تمهيد :
الملك عبدالعزيز جهـاد ، و تاريـخ ، ومسيرة بنـاء .
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف
الأنبياء والمرسلين نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:
فالحديث عن تأسيس المملكة العربية السعودية، وقيامها دولة
ذات كيان؛ ديني، وحضاري، وثقافي وسياسي، لا بد أن يسبقه الكلام عن من وفقه رب
العزة والجلال، لبناء ذلك الكيان، ومكن له في الأرض، فأقام –بعون الله وتوفيقه–
دولة أمضت من عمرها المديد الطويل – بمشيئة الله – مائة عام وإلى مزيدِ مزيدٍ في
مسيرة الخير، والبركة، أعز الله دولة الإسلام، وأدام على ولاة الأمر فيها التمكين
والعزة والمنعة . وبين يدي القارئ عجالة مختصرة عن رجل الأمة الأول في تاريخ
الدولة السعودية في عصرها الحديث وقصة تأسيسها، فالملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن
الفيصل آل سعود – رحمه الله ــ يعد من أعظم القادة والزعماء في هذا القرن ، ومن
أبرز صناع التاريخ في العصر الحديث ، فهو أول بطل عربي مسلم أقام وحدة حقيقية
راسخة الجذور، وطيدة الأركان – على أرض الجزيرة العربية – في العصر الحديث . وعلى
الرغم من أن عبدالعزيز . . الملك الفذ . . مضى على وفاته ما يزيد عن أربعين عاماً،
إلا أن ذكراه الطيبة، وسيرته العطرة، وأعماله المجيدة لا تزال نابضة في القلوب
وحاضرة في الأذهان، فهو غير بعيد عنا اليوم في مقياس الزمن، والاحتفال بمرور مائة
عام على تأسيس المملكة العربية السعودية يعني استلهام شخصيته الفذة وتجربته الثرية
وثمراتها اليانعة في البناء والتطوير .
وُلد الملك عبدالعزيز – رحمه الله – في الرياض
عام(1393هـ/7680م)، وقضى أوائل صباه في ظل جو من الاضطراب والخلافات القائمة في
المنطقة آنذاك . وتعلم القراءة والكتابة ، ثم عهد به والده إلى بعض العلماء الذين
تلقى عنهم مبادئ العقيدة، والشريعة الإسلامية، حتى أشرب قلبه بها ، وأصبحت بصره
وسمعه .
وفي عام 1310هـ رحل مع أبيه الإمام عبدالرحمن إلى
الكويت ، وكان عبدالعزيز – على الرغم من صغر سنه – قد وعى ما حدث، وترسخت في أعماق
نفسه ذكريات مريرة عن ملك آبائه الضائع ، وعن وطنه المغتصب الذي عتت عليه الخطوب
والآلام ، وتشكلت فيه مخايل الرجولة والبطولة ، والفروسية ، وتكامل الشخصية ، وحسن
الخلق ، وسعة الأفق ، وكريم الطباع ، وتوقد الذكاء ، وقوة الحجة والبيان ، والميل
إلى التأمل ، والتفكير العميق ، والإيمان الصادق ، والتوكل العظيم على الرب الكريم
سبحانه . وحين بلغ عبدالعزيز العشرين من عمــره – وهو في الكويت – تجلت مواهبه
العديدة، وبرزت فيه ملامح الزعامة، وصفـــات القيادة بما هيأ الله له من بسطة في
الجسم، ورجاحة في العقل ، وبراعة في الفكر ، وإيمان بالحق ، وجراءة في اتخاذ
القرار السليم ، ولم تكن هذه الصفات والمزايا لتجتمع إلا لقائد فذ أو تتوافر إلا
لملك عظيم مهيب . وعقد البطل عبدالعزيز العزم على مسيرة الجهاد لإعلاء كلمة الله ،
وتوحيد البلاد وجمع شمل الأمة تحت راية التوحيد ،وكان أكبر همه استرداد الرياض، ثم
الانطلاق منها لتحقيق غايته السامية النبيلة .
وفي ظل ظروف
قاسية ، ومصاعب كثيرة ،وإرهاصات مخيفة ، خرج عبدالعزيز من الكويت إلى الرياض، عبر
صحراء قاحلة، بجيش صغير، وزاد قليل، ورواحل هزيلة ، ولكن جنبات قلبه تحمل إيماناً
عميقاً بالله – عز وجل – واقتناعاً بعدالة قضيته، وهي استعادة ملك آبائه وأجداده ،
وتحرير وطنه مهما بذل من جهد ، وقدم من تضحيات .
وكان عبدالعزيز الملك على علم مما سيعانيه هو ورجاله
من مشقة ، وما سيلاقيه من أخطار محدقة، وأعداء كثر، فعلى الرغم من أنه سليل أسرة
عربية عريقة، كانت تحكم الدرعية قبل مائتين وخمسين عاماً ، حملت خلالها لواء
الدعوة الإسلامية التجديدية ، ( زمن الإمامين محمد بن سعود، ومحمد بن عبدالوهاب )
، وقاومت نفوذ الحاقدين والحاسدين ، وعلى الرغم من شرعية عبدالعزيز في استرداد
الحكم والسلطة، إلا أن مهمته لم تكن ميسرة إطلاقاً بسبب التغيرات الكثيرة التي
طرأت على الجزيرة العربية، وفي أعقاب الخلافات بين حكامها وأمرائها ، فضلاً عن
غياب الأسرة السعودية المؤقت ، حيث عم الفقر والجهل والمرض ، وانتشرت البدع
والخرافات ، وكثر القتل والنهب والسلب ، وقطعت طرق الحج، وحلت الفوضى، إلى أن تمكن
عبدالعزيز من استرداد الرياض .
فمع شروق شمس يوم الخامس من شوال عام 1319هـ الموافق
للخامس عشر من يناير عـــام 1902هـ خلص عبدالعزيز الرياض من أيدي المعتدين، ونادى
المنادي في أرجائها قائلاً :" الملك لله ثم لعبدالعزيز " ، وهذه هي نقطة
الانطلاق الأولى لتأسيس المملكة العربية السعودية التي نحتفل اليوم بذكراها الطيبة
.
