([98]) ، وكان البناء من الخرسانة المسلحة،
وهي أول مرة تدخل فيها الخرسانة في بناء المسجد.
أحدثت التوسعة السعودية الأولى تغييراً في شكل المبنى، وجعلته مستطيلاً
بعد أن كان على شكل متوازي المستطيلات، طول ضلعه الشمالي مساوياً لطول ضلعه
الجنوبي (91 متراً) بعد أن كان أقل منه بـ 16 متراً .
تبدأ المساحة المضافة من نهاية باب السلام غرباً على شكل شريط ضيق يتسع
كلما اتجهنا شمالاً، ثم يتجاوز نهاية المسجد حتى يصل إلى الموقع الجديد للجدار
الشمالي على بعد 128 متراً، وبالمقابل تبدأ المساحة المضافة غرباً من نهاية باب
النساء ، وتمتد في شريط ضيق يتسع كلما اتجهنا شمالاً حتى يصل الموقع الجديد للجدار
الشمالي، وبذلك تصبح الجهة الشمالية مساوية للجهة الجنوبية، وتبلغ جملة المساحة
المضافة إلى مسطح المسجد 6024م2، وبذلك يصبح مجموع مساحته ( 16327م2).

ومن التغييرات التي أحدثتها
هذه التوسعة هدم المآذن الثلاثة الخلفية المئذنة التي عند باب الرحمة، والمئذنتين الشمالية
الشرقية والشمالية الغربية. وقد بنيت مئذنتان جديدتان عوضاً عنها في الزاويتين
الشمالية الشرقية والشمالية الغربية من المبنى الجديد بارتفاع 70 متراً، ولم تبن
مئذنة بديلة عند باب الرحمة، فقد رأى مصممو التوسعة الاكتفاء بأربع مآذن في أركان
المبنى الأربعة محافظة على التناسق في المظهر العام للمسجد.
ومن التغييرات في التوسعة الجديدة أيضاً زيادة عدد الأبواب في البناء
الجديد، فقد أضيفت الأبواب الآتية :
1– باب الملك عبد
العزيز، ويقع في منتصف الجدار الشرقي تقريبا،ً بعد باب النساء، وهو بوابة واسعة
فيها ثلاثة أبواب تفتح على شارع الملك عبد العزيز، الذي يقع شمالي البقيع مباشرة.
2– باب الملك سعود،
ويقع في منتصف الجدار الغربي تقريباً، بعد باب الرحمة، وهو بوابة واسعة أيضاً فيها
ثلاثة أبواب ويواجه باب الملك عبد العزيز.
3– باب عثمان بن عفان،
ويقع في الركن الشمالي الشرقي من المسجد.
4– باب عمر بن الخطاب
،ويقع في الركن الشمالي الغربي من المسجد.
واحتفظت التوسعة بالأبواب الستة السابقة مع تغير في موقع باب المجيدي، حيث
أصبح يتوسط الجدار الشمالي بين بابي عثمان بن عفان وعمر بن الخطاب، وقد بلغ مجموع
ما أنفق على هذه التوسعة 50 مليون ريال، وهو مبلغ ضخم في ذلك الوقت، قياساً على
قيمته الشرائية والدخل الخاص والعام للفرد والدولة .
بعد مضي عقدين من الزمن على التوسعة السعودية الأولى ظهرت بوادر طفرة
جديدة تواكب التغييرات السريعة والضخمة في جوانب الحياة الحديثة، فالتطور الكبير
في وسائل المواصلات، والنمو السكاني في المجتمعات الإسلامية جعلا الإقبال على
زيارة الأماكن المقدسة يتضاعف بشكل مذهل، وجعل المدينة المنورة تشهد في مواسم الحج
ورمضان وبعض أشهر السنة الأخرى قدوم أعداد كبيرة من الزوار، وأصبح المسجد النبوي
على رحابته بعد التوسعة يضيق بهم.
ولتدارك الأمر على وجه السرعة قرر جلالة الملك فيصل –رحمه الله –عام 1393
هـ وضع حل مؤقت إلى أن يتم التخطيط المدروس لحل نهائي، فأمر بإلحاق مساحة وافية
بالمسجد النبوي وإعدادها لتكون مصلى إضافي يستوعب الأعداد المتدفقة في المواسم،
فاستُملكت قطعة كبيرة من الأرض غربي المسجد النبوي مقابل باب الرحمة تكتظ عليها
البيوت القديمة والدكاكين، فهدمت، ورصفت الأرض ونصبت فوقها مظلات من الألياف
الزجاجية (الفيبر كلاس) ، وزودت بالكهرباء ومكبرات الصوت والمراوح السقفية. وبلغت
مساحة القسم المضاف 40550 م2 ([99]).
وفي 18 رجب عام 1397 هـ شب حريق هائل في سوق القماشة الواقع في الجنوب
الغربي من المسجد النبوي، واستمر ثلاثة أيام كاملة ، وأتى على السوق بأكمله،فأمر
جلالة الملك خالد بن عبدالعزيز – رحمه الله – أن تُستملك
الأرض التي كان يقوم عليها ، وتُحول إلى ساحة واسعة يقام على قسم منها مظلات تضاف
إلى القسم المظلل الذي أقيم في عهد الملك فيصل، وتترك البقية ساحة للسيارات
والخدمات اللازمة للمسجد النبوي. وقد بلغت مساحة هذه الأرض 43000 م2 ([100]) .
وقد كانت هذه الحلول المؤقتة مبادرات عاجلة لاستيعاب الأعداد المتزايدة من
الزوار في المناسبات المتكررة، وكان تجهيز المساحات المضافة متوافقاً مع المتطلبات
الآتية، وإرهاصات لحل قادم يهيئ للمصلين والزائرين ظروفاً أفضل، خاصة في أيام الحر
الشديد، والبرد والمطر في عهدٍ يضع أول اهتماماته خدمة الحرمين الشريفين .
توسعة خادم الحرمين الشريفين الملك فهد بن عبد العزيز
الملحمة العمرانية الكبرى
من الثوابت التاريخية أن وراء كل إنجاز كبير أسبابٌ أدت إلى ظهوره،
وجعلت الذين شيــدوه يبذلون الأمـــوال الطائلـــة والجهود الفائقة لإخراجه على
النحو الذي ظهر فيـــه .
وتوسعة خـادم الحرمين الشريفين الملك فهد بن عبد العزيز للمسجد النبوي
إنجاز كبير ، يحس بتميزه كل من يراه أو يبلغه وصفه . فما الأسباب التي أدت إليه ؟
ولم كان على هذا النحو؟
ثمة أسباب عدة يصل إليها الباحث
المتأمل، أوجزها فيما يأتي :
أثنى الله سبحانه وتعالى على من يعمر
مساجد الله بعامه ووصفه بالإيمان، فقال سبحانه : {
إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ }([101]) وبَيّن رسول
الله e ما أعده الله له من الثواب فقال ([102]) :
(من بنى لله بيتاً كمفحص قطاة أو أصغر بنى الله له بيتاً في الجنة) .
وللمسجد النبوي مكانة خاصة في قلوب
المسلمين، وهو مرتبط منذ نشأته، وعلى امتداد تاريخه بالعقيدة الإسلامية، له فضائل
تميزه عما سواه من مواقع العبادة، فالصلاة فيه بألف صلاة، والرحلة إليه شعيرة يثيب
الله عليها كل من يقوم بها ؛ لذا فإن إعماره هو إعمار لموقع ذي قداسة خاصة، وخدمته
خدمة لكل مسلم شد الرحال إليه وذكر الله فيه .
حملت متغيرات النصف الثاني من القرن
الرابع عشر الهجري تطورات هائلة في المواصلات والاتصالات، فتمتد صفوف المصلين إلى
الأرصفة والشوارع المجاورة، لذلك كان لا بد من حل مدروس وإنجاز جديد يستوعب
الزيادات الحالية والقادمة .
يعد النمو السكاني عنصراً مهماً له
آثار مباشرة في زيادة أعداد الزائرين، فالعالم الإسلامي الذي كان يعدُّ خمسمائة
مليون قبل ربع قرن أصبح عدده في وقتنا الحاضر أكثر من مليار([103])،
فإذا كانت نسبة الحجاج منهم 0.1% (واحد في الألف) فإن عددهم سيصل إلى مليون حاج،
وما دامت الزيادة في عدد المسلمين مطردة النمو فإن أعداد الحجاج في زيادة مطردة
أيضاً، وهذا ما ينبغي أن تُعَدَّ له العدة .
على الرغم من المواجهة العتيدة مع
الحضارة الغربية في هذا العصر فإن الوعي الديني متصاعد ولا شك، سواء في بلدان
العالم الإسلامي أو في المجتمعات التي يعيش فيها المسلمون أقلية وجاليات . فسنوات
المواجهة الفكرية الطويلة أخرجت علماء مسلمين في فنون شتى نقضوا نظريات
العلمانيين، وأثبتوا أن العلم طريق إلى الإيمان، واستعملوا المعطيات الفكرية
الغربية نفسها في الاستدلال العكسي على ما وضعت له أصلاً، وساعدهم في ذلك الثغرات
الضخمة في الحضارة المادية والفكر العلماني وسقوط عدد من نظرياتهم وتطبيقاتهم .
كل هذا جعل شرائح كبيرة من المثقفين يقبلون على الدين، ويطبقون شرائعه
بنسب مختلفة، فضلاً عن جهود الفقهاء وخطباء المساجد والدعاة الآخرين في توعية عامة
المسلمين وخاصتهم، مما جعل أعداداً أخرى تُقبل على زيارة الحرمين الشريفين وأداء
الشعائر.
قبل نصف قرن من وقتنا الحالي كانت معظم
بلاد العالم الإسلامي تعد من البلدان الفقيرة أو ما تحت مستوى الفقر . وكان معظمها
يرزح تحت حكم الاستعمار الأجنبي ، ومع مرور الزمن تحررت من الاستعمار ، وبدأت
تستثمر ثرواتها الزراعية والنفطية والمعدنية، وتخطو خطوات جادة في ميدان الصناعة،
وظهرت تغيرات اقتصادية واضحة، وارتفعت نسبة الدخل، وصار في كل مجتمع من المجتمعات
الإسلامية فئات من التجار والمزارعين ورجال الأعمال تملك القدرة على السفر
والإنفاق، وتكونت شركات ومكاتب سياحية تنظم رحلات الحج والعمرة والزيارة، وتوفر
لمن يشارك فيها زيارة الأماكن المقدسة بأسعار معقولة ومنخفضة أحياناً تقل عن أسعار
الرحلات السياحية إلى المصايف والمنتجعات، فقد بلغ معدل تكلفة إقامة الفرد الواحد
في غير أوقات الموسم مئتي ريال لمدة أسبوع ، وهذا عامل جذب كبير يتيح لمتوسطي
الدخل في كثير من بلدان العالم الإسلامي أن يشاركوا في هذه الرحلات من وفرهم
المحدود، ويؤدي إلى زيادة عدد الوافدين إلى الديار المقدسة وزائري المسجد النبوي .
عندما جمع الملك عبد العزيز مناطق
المملكة العربية السعودية في كيان واحد كانت هذه الدولة المترامية الأطراف محدودة
الموارد، غير قادرة على الإنفاق الواسع في المشاريع الحيوية دون أن تفرض الضرائب
والرسوم ، أو تقترض من جهات داخلية أو خارجية .
وشاء الله أن تتدفق ينابيع الخير والعطاء الوفير، ويتطور إنتاج النفط
وترتفع أسعاره، وتخطو برامج التنمية خطوات واسعة، ويتحسن الإنتاج الزراعي، وتتصاعد
حركة إنشاء المصانع وتنعم البلاد بوفرة عالية تمكن أولي الأمر من التوجيه إلى خطط
طموحة ومشاريع ضخمة دون أن يحملوا الشعب أية أعباء .
إن الوفرة الاقتصادية التي وصلت إليها
المملكة في مطلع القرن الخامس عشر الهجري قد ساعدت على أن يكون مشروع التوسعة على
هذا القدر من الضخامة، وأن تتجاوز كلفته المالية أربعة عشر مليار ريال([104]) .
كانت الإضافات الأخيرة إلى مساحة المسجد
النبوي في عهدي الملك فيصل والملك خالد –رحمهما الله –إضافات كبيرة في المساحة ،
وكان تجهيزها لمواجهة زيادات طارئة في أعداد الزائرين تجاوزت التوقعات والخطط
المرسومة، وكانت بطبيعتها حلاً مؤقتاً. فتجهيز المساحات المضافة كان سريعاً على
نحو ما اقتضته الظروف آنئذ، وتكوينه بسيط فهو : مجموعة مظلات من الألياف الزجاجية
(الفيبر كلاس) على أرض مرصوفة أو مبلطة، زودت بأجهزة نقل الصوت والإنارة وبمراوح
سقفية . وهي مناسبة في الأجواء المعتدلة، لكنها لا تفي بالغرض المطلوب في شدة الحر
والبرد، وفي أيام المطر والرياح الموسمية .
ثم إن التطور العمراني الذي انتشر في
أنحاء المملكة جعل (المظلات) بالحالة التي كانت عليها دون المستوى الذي وصلت إليه
المرافق والمنشآت المستحدثة، ففي الوقت الذي تُبنى فيه مساجد في بعض الأحياء على
درجة عالية من التقنيات المعمارية، تتوافر فيها وسائل الراحة المتقدمة، بدءاً
بهندسة البناء ووصولاً إلى تبريد الهواء، لا يعقل أن يجد قاصد المسجد النبوي نفسه
في تلك المظلات تحت رحمة الحر والقر وعواصف الرياح عندما تهب، والمسجد النبوي
يقصده المسلمون من أنحاء الأرض، وينفق بعضهم الأموال الطائلة ليحظى بأيام معدودة
في رحابه، والمسؤولون في المملكة العربية السعودية الذين وجهوا إلى تطوير المرافق
والمنشآت العامة والارتقاء بها في الشكل والمضمون إلى المستوى اللائق، يتطلعون إلى
أن تكون منشآت الحرمين الشريفين في أعلى درجة من تقنية العمارة وجودتها، وقدرتها
الطويلة الأمد على تقديم ما يحتاجه المتعبدون فيها. وهذا يعني التطوير العمراني
الواسع لمبنى المسجد النبوي في ظل النهضة العمرانية الشاملة .
