تمهيد :

الملك عبدالعزيز جهـاد ، و تاريـخ ، ومسيرة بنـاء .

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:

فالحديث عن تأسيس المملكة العربية السعودية، وقيامها دولة ذات كيان؛ ديني، وحضاري، وثقافي وسياسي، لا بد أن يسبقه الكلام عن من وفقه رب العزة والجلال، لبناء ذلك الكيان، ومكن له في الأرض، فأقام –بعون الله وتوفيقه– دولة أمضت من عمرها المديد الطويل – بمشيئة الله – مائة عام وإلى مزيدِ مزيدٍ في مسيرة الخير، والبركة، أعز الله دولة الإسلام، وأدام على ولاة الأمر فيها التمكين والعزة والمنعة . وبين يدي القارئ عجالة مختصرة عن رجل الأمة الأول في تاريخ الدولة السعودية في عصرها الحديث وقصة تأسيسها، فالملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن الفيصل آل سعود – رحمه الله ــ يعد من أعظم القادة والزعماء في هذا القرن ، ومن أبرز صناع التاريخ في العصر الحديث ، فهو أول بطل عربي مسلم أقام وحدة حقيقية راسخة الجذور، وطيدة الأركان – على أرض الجزيرة العربية – في العصر الحديث . وعلى الرغم من أن عبدالعزيز . . الملك الفذ . . مضى على وفاته ما يزيد عن أربعين عاماً، إلا أن ذكراه الطيبة، وسيرته العطرة، وأعماله المجيدة لا تزال نابضة في القلوب وحاضرة في الأذهان، فهو غير بعيد عنا اليوم في مقياس الزمن، والاحتفال بمرور مائة عام على تأسيس المملكة العربية السعودية يعني استلهام شخصيته الفذة وتجربته الثرية وثمراتها اليانعة في البناء والتطوير .

وُلد الملك عبدالعزيز – رحمه الله – في الرياض عام(1393هـ/7680م)، وقضى أوائل صباه في ظل جو من الاضطراب والخلافات القائمة في المنطقة آنذاك . وتعلم القراءة والكتابة ، ثم عهد به والده إلى بعض العلماء الذين تلقى عنهم مبادئ العقيدة، والشريعة الإسلامية، حتى أشرب قلبه بها ، وأصبحت بصره وسمعه .

وفي عام 1310هـ رحل مع أبيه الإمام عبدالرحمن إلى الكويت ، وكان عبدالعزيز – على الرغم من صغر سنه – قد وعى ما حدث، وترسخت في أعماق نفسه ذكريات مريرة عن ملك آبائه الضائع ، وعن وطنه المغتصب الذي عتت عليه الخطوب والآلام ، وتشكلت فيه مخايل الرجولة والبطولة ، والفروسية ، وتكامل الشخصية ، وحسن الخلق ، وسعة الأفق ، وكريم الطباع ، وتوقد الذكاء ، وقوة الحجة والبيان ، والميل إلى التأمل ، والتفكير العميق ، والإيمان الصادق ، والتوكل العظيم على الرب الكريم سبحانه . وحين بلغ عبدالعزيز العشرين من عمــره – وهو في الكويت – تجلت مواهبه العديدة، وبرزت فيه ملامح الزعامة، وصفـــات القيادة بما هيأ الله له من بسطة في الجسم، ورجاحة في العقل ، وبراعة في الفكر ، وإيمان بالحق ، وجراءة في اتخاذ القرار السليم ، ولم تكن هذه الصفات والمزايا لتجتمع إلا لقائد فذ أو تتوافر إلا لملك عظيم مهيب . وعقد البطل عبدالعزيز العزم على مسيرة الجهاد لإعلاء كلمة الله ، وتوحيد البلاد وجمع شمل الأمة تحت راية التوحيد ،وكان أكبر همه استرداد الرياض، ثم الانطلاق منها لتحقيق غايته السامية النبيلة .

 وفي ظل ظروف قاسية ، ومصاعب كثيرة ،وإرهاصات مخيفة ، خرج عبدالعزيز من الكويت إلى الرياض، عبر صحراء قاحلة، بجيش صغير، وزاد قليل، ورواحل هزيلة ، ولكن جنبات قلبه تحمل إيماناً عميقاً بالله – عز وجل – واقتناعاً بعدالة قضيته، وهي استعادة ملك آبائه وأجداده ، وتحرير وطنه مهما بذل من جهد ، وقدم من تضحيات .

وكان عبدالعزيز الملك على علم مما سيعانيه هو ورجاله من مشقة ، وما سيلاقيه من أخطار محدقة، وأعداء كثر، فعلى الرغم من أنه سليل أسرة عربية عريقة، كانت تحكم الدرعية قبل مائتين وخمسين عاماً ، حملت خلالها لواء الدعوة الإسلامية التجديدية ، ( زمن الإمامين محمد بن سعود، ومحمد بن عبدالوهاب ) ، وقاومت نفوذ الحاقدين والحاسدين ، وعلى الرغم من شرعية عبدالعزيز في استرداد الحكم والسلطة، إلا أن مهمته لم تكن ميسرة إطلاقاً بسبب التغيرات الكثيرة التي طرأت على الجزيرة العربية، وفي أعقاب الخلافات بين حكامها وأمرائها ، فضلاً عن غياب الأسرة السعودية المؤقت ، حيث عم الفقر والجهل والمرض ، وانتشرت البدع والخرافات ، وكثر القتل والنهب والسلب ، وقطعت طرق الحج، وحلت الفوضى، إلى أن تمكن عبدالعزيز من استرداد الرياض .

فمع شروق شمس يوم الخامس من شوال عام 1319هـ الموافق للخامس عشر من يناير عـــام 1902هـ خلص عبدالعزيز الرياض من أيدي المعتدين، ونادى المنادي في أرجائها قائلاً :" الملك لله ثم لعبدالعزيز " ، وهذه هي نقطة الانطلاق الأولى لتأسيس المملكة العربية السعودية التي نحتفل اليوم بذكراها الطيبة .

كان استرداد الرياض بداية مسيرة الملك عبدالعزيز التوحيدية، وفاتحة جهاد مبارك، استمر واحداً وثلاثين عاماً حقق من خلاله توحيد الكيان الكبير . فبعد استرداد الرياض وتحصينها انطلق الملك عبدالعزيز يوحد أجزاء الدولة حيث ضم القصيم عام 1322هـ ، وضم الأحساء عام 1331هـ ، وفي عام 1334هـ ضم منطقة عسير ، ثم حائل عام 1340هـ ، وواصل القائد البطل انتصاراته الباهرة في لم شمل الوطن ، فتحقق له الانتصار في الطائف ، ودخل مكة عام 1343هـ ، ثم جدة عام 1344هـ ، وبذلك أصبحت سائر مدن الحجاز ونجد تحت حكمه يرحمه الله .

وما أن انتهى الملك عبدالعزيز من مرحلة الجهاد والتوحيد، حتى بدأ مرحلة البناء والتنظيم، وتوطيد الأمن وتأمين طرق الحج، وتعمير البلاد، وتشجيع الزراعة ، وتوطين البدو وتثبيت كيان المملكة وتسوية مشكلات الحدود ، وتحسين العلاقات مع الدول العربية والإسلامية الشقيقة، والدول الصديقة، والوقوف إلى جانب قضاياها العادلة .

 ولقد خطا الملك عبدالعزيز خطوات موفقة في مجال الإصلاح الداخلي للبلاد فجعل القرآن الكريم، والسنة النبوية المشرفة، دستور المملكة ، وأسس مجلس الشورى، وهيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، كما نشر المدارس الحديثة ، واستقدم المدرسين ، وأرسل البعثات ، وطبع الكتب ووزعها مجاناً ، وعمل على الانتفاع بأساليب الحضارة والمخترعات الحديثة كافة ، وعندما أنعم الله عليه بتدفق النفط عام 1358هـ أخذت المملكة تتطور في الجوانب التعليمية، والعلمية، والصحية، وإنشاء الطرق، والسكك الحديدية ، وأسس مجلس الوزراء، ووضع موازنة للدولة، وابتدأ في تنفيذ مشروعات توسعة الحرمين الشريفين خدمة للهدف الإسلامي الذي جعله همه الأكبر .

وفي النواحي السياسية الخارجية عقد الملك عبدالعزيز المعاهدات مع الدول بما يحقق مصالح المملكة ، وأسهم في تأسيس جامعة الدول العربية عام 1365هـ، كما أصبحت المملكة عضواً في هيئة الأمم المتحدة، وعمل الملك عبدالعزيز على نصرة قضايا أمته ، وبذل جهوده في تقديم المساعدات، والإعانات المالية، والعسكرية للدفاع عن تلك القضايا العادلة .

وفي شهر ربيع الأول من عام 1373هـ انتقل الملك عبدالعزيز إلى جوار ربه بعد أن ناضل وجاهد أصدق الجهاد في سبيل الحق والخير . . وبعد أن أسس هذه المملكة المترامية الأطراف ووضعها على مشارف المستقبل .

وقد سار أبناؤه البررة على طريق الخير مترسمين خطاه مقتفين أثره الملك سعود ثم الملك فيصل ثم الملك خالد – يرحمهم الله –لقد حملوا مسؤولية القيادة ، وساروا بهذه المملكة على طريق البناء والتقدم . والمملكة العربية السعودية تعيش اليوم أوج نهضتـــها في عهد خــادم الحرمين الشريفين الملك فهد بن عبدالعزيز آل سعود الذي قاد الأمة، وحقق للبلاد نقلة شاملة، في مختلف المجالات، فاحتلت المملكة مركزها المرموق بين الدول العصرية الحديثة ، وأصبحت قبلة أنظار العالم، لدورها المؤثر في تعزيز التعاون، والتضامن، والاستقرار، والسلام وخدمة الإسلام والمسلمين، وبذل الخير، ونفع البشرية .

وما من شك فإن دول العالم وحكوماتها على اختلاف مشاربها، وحضاراتها، وثقافاتها، وتوجهاتها السياسية والإدارية، تعتمد في نظم حكمها، وإدارتها، قائمة من الاهتمامات لتصريف شؤون الحياة وأمور الناس، بما يخص أهداف الدولة، ونظام الحكم، وتوزيع السلطة ، وما يلزم لشعبها من شؤون الدفاع، والتعليم، والصحة لإقامة مجتمع إنساني سليم، ودولة لها سيادة واحترام بين دول العالم ، والمملكة العربية السعودية تتوافق في هذا الأمر مع بقية الدول .

ولكن المملكة العربية السعودية، تتميز عن بلدان العالم ودوله جميعها بما مَنْ الله عليها من واجب خدمة الحرمين الشريفين ، والاهتمام بهما رعاية للحجاج والزوار والمعتمرين لأقدس بقاع الأرض وأعظمها حرمة ومكانة عند الله ، فهي من شعائر الله { ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ }، والمملكة العربية السعودية من خلال خدمتها لحجاج بيت الله الحرام، تقوم بواجبين:

 أولهما: الواجب الإسلامي الديني الشرعي نحو إخوة مسلمين يأتون من كل فج عميق، لأداء مناسك الحج، والعمرة، وزيارة الحرمين الشريفين، والمقتضي تمكينهم من أداء الفريضة الدينية ، أو الزيارة، فضلاً عن رعايتهم، وحمايتهم، وتقديم حق الإسلام لهم .

 وثانيهما: واجبها نحو ضيوف ووافدين من دول أخرى، يلزمها حمايتهم، وحفظ أنفسهم وأموالهم من أي ضرر بحكم المواثيق الدولية السياسية المتعارف عليها بين دول العالم .

وهذه الدراسة سوف تتناول تأصيل الجانب الشرعي للواجب الذي يقع على عاتق المملكة ، ثم بيان تأصيل الجانب السياسي لدى حكومة المملكة العربية السعودية منذ تأسيسهـــا وتوحيدها على يد الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن الفيصل آل سعود يرحمه الله ، ومن جاء بعده من أبنائه الكرام، لخدمة الحجاج ، وينطلق تأصيل هذين الجانبين من خلال تحليل الوثائق التاريخية المعلنة من قبل ملوك الدولة السعودية منذ عهد الملك عبدالعزيز – يرحمه الله – حتى عهد خادم الحرمين الشريفين الملك فهد بن عبدالعزيز آل سعود ومــا تضمنته هذه الوثائق من إظهار الجانب الديني لتلك الرعايــــة ، ومثالاً لهذا التأصيل قراءة لنص النداء الـــذي وجهه الملك عبدالعزيز – رحمه الله – إلى جميـــع المسلمين في مشـــارق الأرض ومغاربها من مكة المكرمة في شهر شعبان لعام 1343هـ الموافق للخامس والعشرين من فبراير 1925م ، لتأمين الحج وتحقيق الأمن والسلامة للحجاج، الآتي نصه في المبحث الأول .

إن نداء الملك عبدالعزيز – رحمه الله – ما هو إلاّ وثيقة تاريخية أصلت حقيقة عمل الدولة السعودية من الناحية الإسلامية الدينية، ومن الناحية الإدارية السياسية، بصفتها دولة لها كيانها، ونظام حكمها . ومن هنا فإن البحث سيناقش –بالتحليل، والتعليل والتعليق–، حقائق تاريخية من خلال الوثائق التي سيعرضها الباحث، لتأصيل المنهج السعودي في خدمة الإسلام والمسلمين ، ورعاية الحجاج لكون ذلك واجباً شرعياً ، وكذلك خدمة الإنسان المسلم لكونه مواطناً من دولة أخرى ينزل ضيفاً على المملكة سواء أكان من دولة مسلمة أم من أي دولة أخرى غير مسلمة من الدول التي تعيش فيها أقليات أو جاليات مسلمة ، أوبناءً على المواثيق الدولية ، وستتضمن الدراسة مباحث ثلاثة :

المبحث الأول : الجانب الإسلامي:

 خدمــــة الحجاج والمعتمرين واجب ديني تقوم به المملكة العربية السعودية نحو المسلمين .

1– توسعة الحرمين الشريفين في مكة المكرمة والمدينة المنورة .

2– العناية بالمشاعر المقدسة والمساجد المأثورة .

ودراسة هذه العناصر، ستتم من خلال عرض الوثائق التاريخية، عن الحج والحجاج، الواردة في بيانات ملوك المملكة العربية السعودية وأمرائها وخطاباتهم ، التي أعلنوا فيها التزامهم بواجبهم لخدمة الإسلام والمسلمين عموماً، والحجاج والزوار والمعتمرين خصوصاً، وكيف انتهت هذه الوثائق إلى ترجمة حقيقة واقعية في رعاية الحجاج وخدمتهم .

 

المبحث الثاني : الجانب السياسي:

المملكة العربية السعودية دولة ترعى المسلمين القادمين من جميع أنحاء العالم؛ لأداء مناسك الحج والعمرة بحق ولايتها على الحرمين الشريفين، والمشاعر المقدسة، ورعاية شؤون الحج بمقتضى الشريعة الإسلامية، وبحكم مكانتها الدولية، لذا فهي تعمل على تحقيق أمور كثيرة ، منها :

1 – تسهيـــل مهمة قــدوم الحجاج والمعتمرين من أنحاء العالم إلى المملكة العربية السعودية ، ومنحهم تأشيرات الدخول إليها دون أجر أو رسم .

2 – تنظيم استقبال الحجاج في موانئ المملكة الجوية والبرية والبحرية ، وتسهيل مهمة تحركاتهم داخل الحرمين الشريفين، والمشاعر المقدسة ، وتنظيم سفرهم إلى بلادهم .

3 – المحافظة على الحجاج من تعرضهم إلى إساءات الآخرين من خلال المهاترات السياسية، والشغب والمسيرات ، ومنع ما يتسبب في أذى الحجاج نفسياً أو بدنياً أو مالياً أو معنوياً .

4 – منع المنشورات الفكرية، والسياسية المناقضة للإسلام، والعقيدة الإسلامية، حفاظاً على صحة العقيدة الإسلامية لدى الحجاج ، ومنع الشعارات الزائفة المناهضة للشريعة الإسلامية .

5 – تأمين الأمن، والسلامة، والرعاية الصحية والاقتصادية، وغيرها .

 والبحث يتناول هذه العناصر من خلال جملة التنظيمات التي وضعتها المملكة العربية السعودية لتحقيق مصلحة الحجاج بوجهها السياسي، ولتثبت روح الإسلام من جهة ، ولتوطيد العلاقات الدولية مع سائر دول العالم من ناحية أخرى .

 

المبحث الثالث : المملكة العربية السعودية مائة عام في خدمة الحجاج وثائق ونصوصاً :

 إن مشاهدات أبناء الأمة الإسلامية وانطباعاتهم حكاماً ومحكومين لإنجازات المملكة العربية السعودية ورعايتها للهدف الإسلامي وعمارة الحرمين الشريفين، والمشاعر المقدسة، برهــــان ساطع ناصع، على تأصّل الجانب الإسلامي ، والسياسي في نظام هذه الدولة الفتية ، وإن البحث سيعرض إلى نماذج لشهادات بعض الشخصيات الإسلامية وغير الإسلامية عن مآثر المملكة الإسلامية متضمناً ما يأتي :

1 – أقوال ملوك العالم ورؤسائه عن خدمة المملكة للحجاج .

2 – أقوال العلماء والمفكرين عن خدمة المملكة للحجاج .

3 – مشاهدات ضيوف المملكة أثناء الحج والعمرة وانطباعاتهم .

4 – حقائق ووثائق عن حجم الأعمال التي تمت لخدمة الحجاج منذ توحيد المملكة العربية السعودية على يد الملك عبدالعزيز – رحمه الله –تبين وفاء المملكة بواجبها الديني، ونجاحها في الجانب السياسي من خلال علاقاتها الدولية .

وبالله العون ومنه نستمد التوفيق .

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين .

 

المبحــث الأول: رعاية المملكة العربية السعودية الحجاج والمعتمرين من الجانب الإسلامي :

يمثل الحج الركن الخامس من أركان الإسلام، ويلزم المسلم أداءه مع الاستطاعة لما فيه من الفضائل العظيمة، يقول الله عز وجل : { وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ }([1])، ويقول معلم الهدى نبينا محمد e : " بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله ، وأن محمداً رسـول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وحج البيت، وصوم رمضان"([2]) . ويقول e : " من حج فلم يرفث ولم يفسق رجع كـيوم ولـدته أمه" ([3]) . ويقول عليه الصلاة والسلام: "العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة"([4]).

إن هذه الشعيرة العظيمة من أهم ما يميز الأمة الإسلامية عن غيرها من الأمم ومن خلالها يتم التقاء المسلمـــين بعضهم ببعض من جميع أنحاء الدنيا في جو روحاني إيماني لا يتميز فيه أحد على الآخر ، هدفهم وقصدهم واحد هو عبادة الله وطاعته، سائلين عفوه ومغفرته ، مجيبين نداء الحق – عز وجل – منذ أن أمر خليله إبراهيم – عليه السلام – بنداء الناس إلى الحج : { وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالاً وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ ،  لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ}([5]). وقال تعالى : { وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنْ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْ الْعَالَمِينَ}([6]).

وفي مراحل مختلفة من التاريخ، كان الحج يشكل عقبة كأداء حتى على القادرين من الناس؛ لما كان يحفه من المخاطر والصعاب، ففي بعض الأزمان أمسى الحج ضرباً من ضروب المخاطرة، التي قد يعرض فيها الحاج حياته للخطر، وفي أحيان كثيرة كان الحاج يودع على أنه قد لا يعود ، وبدل الله الأمر بما هو خير منه ، وقيض لهذه الأمة الملك الإمام عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود –رحمه الله – فـجمع الشمل، وفوت الفرصة على مروعي ضيوف بيت الله الحرام بإقامة الشريعة الإسلامية الغراء التي تحقق العدل والأمان .

لهذا فقد حرصت المملكة العربية السعودية منذ تأسيسها على أن تستند في كل توجهاتها إلى مبادئ الدين الإسلامي الحنيف ، وتعاليمه السمحة ، متخذة من القرآن الكريم، والسنة النبوية الشريفة دستوراً لها ، مطبقة على هدي منهما شريعة الله – عز وجـــل – لإحقــاق العدل ونشر الفضيلة ، وقد شرفها الحق – عزوجل – بالحرمين الشريفين ، وجعل فيها قبلة المسلمين ومهوى أفئدتهم، وتَعد المملكة العربية السعودية خدمة الحرمين الشريفين، ورعاية الحجاج والمعتمرين، من مهماتها الأساسية ، وواجباتها المقدسة، التي تسعى لإنجازها بمستوى فائق . يقول خادم الحرمين الشريفين الملك فهد بن عبدالعزيز آل سعود : " لقد تأسس الحكم في هذا البلد العزيز علينا وعلى كل مسلم في العالم، على تقوى الله، وإقامة حدود الله ، والتمسك بتعاليم العقيدة الإسلامية نصاً وروحاً ، وقولاً وفعلاً، نأمر بالمعروف ، وننهى عن المنكر ، ونقيم العدل بين الناس ، نفشي السلام ، ونصل الأرحام ، ونسعى ما استطعنا إلى الإصلاح بين الناس، وحل الخلافات بالكلمة الطيبة ، وبالتي هي أحسن .

على هذه الأسس القويمة والدعائم الكريمة قامت المملكة العربية السعودية منذ أن أسسها الملك الراحل عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود – يرحمه الله – وانطلاقاً من المسؤولية التي شرفها الله بها حكومة وشعباً بخدمة الحرمين الشريفين، ورعاية حجاج بيت الله العتيق، جندت المملكة كل طاقاتها المحدودة وإمكاناتها المتواضعة منذ نشأتها في القيام بهذا الواجب الإسلامي العظيم ، معتمدة على الله، ثم على سواعد أبنائها دون كلل أو ملل ، حتى أفاء الله علينا من نعمه، وفجر لنا كنوز الأرض بتدفق النفط، فضاعفنا الجهود، ورفعنا مستوى الأداء، وبذلنا العطاء، في سبيل تحسين سبل معايشنا وتطويرها ، بما يتواكب مع متطلبات العصر ، وأنفقنا كلما وفقنا الله إليه، لخدمة الحرمين الشريفين، والسهر على راحة الحجاج، والزوار، والمعتمرين، تعبيراً عن شكرنا لله على نعمه وآلائه"([7]) ويقول : " إن من نعم الله على هذا البلد وأبنائه، أن أكرمنـا الله بخدمة الحرمين الشريفين، وخصنا برعاية الحجاج، ووفقنا لعمارة المسجد الحرام ، ومسجد الرسول الكريم صلوات الله وسلامه عليه .

ولذا فإن هذا الواجب الإسلامي العظيم يتطلب منا، أن نكون في مستوى أدائه، وشكراً وحمداً على نعمائه وآلائه، التي أسبغها علينا ومن أعظمها تمسكنا بعقيدتنا الإسلامية نصاً وروحاً، قولاً وعملاً، وتطبيق شرائعها ، وامتثال أوامرها ، واجتناب نواهيها في كل شؤون الحياة " ([8]).

إن العناية بالحرمين الشريفين، وضيوف الرحمن، من أساسات منهج الحكم في المملكة العربية السعودية، منذ تأسيسها،حيث نصت المادة الرابعة والعشرين في الباب الأول من نظام الحكم على ما يأتي :

" تقوم الدولة بإعمار الحرمين الشريفين، وخدمتهما، وتوفر الأمن، والرعاية لقاصديها، بما يمكن من أداء الحج والعمرة، والزيارة، بيسر وطمأنينة"([9]).

إن هذه المنطلقات قد تجسدت في ممارسة قادة المملكة العربية السعودية منذ توحيدها عــلى يد الملك عبدالعزيز ، رحمه الله تعالى ، فقد أكد منذ دخول الأماكن المقدسة تحت ولايته على المبادرة إلى رعاية الحجاج ، وحرص على تبليغ ذلك للمسلمين، في مشارق الأرض ومغاربها، فقال – رحمه الله تعالى – في النداء الذي وجهه إلى المسلمين من مكة المكرمة، في شهر شعبان عام 1343هـ، الموافق للخامس والعشرين من شهر فبراير عام 1925م :" لما كان من أجل مقاصدنا خدمة الإسلام والعالم الإسلامي ، وهو المبدأ الذي اتخذناه عند الشروع في هذه القضية العظيمة الشأن رأيت الواجب يدعوني لأبين للمسلمين عامة ما يأتي :

إننا نرحب ونبتهج بقدوم وفود حجاج بيت الله الحرام، من المسلمين كافة في موسم هذه السنة، ونتكفل – بحول الله – بتأمين راحتهم، والمحافظة على حقوقهم، وتسهيل أمر سفرهم إلى مكة المكرمة من إحدى الموانئ التي ينزلون إليها، وهي : رابغ، أو الليث ، أو القنفذة ، وقد أحكم فيها النظام، واستتب الأمن استتباباً تاماً منذ دخلتها جيوشنا، وسنتخذ من التدابير في هذه المراكز جميع الوسائل التي تكفل تأمين راحة الحجاج إن شاء الله تعــالى "([10])، وقد نشرت وكالة الأنباء السعودية (واس) في 7/12/1406هـ تقريراً إحصائياً عن أعداد الحجاج الذي وفدوا إلى المملكة العربية السعودية منذ عام 1345هـ حتى عام 1405هـ أي : من حين النداء المبارك، الذي وجهه الملك عبدالعزيز للمسلمين بتأمين الحج ، يتضح من خلاله ازدياد عدد الحجاج بعد زوال العقبات التي كانت تجعل من الحج رحلة عسيرة وشاقة ومحفوفة بالمخاطر، وإرساء دعائم الأمن وتيسير السبل، ولقد جاء في إحصاء موجزٍ للرئاسة العامة لشؤون المسجد الحرام والمسجد النبوي (نشرته وكالة الأنباء السعودية في 7/12/1405 هـ) بيان لعدد الأعوام التي لم يحج فيها الناس من الخارج بسبب الحوادث والفتن وعدم استتباب الأمن داخل الحرمين الشريفين والمناطق والطرق المحيطة بهما وبالمشاعر المقدسة وجملة ذلك مائتان وثلاثة عشر عاماً . كما بين الإحصاء عدد الأعوام التي لم يحج فيها أمير بعينه على وفود الحجاج ، وإنما كان يحج من كل قطر أمير على حجاج بلده ، وكــان ذلك لمـدة مائتي عـام وعام([11]) . منذ أن مكن الله –عز وجل – لإمام المسلمين الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود الذي غير وجه الجزيرة العربية، ومَنَّ الله على هذه البلاد بمن لا يألون جهداً في سبيل راحة الحجاج، وتسهيل أمورهم منذ عهد جلالة الملك عبدالعزيز – رحمه الله – حتى وقتنا الحاضر عهد خادم الحرمين الشريفين الملك فهد بن عبدالعزيز ، وهو الذي وهب نفسه لخدمة الإسلام والسهر على راحة حجاج بيت الله الحرام، ويشرف على ما يتعلق بشؤونهم بنفسه، ويرعاهم الرعاية التامه إحياء للسنة، واتباعاً لشرع الله تعالى .

فمنذ ذلك التاريخ (أي عام 1345 هـ) حتى وقتنا الحاضر يتولى ولي أمر المسلمين في المملكة العربية السعودية، أو من ينيبه على ذلك ممن له مكانة وهيبة بين الناس رعاية حجاج بيت الله الحرام ليعلمهم مناسكهم، ويرشدهم في أمور دينهم، ويقودهم إلى المشاعر المقدسة، وينصرف بهم منها في الأوقات المحددة شرعاً، تأسياً برسول الله e ؛ لأن الحج شأنه عظيم، وفضله جسيم، تميل إليه النفوس على الرغم من مشاقه، وتشتاق إليه كل عام وإن بعدت مسافاته، فهو أحد الأركان الخمسة التي بني عليها الإسلام .