كان استرداد الرياض بداية مسيرة الملك عبدالعزيز
التوحيدية، وفاتحة جهاد مبارك، استمر واحداً وثلاثين عاماً حقق من خلاله توحيد
الكيان الكبير . فبعد استرداد الرياض وتحصينها انطلق الملك عبدالعزيز يوحد أجزاء
الدولة حيث ضم القصيم عام 1322هـ ، وضم الأحساء عام 1331هـ ، وفي عام 1334هـ ضم
منطقة عسير ، ثم حائل عام 1340هـ ، وواصل القائد البطل انتصاراته الباهرة في لم
شمل الوطن ، فتحقق له الانتصار في الطائف ، ودخل مكة عام 1343هـ ، ثم جدة عام
1344هـ ، وبذلك أصبحت سائر مدن الحجاز ونجد تحت حكمه يرحمه الله .
وما أن انتهى الملك عبدالعزيز من مرحلة الجهاد
والتوحيد، حتى بدأ مرحلة البناء والتنظيم، وتوطيد الأمن وتأمين طرق الحج، وتعمير
البلاد، وتشجيع الزراعة ، وتوطين البدو وتثبيت كيان المملكة وتسوية مشكلات الحدود
، وتحسين العلاقات مع الدول العربية والإسلامية الشقيقة، والدول الصديقة، والوقوف
إلى جانب قضاياها العادلة .
ولقد خطا
الملك عبدالعزيز خطوات موفقة في مجال الإصلاح الداخلي للبلاد فجعل القرآن الكريم،
والسنة النبوية المشرفة، دستور المملكة ، وأسس مجلس الشورى، وهيئة الأمر بالمعروف
والنهي عن المنكر ، كما نشر المدارس الحديثة ، واستقدم المدرسين ، وأرسل البعثات ،
وطبع الكتب ووزعها مجاناً ، وعمل على الانتفاع بأساليب الحضارة والمخترعات الحديثة
كافة ، وعندما أنعم الله عليه بتدفق النفط عام 1358هـ أخذت المملكة تتطور في
الجوانب التعليمية، والعلمية، والصحية، وإنشاء الطرق، والسكك الحديدية ، وأسس مجلس
الوزراء، ووضع موازنة للدولة، وابتدأ في تنفيذ مشروعات توسعة الحرمين الشريفين
خدمة للهدف الإسلامي الذي جعله همه الأكبر .
وفي النواحي السياسية الخارجية عقد الملك عبدالعزيز
المعاهدات مع الدول بما يحقق مصالح المملكة ، وأسهم في تأسيس جامعة الدول العربية
عام 1365هـ، كما أصبحت المملكة عضواً في هيئة الأمم المتحدة، وعمل الملك عبدالعزيز
على نصرة قضايا أمته ، وبذل جهوده في تقديم المساعدات، والإعانات المالية،
والعسكرية للدفاع عن تلك القضايا العادلة .
وفي شهر ربيع الأول من عام 1373هـ انتقل الملك
عبدالعزيز إلى جوار ربه بعد أن ناضل وجاهد أصدق الجهاد في سبيل الحق والخير . .
وبعد أن أسس هذه المملكة المترامية الأطراف ووضعها على مشارف المستقبل .
وقد سار أبناؤه البررة على طريق الخير مترسمين خطاه
مقتفين أثره الملك سعود ثم الملك فيصل ثم الملك خالد – يرحمهم الله –لقد حملوا
مسؤولية القيادة ، وساروا بهذه المملكة على طريق البناء والتقدم . والمملكة
العربية السعودية تعيش اليوم أوج نهضتـــها في عهد خــادم الحرمين الشريفين الملك
فهد بن عبدالعزيز آل سعود الذي قاد الأمة، وحقق للبلاد نقلة شاملة، في مختلف
المجالات، فاحتلت المملكة مركزها المرموق بين الدول العصرية الحديثة ، وأصبحت قبلة
أنظار العالم، لدورها المؤثر في تعزيز التعاون، والتضامن، والاستقرار، والسلام
وخدمة الإسلام والمسلمين، وبذل الخير، ونفع البشرية .
وما من شك فإن دول العالم وحكوماتها على اختلاف
مشاربها، وحضاراتها، وثقافاتها، وتوجهاتها السياسية والإدارية، تعتمد في نظم
حكمها، وإدارتها، قائمة من الاهتمامات لتصريف شؤون الحياة وأمور الناس، بما يخص
أهداف الدولة، ونظام الحكم، وتوزيع السلطة ، وما يلزم لشعبها من شؤون الدفاع،
والتعليم، والصحة لإقامة مجتمع إنساني سليم، ودولة لها سيادة واحترام بين دول العالم
، والمملكة العربية السعودية تتوافق في هذا الأمر مع بقية الدول .
ولكن المملكة العربية السعودية، تتميز عن بلدان
العالم ودوله جميعها بما مَنْ الله عليها من واجب خدمة الحرمين الشريفين ،
والاهتمام بهما رعاية للحجاج والزوار والمعتمرين لأقدس بقاع الأرض وأعظمها حرمة
ومكانة عند الله ، فهي من شعائر الله { ذَلِكَ وَمَنْ
يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ }، والمملكة
العربية السعودية من خلال خدمتها لحجاج بيت الله الحرام، تقوم بواجبين:
أولهما: الواجب الإسلامي الديني الشرعي نحو إخوة
مسلمين يأتون من كل فج عميق، لأداء مناسك الحج، والعمرة، وزيارة الحرمين الشريفين،
والمقتضي تمكينهم من أداء الفريضة الدينية ، أو الزيارة، فضلاً عن رعايتهم،
وحمايتهم، وتقديم حق الإسلام لهم .
وثانيهما: واجبها نحو ضيوف ووافدين من دول أخرى،
يلزمها حمايتهم، وحفظ أنفسهم وأموالهم من أي ضرر بحكم المواثيق الدولية السياسية
المتعارف عليها بين دول العالم .
وهذه الدراسة سوف تتناول تأصيل الجانب الشرعي للواجب
الذي يقع على عاتق المملكة ، ثم بيان تأصيل الجانب السياسي لدى حكومة المملكة
العربية السعودية منذ تأسيسهـــا وتوحيدها على يد الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن
الفيصل آل سعود يرحمه الله ، ومن جاء بعده من أبنائه الكرام، لخدمة الحجاج ،
وينطلق تأصيل هذين الجانبين من خلال تحليل الوثائق التاريخية المعلنة من قبل ملوك
الدولة السعودية منذ عهد الملك عبدالعزيز – يرحمه الله – حتى عهد خادم الحرمين
الشريفين الملك فهد بن عبدالعزيز آل سعود ومــا تضمنته هذه الوثائق من إظهار
الجانب الديني لتلك الرعايــــة ، ومثالاً لهذا التأصيل قراءة لنص النداء الـــذي
وجهه الملك عبدالعزيز – رحمه الله – إلى جميـــع المسلمين في مشـــارق الأرض
ومغاربها من مكة المكرمة في شهر شعبان لعام 1343هـ الموافق للخامس والعشرين من
فبراير 1925م ، لتأمين الحج وتحقيق الأمن والسلامة للحجاج، الآتي نصه في المبحث
الأول .
