المقدمــة:

لكل أمة ما يميزها عن غيرها من الأمم سواء أكان هذا التميز مادياً أم معنوياً.

إن الأمة المحمدية تملك الكثير من المميزات والخصائص التي تؤهلها على الدوام بأن تحتل المكان العالي بين الأمم ، إنها تملك من الخصائص ما يؤهلها إلى القيادة والريادة في كل زمان ومكان وحال ، ولهذا وغيره من الأسباب فإن هذه الأمة يجب أن يحمل أتباعها هذه المسؤولية إلى عموم البشرية للهداية والنور.                                   

إن التضامن الإسلامي وما يحمله من المعاني السامية مثل الوحدة والاجتماع والاتحاد لهو ميزة وعلامة مضيئة في الحياة الإسلامية أوجبها الدين، وحمل لواءها النبي الهادي إلى التضامن ووحدة الأمة منذ بداية حمل الرسالة ، فجزاه الله خير الجزاء ، فهو أول من دعــا إلى التضامن والوحدة قولاً وعملاً ، كما هداه إلى ذلك مولاه تبارك وتعــالى .

ثم بهداه هدى البشرية عامة وأمته خاصة إلى أهمية الوحدة والتعاون والتضامن وذلك من خلال : 

الأول: التوجيه المكتوب كما جاء في بنود الصحيفة التي أملاها مؤسس الدولة الإسلامية  e ؛ لتضع أسس  الوحدة بين الأمة الجديدة.

الثاني: التطبيق العملي في إرساء قواعد الوحدة والتلاحم والتضامن بين الجيل الأول من المؤمنين من المهاجرين والأنصار ، وذلك في المؤاخاة بين أفراد هذه الأمة الجديدة.

 

الفصل الأول

التضامن في الفكر الإسلامي

 

تمهيـد:

للفكر الإسلامي من القوة ما يميزه عن غيره من حيث المرجعية والمصادر، فهو يعتمد على القرآن الكريم وما فيه من القوة والإعجاز البلاغي والتسجيل الوثائقي للأحداث، ولما فيه من مصادر القوة في مجال الغيبيات التي لا يعلمها إلا الله تبارك وتعالى.

ويشهد على ذلك ما يتميز به من أتقن القرآن الكريم وعلومه من الأمم والشعوب غير العربية ؛ إذ يملكون رصيداً من الفكر والثقافة العالية تمكنهم من أن يبزوا غيرهم من أبناء العرب الذين لم يتمكنوا من ملكة الثقافة القرآنية العالية.

هذا سر من أسرار الإعجاز القرآني ، يستطيع أن يمتلكه من هداه الله تبارك وتعالى إلى الفكر الإسلامي سواء فيه مهما اختلف أصله أو جنسيته.

أما المصدر الثاني للفكر الإسلامي فهو السنة النبوية أو الحديث الشريف الذي يعرف بأنه أقوال وأفعال وإقرار الرسول عليه السلام .

إن الحديث الشريف نبع من منابع القرآن الكريم على لسان النبي البليغ سيد البلغاء والحكماء والعلماء والمعلمين.

أجرى الله جل جلاله على لسانه الحكمة ، وألهمه الفطنة والإعجاز والإبداع في كل علم من العلوم المتقدمة والحاضرة والمستقبلة .

كلامه درر على مر الزمن ، لم يأته الباطل من بين يديه ولا من خلفه. 

كلام ثرٍ ثريٌّ بالمعاني السامية والأخلاق القرآنية الفاضلة والسلوك والتربية العالية.

كل يوم تشهد البشرية إعجازاً علمياً من الحديث الشريف في آية من آيات الله في الكون ، وهذا من فضل الله ، آتاه وأعطاه خير الخلق أجمعين.  

محمد المصطفى من الله الأمي في الكتابة والقراءة والمعلم الأول لكل قارئ وكاتب ممن اهتدى بهداه واقتدى بسيرته e .