إن قادة هذه البلاد يؤكدون دائماً على المنهج الإسلامي الرشيد، والالتزام به، والسعي لما فيه خير الإسلام والمسلمين ، يقول الملك عبدالعزيز – رحمه الله تعالى – في خطاب ألقاه في موسم حج عام 1352هـ مبيناً الجوانب الإسلامية والسياسية في منهاج الحكم في المملكة العربية السعودية : " أشكر الحق – جل وعلا – على أن أتاح لنا هذا الاجتماع، بوفود بيت الله الحرام، الذين جاءوا لأداء فريضة الحج، التي هي ركن من أركان الدين ، وأنا وإن كنت ملكاً، ولكني أوقفت نفسي، وعملي على ثلاث مسائل:

1 – أني أعمل ما فيه الخير والصلاح لديني إن شاء الله .

2 – ليس لي رغبة في معاداة أحد من المسلمين صغيراً كان أو كبيراً .

3 – أنا لا أحب الاعتداء على أي كان، وجل غايتي في كل وقت الدفاع عن ديني، وبلادي، وشرفي، وأشهد الله على أني أتمنى وأسعى للائتلاف والتصافي في كل وقت، وآن . . . لقد حكمت هذه البلاد حكومات قوية، ولكنها لم تقدر على تأمين الطريق، أما اليوم فالأمن سائد في طول البلاد وعرضها قد لمستموه بأيديكم ، وهذا من فضل ربي علينا "([12]).

وهكذا كان لذلك الأمـــن الذي أرسى دعائمــــه الملك عبدالعزيز – رحمه الله تعالى – منذ دخوله الديار المقدسة الأثر الأكبر، في زيادة عدد القادمين إلى الحج والعمرة، كما أن تطور وسائل المواصلات من جانب آخر، قد أسهم أيضاً في هذه الزيادة([13]) الأمر الذي حدا بالملك عبدالعزيز – رحمه الله تعالى – إلى التفكير في توسعة الحرمين الشريفين حتى يستوعبا هذا الازدياد المطرد في عدد الحجاج ، وذلك انطلاقاً من طموحاته – رحمه الله تعالى – في تقديم أفضل الخدمات لضيوف الرحمن ، والتيسير عليهم ، واستشرافاً للمستقبل الذي يدل على اطّراد الزيادة في عددهم عاماً بعد عام . إن التوسعة التاريخية الكبيرة للحرمين الشريفين بمكة المكرمة والمدينة المنورة تأتي في طليعة المشروعات العديدة، التي نفذتها حكومة المملكة العربية السعودية خلال خططها التنموية، منذ عهد الملك عبدالعزيز – رحمه الله –حتى عهد خادم الحرمين الشريفين الملك فهد بن عبدالعزيز ، سواء من حيث السعة أم من حيث التكاليف؛ نظراً لاهتمام المملكة بهاتين المدينتين المقدستين، اللتين تحتلان مكانة رفيعة عند سائر المسلمين في العالم، وفي مقال بعنوان : " التوسيع التاريخي للحرمين الشريفين في مكة المكرمة والمدينة المنورة " للأستاذ الدكتور جيفري كينغ، الأستاذ في معهد الدراسات الشرقية والإفريقية بجامعة لندن ، وصاحب كتاب ( المساجد التاريخية السعودية ) كتب (كينغ) ما يأتي : " يقع الحرم المكي الشريف في مكة المكرمة، في قلب العالم الإسلامي، إنّها القبلة التي يتجه إليها جميع المسلمين أثناء صلاتهم ، كما يؤدي دوراً رئيساً في فروض الحج والعمرة، ويهيمن على الحياة في مكة ، كما يهيمن مسجد النبي محمد e على الحياة في المدينة المنورة ، فقد تم تأسيسه في السنة الأولى من الهجرة الموافق 622م . وقد كون تصميمه بباحته والمنطقة المغطاة على الجهة الجنوبية " القبلة " ، مثالاً احتذت به جميع المساجد التي يتم بناؤها في العالم الإسلامي "، ويقول (جيفري كينغ) : " وبينما وصل الحرمان الشريفان ذروتهما في الأيام الأخيرة تعد عملية التوسيع ذات جذور تاريخية تعود إلى بزوغ الإسلام ، فقد نتج الاتجاه إلى إيجاد المزيد من الأمكنة الفارغة في الحرمين الشريفين من جراء الارتفاع المستمر في عدد المصلين في جميع الفترات فقد ازداد عدد الحجاج المشاركين في فريضة الحج في السنين الأخيرة ازدياداً مطرداً ليبلغ المليون، وأثناء موسم حج 1993م زاد عددهم عن المليونين ، وكانت التوسيعات الأخيرة على درجة هائلة بحيث تجاري الأعداد المتزايدة التي ترتاد المسجدين "([14]).

إن العناية بمكة المكرمة والمدينة المنورة إنما هي استجابة لأمر الله عز وجل، ومن أجل وجهه الكريم ، فمكة المكرمة مهبط الوحي، ومهد الرسالة الخاتمة وتضم أول بيت وضعه الله للناس لعبادته على الأرض ، ومنه تستمد قدسيتها، فبيت الله العتيق هو الكعبة المشرفة ،و القبلة التي يتجه إليها المسلمون في صلواتهم يومياً ، منذ أن جاء الوحي بالتوجه في الصلاة إلى المسجد الحرام كما قال الله – عز وجل –: {  قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ}([15]). وقول الله – عز وجل–: { وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلاَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ فَلا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي وَلأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ}([16]).

ويفد إلى مكة المكرمة ما يزيد عن مليوني مسلم كل عام، لتأدية الركن الخامس من أركان الإسلام وهو الحج استجابة لأمر الله عز وجل ، وطلباً لمرضاته ، وحذراً من سخطه، يقول الله – عز وجل – : {وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنْ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْ الْعَالَمِينَ}([17]).

وقد كان أهل الجاهلية يعظمون البيت الحرام بما بقي لديهم من بقايا دين إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام، ومن مظاهر تعظيمهم له وعنايتهم به، قيام قريش ببنائه لما ظهر عليه التصدع ، وقد شارك الرسول الكريم محمد e  في وضع الحجر الأسود في مكانه من الكعبة ، قبل أن يبعثه الله نبياً ورسولاً لتبليغ رسالة الإسلام للعالمين ، ولمَّا أكرمه الله – عز وجل – بالرسالة وفتح له مكة المكرمة أعاد البيت على ما كان عليه من الطهـارة وتهيئته للركع السجود، كما أمر الله –عز وجل – بذلك، وما زال المسلمون يحملون هذه الأمانة ، ويحرصون على أدائها كما يحب الله عز وجل ، ويرضى امتثالاً لأمره وطلباً لمرضاته .

أما المدينة المقدسة الثانية عند المسلمين فهي المدينة المنورة ، دار هجرة النبي e ، ومنطلق دعوته المباركة،ومثواه e ومثوى أصحابه أبي بكر وعمر وعثمان وغيرهم من الصحابة رضي الله عنهم، وتضم المسجد النبوي الشريف، وقد حرمها النبي e كما حرمت مكة المكرمة، قال e: " المدينة حرام ما بين عير إلى ثور لا يحل حلالها ولا ينفر صيدها ولا يصلح أن تقطع منها شجرة إلا أن يعلف رجل بعيره "([18])، وقال عليه الصلاة والسلام في فضل مكة المكرمة والمدينة المنورة: " ليس من بلد إلا سيطؤه الدجال، إلا مكة والمدينة، وليس نقب من أنقابها إلا عليه الملائكة صافين تحرسهما، فينزل بالسبخة فترجف المدينة ثلاث رجفات يخرج الله منها كل كــافر ومنافق"([19]). ويزورها المسلمون من كل مكان للصلاة في هذا المسجد، والسلام على رسول الله e وصاحبيه رضي الله عنهما، وقد جاء في الحديث الشريــف قول النبي e: " لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد : المسجد الحرام، ومسجدي هذا، والمسجد الأقصى " ، فسن النبي e شد الرحال لزيارة مسجده لما له من الفضل العظيم، فالصلاة فيه تعدل ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام .

ونظراً لما للحرمين الشريفين من قدسية عظيمة ومنزلة خاصة عند جميع المسلمين فقد اهتم الخلفاء والحكام والسلاطين، والملوك، بشؤونهما، وتوسعتهما وعمارتهما، تأسياً برسول الله e وخلفائه الأبرار الراشدين من بعدهم .

وكان الملك عبدالعزيز – يرحمه الله تعالى – قد بادر بعد قيامه بتأسس المملكة بالعنايـــة بالحرمين الشريفين إحــياء للنهج الإسلامي ومسارعة إلى تعظيم ما عظمه الله عز وجل ، وعظمه رسوله e ، فقد أمر – رحمه الله تعالى – بإجراء الترميمات اللازمة للحرم المكي عام 1344هـ حينما كلف مدير الأوقاف الشيخ محمد سعيد أبا الخير بترميم كل ما يقتضي الأمر إصلاحــــه في المسجد الحرام ، وفي عام 1346هـ أمر الملك عبدالعزيز الشيخ عبدالله الدهلوي بإصلاح كلي للمسجــــد الحرام من الداخــــل والخـــــارج([20]).

وبدأ العمل في شهر جمادى الأولى من العام نفسه، وفرشت أروقة المسجد الحرام بعمومها، من جهاته الأربع، مع زيادة باب دار الندوة، وباب إبراهيم ، ووضع الفرش الحجري الذي عليه المقامات الأربعة حول مدار المطاف ، وعموم بلاط الأبواب ، وجدد المسجد الحرام داخلاً وخارجاً ، وبنى الدرج المصعدة لأبواب المسجد الحرام، وطلى عقود المسجد الحرام العلوية وأعمدته ، كما أمر الملك عبدالعزيز آل سعود، وزير المالية الشيخ عبدالله السليمان الحمدان ، بعمل مظلات قوية ثابتة على دائرة الحصوة مما يأتي أروقة المسجد الحرام من الجهات الأربع ، يستظل بها المصلون من حجاج بيت الله الحرام، ويتقون بها حر الظهيرة ، واستمرت أعمال الترميم سنة تقريباً شملت كل جوانب الحرم المكي من الداخل والخارج ، وأصبح إجراء الترميمات قبل موسم الحج عادةً سنوية .

 

وفي عام 1354هـ عهد الملك عبدالعزيز – رحمه الله تعالى – إلى ابنه الأمير فيصل – رحمه الله تعالى – بإصلاح شامل للمسجد الحرام ، فأشرف الملك فيصل – طيب الله ثراه – بنفسه على إصلاح المسجد الحرام ، وجدد كل ما يحتاج إلى التجديد([21]) .

وفي الثاني عشر من شعبان عام 1368هـ وجه جلالة الملك عبدالعزيز – رحمه الله تعالى – بياناً إلى المسلمين يبشرهم فيه بعزمه على توسعة الحرمين الشريفين في مكة المكرمة ، والمدينة المنورة بعد أن ضاقا عن استيعاب الأعداد المتزايدة من المصلين ، وقد بدء في توسعة المسجد النبوي الشريف وعمارته أولاً، وبعد الانتهاء منه نقلت الآليات والمعدات إلى مكة المكرمة لتنفيذ مشروع الملك عبدالعزيز لتوسعة الحرم المكي الشريف([22]) ، وابتدأت الاستعدادات لتنفيذ التوسعة في 5/1/1375هـ بإنشاء ( مكتب صاحب الجلالة الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن الفيصل آل سعود لتوسعة المسجد الحرام وتجديد عمارته) ، وذلك للإشراف على أعمال التوسعة ومتابعتها . وقد سلك ملوك المملكة العربية السعودية طريق الملك المؤسس في العناية بالحرمين الشريفين والمشاعر المقدسة، وخدمة الحجاج وتوفير الخدمات المختلفة لضيوف الرحمن، عادين هذه الأعمال الجليلة مسؤوليتهم الأولى وواجبهم الذي يبتغون به وجه الله والدار الآخرة .

ففي 4/4/1375هـ بدأت أعمال التوسعة بإزالة المباني، والمحلات التجارية، والتمديدات الكهربائية، والهاتفية، وتمديدات الصرف الصحي، وحولت الطرق المحيطة بالمسجد إلى مسارات مناسبة لإعداد المكان للتوسعة . وفي 22/8/1375هـ وضع جلالة الملك سعود – رحمه الله تعالى – حجر الأساس للمشروع .

وعن العمل الإسلامي وخدمة الإســلام يقول جلالــة الملك سعود –رحمه الله – في خطابه الذي ألقاه على المسلمين في موسم حج عام 1375هـ: " إنني أدعو المسلمين كافة في هذا الموسم الذي نحتفل به ونجتمع فيه أدعوهم جميعاً إلى أن يتعاونوا ويتكاتفوا ويتعاضدوا وأن يتعارفوا . إننا نحن – المسلمين– لا نهدف بالدعوة إلى وحدتنا وجمع كلمتنا وتوحيد صفوفنا شراً ولا عدواناً بأحد ؛ لأن الشر والعدوان ليسا من الإسلام في شيء، إنما نهدف ونقصد بذلك أن يكون العالم الإسلامي في وضع قوي محترم مشرف، ليساهم في رفع المستوى الروحي والثقافي بين الأمم ، وفق الرسالة الإنسانية التقليدية التي عرف بها الإسلام ، وقام على أساسها وعلى مبادئها "([23]) ، وعلقت مجلة المنهل على الاهتمامات التي تبذلها الدولة في عهد الملك سعود لرعاية الحجاج ؛ إذ تقول : "إن العناية الموفورة المتوالية من حكومة جلالة الملك سعود المعظم للعناية براحة الحجاج ورفاهيتهم لتؤتي ثمارها الطيبة صعدا ً، وفي عهــده كما هو الحال في كل عام لقى الحجاج كل أسباب الراحة والهناءة في ظعنهم ومقامهم ، مما ألهج ألسنة المسلمين بالشكر والتقدير لما تنفقه الحكومة من مئات ألوف الريالات مجاناً لوجه الله ، ثم لمصلحة المسلمين الحاجين كل عام . وناهيك بمشروع توسعة المسجد الحرام الذي بدىء فيه فعلا بهمة ونشاط"([24]) . جاء ذلك في أعقاب كلمة الملك سعود –رحمه الله –يوم السبت الخامس من ربيع الأول عام 1375هـ بمناسبة الانتهاء من عمارة المسجد النبوي الشريف؛ إذ قال: "الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، والصلاة والسلام على محمد عبده، ورسوله، النور الهادي، وناشر لواء الحق، والعدل، والسلام، على آله وصحبه، ومن سلك سبيله، ونهج نهجه .

 أيها الإخوان أحييكم خير تحية، وأشكر الله على أن أتاح هذه الفرصة السعيدة، التي جمعتنا في خير بقعة وأفضل مدينة، بعد بيت الله الحرام ، أيها الإخوان إن مدينة الرسول – e – لها في نفوسنا من الحب والحرمة ما لا تقوى عوادي الدهر على النيل منه، فهو حب متصل بالعقيدة، والروح والعقيدة أعز وأقوى ما يملكه الإنسان لقد اشتد ساعد الإسلام، وانتشر في سائر الآفاق من هذه المدينة المنورة .

يعلم الله ما أصابنا من هلع، حينما بلغ والدي المرحوم أن بعض الأعمدة قد أصابها الوهن، فبادر لساعته باستدعاء الخبراء من المسلمين، لبحث الأمر واستئصاله من جذوره، وكان لي الشرف بوضع الحجر الأساسي، ولقد رأيت بعد أن توطدت الأمور لدي، أن يتسع المسجد ليسع أكبر عدد من المصلين والزائرين ، وأحمد الله أن تم كل شيء في عهدي، ويكون لي الشرف العظيم بافتتاحه اليوم، بحضور هذا الجمع الذي يمثل المسلمين من مختلف الجهات ، وإنه ليضاعف غبطتي وسروري حضور رجال الدين من سائر الأقطار ، ومن يمن الطالع أن صادف تاريخ الانتهاء من هذه العمارة والاحتفال بها تاريخ هجرته – e – إلى مدينته هذه، في شهر ربيع الأول ، وإني أنتهز هذه المناسبة السعيدة، فأزف إلى العالم الإسلامي نبأ مشروعنا في توسعة المسجد الحرام، في مكة المكرمة، على هذا التنسيق الجميل، وقد ألفت لجنة للإشراف الدائم على تنفيذ هذا المشروع الذي يهمنا ويهم العالم الإسلامي أجمع ، وأسأل الله أن يسدد خطانا في خدمة ديننا والنهوض ببلادنا إلى المستوى اللائق بمركزها في هذا العالم إنه سميع مجيب "([25]).

وقد أنجزت توسعة المسجـــد الحرام على مراحــل، في المدة من عام 1375هـ حتى عام 1396هـ أنجز جزء منها في عهد الملك سعود والأجزاء الباقية في عهد الملك فيصل رحمهما الله تعالى .

وقد كُلف الشيخ محمد بن لادن – رحمه الله – بتنفيذ توسعة المسجد الحرام وعمارته بعد أن نجح في تنفيذ توسعة المسجد النبوي الشريف ، وقد كلفت مؤسسة ابن لادن المهندس المعماري المصري محمد طاهر الجويني أن يضع تصميماً لهذه التوسعة ، فقام بعمل تصميم ذي طابع يعتمد على ثلاثة مثمنات متمركزة ، ولكن هذا يستدعي إزالة القسم العثماني من المسجد إزالة كاملة ثم أجريت التعديلات على هذا التصميم بحيث لا يزال سوى القسم الغربي من العمارة العثمانية ، غير أن الملك فيصل بن عبدالعزيز – رحمه الله – لم يوافق على هذا التعديل ، ووجه بأن يتم الاحتفاظ بالواجهه والأروقة العثمانية كلها . فقام المهندس محمد طاهر الجويني بتطوير تصميمه ، وقدم اقتراحاً وسطاً قُبِلَ فيما بعد . وهذه مراحل توسعة المسجد الحرام :

المرحلة الأولى  (1375–1381هـ) :

وشملت هذه المرحلــة بناء المسعى بطابقيه ، ويبلغ طولـــه من الداخل (394.5م)، وعرضـــه (20م) ، وارتفــــاع الدور الأول (12) مــــتراً ، والدور الثاني (9) أمتار ، وتؤدى في الطابقين – لكونه جزءاً من المسجد – الصلوات مع الجماعة ، وساعد هذا في التخفيف من الزحام ، وأنشيء في وسط المسعى حاجز قليل الارتفاع يقسمه إلى قسمين للذهاب والإياب ما بين الصفا والمروة ، كما بني درج دائري للصفا، وآخر للمروة ، وجعل للطابق الأول من المسعى ثمانيــة أبواب، على الواجهة الشرقية للشارع العام، للدخول منها إلى المسجد الحرام ، وجعل للطابق الثاني منه مدخلان، من خارج الحرم أحدهما عند الصفا والآخر عند المروة ، كما جعل لهما مصعدان أحدهما عند باب السلام ، والآخر عند باب الصفا .

المرحلة الثانية  (1381–1389هـ):

وتضمنت المرحلة الثانية من التوسعة تكملة عمارة المسجد الحرام من داخله، وإتمام الجزء الخارجي من المبنى الجديد، وتمت توسعة المطاف ، وعمل سلالم لبئر زمزم .

وتواصلت العناية بالمسجد الحرام، في عهد جلالة الملك فيصل رحمه الله تعالى وكان من أهم ما نفذ من مشروعات، خمسة ميادين عامة حول الحرم، وزيادة أبواب المسجد إلى أربعة وستين باباً مختلفة الأحجام، وإنارة المسجد بوسائل فنية حديثة، وإنشاء مكتبة المسجد الحرام ، كما أزيلت المقصورة التي كانت مقامة على مقام إبراهيم – عليه السلام – من أجل التوسعة على الطائفين، وأبدلت بغطاء من الكريستال الفاخر، واحتفل بذلك برعاية الملك فيصل – رحمه الله تعالى – في 18/7/1387هـ .

المرحلة الثالثة ( 1389–1392هـ):

وتم في هـــذه المرحلة بناء المكبرية وشق الطرق وإنشاء الميادين حول الحرم المكي الشريف .

المرحلة الرابعة (1393–1396هـ) :

وتضمنت تجديد الأروقة العثمانية وتجديد أركانه الأربعة لإقامة البوابات الرئيسة، وقد تمت في مراحل التوسعة أعمال كبيرة أبرزت الحرم المكي الشريف بمظهر حضاري وفني فريد، حيث إن ما تم من مباني عمارة التوسعة حتى الآن يكسو جداره من الداخل والخارج المرمر وسقوفه وعقوده الحجر الصناعي، مما يضيف إلى ضخامة البناء، بهاء وجمالاً، ويبعث في النفوس الفرح والابتهاج بما صار إليه بناء حرم الكعبة المشرفة من روعة وجلال يليقان بما لهما من قدسية وتعظيم([26]).

وفي عهد الملك فيصل – رحمه الله – اهتمت المملكة بدورها الرائد في قيادة العالم الإسلامي وقيامها بمسؤولياتها، نحو توفير الأمن، والراحة لمئات الألوف المسلمين الذين يفدون إليها، كل عام للحج إلى بيت الله الحرام في مكة المكرمة ، وكان أبرز ما فعلته هو توسعة المسجــــد الحرام والمسجد النبــوي الشريف ؛ إذ بلغت نفقات التوسعة للمسجدين (750.000.000) سبعمائة وخمسين مليون ريال ، وقدر ما تنفقه المملكة على شؤون الحج والحجاج من رعاية وخدمات صحية ومواصلات وغيرها ما يزيد عن (200.000.000) مائتي مليون ريال كل عام([27]). وعن خدمة الحرمين الشريفين وخدمة الحجاج يقول جلالة الملك فيصل – رحمه الله – : " أيها الإخوة المسلمون يشرفني أن أرحب بكم باسم مواطني هذا البلد الشريف، الذين كرمهم الله وأعزهم بأن جعلهم خدمة للأماكن المقدسة، ومضيفين لإخوتهم حجاج البيت الشريف ، وفي ذلك ما فيه من العز والشرف لأبناء هذا البلد الذي أتشرف باسمهم، أن أرحب بكم في هذه البقاع المقدسة"([28]).

كما يؤكد الملك فيصل – رحمه الله – في مناسبة أخرى ما تضطلع به المملكة من رعاية حجاج بيت الله الحرام وحفظ الأمن والطمأنينة لهم فيقول :" إنه لشرف عظيم لهذا الشعب شعب المملكة العربية السعودية أن يكون له الحظ في خدمته للأماكن المقدسة ، وأن يقوم على حفظ راحتكم، واطمئنانكم، وأمنكم، في هذه الأماكن . وإن هذا من أولى الواجبات التي يعدها هذا الشعب من أولى واجباته ، ولا يقصد من ذلك أن يحصل على شكر أو علــى إطراء ، ولكنه يعد هذا من أولى واجباته التي شرفه الله بأدائها والقيام بها" ([29]).

وفي جمادى الأولى عام 1397هـ أمر جلالة الملك خالد – رحمه الله تعالى – بوضع باب جديد للكعبة من الذهب الخالص([30]). واهتمام الملك خالد رحمه الله بالعمل الإسلامي يتجلى في كثير من أقواله وخطبه التي كان من أهمها ما تحدث به في مؤتمر القمه الإسلامي الثالث الذي عقد بجوار بيت الله الحرام بمكة المكرمة والطائف عام 1401هـ يقول جلالته : " فالواجب علينا وعليكم جميعاً التوبة إلى الله سبحانه من جميع الذنـــوب، والاستقامـــة على طاعته، والمسارعة إلى أداء ما أوجب الله، والحذر من معصيته "([31]) ، ويقول – رحمه الله تعالى – : " ونسأل الله عز وجل أن يهدينا وإياكم إلى صراطه المستقيم، وأن يرحمنا جميعاً برحمته الواسعة، ويغيثنا بفضله، ويعيذنا جميعاً من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، وأن ينصر دينه، ويعلي كلمته، وأن يجعلنا وإياكم وجميع المسلمين من أنصاره ، والدعاة إليه على بصيرة "([32]).

وفي حج عام 1398هـ ألقى الملك خالد بن عبدالعزيز الكلمة التالية في جموع حجاج بيت الله الحرام قائلاً: " إنها لمناسبة إسلامية عظيمة، أنتهزها لأهنئ الحجاج الكرام، الواقفين بعرفات، والذين أتوا من مشارق الأرض ومغاربها لحج بيت الله الحرام، أول بيت وضع للناس الذي جعله الله مثابة للناس وأمناً، تهوي إليه الأفئدة ، وتلهج الألسنة فيه بالدعاء بمختلف اللغات، على ما من الله به عليهم، من بلوغ هذه المشاعر المقدسة، ملبين دعوة سيدنا إبراهيم الخليل – عليه الصلاة والسلام – سائلاً المولى الكريم أن يجعله حجاً مبروراً، وسعياً مشكوراً، وأن يكتب لهم عظيم الأجر، وسلامة العودة إلى أوطانهم ، كما أهنئ جميع المسلمين بإشراقة عيد الأضحى الأكبر أعاده الله عليهم بالخير، وقد ازدادوا تمسكاً بدينهم الحنيف ، وإن كل فرد من أعضاء المجتمع الإسلامي مطالب بالعمل لنصرة دينه، وعزته، واستعادة مقدساته، نسأل الله تعالى التوفيق للجميع "([33]).

وفي عهد الملك فهد بن عبدالعزيز الذي اختار لنفسه لقب خادم الحرمين الشريفين معرباً عن اهتمامه الشديد بالأماكن المقدسة قائلاً : " لقد قررت استبدال لقب صاحب الجلالة بلقب أحبه ويشرفني وهو [ خادم الحرمين الشريفين ] "، وفي ذلك يقول فضيلة الشيخ الدكتور التهامي نقرة رئيس المجلس الإسلامي الأعلى بتونس: " إن اختيار الملك فهد لقب خادم الحرمين الشريفين زاده الله رفعة وعزة بهــذا التواضع ، وقد تجسد هذا اللقب وأضحى صورة حية لمدلوله بما رأيناه من إصلاحات جذرية فــــي شبكة الطرق المؤدية إلى الأماكن المقدسة ، وتوسيع هذه الأماكن بصورة جعلتهــا أكثر يسراً وأمناً ، وبما شاهدناه من توسعات في الحرمين الشريفين التي لم يسبق لها مثيل في التاريخ من حيث الحجم والكيف والإتقان ، كــل هذه المشروعات دليل قائم على الجهود التي تبذل في خدمة ورعايــة ضيوف الرحمن"([34]).

وتتويجاً لذلك اللقب الكريم أمر بتنفيذ التوسعة التاريخية الكبيرة للحرمين الشريفين ومساجد المشاعر المقدسة والمواقيت عام 1405هـ التي تعد أكبر توسعة يشهدها الحرمان الشريفـــان في التاريـــــخ ، يقول خــــادم الحرمــــين الشريفـــين الملك فهد بن عبدالعزيز آل ســعود:" أود أن أؤكد أن كل شيء أستطيع تقديمه للحرمين الشريفين ، ولمكة المكرمة، مهبط الوحي، والمدينة المنورة ،منبع نور الرسالة، فلن أتردد لحظة في المبادرة إلى تقديمه لأن ميزة هذا البلد إنما تتجلى في خدمة الحرمين الشريفين، ورعاية الحجاج والزوار والمعتمرين على مدار العام ، وسوف لا أدخر وسعاً بالجهد والمال، في سبيل استكمال العمل الإسلامي، الحضاري التاريخي الذي وهبت نفسي، وإخواني في سبيل تحقيقه، وأحمد الله أن شرفني الله ، وإخواني ، وأهل هذا البلد بهذا الفضل العظيم"([35]).

أولا : توسعة المسجد الحرام :

تضمنت إضافـــة جزء جديـــد إلى مبنى المسجد الحـــرام ، حيث بلغت مساحة أدوار مبــنى التوسعـــة ، تحت الأرضي ، والأرضـــي ، والأول ، والثــــاني، والسطح (57.000) متر مربع كما ضم مبنى التوسعة مدخلاً رئيساً جديداً ، و(18) مدخلاً جديداً ، إضافة إلى مدخلين جديدين للقبو ، وأكمل تجهيز المساحات الخارجية والأسطح وفرشها بالرخام الفاخر لتصبح مساحة المسجد الحرام (الداخلية دون الساحات الخارجية ) بعد التوسعة (328.000) متر مربع، تتسع لحوالي (730.000) مصلٍ .