إن نداء الملك عبدالعزيز – رحمه الله – ما هو إلاّ
وثيقة تاريخية أصلت حقيقة عمل الدولة السعودية من الناحية الإسلامية الدينية، ومن
الناحية الإدارية السياسية، بصفتها دولة لها كيانها، ونظام حكمها . ومن هنا فإن
البحث سيناقش –بالتحليل، والتعليل والتعليق–، حقائق تاريخية من خلال الوثائق التي
سيعرضها الباحث، لتأصيل المنهج السعودي في خدمة الإسلام والمسلمين ، ورعاية الحجاج
لكون ذلك واجباً شرعياً ، وكذلك خدمة الإنسان المسلم لكونه مواطناً من دولة أخرى
ينزل ضيفاً على المملكة سواء أكان من دولة مسلمة أم من أي دولة أخرى غير مسلمة من
الدول التي تعيش فيها أقليات أو جاليات مسلمة ، أوبناءً على المواثيق الدولية ،
وستتضمن الدراسة مباحث ثلاثة :
المبحث الأول : الجانب الإسلامي:
خدمــــة
الحجاج والمعتمرين واجب ديني تقوم به المملكة العربية السعودية نحو المسلمين .
1– توسعة الحرمين الشريفين في مكة المكرمة والمدينة
المنورة .
2– العناية بالمشاعر المقدسة والمساجد المأثورة .
ودراسة هذه العناصر، ستتم من خلال عرض الوثائق
التاريخية، عن الحج والحجاج، الواردة في بيانات ملوك المملكة العربية السعودية
وأمرائها وخطاباتهم ، التي أعلنوا فيها التزامهم بواجبهم لخدمة الإسلام والمسلمين
عموماً، والحجاج والزوار والمعتمرين خصوصاً، وكيف انتهت هذه الوثائق إلى ترجمة حقيقة
واقعية في رعاية الحجاج وخدمتهم .
المبحث الثاني : الجانب السياسي:
المملكة العربية السعودية دولة ترعى المسلمين
القادمين من جميع أنحاء العالم؛ لأداء مناسك الحج والعمرة بحق ولايتها على الحرمين
الشريفين، والمشاعر المقدسة، ورعاية شؤون الحج بمقتضى الشريعة الإسلامية، وبحكم
مكانتها الدولية، لذا فهي تعمل على تحقيق أمور كثيرة ، منها :
1 – تسهيـــل مهمة قــدوم الحجاج والمعتمرين من أنحاء
العالم إلى المملكة العربية السعودية ، ومنحهم تأشيرات الدخول إليها دون أجر أو
رسم .
2 – تنظيم استقبال الحجاج في موانئ المملكة الجوية
والبرية والبحرية ، وتسهيل مهمة تحركاتهم داخل الحرمين الشريفين، والمشاعر المقدسة
، وتنظيم سفرهم إلى بلادهم .
3 – المحافظة على الحجاج من تعرضهم إلى إساءات
الآخرين من خلال المهاترات السياسية، والشغب والمسيرات ، ومنع ما يتسبب في أذى
الحجاج نفسياً أو بدنياً أو مالياً أو معنوياً .
4 – منع المنشورات الفكرية، والسياسية المناقضة
للإسلام، والعقيدة الإسلامية، حفاظاً على صحة العقيدة الإسلامية لدى الحجاج ، ومنع
الشعارات الزائفة المناهضة للشريعة الإسلامية .
5 – تأمين الأمن، والسلامة، والرعاية الصحية
والاقتصادية، وغيرها .
والبحث
يتناول هذه العناصر من خلال جملة التنظيمات التي وضعتها المملكة العربية السعودية
لتحقيق مصلحة الحجاج بوجهها السياسي، ولتثبت روح الإسلام من جهة ، ولتوطيد
العلاقات الدولية مع سائر دول العالم من ناحية أخرى .
المبحث الثالث :
المملكة العربية السعودية مائة عام في خدمة الحجاج وثائق ونصوصاً :
إن مشاهدات
أبناء الأمة الإسلامية وانطباعاتهم حكاماً ومحكومين لإنجازات المملكة العربية
السعودية ورعايتها للهدف الإسلامي وعمارة الحرمين الشريفين، والمشاعر المقدسة،
برهــــان ساطع ناصع، على تأصّل الجانب الإسلامي ، والسياسي في نظام هذه الدولة
الفتية ، وإن البحث سيعرض إلى نماذج لشهادات بعض الشخصيات الإسلامية وغير
الإسلامية عن مآثر المملكة الإسلامية متضمناً ما يأتي :
1 – أقوال ملوك العالم ورؤسائه عن خدمة المملكة
للحجاج .
2 – أقوال العلماء والمفكرين عن خدمة المملكة للحجاج
.
3 – مشاهدات ضيوف المملكة أثناء الحج والعمرة
وانطباعاتهم .
4 – حقائق ووثائق عن حجم الأعمال التي تمت لخدمة
الحجاج منذ توحيد المملكة العربية السعودية على يد الملك عبدالعزيز – رحمه الله
–تبين وفاء المملكة بواجبها الديني، ونجاحها في الجانب السياسي من خلال علاقاتها
الدولية .
وبالله العون ومنه نستمد التوفيق .
وآخر دعوانا أن
الحمد لله رب العالمين .
المبحــث الأول: رعاية المملكة العربية السعودية الحجاج والمعتمرين من
الجانب الإسلامي :
يمثل الحج الركن الخامس من أركان الإسلام، ويلزم المسلم
أداءه مع الاستطاعة لما فيه من الفضائل العظيمة، يقول الله عز وجل : { وَلِلَّهِ عَلَى
النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَنْ كَفَرَ
فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ }([1])، ويقول معلم
الهدى نبينا محمد e : " بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا
الله ، وأن محمداً رسـول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وحج البيت، وصوم
رمضان"([2]) . ويقول e
: " من حج فلم يرفث ولم يفسق رجع كـيوم ولـدته أمه" ([3]) . ويقول عليه
الصلاة والسلام: "العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما والحج المبرور ليس له
جزاء إلا الجنة"([4]).
