تمهيـد : العناية بالحرمين الشريفين من صدر الإسلام إلى ما قبل العهد السعودي . أولاً - العناية بالمسجد الحرام بناءً وتعميرًا:

لم يكن للمسجد الحرام منذ عهد الخليل عليه السلام وحتى عهد رسول الله e وعهد أبي بكر – رضي الله عنه – سور يحيط به، بل كانت الدور تحدق به، وبين الدور طرق تؤدي إلى البيت من كل ناحية ، ثم توالت الإنشاءات في المسجد الحرام عبر العصور الإسلامية على النحو الآتي :

1 – بناء عمر بن الخطاب رضي الله عنه للمسجد الحرام سنة سبع عشرة من الهجرة :

لما استخلف عمر رضي الله عنه وكثر الناس ، وضيقوا على الكعبة وألصقوا دورهم بها اشترى ما قرب من البيت من الدور وهدمها،فأبى بعضهم أن يأخذ الثمن وتمنع من البيع،فقال عمر رضي الله عنه: إن الكعبة بيت الله ولا بد للبيت من فناء، وإنكم نزلتم عليها ولم تنزل عليكم. فأدخل تلك الدور في المطـاف وجعـل جدارًا قصيرًا دون القامـة حوله .

ومن جملة أعمال عمر – رضي الله عنه – المتعلقة بالمسجد الحرام عمل الردم ، وهو السد العظيم بالمدعى بأعلى مكة في الجهة الشرقية الشمالية من الكعبة حماية للمسجد الحرام من دخول السيل فيه([1]).

2 – بناء عثمان رضي الله عنه للمسجد الحرام سنة ست وعشرين من الهجرة :

لما كثر عدد السكان والوافدين بمكة ، وضاق المسجد الحرام على المصلين اشترى عثمان بن عفان رضي الله عنه بعض الدور التي حول المسجد ، وأدخلها فيه سنة ست وعشرين من الهجرة .

وقال بعض العلماء: إن عثمان – رضي الله عنه – جعل للمسجد الحرام أروقة ، فكان أول من اتخذ الأروقة له([2]) .

 

3 – بناء عبد الله بن الزبير – رضي الله عنه – سنة أربع وستين من الهجرة :

لما كانت خلافة عبد الله بن الزبير – رضي الله عنه – زاد في المسجد الحرام في سنة أربع وستين وخمس وستين ، واشترى دورًا من الناس وأدخلها في المسجد الحرام .

وذكر الأزرقي عن جده عن بعضهم أن ابن الزبير سقف المسجد الحرام فلا أدري أكله أم بعضه([3]).

وذكر العُمري في مسالك الأبصار أن عبد الله بن الزبير زاد في المسجد  الحرام زيادة كثيرة ، وجعل فيها عمدًا من رخام([4]).

4 – بناء عبد الملك بن مروان سنة خمس وسبعين من الهجرة :

كان قد تهدم بعض أجزاء المسجد الحرام من حجارة المنجنيق التي رماها الحجاج ابن يوسف الثقفي على عبد الله بن الزبير ، حينما استعصم بالمسجد الحرام فقتل ابن الزبير ، وصارت الولاية على مكة لعبد الملك بن مروان ، فبنى ما تهدم من المسجد الحرام ، وجلب إليه السواري في البحر إلى جدة ، وسقفه بالساج وعمره عمارة حسنة([5]) .

5 – بناء الوليد بن عبد الملك سنة إحدى وتسعين من الهجرة :

قال الأزرقي : عمر الوليد بن عبد الملك بن مروان المسجد الحرام ، وكان إذا عمل المساجد زخرفها ، فنقض عمل أبيه عبد الملك ، وعمل عملاً محكمًا بأساطين الرخام ، وسقفه بالساج ، وجعل على رؤوس الأساطين الذهب وأزّر المسجد من داخله بالرخام، وجعل على وجــــوه الطيقـــان الفُسَيْفساء ، وجعل للمسجد شرفـــات([6])، وقدرت زيادته بـ (2805) متراً ([7]).