 كما شملت التوسعة بناء مئذنتين جديدتين بارتفاع (89) متراً ، تتشابهان في تصميمها المعماري مع المآذن السبع القائمة ليصبح عدد مآذن المسجد الحرام تسع مآذن .

وأقيم مبنيــــان لمداخــل الســــلالم المتحركة ، تبلغ الطاقــــة الاستيعابية لكـــل منها (15.000) شخص في الساعة الواحدة .

كما جرى تنفيذ العديد من مرافق الخدمات والمشاريع ، شملت ستة جسور في المسعى لتسهيل حركة السعي والدخول إلى الطواف ، وبناء محطة لتبريد مياه زمزم ، وإضاءة المسجد بحوالي (55.000) وحدة من الثريات والمصابيح ، وتركيب (8000) مروحــة لتلطيـــف الــجو إضافة إلى تكييف المسعى من خلال (28) وحدة تكييف ضخمـــة.

أما صحن المطاف فقد وسع بمقدار (30%) عن سعته السابقة . واستعمل فيه الرخام الأبيض الذي لا يمتص الحرارة خلال وقت النهار وسطوع الشمس .

وقد استبدل باب من الذهب بباب الكعبة القديم بتكلفة (13) مليون ريــال، وجرى تصميمه وتنفيـــذه في المملكــة حيث استعمل في صناعته حوالي (286) كيلو غراماً من الذهب الخالص([36]).

وأنشئت مبان لدورات المياه شمال ساحات المسعى، مكونة من دورين ، وتحتوي على (1440) دورة مياه، و(1091) نقطة وضوء، و 162 نافورة لمياه الشرب ، وقد روعي تأمين دورات المياه الخاصة للنساء بمداخل منفصلة .

ثانياً : توسعة المسجد النبوي الشريف :

 تضمـــــن مشـــــروع خادم الحرمــين الشريفـــين لتوسعــــة المسجـــد النبــــوي الشريــــف إضافـــــة مبنى جديـــــد إلى المسجـــــــد القائم ، ويستوعب هذا المبنى أكثر من (257.000) مصــــلٍ ، أضيف إليه سبعة مداخل رئيسة ، يتألف كل مدخل من سبــــع بوابات ، وهناك مدخلان آخران من الناحية الجنوبية ، يتألف كل منهما من بوابتــــين ، بالإضافة إلى ست بوابات جانبية . وبذلك يصبح إجمالي البوابات (59) بوابــــة . يضاف إلى ذلك ثمان بوابات لمداخل السلالم المتحركة ومخارجها التي تخدم سطح المسجد المخصص للصلاة ، علاوة على (18) سلماً داخلياً فضلاً عن سلالم الخدمــــــــة .

كما أنشئت ست مآذن جديدة، ارتفاع كل منها (99) متراً علاوةً على ارتفاع الهلال ، فيصبح الارتفاع الإجمالي (105)م بزيادة (33) متراً عن ارتفاع المآذن السابقة، وبذلك يكون للمسجد النبوي الشريف (10) مآذن .

وزود المسجد النبوي الشريف بسبع وعشرين قبة متحركة ، تتوافر لها خاصيـــة الانزلاق فوق منسوب سطح التوسعة ، وركبت كل قبة على مساحة (1818)م للحصول على سبعة وعشرين فناءً في الداخل ، وتفتح بطريقة كهربائية لحاجة التهوية الطبعية في أوقات معينة .

وغطت مساحات الساحات المحيطة بالمسجد، البالغة (235.000) متر مربع بالرخام، وفق أشكال هندسية إسلامية وبألوان مختلفة ، وبذلك تبلغ جملة الطاقة الاستيعابية للمسجد بكامله، وللساحات المحيطة به في أيام المواسم، حوالي مليون مصلٍ أو أكثر .

وتضم هذه الساحــــات مداخل لدورات الميــــاه ، وبها (6.800) وحدة وضوء ، و(25.000) دورة مياه، و(560) نافورة ماء بارد للشرب ، ومواقف للسيارات، من دورين تحت الأرض، تستوعب حوالي(4.400) سيارة . وزودت مواقف السيارات بنظام مراقبة تلفازية بكاميرات متحركة، وأخرى ثابتة متصلة بغرف مراقبة رئيسة بالإضافة إلى نظام تحكم مروري، لتوجيه السيارات([37]).

ثالثاً : المشاعر المقدسة :

لم تقتصر عناية المملكة العربية السعودية على توسعة الحرمين الشريفين ، وإنما اهتمت بالغ الاهتمام بالمشاعر المقدسة ، ونفذت فيها العديد من المشروعات، التي تكفل للحجاج الأمن والسلامة والراحة والاطمئنان من الطرق، والمستشفيات، والمراكز الصحية، والمساكن ، ومياه الشرب، وسائر ما يتطلبه الحجاج من خدمات ، كما سيتبـــين ذلك من خلال المبحث الثاني إن شاء الله ، وسنكتفي هنا بالحديث عن المساجد في المشاعر المقدســــة والعناية التي أولتها الدولة لها، وبعض المشروعات الخاصة بالمشاعر المقدسة ، وإعادة إعمار المساجد المأثورة في المدينة المنورة، ومكة المكرمة ، والمواقيـــــت .

1 – مسجد نمرة بعرفات :

يعد هذا المسجد من أهم المساجد في المشاعر المقدسة بعد المسجد الحرام ، وقد قامت المملكة العربية السعودية بتوسعته حتى تجاوز خمسة أضعاف مساحته السابقة . ويشتمل على ست مآذن، ارتفاع كل منها (60) متراً ، كما يشتمل على ثلاث قباب ومظلات خارجية ، وزود بالإضاءة والتكييف وما يلزمه من أجهزة ومحولات كهربائية ضخمة، كما أنشــــيء مجمع دورات الميــــاه للرجال والنساء ، وبلغت تكاليف التوسعة (35.000.000) مليون ريال ، وأصبحت مساحته تقدر بحوالي (124.000)م2 ، والدور الثاني للمسجد تقدر مساحته بحوالي (27.000)م2 ، ومساحة الساحات الخلفية تقدر بحوالي (8.000)م2، ويستوعب مسجد نمرة حوالي (300.000) مصل . ولقد زود المسجد بشبكة إذاعية داخلية متكاملة مزودة بكل ما يلزم للبث الإذاعي والتلفازي لنقـــل صـــلاة يوم الوقــوف بعرفات وخطبته مباشرة بوساطة الأقمار الصناعية إلى جميع أنحاء العالم([38]).

2 – مسجد المشعر الحرام بمزدلفة :

كانت مساحة المسجــد ألف متر ، وكان بنــاؤه متواضعاً ، وقد جددت عمارته مرات عــــدة ، كان من أهمهــــا التوسعة التي تمت في عهد الملك خالد بن عبدالعزيــــز – رحمه الله – في عام 1395هـ ، وتبلـــغ مساحتـــه بعد التوسعـــة (6.000)م2 ، ويتسع لـحوالي (8.000) مصلٍ ، وبلغت تكاليف إنشائه نحو خمسة ملايين ريال([39]) ، وتمت بعد ذلك توسعــة مسجد المشعر الحرام عام 9041هـ في عهد خادم الحرمين الشريفين الملك فهد بن عبدالعزيز آل سعود، حيث أصبحت مساحته (9.000)م2 ، يتسع لأكثر من اثني عشر ألف مصلٍ([40]).

3 – مسجد الخيف بمنى :

وهـــو من أهم المساجـــد في منطقـــة المشاعر المقدســـة ، وتبلغ مساحتــــه حـــــوالي (25.000)م2 ، ويستوعب (45.000) مصلٍ ، وقد بني على الطراز الإسلامي الحديث ، وبه أربع مآذن ، بالإضافة إلى الإضاءة والتكييف والشبكة الصوتية الداخلية . وقد ألحق به دورات للميــــاه تبلغ نحــــو (1.746) وحـــدة ، وقد بلغت تكلفتـــه (88) مليــون ريال([41]).

كما شملت هذه الإنجازات توسعة مسجد حجاج البر  بمنى لتبلغ مساحته (7.470) متراً مربعاً ، وألحق به (66) دورة مياه ، وبلغت تكلفة توسعته ستة ملايين ريال .

كما وسع مسجد التنعيم بالعمرة، وقد بني على مساحة قدرها (5.300) مترٍ مربعٍ، ويستوعب أكثر من (6.500) مصلٍ تقريباً ، وبتكلفة مقدارها مائة مليون ريال .

وأعيد بناء مسجد ميقات الجحفة برابغ على مساحة قدرها (14.400) مترٍ مربعٍ ليستوعب (1.500) مصلٍ ، وبتكلفة مقدارها عشرة ملايين ريال .

 كما وسع ميقات ذي الحليفة على مساحة مقدارها (64.000)م2 متراً مربعاً ليستوعب (5.000) مصلٍ .

وجرت توسعة ميقات وادي المحرم على مساحة مقدارها (1.460) متر مربع ليستوعب نحو (2.000) مصلٍ، وبتكلفة مقدارها أكثر من (55) مليون ريال .

كما جرت توسعة مسجد ميقات قرن المنــــازل بالسيل الكبير على مساحة مقدارها (2.600) متر مربــــع ، ليستوعب أكثر من ثلاثة آلاف مصلٍ ، وبلغت تكلفته أكثر من (76) مليون ريال .

وأعيد بناء مسجد ميقات الجعرانة على مساحة مقدارها (974) متراً مربعاً ، ويتسع لنحو (600) مصلٍ ، وبتكاليف مقدارها مليونا ريال([42]).

أما ميقــــات يلملم فقد تمت إعادة بنائـــه على مساحـــة مقدارهــــا عشرة آلاف متر مربع ، ويستوعب أكثر من ألف وخمسمائة مصلٍ ، وبتكلفة مقدارهـــا أحد عشر مليون ريال([43]).

رابعاً: المساجــد المأثــورة:

وفي المدينة المنورة تبقى الأعمال الخالدة لخادم الحرمين الشريفين، وتثمر وتترك آثارها في كل الأجيال، ويسجلها له التاريخ بحروف من نور، ويذكرها المؤمنون المتقــون، في كل الأزمــــان ، فقد أعـــــد بنـــــاء مسجـــد قبـــــاء على مساحــــة تزيد عن (12.000)م2 ، يتسع لما يزيد عن ستة عشر ألف مصلٍ ، وقام بناؤه على الطراز الحديث تقوم عليه أربع مآذن . زود بعدد كبير من دورات المياه، ومواقف السيارات والخدمات كافة . وكذا الحال بالنسبة لمسجد القبلتين ؛ إذ انتهي من بنائه على مساحـــــة (4.500)م2، بسعة (1.800) مصلٍ ، وله مئذنتان ، وزود بدورات المياه ومواقف السيـــارات . كما أعيد بناء مسجــــد الجمعة على طــراز إسلامي جميــــل على مساحــــة (900)م2 يتسع لخمسائة مصلٍ .

هذه أهم المساجد التي وسعت في المشاعر المقدسة والمدينة المنورة، وتقوم وزارة الشؤون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد بالإشراف على هذه المساجد والعناية بها وصيانتها وتزويدها بما يلزم من الفرش والمصاحف المطبوعة في مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف ، وإلحاق الأئمة والدعاة طوال العام وخلال مواسم الحج لتوجيه الحجاج وإرشادهم إلى أمور دينهم .

هذا ما يتعلق بالمساجد، أما المشروعات الأخرى الخاصة بالمشاعر المقدسة، فبأمر من خادم الحرمين الشريفين قامت إدارة مشروع تطوير منى بتنفيذ الطرق السريعة والدائرية ، وشق الأنفاق وبناء الجسور في أنحاء المشاعر، وبلغت التكاليف الإجمالية، للمشروعات الحيوية، التي أقيمت في منى، والأماكن المقدسة عشرة مليارات من الريالات .

كما قامت إدارة مشروع تطوير منى، بتنفيذ أحد عشر خزاناً للمياه بالمشاعر المقدسة، بسعة مليوني متر مكعب من المياه ، وبتكلفة إجمالية بلغت (480) مليون ريال ، بالإضافة إلى إنشـــاء المجزرة النموذجيــــة بالمعيصم بتكلفـــة بلغت (150) مليون ريال ، ومشروع مجزرة أخرى نموذجية لذبح الجمال والأبقار ، وبلغت تكلفـــة هذا المشروع مع مشروع توسعة جسر الجمرات (26) مليون ريال([44]).

أما في عرفات، ومزدلفة فقد أنشئت شبكة طرق متكاملة ، ومواقف للسيارات في مساحة أكثر من (50.000)م2 ، كما أنشئ طريق للمشاة، يربط عرفات بمزدلفة، حيث المشعر الحرام ، كما أنشئ بمزدلفة، مواقف كثيرة للسيارات، مزودة بالمرافق كافة، يبلغ عددها سبعة مواقف يتسع كل موقف لأكثر من (15.000) سيارة ، كما قامت وزارة المواصلات بتوجيه من خادم الحرمين الشريفين بإنشاء جسر للجمرات في منى ، وإنارته ، الأمر الذي خفف على الحجاج مشقة شعيرة رمي الجمرات . يشعر بهذا ويذكره بالثناء والدعاء لخادم الحرمين الشريفين كل من يؤدي هذه الشعيرة دون عناء([45]).

ومن المشروعات التي نفذت في منطقة المشاعر المقدسة أيضاً؛ تظليل طريق المشاة الرابط بين المشاعر المقدسة، ومكة المكرمة ، رفقاً بحجاج بيت الله الحرام، وحماية لهم من وهج الشمس، وحرارة الجو بالمشاعر المقدسة ، حيث أمر خادم الحرمين الشريفين، بتظليل طريق المشاة من مزدلفة إلى المسجد الحرام ، وتزويده بالخدمــــات اللازمة، ويبلغ طــــول الطريق سبعة كيلو مترات، وعرضه ثلاثين متراً ، ويشتمل على جسرين طولهما (470)م وأربعة أنفاق بطول (1.830)م2 ، ويضم ألفين وستمائة وأربعين دورة مياه . وبلغت تكاليف المشــــروع (445) مليون ريال . وهناك طريق آخر للمشاة من منطقة الجمرات إلى المنطقــــة الشمالية لوادي منى وشعيبي منى الشماليين ، ومنطقة المعيصم . وقد اختـــصر هذا الطريـــق المسافة من غرب منى إلى شمالـــها ، ويبلغ طولــه (24.400)م وعرضه (15)م ، ويشتمـل على ثلاثة أنفاق مجموع أطوالها (126)م ، ويضم (390) دورة مياه ، وبلغت تكاليفه (150) مليون ريال . أما الكهرباء والصرف الصحي فقد قامت إدارة مشروع تطوير منى بتنفيذ عدد من شبكات الكهرباء ، ودورات الميــاه ، وخطــــوط الصرف الصحي في منطقــــة منى، بتكلفـــة إجمالية بلغت (264) مليوناً ([46]).

 ومن أحدث المشروعات التي أقامتها المملكة العربية السعودية، لحماية حجاج بيت الله الحرام ورعايتهم والمحافظة على سلامتهم، مشروع الخيام المقاومة للحريق لسكن الحجاج بمنى، والمشروعات المساندة له، فقد أمر خادم الحرمين الشريفين الملك فهد بن عبدالعزيز عام 1417هـ بتنفيذ هذا المشروع، وقد أزاح صاحب السمو الملكي الأمير عبدالله بن عبدالعزيز ولي العهد، ونائب رئيس مجلس الوزراء ورئيس الحرس الوطني الستار عن اللوحة التذكارية للمرحلة الأولى للمشروع، الذي تقيمه وزارة الأشغال العامة والإسكان ، الذي يتضمن المساكن، ووسائل السلامة، والإطفاء، والتكييف، والإنارة ، وقد أنجز من المشروع في هذه المرحلة (10.830) خيمة بمقاسات مختلفة تستوعب نصف مليون حاج([47]) ، ويتوقع الانتهاء من هذا المشروع قبل موسم حج عام 1420 هـ إن شاء الله تعالى . ومن الجدير بالذكر أن المشروعات العملاقة لتوسعة الحرمين الشريفين، والمشاعر المقدسة، علاوة على نزع الملكيات، وسفلتة الشــــوارع، وإقامة الجسور والأنفاق، قد بلغـــت تكاليفها الإجمالية، أكثر من (40) مليار ريال سعودي .

أما عن جهود المملكة في خدمة ضيوف الرحمن ، فهي لا تقع تحت الحصر بحال من الأحوال، فالمملكة في موسم الحج من كل عام، مجندة ملكاً وحكومة وشعباً، لخدمة ضيوف الرحمن ، فعدا توافر الطرق، ووسائل الاتصالات، والخدمات الهاتفية، والبرقية ، وكذلك المأوى، والسكن والخيام، والأغذية المختلفة بأسعار مناسبة، تجند أجهزة الدولة المختلفة من الوزارات والدوائر الحكومية جهودها لخدمة ضيوف الرحمن على مدار الساعة . منها على سبيل المثال، أجهزة وزارة الخارجية ممثلة في الإدارة القنصلية بديوان الوزارة التي توفد أعداداً كبيرة من الموظفين لتسهل منح تأشيرات الدخول للحجاج في السفارات خارج المملكة ، وكذلك أجهزة وزارة الداخلية المختلفة التي تسهر على أمن الحجاج وسلامتهم، وتسهيل أداء حجهم بيسر وطمأنينة ، وتسهيل مهمة استقبالهم من خلال إدارة الجوازات ، وكذلك أجهزة الحرس الوطني التي تقدم خدمات جليلة ملحوظة في موسم الحج، أمنية ،أم صحية أم مرورية . كما تقوم وزارة الصحة بتوفير الخدمات الصحية، من خلال المستشفيات والمراكز الصحية التي تقدم العلاج والدواء مجاناً ، وتضطلع وزارة الحج بتنظيم شؤون الحج، وتوفير التسهيلات اللازمة للحجاج بالتعاون مع أجهزة الدولة ، وتشرف وزارة التجــارة على توفير المواد التموينية، وسلامتها للمحافظة على صحة الحجاج ، وتقوم وزارة الإعلام بدور مؤثر في خدمة ضيوف الرحمن وتوعيتهم من خلال وسائل الإعلام المختلفة كالإذاعة، والتلفاز، والمراكز الإعلامية ، والصحف التي تصدر ملاحق خاصة في موسم الحج بعدد من اللغات . ولوزارة الشؤون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد دور مؤثر ، في توعية الحجاج، وإرشادهم إلى أمور دينهم في مسائل العقيدة، والشريعة، ومناسك الحج، وتوزيع الكتب الإسلامية بلغات متعددة تفيد الحاج، في معاشه ومعاده .

إن هذه الجهود العظيمة في مكة المكرمة، والمشاعر المقدسة، والمدينة المنورة، تظهر عظيم العناية، التي توليها المملكة العربية السعودية،انطلاقاً من رسالتها الإسلامية التي تأصلت في جانبها الإسلامي، من خلال أقوال ملوك هذه الدولة الفتية التي جعلت تلك الأقوال تترجم إلى أفعال حقيقة يشهد بها القاصي والداني ، كما سنعرض لذلك في المبحث الثالث من هذه الدراسة إن شاء الله تعالى .

 

المبحث الثاني: رعاية المملكة العربية السعودية الحجاج من الجانب السياسي :

تسعى المملكة العربية السعودية لتحقيق مصلحة الحجاج، ورعايتهم بما يكفل سلامتهم، وتيسير أمورهم وتوعيتهم ، وتهيئة الأجواء لهم، لأداء مناسكهم في راحة واطمئنان . من أجل ذلك سنت النظم التي تحدد مسؤوليات القطاعات المختلفة، عن الخدمات التي ينبغي تقديمها ، وشكلت اللجان المتعددة، من أجل تحقيق الهدف على أرقى المستويات ، وتطوير الخدمات عاماً بعد عام، من خلال الدراسة الشاملة للخطط المطبقة والتقارير المعدة بخصوص الإيجابيات والسلبيات([48]) ، فلكل وزارة ذات علاقة بشؤون الحج لجنة خاصة بالحج، تهتم عقب كل موسم بما تحقق من إيجابيات، وما برز من سلبيات غير مقصودة ، وتضع تخطيط منظم لموسم الحج القادم، يعالج السلبيات كافة ، بما يحقق خدمات أفضل لحجاج بيت الله الحرام([49]).

إن هذا الأمر يقوم على اهتمام المملكة العربية السعودية برعاية المسلمين، من خلال العلاقة الإسلامية ، وكذلك من خلال العلاقات الدولية، التي تربط المملكة العربية السعودية ودول العالم الإسلامي، والدول التي ترعى الأقليات الإسلامية ، وما يترتب على ذلك من مواثيق دوليه سياسية متعارف عليها بين دول العالم ، ولئن ظهر تأصيل الجانب الإسلامي في رعاية الحجاج في المملكة العربية السعودية في المبحث الأول من هذه الدراسة، فإن هذا المبحث سيبين تأصيل الجانب السياسي لرعاية الحجاج في المملكة العربية السعودية .

إن خدمة الحجيج وحمايتهم ، ليست فقط مسؤولية دينية عظيمة، أضطلعت بها المملكة العربية السعودية، وإنما هي أيضاً مسؤولية دولية كبرى ، فالعلاقات السياسية الدولية، تخضع إلى نظام قانوني واضح المعالم ينظم العلاقة بين أشخاص المجتمع السياسي الدولي، ويتمثل ذلك في القانون الدولي الذي هو: جملة من القواعد التنظيمية الملزمة ، تحكم تصرفات الدول في النظام السياسي الدولي فتكسبها حقوقاً ، وتفرض عليها التزامات ، وتقرر هذه القواعد مسؤولية الدول عند مخالفة الالتزامات المفروضة عليها([50]) .

وتعرف الدولة في القانون الدولي: بأنها مجموعة من الناس تحكمهم سلطة سياسية، ويعيشون في أقليم محـــدد([51])، وتنشأ الحكومة نتيجة لعجز الأفراد عن الدفاع عن أنفسهم ضد عدوان الآخرين، ما لم يلتمسوا الحماية من سلطة قوية ، وأهم واجبات الحكومة، هو إقامة السلطة على الأفراد المحكومين لتمكنهم من الاحتفاظ بعلاقة بينهم تحفظ حقوقهم ، وتتمتع الدول في المجتمع السياسي الدولي، بالسيادة في صدور أحكام القانون الدولي، وبالاستقلال السياسي، بعضها من بعض ، مع وجود علاقات ترابطية متعــددة تكفل تحقيق المصالــح المشتركة بينهـــا، وتبادل المنافع المشروعة. والدولة لا تكون وحـــدة إقليمية وسياسية تتمتع بالسيادة واعتراف القانون، مخاطبة بأحكام القانون الدولي ، إلا إذا قامت بتحقيق الأهداف التي أنشئت من أجلها، وهي حفظ الأمن والاستقرار ، وتحقيق الرفاهية لكل من يعيش داخل نطاق إقليمها، من المواطنين والمقيمين والزوار .

وقد تطورت التزامات الدول تجاه مواطني الدول الأخرى ، المقيمين على إقليمها، نتيجــة لنمو العلاقــات بين الدول ، والاتصال بين الشعوب ، واستقرار فكرة التضامن بينها . وجرى العرف بين الدول، على أن تلتزم نهجاً معيناً، في معاملة أولئك المقيمين على إقليمها، من غير مواطنيها القادمين إليها، لأي غرض من الأغراض، فلا تستطيع أن تخالف أي التزامات من غير التعرض لتحمل تبعة المسؤولية الدولية . وقد قرر القانون الدولي أن يتمتع كل مقيم على إقليم دولة غير دولته بقدر من الحقوق ، أهمها حمايته وتحقيق الأمن والاستقرار والسلامة له ؛ إذ يعد الأمن من أهم الركائز الأساسية التي تمنح في النظـــام السياسي الدولــــي الشرعية الدوليــة للبلدان والشعوب والأمم ؛ لأنه – أي الأمن – الأساس في تحقيق الرخاء، والتقدم والرفاهية للمواطنين والمقيمين على إقليم الدولة ، وعنصر مهم من عناصر سلامة المجتمع ،وله أثر كبير على الفرد والأمة .

وينطلق تعامل المملكة العربية السعودية مع الوافدين لزيارة الأماكن المقدسة، في أيام الحج، وغيرها من أوقات الزيارة مما قررته الشريعة الإسلامية ، وقد أوضحناه في المبحث السابق ، والقانون الدولي يتوافق في ذلك مع الشريعة الإسلامية في هذا الصدد، وهو ما عقدته المملكة ، والتزمت به من اتفاقات دولية مع الدول الإسلامية وغير الإسلامية([52]).

 يقول الشيخ حسنين محمد مخلوف – رحمه الله تعالى –: " أسس عبدالعزيز مُلكاً يتضمن شعاره كلمة التوحيد الخالص ، وأساسه إعزاز الإسلام ، وأهدافه إسعاد الأمة التي لبثت دهوراً ترزح تحت أثقال الظلم والجبروت، وتعاني أقسى الشدائد، وشر ضروب الفوضى، بل عمل على إسعاد المسلمين الوافدين، من أقطار المعمورة لزيارة بيت الله المعظم، وحرم رسوله الأعظم e، وتأمين السابلة، في جميع أنحاء المملكة العربية السعودية، تأميناً منقطع النظير، في جميع ممالك العالم، حتى أصبح مضرب الأمثال وعنوان الملك العادل "([53]).

ويقول الأستاذ محمد أبو النجا: " ظل ابن السعود يحارب على جمله ثلاثين سنة، ما عرف للراحة طعماً، حتى بنى ملكه، وثبت أركانه بحد سيفه، وقضى على الفتنة، وأشاع الأمن بين ربوع نجد والحجاز ، كنت أسمع وأنا صغير أن المتوجه لحج بيت الله وروضة رسوله يعد أكفانه بين طيات زاده ويترك وصيته، ويودع الأهل والصحاب؛ خشية عدم رجوعه، أما اليوم فقد أصبح السفر لتأدية فريضة الحج، رحلة ممتعة تحفها أسباب الطمأنينة والأمان "([54]).

وهكذا كان الأمن، ولا يزال، وسيظل – بمشيئة الله تعالى –أهم الركائز التي يقوم عليها منهج المملكة العربية السعودية في رعاية المواطنين والوافدين،خصوصاً الحجاج والزوار والعمار ،ولقد حدد خادم الحرمين الشريفين الملك فهد بن عبدالعزيز في خطابه للشعب السعودي بمناسبة صدور النظام الأساسي للحكم ذلك بقوله:" أن يظل الحرمان الشريفان مطهرين للطائفين والعاكفين والركع السجود – كما أرادهما الله – بعيدين عن كل ما يحول دون أداء الحج والعمرة، والعبادة على الوجه الصحيح، وأن تؤدي المملكة هذه المهمة ، قياماً بحق الله وخدمة الأمة الإسلامية([55]).

وثبت هذا المنهج في النظام الأساسي للحكم في المملكة العربية السعودية ؛ إذ تشير المادة الرابعة والعشرون إلى ما نصه : " تقوم الدولة بإعمار الحرمين الشريفين، وخدمتهما، وتوفر الأمن والرعاية لقاصديهما، بما يمكن من أداء الحج والعمرة، والزيارة بيسر وطمأنينة "([56]).

كما أشارت المادة السادسة والثلاثون إلى أنه يجب أن " توفر الدولة الأمن لجميع مواطنيها، والمقيمين على إقليمها "([57]).

إن ما تقوم به المملكة يتعدى ما قرره القانون الدولي من حقوق، لجميع أولئك الوافدين من اعتراف بالشخصية القانونية ، والاعتراف بحقوقه المكتسبة في داخل إقليمها والاعتراف له بحق التقاضي، وتوفير الحماية له في داخل إقليمها ،من التعرض لأي نوع من الأذى ، فكل مقيم في المملكة تحق له حماية الدولة شرعاً وديناً، ويحافظ عليه من الاعتداء، ويدفع الأذى عنه([58]).

