المقدمــة:
لكل أمة ما يميزها عن غيرها من الأمم
سواء أكان هذا التميز مادياً أم معنوياً.
إن الأمة المحمدية تملك الكثير من
المميزات والخصائص التي تؤهلها على الدوام بأن تحتل المكان العالي بين الأمم ، إنها
تملك من الخصائص ما يؤهلها إلى القيادة والريادة في كل زمان ومكان وحال ، ولهذا
وغيره من الأسباب فإن هذه الأمة يجب أن يحمل أتباعها هذه المسؤولية إلى عموم
البشرية للهداية والنور.
ثم بهداه هدى البشرية عامة وأمته خاصة
إلى أهمية الوحدة والتعاون والتضامن وذلك من خلال :
الأول: التوجيه المكتوب كما جاء في بنود الصحيفة التي أملاها مؤسس
الدولة الإسلامية e ؛ لتضع أسس الوحدة بين
الأمة الجديدة.
الثاني:
التطبيق العملي في إرساء قواعد الوحدة والتلاحم والتضامن بين الجيل الأول من
المؤمنين من المهاجرين والأنصار ، وذلك في المؤاخاة بين أفراد هذه الأمة
الجديدة.
الفصل الأول
التضامن في الفكر الإسلامي
تمهيـد:
للفكر الإسلامي من القوة ما يميزه عن
غيره من حيث المرجعية والمصادر، فهو يعتمد على القرآن الكريم وما فيه من القوة
والإعجاز البلاغي والتسجيل الوثائقي للأحداث، ولما فيه من مصادر القوة في مجال
الغيبيات التي لا يعلمها إلا الله تبارك وتعالى.
ويشهد على ذلك ما يتميز به من أتقن
القرآن الكريم وعلومه من الأمم والشعوب غير العربية ؛ إذ يملكون رصيداً من الفكر
والثقافة العالية تمكنهم من أن يبزوا غيرهم من أبناء العرب الذين لم يتمكنوا من
ملكة الثقافة القرآنية العالية.
هذا سر من أسرار الإعجاز القرآني ،
يستطيع أن يمتلكه من هداه الله تبارك وتعالى إلى الفكر الإسلامي سواء فيه مهما
اختلف أصله أو جنسيته.
أما المصدر الثاني للفكر الإسلامي فهو
السنة النبوية أو الحديث الشريف الذي يعرف بأنه أقوال وأفعال وإقرار الرسول عليه
السلام .
إن الحديث الشريف نبع من منابع القرآن
الكريم على لسان النبي البليغ سيد البلغاء والحكماء والعلماء والمعلمين.
أجرى الله جل جلاله على لسانه الحكمة ،
وألهمه الفطنة والإعجاز والإبداع في كل علم من العلوم المتقدمة والحاضرة
والمستقبلة .
كلامه درر على مر الزمن ، لم يأته
الباطل من بين يديه ولا من خلفه.
كلام ثرٍ ثريٌّ بالمعاني السامية
والأخلاق القرآنية الفاضلة والسلوك والتربية العالية.
كل يوم تشهد البشرية إعجازاً علمياً من
الحديث الشريف في آية من آيات الله في الكون ، وهذا من فضل الله ، آتاه وأعطاه خير
الخلق أجمعين.
محمد المصطفى من الله الأمي في الكتابة
والقراءة والمعلم الأول لكل قارئ وكاتب ممن اهتدى بهداه واقتدى بسيرته e .
للحديث الشريف علوم يدرسها العلماء في الجامعات، وتمنح الدرجات العليا
للطلاب في فروع الحديث الشريف وعلومه في معظم الجامعات الإسلامية وغيرها.
إن القرآن الكريم والحديث الشريف هما المصدران
الأساسان للفكر الإسلامي إلى أن يرث الله تعالى الأرض ومن عليها.
كما أن كل ما هو إسلامي هما مصدراه
الخالدان بأمر الله تعالى ثم أمر رسوله عليه الصلاة والسلام الذي قال – وفي قوله
الحق – :(تركتكم على المحجة البيضاء ...
كتاب الله وسنتي).
نعم ، والله إنهما المصدران المنيران
للفكر الإسلامي وللمفكرين في كل زمن ومكان.
فيا أيتها البشرية عامة ، ويا أمة محمد
e خاصة ، بين أيديكم مصادر الهدى والهداية ، تمسكوا بها ، وعضّوا
عليها بالنواجذ تفلحوا في الدنيا الزائلة والآخرة الباقية.
تمهيـد:
تزخر آيات القرآن الكريم بالمعاني
السامية الكثيرة الدالة على التضامن والوحدة بين أمة القرآن الكريم ، وذلك لما
للوحدة والتعاون من الآثار الطيبة الخيرة على الفرد والمجتمع وعموم الأمة ثم عموم البشرية،
ومن الآيات الداعية للتضامن ما يأتي من قوله تبارك وتعالى:
1-
{
كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ
وَتَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنكَرِ}
(آل عمران 110).
2-
{إِنَّ
هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ} (الأنبياء 92).
3-
{
وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا
شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً} (البقرة 143).
4-
{ وَمَا
أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيراً وَنَذِيراً } (سبأ
28 ).
5-
{ لَوْ أَنفَقْتَ
مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ
أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ }
(الأنفال 63).
6-
{ وَأَنَّ هَذَا
صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ
بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ} (الأنعام
153).
7-
{ يَا أَيُّهَا
النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً
وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا
} (الحجرات 13).
8-
{ وَتَعَاوَنُوا
عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ }
(المائدة 2).
9-
{ وَاعْتَصِمُوا
بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ
عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ
بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً
} (آل عمران 103).
10-
{ وَالْمُؤْمِنُونَ
وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ
وَيَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنكَرِ }
(التوبة 71).
11-
{ وَأْتَمِرُوا
بَيْنَكُمْ بِمَعْرُوفٍ }
(الطلاق 6).
12-
{ الْيَوْمَ
أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمْ
الإِسْلامَ دِيناً
} (المائدة 3).
13-
{ إِنَّمَا
الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ
لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ
} (الحجرات10).
14-
{ وَاذْكُرُوا
نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ
قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً
} (آل عمران 103).
15-
{ يَا أَيُّهَا
الرُّسُلُ كُلُوا مِنْ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحاً إِنِّي بِمَا
تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ ، وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا
رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ }
(المؤمنون 52).
16-
{
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمْ الصِّيَامُ
كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ
} (البقرة 183).
17-
{ يَا أَيُّهَا
الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا
الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ
اجْتَبَاكُمْ} (الحج 77–78).
18-
{ أَيُّهَا
الَّذِينَ آَمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ
أَلِيمٍ ، تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ
بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ }
(الصف10–11).