6 – بناء أبي جعفر المنصور سنة سبع وثلاثين ومائة إلى أربعين ومائة :

لم يعمر المسجد الحرام بعد الوليد بن عبد الملك أحد من الخلفاء ، ولم يُزَدْ فيه شيئٌ حتى كان أبو جعفر المنصور ، فزاد في شقه الشامي ، ولم يزد عليه في أعلاه ولا في شقه الذي يلي الوادي ، وعمل منارة في منتهى زيادته في الركن الغربي. وبناه رواقًا واحــدًا بأساطين الرخــام وقدرت زيادتــه بضعف ما كان عليــه المسجد قبل زيادتــه أي (5221) مترًا([8]). وزخرف بناءه بالفسيفساء والذهب ، وزينه بأنواع النقوش([9]).

7 – بناء المهدي العباسي محمد بن عبد الله المنصور وتوسعته سنة ستين ومائة من الهجرة:

حج المهدي سنة ستين ومائة ، فأمر بشراء الدور التي في أعلى المسجد الحرام بين المسعى والمسجد من الجانب الشرقي ، وكذلك من الجوانب الأخرى ، وهدمت البيوت، وحُفرت أساســـات قوية في عمق كثير ، حتى أنْبط المـــاء ، وبُني لها أرباضٌ بالنورة والجص ، وأمر بجلب أساطين الرخام من الشام ومصر ، ونُصبت في الأروقة وسقفت الأروقة بخشب الساج .

ثم لما حج المهدي سنة 164هـ شاهد الكعبة المعظمة بعد التوسعة الأولى له قد صارت إلى الجهة الجنوبية ، حيث لم يتسع المسجد من الجهة الجنوبية كما ينبغي ؛ لأنه كان في هذه الجهة يعترض مجرى السيل الذي وقف في طريق التوسعة من هذا الجانب ، فلم يستطيعوا تربيع المسجد ، فاشتدت رغبته وعظمت إرادته في تأخير مجرى السيل عن موضعه ، فاستشار المهندسين فترددوا فيه ؛ لأنه يحتاج إلى هدم بيوت كثيرة ونفقات عظيمة، فقال المهدي: لا بد أن أزيد هذه الزيادة ، وطلع المهدي على جبل أبي قبيس، وأمر المهندسين بالذرع والتخطيط حتى تم له ما أراد من تربيع المسجد ، ورأى الكعبة في وسطه بحسب رغبته. فبدأت التوسعة سنة (167)هـ ، وتوفي المهدي قبل أن تكتمل، فأكملها ابنه موسى الهادي سنة 169–170هـ ، وكانت توسعة المهدي أعظم توسعة وبناء ، فقد زاد في المسجد (12512) مترًا. وقدر ما أنفق فيه المهدي (4.578750) أربعة ملايين وخمسمائة وثمانية وسبعون ألفًا وسبعمائة وخمسون دينارًا ([10]).

8 – عمارة المعتمد أبي أحمد جعفر بن المتوكل ما بين سنة إحدى وسبعين ومائتين إلى سنة اثنتين وسبعين ومائتين من الهجرة :

سببها أنه كان بجوار باب إبراهيم دارٌ تسمى دار زُبَيْدة بنت جعفر بن المنصور ، فسقطت تلك الدار على سطح المسجد الحرام ، فانكسرت أخشابه ، وانهدمت أسطوانتان من أساطين المسجد ، فأمر بعمارة ما تهدم عن طريق أخيه الموفق بالله ، وجهز له مالاً فجدد له سقفًا من الساج ، ونقشه بالألوان المزخرفة ، وأقام الأسطوانتين وركب السقف ، وتم ذلك في سنة (272)هـ .

9 – توسعة المعتضد بالله وعمارته ما بين سنة إحدى وثمانين ومائتين إلى أربع وثمانين ومائتين من الهجرة :

زيدت في عهده دار الندوة من الجهة الشمالية ، حيث كانت باقية ، ينزل فيها الخلفاء ، ولكنها لما تداعى بنيانها وتهدم أكثرها أمر بإدخالها في المسجد ، وبنائها على شكل المسجد القائم .