وتعد المملكة العربية السعودية حماية أمن الحرمين الشريفين، والوافدين إليهما من الدول الإسلامية وغيرها للحج والزيارة أمانة عظيمة في عنقها، وتستشعر أن جميع المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها يتطلعون إليها حامية لهذين الحرمين ، وما يترتب على ذلك، من تسهيل لأداء فريضة الحج ومناسك العمرة والزيارة، لكل مسلم ومسلمة ، وأن ذلك يضع على عاتقها مسؤولية عظيمة في بذل كل الجهود، في سبيل راحة حجاج بيت الله الحرام، وتنظيم أداء مناسك الحج، وأمن الحجاج والمعتمرين ، وسيرهم وتنقلاتهم . ويعلم كثير من المسلمين في دول العالم، سعي الأعداء لبسط الذعر والفوضى، والجرائم في ربوع المسلمين، وعلى الأخص في مكة المكرمة، والمدينة المنورة، والمشاعر المقدسة، والطرق الموصلة بينها، ولكن الله مكن لآل سعود في الأرض، يقول محرر مجلة المنار المصرية معلقاً على بيان الملك عبدالعزيز عن أمان الحج في مقال بعنوان (الحج في هذا العام 1343هـ ودسائس الإنجليز) : " كان للدول المستعمرة المسيطرة على الشعوب الإسلامية غرض واحد من السعي لمنع الحج، هو معروف لكل المسلمين بسياسة الاستعمار ، فصار لهم في هذا العام غرضان ثانيهما أن لا ترى شعوبهم إدارة إسلامية صالحة في حرم الله – عز وجل – كإدارة السلطان عبدالعزيز آل سعود ، فيحدث لهم أمل جديد في حكومة إسلامية عادلة مستعدة لأن تكون دولة قوية تقدر أن تنقذ الحرمين الشريفين من وقوعهما تحت سيطرة الاستعمار .

فمنذ أن أذاع السلطان عبدالعزيز منشوراً في الدعوة إلى أداء فريضة الحج نشر في جريدة أم القرى المكية ، ووزعت منه نسخ مستقلة كثيرة في مشارق العالم الإسلامي ومغاربه ، ونشر في أشهر صحف مصر، وسورية، والهند، وجاوه، وغيرها من الأقطار ، ذكر فيه أمن الطريق، وفتح ثلاث من ثغور الحجاز، لنزول الحجاج فيها ، القنفذة والليث، في جنوب جدة، ورابغ في شمالها ، طفق الأجانب يدسون الدسائس، ويثيرون الهواجس والوساوس لتخويف المسلمين من سبيل الحج"([59]).

ولكن مشيئة الله ونصره لعباده الصالحين وفقهم لتأكيد العمل على تحقيق المبادئ الدولية، كما يتضح في أقوال ملوك المملكة العربية السعودية وأفعالهم، منذ عهد الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود – رحمه الله – حيث قال : " لقد حكمت هذه البلاد حكومات قوية ولكنها لم تقدر على تأمين الطريق ، أما اليوم فالأمن سائد في طــــول البـــلاد وعرضها ، قد لمستمــوه بأيديكم ، وهذا من فضـــل ربي علينا ، ونحن لا نقول هذا للافتخار ، وإنما للإشارة إلى أننا –أنا وأسرتي وشعبي وجندي– جند من جنود الله، يسعى لخير المسلمين، ولتأمين راحة الوافدين إلى بيت الله الحرام ، { وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى }" ([60])، كما يؤكد الملك عبدالعزيز – رحمه الله – على حقوق المسلمين لدى دول العالم المستعمرة، والحفاظ عليها أسوة بما تفعله المملكة العربية السعودية في رعاية المواثيق، بحق الإسلام، ثم بالمواثيق الدولية، فيقول: " إن لنا في الديار النائية إخواناً من المسلمين والعرب نطلب مراعاتهم، وحفظ حقوقهم ، فإن المسلم أخو المسلم، يحن عليه كما يحن على نفسه في أي مكان كان"([61]).

وفي أقـــوال جميلــة تعكس عمق الإدراك الواعي للمواثيق الدولية يقول الملك عبدالعزيز : " إن للدول الأجنبية المحترمة علينا حقوقاً ، ولنا عليهم حقوق ، لهم علينا أن نفي لهم بجميع ما يكون بيننا وبينهم من العهود { إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولاً }. وإن المسلم العربي ليشين بدينه وشرفه أن يخفر عهداً ، أو ينقض وعداً ، وإن الصدق أهم ما نحافظ عليه ، إن علينا أن نحافظ على مصالح الأجانب ومصالح رعاياهم المشروعة ، محافظتنا على أنفسنـــا ورعايانا ، بشرط أن لا تكون المصالح ماسة باستقلال البلاد الديني والدنيوي ، تلك حقوق يجب علينا مراعاتها واحترامها ، وسنحافظ عليها ما حيينا إن شاء الله تعالى "([62]). وفي العبارات التالية يحدد الملك عبدالعزيز أساس منهجه في العلاقات الدولية ، وانحيازه التام والحاسم ليس لمصالح المملكة فحسب ولكن لما فيه صالح الإسلام والمسلمين ، وما يساعدهم على أدائهم لشعائرهم فيقول : "ففيما يتعلق بهذه الديار نطلب منهم أن يسهلوا السبل إلى هذه الديار المقدسة، للحجاج والزوار والتجار والوافدين ، ثم إن عليهم حقاً فوق هذا كله، وهو أهم شيء يهمنا مراعاته ، فذلك أن لنا في الديار النائية والقصية إخواناً من المسلمين ومن العرب ، نطلب مراعاتهم وحفظ حقوقهم ، فإن المسلم أخو المسلم يحنو عليه كما يحنو على نفسه في أي مكان كان، وإني أؤكد لكم بأن المسلمين عموماً ، والعرب خصوصاً كالأرض الطيبة كلما نزل عليها المطر نبتت نباتاً حسناً . وأن المطر الذي نطلبه هو الأفعال الجميلة، من الحكومات التي لها علاقة بالبلاد التي يسكنها إخواننا من العرب والمسلمين ، وإن الأرض الطيبة ، هم المسلمون عامة والعرب خاصة ، ولي الأمل الوطيد في أن الحكومات المحترمة، ذات العلاقة بالبلاد الإسلامية والعربية لا تدخر وسعاً في أداء ما للعرب والمسلمين من الحقوق المشروعة في بلادهم ، أسأل الله أن يجعل أفعالنا أصدق من أقوالنا ، وأن يوفقنا وإياكم لما فيه الخير والصلاح"([63]).

وتأصيلاً للجانبين الإسلامي والسياسي فيما يتعلق بحقوق الحجاج الدينية والسياسية أصدر الملك عبدالعزيز – رحمه الله – أمراً في 23 المحرم عام 1347 هـ لتحقيق حق رعايــــة الحجاج، وجاء فيه: " نحن –عبدالعزيز بن عبدالرحمن الفيصل آل سعود –بناء على كثرة الشكاوى التي تقدمت إلينا من الحجاج ضد المطوفين سواء منها ما يتعلق بتقصيرهم في الواجبات الملقاة عليهم إزاء الحجاج أو ما يتعلق بتقصيرهم في أداء المناسك وتجاوزهم الحد المشروع أمرنا بما هو آت:

المادة الأولى : تؤسس في مكة مدرسة للمطوفين يتلقى فيها المطوفون ونوابهم ما يأتي:

أولاً: علم التوحيد .

ثانياً: القسم الخاص بالعبادات .

ثالثاً : القسم الخاص بالمناسك وأدائها حسب ما دونه علماء السلف والأئمة الأربعة رضوان الله عليهم .

رابعاً : ما يجب على المطوفين لحجاج بيت الله الحرام من حسن الوفادة وتسهيل وسائل الراحة .

خامساً : النظامات الإدارية الموضوعة للحجاج .

المادة الثانية :   مدة الدراسة في المدرسة المذكورة سنة واحدة ، ويُجرى الفحص في نهاية السنة الدراسية ، وتُعطى الشهادات للناجحين .

المادة الثالثة :   اعتباراً من سنة 1348هـ لا يجوز لغير حاملي شهادة المدرسة المذكورة الاشتغال بمهنة التطويف([64]).

المادة الرابعة :   على نائبنـــا تنفيــذ أمرنـــا هــذا . صدر بالطائف بتاريخ 23 المحرم 1347هـ" .

إن هذا النهج الذي سار عليه الملك عبدالعزيز – رحمه الله تعالى – يتسم بالثبات لقيامه على أصول راسخة ؛ ولذا فقد راعى ذلك خلفه المبارك فكان الأمن ورعاية الإسلام في مقدمة الهموم التي حملها الملك سعود – رحمه الله – في عهد ولايته على المملكة العربية السعودية، فهو يقول :" المسلمون إخواننا أينما حلوا، ونزلوا، والعرب أهلونا، أنى ارتحلوا، وحيث كانوا، نسعى لخيرهم جميعهم، وفي سائر الميادين ، وقد علم القاصي والداني، الشعور المشترك بيننا، وهذه العزيمة التي صممنا على السير فيها، من أجل ذلك نرجو من الله أن يعين الجميع، ليرجع للمسلمين عــزهم وسؤددهــم، وللعرب أوطانهم وبلادهم"([65]).

ولقد كان الملك فيصل – رحمه الله – دارساً واعياً للتاريخ والأحداث ، إذ أثر الفكر الإسلامي فيه عن العالم والنظام الدولي على رؤيته السياسية للعالم ، وعلى تطوير نظرته في العلاقات الدولية ، وفي حسبانه أن للسياسة الخارجية للمملكة العربية السعودية سلاحاً دينياً قوياً تستجيب له تغيرات العالم المعاصر ، ولقد أوضح الملك فيصل في أكثر من مناسبة أهمية التمسك بالإسلام ؛ لأنه الأمن والأمان ، وكشف بواعث معارضة الدول الكبرى لدعوة التضامن الإسلامي ، وأمن البلاد الإسلامية ، ومنها المملكة العربية السعودية التي تلتزم بشريعة الإسلام، ثم المواثيق الدولية ، وأن الدول الأخرى لا هم لها إلاّ الهيمنة، والسيطرة على الأمة الإسلامية ، فيقول الملك فيصل: " إنما تفعل ذلك ؛ لأنها تعلم أن الإسلام دين الإخاء ، ودين السلام ، دين المحبة ، دين المساواة، ولأن الأطماع الاستعمارية تريد أن تتغلب على الشعوب، وأن تحكمها بشتى الطرق "([66]). وفي المؤتمر الإسلامي الكبير الذي عقد في مكة المكرمة يوم السبت الخامس عشر من ذي الحجة في عــام 1384هـ يدعو الملك فيصل الأمة الإسلامية إلى التعاون والحفاظ على الأمن حيث قال :" إخواني الكرام إن المسلمين اليوم يتعرضون لامتحان لم يسبق له مثيل في التاريخ ، كان المسلمون في العهد الماضي يجاهدون ، ويكافحون أعداء بارزين ، ولكننا اليوم أيها الإخوة ابتلينا ببعض المحن التي نبعت من المسلمين أنفسهم ، فالواجب علينا أن نعالج أدواءنا ، وأن ننظر في أمورنا ، وأن نتخذ من الفرصة التي –هيأها الله –تعالى للمسلمين ، وهي فرصة الحج إلى بيت الله الحرام كل سنة منطلقاً للنظر في شؤوننا ، وتعقب أداوئنا وإصلاح أمورنــــا ، والتفقه في ديننــــا ، والقيام بكل ما أوجبــــه الله علينـــا ، لخدمة أمتنا "([67]).

ورعاية للحقوق الإسلامية، والمواثيق الدولية، وبنظر السياسي الماهر ، يتحدث الملك فهد بن عبدالعزيز آل سعود في الكلمة التي وجهها إلى ضيوف بيت الله الحرام عام 1410هـ ، وعن أهمية الالتزام بحق قدسية الحرمين، وحق المسلمين فيها، وحقوق الحجاج الدولية، فيقول :" لقد منّ الله على المملكة العربية السعودية بوجود الحرمين الشريفين في أراضيها ، وأصبحت مسؤولـــة عنهما بحكم ولايتها عليهما، وهو شــرف لا يطاوله إلا شرف مكانة وموقع هذين الحرمين في نفوس المسلمين جميعاً ؛ ولأننا نعد خدمتهما وصونهما والمحافظة على أمنهما جزءاً لا يتجزأ من واجبات ومسؤوليات المملكة العربية السعودية ، كما أن البعد بهما عن أن يكونا مجالاً لتفريغ الصراعات السياسية ، أو تعريضها إلى مخاطر لا يرضى الله ورسوله عنها ، فقد كان لزاماً علينا والحالة هذه أن نتخذ من الإجراءات ما أجمع العالم الإسلامي كله قادة وزعماء ورؤساء ، ومراكز ومنظمات وجمعيات ومؤتمرات إسلامية ، ومفكرين ومصلحين على تأييد المملكة العربية السعودية فيها ، ولكن ما يسعدنا حقاً، وما ننظر إليه على أنه واجب ، وما نعتبر أنه مسؤولية نؤديها ابتغاء مرضاة الله ، ورغبة في خدمة حجاج بيته الحرام ، هو إكرام الله لنا بتوسعة الحرمين الشريفين ، والساحات المحيطة بهما ؛ لأننا ندرك مدى الصعوبات التي تواجه الكثافة البشرية المتنامية عاماً بعد عام من الحجاج، بسبب سهولة المواصلات ، وتحسن الظروف الاقتصادية، وتأمين كل متطلبات الحج والحجاج في الأراضي السعودية ، كل ذلك يلقي على المملكة العربية السعودية ، المؤتمنة على مقدسات المسلمين ، مسؤوليات جمة وواجبات كثيرة يحسن أن يفهمها الآخرون على حقيقتها ، وبعيداً عن التفسيرات الخاطئة والمغايرة لأهدافها الحقيقية والمعلنة ، ومع ذلك فالمملكة العربية السعودية، وهي تجد التجاوب والتعاون من كل الدول الإسلامية، ينبغي أن يعلم أنها لا تبطن غير ما تظهر ، كما أنها لا تقبل المجازفة بحقوق حجاج بيت الله الحرام على حق آخرين منهم ، وهي على استعداد لأن تبقي الباب مفتوحاً ، وصولاً إلى الضمانات التي تكفل أداء الحجاج مناسكهم بعيداً عن كل ما يعكر صفو عبادتهم ، أو يقطع عليهم انقطاعهم وتفرغهم للذكر والدعاء والاستغفار . فالمملكة العربية السعودية تؤكد مجدداً أنها تمارس حقها الطبيعي في السيادة والأمن ، وتعلن أنها ترفض أي شكل من أشكال الضغوط والمساومات أو المزايدات ، إزاء التفريط في أمن الحرمين الشريفين ، وأمن حجاج بيت الله الحرام ، وقد باتت مسؤولة عنهما منذ أكثر من ستين عاماً ، شهد خلالها كل مسلم متجـــرد عن الغرض والهــوى، أن المملكة وسعت الطرق والمسالك في المشاعر المقدسة ، وشقت الأنفاق وأقامت الجسور، وأنشأت الكباري، وأوصلت المياه، وهيأت الإمدادات التموينية، وأعدت المرافق الصحية ، ووضعت شبكة اتصالات عالمية، وطورت القدرة الاستيعابية لأجهزتها الإعلامية ، كل ذلك وغيره خدمة لحجاج بيت الله الحــرام"([68]).

إن المملكة – انطلاقاً من مسؤولياتها والتزاماتها الدينية والدولية – ترى أنه من الضروري التعامل بحزم وجدية مع كل ما يتعلق بقضية أمن الحجاج ، وتعد أن مسؤوليتها عن أمن الحجيج مسؤولية كاملة ومانعة ، وأن أي إهمال أو إغفال لتلك المسؤوليات والالتزامات يترتب عليه تعريض حياتهم للخطر ، أو يؤدي إلى عدم قدرتهم على أداء فريضتهم على أكمل وجه ، مما يؤدي إلى تعرض المملكة إلى المساءلة الدولية بسبب إخلالها بالتزاماتها الدولية التي تحافظ عليها منذ مائة عام سيراً على هدي الشريعة الإسلامية ونور العقيدة الإسلامية بحمد الله وفضله، وإننا في الصفحات الآتية سوف نلقي الضوء على الأجهزة المختلفة التي تجندها المملكة العربية السعودية لرعاية الحجاج من الجانب السياسي لبيان تأصيل هذا الجانب .

أولاً: وزارة الخارجية :

إن علاقة الهيئات والمؤسسات والوزارات الحكومية والأهلية المعنية بشؤون الحج في المملكة العربية السعودية، مع نظائرها في الدول الأخرى تبدأ من وزارة الخارجية ؛ إذ من خلال سفارات خادم الحرمين الشريفين تفتح قنوات التواصل مع الحجاج، من خلال تعليمات الحــج ، والتوعية بمناسك الحج الصحيحة ، وأمور الأمن والسلامة ، ومراعاة القواعد الصحية ، وما يجب أن يعلمه الحاج من نواح تنظيمية ، إذ تتلقى السفارات والممثليات السعودية في الخارج جميع النشرات، والتعليمات، والتوجيهات، التي يحتاج إليها الحاج في رحلته للحج، بدءاً من ترتيب سفره، حتى نهاية حجه، وعودته إلى وطنه ، وتقوم بإرسالها إلى الجهات والمؤسسات ذات العلاقة في الدولة المضيفة ، كما تقوم بتوزيعها على جميع الذين يرغبون في أداء الفريضة ، ومن أهم مسؤوليات السفارات والممثليات السعودية في الخارج، هو منح تأشيرات الحج والعمرة لكل الراغبين في ذلك دون استيفاء أي رسوم مقابل ذلك ، وتلك هي أمنية الملك عبدالعزيز منذ أن وحد الجزيرة العربية ، وأمن طرق الحج ، ورعى الحرمين الشريفين .

ففي عام 1358هـ أشادت مجلة المنهل باهتمام الملك عبدالعزيز بأمور الحج والحجاج موضحة عناية الحكومة السنية بالحجاج حيث أوضحت أنه " نظراً للظروف الحاضرة، ورغبة من حكومة جلالة الملك المعظم في تسهيل السبيل للمسلمين، قررت تنزيل 25 في المائة من عموم الرسوم، والأجور، والعوائد، التي تحتوي عليها التعرفة، وأعلنت أن طريق الحج مفتوح الأبواب لكل الوافدين، سواء من جهة البحر الأحمر، أو جهة الخليج"([69]). وتشجيعاً للمسلمين في أداء فريضة الحج بسهولة ويسر أصدر الملك عبدالعزيز – رحمه الله – في شهر رمضان عام 1371هـ أمره الكريم بإلغاء رسوم الحج، وجاء فيه: " بعد الاعتماد على الله فقد أمرنا بإلغاء الرسوم التي تؤخذ على الحجاج باسم رسوم الحج اعتباراً من هذا العام ، من أخذ منه عن هذه السنة يرجع له ، أما ما يتعلق بالخدمات الخاصة للحجاج من أجور مطوفين وتنقلاتهم ومنازلهم وما يتبع ذلك تجري حسب العادة هذه السنة ، وفي المستقبل يرتب الأمر بين الحجاج وأهل تلك الخدمات حسبما يصير عليه الاتفاق ، نسأل الله أن يجعل هذا مساعداً للمسلمين لأداء هـــــذا الركن من أركان الإسلام "([70]).

وكانت رسوم الحج باهظة ورثها الملك عبدالعزيز – يرحمه الله – ضمن ما ورث من مشكلات ، وكان يقول: " أمنيتي في حياتي أن أسقط عن المسلمين رسوم الحج " . وعندما صدر أمره المبارك طلب من الشيخ يوسف ياسين أن يبرق الى وزير المالية عبدالله السليمان، ويبلغه أمره بإعفاء الحجاج من الرسوم ، وجاء عبدالله السليمان إلى الملك عبدالعزيز قائلاً يا طويل العمر : ثلاثون مليون ريال من أين أعوضها للميزانية ؟ فأجابه  " دبِّر نفسك "([71])، ومن ذلك التاريـــخ صدرت إرادة جلالة الملك عبدالعزيز – رحمه الله – بأن الحكومة لا تتوسط في استحصال شيء من النقود المستحقة على الحجاج لقاء الخدمات التي يقوم بها المطوف وغيره ، وأن يترك هذا بين الحجاج وأهل الخدمات الذين يقومون بخدماتهم على حسب المقرر والمعتاد من قبل . ولقد كان لهذا القرار العظيم أثر حسن، وقبول عظيم في جميع البلدان الإسلامية في أنحاء العالم، واستمر الملك عبدالعزيز يدعو إلى التضامن الإسلامي، والوحدة الإسلامية، وأمام سمع التاريخ وبصره تبنى الملك عبدالعزيز –رحمه الله – الدعوة إلى الأخوة الإسلامية والوحدة الإسلامية من منطلق العقيدة الإسلامية خصوصاً في مواسم الحج، وهي الدعوة التي تبناها فيما بعد أبناؤه من بعده وساروا على النهج نفسه الذي حدد ملامحه الراحل الملك عبدالعزيز .

ومع هذا الاهتمام بضيوف الرحمن وتسهيل السبل للحج فإن بعض المرجفين روجوا بعض الادعاءات في عهد الملك فيصل رحمه الله ، منها أن المملكة العربية السعودية تفرض رسوماً على الحجــاج، وقد دحضت هذه الافتراءات، في بيان لوزارة الخارجية جاء فيه : "أكد مصدر مسؤول في وزارة الخارجية، لوكالة الأنباء السعودية بأنه لا صحة إطلاقاً للإشاعات التي روجت في الخارج، حول ما زعم من أن المملكة العربية السعودية، تستوفي أو تطالب بضرائب، أو رسوم على الحجاج ، وقال بأن العوائد التي يدفعها الحجاج، هي عوائد يتقاضاها أرباب الخدمة الخاصة، والأدلاء والزمازمة لقاء خدماتهم للحجاج ، وإن وزارة الخارجية، تبعث قبل حلول كل موسم بالتعليمات، والنشرات الخاصة بالحج، لجميع ممثليات جلالته في الخارج، وللبعثات الدبلوماسية ، تؤكد فيها بعدم وجود أية ضرائب، أو رسوم على الحجاج ، وأن هذه التدابير منبثقة من سياسة المملكة الثابته التي تبذل في سخاء في سبيل السهر على راحة الحجاج وطمأنينتهم ، كما شاهد ذلك ولمسه، جميع من أدوا الفريضة في الأعـــوام الماضيـــة ، ومن جـــاء لتأديتها في هذه السنة"([72]).

 ومن المعلوم أن المملكة العربية السعودية تسعى لمساعدة كثير من أبناء الأمة الإسلاميــــة ماليـــاً دون منة أو أذى، ففي عام 1390هـ أصدر الملك فيصل – رحمه الله – أمراً بإعفاء الحجاج اليمنيين، من رسوم المطوفين وأجور السـيـارات انطلاقاً من مبدأ التعاون بين المملكة واليمن([73])، وفي عام 1392 هـ أمر الملك فيصل بصرف بدل إعاشة يوميه لحجاج نيجيريا، الذين لم يتمكنوا من السفر إلى بلادهم بسبب حادث الطائرة الأردنية الذي تسبب في إغلاق مطار (كانو) لعدة أيام([74])، وما ظنك ببلد ينفق المليارات، على توسعة الحرمين الشريفين والمشاعر المقدسة وعمارتها ، هل يسعى للبحث عن بضعة ريالات من رسوم الحج ؟ .

وشعوراً بالمسؤولية الدولية الملقاة على عاتقها سعت المملكة العربية السعودية، إلى تحديد نِسَبِ عدد الحجاج الوافدين لأداء هذه الفريضة، من كل دولة إسلامية، لحماية الحجاج وحرصاً على سلامتهم؛ نظراً لمحدودية الزمان، ومحدودية المكان ، ورغبة في إعطاء الحجاج الفرصة في أداء مناسكهم براحة واطمئنان، فطبيعة المعوقات الجغرافية في منطقة المشاعر، واقع لا يمكن إغفاله ، والمملكة من منطلق المسؤولية الكاملة واحتراماً لقدسية المكان والزمان ، ولأهمية الحفاظ على سلامة هؤلاء الحجاج ، فإنها تجند جميع أجهزتها بشتى تخصصاتها، ومجالاتها خلال موسم الحج ، وقامت بتنفيذ أكبر توسعة للحرمين الشريفين ، والعناية بالمشاعر المقدسة، وتنفيذ مشروعات تطوير الخدمات، والمرافق ليتمكن أكبر عدد ممكن من الحجاج، من القدوم لأداء فريضة الحج ، ولكن تظل المعوقات الطبعية، والالتزام بتعاليم الشرع لا يمكن تجاوزها ؛ ولذا كان لا بد للمملكة من وضع الضوابط والتنظيمات الضرورية، حتى لا يتحول موسم الحج إلى فوضى وعدم استقرار، ولا يأمن الحجاج على أرواحهم، وأموالهم، وأعراضهم، كما كان الحال في الماضي ، وبذلك يتجرد الحج من أهم غاياته، وهي الأمن فيه والأمن به ، وأن ينصرف الحجاج آمنين مطمئنين لأداء مناسكهم .

إن فتح الأبواب للأعداد المتزايدة من الحجاج من دون ضوابط أو تنظيم، يتيح الفرصة لمن يريد استغلال ذلك لإثارة الفتن، وترويع الآمنين، وحرمانهم من أداء مناسكهم ، كما أنه يؤدي إلى الانحراف بموسم الحج عن معناه الروحي وهدفه، لكونه أحد أركان الإسلام الخمسة، إلى شيء من المهاترات والمنازعات والفوضى ، وقد أيد جميع وزراء الدول الإسلامية في مؤتمرهم السابع عشر الذي عقد في عمَّان، بالمملكة الأردنية الهاشمية عام 1408هـ جميع الإجراءات التي أتخذتها المملكة بتحديد نسبة معينة للحجاج، كما أكد المؤتمر على ضرورة تحديد نسب الحجاج، على أساس عدد سكان كل دولة ، كما هو مبين في نص القرار، وهو: "إن المؤتمر الإسلامي السابع عشر لوزراء الخارجية، المنعقد في عمان بالمملكة الأردنية الهاشمية، خلال المدة من 3 ــ 7 شعبان 1408هـ / 21–25 آذار /مارس 1988م . انطلاقاً من مبادئ ميثاق منظمة المؤتمر الإسلامي، وأهدافه التي نصت على احترام شهادة كل عضو، وعلى تعزيز التضامن الإسلامي، والتعاون في كل ما من شأنه خدمة الإسلام والمسلمين، وإذ يأخذ في الاعتبار حرص حكومة المملكة العربية السعودية، على تسهيل أداء فريضة الحج، ومناسك العمرة والزيارة، لكل مسلم ومسلمة ، وما تبذله من جهود في سبيل تنظيم أداء مناسك الحج، وإقامة الحجاج، والمعتمرين وسيرهم وتنقلاتهم ، وبعد الاطلاع على المذكرة التي تقدمت بها حكومة المملكة العربية السعودية والمتضمنه شروعها في خطط حديثه، وبرامج ومشروعات لتوسعة الحرمين الشريفين، وتطوير وتحسين مباني سكن الحجاج ، وإزالة بعض المنشآت القديمة ، وإقامة منشآت جديدة ، وتأمين الأجهزة والمؤسسات والهياكل التنظيمية اللازمة لذلك ؛ وإذ يقر بأن استضافة وتيسير وتسهيل انسياب الحجاج، يستلزم تنظيم جموع الوافدين من مختلف أصقاع الأرض، بما يؤمن حاجتهم من الخدمات التي توفرها لهم الأجهزة المختصة في المملكة العربية السعودية، بصورة تتناسب مع الواقع المكاني، لمناسك الحج والعمرة :

1 – يؤيد الإجراءات التي ستتخذها المملكة العربية السعودية، بتحديد نسبة معينة للحجاج، تتمثل في نسبة حاصل تقويم عدد سكان الدولة، على عدد المسلمين في العالم .