إن هذا السبب، والأسباب الأخرى التي
اجتزأت بها، اجتمعت معاً وشكّلت باعثاً قوياً لمشروع توسعة خادم الحرمين الشريفين
للمسجد النبوي على النحو الذي جاء عليه تميزاً وضخامة.
لم
يطل الانتظار ليأتي الحل الشامل لمواجهة المتغيرات الطارئة في واقع المسجد النبوي
ومستقبله القريب .
وقد
بدأت ملامح هذا الحل إثر تولي خادم الحرمين الشريفين الملك فهد بن عبدالعزيز
مقاليد الحكم، فقد زار المدينة المنورة عام 1403هـ ، وأصدر أمره بوضع التصميمات
اللازمة لتوسعة جديدة ضخمة، تبنى وفق أحدث نظم البناء، لتستوعب الزيادات الطارئة
المتوقعة في الأعوام القادمة. وقامت شركات استشارية عالمية بوضع التصميمات وعرضت
عليه، وناقشها مع المختصين، وأمر بعدد من التعديلات، وصدر مرسوم ملكي ببدء العمل
بالمشروع، وكلفت مؤسسة ابن لادن –
التي قام مؤسسها الشيخ محمد بن لادن – رحمه الله –
بتنفيذ التوسعة السعودية الأولى –
بتنفيذ المشروع الحالي ، وأطلق عليه اسم مشروع خادم الحرمين الشريفين لتوسعة
المسجد النبوي الشريف).
وفي
الخامس من شهر صفر 1405هـ الموافق للثاني من نوفمبر تشرين الثاني 1984م وضع خادم
الحرمين الشريفين حجر الأساس للتوسعة الجديدة إيذاناً ببدء العمل في المشروع، وأمر
بتشكيل لجنة تنفيذية برئاسة أمير المدينة المنورة عبد المجيد بن عبدالعزيز للإشراف
على المشروع ومتابعته، وعقدت اللجنة جلسات عدة ، ووضعت برنامج عمل زمني للتنفيذ،
وبدأت أولى خطوات التنفيذ باستملاك العقارات التي ستشملها التوسعة والخدمات
المساندة، وتقدر مساحتها بمائة ألف متر مربع من الأراضي المجاورة للمسجد، وشكلت
لجان لتقدير ثمن العقارات المنزوعة فبلغت حوالي سبعمائة مليون ريال، بدأت الدولة
بصرفها بعد استلام العقارات، وبدأت الشركة المنفذة بإزالة المباني القائمة.
كانت
المباني الموجودة في المنطقة تتراوح بين البيوت الشعبية والعمارات الكبيرة
والحديثة.
وبدأت
عملية الهدم والإزالة وكأنها عملية مسح مدينة كاملة، واستعملت جرافات ضخمة لإسقاط
المباني بطرق فنية آمنة دون استعمال المتفجرات، ويذكر تقرير الشركة المنفــذة أنها
هدمت وأزالت ما حجمه نصــف مليــون متر مكعب من الأنقــاض و 443000 م3 من الأتربة([105]).
وبدأت عمليات حفر عميقة ونزلت إلى عمق
يزيد على عشرة أمتار، ثم حفرت آبار عميقة فيها([106])
تتراوح بين 18 ـ 45 متراً ـ على حسب عمق الصخر فيها ـ بلغ عددها 8500 بئراً، صبّت
فيها أوتاد إسمنتية، بلغ عددها8500 استهلكت أكثر من 96000 م3 من الإسمنت المسلح .
وبُنيت للأوتاد قواعد فوق الأرض عددها 1877 قاعدة وبذلك يرتكز بناء التوسعة على
قواعد قوية وضخمة صُممت وفق أفضل المواصفات الهندسية، وروعي في التصميم أن يكون
الأساس قابلاً لتحمل طابق ثانٍ يبنى عند الحاجة .
غطيت أرضية الحفر ببلاطة من الإسمنت
المسلح تصل بين قواعد الأوتاد الإسمنتية، وقَسَّمت الأرضية إلى 95 مجموعة تشكل كل واحدة
منها جزءاً من البلاطة، أي وحدة بناء مختلفة المساحات، أصغرها 480 م2 ، وأكبرها
1527 م2 ، وسمكها 10 سم، وروعي فيها مسارات شبكات التمديدات الصحية، ووضع فوقها
طبقة عازلة للرطوبة، ثم طبقة إسمنتية أخرى سمكها 5 سم، وفوق هذه الطبقة وضعت
المواسير الكهربائية ، ثم صب فوقها طبقة من الإسمنت سمكها 25 سم ، وأصبحت هذه
الطبقات المتوالية تشكل بمجموعها أرضية الطابق السفلي (تحت الأرض).
أُحيط الدور السفلي بجدار استنادي
وعُزل بمادة عازلة للرطوبة، ثم بني خلفه جـــدار آخر من البلوك الإســمنتي المصمت،
ووضعت طبقة أخرى عازلة للرطوبة كي لا تتسرب إلى الأرضية الإسمنتية أو الأعمدة .
بعد ذلك صبت أعمدة من الإسمنت القوي
التسليح، بلغ عددها 2554 عموداً ارتفاع كل منها 40 ,4 وقطره 72 سم، وفوق هذه
الأعمدة نصبت حصيرة ضخمة من الحديد المسلح وصب فيها الإسمنت المعد بنسب مدروسة
ليكون سقف الدور السفلي، وأرضية الدور الأرضي، وتخللتها العناصر اللازمة للتمديدات
الكهربائية والتبريد والتصريف، وقُسِّم السقف إلى 95 وحدة أيضاً على غرار أرضية
الدور السفلي. وصب الإسمنت في هذه الوحدات ليلاً لتجنب آثار الطقس الحار، ولضمان
أعلى درجات التماسك والجودة، وبلغت كمية الإسمنت المستعملة في هذا القسم 23700 م3
.
وقد نظم العمل في هذه المرحلة،
والمراحل الآتية في ثلاث ورديات تواصل العمل على مدار الساعة، وقسمت كل وردية إلى
فرق متخصصة تنجز كل فرقة عملاً محدداً في قسم معين، وفق الخرائط وجدول التنفيذ
المعتمد . وأُقيمت رافعات ضخمة في جوانب التوسعة تصل إلى كل جزء منها أفقياً
وعمودياً .
عندما جف الإسمنت في سقف الطابق
السفلي، تشكلت أرضية الطابق الأرضي، وبدأ إعداد أعمدته الإسمنتية المسلحة والمتصلة
بأعمدة الطابق السفلي، كما بدأ بناء الجدران، ويوماً بعد يوم يرتفع البناء وتشكلت
غابة جديدة من الأعمدة المتناسقة بلغ عددها 2567 عموداً، تتباعد عن بعضها بمسافة 6
أمتار، وفي المواضع التي ستعلوها قباب 18 متراً لتشكل الأفنية الداخلية، وبلغ عدد
هذه الأفنية 27 فناء فوق كل منها قبة متحركة، ثم بنيت الأقواس التي تحمل السقف،
وبلغ عددها 3812 قوساً ثم صُبَّ السقف، الذي يشكل أرضية الطابق الأخير.
وما أن انتهى البناء الإسمنتي في
الطابق الأول حتى بدأت أعمال التكسية والزخرفة لتغطي جدران المسجد وأعمدته
بالمرمر، وتغطي تيجان الأعمدة بصفائح نحاسية مزخرفة، وقد روعي أن يكون شكل الأعمدة
والتيجان مناظراً لمثيلاتها في التوسعة السعودية الأولى، بسبب توحد التوسعتين
واتصالهما في نسق معماري واحد .
بعد الفراغ من سقف الطابق الأرضي تشكلت
أرضية الطابق العلوي، وهو سطح المبنى، وقد صمم هذا الطابق لوضع القباب عليه،
وللاستفادة منه في الصلاة أيضاً، لذلك بُني فيه رواق يمتد في جهات السطح الأربعة،
ارتفاعه خمسة أمتار ومساحته الكلية 11000م2
يتصل بالدور الأرضي بست مجموعات من السلالم الكهربائية وثماني عشرة مجموعة
من السلالم الرخامية موزعة في أنحاء الطابق، وتشغل القباب المتحركة مع المساحة
المتروكة لحركتها 8750 متراً، وتبقى مساحات داخلية متوزعة بين القباب لاستعمالها
للصلاة . وقد رصفت أرضها بالمرمر الأبيض العاكس للحرارة. وتبلغ الطاقة الاستيعابية
لمجموع الساحات والرواق في هذا الطابق تسعين ألف مصلٍ، يستفاد منها في أوقات
الذروة للصلاة .
تضمن تصميم مبنى التوسعة إنشاء 27 قبة
موزعة على سطحه . لتغطي الأفنية في الطابق الأرضي، بحيث تركب كل واحدة منها على
مساحة مربعة محيطها 18 × 18 متر، وترتفع القبة عن الأرض 65،16 م، ويبلغ قطرها
14,70م، وارتفاعها من قاعدتها إلى قمتها أربعة أمتار وتزن 80 طناً، وتتكون من هيكل
فولاذي ضخم يزن
40طناً، ويُغطّى من الداخل بطبقة من الخشب الخاص ، ثم بطبقة أخرى من الخشب
المزخرف، تُكَوِّن أشكالاً هندسية محفورة باليد على قطع من خشب الأرز المغربي،
تتخللها قطع من حجر الأمازونيت الكيني داخل إطارات مذهبة، وفيها مساحات مغطاة بورق
الذهب، حيث تحتوي كل قبة على ما زنته 2,5كغ من الذهب الرقيق الخالص.
أما
الغلاف الخارجي للقبة فهو من السيراميك الألماني المثبت على قواعد من الجرانيت ،
ويعلو القبة رأس يشكل نقطتها العلوية، وهو من البرنز المغطى بالذهب، وتتحرك القبة
على أربع عجلات من الفولاذ الخالص مكسوة بمعدن ضد الصدأ، ولكل عجلة محرك خاص بها
قوته 2.5 كيلو واط، وتتحرك القبة على سكة فولاذية مغطاة بمعدن مضاد للصدأ، ومانع
للضجيج، ويتم تحريك القباب من جهاز حاسوب (كمبيوتر) يمكنه فتح كل قبة وإغلاقها على
حدة، كما يمكنه فتحها وإغلاقها جميعاً في وقت واحد، وتستغرق حركة القبة الكاملة
بالمحركات دقيقة واحد فقط، وقد روعي في التصميم إمكانية تحريك القبة باليد عند
الحاجة، حيث يستغرق فتحها وإغلاقها آنئذ ثلاثين دقيقة.
أحدثت التوسعة تغيراً شاملاً في مبنى
المسجد النبوي، باستثناء القسم الجنوبي (العثماني) حيث احتضنت التوسعة السعودية
الأولى وامتدت بها في الاتجاهات الثلاثة ـ الشرق والغرب والشمال ـ ويقتضي هذا
التغير تغيراً في مواقع الأبواب وعددها .
ونظراً لضخامة التوسعة وكثرة أعداد
المصلين الذين تستوعبهم فقد وُضع للمبنى سبعة مداخل واسعة ثلاثة في الجهة الشمالية،
واثنان في كل من الشرقية والغربية، في كل مدخل سبعة أبواب، بابان متباعدان، بينهما
خمسة أبواب متجاورة عرض كل منها ستة أمتار إضافة إلى أبواب مفردة وأبواب مزدوجة
تؤدي إلى السلالم الكهربائية والسلالم العادية، وبلغ مجموع ما أضافته التوسعة من
أبواب سبعين باباً، وبذلك يصبح العدد الكلي لأبواب المسجد النبوي ستة وثمانين
باباً.
نظراً لارتفاع السقف في مبنى التوسعة
الجديدة ( 13.5م ) واستعمال قسم كبير من سطح المبنى للصلاة في أوقات الذروة، وجَّه
خادم الحرمين الشريفين إلى تركيب سلالم كهربائية مناسبة تنقل المصلين من الدور
الأرضي إلى أروقة الصلاة وساحاتها في السطح، فضلاً عن السلالم العادية المرخمة،
وقد رُكبت ست مجموعات من السلالم في جهات التوسعة الأربعة، وروعي أن تكون واسعة
وقابلة للحركة في الاتجاهين بالسهولة والسرعة نفسها.
صممت النوافذ على امتداد جدران التوسعة
لغرضين :
الأول : التهوية والإنارة الطبعية في
النهار .
الثاني : تكوين العناصر الجمالية في
المبنى ؛ لذلك وزعت بنسب مدروسة على امتداد الجدران ، وصنعت من خشب الساج الثمين
أيضاً ، وصنعت ألواحها من الزجاج المغشى العاكس للحرارة، وزخرفت فتحاتها العليا
بقطع من الزجاج الملون ، وعلى الجدران الخارجية ثبّتت مشربيات خشبية جميلة.
تشتمل
التوسعة الجديــــدة على ست منارات جديدة، ارتفاع كل منها حوالي 106م ، أي بزيادة
36 متراً عن ارتفاع المنارات في التوسعة
الأولى .
وتصطف
أربع منارات في الواجهة الشمالية، واحدة عند الزاوية الشرقية، وأخرى عند الزاوية
الغربية، واثنتان فوق البوابة الوسطى التي سمــــيت ( باب الملك فهد ) .
