المقدمــة:

كان اختياري لمحور رعاية الحرمين الشريفين في عهد خادم الحرمين الشريفين الملك فهد بن عبدالعزيز آل سعود من بين محاور عديدة – وضعتها لجنة المؤتمر الذي عُقِدَ بمناسبة الاحتفاء بمرور مائة عام على تأسيس المملكة العربية السعودية – نابعاً أساساً من حب خاص لذلك، فهو محور مكمل لمسيرة التوحيد التي كان من أسسها البناء والتقدم لهذه البلاد، وأيضاً لمعايشتي ميلاد حدث توسعة الحرمين الشريفين في عهد الملك فهد ابن عبدالعزيز الذي شرفه الله بلقب خادم الحرمين الشريفين.

أقول عايشت الحدث وعشت معه معاصراً لنموه وترعرعه يوماً بعد يوم حتى أصبح صرحاً شامخاً وعقداً وضّاءً على صدر هذه الأمة الإسلامية العظيمة.

ولقد تناول هذا الحدث الكثير الكثير من الكتاب والمحللين والمعلقين حتى أصبح أمراً مفهوماً واضحاً ومشرقاً بكل جوانبه لدى العموم، ولهذا كان لا بد أن يكون البحث الجديد في هذا الأمر له طابع جديد وفي ثوب جديد. فكان هذا هو الهم  الذي جعلني في حيرة لكيفية المعالجة ؛ ولهذا استخرت الله العلي القدير ، وقررت أن تكون كتابتي وتناولي له مبنية على الربط التاريخي لجذور هذا العمل  العملاق موصولا من الابن الملك البار إلى المؤسس الملك  الباني الموحد والمجدد.

أرجو أن أكون قد وفقت في إبراز هذا المفهوم من خلال فصول هذا البحث وأقسامه وإن لم أوفق كثيراً فهذا جهد واجتهاد أردت بهما الإسهام، محتفلاً مع الملايين المحتفلة بهذا الحدث العظيم شاكراً الله – تعالى – على كل توفيق، كما أشكر أصحاب السعادة أعضاء اللجنة العلمية للمؤتمر على جهودهم الخيرة والكريمة.

 

المراحل التاريخية لرعاية الحرمين الشريفين

قبل عهد خادم الحرمين الشريفين

الملك فهد بن عبدالعزيز آل سعود

 

تمهيــد :

كثيرة هي كتب التاريخ التي أوردت الأدوار التاريخية التي مرت بها رعاية الحرمين الشريفين، ومنذ البدايات الأولى والمبكرة من بناء الكعبة وحتى جاءت الرسالة المحمدية المطهرة، وتغير معها دور المسجد الحرام الذي أصبح عقيدة نقية خالصة لله تعالى، ثم بنى الرسول الكريم – عليه أفضل الصلاة والتسليم – مسجده الشريف في المدينة المنورة. وقامت فيها دولة الإسلام الأولى وانطلقت منه كما انطلقت قبله من مكة المكرمة رسالة الإسلام لتتخطى حدود شبه الجزيرة العربية الجغرافية، الأمر الذي زاد من أهمية المسجد العتيق بيت الله الحرام ودوره الذي أصبح قبلة للمسلمين جميعاً، ومحجاً لازماً وركناً من أركان الإسلام. الأمر الذي جعل من رعايته ورعاية مسجد رسوله الكريم شرفاً لا يطاولـــه أي شرف في هذا العالم، وأخذ كل من قدر له الله حكم بلاد الإسلام– يوم أن كانت دولة واحدة– يعمل جهده لتقديم الرعاية والخدمة اللازمة للحرمين الشريفين من إعمار وتوسعة و إصلاح وعناية، حتى ظهرت الأسرة السعودية على مسرح الأحداث في قلب شبه الجزيرة العربية، وأراد الله لها أن تقود أمة الإسلام ، فكانت الدولة السعودية الأولى ، ثم تلتها الثانية ، ثم الثالثة المعاصرة التي أسسها الملك العملاق عبدالعزيز بن عبدالرحمن الفيصل آل سعود – رحمه الله – الذي منحه الله شرف رعاية الحرمين الشريفين وخدمتهما .

 

رعاية الحرمين الشريفين أيام حكم الإمام/ عبدالعزيز بن محمد بن سعود قائد الدولة السعودية الأولى إلى شروق شمس الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن الفيصل آل سعود :

حينما وفــق الله – تعالى – قادة الدولة السعوديـــة الأولى وتمكنوا بعد جهاد طويل– انطلق من الدرعية حاملاً معه ألوية التوحيد والتوحد لأبناء شبه الجزيرة العربية التي فرقها الجهل ومزقتها الصراعات والحروب ، وشوهت حياة بعضها البدع والخرافات – أن يواصلوا المسيرة حتى تمكن القائد الأمير سعود بن عبدالعزيز في الثامن من شهر المحرم عام 1218هـ / 27 إبريل عام 1803م  من دخول مكة المكرمة في عهد والده الإمام عبدالعزيز بن محمد بن سعود أعلن حال دخوله لها رفع المظالم عن المواطنين من أبناء هذا البلد المبارك ، ومن ثم ألغى الضرائب الجائرة التي فرضها حكام البلاد من الأشراف على المواطنين التي أثقلت كواهلهم في مكة والمدينة المنورة، وطبق مبدأ التوحيد للأمة بأن جعل الجميع يصلون خلف إمام واحد بعد أن فرقتهم عصبية المذاهب، وأزال القباب من على القبور فطهرها وطهر النفوس معها صفاءً للعقيدة وتطبيقــاً للتعاليم الإسلامية العظيمة بالإضافـــة إلى الأمن الشامل للحياة والمال والعرض(1). أي أن صياغة جديدة لحياة سكان هذا البلد الطاهر ولمريديه من حجاج ومعتمرين قد تمت وترسخت، وإصلاحات أخرى كثيرة.

 

الملك عبدالعزيز آل سعود وجهوده في خدمة الحرمين الشريفين:

إن شروق شمس الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن الفيصل آل سعود بدد الظلمة والظلام من على أرض شبه الجزيرة العربية كلها والحجاز خاصة لاحتضانه أعز مقدسات المسلمين وأغلاها التي لفها ظلام الجهل وضلالات التمزق وإهدار كرامة الإنسان الذي كرمه الله وأعزه بدينه ورحمته.