2 – ويطلب من كل الدول الأعضاء في منظمة المؤتمر الإسلامي، التعاون مع حكومة المملكة العربية السعودية في كل ما من شأنه تنفيذ الإجراءات الملائمة لذلك، بما يكفل حق تكافل الفرص بين جميع الحجاج، وتأمين أداء مناسكهم، وتوفير جميع وسائل الراحة لهم "([75]).

ولهذا فإن وزارة الخارجية، ممثلة في سفارات المملكة العربية السعودية في الخارج، تراعي التنظيمات الدولية في منح التأشيرات الخاصة بالحجاج، وتنظيم ذلك بما يكفل حق كل حاج ، وأن مبدأ تحديد نسب الحجاج، هو تحقيق لتكافؤ الفرص بين جميع أبناء الأمة الإسلاميـــة، في تأمين أداء هذه الشعيرة بسهولة ويسر، مع توفير جميع الخدمات الضرورية ، مما يتيح للمملكة العربية السعودية أيضاً الفرصة، لتقديم أفضل الخدمات لضيوف الرحمن، كما هو واقع ملموس والحمدلله ، وقرار تحديد النسب هو قرار تنظيمي، ساعد على رفع مستوى الخدمات المختلفة، التي تقدم لحجاج بيت الله الحرام .

ثانياً: وزارة الداخلية :

وتأتي في مقدمة القطاعات العاملة في مجال الحج فهي من الوزارات المسؤولة عن التخطيط والتنفيذ في مواسم الحج ، وتتكفل الوزارة توفير الأمن والسلامة، خلال موسم الحج، وذلك من خلال قطاعاتها المختلفة ، وكذلك استقبال الحجاج وتوديعهم، على المنافذ الجوية، والبرية، والبحرية كافة ، وتنظيم حركة المرور في مكة المكرمة، والمدينة المنورة، والمشاعر المقدسة ، وتهتم الوزارة بأداء مستوى عالٍ، من الخدمات لتوفير الأمن، والطمأنينة الشاملة للحجاج، كي تنصرف جوارحهم، وتتفرغ مشاعرهم، لأداء المناسك بكل هدوء بالتنسيق، والتعاون، مع القطاعات الأخرى([76]). فمع بداية موسم كل حج، يصبح موضوع الأمن – أمن الحج – في مقدمة الاهتمامات، لحفظ أمن ما يزيد على مليوني نسمة، يحتشدون في بقعة من الأرض المقدسة، محدودة المساحة . وهنا يكون النجاح في حفظ الأمن، في هذه المساحة المحدودة، من الأرض المقدسة ورعاية ضيوف الرحمن، أشبه ما يكون بالمعجزة، التي تدعو للإعجاب والتقدير([77])، وتدل على مدى القدرة والمهارة، والخبرة، التي تتمتع بها حكومة المملكة العربية السعودية، في أداء هذه المسؤولية العظيمة، وتوفير الرعاية، والأمن، لكل من جاء إلى الحج، أو العمرة أو الزيارة، على مدار العام ، حيث الراحة، وتوفير الخدمات الإدارية، والأمنية، والصحية، والنقل، والمواصلات، والاتصالات([78]) .

ومن أجل تحقيق المستوى الأمثل من الرعاية والأمن، يقوم صاحب السمو الملكي، الأمير نايف بن عبدالعزيز، وزير الداخلية، رئيس لجنة الحج العليا، كل عام بجولات تفقدية، على المشاعر المقدسة، رغبة في توفير الأمن والرعاية لقاصديها، بما يمكن من أداء الحج، أو العمرة أو الزيارة، بيسر وطمأنينة ، بالإضافة إلى الخدمات التي تقدمها القطاعات المختلفة لوزارة الداخلية تنفيذاً لتوجيهات سموه لخدمة حجاج بيت الله الحرام، التي تهدف مشاركاتها، إلى تسهيل مهام ضيوف الرحمن ليؤدوا مناسكهم بخير وسرور ، ويعودوا إلى أوطانهم سالمين غانمين([79]) . وتجند وزارة الداخلية، قطاعاتها المتمثلة في الأمن العام، والجوازات، والمرور، والدفاع المدني، للسهر على أمن حجاج بيت الله الحرام وسلامتهم، وتوفير وسائل الراحة لهم كافة، وتهدف الخطط الأمنية، التي تُعد قبل موسم الحج بمدة طويلة، إلى تأمين أقصى درجات الأمن، والسلامة، والطمأنينة، لضيوف الرحمن ، وتشمل خطة المديرية العامة للجوازات تزويد الموانئ الجوية، والبحرية، والبرية، بالكوادر البشرية اللازمة، لاستقبال الحجاج ، وإنهاء إجراءات الدخول والمغادرة في أسرع وقت ممكن ، كما تقوم بإنشاء مراكز على طرق الحج ،لتسهيل الإجراءات للحجاج ، وتتضمن خطة المديرية العامة للدفاع المدني، تغطية العاصمة المقدسة والمشاعر، والمدينة المنورة، بمراكز وفرق للدفاع المدني، مجهزة بأحدث الآليات والمعدات ، كما تتضمن إدارات الشرطة، قوى عاملة للحفاظ على النظام، والأمن بالتعاون مع إدارات المرور، التي تحافظ على تنظيم سير السيارات، ومرور المشاة .

وكما سبقت الإشارة فقد كان ثاني عمل للملك عبدالعزيز، بعد توحيد البلاد، وتحديد دستورها ، هو تحقيق الأمن والاستقرار ؛ إذ قال الملك عبدالعزيز : " إن البلاد لا يصلحها غير الأمن والسكون لذلك أطلب من الجميع أن يخلدوا للراحة والطمأنينة ، وإنما أحذر الجميع من نزغات الشياطين والاسترسال وراء الأهواء التي ينتج عنها إفساد الأمن في هذه الديار" ([80])، وقد كتب أحد الذين زاروا المملكة عام 1944م قائلاً : "كان طريق البر بين مكة والمدينة قبل الحكم السعودي للحجاز غير آمن؛ إذ كانت القوافل التي تنقل الحجيج، بين الحرمين، المكي والمدني معرضة لقطاع الطرق، يهاجمونها ، خاصة حين تمر بين جبال يستطيع المجرمون التحصن بها، والفرار إليها ، فلما استقر الحكم السعودي بالحجاز ، قضى على اختلال الأمن ، وذلك بأن أخذ قطاع الطرق بالقوة والحزم واعتبر القبائل المقيمة على الطريق، مسؤولة عن الجرائم التي تقع في حرمها ، وأنزل بالسارقين عقوبة قطع اليد، فلم يمض غير قليل ،حتى ساد الأمن ، واستقرت الطمأنينة، في تلك الربوع ، وقد استقر الأمن كذلك في المدينتين المقدستين ، وأطمأنت نفوس الناس إلى المقام بها كل الاطمئنان ، فأنت –الآن– قلما تسمع بسرقة ترتكب أثناء موسم الحج، بمكة أو بالمدينة ، وكان من أثر استتباب الأمن على هذا النحو أن زاد إقبال المسلمين على الحج، كما زادهم إقبالاً عليه أن يسرت حكومة السعودية أسباب الانتقال بين المشاعر([81]) "، إذن لم يكن مفهوم الدولة السعودية، لخدمة الأماكن المقدسة ورعايتها محصوراً في إقامة مشروعات التوسعة، وتقديم الخدمات ، وإنما يمتد هذا المفهوم إلى ما هو أبعد من ذلك، وأكثر أهمية، ألا وهو أن يؤدي الحجاج مناسك الحج، في جو من الطمأنينة، والخلوص الكامل لله، دون أن يعكر صفو هـــذا الجو الروحاني، أي مفهوم خاطئ، لقدسية هذه الفريضة العظيمة، وقدسية المكان ، وفي هذا الصدد، يقول صاحب السمو الملكي الأمير نايف بن عبدالعزيز آل سعود وزير الداخلية – وفقه الله – : " الاستعداد الأمني موجود، لحفظ أمن حجاج بيت الله، وحفظ أمن البلد ، وموجود لنمكن الحاج من أن يؤدي النسك الشرعية، كما وردت في كتاب الله وسنة نبيه ، وكما يمارسها المسلمون، من مئات السنـــين أو أكثر من ألــــف وأربعمائة سنة ، وأي شيء ليس له علاقـــة بالحج فهذا أمر لا يمكن أن يقبل ، بالإضافة إلى أن العبث بأمن حجاج بيت الله، أو بأمن الأراضي المقدسة مرفوض "([82]).

ثالثاً : وزارة الحج :

ولتحقيق الالتزامات الدولية، والسياسية، في رعاية الحجاج، وخدمتهم، فإن المملكة العربية السعودية، منذ عهد الملك عبدالعزيز – يرحمه الله – أخذت في وضع الأنظمة والتعليمات وإنشاء المصالح الحكومية، التي تختص بمسؤوليات الحج، والحجاج

فبعد أن استتب الأمن، والعدل بين الناس، واستقر الحكم، في ظل نظم موحدة، ومبادئ إسلامية شاملة، وتوحدت البلاد، تحت اسم [ المملكة العربية السعودية ] بدأ الملك عبدالعزيز، في تنفيذ برامجه الإصلاحية، وأولى كل الاهتمام والعناية بخدمة الحرمين الشريفين، والمشاعر المقدسة، وما يوفر الطمأنينة والراحة لحجاج بيت الله الحرام، وزوار المسجد النبوي الشريف([83]). فقد أمر الملك عبدالعزيز في بادئ الأمر بإنشاء مجلس الشورى، وأضيف إلى اختصاصاته العناية بشؤون الحج والحجاج .

وفي 23 صفر 1355هـ صدر المرسوم الملكي رقم 54/1/39 الذي أدخل مزيداً من التنظيم على أعمال المطوفين، وتحديد مهامهم، ومسؤولياتهم . وفي عام 1365هـ أنشئت المديرية العامة للحج، بصفتها أول إدارة حكومية تكون مهمتها الأساسية خدمة الحجاج . وفي 12شوال 1365هـ صدر المرسوم الملكي رقم 14518 بالموافقة على نظام وكلاء المطوفين ومشايخ الجاوا، الذي أدخل مزيداً من التطوير العملي على مهنة الطوافة ، وفي 3 ذي القعدة 1367هـ صدر المرسوم الملكي رقم 7267 الذي صنف المطوفين، إلى طوائف، وحدد مسؤوليات كل طائفة ومهامها . وفي 1صفر 1372هـ صدر الأمر السامي رقم 150 لتطوير المديرية العامة للحج وتنظيمها، لتواكب تزايد أعداد الحجاج القادمين لأداء الفريضة . و في عام 1381هـ أنشئت وزارة الحج والأوقاف، وفي 9 جمادى الأولى 1385هـ صدر المرسوم الملكي رقم م/12 الذي أدخل تعديلاً شاملاً لأنظمة قطاعات خدمات الحجاج، حيث عُدلت مهام وكلاء المطوفين ومشايخ الجاوا وتنظيمها . ويعد هذا المرسوم بمثابة إصلاح وتطوير لخدمات الحجاج والمطوفين . وفي 4 ربيع الأول 1398هـ صدر المرسوم الملكي رقم م/13 الذي رخص لوزير الحج والأوقاف بوضع اللوائح التنظيمية، التي يتم بموجبها إنشاء مؤسسات الطوافة الأهلية التجريبية، وإدخال المطوفين في نطاق العمل الجمــــاعي المنظم. وفي 13 جمادى الآخرة 1399هـ صدر الأمـر السامـي رقم 4/ص/13162 بالموافقة على فكرة إقامة المؤسسات التجريبية لرفع مستوى مهنة الطوافة، وخدمات الحجاج ، وبدء في إنشاء هذه المؤسســات، في المدة من 1402هـ حتى 1405هـ . وفي  22 المحرم 1414هـ صدر الأمر الملكي بتخصيص وزارة للحج قائمة بذاتها، وفصل الأوقاف عنها لتتولى القيام بتقديم خدماتها لراحة الحجيج، وتنظيم شؤون الحج .

وتعد وزارة الحج هي الجهــــة الرسمية الرئيســـة المسؤولة مسؤولية مباشرة عن كل ما يتعلق بشؤون الحجاج، متعاونة في ذلك مع الوزارات والجهات الرسمية الممثلة في اللجنة العليا للحج، برئاسة صاحب السمو الملكي وزير الداخلية ، وتتولى وزارة الحج مهمة الإشراف على تنفيذ الخطة العامة للحج ، والخطط الفرعية الخاصة بالوزارة ، والوحدات المتخصصة بالإشراف على مختلف قطاعات الحج ، وكل ما من شأنه التيسير على حجاج بيت الله ، وتأمين راحتهم ، ويمكن إجمال المسؤوليات التي تتولاها الوزارة في الآتي :

1 – تيسير استقبال الحجاج بموانئ الوصول، البرية، والجوية، والبحرية ، وإرشادهم وتيسير تنقلاتهم .

2 – التنسيق بين جميع الأجهزة ذات العلاقة بأمور الحج؛ (الطيران المدني الخطوط الجوية السعودية ، الموانئ، الأمن العام ، الجوازات . . . وغيرها) بما يكفل سرعة إنجاز شؤون الحج للحجاج كافة .

3 – الإشراف والمتابعة الميدانية؛ للاطمئنان على صحة ضيوف الرحمن وسلامتهم أثناء وجودهم في مكة المكرمة والمدينة المنورة، وخلال تصعيدهم إلى المشاعر المقدسة، أو وجودهم بها، أو نزولهم منها .

4 – التأكد من توفير المتطلبات الرئيسة للحجاج بكل من مكة المكرمة، والمدينة المنورة، والمشاعر المقدسة .

 

5 – متابعة الخدمات التي تقدمها مؤسسات الطوافة بمكة المكرمة ، ومؤسسة الأدلاء بالمدينة المنورة ، ومكتب الوكلاء الموحد بجدة، والمكتب الموحد للزمازمة، والنقابة العامة للسيارات ، ومختلف أفراد الطوائف للحجاج، الذين تتولى هذه الأجهزة خدمتهم ، والتأكد من توفير أقصى قدر من تلك الخدمات لهم .

6 – مساعدة ضيوف الرحمن على كيفية أداء مناسكهم، والإرشاد إليها باستعمال وسائل الإعلام المقروءة والمسموعة، والمرئية، بالتعاون مع وزارة الإعلام، ووزارة الشؤون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد وغيرهما من الجهات .

7 – الدراسة الفورية والعاجلة لما قد يتقدم به بعض الحجاج من عرض لبعض المشكلات، أو العقبات التي تواجههم ، والعمل على إنهاء أسبابها، وتلافيها .

8 – تهيئة وسائل النقل المريحة، باستعمال الحافلات ذات المواصفات المميزة، لتقديم أسباب الراحة، والأمان لضيوف الرحمن، أثناء تنقلاتهم .

رابعاً : وزارة الصحة :

لقد اعتنى الملك عبدالعزيز – رحمه الله – بصحة الحجاج وأمر بتنقية مياه الشرب فقل عدد الموتى من الحجاج، يقول المؤرخ "كنت ويليامز" عن الملك عبدالعزيز :" لقد عني الملك عبدالعزيز بصحة الحجاج أقصى عناية ، وكان لاهتمامه بتحسين مياه الشرب والشؤون الصحية، والمستشفيات، وما إلى ذلك مما تراه اليوم في المدن الحجازية، كمكة، وجدة، أكبر الأثر، في تخفيض عدد الوفيات بين الحجاج ، وقد لا يمضي زمن طويل حتى ترى الحكومات العربية أن لا ضرورة لإبقاء المحاجر في الطور، وكرامان، على الطرفين الشمــالي، والجنوبي من البحر الأحمر ، والذي يحدو بنا إلى هـــذا الظن ما بدا حتى الآن من التقدم العجيب المستمر في تحسين حالة الحجاج منذ أن قامت الحركة الوهابية"([84]).

وربما كان من الملائم أن نضيف ما يأتي إلى حديثنا عن عهد المؤسس الملك عبدالعزيز ؛ لأنه الباني للأساس الأول لكيان هذه الدولة الناهضة المتطورة " ففي عهده فتحت للشعب أبواب التنظيم المشهود ، ومهدت له سبل التطور المنشود، وأزيلت كل العقبات التي كانت تقف حجر عثرة في طريق سعادة الحاج، وتمتعه بمزايا الحج، فكانت تشل تفكيره وتجعله مضطرباً قلقاً لا يهدأ له بال، ولا يفكر إلا في عودته لوطنه سالماً، فإن مخاطر اضطراب حبل الأمن إذ ذاك كانت فاغرة فاها دائماً لابتلاع حياته في كل طلعة يطلعها ، ومن كل نزلة يهبطها وفي كل منعطف يدخل فيه ، وفي كل ركن وزاوية يلجها ، وقد أبدل الله – جل وعلا – ذلك الخوف الشامل، بأمن واطمئنان شامل، وظلت البلاد السعودية منذ ذلك الظرف – على ترامي أطرافها – تستفيئ بظلاله الفينانــــة، الوارفة . إن الاستقرار والأمــن هما من أكبر العوامل لإنعاش التفكير ، وتفتح الأذهان ، والإقدام بأفكار هادئة إلى قمم التقدم الكبير ؛ لذا ففي عهد عبدالعزيز وُجدت الصحافة السعودية ، وظهرت الجرائد والمجلات ، وفيه طلعت مبادئ ثمار العناية بالتنظيمات الإدارية، والمالية، والأدبيــــة، والثقافية، والاجتماعية، والعلمية، والصحية، والصناعية تشع من كل مكان ، وبخاصة بين مواكب الحجيج التي كان جلالته يقودها بشخصه الكريم ، وفي عهده المتفتح للتجديد والتقدم أنشئت أندية أهلية في البلاد ، ففي مكة المكرمة كان يقوم نادي (جمعية الإسعاف الخيري)، فكان يدوي في الآفاق بمحاضراته، ونجاحاته، ومطبوعاته ، وفي مكة المكرمة كانت أندية للطلاب، والشباب خيرة ، وفي المدينة المنورة قام ناديان أهليان :(نادي الحفل الأدبي للشباب العربي السعودي المتعلم) الذي اتخذ شعاره لأول مرة على ما ترى (الشباب السعودي المتعلم) . (ونادي المحاضرات) ، وكانت تلقى فيهما بمواسم الحج وغيرها الخطب والمحاضرات ، ويجري فيهما حوار، وأحاديث طيبة، تهدف إلى الخير والنمـــاء ، والتطور المنشود . وأذكر أنه كان الشباب العربي السعودي في تلك السنين سني الستينيات من هذا القرن الهجري الرابع عشر، كان ذلك الشباب يقيم على نفقة أفــــراده الشخصية "مهرجانات" أدبية إسلامية، في منى بأيام التشريق، وكان يحضرها عِلْية الحجيج "([85]).

لقد اهتم الملك عبدالعزيز – رحمه الله تعالى – بمكة المكرمة أيما اهتمام، فخصها بالكثير من المشاريع وزودها مع المدينة المنورة بالخدمات في شتى المجالات، ومن يراجع كتب التاريخ، يجد دائماً أن لهاتين المدينتين نصيب الأسد، ففي مجال الصحة أمر بإنشاء مراكز تهتم بصحة الحجاج، بين مكة، وعرفات، وبقية المشاعر والأماكن الواقعة في طريقهم، وبنى في كل مركز مظلة لاستراحة الحجاج، ووقايتهم من ضربات الشمس ، وزودت هذه المــراكز بما يكفيها من الماء([86]). وفي عرفات حيث التجمع الإسلامي، أقيم مستشفى سيَّار، كما تقوم سيارات الصحة يوم الوقوف بعرفة، بنقل الحجاج الذين لم تمكنهم حالتهم الصحية، من الانتقال من مستشفى مكة، إلى مستشفى عرفات ، كما أقيمت مستوصفات في بحرة ،ورابغ وغيرها لخدمة الحجاج بين مكة والمدينة ، كما صدر في عهده – رحمه الله تعالى – نظام التعليمات الصحية، للبيوت التي يسكنها الحجاج .

 وفي مجال الرعاية الصحية فقد جندت جميع الإمكانات، وانتشرت المراكز الصحية في كل مكان من المشاعر المقدسة، لتقدم للجميع الخدمات الصحية، والأدوية مجاناً ابتغاء وجه الله عز وجل([87]). وبحكم الوضع الخاص لمكة المكرمة، فإن الرعاية الصحية فيها لا تقتصر على سكان المدينة ، بل تتعدى ذلك إلى خدمات شاملة، تقدم في مواسم الحج لقرابة مليوني حاج ، وأخرى على مدار العام تقدم للمعتمرين والزائرين، مما يعطي فكرة عن حجم الاستعدادات المتخذة، والإنجازات المتعلقة في هذا المجال، وتعد مكة المكرمة، المحور الرئيس للخدمات الصحية، التي تبدأ منها، وتمتد إلى المشاعر المقدسة ، ففيها ستة مستشفيات، أحدها متنقل يحتوي على أكثر من ألف ومائتي سرير تقريباً([88]). أما المراكز الصحية فهي (22) داخل مكة المكرمة ، و(41) في المشاعر المقدسة. وهذه المستشفيات كبيرة، ومجهزة على أحدث الأساليب الدولية، هذا بالإضافة إلى المستشفيات في المدينة المنورة، وتتسع لأكثر من ألف ومائتي سرير، كما يوجد في المدينة المنورة أيضاً (48) مركزاً صحياً و(24) مركز إسعاف .

وزارة الصحة تعد إحدى الوزارات الرئيسة في مجال خدمات الحج، وهي المسؤولة الأولى عن متابعة الحالة الصحية لكل الحجاج في كل موسم ، والإشراف على الشؤون الصحية للحجاج ، وتقوم الوزارة بتقديم خدماتها الصحية، من خلال تحديد الشروط الصحية الواجب توافرها لدى كل حاج ، والأغذية الواردة معه ، وإبلاغ دولهم ومنظمة الصحة العالمية بذلك ، وقد تتطلب هذه الشروط تطعيم الحجاج ضد أمراض معينة ، وتقديم شهادات التطعيم في منافذ الدخول إلى المملكة العربية السعودية، كما تعمل وزارة الصحة على التنسيق مع أمانتي العاصمة المقدسة والمدينة المنورة، ومصالح المياه والصرف الصحــي والنظافة العامة ، ومكافحة الحشرات في رعاية الأمور الصحية للحجاج ، وتعمل وزارة الصحة على تنفيذ برامج التوعية الصحية ، قبل وصول الحجاج، وفي مناطق الحج، والاحتياطات الصحية الواجب اتباعها، واتخاذها لخدمة الحجاج .

وإلى جانب هذا كله فهناك خدمات صحية متميزة، تقدمها الوزارات المختلفة فيشارك الحرس الوطني في خدمة ضيوف الرحمن، في مجالات عديدة ، من أهمها :

تقديم الخدمات الطبية من خلال مستشفيات الحرس الوطني في جدة، والرياض ، والمستشفى الميداني الذي تقيمه رئاسة الحرس الوطني، في المشاعر المقدسة .

المشاركة في نشاطات التوعية الإسلامية .

المشاركة في تنظيم حركة المرور، والحفاظ على النظام، وإرشاد التائهين من الحجاج.

مساندة جميع الأجهزة الحكومية في مهامها، مثل الدفاع المدني، والمرور، والإعلام، ويتم ذلك بإشراف مباشر من صاحب السمو الملكي الأمير عبدالله بن عبدالعزيز ولي العهد، نائب رئيس مجلس الوزراء ورئيس الحرس الوطني الذي تحدث في موسم حج عام 1408هـ قائلاً : "أيها الإخوة حجاج بيت الله الحرام:

 ها أنتم اليوم تقضون بيننا ، أقدس الأيام ، في هذه البقاع المقدسة ، العامرة بالمحبة والإيمان، وقد أكرمنا الله ، إذ خصنا بخدمة الحرمين الشريفين، وخدمة ضيوف بيته الحرام، فكان لزاماً علينا أن نكون عند مستوى ما شرفنا الله به، إخلاصاً، ووفاءً، وتفانياً ، في سبيل أداء واجبنا تجاه الحفاظ على حرمات الله ، وتجاه توفير كل وسائل الراحة، والأمن، والطمأنينة، لحجاج بيته العتيق لا نبتغي بذلك سوى مرضاة الله وعونه وتوفيقه، وسنظل بحول الله وقوته قائمين على صيانة هذه الأمانة العظيمة ، متمسكين بعقيدتنا الإسلامية، محافظين على تعاليمها، حريصين على توثيق صلاتنا، بإخواننا وأشقائنا في الأقطار الإسلامية والعربية ، باذلين كل ما نستطيعه في سبيل وحدة الأمة الإسلامية، ونصرة قضاياها، وجمع كلمتها على دروب الخير والصلاح ، ونسأل الله أن يتقبل منَّا، ومنكم الحج، والسعي والدعاء، والتوبة الصالحة، إنه سميع مجيب ، وإلى أعوام عديدة قادمة تعودون – إن شاء الله – بالنصر والعزة والرخاء"([89]).

 والقوات المسلحة تشارك في أعمال الحج بمستشفى ميداني في منى، سعته (52) سريراً ، و(20) عيادة تخصصية ، كما أن هناك ست فرق طبية، لمساندة الموقع في مكة المكرمة ، وتنقل الحالات التي تستدعي عناية طبية متقدمة بوساطة الطائرات العمودية التابعة للخدمات الطبية، والمجهزة خصيصاً لأعمال الإخلاء الطبي ، وهذا الأسطول الجوي، يبقى مستعداً لخدمة ضيوف الرحمن، طوال موسم الحج([90])، وإلى جانب وزارة الدفاع، والحرس الوطني تهتم وزارة الداخلية في علاج ضيوف الرحمن، إضافة إلى دورها الأساس الذي تقدم الحديث عنه ، والهلال الأحمر السعودي يضع كل عام خطة لتوفير الخدمات الطبية والإسعافية، الطارئة لضيوف الرحمن ؛ إذ قام بفتح العديد من المراكز الإسعافية، بطول الطرق المؤدية إلى المدينتين الطاهرتين . والمشاعر المقدسة، والمنافذ الجوية، والبرية، والبحرية ، وذلك لتدعيم خدماتها الإسعافية، التي تقوم بها المراكز الثابتة، التي وزعت وفقاً للاحتياجات وكثافة وجود أعداد الحجاج طوال مدة وجودهم بالمملكة ، ومن الخدمات التي تقدمها المملكة العربية السعودية، لرعاية حجاج بيت الله الحرام، الرعاية الصحية في مراكز ضربات الشمس ، فقد أنشئت ستة مراكز طبية متخصصة ومتطورة لعلاج ضربات الشمس موزعة على مكة المكرمة، والمدينة المنورة، والمشاعر المقدسة([91]) .

 ولم تقتصر الرعاية على خدمات العلاج فقط، وإنما اعتنت وزارة الصحة بالوقاية، للحفاظ على الحجاج والمواطنين، من الأوبئة والأمراض الوافدة ، وذلك عن طريق التوعية بالتنسيق مع الوزارات الأخرى، مثل وزارة الإعلام، ووزارة الحج عبر إستراتيجية متكاملة تمتد إلى خارج المملكة من خلال ممثليات خادم الحرمين الشريفين، وذلك لتوعية الحجاج القادمين بالأمور الصحية اللازمة كما تقدم ذكره ، وخاصة عن الأمراض المعدية وسبل الوقاية منها ، مع العناية بالتطعيم، أثناء موسم الحج، وهكذا أصبح الحاج يأتي بفضل الله إلى هذا البلد الطيب آمناً، ويغادرها سالماً .