وأما
المنارتان الباقيتان فأولاهما في الزاوية الجنوبية الشرقية لمبنى التوسعة، والأخرى
في الزاوية الجنوبية الغربية، وبذا يصبح للمسجد النبوي عشر منارات.
من
المعروف أن مناخ المدينة المنورة حار في معظم أيام السنة، وباستثناء فصل الشتاء
اعتاد سكان المدينة المنورة أن يستعملوا مكيفات الهواء في بيوتهم وأماكن عملهم.
ونظراً
لمكانة المسجد النبوي ولتوفير الراحة لمن يقصده من المصلين والمعتكفين في تلك
الأيام الحارة، أمر خادم الحرمين الشريفين الملك فهد بن عبد العزيز بإقامة مشروع
لتبريد الهواء في المسجد كله، فمساحة المسجد النبوي بعد التوسعة ستقارب مائة ألف
متر مربع، وإذا تذكرنا أن ارتفاع السقف الداخلي يقارب 13 متراً أدركنا الحجم
الهائل للمساحة التي ستبرّد، وهذا يقتضي مصنعاً ضخماً ومحركات ذات قدرة عالية.
لذلك
تقرر أن يُقام مصنع التكييف بعيداً عن المسجد النبوي تجنباً لضجيج المحركات،
ولتسهيل عملية التشغيل والصيانة، واختيرت له منطقة تبعد عن المسجد النبوي سبعة
كيلو مترات في الاتجاه الغربي على سفح جبل جماء عاقر الشرقي، كما تقرر أن يكون
التبريد بطريقة المياه المبردة، حيث يضخ المصنع كميات ضخمة من الماء المبرد في
مواسير تمتد تحت الأرض إلى الطابق السفلي للتوسعة، وهناك تمر في شبكة من الأنابيب
العرضية الدقيقة، تقابلها مجموعة من مضخات الهواء القوية يبلغ عددها 143 مضخة،
ويوجه الهواء الخارج منها شبكة المياه المبردة، فيبرد ويتجه في مواسير التكييف إلى
فتحات موزعة في قاعدة الأعمدة في الطابق الأرضي للمسجد النبوي.
تمتد
مواسير نقل الماء المبرد من مصنع التبريد إلى الطابق السفلي لمبنى التوسعة في نفق
ضخم أقيم لتأمين الخدمات المختلفة، ويتكون النفق من شارع تحت الأرض طوله سبعة كيلو
مترات وعرضه 6.2 متراً وارتفاعه 4.1 متراً مبني من الإسمنت المسلح، وبعمق يتراوح
بين أربعة أمتار وستة عشر متراً، ويمر النفق من تحت نفق المناخة والساحات المحيطة
بالتوسعة، ومن خلال مبنى مواقف السيارات السفلي ، ويصل إلى المبنى السفلي للتوسعة.
من
مسلمات هندسة البناء أنه كلما كبر المبنى احتاج إلى فضاء أكبر حوله، ومع أن المسجد
النبوي بعد التوسعة لا يرتفع عمودياً مسافة كبيرة، فإن امتداده الأفقي الكبير
يقتضي وجود ساحات واسعة حوله، لاستيعاب حركة الدخول إلى المسجد والانتشار بعد
الصلاة، ولإبراز جمال المبنى، والأهم من ذلك كله لتهيئة مساحات إضافية للمصلين
تستعمل عند الحاجة.
لذا
روعي في تصميم التوسعة الجديدة أن تحيط به ساحات مغطاة بالرخام والجرانيت وفق
أشكال هندسية إسلامية وبألوان مختلفة، وتبلغ مساحتها 235.000 متر مربع، وفيها
مداخل للمواضئ السفلية ومواقف السيارات، واستراحة لكبار الزوار، وتتسع الساحات في
حالة استعمالها استعمالاً كاملاً لـ 400.000 مصل .
ولهذه
الساحات أسوار تتكون من جدران منخفضة من الإسمنت المسلح والمغطى بالجرانيت وتعلوها أسوار كريتال حديدية ذات تشكيلات
زخرفية جميلة، وللأسوار بوابات كبيرة في جميع الاتجاهات ومحارس مصنوعة من الحجر
الصناعي، وتضاء الساحات بمصابيح مناسبة الإنارة ترتفع فوق مائة وعشرين عموداً
عالياً .
تعد
مرافق الخدمات عنصراً حيوياً لتأمين راحة قاصد المسجد النبوي، ومن هذه المرافق
المواضئ ودورات المياه ، فوجود هذا المرفق قريباً من المسجد النبوي يساعد على
تحقيق طهارة دائمة واستعداد للصلاة والعبادة، والجلوس في المسجد لأوقات أطول ؛
لذلك تقرر أن تُبنى وحدات وضوء ودورات مياه تابعة لها في الطابقين السفليين تحت
الساحات الخارجية للمسجد النبوي، قرب مواقف السيارات، وقد وزعت هذه الوحدات على
خمسة عشر مبنى، يتألف كل منها من أربعة طوابق، وبلغ مجموع نقاط الوضوء فيها 6214
نقطة ، ومجموع دورات المياه الملحقة بها 2432 دورة ، ووضعت في مداخل الوحدات نقاط
لمياه الشرب بلغ مجموعها 7858 نقطة.
وتتصل
مباني هذه المرافق بالساحة الخارجية عبر مجموعات من السلالم
الكهربائية تضم 116 سلماً كهربائياً إضافة إلى 30 سلماً عادياً مغطى بالرخام .
تحتوي التوسعة الجديدة أجهزة كهربائية
وإلكترونية كثيرة منها: مصابيح الإنارة والثريات المعلقة والكشافات الشديدة
الإنارة، والسلالم الكهربائية والقباب المتحركة وأجهزة الإنذار ومحطات الإذاعة
والتلفاز والدائرة التلفازية المغلقة ، وغير ذلك من الأجهزة الكثيرة التي تحتاج
إلى طاقة كهربائية عالية ومستمرة، لذلك وضعت خطة لتزويد المسجد النبوي بطاقة كبيرة
مناسبة لحجم الأجهزة المستعملة، ومستمرة في جميع الظروف للإضاءة وتشغيل الأجهزة
وروعي أن تتعدد مصادرها، وأن توجد مُدَّخراتٌ احتياطية توفر الطاقة اللازمة إذا
انقطعت من المصادر الرئيسة .
وتشمل الخطة ما يأتي :
1-
مغذيات رئيسة من شبكة كهرباء
المنطقة الغربية.
2-
محطة توليد احتياطية تحتوي على ثمانية محركات ضخمة، قوة كل منها 2.5
ميجاوات، يتم تشغيل أربعة منها للمسجد بطاقة إجمالية قدرها 10 ميجاوات وواحدة
لمواقف السيارات، وثلاثة محركات احتياطية .
3-
وحدة تغذية مستمرة من
المُدَّخرات تخصص للإنارة ونظام الصوت ، وتعمل عند انقطاع الكهرباء من المصادر
الرئيسة لمدة ثلاثين دقيقة .
تقرر
بناء مواقف واسعة تحت الساحات المحيطة بالحرم، تحيط بالمسجد من جهاته الثلاثة:
الشمالية والجنوبية والغربية، وتشتمل على طابقين يتسعان لـ4500 سيارة، وتتخلل
المواقف بوابات للدخول والخروج، وطرق مناسبة للحركة داخل المواقف وبين طابقيه
لضمان سهولة الانسياب والحركة، وفيها أجهزة مراقبة تلفازية ومخاطبة صوتية ومكاتب
للإدارة، وغرف للأعمال الكهربائية والميكانيكية اللازمة، وتتصل المواقف مع ساحات
المسجد النبوي بالسلالم الكهربائية والعادية التي ذكرناها في حديثنا عن المواضي .
حافظت
التوسعة السعودية الثانية على المبنى الجنوبي لقيمته التراثية، ووضعت خطة لصيانته وتجديد
ما يحتاج إلى تجديد، وعلى امتداد سنوات العمل في مبنى التوسعة كانت أعمال الصيانة
مستمرة في المبنى الجنوبي جزءاً إثر جزء، وتركزت بشكل خاص على الجوانب الآتية :
1-
ترميم المنارة الرئيسة (
الجنوبية الشرقية ) ، ومنارة باب السلام وإعادة لياستها.
2-
كساء الجدران الخارجية الثلاثة
للمبنى بالحجارة الجرانيتية المصقولة، وتعليتها لتناسب ارتفاع مبنى التوسعة
الجديدة.
3-
إحـــــداث باب جديــــد في
الجهة الجنوبية الشرقية وتسميته ( باب البقيع ) بتاريخ 1/8/1408هـ .
4-
تجديد دهان القبة الخضراء .
5-
إجراء صيانة عامة لبقية القباب
، وتغيير بعض ألواح الرصاص، وطلاؤها باللون الفضي.
6-
إحداث مبنى جديد في الجهة
الجنوبية ملاصق للجدار الخارجي للمسجد وعلى امتداده طوله 87.5م وعرضه 5 أمتار ، له
أربعة أبواب، باب من الشرق ، وآخر من الغرب ، وبابان في الجهة الجنوبية، ويستعمل
هذا المبنى لعدة أغراض أهمها إدخال الجنائز من الباب الجنوبي والصلاة عليها على
يمين المحراب العثماني وإخراجها إلى
البقيع دون الحاجة إلى تمريرها داخل المبنى وبين المصلين، واستعملت بعض أجزاء
المبنى استراحة ومكاتب للأئمة بتاريخ 1412هـ .
7-
تجديد المحراب النبوي الشريف .
8-
تدعيم أعمدة الروضة الشريفة
وكساؤها برخام أبيض جديد، مع المحافظة على الخطوط والنقوش التي تميزها عن الأعمدة
الأخرى .
9-
تدعيم الأعمدة الأخرى بطبقة من
الإسمنت المسلح بارتفاع 2.5م في نهايتها طوق نحاسي مطلي بالذهب ، وتغيير لون
طلائها من الأحمر القاتم إلى (الوردي) الفاتح، لينسجم مع ألوان الأعمدة في مبنى
التوسعة.
10-
تجديد الرسوم والخطوط التي على
السطح الداخلي للقباب، وعلى الجدران، وتذهيب الآيات القرآنية والعبارات الأخرى
المكتوبة على الجدار الجنوبي.
11-
تركيب شبكة تبريد مركزية تتوزع منافذها
في جوانب المبنى، وفي الساحتين الداخليتين، والاستفادة من فتحات النوافذ العليا،
والفراغات التي بين الأقواس في وضع منافذ توزع الهواء البارد على جميع مناطق
المبنى .
12-
تجديد مصابيح الإضاءة وتركيب
قناديل وثريات ذات زجاج مزخرف عليه عبارات التوحيد، وقد بلغ مجموع الثريات المركبة
190 ثرية، ومجموع القناديل 678 قنديلاً، وجميعها مطلية بماء الذهب تصدر إضاءة
بيضاء تشبه ضوء النهار دون أن يكون لها وهج حراري؛ لذلك يصبح المبنى عندما تضاء
هذه المصابيح أشبه بلؤلؤة موشاة بخيوط من ذهب بتاريخ 3/5/1407هـ .
13-
تظليل الساحتين الداخليتين :
كانت التوسعة السعودية الأولى قد أنشأت ساحتين داخليتين في المسجد النبوي، أطلق
عليها اسم : الحصبة الأولى والحصبة الثانية، وذلك بسبب فرشهما بالحصى الناعم لعدة
سنوات قبل رصفهما بالرخام، وعندما بنيت التوسعة السعودية الثانية استوعبت التوسعة
السعودية الأولى ، وصارت جزءاً من المبنى الكبير المترابط الأجزاء، وصارت الساحتان
المذكورتان داخلتين فيها.
لذلك ولكي تكمل الاستفادة
من كل جزء في هذه التوسعة، تقرر تظليل الساحتين الداخليتين، فأقيمت فيهما اثنتا عشرة
مظلة، في كل واحدة ست مظلات بارتفاع السقف نفسه، وصنعت المظلات من قماش خاص سميك
أبيض من الألياف الزجاجية فيه خطوط زخرفية جميلة، ونصبت فوق أعمدة رخامية زينت
رؤوسها بتيجان نحاسية مزخرفة. فيها فتحات تتصل بتجويفات داخل الأعمدة، وتتصل في
قاعدتها بشبكة تبريد الهواء.
وقد صممت المظلات لتكون قابلة للفتح
والإغلاق بمحركات كهربائية ليس لها ضجيج، وعندما تكون المظلة مغلقة تتجمع أطرافها
في اتجاه عمودي، وترتفع على شكل مئذنة رشيقة ذات نهاية مخروطية . وعندما تفتح
تنتشر أجنحتها في الاتجاهات الأربعة، لتعطي انطباع السماء المفتوحة والأفق الممتد.

آفاق العناية بالمسجد النبوي في العهد السعودي
1–
التجديد والتوسعة مظهر من مظاهر العناية :
شهد
المسجد النبوي خلال خمسة عشر قرناً تسع حالات تجديد وتوسعة، اثنتان منها في العهد
السعودي الحالي، ولا شك أن التجديد والتوسعة شكل من أشكال العمران، يدل على درجة
عالية من الاهتمام والعناية، فالتجديد عمران يخلصه من عوامل الضعف، فيحميه من
التصدع والانهيار . والتوسعة إضافة مساحات جديدة إلى المسجد، تصبح جـــزءاً منه ،
ولو كانت أضعاف مساحة المبنى الأصلي، بل ولو امتدت-
كما يقول الحديث الشريف -
إلى صنعاء([107]).