أصبحت الحياة خانقة، ظلم وضرائب ثقيلة، وأمن مفقود للمواطن والحاج والمعتمر والزائر على حد سواء ، وكاد كل شيء يذوي وينهار ، وأخذت مكة شرفها الله والمدينة المنورة تئنان من نزف وألم ، وأصبحت الحياة ثقيلة وجحيماً لا يطاق ، وضاع من الحرمين رسالتهما العظيمة في الإشعاع الإيماني الطاهر لقلوب كل المسلمين حتى إن شاعر طيبة الطيبة صور حال عاصمة الإسلام الأولى في إحدى قصائده الخالدة حيث قال:

وقف الناس ينظرون منــــــارى           كيــف شع الهـدى على كـل نجد

أنا دار الإيمان والمثــــــل العلـــــ            ـيا ورمــــــز الخلـود في كـل مجـــد

أنا إن بـــــــدد الزمـــــان شعاعي      لن ترى النور هـــذه الأرض بعدي(2)

نعم إنه النداء والصرخة من قلب بلد الرسول e ، ودار الهجرة أول عاصمة للإسلام ، فما بالك بقبلة المسلمين ومهوى أفئدتهم مكة المكرمة ، فقد قال عنها أحد المؤرخين: إن مدينة مكة  المكرمة في طرقها ومبانيها ونظامها الصحي ليست كالقاهرة أو دمشق أو بغداد، وهذا التقصير تقع تبعيته على المسلمين عامة، وعلى الحكومة العثمانية التي حكمت البلاد قروناً عديدة، ولا شك أن أشراف الحجاز يتحملون قسطاً من التبعية؛ لأنهم كانوا الحكام الحقيقيين لمكة، فقد كان بوسعهم لو كانوا ذوي بصائر نافذة، وعقول راجحة ، وعلم بتطورات العالم، أن يجعلوا الحجاز وسكانه في مستوى خير من مستواه الحالي، ولكن الأشراف سلطوا مطامعهم على الحجاج وعلى سكان بلد الله الحرام، وحالوا في كثير من الظروف دون ترقية البلاد(3).

أراد الله للحرمين الشريفين تغير الحال إلى الأفضل والأحسن، وكأن الملك عبدالعزيز آل سعود على موعد مع القدر، وسمع نداء طيبة الطيبة ، وسمع أنين أهل بلد الله الحرام، بل سمع صرخات حجاج بيت الله الحرام مما كانوا يلاقونه من ألوان الأذى ، وتربص قطاع الطرق لهم على كل طريق، ومن فوق كل جبل (4).  بالإضافة إلى منع أبناء نجد من الحج أعواماً عديدة، الأمر الذي طفح معه الكيل.

وتحرك السلطان متجهاً إلى مكة المكرمة معلناً للعالم الإسلامي بل لكل الدنيا في 13 ربيع الآخر من عام 1343هـ قائلاً: "إني مسافر إلى مكة لا للتسلط عليها، بل لرفع المظالم والمغارم التي أرهقت كاهل عباد الله، إني مسافر إلى مهبط الوحي لنبسط أحكام الشريعة، ونؤيد أحكامها، فبعد الآن لا يكون سلطان في مكة إلا للشرع، وجميع الرؤوس يجب أن تطأطئ للشريعة…"(5).

وهكذا أعلن سلطان نجد وملحقاتها عبدالعزيز آل سعود معالم سياسته التي أوضح فيها بجلاء أنه لا يريد فتحاً ولا غلواً في الأرض ولا فساداً، وكل ما يريده هو إحلال العدل والأمن والطمأنينة فيها.

وفي الثامن من شهر جمادى الأولى لعام 1343هـ الموافق للخامس من ديسمبر عام 1924م دخل السلطان عبدالعزيز آل سعود مكة المكرمة دخول العبد الخاضع لربه والمسلم الخاشع لمولاه، لا الفاتح ولا الجبار المتكبر.

وكرم السلطان عبدالعزيز سكان بيت الله العتيق بأن وجه إليهم رسالة في اليوم الثاني عشر من شهر جمادى الأولى لعام 1343هـ قال لهم فيها: (فلم يقدمنا من ديارنا إليكم إلا انتصاراً لدين الله الذي انتهكت محارمه، ودفعاً لشرور كان يكيدها لنا ولديارنا من استبد بالأمر فيكم قبلنا،... وها نحن أولاء بعد أن بلغنا حرم الله نوضح لكم الخطة التي سنسير عليها في هذه الديار المباركة).

وقد أوضح السلطان عبدالعزيز عددا من النقاط من أهمها ما يأتي:

 1- " إن مصدر التشريع والأحكام لا يكون إلا من كتاب الله، ومما جاء عن رسول الله عليه الصلاة والسلام، أو ما أقره علماء الإسلام الأعلام بطريقة القياس ، وأجمعوا عليه مما ليس في كتاب ولا سنة، فلا يحل في هذه الديار غير ما أحله الله ، ولا يحرم فيها غير ما حرمه.

 2- كل من كان من العلماء في هذه الديار أو من موظفي الحرم الشريف أو الموظفين ذو راتب معين فهو له على ما كان عليه من قبل إن لم نزده فلا ننقصه شيئاً إلا رجلاً أقام الناس عليه الحجة أنه لا يصلح لما هو قائم عليه، فذلك ممنوع مما كان له من قبل، وكل من كان له حق ثابت سابق في بيت مال المسلمين أعطيناه حقه ، ولم ننقصه منه شيئاً.

 3- لا كبير عندي إلا الضعيف حتى آخذ الحق له، ولا ضعيف عندي إلا الظالم حتى آخذ الحق منه ، وليس عندي في إقامة حدود الله هوادة ولا يقبل فيها شفاعة، فمن التزم حدود الله ولم يتعدها فاؤلئك من الآمنين، ومن عصى واعتدى فإنما إثمه على نفسه ، ولا يلومن إلا نفسه، والله على ما نقول وكيل وشهيد"(6).

وبالطبع هذا الخطاب وهذه السياسة الواضحة والعملية تشمل المدينة المنورة وسواها من البلدان التي أعلنت ولاءها لحكم السلطان عبدالعزيز.