جميع الآيات السابقة وغيرها كثير تحث
الفرد والجماعة على الاعتصام بحبل التضامن والوحدة ؛ لأن في ذلك العاصم من القواصم
والفرقة وفيه النجاة في الدنيا والآخرة .
وفي الجانب الآخر النهي ؛ فهناك آيات
كريمة تحذر عن الفرقة والصراع الذي يؤدي إلى التمزق وضياع ما بناه الآباء ، فيطمع
الأعداء ، ويتمزق الوطن ، وتضيع الأمة، وتصبح علة وعالة على موائد الأعداء الذين
يعطونها – أو لا يعطونها– بعد أن تعطيهم كل العزة والكرامة.
ويحذر الله تبارك وتعالى عباده
المؤمنين من السير في هذا الطريق المخالف للوحدة والتضامن الذي فرضه عليهم ، ومن
تلك الآيات قوله تبارك وتعالى :
1– { وَاعْتَصِمُوا
بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ
عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ
بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً}
(آل عمران 103).
2– { وَأَطِيعُوا
اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ } (الأنفال 46).
3– { وَإِنْ
طَائِفَتَانِ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ
بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ
إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ
وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ }
(لحجرات 9–10).
4– { وَلا
تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمْ
الْبَيِّنَاتُ وَأُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ }
(آل عمران 105).
5– {
إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا
شِيَعاً لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ
يُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ}
(الأنعام 159).
6– { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا
تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ
بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنْ الْحَقِّ} (الممتحنة 1).
ومن الآيات السابقة تبرز المعاني
والدلالات على أهمية التضامن في حياة الأمة الإسلامية ؛ لأن ذلك خيار رباني ممن
يعلم المصلحة والخير للأمة الرائدة والقائدة للأمم جميعاً.
ذلك لأنها تحمل الرسالة الخاتمة
للرسالات ، ونبيها e خاتم الأنبياء ، وكتابها آخر الكتب المنزلة
من السماء .
ومن وحي ذلك فإن الأمة الإسلامية ممثلة
بقادتها وأهل الحكمة والحل والعقد والرأي السديد عليهم جميعاً المسؤولية في حمل
راية التضامن والوحدة الإسلامية في كل زمان ومكان .
وتزداد الحجة على الأمة ، كما تزداد
الحاجة إليها في هذه الحقبة العصيبة من التاريخ بأن تنهض من كبوتها، وتفيق من
سباتها وتعود إلى هدي ربها جل وعلا وقيادة قدوتها ونبيها محمد e ؛ لتقود البشرية المتخبطة في وحل الجهل والجاهلية المعاصرة،
وتنقذها من الإثم الدنيوي والعذاب الأخروي، وللقيام بواجبها كما أراد الله تعالى
لها ذلك.
تمهيـد:
رأينا فيما سبق من الآيات الكريمة
التأكيد من الله تبارك وتعالى على حامل الرسالة وأمته المختارة بوجوب الاتحاد
والتضامن لما فيه الخير والقيادة والريادة .
وفيما يأتي نختار بعضاً من الأحاديث
التي تؤكد ما أكدته الآيات القرآنية في تعظيم شأن التضامن والوحدة بين أفراد الأمة
الواحدة التي يجمعها الرب الواحد والدين الواحد والنبي الواحد والكتاب الواحد
والقبلة الواحدة .
ومن تلك الوحدانية جميعها يجب أن تتحد
الأمة وتتضامن، كما أراد لها ربها تبارك وتعالى فيما سبق من الآيات القرآنية ،
ويريد لها نبيها عليه السلام من خلال الأحاديث الشريفة الآتية :
1-
(ترى المؤمنين في تراحمهم
وتوادهم وتعاطفهم مثل الجسد الواحد ، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر جسده بالسهر
والحمى) "البخاري".
2-
(أوصيكم بتقوى الله والسمع
والطاعة وإن تأمر عليكم عبد، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين، عضوا
عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة ) رواه
أبو داود والترمذي.
3-
(الشيطان يهم بالواحد والاثنين
، فإن كانوا ثلاثة لم يهم بهم ) رواه مالك.
4-
(سترون هنات وهنات فمن أراد أن يفرق
أمر هذه الأمة وهي جميع فاضربوه بالسيف كائناً من كان ) "مسلم".
5-
(إن الله يرضى لكم ثلاثاً : أن
تعبدوا الله ولا تشركوا به شيئاً ، وأن تعتصموا بحبله جميعاً ولا تفرقوا ، وأن
تناصحوا من ولاه الله أمركم) .
6-
(من أتاكم وأمركم جميع على رجل
واحد يريد أن يشق عصاكم أو يفرق جماعتكم فاقتلوه) "مسلم" .
7-
(لا يزال من أمتي أمة قائمة
بأمر الله لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم حتى يأتيهم أمر الله وهم على ذلك )
"البخاري".
8-
(المؤمن للمؤمن كالبنيان ، يشد
بعضه بعضاً، ثم شبك بين أصابعه ) "البخاري".
9-
(يد الله مع الجماعة ، فمن شذ
شذ في النار) "الترمذي".
10-
(مثل المؤمنين في توادهم
وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد
بالحمى والسهر ) "مسلم".
11-
(لا تختلفوا ، فإن من كان قبلكم
اختلفوا فهلكوا) "البخاري"
.
ونختم
هذه الأحاديث بما جاء عن المصطفى عليه السلام في خطبته يوم عرفة في حجة الوداع حيث
وجه الأمة إلى التضامن والوحدة ، فقال:
12-
( أيها الناس ، إنما المؤمنون
أخوة، ولا يحل لامرئ مال أخيه إلا عن طيب نفس منه ، ألا هل بلغت ، اللهم فاشهد ...
فلا ترجعن بعدي كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض فإني تركت فيكم ما إن أخذتم به لن
تضلوا بعده : كتاب الله وسنة نبيه ، ألا هل بلغت ، اللهم فاشهد ... ) .
إن الأحاديث الشريفة المذكورة أعلاه –
وغيرها كثير– تؤكد التوجيه الصريح بأهمية الوحدة والتضامن الإسلامي لهذه الأمة.
كما تشدد أحاديث أخرى على خطورة الفرقة
وعدم الشعور بالجسد الواحد الذي إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر
والحمى ، كما جاء ذلك في الحديث الشريف .
كذلك يفهم منها أن المصطفى عليه السلام
أرسله ربه تبارك وتعالى جامعاً للشمل موحداً للجهود وداعياً للتضامن بين البشرية
عامة وبين الأمة المحمدية خاصة لكونها الأمة الشاهدة على الأمم الأخرى لأن دينها
آخر الأديان ، ونبيها آخر الأنبياء ، ودستورها المتمثـل في القـرآن الكريم آخر
الكتب المنزلة، كما يؤكد ذلك كتاب الله تعالى في قوله: {
الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ
لَكُمْ الإِسْلامَ دِيناً }.