ولا شك أن قيام الدولة السعودية بتوسعة
المسجد النبوي وتجديد مبانيه القديمة مرتين في أقل من نصف قرن، وبهذا المقدار
الضخم، هو دليل أكيد على العناية الكبيرة بهذا الموقع المقدس ، ومواجهة آنية
ومستقبلية للمتغيرات الطارئة والمتوقعة، خاصة التوسعة الأخيرة التي نظرت إلى خريطة
المتغيرات السريعة والواسعة، ووضعت في حساباتها استيعاب الأعداد المتزايدة لاحقاً،
واحتمال إنشاء مبنى آخر فوق المبنى الحالي.
ويبين لنا الجدول التالي لحجم التوسعات
التي جرت عبر التاريخ ضخامة التوسعتين السعوديتين ومواكبتهما للزيادة المتسارعة في
عدد المصلين في المسجد النبوي وزواره. (انظر الجدول المرفق) .
2 – الصيانة :
من آفاق العناية بالمسجد النبوي الشريف
الصيانة المتميزة ، فالصيانة جهود متوالية
لمقاومة عوامل الضعف وآثار الزمن، وتجديد للقدرة على أداء الوظائف بسهولة، فالتردد
الدائم على المسجد والكثافة العالية التي تحدث في المواسم تؤثر على محتويات
المسجد، ومرور الزمن يؤثر على المبنى نفسه، لذلك فإن أوليات مظاهر العناية به
صيانته في مبناه ومحتوياته .

وعندما كان المبنى صغيراً كانت الصيانة يسيرة ومحدودة، وعندما تطور المبنى وكثرت
محتوياته أصبحت الصيانة أكبر وأكثر حاجة للجهود والأموال وتُعَدَّ مبادرة نور
الدين زنكي ومن بعده صلاح الدين الأيوبي إلى تخصيص فريق من الخدم المنقطعين لخدمة
المسجد النبوي أكبر عملية خدمة وصيانة حتى ذلك الوقت، فقد توزع أعمال الخدم في
التنظيف والإنارة وحفظ المقتنيات والمفارش والمصاحف والمكتبات وغير ذلك من موجودات
المسجد النبوي، أما صيانة المباني فكانت تجري عندما تظهر شقوق أو تصدعات، وتعالج
بما يقتضيه الوضع.
وقد تغير الحال، وفي العهد السعودي
شُكِّلت فرق صيانة متكاملة ومستديمة، مهمتها تفقد المبنى والشبكات والأجهزة فيه،
وإجراء الترميمات والإصلاحات الصغيرة والكبيرة على الفور بل أصبحت مهمتها وقائية،
تبادر إلى الفحص الدوري وخاصة في القسم الجنوبي القديم، أما مبنى التوسعة السعودية
الأولى الذي ضُمَّ إلى التوسعة الثانية، وأصبح جزءاً منه فهو شاهد صدق لمدى جدية
الصيانـــة وأثرها الناجح ؛ لأنه لا يكاد يتميز في جدرانه وأعمدته وأقواسه ورخامه
عن المبنى الذي أنشئ لتوه، على الرغم من مرور أكثر من أربعين سنة على بنائه،
والفضل في ذلك للصيانة المستمرة.
3 – المحافظة على المعطيات التراثية :
ومن آفاق العناية بالمسجد النبوي المحافظة على
المعطيات التراثية فيه .
وقد مرّ بنا رفض الملك عبد العزيز هدم
المبنى الجنوبي القديم لما فيه من معطيات تراثية، وتوجيهه إلى العناية به وترميم
ما يحتاج إلى ترميم، وقد سار على النهج نفسه خادم الحرمين الشريفين فوجه إلى
المحافظة على هذا المبنى والعناية به على أكمل وجه حفاظاً على القيم التراثية التي
يجسدها، فقد أجريت عمليات تدعيم لقواعد الأعمدة وللأعمدة نفسها ، فأضيفت طبقات من
الإسمنت المسلح، وركبت لها أحزمة معدنية في منتصفها تقريباً، وجدد طلاؤها مرات عدة
، وتمت صيانة الكتابات والنقوش في سائر أجزاء المبنى، وكذلك المحراب النبوي
والسليماني والعثماني، وبفضل الصيانة المستمرة تبدو الشبكة المعدنية حول الحجرة
النبوية متألقة وكأنها لم تشهد مرور ستة قرون، وكذلك التيجان النحاسية والزخارف
المطلية بماء الذهب، التي تمسح بمواد خاصة تحافظ على بريقها، وكذلك الرخام المقابل
للحجرة النبوية، والروضة الشريفة بأعمدتها ورخامها ، بل وكل جزء في المبنى
العثماني القديم يبدو متألقاً بفضل الصيانة المستمرة.
إضافة لذلك تمت المحافظة على المقتنيات
الأثرية التي وُجدت في المسجد النبو ي عندما دخلت المدينة المنورة في المنظومة
السعودية، وهي هدايا ثمينة قدمها بعض السلاطين والأمراء والأعيان للمسجد النبوي
ووُضعت في المقصورة مدة من الزمن، وتشتمل على قناديل وأسرجة ومجوهرات ومشغولات
ذهبية وفضية، وقد بنيت غرفة خاصة لها في التوسعة السعودية الأولى عند باب عمر بن
الخطاب قرب المئذنة الشمالية الغربية .
وكذلك جُدِّدت الرسوم المنقوشة على
القباب والخطوط المكتوبة على الجدار الجنوبي ، وأعيد تذهيبها، وتجري العناية
الدائمة بالقيشاني والفسيفساء وسائر الزخارف القديمة في هذا المبنى .
4 – التقنيات المعمارية :
ومن آفاق العناية بالمسجد النبوي:
توظيف أحدث التقنيات في مبنى التوسعة الجديد ، والحديث عن التقنيات الحديثة التي
استعملت في هذه العمارة طويل، فحيثما قلّبنا النظر نجد آثاره، في تصميم البناء،
وفي الأساليب المستعملة في التنفيذ، وتبدو معالم التقنيات المعمارية في الجسور الضخمة
والأقواس المحكمة والتيجان المتناسقة، والقباب الكبيرة الجميلة، وفي المواءمه
الفنية بين مبنى التوسعة السابقة والمبنى الجديد، حتى يبدو كل منهما جزءاً من
الآخر، وفي المآذن الرشيقة العالية وتصميمها المعماري المتناسق، وفي براعة التصميم
والتنفيذ لصالات مواقف السيارات الضخمة، حيث يمتد السقف مسافات طويلة دون أعمدة
يستند عليها على شكل أجنحة مفتوحة، وفي التصميم الجمالي البارع لمظلات الساحتين
الداخلتين.
ويتبع تلك التقنيات المعادلة الصعبة
بين تنفيذ التوسعة واستمرارية أداء الشعائر في المسجد خلال عملية التنفيذ، فالمسجد
النبوي لم يُغلق يوماً واحداً طوال عشر سنوات من العمل فيه، وكان أسلوبُ العمل
يُطَبِّق التنفيذ المرحلي الموزع على أجزاء المبنى، وهذا يعني أن العمل جار في جزء
من المبنى والأجزاء الباقية تؤدي وظيفتها المعتادة، تُفرش للصلوات، وتُفتح
للمترددين على المسجد، حيث تجهِّزُ ورشَ التشغيل المكان بمجرد ألا يكون فيه حفر أو
أجهزة تَشْغَلُه، ثم تنتقل إلى مكان مجاور ليبدأ العمل في المكان السابق، وكثيراً
ما كانت ورش التشغيل تُعِدُّ المكان إعداداً مؤقتاً ليشغله المصلون يوم الجمعة أو
في مناسبة من المناسبات ، أو خلال موسم الحج أو الزيارة وتبذل في هذا الإعداد
الشيء الكثير، فإذا وصل العمل على حسب الخطة المرسومة إليه اقتلعت ما وضعته،
لتتمكن من العمل في موقعـه، وهذا يقتضي نفقات كثيرة تُصَنَّف في حسابات الإنشاء
بالنفقات المبددة؛ لأنها لا تفيد المبنى في شيء، ولكنها في حسابات العناية بالموقع
المقدس، وتوفير أكبر قدر من فرص العبادة لقاصدي المسجد، تُعَدُّ تصرفاً حكيماً،
وحرصاً على وظيفة المسجد، واهتماماً كبيراً بقاصديه، ولا أدل على هذا الحرص
والعناية من أن أعداد الزوار في سنوات العمل لم تتغير عما كانت عليه ، وعلى الرغم
من ضخامة العمل في الموقع وكثرة الآليات والأجهزة والعمال ، ويبين لنا الجدول
المرفق أعداد الحجاج الذين زاروا المسجد النبوي خلال سنوات التنفيذ لا يقل عنه في
السنوات التي قبلها ( انظر الرسم البياني لأعداد الزائرين من 1405–1415هـ ) .

5 – تقنيات الأجهزة :
ويلتحق بالتقنيات المعمارية تقنيات
الأجهزة المستعملة في الإنشاء والتشغيل. ففي مرحلة الإنشاء استعملت معدات ذات
تقنية عالية، منها معدات الحفر العميق، ومنها الرافعات المتحركة على جسور معدنية
كبيرة تمتد قرابة مائة متر، والرافعات الثابتة الممتدة في السماء لأكثر من مائة
متر أيضاً كي تكمل بناء المآذن في أقسامها العليا، وتركيب الأهلّة التي ترتفع 106
أمتار، ومنها آلات إعداد الرخام المقوّس لتلبيس الأعمدة ، ومنها آلات إعداد
الحجارة الصناعية بكمياتها الكبيرة… وغير ذلك من
الآليات الكبيرة ذات التقنية الميكانيكية العالية.
وهناك نوع آخر من الأجهزة يصنف عادة في
" الإلكترونيات " زُوِّد به المسجد النبوي منها: الدائرة التلفازية
المغلقة. فقد ركبت شبكة تلفازية تغطي عدساتها كل جزء في المسجد النبوي، استعملت
فيها كاميرات ثابتة ومتحركة، تتصل بغرفة المراقبة. وكذلك شبكة توزيع الصوت، حيث
ينتقل الصوت في وقت واحد ودرجة واحدة إلى أجزاء المسجد النبوي الداخلية، فيبدو
كأنه يخاطب كل واحد عن قرب، دون أية مداخلات أو تشويش، وقد ثبتت مكبرات الصوت بشكل
فني في أماكن مختلفة بعضها ظاهر وبعضها خفي لتوفر توزيعاً واضحاً ومتناسقاً.
ومن التجهيزات الإلكترونية الحديثة في المسجد
النبوي محطة إذاعية لتسجيل الشعــــائر ونقلها تحتــــوي على أجهـــــزة تسجيل
عالية الدقة ، وأجهزة نقل الصوت عبر خطوط خاصة سريعة إلى مركز البث في جدة، حيث
تذاع على الهواء مباشرة ، كما يتم في هذه
المحطة تسجيل الدروس الدينية ونقلها من حلقات العلم في المسجد النبوي والأحاديث
والندوات الإذاعية التي تسجل داخل المحطة نفسها، ويتناوب الموظفون على العمل في
المحطة على مدار الساعة لنقل الأذان والصلوات في الأوقات الخمســـــة.
وإلى
جانب محطة الإذاعة أقيمت محطة تلفازية متقدمة للغرض نفسه، نقل الشعائر الدينية
وتسجيل الدروس والأحاديث والندوات، وزودت بكاميرات تسجيل حديثة، تغطي جوانب المسجد
النبوي ، وتُوَجَّه من قلب المحطة في المبنى العثماني فوق بوابة أبي بكر الصديق.
ومن التجهيزات التقنية المتقدمة في
المسجد النبوي شبكة الإضاءة الداخلية والخارجيـــــة، وهي شبكــــة ضخمـــة تضم
عشـــــرات المصابيح الشديـــــدة التوهــــــــج ( البرجكتورات) التي تضيء المبنى
من الخارج، ومجموعة كبيرة من المصابيح المثبتة على الأعمــــدة في الساحات
الخارجية ، ولنذكر هنا أن مساحة هذه الساحات تبلغ 235.000م2 تظهر في الليل وكأنها
درة تتلألأ، كما يظهر مبنى المسجد النبوي للبعيد متألقاً بأنواره.
أما الإضاءة الداخلية فتستعمل فيها
مجموعة ضخمة من القناديل والثريات المصنوعــــة في النمسا خصيصاً للمسجد النبوي
والمزخرفة بعبارات التوحيد، ومصابيحها منخفضة الحرارة، وعندما تضاء ليلاً يبدو
المسجد النبوي كلؤلؤة موشاة بخيوط ذهبية.
ومن التجهيزات التقنية المتقدمة أيضاً
شبكة إنذار للحريق ذات حساسية عالية موزعة في أنحاء المسجد النبوي ، وخاصة في
المواقع الحساسة، تواكبها شبكة إطفاء تعتمد على غاز الهالوم تُفتح آلياً لمواجهة
أي حريق يشب ـ لا قدّر الله ـ وإطفائه قبل أن يمتد إلى ما يجاوره .
6– الطريق الدائري حول منطقة المسجد النبوي الشريف :
ومن آفاق العناية بالمسجد النبوي إنشاء الطريق الدائري الأول المحيط
به، الذي يسهــــل حركة المرور من الاتجاهــــات كافة ويوزعها على جهاتــــه
الأربع . فقد روعي في التنظيم العــــام للمدينة المنورة تخصيص منطقة المسجد
النبوي وجعلها حلقة شبه دائرية يحيط بها طريق واسع تصب فيه الطرق القادمة من جميع
أنحاء المدينة المنورة وتتــــوزع منه طرق تنقل قاصــــد المسجد النبوي إلى أي من
جهاته وأبوابه بسهولة ويسر، ويبلغ طول هذا الخط خمسة كيلو مترات تقريباً منه جزء
علوي على شكل جسر يمر فـــــوق تقاطعات شارع علي بن أبي طالب وشارع قربان وشارع
قباء ، وينتهي قرب محطة السكـــــة الحديدية ( العنبرية ) ، وله تفرعــــات تنْـزل
إلى الشوارع التي يمر من فوقهــــا .