10 – توسعة الخليفة جعفر المقتدر بالله وعمارته سنة ست وثلاثمائة من الهجرة :

وهي زيادة باب إبراهيم ، وكان قبل الزيادة باب متصل بأروقة المسجد بقرب باب الحَزْوَرَة ، وبقربه باب آخر يقال له باب بني جمح ، وخارج هذين البابين ساحةٌ ، فأدخلت هذه الساحة في المسجد الحرام ، وأبطل البابان ، حيث دخلا في المسجد ، وأنشئ بدلهما باب كبير سمي باب إبراهيم .

إلى هنا انتهت العمارة والتوسعة التي حصلت في هذه المدة ، وظل المسجد الحرام قائمًا من وقت عمـــارة المهدي لم يحصل له تجديد شيء من البنــاء أوالتعمير مدة (810) سنوات، وإنما حصل فيه بعض الترميمات والتحسينات وفرش للمطاف ، أو بعض الزيادات اليسيرة ونحو ذلك مما تم في عهد بعض الخلفاء مثل الأمير بَيْسق الظاهري والسلطان قايتباي، والسلطان سليمان خان العثماني .

11 – عمارة السلطان سليم خان من سنة تسع وسبعين وتسعمائة إلى ثمانين وتسعمائة من الهجرة :

في سنة 979هـ في عهد السلطان سليم بن سليمان خان العثماني ، ظهر أن الرواق الشرقي مال إلى نحو الكعبة المشرفة ، وفارق خشب السقف موضع تركيبه وصار كل علاج وترميم لا يجدي شيئًا، فرفع الأمر إلى السلطان سليم –رحمه الله– سنة 979هـ  فأصدر أمره ببناء المسجد الحرام على أكمل وجه من الإتقان ، وأن يُستبدل عن السقف بقُبب دائرية .

وشرع في الهـــدم من جهة بـــاب السلام في منتصف ربيـــع الأول سنة 980هـ، تلاه البناء والتعمير في 6 جمـــادى الأولى سنة 980هـ ، واستمر البناء حتى تم الجانبان الشرقي والشمالي ، فلما فرغوا منهما أتى نَعْي السلطان سليم خان وتولية ابنه السلطان مراد .

12 – عمارة السلطان مراد بن سليم خان من سنة ثمانين وتسعمائة إلى سنة أربع وثمانين وتسعمائة من الهجرة :

لما تسلم زمام الحكم السلطان مراد خان أصدر أمره بالاستمرار في العمارة ، وبذل كل جهد في إنجـــاز البنـــاء والتعمير فـــي أسرع وقت ممكن ، فاستمر العمـــل حتى أتم البنـــاء على الشكل القـــائم الآن . وهــو البنــاء القديم المحيط بالمطـــاف المبني بالحجـــارة والمسقّف بالقبــاب ، قد وضعت فيه أعمـــدة من الرخـام ومن الحجر المجلوب من الشميسي ([11])، كما أعيدت الأعمدة التي كانت صالحة للاستعمال من عمارة المهدي . وقد أصبح عدد الأعمدة بعد هذه العمارة (589) عمودًا، وعدد العقود (881) عقدًا، وعدد القباب (152) قبـــة ، و(232) طاجنًا ، وعدد الأبواب (26) بابًا . وبلغت مساحته (28003) متراً مربعاً .

وبلغ ما أنفق في هذه العمارة (110.000) دينار أي (55000) جنيه تقريبًا، ومائة ألف من الذهب الإبريز ، وذلك عدا ما وصل من مصر من مواد البـــناء مثل الخشب والحديد ، وأهلة القباب المطلية بالذهب والمساحي والمكاتل والمجارف والمسامير ([12]) .

وقد حصلت بعد عمارة السلطان مراد ترميمات عدة في مباني المسجد الحرام ذكرها التقي الفاسي في كتابه " شفاء الغرام " ، ونجم الدين بن فهد في كتابه " إتحاف الورى " ، وقطب الدين الحنفي في كتابه " الإعلام" ([13]) ، وغيرهم ممن عاصر الأحداث والأعمال ، وكتبوا عنها .