وليس للأمة الإسلامية من خيار إلا ما
اختاره لها نبيها عليه السلام ؛ إذ تركها على المحجة البيضاء ، ليلها كنهارها، لا
يزيغ عنها إلا ضالٌ هالكٌ .
ومهما ابتغى بعض أجيال هذه الأمة من
الأخذ عن الآخرين القاصرين في تصورهم الزماني والمكاني والحال البشري فإن هذه
الأجيال مخطئة بل متنكرة لجذورها.
لأن أولئك الآخرين يدبرون ويشرعون
وينظمون لمصالحهم الشخصـية محدودة الزمان والمكان،والحال البشري القاصر عن استيعاب
ما هو خارج عن نطاق إمكاناته وقدراته البشرية
.
إذن خيار الخير والفلاح والرشاد لأمة
التضامن هو العودة إلى كنوز الفكر الإسلامي من خلال مصدريه الخالدين خلود الحياة
والارتشاف منهما للارتواء من معين لا ينضب ولو كان البحر مداداً لكلماتهما .
كما على أفراد الأمة ألا تبتغي العزة
في غير الإسلام، ومهما ابتغت ذلك في غيره أذلها الله ؛ لأنها انحرفت عن الطريق
الصحيح الذي اختاره الله تعالى لها، ولم تقتدِ بالنبي عليه السلام الذي سلك ووجه
إلى سلوك الطريق القويم.
إن العود أحمد إلى دين المصطفى أحمد
الداعي إلى التضامن والوحدة.
إن الوحدة والتضامن يمجدها الشعراء الذين يغارون على الدين، وينافحون عنه
بالكلمة المؤمنة المتشبعة بالهدي القرآني والمقتدية بالتوجيه النبوي ، ومن ذلك :
تأبى الرماح إذا اجتمعن تكسراً وإذا افترقـــــن تكســرت أفــــرادا
ويقول
الشاعر الباكستاني المسلم محمد إقبال في التضامن :
ألم يبـعث لأمتــــــــــــــكم نـبي يوحدكم على نهــــــــــج الوئـام
ومصحفكم وقبلتـــكم جميعـاً مـنـار للأخــــــــــــــــوة والسـلام
وفــــــوق الكل رحـمـان رحيم إلــه واحد رب الأنـــــــــــــــــــام
فما لنهـار ألفتــــــــــــــكم تـولى وأمسيتم حيـارى في الظـــــــلام
ويقول شاعر
الملك عبد العزيز الشاعر أحمد الغزاوي مخاطباً الملك عبد العزيز عند دعوته للمؤتمر
الإسلامي الأول عام 1344هـ بقوله:
أجـاب بنـو
الإسلام طراً نداءكم لمؤتمر الشورى فكـان
مجســـــــما
وخاضوا عباب البحر كيما يشاهدوا حقائق كانت في ذراهم توهمـــا
فلمـا رأوا
مـا يـمــــــلأ العين قرة تولوا بحمدٍ
أفعم القلــب والفما
فــلا
تتركوهـا فرصـــــــــةً ذهبيـةً فقـد حان
للآمــــــــال أن تتبسما
كما سجل
الشاعر السعودي الدكتور زاهر الألمعي الأبيات الآتية مؤيداً فيها الملك فيصل ودعوته
للتضامن الإسلامي قائلاً:
فيــا فيصل
الإسـلام قدها عزيزةً كتيـار موج فاض ليس
لـه جـــــزر
دعـوتَ شعوب
المسلمين لوحـدةٍ فأصغت لك الأيـام والتفت
الدهر
إذا ما اعتلت في الصين صيحة مسلمٍ تجاوب في أم القرى البيت والحجر
ودوت بـأرجاء
الربـاط استجابـةً وهبت لها بغـداد
وانتفضــت مصر
وضـم شعوب
فلسـطين تضـامن فعـز بـه الإسلام وانهزم الكفـر
ويشارك الشاعر
صالح جودت بآماله في الوحدة العربية قائلاً:
في
ملتقـــــــــــاهم موعد للوفـاق ومن خلال العرب صدق الوعود
يهيب
بالشـــــــام ويدعـو العراق ويضن المغـرب
وابن الســـــعـود
سيروا إلى
ميعـــــــــــــاده يا رفاق وحققـــوا
وحـدتكم في الوجـود
قد سادنا
أعداؤنـــــــــا في الفراق وآن فـي
وحـدتنـــــــــا أن نسـود
لـوذوا بحبل
الله واعتصمــــــــــوا بـالعـروة الوثقى
ولمـوا الشتـــات
ولينتظمكــــــــــم
محــور مسلــــمٌ تـجري أمـانيه بـأم
اللغـــــــــــات
ويشارك
الدكتور يوسف القرضاوي أمته الإسلامية في وحدته ، فيقول:
يا أخي في الهنـد أو في المغـــــرب أنا منـــــك أنــت مني أنــــت بـي
لا تسل عن عنصـري عـن نسبي إنـــــــه الإســــــــــلام أمــي وأبـي
يا أخا الإســـــــلام في كـل مكـان قـم نفك القيــــــــد قـد آن الأوان
واصعد الـربوة واهتـــف بـالأذان وارفع المصحــف دستور الزمـان
لـوذوا بحبــــــــــــل الله واعتصموا بـالعـروة الوثقى ولمـوا الشتــــات
ولينتظمـــــــــــــــكم محـور مسلـمٌ تـجري أمـانيه بـأم اللغــــــــــــات
وامــلأ
الآفـــــــــاق: إنــا مسـلمــون
حق لعاصمة الإسلام والمسلمين أن تحتفل
وتحتفي بيوم وحدتها وجمع شملها الذي تحقق قبل مائة عام عندما دخل الملك المؤسس عبد
العزيز الرياض في الخامس من شوال عام 1319هـ الذي يحق لنا أن نسميه عام بداية
التضامن والوحدة وجمع الشمل بين الأمة السعودية والعربية والإسلامية .
وحق لأمة الإسلام أن تشارك عاصمتها
الرياض بيوم وحدتها الذي منه انطلق نداء التضامن الإسلامي والوحدة الإسلامية المعاصرة
.
إن الوحدة المحلية التي ظهرت بعد عودة
الملك المؤسس إلى عاصمة أجداده انعكس ذلك على الوحدة الإقليمية والوحدة العربية
والإسلامية كما سنرى إن شاء الله.