إن هذه الشعيرة العظيمة من أهم ما يميز الأمة
الإسلامية عن غيرها من الأمم ومن خلالها يتم التقاء المسلمـــين بعضهم ببعض من
جميع أنحاء الدنيا في جو روحاني إيماني لا يتميز فيه أحد على الآخر ، هدفهم وقصدهم
واحد هو عبادة الله وطاعته، سائلين عفوه ومغفرته ، مجيبين نداء الحق – عز وجل –
منذ أن أمر خليله إبراهيم – عليه السلام – بنداء الناس إلى الحج : { وَأَذِّنْ فِي
النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالاً وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ
كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ ، لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ
لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ}([5]). وقال تعالى : { وَلِلَّهِ عَلَى
النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنْ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَنْ كَفَرَ
فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْ الْعَالَمِينَ}([6]).
وفي مراحل مختلفة من التاريخ، كان الحج يشكل عقبة
كأداء حتى على القادرين من الناس؛ لما كان يحفه من المخاطر والصعاب، ففي بعض
الأزمان أمسى الحج ضرباً من ضروب المخاطرة، التي قد يعرض فيها الحاج حياته للخطر،
وفي أحيان كثيرة كان الحاج يودع على أنه قد لا يعود ، وبدل الله الأمر بما هو خير
منه ، وقيض لهذه الأمة الملك الإمام عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود –رحمه الله –
فـجمع الشمل، وفوت الفرصة على مروعي ضيوف بيت الله الحرام بإقامة الشريعة
الإسلامية الغراء التي تحقق العدل والأمان .
لهذا فقد حرصت المملكة العربية السعودية منذ تأسيسها
على أن تستند في كل توجهاتها إلى مبادئ الدين الإسلامي الحنيف ، وتعاليمه السمحة ،
متخذة من القرآن الكريم، والسنة النبوية الشريفة دستوراً لها ، مطبقة على هدي
منهما شريعة الله – عز وجـــل – لإحقــاق العدل ونشر الفضيلة ، وقد شرفها الحق –
عزوجل – بالحرمين الشريفين ، وجعل فيها قبلة المسلمين ومهوى أفئدتهم، وتَعد
المملكة العربية السعودية خدمة الحرمين الشريفين، ورعاية الحجاج والمعتمرين، من
مهماتها الأساسية ، وواجباتها المقدسة، التي تسعى لإنجازها بمستوى فائق . يقول
خادم الحرمين الشريفين الملك فهد بن عبدالعزيز آل سعود : " لقد تأسس الحكم في
هذا البلد العزيز علينا وعلى كل مسلم في العالم، على تقوى الله، وإقامة حدود الله
، والتمسك بتعاليم العقيدة الإسلامية نصاً وروحاً ، وقولاً وفعلاً، نأمر بالمعروف
، وننهى عن المنكر ، ونقيم العدل بين الناس ، نفشي السلام ، ونصل الأرحام ، ونسعى
ما استطعنا إلى الإصلاح بين الناس، وحل الخلافات بالكلمة الطيبة ، وبالتي هي أحسن
.
على هذه الأسس القويمة والدعائم الكريمة قامت المملكة
العربية السعودية منذ أن أسسها الملك الراحل عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود –
يرحمه الله – وانطلاقاً من المسؤولية التي شرفها الله بها حكومة وشعباً بخدمة
الحرمين الشريفين، ورعاية حجاج بيت الله العتيق، جندت المملكة كل طاقاتها المحدودة
وإمكاناتها المتواضعة منذ نشأتها في القيام بهذا الواجب الإسلامي العظيم ، معتمدة
على الله، ثم على سواعد أبنائها دون كلل أو ملل ، حتى أفاء الله علينا من نعمه،
وفجر لنا كنوز الأرض بتدفق النفط، فضاعفنا الجهود، ورفعنا مستوى الأداء، وبذلنا
العطاء، في سبيل تحسين سبل معايشنا وتطويرها ، بما يتواكب مع متطلبات العصر ،
وأنفقنا كلما وفقنا الله إليه، لخدمة الحرمين الشريفين، والسهر على راحة الحجاج، والزوار،
والمعتمرين، تعبيراً عن شكرنا لله على نعمه وآلائه"([7]) ويقول : "
إن من نعم الله على هذا البلد وأبنائه، أن أكرمنـا الله بخدمة الحرمين الشريفين،
وخصنا برعاية الحجاج، ووفقنا لعمارة المسجد الحرام ، ومسجد الرسول الكريم صلوات
الله وسلامه عليه .
ولذا فإن هذا الواجب الإسلامي العظيم يتطلب منا، أن
نكون في مستوى أدائه، وشكراً وحمداً على نعمائه وآلائه، التي أسبغها علينا ومن
أعظمها تمسكنا بعقيدتنا الإسلامية نصاً وروحاً، قولاً وعملاً، وتطبيق شرائعها ،
وامتثال أوامرها ، واجتناب نواهيها في كل شؤون الحياة " ([8]).
إن العناية بالحرمين الشريفين، وضيوف الرحمن، من
أساسات منهج الحكم في المملكة العربية السعودية، منذ تأسيسها،حيث نصت المادة
الرابعة والعشرين في الباب الأول من نظام الحكم على ما يأتي :
" تقوم الدولة بإعمار الحرمين الشريفين،
وخدمتهما، وتوفر الأمن، والرعاية لقاصديها، بما يمكن من أداء الحج والعمرة،
والزيارة، بيسر وطمأنينة"([9]).