خامساً : وزارة المواصلات :

وخدمة لضيوف الرحمن قامت المملكة، ببناء الجسور، وشقت الأنفاق التي اخترقت الجبال، ووصلت مكة المكرمة التي تعرف بتضاريسها الصعبة، فصارت نموذجــاً رائعــاً للمواصلات الحديثة ، فقد انتهــى في عام 1406هـ تنفيــــذ الجانـــب الأكـــبر من الطريـــق الدائري حـــول المسجـــد الــحرام بكلفـــة (1.724.171.000) ريـــال ، وقد تضمن المشروع اخــــتراق جبل أبي قبيس ، وإنشاء نفقين طول كل منهما (595.7م) ، وعرضه (11.40)م ، وإنشاء نفقين آخرين في جبل السبع البنات طول كل منهمــــا (177.9)م ، وعرضــــــه (11.40) م مع جسريــــن اثنـــين في أجـياد بطــول (150)م ، وعـرض (11.40)م كما أنشئ نفقـــان في جبل قلعة أجـياد كل منهما بطول (3359.3)م ، وعرض (11.40)م، مع منحدرات جسرين بطول (375)م ، ومنحدرات عادية بطول(865)م، ويضم الجزء المنفذ من الطريق الدائري إضافة إلى ذلك نفقين في جبل هندي، طول كل منهما (484)م ، وعرضه (11.12)م ، وطريقاً يمتد من شعب علي إلى شعب عامـــــر ، وقد بلغت كلفــــة القســـــــم الثاني من الطريق (3.760.000.000) ريال ، وهو يهدف إلى استكمال حاجة العاصمة المقدسة، من الأنفاق والطرق الفرعية، التي تسهل حركة المرور، لحجاج بيت الله الحرام .

وبالإضافة إلى هذه الطرق المنفذة في مكة المكرمة هناك ستة طرق تصل مكة المكرمة بجدة، والطائف والرياض، والمدينة المنورة، والليث، واليمن، وقد صممت بحيث تستوعب حركة نقل الحجاج، والمسافرين والبضائع، ولها مواصفات الطرق الحديثة السريعة([92])، وأما في مجال الإنارة للطرق والأنفاق والجسور فقد عمت الإنارة جميع مناطق المشاعر في منظر رائع([93])، وقد بلغت تكاليف الصيانة والإنارة السنوية التي تنفقها أمانة مكة المكرمة (21) مليون ريال، كما أنشأت أمانة العاصمة المقدسة ثلاثة مواقف متعددة الأدوار؛ لخدمة المسجد الحرام تسع (1700) سيارة بكلفة قدرها (90) مليون ريال([94]).

سادساً : وزارة البرق والبريد والهاتف :

وفي مجال الاتصالات تقدم الدولة خدمات تنافس أكبر الدول في هذا المجال([95])، ومع المستوى الرفيع الذي بلغته وسائل الاتصال في المملكة العربية السعودية فإن خدمات هذه الوسائل تتضاعف مرات عدة خلال موسم الحج في مكة المكرمة، والمشاعر المقدسة، والمدينة المنورة ، على حين تؤدي خدماتها على مدار العام للزائرين والمعتمرين . وقد استعملت وزارة البرق والبريد والهاتف خدمة خاصة سميت (خدمة بريد الحج)، تصدر إرسالياتها البريدية إلى ثلاث وأربعين دولة إسلامية خلال موسم الحج ، بمعدل (157) إرسالية أسبوعياً . وفي داخل مكة المكرمة، يوزع بريد الحجاج عبر ثلاثة عشر مكتباً بريدياً، إضافة إلى مراكز الطوافة ومؤسساتها وبعثات الحج ، ويؤدي البريد الممتاز والبريد الإلكتروني خدماتهما للسكان والحجاج ، وتقوم بهذه الخدمات العديد من الشُعَبِ البريدية، في مكة المكرمة، والمشاعر المقدسة، والمدينة المنورة([96])، إضافة إلى عشرات من شعب البريد في مكة المكرمة، والمشاعر المقدسة، والمدينة المنورة، لاستلام البريد الوارد والصادر وتسليمه . ونظراً لما للهاتف من أهمية في الاتصالات ، فقد كثفت الهواتف الدولية، التي تمكن الحاج من الاتصالات ببلاده ويسرت له الاتصال عن طريق العملات المعدنية، أو البطاقات الممغنطة، كما حُددت أوقات تكون المكالمات فيها مخفضة، مساعدة للحجاج، وتيسيراً عليهم([97]).

سابعاً: الرئاسة العامة لشؤون المسجد الحرام والمسجد النبوي:

وهناك جانب آخر من الخدمات التي تقدمها المملكة للحجاج ، وفيها شرف عظيم منذ العصور الأولى لتاريخ المسجد الحرام، إنه سقاية الحاج، الذي اعتنت به الدولة أشد عناية ، فطورت مشروع السقاية، من بئر زمزم في داخل المسجد الحرام، والمسجد النبوي الشريف، وخارجهما ، مع تبريد الماء للشرب، بتكلفة (60) مليون ريال، وشغل عام 1403هـ، هذا ما تقوم به الرئاسة العامة لشؤون المسجد الحرام والمسجد النبوي، (إضافة إلى العناية بكسوة الكعبة المشرفة، ودروس التعليم، والوعظ، والإرشاد، والخدمات التي تقدم داخل الحرمين المقدسين كافة) . ولكي تحل مشكلة مياه الشرب في مكة المكرمة، فقد أنجز مشروع تحلية المياه بالشعيبة، وأنشئت تسع محطات تعقيم أتوماتيكية في مواقع متفرقة من مكة المكرمة، والمشاعر المقدسة ، وكلها تعمل على تطهير الماء بالكلور آلياً ، وكذلك الحال في المدينة المنورة ، وأمدت طرق المشاة بمشارب تبلغ (840) مشرباً ما بين عرفات، ومزدلفة، ومنى ، ومكة المكرمة .

وقد أضيف إلى هذه الخدمات الجليلة، مشروع مبرة خادم الحرمين الشريفين، لتقديم المياه المبردة لضيوف الرحمن، وقد بدأ المشروع في عام 1404هـ بمليونين ونصف المليون عبوة ، وقد تطور سنة بعد سنة وبلغ في عام 1409هـ (40) مليون عبوة سعة، كل واحدة منها لتر من الماء العذب البارد النقي، المعالج وفقاً لأدق المواصفات العالمية ، والمعبأ داخل أكياس من البلاستيك المحكم تماماً ، ويعد المــصنع الذي يقوم بإنتاج هذه المياه – وهو مصنع خادم الحرمين الشريفين لإنتاج المياه المبردة وتعبئتها وتوزيعها – واحداً من أكبر المصانع في العالم، وقد أنشأه الملك فهد على نفقته الخاصة، وقامت ببنائه شركة سعودية، وتشرف عليه مصلحة المياه والصرف الصحي، بالمنطقة الغربية.

إن سقاية الحجاج الآن على أفضل صورة ممكنة، وقد أثبتت تقارير وزارة الصحة، أن هذه العبوات لم تسهم فقط في حل مشكلة مياه الشرب في مكة المكرمة، والمشاعر المقدسة فقط، بل أسهمت في التخفيف من إصابة الحجاج بضربات الشمس، والوقاية منها([98]).

تفعل المملكة العربية السعودية كل هذا أداء لمسؤوليتها ، ووفاءً بالأمانة المنوطة بها في خدمة الحرمين الشريفين، وخدمة حجاج بيت الله الحرام([99])، مستجيبة بذلك لأوامر الله – عز وجل – متشرفة بما حباها الله من نعمه خدمة للحرمين، ولضيوف الرحمن ، كما يقول خادم الحرمين الشريفين الذي يؤكد في كل مناسبة، أن ما تقدمه حكومة المملكة، لضيوف الرحمن، إنما هو لله عز وجل، وابتغاء وجهه .

إن ما يلاقيه الحجاج الآن من راحة، وأمن وطمأنينة، وتوفير جميع الإمكانات لخدمتهم، وتسهيل أمورهم، لهــو شيء رائع بكل المقاييس([100])، وهو شاهد حق وصدق على قدرة المملكة الفائقة، على تحمل مسؤوليتها، وأدائها لأمانتها الإسلامية، والسياسية فضلاً من الله، ونعمة، وله الشكر والثناء .

 

المبحث الثالث: مائة عام في خدمة الحجاج: وثائق ونصوص:

اتضح في المبحثين السابقين، جانباً مهماً مما قدمته المملكة العربية السعودية، منذ تأسيسها على يد الملك عبدالعزيز – رحمه الله تعالى – في خدمة الحجاج، وتشرفها بهذه الخدمة التي تعدها جزءاً لا يتجزأ من رسالتها الإسلامية، وسياستها الدولية ، ولذا فهي لم تدخر وسعاً في هذا السبيل ، وكل عام شاهد بالتطور المتواصل في الأداء كماً وكيفاً، وفي الوسائل المؤدية لراحة الحجاج ، وقد شهد بذلك التاريخ ، وأكدّه الواقع الملموس، وسجل الإعجاب به كل من لمسه ، أو شاهده ، أو عايشه أو سمع به، من الزعماء ، والعلماء ، والمفكرين، والعامة ، وهذه الشهادات هي نتيجة للمنهج الإسلامي والسياسي الذي سلكته المملكة العربية السعودية ، واتضحت صوره المختلفة أصالة وتأصيلاً في الجانب الديني، والجانب السياسي ، وظهرت ثمراته الملموسة للعيان، مما أثلج الصدور، وأطلق الألسنة بالثناء والعرفان، والدعاء لمن يستحق ذلك، بما قدمه من عمل طيب، للإسلام والمسلمين، تشهده الأجيال تلو الأجيال، ويسجل في ذاكرة التاريخ، فكانت شهادات صادقة مسندة إلى واقع محسوس نوردها فيما يأتي لإلقاء الضوء على حلقات البناء والإصلاح في حياة هذه الأمة منذ زمن الملك عبدالعزيز حتى عهد الملك فهد .

وفيمــــا يأتي بعض من تلك الأقـــوال التي شهد بها أصحابها للمملكة العربية السعودية ،وسجلوا من خلالها إعجابهم، وإكبارهم لهذه الإنجازات العظيمة ، وثناءهم على الجهود الرائعة ، والخدمات الجليلة، والمآثر الخالدة، في خدمة الحرمين الشريفين، وحجاج بيت الله الحرام ، ودلالتها على ما تتمتع به المملكة العربية السعودية من قدرة على تحمل المسؤولية العظيمة، تجاه المسلمين قاطبة، في جانبيها الإسلامي، والسياسي .

وإن هذه المقولات تشهد للمملكة العربية السعودية على أنها دولة عصرية، ذات كيان ديني وسياسي، نجحت في مسؤولياتها العظيمة التي كرمها الله بها ووفق ولاة الأمر فيها لخير البلاد، والعباد داخلياً وخارجياً .

أولاً : أقوال الملوك والرؤساء :

إن من الصعوبة بمكان حصر جميع أقوال الزعماء بشأن ما قدمته المملكة العربية السعودية لخدمة حجاج بيت الله الحرام ، سواء من الزعماء المسلمين، أم العرب ، ولذا فسوف نكتفي بعرض نماذج لتلك الشهادات عما بلغته تلك الجهود المباركة، من رعاية الحجاج .

1 – العالم العربي :

أثنى الزعماء العرب على المملكة العربية السعودية، في جهودها الموفقة، لخدمة حجاج بيت الله الحرام، ومن ذلك ما صدر عن جلالة الملك الحسن الثاني، ملك المغرب إذ قال جلالته :" نحن نعلم أن شقيقنا خادم الحرمين الشريفين الملك فهد بن عبدالعزيز – جزاه الله خيراً–يبذل وحكومته الرشيدة غاية الجهد في توفير أسباب الطمأنينة لضيوف الرحمن حتى يؤدوا مناسك الحج والعمرة في أحسن الظروف ، وأجمل الأحوال"([101]).

ـ ويقول سمو الأمير حسن بن طلال ولي عهد الأردن : " تعد جهود المملكة لخدمة وراحة الحجاج جزء من جهودها المشهودة، لخدمة المقدسات الإسلامية وخدمة الإسلام، وعموم المسلمين، والمملكة التي شرفها الله – سبحانه وتعالى – بخدمة البيت الحرام ، والمسجد النبوي الشريف، ورعايتهما، وحمايتهما، عملت دائماً من أجل الحفاظ على قدسيتهما ، وعلى قدسية فريضة الحج، وأمن الحجاج "([102]).

وفي زيارة لسمو ولي عهد الكويت، الشيخ سعد العبدالله الصباح للحرمين الشريفين قال : " لقد سررت أيما سرور لزيارة مشروع خادم الحرمين الشريفين الملك فهد ابن عبدالعزيز آل سعود، لتوسعة وعمارة المسجد النبوي الشريف ، الذي يعتبر إنجازاً إسلامياً وحضارياً عظيماً ، وإضافة قيِّمة إلى سجل الإنجازات الرائعة، التي حققها خادم الحرمين الشريفين للمملكة وللأمة الإسلامية جمعاء .

إنّ هذا الشرف العظيم ليس غريباً ولا جديداً على المملكة العربية السعودية بقيادة خادم الحرمين الشريفين ، الذي لم يضن أبداً بجهد أو مال في سبيل الأداء إلاوفى لما يحمله من أمانة خدمة الحرمين الشريفين ، والله أسأل أن يديم على هذه الأرض الطاهرة نعمة الأمن والأمان والرخاء، وأن يجزي خادم الحرمين الشريفين الملك فهد بن عبدالعزيز، عن الإسلام والمسلمين خير الجزاء "([103]).

2 – من العالم الإسلامي :

قال فخامة الرئيس الجنرال بابنجيدا رئيس جمهورية نيجيريا السابق: "المملكة تبذل قصارى جهدها لراحة حجاج وقاصدي بيت الله الحرام من شتى أقطار العالم الإسلامي، وإن جهود خادم الحرمين الشريفين الملك فهد بن عبدالعزيز في خدمة القضايا الإسلامية، وتوفير سبل الراحة لقاصدي بيت الله العتيق واضحة ، حيث نلمس ذلك من خلال ما يقدم لضيوف الرحمن خلال وجودهم في المملكة ، ومن خلال المشاريع التطويرية، التي تشهدها المدينتان المقدستان، من أجل راحة حجاج بيت الله الحرام، وأداء نسكهم في جو يسوده الأمن والطمأنينة" ، وقال فخامته : " إن قادة المملكة ينظمون أعمال الحج من خلال دراسات جادة ،ودراية واسعة وبإخلاص من أجل تيسير مناسك الحج "([104]).

وقال السلطان حسن بلقيه سلطان بروناي : " لقد سرني ما رأيته، وما شاهدته من أعمال جليلة، أخذت الغاية في الدقة والمتانة والجمال ، ولا عجب في ذلك فقد أولى خادم الحرمين الشريفين مكة المكرمة والمدينة المنورة، غاية اهتمامه ، حتى وصلت عمارتهما إلى ما وصلت إليه، من مشاريع جبارة في توسعة وعمارة الحرم المكي والحرم النبوي ، وتكاد العين لا تصدق ما رأتـه من عظمة، في هذا المشروع المجيد الذي خرج بهذه الصورة "([105]).

ويقول الرئيس سليمان ديميريل رئيس الجمهورية التركية : " إن العناية والرعاية التي يوليها الملك فهد بن عبدالعزيز، للمدينتين المقدستين مكة المكرمة، والمدينة المنورة، سيكون ثوابهما عظيم عند الله العلي القدير ، ولقد شاهدت بعيني عند زيارتي الأخيرة للمملكة المشروعات الجبارة التي تم تنفيذها في الأراضي المقدسة لخدمة المسلمين، وراحتهم بتوجيهات من خادم الحرمين الشريفين "([106]).

وأشاد الرئيس مأمون عبدالقيوم رئيس جمهورية المالديف قائلاً : " لقد سعدت أنا والوفـــد المرافق لي بزيارة مشــــروع خـــادم الحرمين الشريفين الملك فهد بن عبدالعزيز لتوسعة وعمارة المسجد النبوي الشريف ، وزيارة كافة مرافقها . إنّ ما شاهدناه من إنجازات عظيمة في هذا المشروع الهائل من توسعة للحرم النبوي الشريف، وبناء كافة المرافق اللازمة، من محطات لتوليد الكهرباء، والتبريد ، ومراقبة، ومحافظة على الأمن والصيانة للمرافق لهو أكبر من أن يوصف ، وإنّه لمفخرة كبرى لكل مسلم مهما بعد وطنه عن هذه الديار المقدسة، ما قام به خادم الحرمين الشريفين الملك فهد بن عبدالعزيز حفاظاً على الحرم النبوي الشريف ورعاية للزوار والمصلين "([107]).

 كما شهد الرئيس مهامان عصمان رئيس جمهورية النيجر بقوله : " الإنجازات العملاقة التي شهدها الحرمان الشريفان، والمشاعر المقدسة، في عهد خادم الحرمين الشريفين، مصدر اعتزاز وفخر لكل مسلم غيور، على دينه ومقدساته ، وسوف تحتفظ أجيال المسلمين بالعرفان للملك فهد، لما تحقق من الإنجازات التي يسرت على الحجاج، والمعتمرين والزوار أداء مناسكهم في يسر وأمن وأمان "([108]).

– ويقول العقيد يوسف تراوري نائب رئيس جمهورية مالي عن جهود المملكة العربية السعودية، في خدمة الحجاج : " تعد التسهيلات والمشاريع التي تنفذها المملكة في الأماكن المقدسة أسمى خدمة يمكن أن تقدم للمسلمين في العالم ككل "([109]).

– أما رئيس وزراء النيجر عليوه محميدو فقد قال : " ما تقوم به المملكة في مجال تقديم الخدمة والمعونة لحجاج بيت الله الحرام ، وتوفير الأمن ، هو محل ثناء وتقدير حجاج العالم الإسلامي ككل ، لأن الجميع ينعمون بالخدمة الإنسانية التي تقدم لهم ، فالمراكز الصحية، وما يقوم فيها، وما تضمه من إمكانيات، كله يفوق الوصف، فالإمكانيات مذهلة وقلما توجد في بلدان العالم "([110]).

– وتقول رئيســة وزراء باكستان السابقة بي نظير بوتو : " ثناؤنا وتقديرنا لا يوصف حيال ما تبذله المملكة من جهود جبارة، لتقديم أفضل الخدمات، والتسهيلات، وسبل الراحة لملايين الحجاج القادمين من أنحاء العالم، إن خادم الحرمين الشريفـــين الملك فهــــد بن عبدالعزيز وحكومته، يعتنيان بالحجاج ، وإن الخدمات التي تقدمها المملكة في هذا الخصوص، نموذجية ، وتحظى بكل التقدير، ويفخر بها كل مسلـــــم "([111]).

 تلك هي بعض أقوال زعماء العالم الإسلامي التي تحمل التقدير، والإعجاب بالجهود الرائعة التي تبذلها المملكة في سبيل هذا الدين العظيم، وإكرام ضيوف بيت الله الحرام .

3 – من غير دول العالم الإسلامي :

لم تقتصر الشهادة للمملكة العربية السعودية، على مواقفها النبيلة من حجاج بيت الله الحرام ،وبذلها أقصى الجهود في ذلك على العالم العربي والإسلامي، بل تجاوزت ذلك إلى الدائرة العالميــة فجــــاء الثناء عليها من زعمــــاء العالم، ومفكريه ، ومن أبرز ما جاء في ذلك:

ما ورد في تهنئة الرئيس الأمريكي جورج بوش لخادم الحرمين الشريفين بمناسبة الحج حيث قال في رسالته: " أهنئكم يا خادم الحرمين الشريفين، والشعب السعودي بتفانيكم وحماسكم، وحكمتكم الواضحة، على نجاحكم المتواصل في تحمل المسؤولية الضخمة، تجاه الحجاج المسلمين في هذه المناسبة المباركة "([112]).

وأشادت صحيفة (ول ستريت الأمريكية)، التي تصدر في نيويورك، بالخدمات العظيمة التي تقدمها المملكة لحجاج بيت الله الحرام، حيث جاء فيها، ما كتبه مراسلها (روجر ريكليفيس) في عددها الذي صدر في 171مارس 1967م حيث قال : " إن الأمراء والوزراء يسهمون في توجيه حركة المرور، أثناء النفرة عندما يغادر مشاعر الحج، أكثر من مليون مسلم، قدموا من جميع أنحاء العالم، لأداء فريضة ركن من أركان الإسلام الخمسة، وإن الحكومة السعودية تقوم على راحة ضيوف الرحمن خير قيام ، فتقدم لهم كافة التسهيلات حيث يحلون في أماكن وخيم مزودة بالماء والكهرباء، وجميع وسائل الراحة " ، وتمضي الصحيفة في وصف وسائل النقل الحديثة فتقول : "لقد انتهى عهد القوافل، والإبل، وأصبح يؤم الديار المقدسة الآن مئات الآلاف من المسلمين المنتشرين في جميع أنحاء المعمورة سنوياً على متن طائرات نفاثة ، وبواخر حديثة ، وسيارات فخمة ، لأداء واجبهم الديني " ، وتقول الصحيفة: " بأنه على الرغم من التطور الحديث في وسائل النقل، وسبل الحياة إلا أن الشعائر الإسلامية المحافظة لم يطرأ عليها أي تغير منذ ظهور الإسلام حتى الآن ؛ إذ لا يزال المسلم يؤدي فريضة الحج وهو مرتدٍ لباس الإحرام التي لبسها أسلافه من قبله قبل أكثر من 1300 عام " .

ثم تنتقل الصحيفة للحديث عن تطور الدعوة الإسلامية والإقبال على الدين الإسلامي الحنيف فتقول: " بأن المسلمين البالغ عددهم (450) مليون نسمة في العالم ، هم الآن بازدياد مستمر ، ويعتنق الإسلام سنوياً آلاف المؤمنين في دول أفريقيا النامية ؛ لأنه دين العدالة والمساواة، فلا يفرق بين الأبيض والأسود ، كما أنه يدعو إلى المحبة والإخوة والتضامن بين جميع المسلمين([113]) ".

– إن هذه الأقوال من الزعماء والقادة تؤكد على الدور المؤثر الذي تقوم به المملكة العربية السعودية ، في بذل الجهود المثمرة للرقي بمستوى الخدمات المقدمة في هذا السبيل، وهي تعبر عن واقع لمسوه أو شاهدوه أو عايشوه فسجلوه في مشاعر صادقة .

 

ثانياً : أقوال العلماء والمفكرين عن خدمة المملكة للحجاج :

يشهد الحج كل عام مجيء جمع من العلماء، والمفكرين، لأداء الفريضة، فيدهشهم مايشاهدونه من وجوه التطور في الأداء، والخدمة، والوسائل التي تقدم لضيوف الرحمن، من حكومة المملكة العربية السعودية ، فلا يسعهم إلاّ أن يسجلوا إعجابهم بتلك القدرات الفائقة، والتضحيات الرائعة ، والإرادة الصلبة التي لا تثنيها العقبات، مهما كانت، وفيما يأتي طائفة من أقوال هؤلاء العلماء والمفكرين .

1 – من العالم العربي :

لسنا هنا في مجال حصر الأقوال، وإنما تقديم نماذج منها، تبين ما يكنه أولئك العلماء والمفكرون لهذه البلاد الطيبة، ومن ذلك:

يقـــول شيخ الأزهر السابق فضيلة الأستاذ / مصطفى عبدالرازق – رحمه الله تعالى – : " إن هذا الأمن الضارب أطنابه في أنحاء البلاد يعود إلى توفيق الله جل وعلا، لجلالة الملك عبدالعزيز آل سعود ، الذي عكف على السهر في سبيل راحة السكان ورفاهية الوافدين، إلى هذا البلد الأمين . وإن من أعجب العجب أن يوجد بلد فيه ما يربو عن ثمانين ألفاً من السكان ، يعني مكة المشرفة ، ثم يطفح هذا العدد دفعة واحدة وفي وقت واحد ، وفي برهة وجيزة ، إلى أن يصل ربع مليون نسمة ، مائتين وخمسين ألفاً ، يُهرعون من البلد، إلى صعيد واحد ، ويفيضون منه في وقت واحد وجيز ، ومع ذلك كله تجد الجميع، يتمتعون بأمن وراحة منقطعي النظير "([114]).

ويقول الشيخ جاد الحق علي جاد الحق – رحمه الله تعالى – شيخ الأزهر السابق:" المملكة تقدم للحجاج والمعتمرين الكثير من الخدمات في شتى المجالات، وإلى جانب تلك الخدمات الممتازة والكثيرة ، هناك أعمال الصيانة، والتوسعة للحرمين الشريفين، بمكة المكرمة، والمدينة المنورة ، والهدف من تلك التوسعة، معروف لكل مسلم ، حيث سيتاح بعد التوسعة زيادة عدد الحجيج ، وفي نفس الوقت سيتم تيسير كثير من المشقة، على الحجاج بعد اكتمال مشروعات التوسعة، التي يرعاها خادم الحرمين الشريفين، الملك فهد بن عبدالعزيز "([115]).

وقال الشيخ أحمد بيومي عضو المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية بمصر : " إن ما يلقاه حجاج بيت الله الحرام من تسهيـــلات، ومساعــــدات منذ وصولهم المملكة، وحتى مغادرتهم لها واضح جلي، وهو محل تقدير، واعتزاز العالم الإسلامي ، ولنا أن نعترف أن هذه الخدمات، التي تقدمها المملكة لضيوف الرحمن، قد فاقت كل التصورات ، وهذا ما يؤكد أن المملكة تستخدم كل ما توصلت إليه التقنـــية الحديثة، في إيصال خدماتها للحجاج عبر كل مناطق الحج "([116]).

وقال الشيخ حمد الزرقان مدير الحج في الأردن : " إن استعدادات المملكة لمواسم الحج دائماً تفوق كل التوقعات، من حيث تسهيل جميع الخدمات مثل السكن، والمواصلات، والخدمات العلاجية ، والمملكة بفضل قيادتها الحكيمة لم تدخر جهداً إلاّ وتقدمه من أجل توفير الراحة، والأمن لحجاج بيت الله الحرام([117]) ".

وقال الشيخ طه صابونجي مفتي لبنان وشمال طرابلس :" إن العالم الإسلامي بجميع شعوبه، ودوله يعترف صادقاً، بفضل المملكة، وبجهودها الخارقة وإنجازاتها التي تفوق الوصف لخدمة حجاج بيت الله الحرام وتيسير أداء مناسك الحج ، وتعظيم شعائر الله بما لم يسبق له مثيل في التاريخ الإسلامي كله ، وقد أصبح الحديث في هذا الموضوع من المسلمات التي يقر بها القاصي والداني ، ولا تحتاج إلى شهادة أحد، كما لا تنال منها الأطماع والأحقاد ، فاستحقت المملكة شكر المسلمين، وتقديرهم العظيم"([118]).

وقال د . التهامي نقرة رئيس المجلس الإسلامي الأعلى بتونس : " إن ما تنعم به المملكة بعامة، والأماكن المقدسة بخاصة، من أمن وأمان، وخير، ورخاء هو بتوفيق الله تعالى لولاة الأمر في المملكة ، وفي مقدمتهم خادم الحرمين الشريفين الملك فهد بن عبدالعزيز ، وما تقوم به المملكة من توسعة، وعناية بضيوف الرحمن، يعتبر حدثاً وعملاً إسلامياً عظيماً، سوف يمكن المسلمين من أداء شعائرهم، في مزيـد من اليسر والاطمئنـــان "([119]).

وقال الدكتور يوســـف الكتاني رئيس جمعــــية الإمام البخـــــاري بالمغـــرب :" إن ما تقدمه المملكة للعالم الإسلامي، في شكل خدمات شاملة، في البقاع المقدسة، لتيسير أداء مناسك الحج والعمرة، لهو أمر لا مثيل له إطلاقاً، لا من حيث الحجم والجودة والإتقان ، ولا من حيث الأثر العميق الذي يخلفه هذا السلوك في نفوس ضيوف الرحمن، الذين يفدون إلى المملكة من مختلف أنحاء الأرض، وليس فقط من العالم الإسلامي "([120]) .