سجل ولا
يزال يسجل التاريخ المعاصر للأمة الإسلامية الدور الرائد الذي قام به الملك المؤسس
عبدالعزيز الذي دعا إلى الوحدة والتضامن العربي والإسلامي بين دول العالم العربي
والإسلامي ، بل شارك في تأسيس المنظمات الوحدوية مثل الجامعة العربية.
ونبدأ
بتسجيل رأي خادم الحرمين الشريفين في الدور الرائد لوالده في الوحدة والتضامن ؛ إذ
يقول:( 1)
" وحين أتكلم عن شخصية الملك عبد العزيز
فإني أتكلم عنه والداً وأستاذاً وإماماً، الوالد الذي أعد بنيه ، وربّى فيهم
الإحساس الصادق بالمسؤولية العظيمة الدقيقة تجاه العقيدة والشريعة والدعوة
والمقدسات والوحدة ومصالح المواطن والمواطنين والأمة الإسلامية جمعاء ، فإن من حق
كل مسلم في هذا العالم أن يشترك معنا في هذا الفخر والاعتزاز باعتبار الملك عبد
العزيز زعيماً إسلامياً عالمياً رفع راية التوحيد، وطبق شريعة الإسلام ، وجدد
مسؤولية الدعوة إلى الله على مستوى التزامات الدولة، وأقام وحدة اجتماعية وسياسية
وجغرافية كبرى على أساس الإسلام، ونهض بواجب النداء والعمل في سبيل وحدة العالم
الإسلامي ، وبنى مملكة تعتبر واحة إسلامية ظليلة للمسلمين كافة " .
والحق فيما شهد به خادم الحرمين
الشريفين عن والد الجميع، وما أشار إليه من أن المملكة التي وضع كيانها الملك عبد
العزيز هي بحق خيمة ومظلة التضامن للعرب والمسلمين منذ البداية ، وقد استمر وسيظل
البيت السعودي راعياً وأميناً ومحافظاً على هذا الالتزام بكل الإمكانات المادية
والمعنوية والبشرية .
ومــــن الأقــوال التي يسجلهــا
التاريــــخ للمــلك المؤســـس في وجــوب التضامن ما يــأتي (2)
:" إني أفخر بكل من يخدم الإسلام ويخدم المسلمين ، وأعتز بهم، بل أخدمهم،
وأساعدهم ، وأؤيدهم ".
" إنني أدعو المسلمين جميعاً إلى
عبادة الله وحده والرجوع للعمل بما كان عليه السلف الصالح ؛ لأنه لا نجاة
للمسلمين إلا بهذا ".
إن السيرة الذاتية للملك المؤسس تؤكد
صدق الدعوة وتطبيقه لذلك في الحياة الشخصية والعائلية والاجتماعية ، ثم دعوته
لغيره الالتزام بذلك لما فيه من الخير في الدنيا والآخرة.
" إن تقدم المسلمين ونهوضهم هو من
الأمور التي ما برحنا ندعو إليها إن شاء الله، ولا نهوض للمسلمين بغير الرجوع إلى
دينهم والتمسك بعقيدتهم الصحيحة والاعتصام بحبل
الله ".
وهذه الدعوة نتيجة قناعة ويقين من أن
هذه الأمة لا تصلح إلا بما صلح به أولها؛ لأن الله أعزها بالإسلام، ومهما ابتغت
العزة في غيره أذلها الله ، والتاريخ شاهد وناطق بذلك.
ومنذ البداية المبكرة للدولة الجديدة
حدد الملك المؤسس خطوط سياسته تجاه الأمة الإسلامية في الرسالة التي أرسلها إلى
قادة الشعوب والهيئات والجمعيات الإسلامية بتاريخ 11ربيع الثاني 1344هـ ؛ إذ يقول
فيها: (3)
" وبعد فإني أرجو لكم دوام الصحة
والعافية ، وإني سعيد أن أمد يدي ليدكم ولكل يد عاملة لخير الإسلام والمسلمين ،
وإني مملوء ثقة أنه بتعاوننا على الخير سيكون المستقبل السعيد لجميع الشعوب
الإسلامية ".
وفي مناسبة مبايعته ملكاً على الحجاز
يوم 25–6–1344هـ أصدر بياناً للجميع يطمئن الأمة الإسلامية على مستقبل الديار
المقدسة التي يضحي بكل شيء من أجلها ، فيقول:(4)
" وسنقوم بتوطيد الأمن والراحة
وتوفير الرخاء، وسنعمل كل ما من شأنه أن يحقق رغائب العالم الإسلامي ، ويقر أعينهم
في إدارة هذه البلاد المقدسة ، نسأله تعالى أن يعيننا على حمل أعباء هذا الأمر ،
والله ولي التوفيق ".
وقد تحقق في عهده لهذه الدولة الكثير
من الإنجازات، ولكنها عظمت وازدادت في عهود أبنائه الذين حملوا الرسالة
والأمانة.
وسوف نرى بعضاً من هذه الإنجازات في
عهد كل واحد من أبناء الملك المؤسس عند الحديث عن دور كل واحد منهم في دعوة التضامن
العربي والإسلامي وما بذلوه جميعًا من المدد المعنوي والمادي ، يساندهم في ذلك مدد
وعون مادي ومعنوي من الشعب السعودي لكل ما يضمن ويحفظ التضامن العربي والإسلامي.
وقد سجل الأستاذ عبد المنعم الغلامي(5)
تسجيلاً وثائقياً بعضاً من أقوال الملك المؤسس في الوحدة والتضامن العربي
والإسلامي ، نذكر فيما يأتي بعضاً منها مع التعليق :
" وكل ما نطمع فيه أن يتحد
العلماء المسلمون ، فيتحد العالم الإسلامي ، نريد أن يكون اتحادنا قوياً متيناً ،
وأن يخضع العالم الإسلامي خضوعاً تاماً لأحكام القرآن والسنة".
وهذا النداء أمر طبيعي من دولة قامت
منذ النشأة الأولى لتحقيق هذا النداء الرباني وإنفاذه، وهو مسجل ومعلن في كل وثائق
الدولة ومنطوق به على ألسنة قادتها وشعبها.
" المسلمون في أشد الحاجة اليوم
إلى التساند والائتلاف كحاجة الناس إلى الماء الذي هو حياة الأنفس ، والماء لا
يعرف قيمته إلا من هو في حاجة إليه، ونحن في أشد الحاجة إلى مثل هذه الزيارة التي
تقوي الصلات ، وتؤكد الود ، وترفع من شأن المسلمين".
إن اختيار الكلمات فنٌّ ، ووضعها في
مكانها المناسب فنٌّ آخر ، ومن النصِّ السابق يتضح التوفيق الذي حالف الملك عبد
العزيز عندما قارن التضامن الإسلامي بالماء بالنسبة للمسلمين ، وهي موازنة حقيقية
تؤكدها الأحداث والأيام ؛ فالأمة الإسلامية لا تعيش إلا بالتضامن كما أن الإنسان
لا يعيش إلا بالماء .