 

  ثانياً -  العناية بالمسجد النبوي الشريف بناءً وتعميرًا :

لما هاجر النبي–  e – إلى المدينة مكث في قباء قبل دخوله المدينة أيامًا ، وبنى فيها مسجدًا .

ولما دخل المدينة بركت راحلته في موضع مسجده الشريف ، وكان مربدًا لبعض الأيتام فاشتراه النبي e ، وبنى فيه مسجده([14]).

ثم زاد فيـــه e – في حياتــــه الشريفـــة كما يدل عليه حديث عثمان بن عفان – رضي الله عنه – وهو قوله: أنشد بالله من شهد رسول الله –  e – قال: (من يوسع لنا هذا البيت في المسجد ببيت له في الجنة) فابتعتُه من مالي فوسعت به المسجد([15]).

وكانت صفة بنائه – e – على ما روى البخاري عن عبد الله بن عمر أن المسجد كان على عهد رسول الله – e – مبنيًا باللبن وسقفه بالجريد وعمده خشب النخل ، فلم يزد فيه أبو بكر شيئًا ، وزاد فيه عمر وبناه على بنيانه في عهد رسول الله – e – باللبن والجريد أعاد عمده خشبًا ، ثم غيره عثمان فزاد فيه زيادة كبيرة ، وبنى جداره بالحجارة المنقوشة، والقصة، وجعل عمده من حجارة منقوشة وسقفه بالساج ([16]) .

كما سيأتي بيان ذلك في بناء عمر وعثمان رضي الله عنهما .

 

 بناء عمر وتوسعته في سنة (17)هـ  :

وسببه كثرة الناس وضيق المسجد عليهم.فاشترى عمر – رضي الله عنه – ما حول المسجد من الدور وأدخلها في المسجد،وذكر البخاري تعليقًا "وأمر عمر ببناء المسجد،وقال للبَنَّاء: أكن الناس من المطـر، وإياك أن تحمـر أو تصفر فتفتن الناس "([17]). وصفة بنائه كما تقدم في رواية البخاري أي من اللبن والجريد والخشب،وقدرت زيادة عمر – رضي الله عنه – بـ(11.000) أحد عشر ألف متر مربع .

 

 بناء عثمان بن عفان – رضي الله عنه – وتوسعته سنة (29–30)هـ :

وصِفَةُ بناء عثمان – رضي الله عنه – كما تقدم في رواية البخاري ، (ثم غيره عثمان فزاد فيه زيادة كبيرة ، وبنى جداره بالحجارة المنقوشة والقصة ، وجعل عُمُدَه من حجارة منقوشة وسقفه بالساج) .

وعند أبي داود عن ابن عمر – رضي الله عنهما – قال : إن مسجد النبي– e – كانت سواريه على عهد رسول الله – e – من جذوع النخل أعلاه مظلل بجريد النخل ، ثم إنها نخرت في خلافة أبي بكر رضي الله عنه ، فبناها بجذوع النخل وبجريد النخل ، ثم إنها نخرت في خلافة عثمان ، فبناها بالآجر ، فلم تزل ثابتة الآن ([18]) .

وفي صحيح مسلم عن محمود بن لبيد أن عثمان بن عفان أراد بناء المسجد ، فكره الناس ذلك ، وأحبوا أن يدعه على هيئته ، فقال : سمعت رسول الله e يقول : " من بنى مسجدًا لله بنى الله له في الجنة مثله "([19]).

وقدرت زيادة عثمان – رضي الله عنه – بـ (496) مترًا مربعًا .

 

 بناء الوليد بن عبد الملك وتوسعته سنة (88–91هـ) :

لما كثر الناس في عهده بالمدينة وضاق المسجد على المسلمين –حتى إنهم كانوا يصلون يــوم الجمعة في حجرات أمهات المؤمنين – رضي الله عنهن – بعد وفاتهن– رأى الحاجة إلى توسعـــة المسجد ، فأدخل دورًا في المسجد حتى حجرات أزواج النبي e ([20]).

وذكر بعض المؤرخين أن الوليـد بن عبــد الملك جعــل للمســجد عشــــرين بابًًا ([21]).