ويقول الدكتور عصام سعد الربيعان الأستاذ بجامعة الكويت : " لقد أتيتُ المملكة عام 1981م ، وبين هذا التاريخ وهذا العام 1991م حججتُ واعتمرتُ ثماني مرات ، وما أراه الآن لا يصدق إلاّ بالعين المجردة ، ولا أعتقد بأنّ من يزور المملكة حاجاً أو معتمراً إلا ويرى كل هذا الاهتمام المشرف بالأماكن المقدسة ، ولقد بُهرنا ونحن نرى هذه التوسعة الجبارة في الحرمين الشريفين، والتي من خلالها تم استيعاب الملايين، من رواد الحرمين الشريفين . إن هذه التوسعة المدهشة والرائعة شكلاً ومضموناً تؤكد مكانة المملكة الإسلامية الكبيرة ، وتشير إلى ذلك الاهتمام الكبير ، فقد سبقت المملكة الزمن في تلك المشاريع، التي أصبحت حديث المسلمين في كل مكان ، إضافة إلى الخدمات الكبيرة في كل مجال ، مما يتيح لزوار بيت الله الحرام، ومسجد نبيه e أداء مناسكهم بيسر وسهولة ومتعة منقطعة النظير "([121]).

وتحدث السيد هلال بن سعود بن حارب وزير العدل والشؤون الإسلامية بسلطنة عُمان قائلاً : " إن مشروعات التوسعات الكبيرة، في كل من مكة المكرمة، والمدينة المنورة، تعد من المشروعات الرائدة العظيمة، التي تنعكس آثارها الإيجابية، ومردودها الحسن على الزوار والمعتمرين، وحجاج بيت الله الحرام ، ومع التزايد المستمر والمطرد، في أعداد الزوار والحجاج، كل عام، فإن التوسعـــات تتيح لهم جميـــعاً المزيد من الراحة، وأداء المناسك بسهولة ويسر "([122]).

وتحدث سعادة السفير اليمني لدى المملكة، القاضي إسماعيل الجرافي لوكالة الأنباء السعودية عن موسم حج عام 1393هـ، قال فيه : " لقد رأيت المملكة العربية السعودية، بقيادة عاهلها جلالة الملك فيصل ، تعمل على تسهيل أداء فريضة الحج، وإقامة الحجاج في الأراضي المقدسة ، وأن الجهود والإمكانيات الضخمة، التي تضعها الدولة في سبيل راحة الحجاج، ليعجز اللسان عن ذكرها ، وإن الأمن والاستقرار الذي تعيشه المملكة العربية السعودية، في ظل عاهلها جلالة الملك فيصل ينعكس على الجهود المخلصة، التي تقدمها الدولة في مجالات متعددة "([123]).

ويقول الدكتور عبدالمجيد بن حمدة رئيس المجلس الإسلامي الأعلى ورئيس جامعة الزيتونة في تونس : " إن حكومة خادم الحرمين الشريفين وفرت جميع أسباب الراحة والطمأنينة، في بيت الله الحرام ، ومسجد رسوله الكريم، والمشاعر المقدسة ، كي ينعم الحجاج والزوار والمعتمرون بالأمن والأمان ، ويؤدوا مناسكهم في يسر وسهولة ، لقد سخرت المملكة كل الوسائل الحديثة لخدمة ضيوف الرحمن ، فالتوسعة التاريخية للحرمين الشريفين مكنت من استيعاب عشـــرات الألوف من الطائفــــين والمصلين، والزائريـــن لأداء شعائرهم "([124]).

تلك هي بعض النماذج من أقــوال العلماء والمفكرين العرب التي تدل على مدى ما يكنونه لهذه البلاد من محبة وتقدير، وفيما يأتي نماذج أخرى، من أقوال بعض الشخصيات من دول العالم الإسلامي .

2 – من دول العالم الإسلامي :

يقول معالي الدكتور يوسف محمد نور وزير الشؤون الإسلامية في ماليزيا: "المملكة لم تقصر مطلقاً في أداء واجباتها، تجاه الحجاج بشكل عام ، فالخدمات التي تقدم للحجاج تضاهي أرقى الخدمات العالمية، على كافة الأصعدة " ([125]).

ويقول الشيخ / عبدالمجيد محمود نور رئيس بعثة الإفتاء الماليزية : " الشكر والتقدير لاهتمام خادم الحرمين الشريفين، الملك فهد بن عبدالعزيز بضيوف الرحمن ، وحرصه – أيده الله – على توفير أفضل الخدمات لهم، ليؤدوا مناسكهم بيسر وسهولة، وراحة واطمئنان . إن الإنجازات التي توفرها المملكة في مكة المكرمة والمشاعر المقدسة هي كلها لراحة ضيوف الرحمن، وحجاج بيت الله الحرام ، وهي خدمات ممتازة ومتميزة ، حيث هيأت الحكومة جميع التسهيلات لضيوف الرحمن ليؤدوا مناسكهم في يسر وسهولة "([126]). وقال الشيخ محيي أرول إمام المسجد العثماني بتركيا: " إن العالم الإسلامي يدعو لخادم الحرمين الشريفين، بالصحة والعمر المديد ، ليواصل الجهود المباركة من أجل خدمة الإسلام ، وتحقيق أرقى الخدمات لضيوف الرحمن "([127]).

ويقول الدكتور الحاج رومامبي رئيس بعثة الحج السنغالية : " الخدمات المتكاملة والمتنوعة مدعاة لاعتزاز أبناء هذا الوطن بما يقدمونه لضيوف الرحمن ، وأعتقد أن هذه الخدمات التي تقدمها المملكة لضيوف الرحمن تعجز عن تقديمها أي دولة أخرى ، حيث إن حجاج بيت الله الحرام يعجبون ويسعدون بهذه الخدمات الجليلة الكبيرة المقدمة لهم، والتي تمكنهم من أداء فريضتهم بكل يسر وسهولة "([128]).

وعن خدمة الحجاج ورعايتهم في المملكة تحدث الشيخ مختار جان عبدالله مفتي أوزبكستان وبــلاد ما وراء النهر قائلاً : " لقد تشرفت بأداء مناسك الحج قبل عشر سنوات ، وها أنا أشهد الآن فرقاً شاسعاً خلال هذه المدة القصيرة ، ولم يتحقق هذا التطور الذي تشهده مكة المكرمة، والمدينة المنورة، والتوسعات الضخمة في الحرمين الشريفين، والمشاعر المقدسة، لولا فضل الله ، ثم الدعم السخي والاهتمام البالغ، الذي يوليه خادم الحرمين الشريفين الملك فهد بن عبدالعزيز"([129]).

وأوضح السيد شهرت إبراهيم قنصل أوزبكستان السابق بالمملكة قائلاً : " إنّ ما شاهدته من تسهيلات خلال موسم الحج، يفوق حد الوصف ، ويُعد مفخرة لكل مسلم ، إنّ مثل هذه الخدمات والتوسعة لا تستطيع أن تقوم بها أية دولة في العالم ، وقد حققت المملكة نجاحاً في تجنيد كافة طاقاتها الآلية، والبشرية لخدمة أكثر من مليون حاج في فترة زمنية محدودة ، وفي أماكن محدودة "([130]).

هذا بعض ما أدلى به من زار الحرمين الشريفين والمشاعر المقدسة من خلال مواسم الحج، والعمرة، والزيارة، من العلماء، والمفكرين في العالم الإسلامي، وفيما يأتي أقوال أخرى لعلماء ومفكرين مسلمين من أنحاء العالم .

3 – من دول الأقليات المسلمة :

يزور المملكة كل عام جمع من العلماء والمفكرين المسلمين من أنحاء العالم لأداء مناسك الحج أو العمرة خصوصاً من أبناء الأقليات، والجاليات المسلمة في غير دول العالم الإسلامي ، فيدهشهم المستوى الذي بلغته الخدمات المقدمة للحجاج ، والتطور المذهل في الحرمين الشريفين، و المشاعر المقدسة وما يتوافر فيها من وسائل راقية ، وفيما يأتي بعض ما قاله أولئك العلماء والمفكرون :

عبر السيد محمد أوو رئيس بعثة الحج بالصين الوطنية رئيس الجمعيات الإسلامية في تايوان عن مشاعره بشأن ما وجده في الحرمين الشريفين من عناية ورعاية، حيث قال:  "لقد حججت قبل اثني عشر عاماً ، ولاحظت هذا العام الإنجازات الكبيرة التي قامت بها المملكة العربية السعودية في الحرمين الشريفين والمشاعر المقدسة ،وإنني نيابة عن جميع المسلمين الصينين، أرفــــع جزيـــل الشكر والتقدير لخــادم الحرمين الشريفين على هذه الأعمال العظيمة التي أسداها ويسديها للمسلمين ، والمتردد على هذه البقاع الطاهرة، يلمس بجلاء أن الجهـــود الخيرة في سبيـــل راحة حجاج بيت الله الحرام تزداد تقدماً وتطوراً في كل عام "([131]).

ويقول الشيخ صابر رئيس الجمعية الإسلامية بالصين الشعبية : " ما شاهدته من خدمات ورعاية تامة لضيوف الرحمن يدل دلالة واضحة على مدى حرص خادم الحرمين الشريفين على راحة كافة الحجيج ، لقد سمعنا عن الإنجازات والمشاريع الكبيرة التي تشاد في المملكة، ولم نكن نصدق كل ما يقال حتى رأينا ذلك عن قرب رؤية حقيقية بالعين المجردة، والحقيقة الملموسة، أن المملكة تسعى جاهدة لخدمة ضيوف الرحمن والسهر على راحتهم ليلاً ونهاراً "([132]).

ويقول الحاج نور الدين ماي جينج رئيس بعثة الحج الصينية : " نحن نتقدم بالشكر والعرفان، للجهود التي يبذلها الملك فهد بن عبدالعزيز، وحكومته الحكيمة من أجل تأمين المزيد من السلامة، والأمان، والراحة، لحجاج بيت الله الحرام ، فالإنجازات الإنمائية، التي حققتها حكومة المملكة، في السنوات القليلة الماضية، تحت قيادة الملك فهد الحكيمة إنجازات هائلة "([133]).

ويقول الشيخ طلعت بن صفا تاج الدين المفتي في الاتحاد السوفيتي سابقاً : " شكراً عميقاً أوجهه إلى خادم الحرمين الشريفين نيابة عن حجاج الاتحاد السوفيتي، لما وجدوه من اهتمام ورعاية، في أداء مناسك الحج ، حيث تبذل حكومة خادم الحرمين الشريفين، كل الغالي والنفيس، لتوفير كافة المتطلبات، ولتسهيل مناسك الحج، كما نشكره أيضاً على هديته لنا، بإتاحته فرصة أداء الحج هذا العام لأكثر من ألف ومائتين وسبعة وخمسين حاجاً سوفيتياً ، ولا يسعنا إلاّ أن نتوجه إلى الله – تعالى – بأن يمد في عمر خادم الحرمين الشريفين، الملك فهد بن عبدالعزيز ، وأن يوفق حكومته لما يحبه ويرضاه"([134]).

ومن بريطانيا يقول الدكتور فرحان أحمد نظامي مدير مركز أكسفورد للدراسات الإسلامية بلندن : " لا يمكن أن نصف الخدمات التي تقدمها حكومة خادم الحرمين الشريفين ، فهي تفوق الوصف، وهي دائماً تسعى لتحقيق تطور ملموس، في تهيئة الخدمات الخاصة بالحج والحجاج "([135]).

ويقـــول الأستاذ أنس الشقفة الأمين العـــام للمجلس الأعلى للهيئات الإسلامية بالنمسا :" من يشاهد مواسم الحج يؤكد الخدمات المتوفرة للحجاج ، والتي تتميز بمستوى رفيع ،وهذه مسؤولية تتحملها المملكة تجاه الأعداد الهائلة من الحجاج، من مختلف الجنسيات "([136]).

وأصبحت عادة لدى الملك فهد في الإحسان إلى ذوي الحاجات المتشوفين إلى أداء فريضة الحج حيث يستضيف كثيراً من أبناء المسلمين لأداء هذه الشعيرة ، وخلال عامي 1417–1418هـ أضاف ما يزيد عن ألفين وأربعمائة حاج من الشيشان، وروسيا الاتحادية وأذربيجان وتترستان ، وكازخستان، وأوزبكستان ، وتولت وزارة الشؤون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد الإشراف على برنامج الإضافة .

وهذا ما يفعله كثير من أمراء الدولة السعودية – حفظهم الله – في إضافة بعض أبناء الأمة الإسلامية لأداء فريضة الحج، وعلى الأخص مايوليه صاحب السمو الملكي الأمير سلمان بن عبدالعزيز آل سعود – وفقه الله – أمر المسلمين في الدول التي توجد فيها أقليــات مسلمة، أو دول مسلمة لا يستطيع أبناؤها أداء فريضة الحج مثل البوسنة والهرسك .

ويقول الشيخ جمال حافظ إدريس مفتي عام اليونان :" ما تقدمه المملكة من خدمات لضيوف الرحمن يفوق الوصف، فالمشاريع جبارة على كافة المستويـات، وكلها موجهة إلى ضيوف الرحمن لتأدية مناسكهم في يسر وسهولة"([137]).

 ومن الهند يقول الشيخ أبو بكر كويا رئيس اتحاد شبان المجاهدين في الهند : "شكري عميق لما تنفذه المملكة من مشروعات وإنجازات عظيمة، لتوسعة الحرمين الشريفين، وزيادة القدرة الاستيعابية، في الحرمين الشريفين ، حيث يتولى هذه المشروعات ومتابعة تنفيذها خادم الحرمين الشريفين  الملك فهد بن عبدالعزيز شخصياً . جهود المملكة وأداؤها لواجباتها نحو ضيوف الرحمن أثبتت كفاءة واقتداراً على نوعية الخدمات التي تصل إلى درجة عالية من الرقي والكفاءة ، ومن تطور هذه الخدمات سنة بعد أخرى ، وهو الشيء الملموس من جانب الحجيج الذين أصبحوا وهم يؤدون حجهم بهذا المستوى من الراحة والهدوء والاطمئنان يشعرون بالفعل بقيمة وأهمية ما تقدمه المملكة لهم من إنجازات، ومشاريع، وخدمات، لتسهيل رحلتهم المباركة، في الحج وتمكينهم من أداء مناسكهم، في سهولة ويسر "([138]).

ويقول كان أداتو جوتو رئيس بعثة الحج الفلبينية :" نعترف بالدور الريادي الذي تقوم به المملكة بقيادة خادم الحرمين الشريفين، لخدمة قضايا الإسلام والمسلمين في مختلف أنحاء العالم ، وجهودها في خدمة ضيوف الرحمن، وخير شاهد على ذلك مشروع توسعة الحرمين الشريفين، وإنشاء مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف بالمدينة المنورة . وإن ما تبذله المملكة في سبيل تيسير أداء الحجاج مناسكهم لهو أكبر دليل على رعايتها لشؤون المسلمين "([139]).

كما يقول فضيلة الأستاذ الحاج / عبدالعزيز الراجكوتي من الهند : "شاهدت في رحلتي هذه إلى الحجاز –وهي أول رحلة قمت بها – تقدمات عصرية باهظة في شتى المرافق، مما لم تعهده هذه البلاد فيما مضى عليها من القرون ، أمان عم جميع الحاضرة والبادية ، بحيث لا يوجد له نظير في العالم ، وتخفيف كثير من الأعباء التي كان حجاج بيت الله الحرام يحتملونها أو يحملونها ، وتسهيلات لم تدخل في الحسبان والظنون لتأدية مناسك الحج والزيارة ، وإيراد للبضائع الخارجية التي يحتاج إليها ، ومياه عذبة جارية متدفقة ، وعيون ثرة فائضة ، إلى غير ذلك . وهذه أشياء لم تكن عرفت في هذه البلاد فيما خلا من الأزمان ، ولعلنا لا ننسى ونحن نذكر راحتنا، ومشاهداتنا البهيجة الآن، ما كان كابده الرحالة ابن جبير في القرن السادس الهجري ، وما عاناه من الأتعاب والمكوس المرهقة وغيرها مما شكا أمره إلى السلطان صلاح الدين الأيوبي، وهو من هو، وإن فينا الآن لكثيراً ممن قدموا هذه البلاد المقدسة قبل حكم الحكومة السعودية ، وهؤلاء شهود عدل لما يرونه ونراه الآن من العدل، والأمان، والاطمئنان ، وتقدم البلاد المادي، والمعنوي، والصحي، والعمراني، وغير ذلك من مرافق الحياة والفكر ، وهم شهود عدل، إذا تحدثوا عما كانوا رأوه من أصداء ، كل ذلك فيما مضى من العسف والظلم ، وانتهاك الحرمات ، وقتل وفود بيت الله وحجيجه ، فالآن ولله الحمد في عهد الحكومة العربية السعودية زالت هذه الأمور الشنيعة عن هذه البلاد زوالاً تاماً ، وجلبت لها سمعة طيبة، وسارت لها في الدنيا ذكرى جميلة عبقة، وقد شاهدت في هذه الأيام الأخيرة أيام جلالة الملك سعود المعظم، من التوسعة في الحرمين المحترمين شيئاً مدهشاً، بحيث صار المسجدان ضعفي ما كانا عليه فيما مضى ، وبذلك وسعا المصلين من ألوف الحجاج والآهلين، وزال عنهما الضيق . هذا إلى عمارة عظيمة خالدة تكاد تكون منقطعة النظير، في متانتها وجمالها وروعتها، ووسعت الطرق الضيقة، التي كانت معوجة في المدينتين المقدستين ، مكة والمدينة ، وعبدت تلك الطرق، ووُجِدَتْ رحاب فسيحة حول الحرمين، مما أنفق فيه جلالة المليك المعظم، مبالغ قلما يصدق بصرف أمثالها في هذا المشروع الخالد الخارجون عن هذا المحيط "([140]).

تلك مجموعة من أقوال العلماء، والمفكرين المسلمين وشهاداتهم ، من العالم الإسلامي، ومن خارج العالم الإسلامي ، كلها تؤكد الدور الريادي، والإنجازات الكبيرة، والتطورات المذهلة، في الخدمات المقدمة، لحجاج بيت الله الحرام، والرعاية الفائقة للحرمين الشريفين ، والحرص الدائب على تطويرهما ، ولكي تكتمل حلقات هذه الأقوال الذهبية، نورد فيما يأتي أقوال طائفة من الحجاج ،والمعتمرين في هذا المجال:

ثالثاً : مشاهدات أبناء الشعوب الإسلامية من غير المسؤولين والعلماء وانطباعاتهم :

يفد إلى المملكة العربية السعودية ملايين الحجاج، والمعتمرين، من أنحاء العالم، ويشاهدون ما يتم في مكة المكرمة والمدينة المنورة والمشاعر المقدسة من تطور مستمر وما يقدم للحجاج من تسهيلات ، ويظهر ذلك من اغتباطهم واندهاشهم ، فتفيض تلك المشاعر، بشهادات صادقة، يسجلونها للتاريخ، وفيما يأتي عرض لبعض تلك الانطباعات من قبل ضيوف الرحمن .

1 – من العالم العربي :

يقــول الأستاذ هاني خير من الأردن مسجلاً انطباعاته عما شاهده من إنجازات وخدمات :" إن المملكة استطاعت أن تتجاوز الأزمنة والعصور ، وتجعل عمليات الإعمار والتوسعة للحرمين الشريفين– في مكة المكرمة والمدينة المنورة وسائر المشاعر المقدسة– أحد أهم المنجزات الكبرى التي يشهدها العالم الإسلامي . ولقد ضربت المملكة بتوجيه من الملك فهد، أروع الأمثلة في البذل، والعطاء، لخدمة الأماكن المقدسة والسهر على راحة الحجاج، وتأمين جميع الخدمات الضرورية ، إضافة إلى جوهر المهمة الأساسية، وهو ضمان أمن الحجاج وسلامتهم .

إن مشاريع الحرمين الشريفين، عملاقـــة في قمة الإبداع ، وهي فريــــدة من نوعها لا يوجد مثيل لها في أي موقع آخر ، وانتشارها بهذا الشكل في هذه البلاد المقدسة يؤكد اهتمام خادم الحرمين الشريفين بخدمة ضيوف الرحمن والزوار والمعتمرين ، إن الخدمات والرعاية الممتازتين، اللتين توفرهما المملكة بقيادة خادم الحرمين الشريفين، لأكثر من مليوني حاج، أمر لا يبعث على الفخر والاعتزاز ، فحسب، بل يؤكد تنامي قدرتها، على أداء هذه المسؤوليات بجدارة واقتدار "([141]).

يقول الحاج العربي المؤذن من المغرب : " أحمل عن السعودية فكرة ، هي أنها تعمل من أجل صالح الإسلام والمسلمين وكنت أسمع عن أعمال هذا البلد الشيء الكثير ، وكنت أسمع التطور الكبير بالنسبة للمشاريع الخاصة بالحج ، وتوسيع الطرقات من أجل استيعاب الكثافة العددية للحجاج ، فلقد رأيت التوسعة الكبيرة في عمارة الحرمين الشريفين ، ورأيت الساحات الجديدة، ومشاريع الإعمار، والبنيان المتتالية التي تحققت بفضل من الله تعالى ، ثم بفضل من خادم الحرمين الشريفين "([142]).

ويقول الحاج العلوي سيد طاهر من المغرب :" إنني مسرور جداً، لما أقيم من مشروعات لخدمة الحجاج ، والتي من شأنها تسهيل كل متطلبات الحجيج ليؤدوا فريضتهم في يسر وسهولة ، ونشكر حكومة خادم الحرمين الشريفين على جهودها لخدمة الإسلام والمسلمين . لقد أدهشتني مشاريع توسعة المسجد الحرام ، والحق يقال: إن المشروع الجديد هو إضافة تاريخية ، وإننا نشكر خادم الحرمين الشريفين، وحكومته – بعد الله عز وجل – لما تحقق ، ونفتخر بما تحقق من رفعة للإسلام والمسلمين "([143]).

ومن سوريا يقول الحاج محمد خالد خشيفاتي :" المملكة حكومة وشعباً لم تقتصر في خدمة ضيوف الرحمن، بل أغدقت عليهم بعنايتها الفائقة وخدماتها الرائعة ، وسخرت كافة إمكاناتها لهم، ليؤدوا مناسكهم بكل يسر وسهولة وطمأنينة . الشكر للمملكة، على خدماتها النبيلة، لضيوف الرحمن ، خاصة مرفق الاتصالات الهاتفية، والمستشفيات وما بها من خدمـــات صحية، وطبية، وعلاجية، وغيرهــــا من الخدمــــات، والقطاعات الأخرى "([144]).

ومن مصر يقول الحاج إبراهيم عبدالعزيز : "  لقد أكرمني الله – عز وجل – بأداء الفريضة ثلاث مرات على التوالي ، وفي كل مرة أجد أن هناك تطوراً ملحوظاً في هذه البلاد، وفي هذا العام ذهلت للخدمات السعودية المتكاملة، التي تقدم لحجاج بيت الله الحرام ، ولم نلاحظ أي تقصير إطلاقاً، من قبل الجهات المعنية بالحج ، ومن الصعب على أي دولة أخرى مهما أوتيت من قدرة أن تستطيع استضافة هذا العدد الهائل من المسلمين، مثلما فعلت المملكة"([145]).

ومن اليمن يقول الحاج يحيى أحمد المازني : " هذه ليست هي المرة الأولى التي أحضر فيها إلى هذه البلاد المباركة لأداء فريضة الحج، فقد سبق أن زرتها أكثر من مرة ، وفي كل مرة أزورها أقف مشدوهاً أمام هذا التغيير والتطور، في مشاريعها نحو الأحسن. لقد وقفت مشدوهاً أمام هذه المشاريع العملاقة، التي انتشرت في المشاعر المقدسة، ومكة المكرمة، والتي انشئت أساساً لتقديم الخدمات لحجاج بيت الله الحرام([146]) ". ومن الجزائر يقول الحاج الشاذلي علي : " الشكر كل الشكر لحكومة خادم الحرمين الشريفين على توفيرها لهذه الخدمات المتطورة ، والتي انتشرت في كل مكان في المشاعر المقدسة، ومكة المكرمة، والمدينة المنورة . نعم إنهــــا خدمـــات متكاملة، لا يمكن أن تتوافر في أي بلد آخر"([147]).

أما الحـــــاج إبراهيم متـــــولي من مصر فيقول :" سعدت كثيراً كعربي، ومسلم بهذه الإنجازات الكبيرة، التي تشهدها المشاعر المقدسة، ومكة المكرمة ، وأعجبت بمستوى الخدمات المتوفرة بها، من وسائل النقل، ومياه الشرب المثلجة، التي يتم توزيعها مجانــــــاً، على ضيوف الرحمن ، ومنذ وصولي لأرض المملكة، وجدت جميع وسائــــل الراحة والرفاهية، مهيأة لحجاج بيت الله الحرام، وممكنة لهم من أداء الحج بيسر وسهولة"([148]).

ومن مصر أيضاً يقول الحاج حسين أبو اليسر : " لقد سبق أن حضرت إلى هذه البلاد خمس مرات، لآداء فريضة الحج ، وفي كل مرة أجد إضافة المزيد من التطور في هذه البلاد، في المجالات العمرانية، والتنموية، والصحية ، أما في هذا العام فقد وجدت الإنجازات والمشاريع العملاقة، الناطقة، التي تؤكد وجود تنمية وطنية عملاقة، قل أن توجد في أي بلد من بلدان العالم ، كما تؤكد وجود خدمات، وتسهيلات هائلة، يستفيد منها الحجاج "([149]).

2 – من دول العالم الإسلامي :

تنطلق ألسنة الحجاج بالثناء على المملكة العربية السعودية، والشكر لها، تعبيراً عما يشعرون به، ويلاقونه من تضحية في سبيل راحتهم، وحرص على رعايتهم، وخدمتهم ، وفيما يأتي انطباعات ومشاعر لطائفة من الحجاج القادمين من العالم الإسلامي :

يقول الحاج زاهد حسين غلام من باكستان :" أنا سعيد للغاية ، فلقد سمعت كثيراً عن هذه الديار ، غير أن الواقع أكبر تأثيراً من الوصف، ولقد سرني ما شهدته من الإخوة السعوديين، من طيب نفس . وتعد التوسعة التي يشهدها المسجد الحرام، وكذلك المسجد النبوي، هي توسعة تاريخية، تسجل لصالح المسلمين، وسيعود عليهم نفعها بإذن الله . لقد أعجبتني جميع الخدمات، وخصوصاً الخدمات الهاتفية، في مكة المكرمة، والمشاعر، فالحاج يستطيع أن يتصل بأهله من أي مكان، داخل مكة المكرمة، أو خارجها "([150]).

وأما الحاج محمد أعظم من باكستان أيضاً فيقول : " إنني أجد في هذه المرة اختلافاً كبيراً ، فهناك بعض المشاريع الجديدة، التي لم أرها من قبل ، وهناك مشروع الحرم الجديد، وهناك ساحة باب السلام، التي أراها للمرة الأولى بعد أن أزيلت بعض البيوتات ، وتغير وجه المدينة، وهذا ولله الحمد، يدل على اهتمام السعودية بأمر الحجاج، فما شاهدته أمر يفوق الوصف ، والخدمات متكاملة والأمن موجود ، فالشكر لله على هذه النعمة، والشكر أيضاً للمسؤولين في هذه البلاد ولجميع الشعب السعودي الكريم "([151]).

ومن تركيا يقول الحاج علي يالسن : " إنها المرة الأولى التي أفد فيها لأداء فريضة الحج ، ولم أكن أتوقع بتاتاً فخامة الإنجازات التي وفرتها المملكة لضيوف الرحمن ، وسعيها الدؤوب والمستمر، في تأمين سلامة ضيوف الرحمن . فلقد شاهدت عن كثب الإنجازات، والمشروعات العملاقة من جسور وأنفاق ، وهو ما يجسد اهتمام حكومة خادم الحرمين الشريفين بضيوف الرحمن من أجل راحتهم"([152]).