ولما كان السلطان عبدالعزيز حريصاً على سلامة أبناء الحرمين الشريفين فإنا نجده يوجه تعليماته وأوامره المشددة لقادته الذين كانوا يحاصرون المدينة المنورة بعدم دخول المدينة المنورة حتى لو فتحت لهم أبوابها إلا بعد الرجوع إليه. وذلك حرصاً منه على حرمة المدينة المنورة وعدم استخدام  القوة في فتحها اتباعاً لمنهج النبيe حيث فتحت دار الهجرة حاضرة الإسلام الأولى بالقرآن.

وتكريماً لبلد الرسول الكريم بعث السلطان عبدالعزيز آل سعود ابنه الأمير محمد لدخولها بترحيب من أهلها(7).

وأراد الملك عبدالعزيز آل سعود أن يوضح رؤيته وهدفه السامي الكريم حيال الحرمين الشريفين فقال: "إن هذا الوطن المقدس، يوجب علينا الاجتهاد فيما يصلح أحواله ، وإننا جادون في هذا السبيل قدر الطاقة،حتى تتم مقاصدنا في هذه الديار، ويكمل للمسلمين جميعاً أمنهم وراحتهم، وتتم لجميع الوافدين لمنازل الوحي المساواة في الحقوق والعدل"(8) . وقال مخاطباً كل المسلمين الذين تهفوا أفئدتهم للحرمين الشريفين: "أنا وأسرتي وشعبي،جند من جنود الله، نسعى لخير المسلمين"(9).

 

أ – عناية الملك عبدالعزيز آل سعود بالحرم المكي:

بعد أن أكرم الله – سبحانه وتعالي – الملك عبدالعزيز آل سعود بشرف حكم مكة المكرمة وجد نفسه أمام مسؤوليته الإسلامية الكبرى ، وهى العناية ببيت الله الحرام، فوجه – رحمه الله – بإقامة شرطة خاصة للحرم المكي لملاحظة قدسيته ، واستتباب الهدوء والطمأنينة فيه ، وذلك في عام 1344هـ(10).

وفي العام نفسه 1344هـ/1926م أمر بترميم أرجاء الحرم المكي كافة ، وكلف مدير الأوقاف الشيخ محمد سعيد أبو الخير بترخيم عموم المسجد ، وإصلاح كامل ما يقتضي إصلاحه من الخراب الواقع في جدر المسجد أرضه وأعمدته ، وإصلاح الممرات وحاشية المطاف والأبواب ، وتمت تلك الإصلاحات في وقت قياسي وقبل حلول موسم الحج (11)، كما تم تبليط المسعى بالحجر الصوان المربع(12).

وفي عام 1345هـ/1926م أمر الملك عبدالعزيز بإنشاء سبيل للشاربين من ماء زمزم وجدد عمارة السبيل القديم(13).

وفي عام 1346هـ وفي شهر جمادى الأولى أصدر الملك عبدالعزيز آل سعود أمره بعمارة المسجد الحرام من الداخل والخارج ، وأسند هذه المهمة إلى الشيخ عبدالله الدهلوي لخبرته في هذا المجال (14).  ولأول مرة في التاريـــخ وبأمر من الملك عبدالعزيـــز آل سعود صُنعت كسوة الكعبة المشرفة في مكة المكرمة ، وكُسيت بها الكعبة، وحَملت عبــــارة صُنعت في مكة المكرمــــة بأمر الملك عبدالعزيز يرحمه الله ، وذلك في عام 1346هـ/1927م(15).

وفي شهر المحرم من عام 1346هـ/1927م صدر أمر الملك عبدالعزيز آل سعود إلى مدير مالية مكة بإنشاء دار خاصة لصنع كسوة الكعبة،وكانت تلك أول دار أسست لحياكة كسوة الكعبة في مكة المكرمة،حيث أحضر لها عمالاً من الهند بوساطة الشيخ إسماعيل الغزنوي، وأسندت إدارتها إلى الأستاذ عبدالرحمن مظهر(16).

وفي عام 1346هـ أيضاً أمر الملك عبدالعزيز وزير ماليته الشيخ عبدالله السليمان الحمدان بعمل مظلات على دائرة الحصوة في بيت الله الحرام ليستظل بها المصلون من حجاج بيت الله الحرام(17). كما تم في شهر ذي القعدة من عام 1346هـ تركيب ماكينة كهربائية لإضاءة المسجد الحرام (18)، ولم يكتف الملك عبدالعزيز في عنايته ورعايته للمسجد الحرام بالنواحي العمرانية، بل نجده قد أهتم أيضاً بكل شؤون المسجد وواجباته ، فأمر في عام 1347هـ/ 1928م بتأليف هيئة لمراقبة سير التعليم في المسجد الحرام برئاسة الشيخ عبدالله بن حسن آل الشيخ ، يعاونه تسعه أعضاء، كما شمل الأمر تعيين عدد من المدرسين ليقوموا بالتدريس فيه (19).

كما خصص الملك عبدالعزيز – رحمه الله – ميزانية للتعليم في المسجد الحرام ، وذلك في 3 ربيع الأول من عام 1347هـ/ 1928م بلغ مقدارها 13200 قرش أميري، يصرف منها مرتبات المدرسين ومكافآتهم، كما خصص مبلغ11000 قرش أميري إعانات لمائتي طالب يدرسون في الحرم بمعدل نصف جنيه لكل طالب(20).

كما كــان أول مخصص محدد للحرمين الشريفين في أول ميزانية عامة للدولة عام 1350هـ التي أصدرت في غرة شعبان الموافق للثاني من  ديسمبر لعام 1931م هو مبلغ 2048137 قرشـــاً أميرياً، وكان المبلغ الإجمالي للميزانية العامة هو 106,442,544 قرشـــاً(21 ).

وفي شهر ربيع الآخر من عام 1349هـ/1930م تم تركيب ماكينة كهربائية ثانية وجديدة لزيادة الإضاءة في المسجد الحرام، كما أقيمت مظلات في الحرم لوقاية المصلين في موسم الحج(22).