وذكر السمهودي أنه بنى أساس المسجد بالحجارة وكذلك الجدران بالحجارة المطابقة (المنقوشة) والقصة ، وجعل عمده من حجارة حشوها من الحديد والرصاص ، وعمله بالفسيفساء والمرمر ، وعمل سقفه بالساج وماء الذهب ([22]).

وقدرت زيادته بـ (2.369) مترًا مربعًا .

 

 بناء المهدي محمــد بن عبد الله المنصور بن محمد بن علي وتوسعته سنة (161–165هـ):

حج المهدي سنة(160هـ) ، ورأى الحاجة إلى بناء المسجد الشريف ، فأمر ببنائه وتوسعته.

وكانت توسعته من الجهة الشمالية فقط بإدخال دور عدة فيه ، ولم يزد في الجهات الثلاث شيئًا . ونقشه وزخرفه بالفسيفساء ([23])، وعمل له (24) بابًا ([24]). وقدرت زيادته بـ ( 2450 مترًا مربعًا) .

وبعد بناء المهدي وتوسعته لم يبن المسجد ، ولم يوسع فيه إلى سنة (654)هـ ، وإنما حصلت إصلاحات وترميمات فقط .

 

 بناء المستعصم بالله (655)هـ  :

شب الحريق في مسجد النبي– e – في ليلة الجمعــة أول شهر رمضــــان من سنة (654) ، ولم تبق ناحية إلا وصلت النار إليها ، واحترق جميع المسجد حتى إنه لم تبق خشبة واحدة سالمة ، غير أنه قيل : قد سلمت القبة التي أحدثت لحفظ ذخائر الحرم مثل المصحف العثماني وبعض الصناديق الكبار .

فلما وصل خبر الحريق الخليفة المستعصم بالله أرسل الآلات والصناع مع ركب العراق في الموسم ، وابتدئ بالعمارة أول سنة (655هـ) ([25]) .

إلا أنها لم تتم بسبب غزو التتار واستيلائهم على بغداد ، فتناصر ملوك المسلمين  وسلاطينهم الملك نور الدين علي بن عز الدين أيبك الصالحي ، والملك الظاهر بيبرس، والملك المظفر سيف الدين قطز من ملوك مصر، والملك المظفر يوسف بن منصور عمر بن رسول صاحب اليمن ، وجدوا في تعمير المسجد حتى تم بناؤه ([26]).

 

 توسعة الملك الناصر محمد بن قلاوون سنة 729هـ :

ذكر السمهودي أنه في سنة تسع وعشرين وسبعمائة أمر السلطان الملك الناصر محمد بزيادة رواقين في السقف القبلي متصلين بمؤخره ، فاتسع سقفه بهما ، وعم نفعهما ([27]) .

 

 بناء الملك الأشرف قايتباي وتوسعته :

في سنة 886هـ شب حريق ثان في المسجد النبوي بسبب صاعقة سقطت بالمنارة الشرقية الشمالية فأصابت هلال المنارة فسقط في المسجد ، وله لهب كالنار ، فعلقت النار في سقف المسجد ، وغلبت على أهل النجدة الذين اجتمعوا للإطفاء ، وعم الحريق المسجد ، ولم يسلم من الاحتراق إلا جزء قليل منه . وسقطت عقود المسجد ، وما بقي آيل إلى السقوط .

ولما علم الملك الأشرف قايتباي بخبر حريق المسجد عظم ذلك عليه ، وأصدر أمره في تعمير المسجد الشريف ، وأرسل الأمير سنقر الجمالي ومعه البناؤون والنجارون والنشارون والدهانون وغيرهم ومواد البناء اللازمة ، وبدأوا بعمل البناء والتعمير ، فأعادوا المنارة الرئيسة وسور المسجد ، وزادوا في عرضه يسيرًا ووسعوا المحراب العثماني، وسقفوا مقدم المسجد سقفًا واحدًا ، وأقاموا العقود فوق الأساطين حتى أكملوا البناء ([28]) .

وبلغ عدد الأعمدة في هذه العمارة (296) عمودًا .

وقد قدرت توسعته بـ (120) مترًا مربعًا .