للحديث الشريف علوم يدرسها العلماء في الجامعات، وتمنح الدرجات العليا للطلاب في فروع الحديث الشريف وعلومه في معظم الجامعات الإسلامية وغيرها.

إن القرآن الكريم والحديث الشريف هما المصدران الأساسان للفكر الإسلامي إلى أن يرث الله تعالى الأرض ومن عليها.

كما أن كل ما هو إسلامي هما مصدراه الخالدان بأمر الله تعالى ثم أمر رسوله عليه الصلاة والسلام الذي قال – وفي قوله الحق  – :(تركتكم على المحجة البيضاء ... كتاب الله وسنتي).         

نعم ، والله إنهما المصدران المنيران للفكر الإسلامي وللمفكرين في كل زمن ومكان.

فيا أيتها البشرية عامة ، ويا أمة محمد e خاصة ، بين أيديكم مصادر الهدى والهداية ، تمسكوا بها ، وعضّوا عليها بالنواجذ تفلحوا في الدنيا الزائلة والآخرة الباقية.

 

المبحث الأول : التضامن الإسلامي في القرآن الكريم

تمهيـد:

تزخر آيات القرآن الكريم بالمعاني السامية الكثيرة الدالة على التضامن والوحدة بين أمة القرآن الكريم ، وذلك لما للوحدة والتعاون من الآثار الطيبة الخيرة على الفرد والمجتمع وعموم الأمة ثم عموم البشرية، ومن الآيات الداعية للتضامن ما يأتي من قوله تبارك وتعالى:

1-   { كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنكَرِ}

(آل عمران 110).

2-   {إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ} (الأنبياء 92).

3-   { وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً} (البقرة 143).

4-   { وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيراً وَنَذِيراً } (سبأ  28 ).

5-   { لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ } (الأنفال 63).

6-   { وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ} (الأنعام 153).

7-   { يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا } (الحجرات 13).

8-   { وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ } (المائدة 2).

9- { وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً } (آل عمران 103).

10-     { وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنكَرِ } (التوبة 71).

11-     { وَأْتَمِرُوا بَيْنَكُمْ بِمَعْرُوفٍ } (الطلاق 6).

12-     { الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمْ الإِسْلامَ دِيناً } (المائدة 3).

13-     { إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ } (الحجرات10).

14-     { وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً } (آل عمران 103).

15-   { يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنْ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحاً إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ ، وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ } (المؤمنون 52).

16-     { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمْ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ } (البقرة 183).

17-  { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ} (الحج 77–78).

18- { أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ ، تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ } (الصف10–11). 

جميع الآيات السابقة وغيرها كثير تحث الفرد والجماعة على الاعتصام بحبل التضامن والوحدة ؛ لأن في ذلك العاصم من القواصم والفرقة وفيه النجاة في الدنيا والآخرة .   

وفي الجانب الآخر النهي ؛ فهناك آيات كريمة تحذر عن الفرقة والصراع الذي يؤدي إلى التمزق وضياع ما بناه الآباء ، فيطمع الأعداء ، ويتمزق الوطن ، وتضيع الأمة، وتصبح علة وعالة على موائد الأعداء الذين يعطونها – أو لا يعطونها– بعد أن تعطيهم كل العزة والكرامة.

ويحذر الله تبارك وتعالى عباده المؤمنين من السير في هذا الطريق المخالف للوحدة والتضامن الذي فرضه عليهم ، ومن تلك الآيات قوله تبارك وتعالى :

  1– { وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً} (آل عمران 103).

   2– { وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ } (الأنفال 46).

   3– { وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ } (لحجرات 9–10).

   4– { وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمْ الْبَيِّنَاتُ وَأُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ } (آل عمران 105).

  5– { إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعاً لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ} (الأنعام 159).

  6– { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنْ الْحَقِّ} (الممتحنة  1).