وبعد أن تزايدت أعداد الحجاج والمعتمرين سواء من خارج المملكة أو من داخلها، أصبح أمل الملك عبدالعزيز أن تتم توسعة الحرم المكي، فأمر بعمل الدراسات اللازمة للتوسعة في الوقت الذي كانت فيه الأعمال تجري على قدم وساق قي توسعة المسجد النبوي الشريف بالمدينة المنورة(23). فأمر بعمـل  التخطيط والدراسات اللازمة لتوسعة المسجد الحرام ، وقد استغرقت تلك الدراسة عدداً من السنين ، وانتهت عام 1375هـ كان خلالها الملك عبدالعزيز قد توفاه الله، إلا أن الملك الراحل قد ترك لأبنائه من بعده إرثاً إيجابياً ضخماً، رباهم على الحفاظ عليه والعناية به، ودربهم على تحمل الأمانة والسير بها قدماً، فكانوا خير خلف لخير سلف. فقد أخذ أبناؤه من بعده على عاتقهم حمل هذه الأمانة العظيمة ، فقام كل منهم بدوره كما علمه والده العملاق والحكيم ، والصفحات الآتية هي تتبع لعمل هؤلاء الملوك أبناء الملك عبدالعزيز آل سعود في توسعة الحرم المكي.

 

 

التوسعة السعودية للمسجد الحرام والمسجد النبوي الشريف حتى

عهد خادم الحرمين الشريفين الملك فهد بن عبدالعزيز آل سعود

 

جهود الملوك أبناء الملك عبدالعزيز في توسعة الحرم المكي وإعماره إلى عهد خادم الحرمين الشريفين الملك فهد بن عبدالعزيز :

أولاً: عهد الملك سعود بن عبدالعزيز آل سعود:

لما كانت الدراسات التي أمر بها والده الملك عبدالعزيز آل سعود – رحمهما الله – قد تمت عـــام 1375هـ ، كما ذكرنا قام الملك سعود ملك المملــــكة العربيـــة السعودية – رحمه الله – بوضع حجر الأساس لمشروع توسعة المسجد الحرام بمكة المكرمة، وحضر الاحتفال ممثلون عن الدول الإسلامية(24).

وفي الرابع من شهر ربيع الآخر لعام 1375هـ/ 1955م، بوشر في الأعمال التنفيذية لمشروع التوسعة السعودية الأولى للمسجد الحرام بمكة المكرمة(25).

وقد تمـــت التوسعة علي ثلاث مراحل كان آخرها قد تم في شعبان عام 1377هـ/ 1957م حينما قام الملك سعود بتثبت آخر حجر في الكسوة الرخامية لجدار الكعبة من الداخل. وقد كانت مساحة المسجد الحرام قبل التوسعة السعودية الأولى هي 29127 متراً مربعاً ، وبعد التوسعة أصبحت مساحته 160168 أي : أن الزيادة السعودية بلغت 131041 متراً مربعاً، أي : أربعة أضعاف ونصف مساحته السابقة(26).

وفي الثالث والعشرين من شهر شعبان عام 1375هـ/ 1955م، انتهت الأعمال التمهيدية ، ووضع حجر الأساس لمشروع عمارة المسعى بمكة المكرمة، وبوشر العمل به، وتم إنجازه ، وتمكن حجاج بيت الله الحرام من السعي بين الصفا والمروة دون أن يختلطوا بالباعة أو المارة لأول مرة منذ أكثر من ألف عام(27).

وفي الثامن عشر من شهر رجب لعام 1377هـ/ 1957م احتفل بمناسبة المباشرة الكعبة المشرفة وترميمها، وفي 11 شعبان لعام 1377هـ/ 1957م انتهى من أعمال التجديد والترميم للكعبة المشرفة الذي استغرق أقل من شهرين، وهذا التعمير للكعبة يعد الثالث عشر منذ عمارتها الأولى(28).

 

ثانياً: عهد الملك فيصل بن عبدالعزيز آل سعود:

وفي الثامن عشر من شهر رجب لعام 1387هـ/ 1967م احتفل في المسجد الحرام بمكة المكرمة بمناسبة إزاحة الستارة عن الغطاء البلوري الذي وضع على مقام إبراهيم عليه السلام، وقد قام الملك فيصل – رحمه الله – بإزاحة الستارة بنفسه ، بحضور كبار رجالا ت الدولة وسفراء الدول الإسلامية(29).

 

ثالثاً: في عهد الملك خالد بن عبدالعزيز آل سعود:

أمر الملك خالد بن عبدالعزيز آل سعود – رحمه الله – بصنع باب جديد للكعبة المشرفة ، وذلك في شهر جمادى الأولى من عام 1398هـ/1977م، وقد بلغت تكاليف صنعه 13420000 ريالاً سعودياً.

وكان خادم الحرمين الشريفين الملك فهد بن عبدالعزيز الذي كان حينها ولياً للعهد ونائباً لرئيس مجلس الوزراء قد أعطى المشروع عنايته واهتمامه حيث كان يتفقد سير العمل بنفسه ، وزار الورشة مرات عديدة (30).

 

ب – عناية الملك عبدالعزيز بالحرم المدني:

منذ دخول الأمير محمد بن عبدالعزيز المدينة المنورة أصبحت تحت رعاية الملك عبدالعزيز آل سعود الذي أنعم الله عليه بهذا الشرف العظيم، وأراد الملك أن يشكر الله – سبحانه وتعالى – على هذه النعمة والفضل، فحضر إلى المدينة المنورة يوم 17/ رجب/1345هـ/1927م ، وصلى في مسجدها الشريف، ثم تشرف بالسلام على رسولنا الكريم سيدنا محمد عليه أفضل الصلاة وأزكى التسليم(31).

 وكأني به قد سمع طيبة الطيبة تقول للعالم على لسان شاعرها فرحة به ملكاً كريماً، وقائداً فذاً، وحاكماً عادلاً:

إن يكن عقني البنــون فإنـي لا أبالـي وقد وفيـت بوعـدي

أو أكن حطم البغاة جناحي جبر الكسر بعد ذا صـــقر نجد

لم يـزل يصنع الكثير إلى أن  عاد نبع الحياة في سفح (أحد)(32)

ويذكر بأن الملك عبدالعزيز آل سعود لحظ أثناء تجواله في المسجد النبوي الشريف حاجته إلى بعض الترميمات والتوسعة التي تستوعب الزوار الوافدين إلى الحرم النبوي الشريف، فأصدر أوامره بأجراء الترميمات اللازمة ، ومنها إصلاحات في أرضية الأروقة المحيطة بصحن المسجد ، وذلك في عام 1348هـ/1929م. كما أُصلحت بعض الأعمدة بالرواق الشرقي والغربي عام 1350هـ/1931م(33).