 

بناء السلطان عبد المجيد العثماني (1265–1277هـ) وتوسعته :

بقيت عمــارة الملك الأشرف قايتباي (387) سنة ، أجريت خلالها ترميمات وإصلاحات ، ولما مضى على العمارة السابقة ما يقارب أربعمائة سنة سرى الخراب والضعف إلى بعض سقوفه وأعمدته ، وأصبح الترميم لا يجدي شيئًا كثيرًا، فأمر السلطان عبد المجيد بعمارة المسجد فشرعوا في هدم المسجد جزءًا جزءًا ، وجهة جهـــة حتى لا يتعطل الناس عن الصلاة ، وكلما نقضوا جزءًا قديمًا بنوه جديدًا ، حتى أتموا العمارة في اثنتي عشرة سنة .

وفي هذه العمارة توسط المسجد صحن يحيط به من جهة القبلة اثنا عشر رواقًا (وهو القائم حاليًا ) ، وبالجهة الغربية ثلاثة أروقة ، وفي كل من الجهة الشرقية والجهة الشمالية رواقان .

وقدرت زيادة السلطان عبد المجيد بـ (1.293) مترًا ([29]) .

 

البــاب الأول

العناية بالمسجد الحرام في العهد السعودي

 

 الفصل الأول : عناية جلالة الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود – رحمه الله – بالمسجد الحرام :

منذ أن تشرف الملك عبد العزيز –رحمه الله– بالولاية على الحرمين الشريفين أولى عناية خاصة بالمسجدين ترميمًا وتعميرًا وتنظيمًا لأمورهما وترتيبًا .

ففي سنة 1344هـ أمر بترميم المسجد الحرام مما يحتاج إلى ذلك من الجدران والأعمدة والمطاف والمشايات المؤدية إليه ، وعموم أساطين المطاف التي تعلق عليها القناديل وعموم الأبواب وبطلاء مقام إبراهيم عليه السلام بالدهن الأخضر([30]) .

ومن أعمالـــه الجليلة جمع المصلين في المسجــد الحرام خلـــف إمام واحد في سنة 1345هـ، حيث كان الناس يصلون في مقامات أربعة ، ولكل مقام إمام من المذاهب الأربعة ، فكانت تقام في كل صلاة أربع جماعات تبعًا لهذه المقامات ، فرد الأمر إلى إمامة إمام واحد لجميع المصلين توحيدًا لكلمة المسلمين وجمعًا لقلوبهم ، ثم لما وسع صحن المطاف هدمت المقامات ، وأزيلت تمامًا ([31]).

وفي أوائل سنة 1346هـ أمر بإصلاح آخر  للمسجد الحرام ، فرمم عموم فرش الأروقة من جهاته الأربع ، وفرش عموم المماشي وغير بلاطات الأبواب ، والجدران داخلاً وخارجًا ، وأصلح كل خراب واقع في أبواب المسجد الخشبية ، وطلى كل ما كان مطليًا بأنواع الأصبغة ، ومسح عموم أسطوانات الرخام، وأصلح مظلة مقام إبراهيم عليه السلام ، وقبة زمزم ، وأصلح شاذروان الكعبة المعظمة ، وفرش أفنية المسجد بالحصباء الجديدة ، واستمر العمل سنة كاملة، وصرف عليه ما يربو على ألفي جنيه ذهبًا .

 

 

 ومن أعماله الجليلة عمل المظلات في المسجد الحرام :

لما كثر ورود الحجاج في سنة 1345هـ كثرة هائلة حتى ضاق المسجد بالحجاج والمصلين ، وضعت الحكومة سرادقات في صَحْن المسجد ، ليجد المصلون مكانًا مظللاً يتوقون به من حر الشمس .

ثم في سنة 1346هـ أصدر الملك عبد العزيز – رحمه الله – أمره بعمل مظلات قوية ثابتة على حاشية صحن المطاف ، فعملت من الخشب الجاوي ، وكسي بالقماش الثخين الأبيض .

وقد حصلت بهذه المظلات منفعة عظيمة للحجاج والمصلين ، وأنفق عليهـــا مبلغ كبير([32]).