ويضاف إلى هذا الطريق الدائري نفق المناخة
الذي أنشئ لخدمة حركة المرور تحت منطقة المناخة من أول شارع أبي بكر الصديق إلى
شارع قربان، وله فرع يبدأ من أول شارع سيد الشهداء أيضاً. وقد حقق هذا النفق
انسيابية عالية في حركة المرور وجعل منطقة المناخة غرب المسجد النبوي خاصة
بالمشاة.
وهكذا تتبدى آفاق العناية بالمسجد
النبوي واسعة ، لا تقتصر على العناية بمبناه والأجهزة التي ركبت فيه، بل تمتد
لتشمل المنطقة المحيطة به، بدءاً بالساحات الخارجية حوله، ومروراً بالمنطقة
المركزية التي شهدت أضخم ملحمة عمرانية في تاريخ المدينة المنورة، التي سنتحدث
عنها في فقرة قادمة، ووصولاً إلى الطرق والجسور والأنفاق التي أنشئت لخدمة قاصدي
المسجد النبوي لتؤمن وصولهم إليه بيسر وسهولة (انظر الخريطة المرفقة).

أثر التوسعات
السعودية في خدمة الإسلام والمسلمين :
رأينا أن في تاريخ المسجد النبوي منذ إنشائه حتى اليوم تسع توسعات فقط،
اثنتان منها جرتا في العهد السعودي، وكان لهاتين التوسعتين أسباب ملحة دعت إلى
تنفيذهما، تصب جميعها في محيط عام أساسي هو خدمة الإسلام والمسلمين، فالمكان الذي
تبذل فيه الجهود الفائقة وتنفق فيه الأموال الطائلة هو ثاني المساجد أهمية وقداسة
عند المسلمين، منذ أن بدأ الإسلام إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، والرحلة إليه
عبادة والصلاة فيه عبادة متميزة؛ لذلك فإن أية جهود تبذل وأموال تنفق لعمارته
وتحسينه سيكون لها أثر في تعزيز القيم الإيمانية في قلوب المسلمين، سوف نستعرض
فيما يأتي أهم تلك الآثار ومظاهرها في واقع المسلمين ومستقبلهم .
إن من أهم آثار هذه التوسعات ما يأتي :
كانت
أعداد الزائرين المتزايدة عاماً بعد عام سبباً من أسباب التوسعة، وبانتهاء أعمال
التوسعة ستصبح القضية عكسية تماماً ، أي : أن التوسعة الجديدة ستصبح سبباً في جذب
أعداد جديدة من الزائرين، ورفع أرقام المجموع العام للزائرين سنوياً.
ونذكر
هنا أن منظمة المؤتمر الإسلامي قد حددت –
بناء على طلب المملكة – عدد الحجاج الذين
تستقبلهم المملكة مدة إنجاز التوسعة الثانية بنسبة 001% (واحد في الألف) من عدد
السكان لكل قطر إسلامي، بسبب الإنشاءات الضخمة في الأحياء والشوارع المحيطة بها،
وصعوبة توفير الخدمات اللائقة للأعداد الهائلة التي ستتدفق على الحرمين الشريفين
لو ترك الأمر بغير تنظيم، ويقدر مركز أبحاث الحج أن العدد سيرتفع عندما تنتهي
أعمال الإنشاء والتعمير حول الحرمين ، وتلغى النسب المقررة لعدد الوافدين ، وسيصل
إلى ستة ملايين قادم من خارج المملكة عام 2005م .
إن
التطور العمراني في بناء المسجد النبوي والخدمات الكبيرة التي توفر الراحة التامة
وتهيء للمتعبدين في المسجد النبوي ظروفاً مناسبة للاستغراق في العبادة والتبتل
عامل جذب قوي، يشد أعداداً متزايدة من المسلمين كل سنة إلى زيارة المسجد النبوي،
خاصة بعد أن أصبحت المحطات الفضائية تنقل إليهم مشاهد حية منه سواء في أوقات
الصلوات التي تبثها محطة تلفاز السعودية، أو في رمضان وموسم الحج التي تشارك في
نقلها محطات فضائية كثيرة تشوق كل من يعمر قلبه الإيمان إلى أيام من العبادة
الخاشعة في رحاب مسجد رسول الله e ليغسل قلبه من هموم كثيرة متراكمة .
2 – ارتقاء الخدمات المقدمة لقاصدي المسجد النبوي :
إن
أعمال التوسعة وما تضمنته من أجهزة ومعدات كهربائية وإلكترونية حديثة وطاقم الخدمة
الكبير الذي وظف للعناية به عامل رئيس في تطوير الخدمات التي سيوفرها المسجد
لقاصديه، وأهم هذه الخدمات:
أ – توفير مواقع
مريحة للعبادة:
كان
المسجد قبل التوسعة يغص بالأعداد المتدفقة عليه، فيضطر الآلاف منهم للصلاة خارج
المبنى في الحر والقر، وفي الشوارع المحيطة به، وكان بعضهم ينتظر أوقات الفراغ بين
الصلوات ليجلس في المسجد، وكان على من يريد الصلاة مع الإمام داخل المبنى أن يقصده
ـ وخاصة يوم الجمعة ـ قبل ساعتين من وقت إقامتها .
وقد
تجاوزت التوسعة هذه المنغصات للزائرين ووفرت لعشرات الآلاف أماكن مريحة في
الإضافات الكبيرة التي أصبحت جزءاً من مبنى المسجد وساحاته .
ب – فرش المسجد :
طبعي
أن فرش المسجد واحد من عناصر الخدمة المهمة، وخاصة لمن يكثر الصلوات أو يطيل
الجلوس في المسجد، وقد حرصت إدارة المسجد النبوي منذ بداية العهد السعودي على فرشه
بنوع جيد من السجاد الموحد، وأُحدثت شعبة في الإدارة متخصصة بالفرش، وخصصت لها
مستودعات واسعة لتخزين الفرش الذي يستعمل في أوقات الذروة والفرش الاحتياطي، وزودت
بآليات نقل تعمل بالبطاريات التي تشحن بالكهرباء لنقل الأعداد الكبيرة من السجاد
وفرشه، أو لإعادة جمعه وتخزينه في الأوقات التي لا يستعمل فيها. وقد بلغ عدد
السجادات التي يقتنيها قسم الفرش في المسجد 7669 سجادة حجم الواحدة منها 5×3 م ([108]).
وتقوم
فرق النظافة بتنظيف السجاد يومياً أكثر من مرة، كما تقوم بغسله بأجهزة غسل متنقلة
وحديثة .
جـ – نظافة المسجد النبوي
:
منذ
أن أنشىء المسجد النبوي وجه رسول الله e
المسلمين إلى الحرص على نظافته، ونهى عن كل ما يسيء إليه، كالبصاق والتنخم ...
ودعا لمن كان يقوم بتنظيفه وترحم عليه بعد موته([109]) .
وخلال
العصور المتوالية كان الحرص على نظافته من مهمات
القائمين عليه، وعندما خُصص له خدم منقطعون (الأغوات) كانت مهمتهم الأولى
المحافظة على نظافته باستمرار([110])، وظلت هذه المهمة منوطة بهم على امتداد العصور الآتية، وانضم
إليهم في العهد العثماني مجموعة كبيرة من (الفراشين) الذين كانوا يتشرفون بحمل هذا
اللقب ما دام مرتبطاً بالمسجد النبوي، وكان بعضهم يبذل الوساطات والهدايا للحصول
عليه، كما كان بعض المجاورين يتزلفون للخدم كي يسمحوا لهم بالمشاركة في تنظيف
المسجد النبوي([111]).
وكان
العمل الرئيس في هذه النظافة كنس البسط والسجاجيد المفروشة بعد أن ينصرف المصلون
ليلاً وتغلق الأبواب، وكانت تجري نظافة أشمل قبيل المناسبات رمضان والعيدين
وغيرهما .
وفي
العهد السعودي ([112]) أعيد تنظيم إدارة المسجد النبوي ، وحافظ
النظام الجديد على مهمات الخدم المنقطعين الموجودين آنئذ والفراشين الملحقين بهم.
وعندما نمت التوسعة السعودية لم يعد العدد كافياً فبدأ تعيين فراشين إضافيين، ثم
تحول الأمر إلى تكليف شركة كبيرة بالقيام بأعمال النظافة، وتنافست شركات كبرى
لتحظى بهذا الشرف.
وعندما
نفّذت توسعة خادم الحرمين الشريفين أصبحت نظافة المسجد النبوي وملحقاته عملاً
ضخماً يُجند له مئات العاملين ، وتستعمل فيه أجهزة وآليات مختلفة الأحجام، ويبلغ
هذا العمل ذروته في شهر رمضان حيث يتوافد عشرات الآلاف إلى المسجد النبوي للإفطار
فيه، وتوضع الموائد الخفيفة داخل المسجد والموائد الثقيلة التي تحتوي على اللحوم
في الساحات الخارجية، وبعد الانتهاء من الصلاة تجري عملية تنظيف شاملة قبل وقت
العشاء، كما تجري عمليات نظافة متواصلة لمرافق الخدمات المساندة المواضي ودورات المياه لتكون دائماً في حالة
جيدة.
د – السقاية في المسجد:
قديماً
كانت السقاية في المسجد النبوي من الأعمال التطوعية التي يتقرب بها بعض المحسنين
إلى الله، فكانوا يوقفون الدوارق وقِرَب الماء أو يدفعون تكاليفها أو ينشيؤن
(السبيل) ، وينفقون عليه ليشرب منه الموجودون في المسجد، وقد عَرَف المسجد النبوي
خلال تاريخه الطويل أشكالاً عدة من السقايات، بدءاً بالدوارق الصغيرة التي توضع
قرب الأعمدة أو يطوف بها السقاؤون على الموجودين في المجلس. ووصولاً إلى خزان
للماء يوضع في الساحة الداخلية أو يبنى من المرمر، وفي بعض المرات مُدَّت إلى
ساحته قناة من مجرى العين الزرقاء ، وأنشئ لها مستقى منخفض في الساحة الداخلية
للمسجد ينـزل إليه من يريد الشرب أو الوضوء، وعندما أسيء استعماله ألغي واقتصرت
السقاية على الدوارق والخزان الكبير([113])، كما أنشأ
السلطان قايتباي (السبيل) مقابل باب الرحمة، وهو بناء فيه خزان كبير وله صنابير
عدة مثبتة على جداره الخارجي ليستقي منها الناس، ولهذا السبيل وقف يُأخذ ريعه
لينفق على إدارته وصيانته([114]) . وقد أزيل
هذا المبنى في التوسعة السعودية الأولى. وبسبب السقاية ظهرت طائفة السقائين في
المسجد النبوي ، وهم أشخاص يحملون دوارق الماء المبرد ، ويطوفون بها على الجالسين
في المسجد يسقونهم بطاسات معدنية، وفي الغالب يضاف إلى الماء ما يحسِّن طعمه مثل
المستكة وماء الزهر، وفي العادة يدفع الشارب مبلغاً صغيراً على سبيل الإكرامية
للسقاء، وقد يدفع أحد المحسنين مبلغاً مناسباً من المال ليوزع على المصلين مجاناً
عدة دوارق من الماء، وخاصة في ليالي رمضان، كما أن بعض العائلات كانت توقف دوارق
وتضعها في أماكن مخصوصة في المسجد وتكلف من يعنى بها ويملؤها كلما فرغت ([115]).
وفي عام 1398هـ تولت الرئاسة العامة لشؤون الحرمين أمر السقيا ([116]) ،
وتعاقدت مع متعهدين لتوفير الماء المبرد وتوزيعه في المسجد فتولت بعض الشركات ذلك،
وأقامت مبردات الماء في حي الأغوات ، وصارت تنقله في حافظات توزعها على أنحاء
المسجد.
بعد ذلك أنشأت إدارة المسجد النبوي
محطة تبريد خاصة بسقيا المسجد النبوي غربي المسجد قرب مكتبة الملك عبد العزيز
وجهزتها بالخزانات والحافظات اللازمة وهيأت لها آليات النقل داخل المسجد. ويجري في
المحطة تكرير المياه الواردة إليها وتعقيمها ، ثم تبريدها قبل أن تُنقل إلى
المسجد.
وفي عام 1415هـ بدأ نقل مياه زمزم في
صهاريج كبيرة من مكة إلى المدينة، حيث تُصب في خزان أقيم في محطة تبريد مياه
المسجد النبوي، ثم تنقل بالحافظات إلى داخل المسجد وتوزع في أنحائه.
وعندما أنشئ مبنى التوسعة الثانية وضعت
فيه صنابير خاصة للمياه المبردة عددها 560 صنبوراً ، وزعت على جهاته الأربع ،
وخصصت لها صالات عند المداخل أو تحت السلالم.
هـ – تبريد الهواء :
من الخدمات المتطورة والمتميزة التي
يحس بها قاصد المسجد النبوي تبريد الهواء في هذا المبنى الضخم، ففي الأيام الحارة
ـ ثلثي أيام السنة تقريباً ـ يقوم معمل التبريد الذي أنشئ خصيصاً للمسجد النبوي
بتبريد الهواء إلى درجة يحس معها الجالس في المسجد النبوي براحة ومتعة، فلا يمل من
الجلوس في المسجد، ويتوزع الهواء البارد في جميع أنحاء المسجد، بما فيها المبنى
الجنوبي القديم.