 

التوسعة السعودية الأولى للمسجد النبوي الشريف بالمدينة المنورة:

أولاً: في عهد الملك عبدالعزيز آل سعود رحمه الله :

لقد أخذ أمر توسعة المسجد النبوي الشريف يجول في خاطر الملك عبدالعزيز منذ زيارته للمدينة المنـورة عام 1345هـ/1927م بعد أن لحظ ضيق المسجد بالمصلين اللذين أخذت أعدادهم تزداد يوماً بعد آخر بفضل الاستقرار والأمن الذين وفرتهما الدولة للحجاج والمعتمرين والزائرين ، مضافاً إليهما ما رفع إلى مقامه من ملاحظة ظهور بعض التشققات في بعض جدره الشمالية ، وخيف على بعض أساطين المسجد وبعض مآذنه من تسرب الخلل إليها(34). الأمر الذي أقلق الملك كثيراً، وعلى الفور وفي الثاني عشر من شهر شعبان لعام 1368هـ/1949م أذاع الملك عبدالعزيز آل سعود – يرحمه الله – بياناً وجهه للأمة الإسلامية في جميع أنحاء العالم يبشرها فيه عن عزمه الشروع في توسعة الحرمين الشريفين بدءاً بالحرم النبوي الشريف(35).

وفي الحال اتخذت الإجراءات لتنفيذ أمر الملك عبدالعزيز الذي أصدره إلى الشيخ محمد عوض بن لادن لتنفيذ التوسعة، وصرف ما يحتاجه المشروع من نفقات دون قيد أو شرط، مع توسيع الطرق التي حول المسجد(36).

وفي الخامس من شوال لعام 1370هـ/1951م بدء العمل في إزالة المباني المحيطة بالمسجد النبـوي الشريف بعد نزع ملكيتها وتعويض أصحابها ، كما بدأ بحفر الأساس(37).

وكان الملك عبدالعزيز – رحمه الله – قد أمر بالإبقاء على قسم من العمارة المجيدية للمسجد النبوي الشريف، وأن يبقى أفضل وأروع ما في البناء القديم للمسجد على ما هو عليه دون تغيير أو تبديل حفاظاً علــى التراث المعماري والفن الإسلامي، ألا وهو الرواق القبلي بما في ذلك الروضة المطهرة الوارد فيها قول رسول الله   e:  "ما بين بيتي ومنبري روضة من رياض الجنة" (*)(38).

وفي الثالث عشر من شهر ربيع الأول من عام 1372هـ/1953م زار الملك سعود المدينة المنورة ، وكان آن ذاك ولياً للعهد، ووضع حجر الأساس، وبنى أربعة أحجار في إحدى زوايا الجدار الغربي مما يلي باب الرحمة، وقال حين وضع تلك الأحجار: "بأنه من حسن توفيق الله لي أن شرفني مولاي والدي صاحب الجلالة بالنيابة عنه في وضع الحجر الأساس لهذا العمل الجليل، وها أنا باسم الله وعلى بركته أضع الحجر الأساس بالنيابة عن جلالته وبالأصالة عن نفسي في هذا اليوم المبارك (الاثنين) داعيا الله أن يوفق لإتمامه على خير ما نتمناه والسلام"(39). وقد حضر الحفل ممثلون عن الدول الإسلامية وسفراؤها وعدد كبير من المواطنين (40).

 

ثانيا – التوسعة في عهد الملك سعود بن عبدالعزيز آل سعود  – رحمه الله –:

بعد وفاة الملك عبدالعزيز آل سعود عام 1373هـ واصل الملك سعود إشرافه ومتابعته المباشرة لإتمام توسعة الحرم النبوي الشريف حتى انتهى من التوسعة يوم السبت الخامس من شهر ربيع الأول عام 1375هـ/1955م ، وأقيم حفل كبير برعاية الملك سعود حضرته وفود إسلامية من مختلف أنحاء العالم الإسلامي، ومن داخل المملكة ألقيت كلمات وقصائد بهذه المناسبة، وبلغت الزيادة التي أضيفت لمساحة المسجد 6024م2 بحيث أصبحت مساحة المسجد الإجمالية هي: (16327م2)(41).

 

 

التوسعة السعودية الثانية للمسجد النبوي الشريف:

 (توسعة الملك فيصل بن عبدالعزيز آل سعود)

هذه التوسعة السعودية الثانية قد تمت في عهد الملك فيصل بن عبدالعزيز آل سعود رحمه الله ، وهي توسعة في مساحة الأرض، ولم تمس البناء القائم من التوسعة السعودية الأولى، وهذه الزيادة المساحية تمت خارج جدران المسجد من الجهة الغربية بلغ مقدارها 35000م2 ، ثم أضيف إليها 5550م2 ، وجهزت تلك المساحة لإقامة مصلى كبير بعد وضع مظلات عليها ، وأصبحت مغطاة يتمكن المصلون من أداء الصلاة فيها(42).

 

التوسعة السعودية الثالثة للمسجد النبوي الشريف:

(توسعة الملك خالد بن عبدالعزيز آل سعود)

التوسعة السعودية الثالثة تمت في عهد الملك خالد بن عبدالعزيز رحمه الله، وهى مماثلة للتوسعة الثانية من حيث الشكل والهدف؛ لأنها قد أضافت هي الأخرى مساحة جديدة لمساحة المسجد النبوي الشريف الخارجية، وظللت بسُقف مؤقتة تمكن المصلين من استعمالها بالصلاة فيها بيسر وراحة تامة ، وقد بلغت مساحتها (43000م2) ، وبذلك أصبحت مساحة المسجد الداخلية والخارجية (99877م2)(43).

 

رعاية خادم الحرمين الشريفين الملك فهد بن عبدالعزيز آل سعود للحرمين الشريفين :

حمل أمانة رعاية الحرمين الشريفين الملوك من أبناء الملك عبدالعزيز آل سعود مؤسس هذا الكيان الكبير الشامخ بعزه للإسلام وتطبيقه شرع الله وسنة نبيه المصطـــفى– e  – حتى وصلت الأمانة إلى يد خادم الحرمين الشريفين الملك فهد بن عبدالعزيز آل سعود، فكان الأمين حقاً على الإرث ، فقاد الملك أكبر حركة عمران وبناء شهدتها أمة من الأمم في عالمنا المعاصر، وكان من أهمها وأعظمها مشروعه العملاق لإعمار الحرمين الشريفين وتوسعتها بصورة لم يعرف التاريخ مثيلا لها من قبل، فكانت أنموذجاً خاصاً وفريداً.