وللشعر والشعراء وقفات مؤيدة مشيدة بالوحدة والتضامن الذي يدعو إليه
الملك المؤسس، ومن ذلك هذه الأبيات المعبرة:
بالعلم والدين والإخـــــلاص
شيدها بالجد والسيف لا بالخـتل
والـجــــــــدل
لله مـن
رجــــــــــــــــــــــــل بـالله عزتـه لله
دعـوتــــــــــــــــــــه جـاءت بـلا وجـل
صان الممالك والإســـــلام مذ
بزغت شمس ( الرياض )على الآفاق والسبل
ومن كلمة قالها في مكة
المكرمة في حضور رؤساء وفود الحج في7/12/1345هـ:
" يجب أن يعتبر المسلمون من
حالتهم اليوم ، فإنهم لم يصلوا إلى ما هم عليه الآن إلا من كثرة أقوالهم وعدم
أفعالهم ، ألا إن العمل هو أساس النجاح ، إن العقيدة الصحيحة هي أساس الفلاح ".
ويضيف منادياً جميع المسلمين لعودتهم
إلى دينهم:
" إني أرجو من المسلمين أن يرجعوا إلى كتاب الله وسنة رسول الله،
وهذا ديننا ، وهذا هو معتقدنا ، نقاتل من أراد أن ينال ديننا أو وطننا بأذى".
وفي إشــــارة إلى أن العلة
والمشكلـــــة التي يعيشـــها المسلمون بسبب حالهم الذي لا يسر:
" إن المدنية الصحيحة هي التقدم
والرقي ، والتقدم لا يكون إلا بالعلم والعمل ، إن حالة المسلمين اليوم لا تسر ،
وإن الحالة التي هم عليها لا يقرها الإسلام ، يجب على المسلمين أن يتدبروا موقفهم
جيداً، ويعملوا لتطهير قلوبهم من الأدران التي علقت بها، فإن الموقف دقيق".
وفي مصارحة لكشف علة العلل بين
المسلمين يبرز الملك المؤسس ذلك بقوله :
" إن الفرقة أول التدهور
والانخذال، بل هي العدو الأكبر للنفوس والغاوية للبشر، والاتحاد والتضامن أساس كل
شيء ، فيجب على المسلمين أن يحذروا التفرقة ، وأن يصلحوا ذات بينهم ، ويبذلوا
النصيحة لأنفسهم ".
ولا بد من وقفة تأمل لما جاء في تشخيص
الملك عبد العزيز لأمراض المسلمين حين حدد أن مشكلتهم تكمن في تفرقهم شيعاً
وأحزاباً، ثم حذرهم من هذه الفرقة التي تفكك وحدتهم ،فلا ملجأ لهم إلا الاتحاد
والتضامن فيما بينهم ، وهذا هو العاصم من القاصم التي تحيط بالمسلمين في كل زمان
ومكان .
وقد اعتاد الملك المؤسس أن يلقي كلمة
في حضور رؤساء بعثات الحج ، ويعلن مواقفه من القضايا الساخنة والمؤثرة في العالم
بصفة عامة، والعالم الإسلامي بصفة خاصة ، ومن ذلك كلمته أمام الحجاج عام 1348هـ
عندما أكد على ما يأتي:
" الغاية من هذا الاجتماع هو التعارف والتآلف ، لعل الله يوفقنا
بذلك لخدمة الدين ونشر حقيقته ، إن هذا الاجتماع للتعارف كما قلت ، ورابطة الإسلام
هي خير واسطة للتآلف والتعارف، فالواجب علينا أن نتمسك به ، وأن نعمل بما أمرنا به
؛ لننال الفوز في الدنيا والآخرة ".
ثم أضاف مؤكداً أنه يدعو إلى الدين
الخالص المخلص إلى الله تعالى في قوله :
" أجل ، نحن دعاة إلى التمسك
بالدين الخالص من كل بدعة ، نحن دعاة إلى العروة الوثقى التي لا انفصام لها ، قال
تعالى :{ وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ
مِنْ قُوَّةٍ }.
الدنيا درجات، فإذا درسنا حالة الأوروبيين وجدنا أنهم يعتصمون بالحديد
والنار والكهرباء وما شاكلها ، أما نحن فإننا نعتصم بحبل الله تعالى ، ومن اعتصم
بالله فهو حسبه".
إن هذه البلاغة في التعبير مثال من الشعور الإسلامي الذي يتمتع به
الملك المؤسس، إن الله تبارك وتعالى قد منح الملك عبد العزيز الكياسة والفطنة
والإيمان بأهمية الوحدة والتضامن لصالح بلاده وجميع بلاد المسلمين ، ومما قاله في
ذلك:
" ليتفق المسلمون فيما بينهم على
العمل بكتاب الله وسنة نبيه وبما جاء بهما ، فإني حينذاك أتقدم إليهم، فأسير
وإياهم جنباً إلى جنب في كل عمل يعملونه ؛ ليتعاهد المسلمون فيما بينهم على التمسك
بذلك، وليتفقوا، فإنني أسير وقتـئذ معهم لا بصفة ملك أو زعيم أو أمير بل بصفة
خادم، أسير معهم أنا وأسرتي وجيشي وبني قومي ، واللـه على ما أقول شهيد ، وهو خير
الشاهدين ".
ويواصل الملك المؤسس في بث مشاعره
الصادقة نحو التضامن والوحدة إذ يقول:
" أنا مسلم ، وأحب جمع كلمة
الإسلام والمسلمين، وليس أحب عندي من أن تجتمع كلمة المسلمين ولو على يد عبد حبشي
، وإنني لا أتأخر عن تقديم نفسي وأسرتي ضحيةً في ذلك ".
وفي خطبة ألقاها في حجاج عام 1353هـ
قال – رحمه الله –:
" إن أحب الأمور إلينا أن يجمع
الله كلمة المسلمين ، فيؤلف بين قلوبهم، ثم بعد ذلك أن يجمع كـلمة العرب ، فيوحد
غاياتهم ومقاصدهم ؛ ليسيروا في طريق واحد يوردهم موارد الخير ".
من النص السابق تظهر النيات الحسنة
والمقاصد السليمة التي عبر عنها مؤسس الدولة السعودية الثالثة والدعاء بأن يجمع
الله كلمة الأمة إلى سواء السبيل حيث الوحدة.
وتأكيداً لمثل تلك النيات الحسنة فقد
سجل الملك المؤسس اهتمامه بأمر المسلمين ضمن وصيته لولي عهده ، فقال موصياً إياه
بالمسلمين وعلمائهم (6):
" عليك أن تنظر في أمر المسلمين
عامة ، أوصيك بعلماء المسلمين خيراً ".