ومن الآيات السابقة تبرز المعاني والدلالات على أهمية التضامن في حياة الأمة الإسلامية ؛ لأن ذلك خيار رباني ممن يعلم المصلحة والخير للأمة الرائدة والقائدة للأمم جميعاً.

ذلك لأنها تحمل الرسالة الخاتمة للرسالات ، ونبيها e خاتم الأنبياء ، وكتابها آخر الكتب المنزلة من السماء .

ومن وحي ذلك فإن الأمة الإسلامية ممثلة بقادتها وأهل الحكمة والحل والعقد والرأي السديد عليهم جميعاً المسؤولية في حمل راية التضامن والوحدة الإسلامية في كل زمان ومكان .

وتزداد الحجة على الأمة ، كما تزداد الحاجة إليها في هذه الحقبة العصيبة من التاريخ بأن تنهض من كبوتها، وتفيق من سباتها وتعود إلى هدي ربها جل وعلا وقيادة قدوتها ونبيها محمد e ؛ لتقود البشرية المتخبطة في وحل الجهل والجاهلية المعاصرة، وتنقذها من الإثم الدنيوي والعذاب الأخروي، وللقيام بواجبها كما أراد الله تعالى لها ذلك.

 

المبحث الثاني : التضامن الإسلامي في الحديث الشريف

تمهيـد:

رأينا فيما سبق من الآيات الكريمة التأكيد من الله تبارك وتعالى على حامل الرسالة وأمته المختارة بوجوب الاتحاد والتضامن لما فيه الخير والقيادة والريادة .

وفيما يأتي نختار بعضاً من الأحاديث التي تؤكد ما أكدته الآيات القرآنية في تعظيم شأن التضامن والوحدة بين أفراد الأمة الواحدة التي يجمعها الرب الواحد والدين الواحد والنبي الواحد والكتاب الواحد والقبلة الواحدة .

ومن تلك الوحدانية جميعها يجب أن تتحد الأمة وتتضامن، كما أراد لها ربها تبارك وتعالى فيما سبق من الآيات القرآنية ، ويريد لها نبيها عليه السلام من خلال الأحاديث الشريفة الآتية  :

1- (ترى المؤمنين في تراحمهم وتوادهم وتعاطفهم مثل الجسد الواحد ، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر جسده بالسهر والحمى) "البخاري".

2- (أوصيكم بتقوى الله والسمع والطاعة وإن تأمر عليكم عبد، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين، عضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة ) رواه أبو داود والترمذي.

3-   (الشيطان يهم بالواحد والاثنين ، فإن كانوا ثلاثة لم يهم بهم ) رواه مالك.

4-   (سترون هنات وهنات فمن أراد أن يفرق أمر هذه الأمة وهي جميع فاضربوه بالسيف كائناً من كان ) "مسلم".

5- (إن الله يرضى لكم ثلاثاً : أن تعبدوا الله ولا تشركوا به شيئاً ، وأن تعتصموا بحبله جميعاً ولا تفرقوا ، وأن تناصحوا من ولاه الله أمركم) .

6-   (من أتاكم وأمركم جميع على رجل واحد يريد أن يشق عصاكم أو يفرق جماعتكم فاقتلوه) "مسلم" .

7-   (لا يزال من أمتي أمة قائمة بأمر الله لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم حتى يأتيهم أمر الله وهم على ذلك ) "البخاري".

8-   (المؤمن للمؤمن كالبنيان ، يشد بعضه بعضاً، ثم شبك بين أصابعه ) "البخاري".

9-   (يد الله مع الجماعة ، فمن شذ شذ في النار) "الترمذي".

10- (مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر ) "مسلم".

11-     (لا تختلفوا ، فإن من كان قبلكم اختلفوا فهلكوا)  "البخاري" . 