إن هذه المنطلقات قد تجسدت في ممارسة قادة المملكة
العربية السعودية منذ توحيدها عــلى يد الملك عبدالعزيز ، رحمه الله تعالى ، فقد
أكد منذ دخول الأماكن المقدسة تحت ولايته على المبادرة إلى رعاية الحجاج ، وحرص
على تبليغ ذلك للمسلمين، في مشارق الأرض ومغاربها، فقال – رحمه الله تعالى – في
النداء الذي وجهه إلى المسلمين من مكة المكرمة، في شهر شعبان عام 1343هـ، الموافق
للخامس والعشرين من شهر فبراير عام 1925م :" لما كان من أجل مقاصدنا خدمة
الإسلام والعالم الإسلامي ، وهو المبدأ الذي اتخذناه عند الشروع في هذه القضية
العظيمة الشأن رأيت الواجب يدعوني لأبين للمسلمين عامة ما يأتي :
إننا نرحب ونبتهج بقدوم وفود حجاج بيت الله الحرام،
من المسلمين كافة في موسم هذه السنة، ونتكفل – بحول الله – بتأمين راحتهم،
والمحافظة على حقوقهم، وتسهيل أمر سفرهم إلى مكة المكرمة من إحدى الموانئ التي
ينزلون إليها، وهي : رابغ، أو الليث ، أو القنفذة ، وقد أحكم فيها النظام، واستتب
الأمن استتباباً تاماً منذ دخلتها جيوشنا، وسنتخذ من التدابير في هذه المراكز جميع
الوسائل التي تكفل تأمين راحة الحجاج إن شاء الله تعــالى "([10])، وقد نشرت
وكالة الأنباء السعودية (واس) في 7/12/1406هـ تقريراً إحصائياً عن أعداد الحجاج
الذي وفدوا إلى المملكة العربية السعودية منذ عام 1345هـ حتى عام 1405هـ أي : من
حين النداء المبارك، الذي وجهه الملك عبدالعزيز للمسلمين بتأمين الحج ، يتضح من
خلاله ازدياد عدد الحجاج بعد زوال العقبات التي كانت تجعل من الحج رحلة عسيرة
وشاقة ومحفوفة بالمخاطر، وإرساء دعائم الأمن وتيسير السبل، ولقد جاء في إحصاء
موجزٍ للرئاسة العامة لشؤون المسجد الحرام والمسجد النبوي (نشرته وكالة الأنباء
السعودية في 7/12/1405 هـ) بيان لعدد الأعوام التي لم يحج فيها الناس من الخارج
بسبب الحوادث والفتن وعدم استتباب الأمن داخل الحرمين الشريفين والمناطق والطرق
المحيطة بهما وبالمشاعر المقدسة وجملة ذلك مائتان وثلاثة عشر عاماً . كما بين
الإحصاء عدد الأعوام التي لم يحج فيها أمير بعينه على وفود الحجاج ، وإنما كان يحج
من كل قطر أمير على حجاج بلده ، وكــان ذلك لمـدة مائتي عـام وعام([11]) . منذ أن مكن
الله –عز وجل – لإمام المسلمين الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود الذي غير وجه
الجزيرة العربية، ومَنَّ الله على هذه البلاد بمن لا يألون جهداً في سبيل راحة
الحجاج، وتسهيل أمورهم منذ عهد جلالة الملك عبدالعزيز – رحمه الله – حتى وقتنا
الحاضر عهد خادم الحرمين الشريفين الملك فهد بن عبدالعزيز ، وهو الذي وهب نفسه
لخدمة الإسلام والسهر على راحة حجاج بيت الله الحرام، ويشرف على ما يتعلق بشؤونهم
بنفسه، ويرعاهم الرعاية التامه إحياء للسنة، واتباعاً لشرع الله تعالى .
فمنذ ذلك التاريخ (أي عام 1345 هـ) حتى وقتنا الحاضر
يتولى ولي أمر المسلمين في المملكة العربية السعودية، أو من ينيبه على ذلك ممن له
مكانة وهيبة بين الناس رعاية حجاج بيت الله الحرام ليعلمهم مناسكهم، ويرشدهم في
أمور دينهم، ويقودهم إلى المشاعر المقدسة، وينصرف بهم منها في الأوقات المحددة
شرعاً، تأسياً برسول الله e ؛ لأن الحج شأنه عظيم، وفضله جسيم، تميل إليه النفوس
على الرغم من مشاقه، وتشتاق إليه كل عام وإن بعدت مسافاته، فهو أحد الأركان الخمسة
التي بني عليها الإسلام .
إن قادة هذه البلاد يؤكدون دائماً على المنهج
الإسلامي الرشيد، والالتزام به، والسعي لما فيه خير الإسلام والمسلمين ، يقول
الملك عبدالعزيز – رحمه الله تعالى – في خطاب ألقاه في موسم حج عام 1352هـ مبيناً
الجوانب الإسلامية والسياسية في منهاج الحكم في المملكة العربية السعودية : "
أشكر الحق – جل وعلا – على أن أتاح لنا هذا الاجتماع، بوفود بيت الله الحرام،
الذين جاءوا لأداء فريضة الحج، التي هي ركن من أركان الدين ، وأنا وإن كنت ملكاً،
ولكني أوقفت نفسي، وعملي على ثلاث مسائل:
1 – أني أعمل ما فيه الخير والصلاح لديني إن شاء الله
.
2 – ليس لي رغبة في معاداة أحد من المسلمين صغيراً
كان أو كبيراً .
3 – أنا لا أحب الاعتداء على أي كان، وجل غايتي في كل
وقت الدفاع عن ديني، وبلادي، وشرفي، وأشهد الله على أني أتمنى وأسعى للائتلاف
والتصافي في كل وقت، وآن . . . لقد حكمت هذه البلاد حكومات قوية، ولكنها لم تقدر
على تأمين الطريق، أما اليوم فالأمن سائد في طول البلاد وعرضها قد لمستموه بأيديكم
، وهذا من فضل ربي علينا "([12]).