يقصد المسلمون على اختلاف مستوياتهم
الثقافية المسجد النبوي للصلاة فيه ، ثم السلام على رسول الله e ، ويمكث فيه بعضهم الوقت الطويل للتنفُّل ، وتلاوة القرآن، وذكر
الله سبحانه وتعالى. وقد حرصت إدارة المسجد النبوي ([117])
على أن تقدم خدمة إيمانية لقاصديه فأنشأت إدارة خاصة للتدريس، تنظم حلقات للتوجيه
الديني وتدريس للقرآن الكريم والعلوم الشرعية في أروقة المسجد يستفيد منها كل من
يقصدها، وخاصة في مواسم الزيارة حيث الكثير من الزائرين لم يجدوا الفرصة في بلادهم
ـ لأسباب شتى ـ لتعلم أمور دينهم. وربما كان لدى بعضهم ثقافة سطحية لا تخلو من
أخطاء، وربما يكون فيها خلل شديد. فيقبل على هذه الحلقات بشغف ، ويستفيد منها
فوائد كثيرة ، ويبلغ عدد حلقات التوجيه الديني والتدريس ( 66 ) حلقة تتوزع في
جوانب عدة منه، ويُنقل بعضها بمكبرات الصوت إلى أروقة النساء وتتاح الفرصة في هذه
الحلقات للأسئلة والاستفسارات ، وتدور موضوعات هذه الحلقات بشأن قضايا العقيدة
والأحوال الشخصية ، والمعاملات ، والعبادات، وتفسير القرآن، فضلاً عن حلقات تجويد
القرآن وتحسين تلاوته. ويدير هذه الحلقات علماء مختارون عُرفوا بسعة علمهم وحسن
توجيههم وبراعة أسلوبهم.
من
الميزات التي انفردت بها التوسعة السعودية الثانية امتداد أثرها إلى خارج المسجد
النبوي ، وتقديم خدمات كبيرة متطورة لقاصدي المسجد النبوي لمن شدوا الرحال إليه .
ذلك أن القادم من خارج المدينة المنورة
يحتاج إلى سكن يأوي إليه في غير الأوقات التي يكون فيها في المسجد، ويرغب أن يكون
هذا السكن قريباً منه، ويحتاج إلى من يوفر له الطعام والشراب، ويرغب أن يشتري ما
يحتاجه من متاع شخصي وهدايا يعود بها من رحلته .
وكانت هذه الأمور على امتداد العصور
الماضية قضايا شخصية وتجارية يتدبرها كل من الزائر وسكان المدينة المنورة، ونستنتج
من كتابات الرحالة الذين قدموا إلى المدينة في القرون الماضية أن أصحاب البيوت
كانوا يؤجرون غرفاً في منازلهم، وكان لبعضهم بيوت مخصصة للزوار يؤجرونهم إياها مدة
زيارتهم ؛ ونظراً لصغر حجم المدينة فقد كان الزوار في المواسم يتوزعون على أنحاء
المدينة كلها، أما القوافل الكبيرة فكانت تنْـزل في (المناخة) ، وربما نزل بعضها
بخيامه خارج السور ، وصار يروح إلى المسجد النبوي نهاراً ويبيت في خيامه ليلاً .
وكان الزائر يشتري عند وصوله المدينة ما يلزمه من الدقيق والسمن والعسل ما يكفيه
مدة زيارته، ويقوم بتجهيز طعامه بنفسه ([118]).
وقد تغير الأمر في العصر الحديث،
فالأعداد الهائلة التي أصبحت تفد إلى المدينة في المواسم تفوق عدد سكان المدينة،
وطبعي أن تتدنى الخدمات التي تقدم لهم، وأن يسكن بعض منهم في البيوت الطينية
القديمة، ويقبلوا بأي شيء يجدونه، وهذا الحال يجعل الزائر يختصر زيارته ويخرج من
المدينة دون أن يمكث فيها المدة التي يتمناها .
وعلى أثر التوسعة السعودية الأولى نشطت
الحركة العمرانية حول المسجد النبوي، وأُنشئت عــــدة عمارات كبيرة نسبياً، لكن
استمرار الزيــــادة في أعداد الزائرين – كما رأينا في الجدول الإحصائي – جعل تلك
العمارات غير كافية، وجعل خدمات السكن تتدنى في المواسم .
وعندما وُضِعت مخططات مشروع توسعة
المسجد النبوي وُضِع في الحسبان استيعاب قرابة مليون مصل في وقت واحد، غالبيتهم
العظمى من الوافدين من خارج المدينة، الأمر الذي يطرح سؤالاً كبيراً : ماذا عن
الخدمات التي يحتاجونها؟ وخاصة خدمة السكن ، وهل يمكن أن تستمر هذه الخدمة في
الحالة التي كانت عليها، وهي غير مرضية ؟
ولقد تنبه المسؤولون إلى هذا الأمر،
واهتموا به، ووجهوا إلى وضع الخطط المناسبة لتوفير الخدمات الخارجية لقاصدي المسجد
النبوي على أحسن حال، فوضع مشروع تطوير المنطقة المركزية – الذي سنعرض له في فقرة قادمة – ليقفز بهذه
الخدمات قفزة نوعيــة كبيرة، وليقدم لأول مرة في تاريخ المدينة المنورة سكناً
متميزاً قريباً من المسجــد النبوي تتوافر فيه جميع المتطلبات، وبأحدث التقنيات،
ويتسع لمئات الآلاف من الزائريـــن، وبجانبه أسواق متكاملة يتوافر فيها البضائع
والسلع التي يريدها الزائرون، بدءاً بالسلع الغذائية ومروراً بالثياب الجاهزة،
ووصولاً إلى الكتب والهدايا التذكارية .
كما تتوافر مطاعم جيدة يقدم بعضها
الأطعمة الخاصة بالأقطار الإسلامية، كالأطعمة الهندية والأندونيسية والتركية …
فضلاً عن الأطعمة المحلية والأوربية (الوجبات السريعة).
وزُودت المباني جميعها بالتكييف
المركزي الذي تستفيد منه الشقق السكنية والأسواق، لتوفر للزائر أجواء مريحة في
إقامته وفي تسوقه.
يضاف إلى هذه الخدمات خدمة الاتصالات،
فبعد أن أتاحت وزارة البرق والبريد والهاتف الفرصة للقطاع الخاص كي يستثمر أمواله
في هذا الميدان افتتحت في المنطقة محلات كثيرة للاتصالات الهاتفية والفاكس . ووفرت
لها الوزارة الخطوط اللازمة فأصبح من الميسور لأي زائر أن يتصل بأي مكان في أنحاء
العالم من هذه المحلات، وبالأسعار العادية دون أية زيادة، حيث تمنح الوزارة
المستثمر خصماً خاصاً من قيمة المكالمات الأصلية كي لا يتحمل المتصل أية تكاليف
إضافية.
آثار
التوسعات السعودية للمسجد النبوي في نمو المدينة المنورة :
وجاءت التوسعة السعودية الأولى ففتحت الأفاق
لنمو سكاني يصنعه عاملان رئيسان هما : الهجرة الداخلية من البادية والريف والمدن
الأخرى، والعمالة الوافدة من الأقطار العربية والإسلامية.
أما الهجرة الداخلية ([119])
فثمة عوامل كثيرة شجعت عليها ، منها المكانة المقدسة للمدينة المنورة حيث يجد يعض
الناس في نفوسهم رغبة ملحة لقضاء بقية عمرهم فيها، فينتقلون إليها وينقلون
أموالهم، وينخرطون في حياتهم اليومية فيها بين العمل والتردد على المسجد النبوي،
وهناك عائلات كثيرة انتقلت من نجد وتهامة والمنطقة الشرقية إلى المدينة لهذا
السبب.
وهناك
عامل الاستقطاب المركزي، الذي يجذب بعض سكان البادية والقرى من المدن الكبيرة
للالتحاق بوظائف في الدولة، أو للبحث عن فرص عمل في ( المدينة المتنامية) ، فخلال
التوسعة الأولى استقطبت أعمال التوسعة أعداداً من العمال من داخل المملكة وخارجها،
وعندما انتهت التوسعة وارتفعت أعداد الزائرين اجتذب النشاط العمراني والاقتصادي
هجرات أخرى، فقفز عدد السكان إلى قرابة خمسين ألف نسمة، وأخذت الهجرة تتسارع بعد
ذلك، وحركت هذه الهجرة العمالة الوافدة أيضاً ، فارتفعت أعداد العمال والمتعاقدين
في ميادين التعليم والصحة والزراعة والخدمات الفندقية والمطاعم والمخابز وورش
الصيانة.
وقفز عدد السكان إلى (000ر40) نسمة عام 1379هـ ، ثم إلى (000ر72) عام
(1382هـ) ( انظر جداول الهجرة المرفقة: مصدرها أسبابها )
وعندما
بدأت أعمال التوسعة الثانية تحول الأمر إلى قفزات أوسع ، فقد أحدث المشروع بجملته
تغيرات اقتصادية وعمرانية اجتذبت أعداداً كبيرة من المهاجرين إلى المدينة، واقتضت
أعمال التوسعة الضخمة استقدام عدة آلاف من العمال والفنيين والخبراء، وأقيمت
معسكرات خاصة لعمال المشروع، وارتفع عدد السكــــان عام 1406هـ إلى (500.000)
نسمة، وواصل ارتفاعه المستمر ، فبلغ عام 1413هـ 608 آلاف نسمة .
(
انظر الجدول المرفق للنمو السكاني في المدينة المنورة في العهد السعودي )


النمو العمراني
:
أدت حركة النمو السكاني إلى نمو عمراني مواز ليستوعب الأعداد الجديدة
من السكان القادمين من داخل المملكة وخارجها، وبدأت هذه الحركة مع مشروع التوسعة السعودية
الأولى، وكانت خطواتها الأولى في المنطقة المحيطة بالمسجد النبوي فقد دفعت الزيادة
في أعداد الزائرين بعض المستثمرين إلى شراء بيوت قديمة قريبة من المسجد النبوي
وهدمها وبناء عمارات جديدة مكانها، فظهرت مجموعة من الفنادق في الجهات الأربع،
وظهرت عمارات سكنية وتجارية في الشوارع الأولى والثانية بعد المسجد النبوي.
ثم امتد البناء مع ارتفاع عدد السكان،
واتسع النطاق العمراني للمدينة ، فكانت مساحة المدينة المنورة قبل التوسعة الأولى
250 هكتاراً، وقفزت بعدها بعشر سنوات إلى 1300 هكتار ، أي : أنها تضاعفت أكثر من أربعة
أضعاف ، (ووصلت عام 1410هـ إلى 29292 أي : أنها تضاعفت أكثر من 25 ضعفاً).
وعندما بدأ تنفيذ مشروع خادم الحرمين
الشريفين ، صُرفت تعويضات ضخمة لأصحاب العقارات التي استُملكت لصالح المشروع أولاً
ثم المشروع المساند الأكبر([120])، مشروع
المنطقة المركزية؛ وبلغت قيمة هذه التعويضات قرابة خمسة مليارات ريال، استثمر
معظمها في الإنشاءات العقارية ثانية ، فنشطت حركة العمران بشكل لم يسبق له مثيل في
القرن الماضي ، وانتشرت ورش البناء في جميع الاتجاهات، ونمت التجمعات الجديدة ،
وصارت أحياء كبيرة كاملة ، وبلغت مساحة النطاق العمراني للمدينة عام 1410هـ 29292
هكتاراً، أي : أنها تضاعفت أكثر من 25 ضعفاً .
وتدلنا إحصائية الرخص الصادرة عن أمانة
المدينة المنورة في العقد الأول من القرن الخامس عشر الهجري ([121])
على مدى نشاط الحركة العمرانية ، التي سببها الأول مشروع خادم الحرمين الشريفين
لتوسعة المسجد النبوي والمشروعات المساندة له ، فقد بلغ عددها (35359 ) رخصة ما
بين عمارة كبيرة وبيت لعائلة واحدة ( فيلا ) ومحل تجاري، وبلغ عدد ما أصدر منها
عام 1410هـ وحده 2010 رخصة وحدة موزعة على النحو الآتي:

رخص
أبنية سكنية فقط 1098
رخص أبنية سكنية وتجارية 102
رخص أبنية تجارية فقط ( أسواق ومحلات ) 60
رخص أسوار 222
رخص تعديل وإضافة 506
ولا تشمل هذه الإحصاءات الأبراج
السكنية والتجارية والفنادق التي أقيمت في المنطقة المركزية التي سنتحدث عنها في
الفقرة الآتية :
تطوير
المنطقة المركزية:
من أهم آثار مشروع خادم الحرمين
الشريفين لتوسعة المسجد النبوي الشريف وأكبرها مشروع تطوير المنطقة المركزية، ذلك
أنه عمل فريد في تاريخ المدينة، سواء بسبب ارتباطه بعمارة المسجد النبوي، أم بسبب
حجمه ومواصفات البناء فيه .
أما السبب الأول فلا نعرف توسعة للمسجد
النبوي أحدثت آثاراً خارج المسجد على هذا النحو ، فقد كان الاهتمام ينصرف إلى
المسجد ذاته ، أما المنطقة المحيطة به فكانت متروكة لأصحاب البيوت الكثيرة
المزدحمة فيها ، ولم تكن قضية خدمة الزوار خارج المسجد تخطر على البال في التوسعات
السابقة ، فضلاً عن أن طبيعة الحياة في كل عصر لها خصائصها المميزة، والتغير
العمراني الكبير الوحيد الذي شهدته منطقة المسجد النبوي كان في العهد النبوي عند
تأسيس المسجد النبوي ، فقد كانت حوله أراض غير مبنية أقطعها رسول الله e لعدد من الصحابة فبنوا بيوتهم عليها ، وكان آخرهم خالد ابن الوليد
الذي قدم المدينة مسلماً قبل فتح مكة ، ولم يكن قد بقي إلا أرض صغيرة فأقطعه رسول
الله e إياها، فلما شكا له صغرها وجهه إلى أن يرتفع بها في السماء، وهكذا
تحولت المنطقة المحيطة بالمسجد آنئذ إلى كتلة عمرانية كبيرة، وما لبثت أن صارت قلب
المدينة، ثم صارت في أوقات الانكماش المدينة كلها، وصارت التغيرات فيها قليلة جداً
لا تعدو استبدال بيت قديم بعمارة جديدة ورباط مهجور ببيت يبنى من جديد؛ ولذلك
يُعَدُّ مشروع تطوير المنطقة المحيطة بالمسجد النبوي الأول من نوعه في تاريخ
المدينة المنورة ، وتاريخ المسجد النبوي، وتاريخ الخدمات المتميزة التي تُقَدم
للزائر خارج المسجد النبوي .