      ونختم هذه الأحاديث بما جاء عن المصطفى عليه السلام في خطبته يوم عرفة في حجة الوداع حيث وجه الأمة إلى التضامن والوحدة ، فقال:

12- ( أيها الناس ، إنما المؤمنون أخوة، ولا يحل لامرئ مال أخيه إلا عن طيب نفس منه ، ألا هل بلغت ، اللهم فاشهد ... فلا ترجعن بعدي كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض فإني تركت فيكم ما إن أخذتم به لن تضلوا بعده : كتاب الله وسنة نبيه ، ألا هل بلغت ، اللهم فاشهد ... ) .

إن الأحاديث الشريفة المذكورة أعلاه – وغيرها كثير– تؤكد التوجيه الصريح بأهمية الوحدة والتضامن الإسلامي لهذه الأمة.

كما تشدد أحاديث أخرى على خطورة الفرقة وعدم الشعور بالجسد الواحد الذي إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى ، كما جاء ذلك في الحديث الشريف .

كذلك يفهم منها أن المصطفى عليه السلام أرسله ربه تبارك وتعالى جامعاً للشمل موحداً للجهود وداعياً للتضامن بين البشرية عامة وبين الأمة المحمدية خاصة لكونها الأمة الشاهدة على الأمم الأخرى لأن دينها آخر الأديان ، ونبيها آخر الأنبياء ، ودستورها المتمثـل في القـرآن الكريم آخر الكتب المنزلة، كما يؤكد ذلك كتاب الله تعالى في قوله: { الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمْ الإِسْلامَ دِيناً }.

وليس للأمة الإسلامية من خيار إلا ما اختاره لها نبيها عليه السلام ؛ إذ تركها على المحجة البيضاء ، ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها إلا ضالٌ هالكٌ .

ومهما ابتغى بعض أجيال هذه الأمة من الأخذ عن الآخرين القاصرين في تصورهم الزماني والمكاني والحال البشري فإن هذه الأجيال مخطئة بل متنكرة لجذورها.

لأن أولئك الآخرين يدبرون ويشرعون وينظمون لمصالحهم الشخصـية محدودة الزمان والمكان،والحال البشري القاصر عن استيعاب ما هو خارج عن نطاق إمكاناته وقدراته البشرية  .

إذن خيار الخير والفلاح والرشاد لأمة التضامن هو العودة إلى كنوز الفكر الإسلامي من خلال مصدريه الخالدين خلود الحياة والارتشاف منهما للارتواء من معين لا ينضب ولو كان البحر مداداً لكلماتهما .

كما على أفراد الأمة ألا تبتغي العزة في غير الإسلام، ومهما ابتغت ذلك في غيره أذلها الله ؛ لأنها انحرفت عن الطريق الصحيح الذي اختاره الله تعالى لها، ولم تقتدِ بالنبي عليه السلام الذي سلك ووجه إلى سلوك الطريق القويم.

إن العود أحمد إلى دين المصطفى أحمد الداعي إلى التضامن والوحدة. 

 

المبحث الثالث:التضامن والوحدة على لسان الشعراء

      إن الوحدة والتضامن يمجدها الشعراء الذين يغارون على الدين، وينافحون عنه بالكلمة المؤمنة المتشبعة بالهدي القرآني والمقتدية بالتوجيه النبوي ، ومن ذلك :

تأبى الرماح إذا اجتمعن تكسراً   وإذا افترقـــــن تكســرت أفــــرادا

ويقول الشاعر الباكستاني المسلم محمد إقبال في التضامن :

ألم يبـعث لأمتــــــــــــــكم نـبي   يوحدكم على نهــــــــــج الوئـام

ومصحفكم وقبلتـــكم جميعـاً    مـنـار للأخــــــــــــــــوة والسـلام

وفــــــوق الكل رحـمـان رحيم   إلــه واحد رب الأنـــــــــــــــــــام

فما لنهـار ألفتــــــــــــــكم تـولى    وأمسيتم حيـارى في الظـــــــلام

ويقول شاعر الملك عبد العزيز الشاعر أحمد الغزاوي مخاطباً الملك عبد العزيز عند دعوته للمؤتمر الإسلامي الأول عام 1344هـ بقوله:

أجـاب بنـو الإسلام طراً نداءكم  لمؤتمر الشورى فكـان مجســـــــما

وخاضوا عباب البحر كيما يشاهدوا  حقائق كانت في ذراهم توهمـــا

فلمـا رأوا مـا يـمــــــلأ العين قرة  تولوا بحمدٍ أفعم القلــب والفما

فــلا تتركوهـا فرصـــــــــةً ذهبيـةً  فقـد حان للآمــــــــال أن تتبسما

كما سجل الشاعر السعودي الدكتور زاهر الألمعي الأبيات الآتية مؤيداً فيها الملك فيصل ودعوته للتضامن الإسلامي قائلاً:

فيــا فيصل الإسـلام قدها عزيزةً  كتيـار موج فاض ليس لـه جـــــزر

دعـوتَ شعوب المسلمين لوحـدةٍ  فأصغت لك الأيـام والتفت الدهر

إذا ما اعتلت في الصين صيحة مسلمٍ  تجاوب في أم القرى البيت والحجر

ودوت بـأرجاء الربـاط استجابـةً  وهبت لها بغـداد وانتفضــت مصر

وضـم شعوب فلسـطين تضـامن       فعـز بـه الإسلام وانهزم الكفـر

ويشارك الشاعر صالح جودت بآماله في الوحدة العربية قائلاً:

في ملتقـــــــــــاهم موعد للوفـاق  ومن خلال العرب صدق الوعود

يهيب بالشـــــــام ويدعـو العراق ويضن المغـرب وابن الســـــعـود

سيروا إلى ميعـــــــــــــاده يا رفاق وحققـــوا وحـدتكم في الوجـود

قد سادنا أعداؤنـــــــــا في الفراق وآن فـي وحـدتنـــــــــا أن نسـود

لـوذوا بحبل الله واعتصمــــــــــوا بـالعـروة الوثقى ولمـوا الشتـــات

ولينتظمكــــــــــم محــور مسلــــمٌ  تـجري أمـانيه بـأم اللغـــــــــــات

ويشارك الدكتور يوسف القرضاوي أمته الإسلامية في وحدته ، فيقول:

يا أخي في الهنـد أو في المغـــــرب أنا منـــــك أنــت مني أنــــت بـي

لا تسل عن عنصـري عـن نسبي إنـــــــه الإســــــــــلام أمــي وأبـي

يا أخا الإســـــــلام في كـل مكـان قـم نفك القيــــــــد قـد آن الأوان

واصعد الـربوة واهتـــف بـالأذان وارفع المصحــف دستور الزمـان

لـوذوا بحبــــــــــــل الله واعتصموا بـالعـروة الوثقى ولمـوا الشتــــات

ولينتظمـــــــــــــــكم محـور مسلـمٌ تـجري أمـانيه بـأم اللغــــــــــــات

وامــلأ الآفـــــــــاق: إنــا مسـلمــون

 
 
الفصل الثاني
الدور السعودي في التضامن الإسلامي
 
تمهيـــد:

حق لعاصمة الإسلام والمسلمين أن تحتفل وتحتفي بيوم وحدتها وجمع شملها الذي تحقق قبل مائة عام عندما دخل الملك المؤسس عبد العزيز الرياض في الخامس من شوال عام 1319هـ الذي يحق لنا أن نسميه عام بداية التضامن والوحدة وجمع الشمل بين الأمة السعودية والعربية والإسلامية .

وحق لأمة الإسلام أن تشارك عاصمتها الرياض بيوم وحدتها الذي منه انطلق نداء التضامن الإسلامي والوحدة الإسلامية المعاصرة .

إن الوحدة المحلية التي ظهرت بعد عودة الملك المؤسس إلى عاصمة أجداده انعكس ذلك على الوحدة الإقليمية والوحدة العربية والإسلامية كما سنرى إن شاء الله.