رحم الله الملك عبد العزيز الذي ترك للأجيال من بعده أولاده وشعبه
إرثاً عظيماً سوف يرتقون به قمم المجد ، ويتقدمون به غيرهم ماداموا متمسكين
بالإسلام.
لقد ترك لأبنائه وشعبه وصايا خالدة غير
تالدة، وكلما تمسك بها الجميع زادتهم عزاً فوق عز ؛ لأن الوحدة والتضامن بين
المسلمين أمر أساس ودعوة ربانية ، ينال من يقوم بها جزاء الدنيا والآخرة .
إن المملكة العربية السعودية وهي ترفع
وتحمل شعار التضامن بين المسلمين في العالم بناءً على توصية خالدة من الوالد
المؤسس – الإرث الذي ذكرناه سابقاً – سوف يكون الجميع أميناً على حمل الأمانة
والوصية الخالدة ؛ لأن في ذلك العز والتمكين والنصر مصداقاً لقوله تعالى : { إِنْ تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ
وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ }.
إن قول الله حق وصدق، ينصر ويثبت من
ينصر دينه ويعلي كلمته .
وإني لأرجو من الله تعالى للقادة والشعب
السعودي وباقي البلاد الإسلامية المزيد من التوفيق والعمل للقيام بواجب
الوحدة بين المسلمين تحقيقاً للمشاعر
الصادقة التي يشعر بها المسلمون من أن هذه البلاد قد هيأها الله تعالى في هذا
العصر لحمل رسالة الإسلام والحفاظ عليها، كما يريدها الله – تعالى – ورسوله – عليه
السلام – أمة واحدة من خير الأمم : {
كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ
وَتَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنكَرِ }.
إن الإيمان بالله قوة لا يهزم حاملها ،
ولا ينتصر أحد عليها ؛ لأنها مدد من الله تعالى.
ومن أقوال الملك المؤسس حول دور
الإيمان وأهميته ضد الأعداء:(7)
" ولكن قوة واحدة إذا أعدها
المسلمون والعرب لا يمكن أعداؤهم أن يأتوهم بمثلها، هي إيمانهم بالله وثقتهم به ،
هذه القوة لا قبل لأحد بها ".
وقد سجل هذا المعنى شعراً محمد إقبال
في قوله :
إذا الإيمان
ضاع فــــــــلا أمان ولا دنيــــــا
لمن لم يحي دينـــــا
إن الأمان يأتي مع الإيمان ، وذلك يأتي
إذا تحققت الوحدة والتعاون والتضامن بين الشعوب والقادة ؛ ليحيا الجميع حياة مشرفة
تحت ظلال القرآن الكريم وهدي النبي العظيم e .
تمهيـد:
وضمن رحلات الملك سعود لتأكيد التضامن
الإسلامي كانت رحلته إلى باكستان عام1373 هـ ، فقد أحيط الزائر والزيارة بعظيم
الاستقبال والترحيب لإثبات الود والأخوة الإسلامية بين البلدين والشعبين.
وقد عبر الملك سعود عما رآه من الشعب
الباكستاني نحوه ونحو الشعب السعودي، فقال:
" إني لمغتبط كل الاغتباط بما
سمعت وبما رأيت في كل مكان نزلت فيه ومن كل أخٍ التقيت به من هذا الشعور الإسلامي
والأخوي الذي يجمعنا والرابطة الدينية التي تربطنا فليس لنا ولا لكم غير جمع كلمة
المسلمين عامة في مشارق الأرض ومغاربها على الحق ، وأن يكونوا إخواناً متحابين في
الله ، وأن يكونوا كالبنيان المرصوص والجسد الواحد ، واعتصموا بحبل الله
جميعاً".
ويمكن أن نستشف هموم الملك سعود واهتمامه بوحدة المسلمين وتضامنهم
مبكراً عندما كان ولياً للعهد ، فقد ألقى خطاباً عن والده في حج عام 1366هـ ، ومما
قاله :
" أحييكم بالنيابة عن جلالة والدي الملك بتحية الإسلام لقد فرض
الله علينا حج بيته رحمةً منه وفضلاً ؛ ليجمع كلمتنا على عبادته ، وليؤاخي بيننا
في طاعته ، ويؤلف بين قلوبنا في محبته وأي نعمةٍ أجل وأعظم من أن تهوي أفئدة المسلمين
إلى هذا البيت العتيق ؛ ليتعارفوا في الله ، ويتعاهدوا على العمل بكتاب الله ،
المسلمون إخواننا أينما حلوا ونزلوا ، والعرب أهلنا أنى ارتحلوا وحيث كانوا، نسعى
لخيرهم جميعهم وفي سائر الميادين، نرجو من الله أن يعين الجميع ليرجع للمسلمين
عزهم وسؤددهم".
وفي مناسبةٍ من مناسباتِ زياراته من
أجل توحيد كلمة المسلمين قال في خطابٍ له
في كراتشي بباكستان ما يأتي :
" ومما يزيد في سروري أن أرى ذلك
الود الممزوج بالكفاح لبلوغ أمانيكم ، وهي ما سيتحقق إن شاء اللـه لاتحاد المسلمين
جميعاً في مشارق الأرض ومغاربها، وإني في طريقي للكفاح والعمل على عزة العرب
والمسلمين ، مضحياً بكل ما أستطيع، باذلاً أقصى الجهد للوصول بمـا يرضي
اللـه".
كان الملك سعود يغتنم فرصة أعياد
المسلمين ، فيوجه إليهم النداء تلو النداء ، ومن ذلك ما جاء في رمضان 1373هـ ؛ إذ
وجه النداء الآتي :
" إلى إخواني المسلمين في مشارق
الأرض ومغاربها :
عليكم أيها المسلمون بالرجوع إلى الله
في سركم وعلانيتكم وتوحيد كلمتكم وجمع صفوفكم في هذا الجو المكفهر ، فهبوا أيها
المسلمون إلى تصحيح مبادئكم واسترجاع مجدكم وتوحيد كلمتكم كما قال تعالى في كتابه
الحكيم : { وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ
جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا } ،
وقوله تعالى: {وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا
وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ}، وفي الحديث
عن النبي e : ( المسلم للمسلم
كالبنيان يشد بعضه بعضاً ).
فإلى متى وإلى أين أيها المسلمون في
هذا التفرق وهذا التشتت الذي أحدث فجوةً في صفوف المسلمين ، وكما قال بعض أعداء
العرب والمسلمين لما سُئل : (بمَ تستعين على العرب وهم أكثر منكم عدداً وعدة ؟)
قال:(أستعين عليهم بالتفرقةِ فيما بينهم) .