وعبر تاريخ المسلمين الطويل وعلى الرغم من تنافس حكامهم وتسابقهم من خلفاء وسلاطين وملوك ورؤساء وأمراء على خدمة الحرمين الشريفين ، والتشرف بذلك العمل تخليداً لأسمائهم في سجل الخالدين الذين شرفهم الله بعمارة الحرمين الشريفين توسعة أو ترميماً أو تجهـــيزاً، إلا أن أحداً منهم لم يـــؤت من الحظ والشــرف ما آتاه الله ويسره لخادم الحرمين الشريفين الملك فهد بن عبدالعزيز بن عبدالرحمن الفيصل آل سعود ملك المملكة العربية السعودية من فضل توسعة الحرمين الشريفين، بل إنه بزّ الجميع بأن أشرف هو نفسه مباشرة على هذه التوسعة العظيمة، فكان الملك الأول الذي قام بهذا العمل الجليل.

وكيف لا يشعر فهد الملك بفخر واعتزاز وعظيم شرف وهو يعلم علم اليقين أن المسجد النبوي خاصة قد وقف رسول رب العالمين المصطفى سيدنا محمد – عليه أفضل الصلاة والتسليم – يبنيه بيديه الشريفتين؟! فكان للفهد الملك المسلم أن يقتدي برسول الله e ، ويقوم هو نفسه بمتابعة كل صغيرة وكبيرة في مشروع توسعته وبنائه، جهداً متواصلاً مخلصاً وعطاءً لا محدود.

 

التوسعة السعودية الرابعة والكبرى للمسجد النبوي الشريف بالمدينة المنورة :

إذا كانت الأعمال الكبيرة ذات الشرف الرفيع لا تتاح في التاريخ وعلى مسيرة الأيام إلا لرجال قلائل منَّ الله – تعالى – عليهم بفضله وشرفهم برفع راياته قرآناً وآذاناً وصلاةً صفة ومكاناً، فلقد كان الفهد الملك بن عبدالعزيز الذي أعز بلاده بالتوحيد، والأمن والرخاء والعدل، خادم الحرمين الشريفين أحد هؤلاء الرجال، بل أبرزهم في التاريخ الحديث،حيث رأى ببصيرة منحها له رب العزة والجلال أن يقوم بعمل في خدمة الحرمين الشريفين، لو جمعت كل الأعمال التي قدمها لهذين البلدين المقدسين وجمعت أعمال كل من سبقوه من الحكام المسلمين فإنها ترجح عنها جميعها شكلاً وموضوعاً، خاصة إذا ما عرفنا أن كل من سبقوه في التوسعة والتعمير والتشييد باشروه عن طريق وسطائهم، لكن فهداً باشر تحقيق هذا الحلم الجبار والعمل الشامخ العملاق بنفسه إشرافاً ومتابعةً شبه يومية، فكانت شغله الشاغل على الرغم من كل ما لديه من مشاغل، حتى جاء العمل درة مضيئة ساطعة كفلق الصبح، فاقت مدى الحلم وسعته، فجزاه الله الخير أوفره وهنيئاً له بمجد بجهده وإخلاصه لربه ودينه سطره.

 

أولاً: توسعة المسجد النبوي الشريف بالمدينة المنورة.

(التوسعة السعودية الرابعة)

في شهر المحرم من عام 1403هـ ، أي : بعد أربعة أشهر من توليه الحكم على إثر وفــــاة أخيه الملك خالــــد بن عبدالعزيز – رحمه الله – قـــام الملك فهـــد بن عبدالعزيز آل سعود بزيارة للمدينة المنورة حيث تشرف فيها بالصلاة في المسجد النبوي الشريف، ثم وقف مسلماً على رسول الله الأمينe. وكانت هذه الزيارة من الملك فهد زيارة تفقدية للوقوف مباشرة على أحوالها ووضع الخطط اللازمة لما تحتاجه هذه المدينة المقدسة من مشاريع تطويرية، وعقد الملك فهد جلسة لمجلس وزرائه بها لمناقشة ماتحتاجه، وكان على رأس أولويات تلك المشاريع مشروع توسعة المسجد النبوي الشريف(44).

فاصدر أمره بتوسعة المسجد النبوي الشريف توسعة كبرى تستوعب أكبر عدد من المصلين ، وتمت هذه التوسعة من جهة الغرب حتى المناخة، ومن جهة الشرق إلى شارع أبي ذر بمحاذاة البقيع، ومن الشمال حتى شارع السحيمي(45).

وفي يوم مبارك كريم هو يوم الجمعة الموافق للتاسع من شهر صفر عام 1405هـ/ الثاني من نوفمبر عام 1984م. وبعد صلاة الجمعة وضع خادم الحرمين الشريفين الملك فهد بن عبدالعزيز آل سعود حجر الأساس للتوسعة الجديدة مقتدياً بالحبيب المصطفى سيد البشر سيدنا محمد بن عبدالله – عليه أفضل الصلاة والتسليم – الذي قال: "من بنى مسجداً بنى الله له بيتاً في الجنة"(46).

وقال الملك فهد وهو يضع حجر الأساس: "في الواقع ما الله أكرمني به شخصياً أن يوفقني ويجعلني ويختارني لكي أقوم بهذا الشرف العظيم سواء كان في توسعة الحرم النبـــوي الشريف أو الحرم المكي إن شاء الله... والكلمة التي ممكن أوجهها هي أن نلتزم –كمسلمين – بعقيدتنا الإسلامية مهما اعترضنا في سبيلها، والمسلم يجب أن يدرك أنه دائماً مبتلى ، ولكن يمكن أن يكون مبتلى وممتحنا كذلك... هل يصمد لجميع التيارات التي تتنافى مع العقيدة الإسلامية أم لا؟".

وقال الملك فهد أيضا:"فأي شيء يبذل في سبيل التوسعة للحرمين هو لا شك سوف يعود على هذه البلاد بالخير والبركة، ولن تألوا جهداً في خدمة مكة والمدينة بجميع الطرق والأساليب والأسباب التي نراها – إن شاء الله – في الإطار الذي نرغب أن تكون فيه، وهذا الأمر سوف أبذل مجهودي فيه أنا شخصياً، وبطبيعة الحال فيه من رجال الدولة من فيهم السداد والكفاءة الذين سوف يعاونوني في هذا الأمر، ولكني سوف أوليه عناية خاصة فيما يتعلق بمكة و المدينة ، وأرجو من رب العزة و الجلال أن يوفقني لما يحب ويرضى ، وينصر دينه ويعلي كلمته" (**)(47).