ومن بنجلاديش يقول الحاج محمد محسن: " لا أستطيع أن أعبر عن شعوري وفرحتي بأدائي لمناسك الحج، فقد كان حلماً تحقق ولله الحمد ، ولقد سمعت كثيراً عن الكرم السعودي الفياض، من أولئك الحجاج الذين يؤدون الفريضة، ويعودون إلينا في بلادنا، فوصلت إلى هذه البلاد وشاهدت بعيني ما سمعت منه كثيراً ، فذهلت لهذه الرعاية الفائقة التي يحظى بها ضيوف الرحمن، في شتى المجالات، الصحية، والطبية، والهاتفية، وغير ذلك من المجالات ، فوقفت عاجزاً عن التعبير عما يجيش في قلبي من حب لأبناء هذه البلاد الذين طوقونا باهتمامهم، ورعايتهم لنا . لقد وقفت مشدوهاً أمام هذه الإنجازات العملاقة التي أنشئت في هذه البلاد والتي يقف لساني عاجزاً عن التعبير عنها ، فهناك التسهيلات التي تقدم للحجاج، في مختلف القطاعات، وهي منتشرة في مكة المكرمة، والمشاعر المقدسة، وغيرها "([153]).

ومن ماليزيا يقول الحاج مسكوت بن حاج حسين : " لقد شعرت بالراحة والاطمئنان عند دخولي مكة المكرمة، والوقوف أمام الكعبة المشرفة، البيت الأمين ، ولا يسعني في هذا المقام إلا أن أتقدم بالشكر والعرفان لحكومة خادم الحرمين الشريفين، على الجهود والخدمات، التي تقدمها لضيوف الرحمن ، فقـــد استطاعت توفير كافة الخدمـــات مـــن أجل راحة الحجــــاج، ورعـــايتهم الكاملة منذ وصولهم وحتى مغــــادرتهم، للأراضي السعودية "([154]).

تلك هي طائفة من أقوال حجاج العالم الإسلامي، سجلوا من خلالها مشاعرهم، وانطباعاتهم بشأن ما شــاهدوه من مشـــروعات، وخدمات وتسهيلات ، وفــيما يأتي طائفة من أقوال الحجاج المسلمين، من خارج دول العالم الإسلامي .

3 – من دول الأقليات المسلمة في العالم :

لقد أدرك المسلمون الدور المؤثر، الذي تقوم به المملكة العربية السعودية من أجل الإسلام والمسلمين بعامة، والحجاج على وجه الخصوص ، وقد سبق بيان ذلك من خلال انطباعات المسلمين من داخل العالم العربي والإسلامي . وفيما يأتي انطباعات بعض الحجاج الذين قدموا من خارج العالم الإسلامي، وهم الأقليات المسلمة في دول غير مسلمة، بخصوص ما شاهدوه في المملكة العربية السعودية، من إنجازات وخدمات وتسهيلات .

يقول الحاج محمد عبدالسلام من أسبانيا :" ما شاهدته في المشاعر المقدسة، من تطوير مستمر يجسد اهتمام حكومة خادم الحرمين الشريفين ورعايتها المستمرة لتطوير المشاعر بإقامة الأنفـــاق والجسور، التي تكلف الملايين من الريـــالات ، بالإضافة إلى المستشفيات، والمراكز الصحية، وهذه كلهــا أمــــور تجسد حرص واهتمـــام المملــكة بشؤون الحـــج والحجيج "([155]).

ومن كندا يقول الحاج محمد زياد صباح : " إن ضخامة المشروعات المنتشرة بالمشاعر المقدسة تبهر الآتي إلى المملكة للوهلة الأولى ، وتعبر عن نقلة حضارية وتنموية هائلة في جميع المجالات "([156]).

ومن جنوب أفريقيا الحاج عبدالصمد رسول يقول : " إن ما تقدمه حكومة المملكة من خدمات لحجاج بيت الله الحرام، يزداد عاماً بعد آخر ، فقد سبق لي أن أديت فريضة الحج عام 1983م، وهذه هي المرة الثانية التي يوفقني الله فيها لأداء شعائر الحج ، وقد لمست تطوراً كبيراً، وذلك خلال فترة وجيزة ، فقد عم هذا التطور كافة القطاعات لعل في صدارتها التوسعة التي يتم تنفيذها في الحرمين الشريفين، بمكة المكرمة، والمدينة المنورة، إضافة إلى المشاريع التي نفذت بالعاصمة المقدسة، والمدينة المنورة، وهذا دليل على الاهتمام البالغ، الذي تقوم به حكومة خادم الحرمين الشريفين، لخدمة حجاج بيت الله الحرام وللمقدسات الإسلامية "([157]).

ويقول الحاج شوكت علي عثمان من جنوب أفريقيا أيضاً : " إنني بهذه المناسبة أتقدم بالشكر والتقدير، لحكومة خادم الحرمين الشريفين الملك فهد بن عبدالعزيز للجهود التي تبذلها لخدمة ضيوف الرحمن، إنني لم أكن أتصور أن نجد كافة الأمور ميسرة، بهذا الشكل الذي لمسناه في جميع الخدمات، والتسهيلات، التي قدمت لنا منذ لحظة وصولنا "([158]).

ومن الهند يقول الحاج أحمد رشيد : " أحمد الله الذي وفقني لآداء مناسك الحج للمرة الثانية، فقد حججت في عام 1980م، ولكنني لمست تطوراً كبيراً في مستوى الخدمات في هذا العام مقارنة بذلك العام، من حيث نظافة دور إسكان الحجاج "([159]).

وللشعر شهادة يدلي بها شهود الحق، ففي قصيدة بعنوان " تحية الوفود " ألقى الشيخ أحمد بن إبراهيم الغزاوي – رحمه الله تعالى – نائب رئيس مجلس الشورى سابقاً هذه القصيدة في اليوم السادس من شهر ذي الحجة عام 1398هـ حيث يقول عن الأسرة المالكة السعودية ورعايتها للحجاج :

حـي الحجيج يفــــيض مــــنه المشعرُ       وكـــأنما هــو في الأباطـــــح محشـــــر

حــــي التقاة الناسكــــين لربهـــــــــم       وهــــــو العـــــــزيز الخـالق المتكبــــــر

حـي التسـامـي فــــي الذين تجــردوا       مـــن كـل مــا يفنى ، وما هو يدثــــر

تركوا وراء ظهورهم ما استحقبــوا       من كل ما امتلكـوا ، وعنه أدبــــروا

يدعـونه وعيونهــــــم من خشيـــــــة       تهمي ، وتعـــتصر القــلـوب وتهمـر

يرجون رحمتــــه وقـد وعـدوا بهــا       وتطـــــوفوا فـــي بيته واستغــفـــــروا

انـــــا لنشهـــــده بفهــــــــد باسمــــــاً       مــتهـــللاً ، وبضــــــــوئه نـتبصــــــــر

أمـــــا الحـــجيــــج فحسبـــهم آثـاره       تنبيـــــــــهــم بفـــعــــــاله وتـــخبـــــــر

طــــــرق معبــــدة ، وأمـــــن وافـــر       ومنـــــاهل منها الصحاصح تغــــمــر

والخيــــــر فيـــــاض بكـــل مــدينــــة       أو قـــــــرية وبـــــــه الرخـــاء ميســـــر

والعــــــلم ممتـــــــد الــــرواق كأنـــه       شــــمـــــس ، ومــــنه شعـبة يتنــــــور

وكــأنمــــا الصحــــراء عادت جنـــــة       مـــنهــــا القــــطـــوف بكل واد تثمـر

والمــسلمــــون جـميعهــــم أبنــــــاؤه      وبظــــله شــعــــب الجزيـــرة يفخـــــر

قد شيــــد الأمــــجاد وهي طريفــــة      وتــليــــــــدة ، وبهـــا المشاهـــد تزخر

فــــي كل شارفــــــة ، وكل تنوفــــة      يتمـــثـل العــــــمــــران ، وهو يطــور

مــا همـــــــه إلا الحــــيــــــاة رغـــيدة      للمـــؤمنين وأمــــنهـــــــــم يتوفـــــــــر

ويــمينـــــــه فـــي نيــــــل كل رغـبـة      وهـــــــــو الذي للمكرمــــات يصـــدر

عــبدالعزيــــــز ممثــــــل بشــبــــولــــه      والفـــيصـــــل المقــــدام وهو موقــــــر

مــــــــا الفـــهــد إلا خالد وبعزمهــم      تنمــــــــــو البلاد وتستقــــــر وتعمـــر

أولى ضــــيوف الله في أم القــــــرى      تكــــريمهــــــم ، ولــــه المآثر تشكــــــر

غـــمـــرت بشاشته القلـــوب وبـــره      وحنانــــــه ، وبــه الســـــــلام يبشــــر

لا زال فــــي كـــل المواسم داعـــياً      لله ، وهــــــــو مـــؤيــد ، ومظفــــــــــر

وليحـــي عـــبدالله يعـلو في الـذرى      وبــــــه المــباهـــــــج والمــحامـــد تنشر

وليحـــي عـــاهلنا المفدى خـــــــالد      و(بنو أبيـه ) مــــا أفــــــاض المشعــــر([160])

من خــــلال ما تقدم يتضح الإجماع على الشهادة للمملكة العربية السعودية بالقـــــدرة الفائقــــة على تحمل المسؤولية الضخمة، تجاه المسلمين بعامة، وحجاج بيت الله الحرام بوجــــه خاص ، وعلى أدائهـــــا لرسالتها الإسلامية على خير وجه ، ودلالــــة الإنجازات الضخمة، على المستوى الحضاري المتقدم ، والخطط التنموية الموفقـــــة ، بالإضافة إلى الخدمات الإنسانية الراقية، التي تقدمها كافة الأجهزة في المملكة العربية السعودية، لحجاج بيت الله الحرام ، لقد أجمع الكل على ما تتصف بـــــه المملكة، من تفـــرد وتضحيــــة، يعجــــز عنهــــا الكثير، وأن ما شاهـــــدوه فــــوق ما كان يتصـــــور .

 

 

الخاتمــة:

ملامح تأصيل الجانب الإسلامي والسياسي :

ما كان يمكن أن يكون اهتمام المملكة العربية السعودية بالحرمين الشريفين، والمشاعر المقدسة، ومساجد مواقيت الحج والعمرة، والمساجد المأثورة، والاهتمام برعاية حجاج بيت الله الحرام، وخدمتهم على هذه الدرجة الفائقة المتجردة الصادقة، في بذل الحال والمال، لولا فضل الله  عز وجل  ثم همة الملك عبدالعزيز – رحمه الله – العالية، ونظرته الثاقبة إلى المستقبل، ومــــا يتمتـــع بــه من إدراك كامل، قائـــــم على فهــم واضح للحقــــائق الدينية، والسياسية، والاقتصادية، والاجتماعية، مبني على قاعدة إيمانية راسخة، فلقد كان التعاضد بين الإمام محمد بن سعود والشيخ محمد بن عبدالوهاب – رحمهما الله تعالى – في أعماق الملك الفذ الملك عبدالعزيز رحمه الله ، فتلك شجرة طيبة آتت أكلها، فصححت الكثير من المفاهيم الدينية ، حيث عاد المسلمون إلى طريق الإسلام الصحيح، وقضى على البدع والخرافات ، وتحقق الأمن والسلامة والراحة، وتفرز مزيجاً حيوياً بين الدين والسياسة على أسس سليمة ، هذا الهدف الواضح وتلك الرسالة النبيلة أدركها الملك عبدالعزيز منذ اللحظة الأولى التي مكن الله له في الأرض ولأبنائه من بعده ، وبنى أساسه عليها ، وتعلق بها، وربى أبناءه البررة على هديهــــا، وأصبحــــت الرسالــة وكيان الدولة الوليدة يومذاك لُحمة واحدة لا تنفصم عراها ، ولا يبلى جسمها، ولا تتفتت وحدتها، بحفظ الله ورعايته لها .

ولم يكتف الملك عبدالعزيز ببناء هذه الوحدة الدينية السياسية، والحفاظ عليها فقط، بل سعى إلى تطويرها وإصلاحها وتأصيلها، في كافة المجـــالات حتى استطاع بفضل الله – عز وجل – أن يضع الأساس لنظام إسلامي شديد الثبات والاستقرار ، يعالج نظام الحكم والإدارة في الدولة، وهكذا واصلت مسيرة البناء طريقها إلى الارتقاء في عهود ملوك المملكة العربية السعودية، في رعاية ضيوف الرحمن، والعناية بالحرمين الشريفين، والمشاعر المقدسة ، لقد ترك الملك عبدالعزيز – رحمه الله – لأبنائه من بعده موروثاً مباركاً، نشَّأهم على الحفاظ عليه، والعناية به ، ودربهم على تحمل الأمانة وعلى السير بها قدماً ، فكانوا خير خلف لخير سلف .

وتوالى ملوك هذه البلاد الطيبة على أداء الرسالة، وتحمل الأمانة من بعده، فقام كل ملك في عهده بدوره كما تعلم من والده، مع الحرص على إثراء التجربة بكل جديد مفيد، حتى وصل الدور الى خادم الحرمين الشريفين الملك فهد بن عبدالعزيز آل سعود فاكتملت للوطن " أسباب قوته ، ومنعته، وازدهاره . جيش قوي ، واقتصاد متين ، وعمران شامخ ، ونهضة تعليمية واسعة ، وإنجازات علمية رائعة ، وتقدم طبي هائل ، وصحراء غدت مزروعة بالثمار والأشجار ، وبحر محلى ينساب كالأنهار . ويقود خادم الحرمين الشريفين أكبر حركة بناء وتعمير، تشهدها أمة من الأمم في عالم اليوم، من أهمها وأبرزها مشروع الملك فهد لإعمار الحرمين الشريفين وتوسعتهما، بكم وكيف ليس لهما مثيل عبر التاريخ "([161]).

ولقد نجح قادة المملكة العربية السعودية، في تأصيل الأمن والسلام داخل المملكة وخارجها، وتوفير الأسباب التي تؤدي إلى حفظ الأمن والسلام، للمواطنين وحجاج بيت الله الحرام ، وأن ذلك هدف أسمى للدولة، ترتكز فيه على تعاليم الشريعة الإسلامية الغراء، وما فيها من دعوة إلى مراعاة الحقوق الإسلامية، والإنسانية، وحقوق الجوار وطيب الصلة مع الدول المسلمة، وغير المسلمة، امتثالاً لقوله تعالى:{شَرَعَ لَكُمْ مِنْ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحاً وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ}([162]).

وحقق قادة المملكة العربية السعودية أقوالهم، في خدمة الإسلام والمسلمين، وعمارة الحرمين الشريفين، ورعاية الحجاج، بأفعال ظاهرة باهرة ؛ إذ إن أقوال شهود الله في الأرض، من جميع فئات المسلمين، وألوانهم، وأجناسهم إجماعاً متطابقاً، عن إنجازات دولة آل سعود ، وأن المملكة العربية السعودية قامت بدورها الإسلامي والسياسي على الوجه المطلوب خصوصاً وأن توسعة الحرمين الشريفين ورعايتهما والعناية بالمشاعر المقدسة ، والعناية بالحجاج في جوانب حياتهم المختلفة منذ بدء رحلة الحج من بلدانهم ، وأثناء إقامتهم في المملكة العربية السعودية، حتى عودتهم فرحين مستبشرين، بعد أداء فريضة الحج ، كل ذلك جاء متوافقاً مع مستوى طموحات المسلمين، في أرجاء المعمورة ، ولدى الدولة مزيد من العطاء في المستقبل، إن شاء الله تعالى .

لقد برهن ملوك المملكة العربية السعودية على سعة كرمهم، والإنفاق مما أفاض الله عليهم من الخــــيرات، بلا حدود للارتقاء إلى سمو حضاري، معماري وفني في المنشآت المتعددة، التي أقامتها لرعاية الحجاج ، بدءاً من الحرمين الشريفين، فالمشاعر المقدسة، والمساجد المأثورة، والطرق، والجسور، والأنفاق، والمستشفيات، والمساكن، . . . وغيرها، وتوفير المواد الغذائية ، وهذا الإنفاق سهل السبيل لكل حاج، ووفرت بذلك حكومة المملكة العربية السعودية لملايين المسلمين ما يملأ نفوسهم بالطمأنينة، وما يحقق لأبدانهم الراحة، ولقلوبهم الشبع الروحي ، وهكذا يمكننا القول :

1 – لئن كانت دول العالم تفخر بمعالمها السياحية، وآثارها المادية الدنيوية، فإن المملكة العربية السعودية تفخر بمآثرها الدينية والدنيوية، عمارة الحرمين الشريفين، ومساجد المشاعر، والمواقيت، . . . وغيرها في داخل المملكة، وبناء بيوت الله والعناية بها في أنحاء المعمورة ابتغاء وجه الله والدار الآخرة .

2 – لئن كانت دول العالم تفخر برعاية السياح والزوار، وتحقيق مصالح الدنيا فقط لهم ومنهم ، فإن المملكة تفخر برعاية الحجاج لتحقيق مصالح الدين والدنيا لهم،{ لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ}([163]).

3 – لئن كانت دول العالم تسهر على حراسة معابد الأديان الباطلة، والمتاحف والأصنام لدر الأموال، فإن المملكة العربية السعودية ترعى شعائر الدين الخالص، وحرماته لصالح الإسلام والمسلمين، دون مقابل دنيوي أو مقابل سمعة أو شهرة .

4 – لئن أنفقت دول العالم جزء من دخلها الوطني على بناء المسارح، ودور السينما، والهياكل، ودور الأوبرا والنُصب التذكارية، فإن المملكة العربية السعودية أنفقت الكثير من دخلها الوطني، على عمارة الحرمين الشريفين، والمشاعر المقدســـة، ومساجدهــــا، وما يلزم من خدمــــات مساندة دون رسوم أو مكوس أو ضرائب .

5 – لئن قام كثير من دول العالم في شق الطرق، وبناء الجسور لترويج صناعة السياحة، وأخذ الضريبة على ذلك، فإن المملكة العربية السعودية، فتحت الأنفاق، وشقت الطرق، وبنت الجسور والمطارات والموانئ، والمنافذ، وقامت ببناء المستشفيات، والمساكن، وأنشأت وسائل المواصلات والاتصالات لتسهل للمسلمين، الوصول إلى ديار الإسلام، لأداء فريضة الحج دون أجر أو مقابل .

 هكذا يتجلى للقارئ أن تأسيس المملكة العربية السعودية في العصر الحديث على يد الملك عبدالعزيز – رحمه الله – ورعاية الحجاج، وخدمة الحرمين الشريفين، قام واستمر على ثوابت أهمها :

1 – أن الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن الفيصل آل سعود وضع أساساً متيناً متماسكاً رصيناً لدولة عصرية، عقيدتها، وهويتها، ونظامها، وسياستها، الإسلام، هكذا كانت، واستمرت ،وستظل بعون الله وتوفيقه، وتحقق هذا الجانب بالاعتماد على الأصل الإسلامي في قوله تعالى: { إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلامُ}([164]). وقوله جلَّ وعلا : { وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنْ الْخَاسِرِينَ}([165]).

2 – جعل الملك عبدالعزيز من أولويات أهداف دولته الاهتمام بالحرمين الشريفين ، والمشاعر المقدسة، فنبذ الشركيات والبدع وأقام أصول الدين، وعمل على رعاية ضيوف الرحمن، والاهتمام بشؤون الإسلام والمسلمين عالمياً ديناً ودولة، استناداً إلى الأصل الشرعي في قوله تعالى: { مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ شَاهِدِينَ عَلَى أَنفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ أُوْلَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ وَفِي النَّارِ هُمْ خَالِدُونَ ، إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلاَّ اللَّهَ فَعَسَى أُوْلَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنْ الْمُهْتَدِينَ}([166]).

3 – سار أبناء الملك عبدالعزيز من بعده على ما كان قد عودهم أبوهم ، وما أعدهم عليه إعداداً عمليًا، لحمل الأمانة والمحافظة عليها، فاكتملت عناصر بناء الدولة، لتكون المملكة العربية السعودية دولة ذات سيادة وسياسة إسلامية دولية في الحكم والإدارة والتعامل مع الأمم والشعوب في دول العالم، فكانوا في خدمة الحرمين الشريفين، وخدمة الحجاج والزوار والعمار امتثالاً لقوله تعالى: { الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوْا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنْ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ}([167])، وقوله تعالى : { يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ}([168]).

وهذه جملة لملامح تأصيل الجانب الديني، والسياسي، في المملكة العربية السعودية، منذ تأسيسها في عهد الملك عبدالعزيز – رحمه الله – عمل الباحث بتجليتها بمناسبة الاحتفال بمرور مائة عام على هذا التأسيس المفعم بالوثائق والحقائق والوقائع الشاهدة على أصالة المملكة العربية السعودية وريادتها . وهكذا فقد جمعت المملكة العربية السعودية بين فضل عمارة بيوت الله، ورعاية الحجاج إيماناً واحتساباً، والإيمان بالله والإسلام، مخالفة لمنهج الكافرين في عنايتهم بالجانب الدنيوي وإهمال الإيمان بالله، وصدق الله العظيم القائل في محكم التـنزيل:{ أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ}([169])، فالإسلام هو عماد حكومة المملكة العربية السعودية، ولا غنى لها عنه، ولا لشعبها ولا لأي مسلم على ظهر المعمورة، فهو بمثابة الهواء والماء، أي : هو الروح الذي قال عنه المولى جل وعلا : { وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُوراً نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ}([170]) . فالإسلام في المملكة العربية السعودية قيمة هذا البلد، وقيمة إنسان المملكة، هو دينها ووطنيتها وسياستها .

سبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين، وصلى الله على نبينا محمد وآله وسلم تسليماً كثيراً .

 

الهوامـــش



([1]) سورة آل عمران، الآية 97.

([2]) متفق عليه . 

([3]) متفق عليه .

([4]) متفق عليه .

([5]) سورة الحج، الآيتان 27 ـ 28 . 

([6]) سورة آل عمران، الآية 97 .

([7]) مجلة البحوث الفقهية المعاصرة، السنة الثالثة، العدد العاشر 1412 هـ ، وثائق ونصوص 166 . 

([8]) مجلة التضــــامن الإسلامي السنة الرابعة والأربعون، الجزء الخامس، ذو القعدة 1409 هـ ، ص 3 . 

([9]) مجلة دراسات الخليج والجزيرة العربية، العدد 15، السنة 17، ص 208 .

([10]) مجلة المنار، المجلد 26، الجزء الأول 29 رمضان 1343 هـ، 23 أبريل 1925م، ص 158 .

([11]) وكالة الأنباء السعودية، تقرير، 7 ذو الحجة 1405 هـ، ص 1 .

([12]) مجلة الحرس الوطني ، العدد 22 ، 5 ذو الحجة ، 1404هـ ، ص8 ـ 10 .

([13]) نــــوف بنت مشاري بن عبدالعزيز آل سعود ، إلى عرفات الله ، الرياض 1416هـ، ط/1، ص 62.

([14]) جريدة الشرق الأوسط ، 23/9/1994م .

([15]) سورة البقرة، الآية 144 .

([16]) سورة البقرة، الآية 150 .

([17]) سورة آل عمران، الآية 97 .

([18]) رواه أبو داود .

([19]) رواه مسلم .

([20]) محمد محمود الطلحي ، الحرمان الشريفان بين الماضي والحاضر ، دار المعراج للنشر والتوزيع ، الرياض 1416هـ ، ط1 / ص 35 .

([21]) المرجع السابق ، ص 37 .

([22]) نوف بنت مشاري بن عبدالعزيز، إلى عرفات الله . ص 62 .

([23]) مجلة المنهل ، المجلد 17 ، المحرم ـ صفر 1376هـ ، ص 72 .

([24]) المرجع السابق .

([25]) مجلة المنهل ، ربيع الأول 1375هـ ، ص 4 .

([26]) حامــــد عباس، قصة التوسعة الكبرى، مجموعة ابن لادن السعودية، جدة 1416 هـ / 1995م، ص: 242 .

([27]) عبدالمحسن بن سعد الداود ، المملكة العربية السعودية وهموم الأقليات المسلمة في العالم، الهيئة العربية للكتاب ، الرياض ، 1413هـ/1992م ، ص 229–230 .

([28]) مجلة المنهل ، العدد 1 ، المحرم 1390هـ ، ص4 .

([29]) عيد سعود الجهني ، فيصل بن عبدالعزيز قائد أمة ورائد جيل ، مؤسسة الأنوار ، الرياض ، دون تاريخ ، ص76 .

([30]) وزارة الإعلام، عمارة المساجد الأنموذج السعودي لبناء بيوت الله، الرياض، 1417هـ/1996م  ص 49–50 .

([31]) مجلة المنهل ، العدد1 ، المحرم 1395هـ ، ص 854–855 .

([32]) مجلة المنهل ، العدد 8، شعبان 1398هـ ، ص41 .

([33]) مجلة المنهل المجلد 03 ، ذو الحجة 1389هـ ، ص 1574 .

([34]) حامد عباس ، قصة التوسعة الكبرى، ص: 514 .

([35]) مجلة التضامن الإسلامي ، الجزء 10 ، ربيع الآخر 1413هـ ، ص 18 .

([36]) حامد عباس، قصة التوسعة الكبرى، ص: 88، 270 – 278 . 

([37]) المرجع السابق، ص: 344 ـ 351 .

([38]) وزارة الإعلام ، عمارة المساجد الأنموذج السعودي لبناء بيوت الله ، ص57 .

([39]) المرجع السابق ، ص58 . 

([40]) المرجع السابق . 

([41]) المرجع السابق ،ص 57–58 .

([42]) مجلة التضامن الإسلامي ، الجزء 3 ، رمضان 1412هـ ، ص 45–50 .

([43]) المرجع السابق  .

([44]) هيئــــة التحرير ، السعوديون وعمارة بيوت الله ، دار اقرأ للنشر والتوزيع ، الرياض ، 1415هـ ، 37 .

([45]) المرجع السابق .

([46]) المرجع السابق ، ص239 .

([47]) مجلة الأمن، العدد 46، ذو الحجة 1418 هـ، ص7 .

([48]) نوف بنت مشاري بن عبدالعزيز ، إلى عرفات الله، ص135 .

([49]) مجلة الحج ، ج1 ، رجب 1418هـ ، ص2 .

([50]) حــامد ســلطان ، عـــائشة راتب ، صـــلاح الدين عــام ، القــانون الدولي العام ، القاهرة ، دار النهضة العربية ، 1984م ، ط/3 ، ص 14–17.

([51]) المرجع السابق ، ص 335 .

([52]) المرجع السابق ، ص 364 ـ 367 .

([53]) د . ساعد الحارثي، الملك عبدالعزيز رؤية عالمية، ص 298 .

([54]) المرجع السابق، ص 288 ـ 289 .

([55]) جريدة أم القرى ، العدد 3397،2 رمضان 1412هـ ، ص5 .

([56]) المرجع السابق ، ص2 .

([57]) المرجع السابق .

([58]) حامد سلطان وزملاؤه، القانون الدولي العام ، ص 364–367 .

([59]) مجلة المنار ، رمضان 3431هـ ، ص 156–157 .

([60]) مجلة الحرس الوطني ، ذو الحجة 1404هـ ، ص10 .

([61]) مجلة الدارة ، العدد4 ، رجب 1406هـ ، ص 13.

([62]) حامد عباس ، قصة التوسعة الكبرى ، ص 230 .

([63]) المرجع السابق .

([64]) عبدالرحمن بن سبيت السبيت، من وثائق الملك عبدالعزيز، المهرجان الوطني للتراث والثقافة الحرس الوطني، الرياض 1410 هـ، ص: 46 .

([65]) عبدالمحسن بن سعد الداود ، المملكة العربية السعودية وهموم الأقليات المسلمة في العالم، ص 220 .

([66]) مجلة المنهل ، ذو الحجة 1393هـ ، ص 1281 .