… إنني أستنهض هممكم ، وأذكركم بماضيكم المجيد
، ونحن على أتم استعداد للسير فيما فيه عز العرب والمسلمين،فلنضحِّ بالغالي
والرخيص في سبيل ذلك عن عقيدة وإيمان مبتهلين إلى الله عز وجل في هذا الشهر
المبارك أن ينصر دينه ، ويجمع شمل المسلمين ، ويحفظ كيان هذه الأمة المجيدة
متكاتفين متحدين، والسـلام عليكـم" .
وتحقيقاً لأهداف المملكة سعى الملك
سعود إلى المزيد من الدعوة إلى التضامن العربي والإسلامي في كل مناسبة ومجال، ومن
ذلك تصريحاته للصحافة العالمية ، ومثال ذلك حديثه لمجلة المصور عام 1373هـ ، ومما
قـاله :
" وأنا أدعو العرب جميعاً إلى عقد
مؤتمرٍ شعبي ؛ لتكون الشعوب العربية على اطلاعٍ ومعرفةٍ بجميع الحقائق ، نريد
تآلفاً بين الدول العربية في ميادين السياسة والاقتصاد والشؤون العسكرية ، وأنا في
مقدمة الذين يهدفون إلى هذا الاتجاه ضمن ميثاق الجامعة العربية ، وقد أبلغت الوفد
الذي مثل المملكة عزمنا الأكيد على التعاون العربي في أي ميدان وفي أي مجال ممكن
لتحقيق ما فيه الخير والمصلحة لنا جميعاً ، وما فشل العرب إلا عندما تفرقوا ، وما
نجحوا إلا عندما استمسكوا واتحدوا ، وأذكر أن لرئيس الدولة الصهيونية كلمة مشهورة
قال فيها:)نحن
لن نستطيع التغلب على العرب إذا اتحدوا ، نحن مليون ، وهم أربعون مليوناً ،
ونجاحنا وقيام دولتنا مرهون بإشعال الخلافات بينهم وتفرقتهم) ، لن نكون شيئاً إذا
لم نتحد ونخلص للاتحاد ، وعلينا أن نعمل .
ولتحقيق تلك الأقوال وتفعيلها قام
الملك سعود برحلات مكوكية إلى الدول العربية والإسلامية في العام الأول من توليه
الحكم شملت الدول الآتية :( 9 )
1-
مصر في رجب 1373هـ.
2-
الكويت في 24رجب 1373هـ.
3-
البحرين في7 شعبان 1373 هـ .
4-
باكستان في11شعبان 1373 هـ .
5-
الأردن في 12 شوال 1373هـ .
6-
اليمن الشمالي في 16 ذي القعدة
1373هـ .
وقد أثمرت هذه الزيارات، وحققت الكثير من المكاسب التي كانت سبباً فيما
بعد في وضع اللبنات الأولى للتضامن الإسلامي .
كما وضعت هذه الزيارات المملكة في الصف الأول بين الدول الداعية للوحدة
والتضامن بين العرب والمسلمين تحقيقاً لأمر الله تعالى وأمر رسوله عليه السلام.
ومن المعالم البارزة التي تحققت في عهد الملك سعود بين المملكة والدول
الإسلامية مما ترك آثاراً إيجابية على العلاقات الإسلامية بين الدول والمنظمات
وزاد في دواعي التضامن والوحدة بين الشعوب والدول والمنظمات الإسلامية ما يأتي
:
الأول: أول ميثاق إسلامي عام 1375هـ
حيث ظهر أول ميثاق للتضامن الإسلامي الذي وقعه الملك سعود ورئيسا
جمهوريتي مصر وباكستان ، ومما جاء في هذا الميثاق المواد الآتية ، وأوردها باختصار
:
1-
يتألف المؤتمر من مجموع
المسلمين أفرادًا وجماعات .
2-
المؤتمر شخصية اعتبارية مستقلة
عن أعضائه.
3-
الغرض من المؤتمر تقوية أواصر
الثقة والأخوة الإسلامية
الثاني: قيام أول مؤسسة عالمية إسلامية شعبية عام 1382هـ
ونعني بذلك تأسيس رابطة العالم
الإسلامي التي أصبح لها دور عالمي في خدمة الإسلام والأقليات الإسلامية في العالم
والمجتمع الدولي، وقد اتخذت من مكة المكرمة مقرًّا لها .
الثالث: الزيارات التي قام بها الملك
وقد ذكرنا بعضاً من تلك
الزيارات إلى الدول الإسلامية التي أثمرت ووطدت وأكدت أهمية الوحدة والتضامن بين
المسلمين والدور السعودي البارز في هذا المجال .
إن ما سبق ذكره من الجهود والأعمال
الخيرة التي قام بها الملك سعود– رحمه الله– من أجل الوحدة والتضامن بين المسلمين
يضاف ذلك إلى ما وضعه الملك المؤسس من أسس قوية البنيان لجمع شمل المسلمين في كل
زمان ومكان .
وقد هيأت هذه البداية المباركة الجوّ والحال لأبنائه من بعده لمواصلة
مسيرة الدعوة إلى التضامن والوحدة بين المسلمين ، وقد أهَّل ذلك بلاده وأبناءه من
بعده أن يتبوَّؤوا المكان الأول والصدارة بين القادة والزعماء الداعين إلى الوحدة
والتضامن بين الأمة التي اختارها الله – تعالى وجلَّ وعظُم اختياره – لتكون خير
الأمم ، ونبيها خير البشر.
وحق لبلاد الحرمين الشريفين أن تتبوأ هذه المكانة العالية بين الأمم
مادامت راعية وأمينة على الحرمين الشريفين وخدمة المسلمين .
ومن مواطن
العز الذي تفتخر به هذه الدولة الماجدة أنها تعلن على لسان قيادتها بتشرفها وفخرها
لحمل راية الوحدة والتضامن بين المسلمين، تلتزم وتنفذ ما يترتب على ذلك من
التزامات مادية أو معنوية ، يؤيدها في ذلك المسلمون ؛ لأنها راعية وخادمة للحرمين
الشريفين وما يترتب على ذلك من خدمة للمسلمين .
للتضامن الإسلامي نصيب كبير من حياة
الملك فيصل– رحمه الله – وفكره، وهو الذي
يستحق أن يسمى أبا التضامن الإسلامي في الوقت الحاضر .
رفع شعار التضامن والوحدة في مقابل
دعوات أخرى لإحياء القوميات مثل القومية العربية التي تستبعد الشأن الإسلامي من
دعوتها ، ولذا تحمل الفيصل وبلاده تبعات
حمله لنداء الوحدة والتضامن ، فدخل في صراع شديد مع دعاة القومية .