وقال خادم الحرمين الشريفين الملك فهد بن عبدالعزيز أيضا: "إن كل شيء أستطيع تقديمه للحرمين الشريفين، ولمكة مهبط الوحي و المدينة مشع نور الرسالة، لن أتردد لحظة في المبادرة إلى تقديمه؛ لأن ميزة هذه البلاد إنما تتجلى في خدمة الحرمين الشريفين ورعاية الحجاج والزوار والمعتمرين على مدار العام"(48).

 

ثانيا: توسعة المسجد الحرام بمكة المكرمة:

لقد كان اهتمام الملك فهد بن عبدالعزيز آل سعود بالحرم المكي وبمكة المكرمة مبكراً فقد كان يشارك إخوانه من الملوك أبناء عبدالعزيز آل سعود الباني والمؤسس في جهودهم الخيرة لتعمير المسجد الحرام وتوسعته ، وما يحيط به.

ففي عام 1392هـ/1972م وضع حجر الأساس لمشروع إنشاء مصنع جديد لكسوة الكعبة المشرفة، وكان خادم الحرمين الشريفين الملك فهد إذ ذاك نائباً ثانياً لرئيس مجلس الوزراء ووزيراً للداخلية، وفي عام 1395هـ/1957م افتتح المصنع الجديد لكسوة الكعبة المشرفة ، وقد أصبح ولياً للعهد(49).

وفي عام 1403هـ وبعد أن أصبح ملكاً على البلاد بعد وفاة أخيه الملك خالد بن عبدالعزيز – رحمه الله – أمر بإزالة المباني في السوق الصغير بمكة المكرمة ، وتخصيص31 ألف متر مربع ساحاتٍ للصلاة تستوعب المزيد من المصلين.

وفي عام 1406هـ أمر بإجراء تحسين لسطح المسجد الحرام حيث أضاف هذا التحسين أمكنة تتسع لتسعين ألف مصلٍ، كما أضيفت مساحات جديدة من جهة سوق الذهب والشامية والشبيكة ، وفرشها مع المساحات الأخرى القائمة حول الحرم بالرخام المقاوم للحرارة مع ما يلزم من المظلات ودورات المياه وغيرها من مرافق الخدمات. وكل ذلك لم يلب طموحات الملك فهد ورغبته، ولذلك أمر بإجراء توسعة للحرم المكي في الوقت الذي كانت فيه توسعته الكبرى في المسجد النبوي الشريف تجري على قدم وساق(50).

ففي يوم الثلاثاء الثاني من شهر صفر لعام 1409هـ / الثالث عشر من شهر سبتمبر لعام 1988م، وضع خادم الحرمين الشريفين الملك فهد بن عبدالعزيز آل سعود حجر الأساس للتوسعة الجديدة للمسجد الحرام بمكة المكرمة في احتفال رسمي كبير حضره رجال السلك الدبلوماسي الإسلامي والعربي ، وعدد كبير من الشخصيات الإسلامية(51).

وقد أكد خادم الحرمين الشريفين في كل مناسبة اهتمامه بالمسجد الحرام حيث قال: "إن المسجد الحرام موضع اهتمام مني شخصياً، ومن جميع أعضاء الهيئة التي كلفت بمساعدتي في هذا الأمر الجليل، وأرجو من رب العزة والجلال أن يوفقنا لما يحبه ويرضاه، وأن نكون عند حسن ظن إخواننا في هذه الأماكن المقدسة ، وهي كما قلت – سابقا  – لا يقصد بها إلا وجه الله ، ثم راحة حجيج بيت الله الحرام ، ومن أتوا لزيارة المسجد النبوي"(52).

 

البعد الديني لتوسعة الحرمين

ورعايتهما في عهد خادم الحرمين الشريفين

الملك فهد بن عبدالعزيز آل سعود

 

البعد الديني لتوسعة الحرمين الشريفين:

لا شك أن أسمى العمل هو ذلك العمل الذي يؤديه الإنسان بدافع إيماني ديني؛ لأنه بذلك يضع معتقده في الدرجات العليا من حياته ، ويبرزه بالإيمان العملي ابتغاء مرضاة الله سبحانه وتعالى. ولا شــك أن أفضل االإيمان هو الاهتمام بأمر المسلمين والعناية بشأنهم. وعلى هذا فقد قامت هذه الدولة السعودية وما سبقها من دول سعودية على نهج ثابت هو الإيمان، وعلى الرغم من كل المتغيرات التي شهدها العالم، وتغير وسائل العيش والعمل معها أيضاً في هذه المملكة السعيدة فإن منهج القيادة الإيماني يظل ثابتاً لم يتغير. وعلى هذا الأساس فإن قيادة المملكة العربية السعودية التي شرفها الله بوجود الأماكن المقدسة ، بها تؤمن وتعتز بتشرفها في خدمة الحرمين الشريفين وضيوف الرحمن الذين يفدون إليها للعمرة أوالحـج والزيارة ، فهم على الدوام مرحب بهم ترحيباً كاملاً مع توفير كل الخدمات لتيسير إقامتهــم وأدائهم لشعائرهم دون عناء أو رهق، وتأكيداً لذلك قال خادم الحرمين الشريفين الملك فهد ابن عبدالعزيز آل سعود : (إن خدمة الحرمين الشريفين فيها الخير والبركة، ونحمد الله أننا نؤديه بنية صادقة، فالمقصود بهذه الخدمة التقرب إلى الله بالأعمال الصالحة والبر والتقوى ووجه الله)(53).