 

المبحث الأول : التضامن في عهد الملك المؤسس عبد العزيز (1293–1373هـ)
تمهيـد:

سجل ولا يزال يسجل التاريخ المعاصر للأمة الإسلامية الدور الرائد الذي قام به الملك المؤسس عبدالعزيز الذي دعا إلى الوحدة والتضامن العربي والإسلامي بين دول العالم العربي والإسلامي ، بل شارك في تأسيس المنظمات الوحدوية مثل الجامعة العربية.

ونبدأ بتسجيل رأي خادم الحرمين الشريفين في الدور الرائد لوالده في الوحدة والتضامن ؛ إذ يقول:( 1)

 " وحين أتكلم عن شخصية الملك عبد العزيز فإني أتكلم عنه والداً وأستاذاً وإماماً، الوالد الذي أعد بنيه ، وربّى فيهم الإحساس الصادق بالمسؤولية العظيمة الدقيقة تجاه العقيدة والشريعة والدعوة والمقدسات والوحدة ومصالح المواطن والمواطنين والأمة الإسلامية جمعاء ، فإن من حق كل مسلم في هذا العالم أن يشترك معنا في هذا الفخر والاعتزاز باعتبار الملك عبد العزيز زعيماً إسلامياً عالمياً رفع راية التوحيد، وطبق شريعة الإسلام ، وجدد مسؤولية الدعوة إلى الله على مستوى التزامات الدولة، وأقام وحدة اجتماعية وسياسية وجغرافية كبرى على أساس الإسلام، ونهض بواجب النداء والعمل في سبيل وحدة العالم الإسلامي ، وبنى مملكة تعتبر واحة إسلامية ظليلة للمسلمين كافة " .

والحق فيما شهد به خادم الحرمين الشريفين عن والد الجميع، وما أشار إليه من أن المملكة التي وضع كيانها الملك عبد العزيز هي بحق خيمة ومظلة التضامن للعرب والمسلمين منذ البداية ، وقد استمر وسيظل البيت السعودي راعياً وأميناً ومحافظاً على هذا الالتزام بكل الإمكانات المادية والمعنوية والبشرية .

ومــــن الأقــوال التي يسجلهــا التاريــــخ للمــلك المؤســـس في وجــوب التضامن ما يــأتي (2) :" إني أفخر بكل من يخدم الإسلام ويخدم المسلمين ، وأعتز بهم، بل أخدمهم، وأساعدهم ، وأؤيدهم ".

" إنني أدعو المسلمين جميعاً إلى عبادة الله وحده والرجوع للعمل بما كان عليه السلف الصالح ؛ لأنه لا نجاة للمسلمين  إلا بهذا ".

إن السيرة الذاتية للملك المؤسس تؤكد صدق الدعوة وتطبيقه لذلك في الحياة الشخصية والعائلية والاجتماعية ، ثم دعوته لغيره الالتزام بذلك لما فيه من الخير في الدنيا والآخرة. 

" إن تقدم المسلمين ونهوضهم هو من الأمور التي ما برحنا ندعو إليها إن شاء الله، ولا نهوض للمسلمين بغير الرجوع إلى دينهم والتمسك بعقيدتهم الصحيحة والاعتصام بحبل  الله ".

وهذه الدعوة نتيجة قناعة ويقين من أن هذه الأمة لا تصلح إلا بما صلح به أولها؛ لأن الله أعزها بالإسلام، ومهما ابتغت العزة في غيره أذلها الله ، والتاريخ شاهد وناطق بذلك.

ومنذ البداية المبكرة للدولة الجديدة حدد الملك المؤسس خطوط سياسته تجاه الأمة الإسلامية في الرسالة التي أرسلها إلى قادة الشعوب والهيئات والجمعيات الإسلامية بتاريخ 11ربيع الثاني 1344هـ ؛ إذ يقول فيها: (3)

" وبعد فإني أرجو لكم دوام الصحة والعا