ثم عملت مظلات ثابتة في أطراف الصحن مثبتة بالأروقة تفتح وتغلق ، فكانت تنشر إذا انتشر حر الشمس ، وإذا انحسر الظل أغلقت وبقيت سنوات طويلة تجدد عند الحاجــة([33]) .

ومن أعمال الملك عبد العزيز – رحمه الله – في المسجد الحرام تبليط المسعى وتوسيعه في سنة (1345–1346هـ) :

كان المسعى على مر العصور غير مبلط ، وكان الغبار يكاد يخنق الساعين ، ولاسيما أيام كثرة الحجاج ، فأمر الملك عبد العزيز – رحمه الله – بتبليطه ، ولكن سبق ذلك إزالة النواتئ من الدكاكين التي طغت على شارع المسعى ووضع حجر أساسه نائب الملك عبدالعزيز في الحجاز الأمير فيصل بن عبد العزيز – رحمه الله – في 21 جمادى الآخرة 1345هـ، ورصف المسعى في أواخر ذي القعدة فصار بذلك في غاية الاستقامة، وحسن المنظر ، وصار فيه راحة كبيرة للحجاج والمعتمرين ([34]) .

 

 ومن أعمال الملك عبد العزيز – رحمه الله – في المسجد الحرام :

أنه أمر أن يعمل سبيلان لماء زمزم ، أحدهما في الجهة الشرقية من باب قبة زمزم ، والآخر بجوار حجرة الأغوات من الجهة الجنوبية لبيت زمزم بجانب السبيل القديم المعمول في زمن سلاطين آل عثمان ، وأن تجدد عمارة السبيل القديم ، فتم إنشاؤهما وتجديد السبيل القديم سقاية لشرب زمزم ، وقد صرف على العمل فيهما ما يربو على ثلاثمائة جنيه ذهبًا ([35]).

ومن أهم أعمال الملك عبد العزيز – رحمه الله – أنه أمر بتأسيس أول مصنع لكسوة الكعبة المشرفة وبنائه بمكة في أوائل سنة 1346هـ ، وتم بناؤه في خلال ستة أشهر، وأنتج أول ثوب للكعبة في السنة نفسها([36]) .

ومن جملة أعمال الملك عبد العزيز – رحمه الله – لصالح المسجد الحرام أمره بدراسة أحوال المسجد الحرام الإدارية من قبل الجمعية العمومية التي كونها الملك عبدالعزيز من أهل مكة ، فقدمت الجمعية تقريرها بعد الدراسة الوافية في سنة 1346هـ  فوافق عليه حرصًا على تنظيم العمل في المسجد الحرام ([37]) .

 

 ومن أعمال الملك عبد العزيز – رحمه الله – في المسجد الحرام :

أنه أشار إلى سمو نائبه في الحجاز الأمير فيصل – رحمه الله – بالكشف على عموم ما يلزم للمسجد الحرام من عمارة وإصلاح وتجديد ، فشكلت لذلك لجنة قامت بالكشف بحضور مهندس من أمانة العاصمة ومعاونة كبار المعلمين والنجارين ، وقرروا إصلاح الحَجَر المفروش على مدار المطاف،  وإصلاح أرض الأروقة ، ونقض جميع الجدران المسبخة وإصلاحها وترخيم عموم المسجد وترميم الشقوق في بعض القباب ، وتجديد الأصبغة والألوان في أطراف المسجد وداخله وإصلاح باب بني شيبة ، وإصلاح عموم الأبواب بالخشب الجاوي ، وإزالة كل ما بها من عطب وخراب وإزالة الحصباء القديمة ، واستبدالها بحصباء جديدة ، وبدئ بالعمل في 19 رمضان 1354هـ ، واستمر بهمَّة ونشاط ، وتم على خير ما يرام ([38]).

 

 ومن الأعمال التي تمت في عهد الملك عبد العزيز – رحمه الله – إزالة المقاهي:

كانت المقاهي تنتشر عند أبواب المسجد الحرام فرأى – رحمه الله – أن بقاءها في أماكنها لا يتفق وحرمة المسجد الحرام ، فأمر بإزالتها فأزيلت(