إن البعد الإيماني أوالديني لتوسعة خادم الحرمين الشريفين في بيت الله العتيق وحرم نبيه الكريـم e، وما أُنفق من بلايين الريالات عليهما وعلى المشاعر المقدسة ، فهو إعلاء لكلمة الله وزيـادة في إقبال المسلمين على أداء شعائرهم، فالمملكة العربية السعودية تعد نفسها مسؤولة روحياً عـن المسلمين في أنحاء العالم من منطلق ديني، وترى أن إعمارها للحرمين الشريفين والمشاعر المقدسة وتطويرها هو خدمة للإسلام والمسلمين ، وتعده من أوجب ما عليها تجاه دين الله. وكان من حسنات التوسعتين العملاقتين للحرمين الشريفين أنهاعادت على المسلمين بالنفع العظيم، إذ يسرت أداء شعائرهم، وأوجدت جواً مريحاً آمناً مطمئناً. فهذا الأمن هو النعمة الكبرى والمفخرة العظمى لهذه البلاد، فالحجاج أصبحوا بفضل من الله آمنين على أرواحهم وأعراضهم وأموالهم ، ولم يعد الخوف رفيـق أسفـارهم ، وتفرغوا للعبادة وأداء شعائرهم دون وجل، وأنه يحق لخادم الحرمين الشريفين الملك فهد بن عبدالعزيز أن يفاخر بهذا الشرف العظيم ، ويقول: "ومن نعمه الكبرى علينا جميعاً أن خصنا بخدمة الحرمين الشريفين، وخدمة حجاج بيته الحرام، والسهر على راحتهم، وإكرام وفادتهم"(54).

إن اهتمام الملك فهد بالحرمين الشريفين إنما هو منهج حياة، وسمو أخلاق والتزام بمبادئ الإسلام في شأن تعمير المساجد. وإن رعاية خادم الحرمين الشريفين للمسجد الحرام في مكة المكرمة والمسجد النبوي الشريف في المدينة المنورة، واهتمامه بتوسعة الحرمين ومناقشته لتفاصيل التفاصيل في أعمال التوسعة، وإسهاماته بحسه المرهف في وضع اللمسات الفنية لكثير من أعمال التوسعة، والمتابعة المستمرة اليومية لما أُنجز، والزيارات المتكررة للمشروعين في مراحلهما المختلفة، واختياره للأفضل والأرقى من الخامات وأنواع الخدمات دون النظر إلى التكلفة، والأمر بوضع حساب مفتوح لهذين المشروعين . إضافة إلى جهد المتابعة، إنما يؤكد سمو روحه الإيمانية، والتزامه بمبادئ الشريعة الإسلامية وعلو الهمة، واقتدائه برسول الله – e – عندما وضع أساس مسجده في المدينة المنورة، وعمل على توسعته في السنة السابعة للهجرة. وعندما يأمر الملك ألاّ ينظر إلى حجم التكلفة ، وهذا ما أكده المهندس بكر بن محمد بن لادن ألمع المهندسين الذين عملوا في مشروعي التوسعة، إنما يؤكد سمو العطاء وحب الإنفاق في سبيل الله ، ويشير ذلك إلى بعد ديني عميق الأثر، ناصع الشفافية، لهذا العمل الجليل، وهو أيضاً يعيد إليـــنا صورة أصحــاب رسول الله –  e  عند تأسيس دعائم دولة الإسلام ، وهم يعملون مع نبيهم في بناء المسجد الشريف مرددين ومنشدين من قلوبهم مقالة نبيهم:

هذا الحمـــــال لا حمال خيـبر هذا أبــــــر بربنـا وأطهــــر

اللهم إن الأجــــر أجر الآخرة فارحم الأنصار والمهاجرة (55)

وبما أن توسعة الحرمين الشريفين في عهد الملك فهد تعد أكبر توسعة للحرمين الشريفين على امتداد تاريخ الإسلام، فهي تشير كذلك إلى بعدين دينيين آخرين عظيمي القيمة ، وهما التزام إمام هذه البلاد أمام الله ثم أمام الأمة بمنهج النبي – e – فيما يخص توسعة الحرمين الشريفين لقوله e: (لو بلغ مسجدي هذا إلى صنعاء لكان مسجدي)(56).

ثم هي قبل كل شيء إيمان بالله، وعمل بما جاء في كتابه عزوجل وهو قوله : {إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلاَّ اللَّهَ فَعَسَى أُوْلَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنْ الْمُهْتَدِينَ}(57). ثم هي تلبية لازدياد أعداد الحجاج والمعتمرين من المسلمين الذين يفدون من أنحاء الدنيا إلى مكة المكرمة والمدينة المنورة للحج إلى بيت الله الحرام، وزيارة مسجد النبي عليه الصلاة والسلام. وفي ذلك ذكر لربهم ، وشرح لصدورهم، وراحة لنفوسهم ، وصلاة وسلام على نبيهم، وشكر لنعم الله عليهم ، ثم دعاء كثير وعميق إلى الله أن يحفظ إمام هذه البلاد خادم الحرمين الشريفين ، وأن يجزل له المثوبة والأجر.

ولعل هذا البعد الديني لتوسعة خادم الحرمين الشريفين الملك فهد بن عبدالعزيز آل سعود يبرز بكل جلاء الحقائق الآتية:

أولاً : أن هذا العمل العظيم والإيماني الكبير يؤكد إمامة خادم الحرمين الشريفين الملك فهد بن عبدالعزيز آل سعود للأمة الإسلامية جميعها.

ثانياً : أنه كلما زاد عدد الحجاج الوافدين لهذه الأراضي الطاهرة من دول العالم الإسلامي وسواها زادت مساحة تعلق هؤلاء بالمملكة العربية السعودية، وزاد رصيدها من الحب والتقدير في قلوب المسلمين والمؤمنين.

 

ثالثاً : أن الخدمات العظيمة التي تقدمها حكومة خادم الحرمين الشريفين الملك فهد بن عبدالعزيز آل سعود إلى ضيوف الرحمن والمعتمرين والزائرين، والتعامل الراقي الكريم لشعوب الأمة الإسلامية سيترك أثره الطيب لدى حكام الدول الإسلامية، مما يفسح مجالاً لائقاً ومكانة عظيمة لدى أولئك الحكام وسياساتهم بما يعود بالنفع على شعوب العالم الإسلامي.

 

البعد الاقتصادي لتوسعة الحرمين ورعايتهما في عهد خادم الحرمين الشريفين الملك فهد بن عبدالعزيز آل سعود

البعد الاقتصادي :

لقد أراد الله لهاتين المدينتين المقدستين مكة المكرمة (أم القرى) ويثرب المدينة المنـورة أن تكونا منذ عصور موغلة في القدم في قلب التاريخ. وأخذ هذا القلب ينبض بالحياة أقوى وأعظم منذ أن نزلت على جبال مكة ووهادها وبطحائها رسالة السماء ضياءً للقلوب وإنارة للعقول، حمل لواءهــا سيد خلق الله محمد بن