السبب الثاني هو حجم التطوير وطبيعته ،
فقد بُني هذا الحجم على نظرة واقعية ومستقبلية، فوضعت تصميماته ليستوعب أكبر عدد
من الزوار في أوقات الذروة ، وجرت دراسات لأعداد القادمين من خارج المدينة
والأوقات التي يقيمون فيها في المدينة، ونسبة الزيادة السنوية المتوقعة خلال ربع
قرن، ووضعت التصميمات لمنطقة تقوم عليها مجمعات سكنية وتجارية تستطيع أن تقدم
خدمات السكن والطعام والشراب والتسوق لهذه الأعداد، دون أية مشكلات أو عراقيل.
وعليه تقرر أن تكون الحلقة الدائرية الأولى بأكملها منطقة مركزية، وأن تُهدم ويعاد
بناؤها بمواصفات جديدة متميزة، وتبلغ مساحتها مليون وربع متر مربع باستثناء مبنى
المسجد النبوي وساحاته ، وقُسّمت المنطقة إلى خمسة أقسام متساوية تقريباً أربع
منها تشكل الأحياء الجديدة ، والقسم الخامس تشغله مقبرة البقيع بعد توسعتها ( انظر
المخطط المرفق ) ، وفي كل حي عدد من الأبنية، لها مواصفات رئيسة موحدة، ويبلغ
مجموعها في المنطقة كلها 571 مبنى، ما بين مجمع سكني، وسكني تجاري، وفندق.
ولكي نتصور مواصفات الأبنية في هذه
المنطقة وطبيعة الخدمات التي تقدمها للزوار نقف قليلاً عند القسم الشمالي منها،
الواقع بين شارع أبي ذر شرقاً ونفق المناخة غرباً، وتبلغ مساحته ربع مليون م2،
ويضم خمسة وتسعين مجمعاً سكنياً وتجارياً وفندقاً، إضافة إلى مباني الخدمات
العامة، ومسجد أثري هو مسجد البخاري.

وقد بنيت
أبراج عدة فيها ، وبدأ استثمارها، وتتميز المباني بأن مظهرها العام موحد في
الارتفاع ( ستة عشر طابقاً فوق الأرض وأربعة تحتها )، وفي الشكل العام للواجهة،
وفي نوع الرخام الذي يغطيها، وألوانه الأساسية، فلكل مبنى واجهة مغطاة بالرخام،
ويُسمح بزخرفة الحزام فوق الطابق الأول زخرفة إسلامية بالجرانيت أو الحجر الصناعي،
ويكون للواجهات قناطر ترتفع عن الرصيف سبعة أمتار تكسى بجرانيت رمادي فاتح، ويرتد
الدور الأرضي عن الحافة الخارجية للمبنى مسافة 4.5 م ، وكذلك الدور الذي فوقه
(الميزانين) إلى ارتفاع ذروة القنطرة ليشكل الارتداد ممـراً مسقوفاً ومرتفعاً يضاف إلى الرصيف، ليشكل ذلك
كله ممشى واسعاً على امتداد الشوارع في المنطقة. بعد ذلك تتوالى أدوار المبنى فوق
القناطر وتستعيد المسافة التي ارتد عنها الدور الأرضي، وتكتسي النوافذ والشرفات
بالمشربيات الخشبية ذات الزخارف الإسلامية وجميعها بلون الخشب الطبعي .
وتتصل الأبنية بوساطة القناطر
المتماثلة لتشكل امتداداً عمرانياً متناسقاً تظهر فيه الوحدة والتنوع في آن واحد،
الوحدة في الارتفاع والقناطر، ولون الواجهات والمشربيات، وفي الالتزام بالمواصفات
المطلوبة، والتنوع في الزخارف وتشكيل المشربيات وتوزيعها، ومن ثم توزيع النوافذ
والشرفات.
وقد وُضعت أنظمة دقيقة للمحافظة على
العنصر الجمالي، إضافة إلى عناصر السلامة والتهوية والتظليل، ومُنع استعمال وحدات
التكييف الصغيرة (مكيف نافذة) واشترطت الأنظمة وضع وحدات تكييف مركزية أو نصف
مركزية، ومنع وضع هوائيات متفرقة على سطح الأبنية، واشترط وضع هوائي واحد مركزي
لكل مبنى يثبت وسط السطح .
واشترطت الأنظمة أيضاً توفير مواقف
للسيارات في الطوابق السفلية للمباني .
وأوجب التنظيم
إقامة تظليل علوي على أسطح الأبنية لجميع الممرات والشوارع الفرعية.
والجدير بالذكر أن معظم الشوارع وجميع
الممرات مخصصة للمشاة فقط لا يسمح فيها بمرور السيارات باستثناء سيارات الطوارئ في
الحالات الإسعافية فقط، وهذا سيؤمن لقاصدي المسجد النبوي سيراً حراً وآمناً
ومظللاً .
ويبين لنا الجدول التالي حالة المنطقة
قبل التنظيم وبعده :
|
وكما نرى فإن مساحة الطرق والساحات ومناطق
التهوية قد ازدادت ، وعدد الأبنية قد نقص، ولكن الارتفاع الرأسي للأبنية، والتنظيم
الدقيق، والتناسق، جعل القدرة الاستيعابية للمنطقة تتضاعف أكثر من خمسة أضعاف،
فضلاً عن الارتقاء الكبير في حجم الخدمات، وفي نوعيتها .
وبحساب أولي لعدد المجمعات التي ستقوم
في المنطقـــة المركزية عند اكتمــــال بنائها ( 571 مجمعاً عدا مجمعات القسم
الشرقي من المنطقة ) نستطيع أن نقول: إن المنطقة المركزية في جهاتها المطورة
حالياً ( الشمالية والغربية والجنوبية ) قادرة على إسكان 300.000 نسمة، وتوفير
الخدمات الأخرى لأكثر من مليون زائر.
وهذا يعني أن المنطقة المركزية قد
تحولت إلى مدينة كاملة مبنية وفق أحدث التصميمات العمرانية، ومزودة بالتجهيزات
والوسائل الحديثة التي تقدم خدمات عالية لقاصدي المسجد النبوي، وهذه (المدينة)
الجديدة المتطورة هي أثر مباشر لمشروع خادم الحرمين الشريفين لتوسعة المسجد
النبوي، وهي أيضاً جانب كبير من جوانب نمو المدينة المنورة وتطويرها بسبب ذلك
المشروع .
إعادة
تخطيط المدينة المنورة :
ومن الآثار المتميزة لمشروع خادم
الحرمين الشريفين الملك فهد بن عبد العزيز لتوسعــــــة المسجــــد النبـــــوي
الشريف إعادة تخطيط المدينة المنورة بأكملها ، وهذا أمر لم يحدث له مثيل في تاريخ
المدينة المنورة من قبل أيضاً .
وذلك
أن التغيرات العمرانية الضخمة التي حدثت في الكتلة العمرانية المحيطة بالمسجد
النبوي جعلت أحياء بأكملها تغيب عن الوجود، ودفع سكانها للبحث عن مساكن بديلة في
أحياء أخرى أو بنائها ، واقتضى ذلك إعادة النظر كلياً في المخطط العام للمدينة
المنورة، منعاً للانتشار العشوائي للعمران واستجابة للحركة العمرانية النشطة التي
أحدثتها التعويضات السخية عن العقارات المستملكة. وقد بادرت أمانة المدينة المنورة
إلى وضع مخطط عام للتنظيم العمراني، ومدت حدود المدينة مسافات واسعة لتبلغ مساحتها
(589 كم2) ، ووزعتها في ثلاث مجموعات متوالية يحد كلاً منها طريق دائري واسع.
وروعي في التنظيم الجديد إنشاء أحياء
متجانسة ومتكاملة تتوافر فيها الخدمات اللازمة، وصممت بعضها لتكون أبنيتها قليلة
الارتفاع معدة لسكن عائلة واحدة (فيلا) كمنطقة الأزهري والفيصلية والخالدية، وسمح
في أحياء أخرى بارتفاع أربعة طوابق، أما الشوارع الرئيسة فسمح فيها بالأبنية
العالية .
كما روعي في التصميم إنشاء حدائق في
جميع الأحياء، وشوارع واسعة ذات اتجاهين، ومجاري لتصريف السيول ومياه الأمطار، وغير
ذلك من التنظيمات الحديثة التي تجعل المدينة المنورة ـ ليس في منطقة المسجد النبوي
وحسب بل في جميع أحيائها ـ مدينة جميلة منظمة تنظيماً حديثاً..
وكان المحرك الرئيس لذلك التغيرات التي
أحدثها مشروع خادم الحرمين الشريفين لتوسعة المسجد النبوي. ولا نعرف في تاريخ
المدينة الطويل أنها أعيد تخطيطها أو أن الشوارع البعيدة عن المسجد أعيد تنظيمها
بسبب مشروع توسعة في المسجد النبوي.
النمو
الاقتصادي :
وساعدت مشاريع التوسعات السعودية
للمسجد النبوي الشريف على نمو اقتصادياتهــــا، وخاصــــة توسعـــة خادم الحرمين
الشريفين الملك فهد بن عبد العزيز، وما تولد عنها من مشاريع .
ذلك أن كتلة مالية ضخمة أُنفقت في هذه
المشاريع، وفي مقدمتها التعويضات المجزية التي صرفت لأصحاب العقارات المستملكة
للمسجد النبوي والمرافق والمشاريع الأخرى المرتبطة به ، وهي كما يأتي:
-
تعويض نزع ملكيات ضمت أرضها للمسجد
النبوي (3.000.000.000)([122]).
-
تعويض نزع ملكيات أراضي المنطقة
المركزية 4.822.992.000 ريال ([123]).
-
تعويض نزع ملكيات المدخل الشرقي
والباب الشامي وشارع الملك عبدالعزيز([124]) 1.243.000
ريال .
-
تعويض نزع ملكيات شارع السلام
مع تنفيذ الشارع نفسه 690.000.000 ريال .
-
تحسين مداخل المدينة المنورة
وتجميلها 41.500.000 ريال .
-
تحسين طريق الجامعة مع تعويضات
نزع ملكية 44.000.888 ريال .
-
مشروع نفق المناخة 260.000.000
ريال .
-
نقل الخدمات العامة للمنطقة
المركزية 97.000.000 ريال .
يضاف إلى ذلك إنفاق الأمانة في
مشروعاتها مبلغ (7021) مليون ريال، فضلاً عن مشاريع الشوارع والساحات والأنفاق حول
المساجد التاريخية الأخرى كمسجد قباء والقبلتين وذي الحليفة ومقبرة البقيع، التي
ارتبط العمل فيها بمشروع التوسعة ، وتزامن الإنفاق عليها مع الإنفاق على مشروع
التوسعة ، وأحدث سهولة مالية كبيرة وحركة اقتصادية نشطة .
نمو
التجارة :
كانت الأنشطة التجارية أول مستفيد من
هذا الإنفاق، فقد ارتفعت القدرة الشرائية بعامة وازداد الاستهلاك، وفتحت محلات
كثيرة لبيع مواد البناء والأثاث والأدوات المنـزلية والمواد الغذائية. وبَيّن جدول
إحصاءات الغرفة التجارية والصناعية في المدينة المنورة أن السجلات التجارية تضاعفت
خلال عشر سنوات أكثر من ثلاثة أضعاف، فقد قفز العدد من 6181 سجلاً سنة 1404هـ إلى
21474 سجلاً سنة 1414–1415هـ([125]) وهذه السجلات
لمؤسسات ومحلات تجارية متنوعة، ولا توجد إحصاءات دقيقة لحجم التجارة ؛ لأن تجار
المدينة قلما يستوردون من الخارج، ويعتمدون على مستوردين في جدة والرياض والخبر،
فيشترون منهم أو من وسطاء يتعاملون معهم، الأمر الذي يحول دون تسجيل حركة البضائع
وحجم عمليات البيع والشراء، غير أن كثرة المحلات التجارية التي افتتحت في تلك
الحقبة وارتفاع عدد السجلات التجارية الصادرة من وزارة التجارة دليلان واضحان على
نشاط الحركة التجارية آنئذ، وتقدر غرفة التجارة والصناعة بالمدينة المنورة الدخل
المتحقق من التجارة بـ 4600 مليون ريال سنوياً، أي ما يربو على ثلاثة أمثال الدخل
المتحقق من الحجاج الزائرين للمدينة ([126]).