وهكذا كان لذلك الأمـــن الذي أرسى دعائمــــه الملك
عبدالعزيز – رحمه الله تعالى – منذ دخوله الديار المقدسة الأثر الأكبر، في زيادة
عدد القادمين إلى الحج والعمرة، كما أن تطور وسائل المواصلات من جانب آخر، قد أسهم
أيضاً في هذه الزيادة([13]) الأمر الذي حدا
بالملك عبدالعزيز – رحمه الله تعالى – إلى التفكير في توسعة الحرمين الشريفين حتى يستوعبا
هذا الازدياد المطرد في عدد الحجاج ، وذلك انطلاقاً من طموحاته – رحمه الله تعالى
– في تقديم أفضل الخدمات لضيوف الرحمن ، والتيسير عليهم ، واستشرافاً للمستقبل
الذي يدل على اطّراد الزيادة في عددهم عاماً بعد عام . إن التوسعة التاريخية
الكبيرة للحرمين الشريفين بمكة المكرمة والمدينة المنورة تأتي في طليعة المشروعات
العديدة، التي نفذتها حكومة المملكة العربية السعودية خلال خططها التنموية، منذ
عهد الملك عبدالعزيز – رحمه الله –حتى عهد خادم الحرمين الشريفين الملك فهد بن
عبدالعزيز ، سواء من حيث السعة أم من حيث التكاليف؛ نظراً لاهتمام المملكة بهاتين
المدينتين المقدستين، اللتين تحتلان مكانة رفيعة عند سائر المسلمين في العالم، وفي
مقال بعنوان : " التوسيع التاريخي للحرمين الشريفين في مكة المكرمة والمدينة
المنورة " للأستاذ الدكتور جيفري كينغ، الأستاذ في معهد الدراسات الشرقية
والإفريقية بجامعة لندن ، وصاحب كتاب ( المساجد التاريخية السعودية ) كتب (كينغ)
ما يأتي : " يقع الحرم المكي الشريف في مكة المكرمة، في قلب العالم الإسلامي،
إنّها القبلة التي يتجه إليها جميع المسلمين أثناء صلاتهم ، كما يؤدي دوراً رئيساً
في فروض الحج والعمرة، ويهيمن على الحياة في مكة ، كما يهيمن مسجد النبي محمد e
على الحياة في المدينة المنورة ، فقد تم تأسيسه في السنة الأولى من الهجرة الموافق
622م . وقد كون تصميمه بباحته والمنطقة المغطاة على الجهة الجنوبية " القبلة
" ، مثالاً احتذت به جميع المساجد التي يتم بناؤها في العالم الإسلامي
"، ويقول (جيفري كينغ) : " وبينما وصل الحرمان الشريفان ذروتهما في
الأيام الأخيرة تعد عملية التوسيع ذات جذور تاريخية تعود إلى بزوغ الإسلام ، فقد
نتج الاتجاه إلى إيجاد المزيد من الأمكنة الفارغة في الحرمين الشريفين من جراء الارتفاع
المستمر في عدد المصلين في جميع الفترات فقد ازداد عدد الحجاج المشاركين في فريضة
الحج في السنين الأخيرة ازدياداً مطرداً ليبلغ المليون، وأثناء موسم حج 1993م زاد
عددهم عن المليونين ، وكانت التوسيعات الأخيرة على درجة هائلة بحيث تجاري الأعداد
المتزايدة التي ترتاد المسجدين "([14]).
إن العناية بمكة المكرمة والمدينة المنورة إنما هي
استجابة لأمر الله عز وجل، ومن أجل وجهه الكريم ، فمكة المكرمة مهبط الوحي، ومهد
الرسالة الخاتمة وتضم أول بيت وضعه الله للناس لعبادته على الأرض ، ومنه تستمد
قدسيتها، فبيت الله العتيق هو الكعبة المشرفة ،و القبلة التي يتجه إليها المسلمون
في صلواتهم يومياً ، منذ أن جاء الوحي بالتوجه في الصلاة إلى المسجد الحرام كما
قال الله – عز وجل –: { قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ
فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ
الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ
وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ
رَبِّهِمْ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ}([15]). وقول الله –
عز وجل–: { وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ
وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّوا
وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلاَّ
الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ فَلا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي وَلأُتِمَّ نِعْمَتِي
عَلَيْكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ}([16]).
ويفد إلى مكة المكرمة ما يزيد عن مليوني مسلم كل عام،
لتأدية الركن الخامس من أركان الإسلام وهو الحج استجابة لأمر الله عز وجل ، وطلباً
لمرضاته ، وحذراً من سخطه، يقول الله – عز وجل – : {وَلِلَّهِ
عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنْ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَنْ كَفَرَ
فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْ الْعَالَمِينَ}([17]).
وقد كان أهل الجاهلية يعظمون البيت الحرام بما بقي
لديهم من بقايا دين إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام، ومن مظاهر تعظيمهم له
وعنايتهم به، قيام قريش ببنائه لما ظهر عليه التصدع ، وقد شارك الرسول الكريم محمد
e في وضع
الحجر الأسود في مكانه من الكعبة ، قبل أن يبعثه الله نبياً ورسولاً لتبليغ رسالة
الإسلام للعالمين ، ولمَّا أكرمه الله – عز وجل – بالرسالة وفتح له مكة المكرمة
أعاد البيت على ما كان عليه من الطهـارة وتهيئته للركع السجود، كما أمر الله –عز
وجل – بذلك، وما زال المسلمون يحملون هذه الأمانة ، ويحرصون على أدائها كما يحب
الله عز وجل ، ويرضى امتثالاً لأمره وطلباً لمرضاته .
أما المدينة المقدسة الثانية عند المسلمين فهي
المدينة المنورة ، دار هجرة النبي e ، ومنطلق دعوته المباركة،ومثواه e
ومثوى أصحابه أبي بكر وعمر وعثمان وغيرهم من الصحابة رضي الله عنهم، وتضم المسجد
النبوي الشريف، وقد حرمها النبي e كما حرمت مكة المكرمة، قال e:
" المدينة حرام ما بين عير إلى ثور لا يحل حلالها ولا ينفر صيدها ولا يصلح أن
تقطع منها شجرة إلا أن يعلف رجل بعيره "([18])، وقال عليه
الصلاة والسلام في فضل مكة المكرمة والمدينة المنورة: " ليس من بلد إلا سيطؤه
الدجال، إلا مكة والمدينة، وليس نقب من أنقابها إلا عليه الملائكة صافين تحرسهما،
فينزل بالسبخة فترجف المدينة ثلاث رجفات يخرج الله منها كل كــافر ومنافق"([19]). ويزورها
المسلمون من كل مكان للصلاة في هذا المسجد، والسلام على رسول الله e
وصاحبيه رضي الله عنهما، وقد جاء في الحديث الشريــف قول النبي e:
" لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد : المسجد الحرام، ومسجدي هذا، والمسجد
الأقصى " ، فسن النبي e شد الرحال لزيارة مسجده لما له من الفضل العظيم،
فالصلاة فيه تعدل ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام .
ونظراً لما للحرمين الشريفين من قدسية عظيمة ومنزلة
خاصة عند جميع المسلمين فقد اهتم الخلفاء والحكام والسلاطين، والملوك، بشؤونهما،
وتوسعتهما وعمارتهما، تأسياً برسول الله e
وخلفائه الأبرار الراشدين من بعدهم .
وكان الملك عبدالعزيز – يرحمه الله تعالى – قد بادر
بعد قيامه بتأسس المملكة بالعنايـــة بالحرمين الشريفين إحــياء للنهج الإسلامي
ومسارعة إلى تعظيم ما عظمه الله عز وجل ، وعظمه رسوله e
، فقد أمر – رحمه الله تعالى – بإجراء الترميمات اللازمة للحرم المكي عام 1344هـ
حينما كلف مدير الأوقاف الشيخ محمد سعيد أبا الخير بترميم كل ما يقتضي الأمر
إصلاحــــه في المسجد الحرام ، وفي عام 1346هـ أمر الملك عبدالعزيز الشيخ عبدالله
الدهلوي بإصلاح كلي للمسجــــد الحرام من الداخــــل والخـــــارج([20]).
وبدأ العمل في شهر جمادى الأولى من العام نفسه، وفرشت
أروقة المسجد الحرام بعمومها، من جهاته الأربع، مع زيادة باب دار الندوة، وباب
إبراهيم ، ووضع الفرش الحجري الذي عليه المقامات الأربعة حول مدار المطاف ، وعموم
بلاط الأبواب ، وجدد المسجد الحرام داخلاً وخارجاً ، وبنى الدرج المصعدة لأبواب
المسجد الحرام، وطلى عقود المسجد الحرام العلوية وأعمدته ، كما أمر الملك
عبدالعزيز آل سعود، وزير المالية الشيخ عبدالله السليمان الحمدان ، بعمل مظلات
قوية ثابتة على دائرة الحصوة مما يأتي أروقة المسجد الحرام من الجهات الأربع ، يستظل
بها المصلون من حجاج بيت الله الحرام، ويتقون بها حر الظهيرة ، واستمرت أعمال
الترميم سنة تقريباً شملت كل جوانب الحرم المكي من الداخل والخارج ، وأصبح إجراء
الترميمات قبل موسم الحج عادةً سنوية .
وفي عام 1354هـ عهد الملك عبدالعزيز – رحمه الله
تعالى – إلى ابنه الأمير فيصل – رحمه الله تعالى – بإصلاح شامل للمسجد الحرام ،
فأشرف الملك فيصل – طيب الله ثراه – بنفسه على إصلاح المسجد الحرام ، وجدد كل ما
يحتاج إلى التجديد([21]) .
وفي الثاني عشر من شعبان عام 1368هـ وجه جلالة الملك
عبدالعزيز – رحمه الله تعالى – بياناً إلى المسلمين يبشرهم فيه بعزمه على توسعة
الحرمين الشريفين في مكة المكرمة ، والمدينة المنورة بعد أن ضاقا عن استيعاب
الأعداد المتزايدة من المصلين ، وقد بدء في توسعة المسجد النبوي الشريف وعمارته
أولاً، وبعد الانتهاء منه نقلت الآليات والمعدات إلى مكة المكرمة لتنفيذ مشروع
الملك عبدالعزيز لتوسعة الحرم المكي الشريف([22]) ، وابتدأت
الاستعدادات لتنفيذ التوسعة في 5/1/1375هـ بإنشاء ( مكتب صاحب الجلالة الملك
عبدالعزيز بن عبدالرحمن الفيصل آل سعود لتوسعة المسجد الحرام وتجديد عمارته) ،
وذلك للإشراف على أعمال التوسعة ومتابعتها . وقد سلك ملوك المملكة العربية
السعودية طريق الملك المؤسس في العناية بالحرمين الشريفين والمشاعر المقدسة، وخدمة
الحجاج وتوفير الخدمات المختلفة لضيوف الرحمن، عادين هذه الأعمال الجليلة
مسؤوليتهم الأولى وواجبهم الذي يبتغون به وجه الله والدار الآخرة .
ففي 4/4/1375هـ بدأت أعمال التوسعة بإزالة المباني،
والمحلات التجارية، والتمديدات الكهربائية، والهاتفية، وتمديدات الصرف الصحي،
وحولت الطرق المحيطة بالمسجد إلى مسارات مناسبة لإعداد المكان للتوسعة . وفي
22/8/1375هـ وضع جلالة الملك سعود – رحمه الله تعالى – حجر الأساس للمشروع .
وعن العمل الإسلامي وخدمة الإســلام يقول جلالــة
الملك سعود –رحمه الله – في خطابه الذي ألقاه على المسلمين في موسم حج عام 1375هـ:
" إنني أدعو المسلمين كافة في هذا الموسم الذي نحتفل به ونجتمع فيه أدعوهم جميعاً
إلى أن يتعاونوا ويتكاتفوا ويتعاضدوا وأن يتعارفوا . إننا نحن – المسلمين– لا نهدف
بالدعوة إلى وحدتنا وجمع كلمتنا وتوحيد صفوفنا شراً ولا عدواناً بأحد ؛ لأن الشر
والعدوان ليسا من الإسلام في شيء، إنما نهدف ونقصد بذلك أن يكون العالم الإسلامي
في وضع قوي محترم مشرف، ليساهم في رفع المستوى الروحي والثقافي بين الأمم ، وفق
الرسالة الإنسانية التقليدية التي عرف بها الإسلام ، وقام على أساسها وعلى مبادئها
"([23]) ، وعلقت مجلة
المنهل على الاهتمامات التي تبذلها الدولة في عهد الملك سعود لرعاية الحجاج ؛ إذ
تقول : "إن العناية الموفورة المتوالية من حكومة جلالة الملك سعود المعظم
للعناية براحة الحجاج ورفاهيتهم لتؤتي ثمارها الطيبة صعدا ً، وفي عهــده كما هو
الحال في كل عام لقى الحجاج كل أسباب الراحة والهناءة في ظعنهم ومقامهم ، مما ألهج
ألسنة المسلمين بالشكر والتقدير لما تنفقه الحكومة من مئات ألوف الريالات مجاناً
لوجه الله ، ثم لمصلحة المسلمين الحاجين كل عام . وناهيك بمشروع توسعة المسجد
الحرام الذي بدىء فيه فعلا بهمة ونشاط"([24]) . جاء ذلك في
أعقاب كلمة الملك سعود –رحمه الله –يوم السبت الخامس من ربيع الأول عام 1375هـ
بمناسبة الانتهاء من عمارة المسجد النبوي الشريف؛ إذ قال: "الحمد لله الذي
بنعمته تتم الصالحات، والصلاة والسلام على محمد عبده، ورسوله، النور الهادي، وناشر
لواء الحق، والعدل، والسلام، على آله وصحبه، ومن سلك سبيله، ونهج نهجه .