نمو
قطاع الخدمات :
منذ أن أسس المسجد النبوي في عهد رسول
الله e ارتبطت به أنشطة كثيرة في حياة المدينة المنورة، وعلى امتداد
تاريخه منذ العصر النبوي حتى الآن كانت له آثار مهمة، في مختلف ميادين الحياة بما
فيها الميدان الاقتصادي، فالأعداد الكبيرة التي تفد إلى المدينة للصلاة في المسجد
النبوي والسلام على رسول الله e تقيم مدة تتراوح بين ثلاثة أيام وعشرة
أيام، وتنفق في هذه المدة على السكن والطعام والشراب والتسوق أموالاً كبيرة تحرك
اقتصاديات المدينة المنورة، وقد كان عائد هذا الإنفاق المصدر الرئيس والأهم لسكان
المدينة حتى نهاية العهد العثماني. وكان يصاحبها مخصصات وهدايا وصدقات وزكوات
تُصرف داخل المدينة، تُكَوِّن المصدر الوحيد لشرائح كثيرة من السكان ([127])،
وقد تغير الحال نسبياً بعد ذلك ، فتوقفت المخصصات والهدايا والصدقات والزكوات،
وبقيت عوائد الخدمات التي تقدم للزوار: السكن والطعام والشراب والتسوق... ومع تطور
أعداد الزوار ارتفعت هذه العوائد ، واجتذبت استثمارات أكبر في قطاعي الخدمات
والتجارة.
وقد أتاحت التوسعتان السعوديتان الفرصة
لهذه الزيادة ، وخططت لاجتذاب زيادات قادمة واستيعابها، تنمو بسببها العملية
الاقتصادية، وتنشر آثارها في شرائح عدة من سكان المدينة، بدءاً بالمستثمرين في
الإسكان ووصولاً إلى العمالة الموظفة في خدمات النقل. ويشير تقرير لجنة إسكان
الحجاج التابع لأمانة المدينة المنورة إلى أن عدد المساكن التي استثمرت في الإسكان
قد ارتفع عام 1414هـ إلى 1747 مسكناً 837523 فرداً في موسم الحج وحده ([128]) ،
ويقدر عدد زوار المدينة على مدار العام ثلاثة ملايين زائر، ويقدر إنفاقهم وصافي
مضاعفاته بأكثر من ثمانية مليارات ريال ([129]).
أما الفنادق فكانت قبل التوسعة الأخيرة
تتركز حول المسجد النبوي – باستثناء فندق من الدرجة الأولى أنشأته وزارة المالية قبل
ربع قرن في منطقة خارج حدود الحرم ، واستثمرته شركة الفنادق العالمية (شيراتون) – وقد أحدث
مشروع التوسعة تغيرات في مواقعها ومستوياتها، فهدمت جميع الفنادق حول المسجد
النبوي باستثناء الفنادق الواقعة في الجهة الشرقية التي لم ينفذ مشروع تطويرها
بعد، وظهرت مجموعة فنادق جديدة من الدرجتين الأولى والثانية، وعمد مستثمرو الفنادق
من الدرجات الأخرى الذين هدمت فنادقهم إلى استئجار عمارات أو شرائها وتحويلها إلى
فنادق، وبلغ عددها عام 1417 – 1418هـ (31) فندقاً بمستويات مختلفة منها : (5)
فنادق من الدرجة الأولى، و(8) فنادق من الدرجة الثانية، و(6) فنادق من الدرجة
الثالثة،و(12) فندقاً من الدرجتين الرابعة والخامسة.
وباستثناء فندق شيراتون فإن الفنادق
الأخرى من الدرجتين الأولى والثانية قد أنشئت مواكبة لمشروع التوسعة والمشاريع
المرتبطة به، وما تزال حركة إنشاء الفنادق والمساكن المفروشة حول المسجد النبوي
قائمة على أشدها ؛ لذا من المتوقع أن يتضاعف أرقام الاستثمار في قطاع الخدمات ،
وتتضاعف عوائدها عدة أضعاف ، وهي جميعها مرتبطة بمشروع توسعة المسجد النبوي وناتجة
عنه.
نمو
الصناعة :
كان للصناعة في المدينة المنورة نصيب
من التأثر بمشاريع توسعة المسجد النبوي، وخاصة التوسعة الثانية والمشاريع المرتبطة
بها بما تطلبته من تجهيزات صنعتْ محلياً، وبما أحدثته من سيولة مالية وانتعاش
اقتصادي عام جعلت بعض المستثمرين يوظفون أموالهم في الصناعة، وبسبب الزيادة
السكانية التي تنتج عنها زيادة في القدرة الاستهلاكية، وزيادة في الإنتاج الصناعي
لتلبية حاجة السوق المتصاعدة، وقفزت صناعة مواد البناء إلى صدارة النشاط الصناعي ،
وبلغت جملة رؤوس الأموال المستثمرة فيها
349.080.000 ثلاثمائة وتسعاً وأربعين مليوناً وثمانين ألف ريال، ويشكل هذا
المبلغ نسبة 40% من جملة الاستثمار الصناعي في المدينة المنورة ([130]).
نمو
الزراعة:
ومن الأنشطة الاقتصادية التي أثرت فيها
مشاريع التوسعة الزراعة، والمدينة المنورة ذات تاريخ عريق في هذا الميدان اشتهرت
خلاله بإنتاج التمور والخضروات وبعض الفواكه.
ومع امتداد الزحف العمراني تقلصت المساحة
الخضراء في حدود المدينة، وتحولت كثير من المزارع والبساتين إلى أحياء وشوارع
جديدة، غير أن التطورات الاقتصادية التي أحدثتها مشروعات التوسعة والمشاريع
المرتبطة بها، زادت الطلب على بعض المنتجات الزراعية ولاسيما التمور، التي يتأثر
تسويقها بعدد الزائرين، فقد أصبح من المألوف لزوار المدينة أن يكون تمرها في مقدمة
مشترياتهم وما يحملونه إلى ديارهم.
هذا الإقبال على التمور، وتشجيع الدولة
للزراعة ومعوناتها السخية للمزارعين، جعلت بعض المستثمرين ينشؤون مزارع جديدة في
ضواحي المدينة، فظهرت مزارع نخيل جديدة في الخليل وطريق الهجرة ([131])،
وبلغت المساحة التي تغطيها 88 ألف هكتار، وبلغ عدد أشجار النخيل مليون ومائتي ألف
نخلة تنتج556000 طن، فيها أكثر من مائتي صنف ، أهمها: العجوة والعنبرة والروثانة
وسكري المدينة والصفاوي والبيض والشلبي … وثمة إقبال
خاص على صنفي العجوة والعنبرة بسبب حديث شريف يحض على تناول العجوة ولتميز العنبرة
بكبر الحجم وطيب المذاق.
وتأسست نتيجة لذلك مصانع عدة لتعليب
التمور وتسويقها، فتعددت أشكال إنتاجها، وبدأ
تصديرها إلى بعض البلاد العربية والإسلامية، وبلغ ما صدر منها عام 1416هـ
بطريق الجو 3647 طناً ، أرسلت إلى 29 دولة في أنحاء متفرقة من العالم.
ويرتبط بالإنتاج الزراعي إنتاج الدواجن
بنوعيها دواجن اللحوم ودواجن البيض، فقد تطورت بتطور الحركة الاقتصادية والنمو
السكاني ، وتزايد عدد الزوار، وأسس بعض المستثمرين مداجن حديثة ضخمة بلغ مجموعها 25
مدجنة تنتج 9.105.000 دجاجة و 103.800.000 بيضة.
ويبلغ رأس المال المستثمر فيها
111.420000 مائة وأحد عشر مليوناً واثنين وأربعين ألف ريال. وأنشئ 80% منها في
الخمسة عشر عاماً الأخيرة، أي : في الوقت الذي كانت تنفذ فيه مشاريع التوسعة
والمشاريع التطويرية المرتبطة بها.
وهكذا تبدو آثار
التوسعة السعودية للمسجد النبوي وما ارتبط بها من مشاريع محركاً قوياً للعجلة
الاقتصادية، ومؤثراً في النمو السكاني والنشاط العمراني في المدينة المنورة.
|
|


خاتمــــة
:
طوّف البحث بتاريخ المسجد النبوي منذ تأسيسه
في العام الأول للهجرة على يد خاتم الأنبياء والمرسلين محمد e حتى عصرنا الحاضر، وعرض بتركيز مقصود
التطورات العمرانية التي شهدها في القرون الماضية، وأبرز الأحداث التي مرّت به،
والوظائف التي كان يقوم بها، ولا سيما في العهد النبوي .
وبيّن البحث جوانب العناية المتميزة
التي لقيها المسجد النبوي في العهد السعودي الزاهر، بدءاً بالتوسعة التي أمر بها
الملك عبد العزيز وتابعها الملك سعود رحمهما الله، ومروراً بالإضافات الكبيرة
المؤقتة التي تمت على يد الملك فيصل والملك خالد رحمهما الله، ووصولاً إلى الملحمة
العمرانية الكبرى التي أمر بها، وتابعها بحرص شديد، خادم الحرمين الشريفين الملك
فهد بن عبد العزيز.
وقد شملت هذه العناية تجديد المسجد
النبوي وتوسعته ، والمحافظة على الجوانب التراثية فيه، سواء المحافظة على المبنى
العثماني وصيانته، أم المحافظة على القيم التراثية في التصميم المعماري .
وتجاوزت العناية بالمسجد النبوي في هذا
العهد الزاهر – وخاصة في عهد خادم الحرمين الشريفين الملك فهد بن عبد العزيز – كل
الحدود والتوقعات، في الكم والكيف فخططت لاستيعاب الأعداد المتزايدة من الزائرين
لسنوات قادمة، وأضافت إلى مساحته السابقة ما يزيد على خمسة أضعافها، وجهزته بأحدث
التقنيات الكهربائية والإلكترونية، بما فيها تكييف الهواء في هذه المساحة الضخمة .
ولأول مرة في التاريخ تتجاوز العناية
بالمسجد النبوي حدود مبناه لتشمل المدينة المنورة التي تحتضنه بأكملها، فتعيد
تخطيطها وتنظم من جديد أحياءها وشوارعها الرئيسة، ولأول مرة في تاريخ المسجد
النبوي تمتد العناية بقاصديه خارج جدرانه لترعاهم في إقامتهم فتوفر لهم ظروف السكن
الجيد والطعام المناسب والإقامة المريحة، فتنشء حول المسجد النبوي منطقة مركزية
تكاد تكون مدينة كاملة بحد ذاتها، يجد فيها الزائر والمقيم المنْزل الرحب والسوق
المنافس والمطعم الذي يريد.
لقد كانت الرحلة إلى المدينة المنورة
من قبل أمنية كل مؤمن بعيد عنها، يقرنها برحلة الحج والعمرة، ويتحمل أهوال الطريق
ومشاق السفر شهوراً عدة، فإذا حطّ رحاله في ربوعها تطلع إلى إقامة مطمئنة، لا
يشغله فيها عن العبادة البحث عن غرفة مناسبة، أو طعام مقبول، أو مزاحمة الزوار
الآخرين في المسجد النبوي، أو الصلاة تحت الشمس المحرقة والأمطار المتساقطة .
ولقد توافر هذا كله وبظروف مثلى لقاصد
المسجد النبوي بفضل الاهتمام الكبير الذي لقيه المسجد النبوي من باني الدولة السعودية
وأبنائه البررة، وبخاصة خادم الحرمين الشريفين الملك فهد بن عبد العزيز .
إن العناية بالمسجد النبوي ليستوعب
مئات الألوف من الذين شدوا الرحال إليه من آفاق بعيدة، ليقيموا أياماً في رحابه،
يتمتعون فيها بصفاء العبادة، ويغسلون قلوبهم من هموم العصر، ويتقربون إلى الله
بالصلاة فيه، وبالسلام على خاتم الرسل والنبيين خدمة كبيرة للإسلام والمسلمين.
وإن تطوير المدينة المنورة لتفتح
ذراعيها وتستقبل الوفود الضخمة المتوالية إليها بقلوب مملوءة بالحب، رطبة بذكر
الله، سعيدة بالوصول إلى هذا المكان المقدّس خدمة كبيرة للإسلام والمسلمين .
خدمة ؛ لأنها إعانة على العبادة، وتيسير لمزيد من العمل الصالح ،
وإسهام في تعزيز الإيمان الذي يزيد برحلة العبادة.
خدمة ؛ لأنها عناية فائقة بموقع مقدس، وتكريم للقيم التي تتمثل فيه.
وما من مسلم عمر الله قلبه بالإيمان
إلا ويشعر بالسعادة والرضا حينما يرى المواقع المقدسة في أحسن حال، ويجد الفرصة
المثالية للعبادة فيها، ويرى المدن التي تضمها حديثة متطورة، لائقة بمشاعر الحب
والقداسة التي تكنها لها الصدور. ولسوف تلهج الألسنة بالدعاء للذين نذروا أنفسهم
لخدمتها، وبذلوا جهوداً فائقة في العناية بها حتى صارت على النحو الذي يتمناه لها
.
الهوامـــش
(10)
البداية والنهاية 3/196 – 197، والسيرة النبوية 2/494 – 495، وقد وردت
العبارة فيها (خلوا سبيلها فإنها مأمورة) .
(13)
انظر: الإمام الحافظ محمد بن حبان. السيرة النبويـــة
وأخبار الخلفاء 142، والبدايــــة والنهاية 3/185 .
(15)
ابن حجر العسقلاني. فتح الباري في شرح صحيح البخاري
– كتاب الصلاة ـ باب هل تنبش قبور
مشركي الجاهلية 1/624 ح 428 .
(18)
نور الدين علي بن أحمد السمهودي. وفاء الوفا بأخبار
دار المصطفى 1/268 – 269 ، تحقيق : محمد
محيي الدين عبد الحميد .
(23)
نور الدين علي السمهودي. وفاء الوفا بأخبار دار
المصطفى 1/327، ومحمد السيد الوكيل. المسجد النبوي عبر التاريخ 21 – 26 .
(24) انظر: المسجد النبوي
عبر التاريخ 22و32و د.صالح لمعي. المدينة المنورة تطورها العمراني وتراثها
المعماري 56 – 57 و59، وناجي محمد
حسن الأنصاري. عمارة وتوسعة المسجد النبوي الشريف عبر التاريخ46و55 .