أيها الإخوان
أحييكم خير تحية، وأشكر الله على أن أتاح هذه الفرصة السعيدة، التي جمعتنا في خير
بقعة وأفضل مدينة، بعد بيت الله الحرام ، أيها الإخوان إن مدينة الرسول – e
– لها في نفوسنا من الحب والحرمة ما لا تقوى عوادي الدهر على النيل منه، فهو حب
متصل بالعقيدة، والروح والعقيدة أعز وأقوى ما يملكه الإنسان لقد اشتد ساعد
الإسلام، وانتشر في سائر الآفاق من هذه المدينة المنورة .
يعلم الله ما أصابنا من هلع، حينما بلغ والدي المرحوم
أن بعض الأعمدة قد أصابها الوهن، فبادر لساعته باستدعاء الخبراء من المسلمين، لبحث
الأمر واستئصاله من جذوره، وكان لي الشرف بوضع الحجر الأساسي، ولقد رأيت بعد أن
توطدت الأمور لدي، أن يتسع المسجد ليسع أكبر عدد من المصلين والزائرين ، وأحمد
الله أن تم كل شيء في عهدي، ويكون لي الشرف العظيم بافتتاحه اليوم، بحضور هذا
الجمع الذي يمثل المسلمين من مختلف الجهات ، وإنه ليضاعف غبطتي وسروري حضور رجال
الدين من سائر الأقطار ، ومن يمن الطالع أن صادف تاريخ الانتهاء من هذه العمارة
والاحتفال بها تاريخ هجرته – e
– إلى مدينته هذه، في شهر ربيع الأول ، وإني أنتهز هذه المناسبة السعيدة، فأزف إلى
العالم الإسلامي نبأ مشروعنا في توسعة المسجد الحرام، في مكة المكرمة، على هذا التنسيق
الجميل، وقد ألفت لجنة للإشراف الدائم على تنفيذ هذا المشروع الذي يهمنا ويهم
العالم الإسلامي أجمع ، وأسأل الله أن يسدد خطانا في خدمة ديننا والنهوض ببلادنا
إلى المستوى اللائق بمركزها في هذا العالم إنه سميع مجيب "([25]).
وقد أنجزت توسعة المسجـــد الحرام على مراحــل، في
المدة من عام 1375هـ حتى عام 1396هـ أنجز جزء منها في عهد الملك سعود والأجزاء
الباقية في عهد الملك فيصل رحمهما الله تعالى .
وقد كُلف الشيخ محمد بن لادن – رحمه الله – بتنفيذ
توسعة المسجد الحرام وعمارته بعد أن نجح في تنفيذ توسعة المسجد النبوي الشريف ،
وقد كلفت مؤسسة ابن لادن المهندس المعماري المصري محمد طاهر الجويني أن يضع
تصميماً لهذه التوسعة ، فقام بعمل تصميم ذي طابع يعتمد على ثلاثة مثمنات متمركزة ،
ولكن هذا يستدعي إزالة القسم العثماني من المسجد إزالة كاملة ثم أجريت التعديلات
على هذا التصميم بحيث لا يزال سوى القسم الغربي من العمارة العثمانية ، غير أن
الملك فيصل بن عبدالعزيز – رحمه الله – لم يوافق على هذا التعديل ، ووجه بأن يتم
الاحتفاظ بالواجهه والأروقة العثمانية كلها . فقام المهندس محمد طاهر الجويني
بتطوير تصميمه ، وقدم اقتراحاً وسطاً قُبِلَ فيما بعد . وهذه مراحل توسعة المسجد
الحرام :
المرحلة الأولى
(1375–1381هـ) :
وشملت هذه المرحلــة بناء المسعى بطابقيه ، ويبلغ
طولـــه من الداخل (394.5م)، وعرضـــه (20م) ، وارتفــــاع الدور الأول (12)
مــــتراً ، والدور الثاني (9) أمتار ، وتؤدى في الطابقين – لكونه جزءاً من المسجد
– الصلوات مع الجماعة ، وساعد هذا في التخفيف من الزحام ، وأنشيء في وسط المسعى
حاجز قليل الارتفاع يقسمه إلى قسمين للذهاب والإياب ما بين الصفا والمروة ، كما
بني درج دائري للصفا، وآخر للمروة ، وجعل للطابق الأول من المسعى ثمانيــة أبواب، على
الواجهة الشرقية للشارع العام، للدخول منها إلى المسجد الحرام ، وجعل للطابق
الثاني منه مدخلان، من خارج الحرم أحدهما عند الصفا والآخر عند المروة ، كما جعل
لهما مصعدان أحدهما عند باب السلام ، والآخر عند باب الصفا .
المرحلة الثانية
(1381–1389هـ):
وتضمنت المرحلة الثانية من التوسعة تكملة عمارة
المسجد الحرام من داخله، وإتمام الجزء الخارجي من المبنى الجديد، وتمت توسعة
المطاف ، وعمل سلالم لبئر زمزم .
وتواصلت العناية بالمسجد الحرام، في عهد جلالة الملك
فيصل رحمه الله تعالى وكان من أهم ما نفذ من مشروعات، خمسة ميادين عامة حول الحرم،
وزيادة أبواب المسجد إلى أربعة وستين باباً مختلفة الأحجام، وإنارة المسجد بوسائل
فنية حديثة، وإنشاء مكتبة المسجد الحرام ، كما أزيلت المقصورة التي كانت مقامة على
مقام إبراهيم – عليه السلام – من أجل التوسعة على الطائفين، وأبدلت بغطاء من الكريستال
الفاخر، واحتفل بذلك برعاية الملك فيصل – رحمه الله تعالى – في 18/7/1387هـ .
المرحلة الثالثة ( 1389–1392هـ):
وتم في هـــذه المرحلة بناء المكبرية وشق الطرق
وإنشاء الميادين حول الحرم المكي الشريف .
المرحلة الرابعة (1393–1396هـ) :
وتضمنت تجديد الأروقة العثمانية وتجديد أركانه الأربعة لإقامة البوابات الرئيسة، وقد تمت في مراحل التوسعة أعمال كبيرة أبرزت الحرم المكي الشريف بمظهر حضاري وفني فريد، حيث إن ما تم من مباني عمارة التوسعة حتى الآن يكسو جداره من الداخل والخارج المرمر وسقوفه وعقوده الحجر الصناعي، مما يضيف إلى ضخامة البناء، بهاء وجمالاً، ويبعث في النفوس الفرح والابتهاج بما صار إليه بناء حرم الكعبة المشرفة من روعة وجلال يليقان بما لهما من قدسية وتعظيم(