نجح الفيصل في فضح أعداء التضامن
الإسلامي ، وكان يصنفهم ويصفهم بالأخطبوط الثلاثي ، وهم :
1– الشيوعية عدوة الدين ، ومن أقوالها
: ( الدين أفيون الشعوب ).
2–الصهيونية التي اغتصبت فلسطين ، ولا
تزال تعذب الشعب هناك.
3– الاستعمار قاهر الشعوب وحامي
الصهيونية والمتستر على فضائحها .
وقد صارع الفيصل هؤلاء بالحجة القوية ،
وفضحهم أمام الرأي العام الإسلامي والعالمي حتى انكشفوا ، فانكشف من يتعاون معهم
في خيانة دينه ووطنه وأمته.
كما هيأ الفيصل نفسه وبلاده ومن يقف
معه لإثبات أهمية التضامن والوحدة بين العرب خاصةً والمسلمين عامةً.
لقد أثمرت دعوة المؤسس الملك عبد
العزيز ، ومن ثمارها ما قام به وحمله الملك فيصل .
الفيصل رائد التضامن الإسلامي:
استحق الفيصل وبجدارة لقب رائد التضامن
الإسلامي ، وذلك لجهوده المادية والمعنوية ، وتسخيره لإمكانات وطنه وشعبه في سبيل
هذه الدعوة المباركة .
وفيما يأتي رصد لبعض جهود الفيصل
وجهاده لتحقيق التضامن الإسلامي وتفعيله بين الدول العربية والإسلامية لما فيه
الخير والعز والتمكين :(10)
1–
دعوته ومخاطبته في خطبه لزعماء وعلماء
وقادة الرأي والفكر في العالم الإسلامي كل موسم حج عندما يحضرون لهذه المناسبة
السنوية العالمية .
كان يدعو الزعماء ويحثهم في خطابه السنوي إلى
وجوب الوحدة والتضامن بين الأمة الواحدة استجابةً لنداء ربها تبارك وتعالى ولدعوة
نبيها عليه الصلاة والسلام.
2–
بعث عدداً من العلماء الكيسين ، وزودهم
بالرسائل إلى زعماء العالم الإسلامي ، يستحـثهم ويدعوهم إلى ركب التضامن الإسلامي
الذي حملت لواءه هذه البلاد.
نجح هؤلاء في نقل رسالة الإسلام الناصعة ، وكانت
زياراتهم تمهيداً لزيارات الفيصل إلى قارات العالم حاملاً من الحرمين الشريفين
نداء الله تعالى ونداء الرسول – عليه الصلاة والسلام – للوحدة والتضامن بين الأمة
الواحدة لما فيه الخير في الدنيا والآخرة .
3– باشر الفيصل مهمته عملياً برحلاتٍ وزياراتٍ للدول
الإسلامية للالتقاء بزعمائها ودعوتهم إلى مسيرة التضامن والوحدة الإسلامية .
وفيما يأتي
بعضٌ من رحلات الفيصل إلى الدول الإسلامية:(11)
1- زيارته
لإيران (15–20شعبان 1385هـ) :
ومما جاء في ختام هذه
الزيارة على حسب البيان المشترك : (وهما إذ يؤيدان هذه الأهداف جميعـاً يوافقـان على
الدعوة الصـادرة لعقـد مؤتمر قمة إسلامي ، يكون منطلقاً لها نحو وحدتها) .
2- زيارته
للأردن ( يناير 1966م) :
ومما جاء في كلمة
الفيصل للملك حسين : (يجب على المسلمين عامة وعلى العرب بصفةٍ خاصة أن يتصلوا
ببعضهم ، وأن يتفاهموا ، وأن يعتصموا بحبل الله جميعاً ) .
3- زيارته
للسودان ( ذو القعدة 1385هـ) :
أوضح الفيصل
للرئيس إسماعيل الأزهري أن هدفه من التضامن الإسلامي التفاهم والتعاون فيما بين المسلمين .
4- زيارته
لباكستان ( محرم 1386هـ) :
وبعد لقائه مع الرئيس محمد أيوب خان صدر بيان مشترك أكدا فيه
(أن تضامن الدول الإسلامية والعربية على أساس الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة
فيه كل الخير للجميع ، وأن هذا التضامن يشكل قوة كبيرة في سبيل إيجاد نظام عالمي
عادل).
5- زيارته لتركيا (جمادى الأولى 1386هـ) :
وجاء في البيان المشترك: ( إن الالتفاف حول تعاليم الإسلام
يشكل دعامة قوية تساعد على دعم التفاهم والعلاقات الأخوية بين البلدان الإسلامية )
.
6- زيارته للمملكة المغربية ( جمادى الأولى 1386 هـ) :
وبعد لقائه بالملك الحسن الثاني صدر البيان المشترك الذي جاء
فيه: ( إن رسالة الإسلام تدعو للتآخي بين الشعوب ودعم السلم ، وقرّ رأيهما على أن
تآزر وتضامن جميع الشعوب الإسلامية وتبادل اللقاءات الأخوية يعين على مناعة
شخصيتهم وتحصين كيانهم ، وأن دعوة التضامن الإسلامي تؤتي ثمارها بجمع كلمة الشعوب
الإسلامية؛ لأن الدعوة لتضامن المسلمين وتآزرهم لا تحمل في طياتها أي تعصب أو
عدوان ).
7- زيارته إلى غينيا (جمادى الأولى 1386هـ) :
وتم اللقاء بالرئيس أحمـد سيكوتوري الذي قال: ( ونحن نرى أن
أهم ما يشغل بالكم إقامة علاقاتٍ أكثر قوة بين الشعوب الإسلامية ، وأن هذه الوحدة
هي التي نادى بها القرآن الكـريم ).
فرد عليه الفيصل بقوله:( إن الإسلام هو القوة الدافعة لكل
إصلاح ولتأمين العدل والمساواة بين جميع البشر ) .
8- زيارته
إلى مالي (جمادى الثانية 1386هـ) :
وبعد اللقاء
بالرئيس موديـبوكيتا أكد الزعيمان (تمسكهما بتعاليم الشريعة الإسلامية ، وأعلنا
إيمانهما بأن رسالة الإسلام خالدة تدعو للتآخي بين الشعوب ، وتعمل على دعم السلم والحرية
في العالم ).
9- زيارته
إلى تونس ( جمادى الثانية 1386هـ) :
وفي ختام
زيارته جاء في البيان المشترك : (إن في تضامن المسلمين ما يساعد على إقرار السلم
والأمن في العالم ، وإن تقارب المسلمين لا يكون فاصلاً بين العالم الإسلامي وبقية
العالم ، بل يدعم الأمن والسلم).
10- زيارته
لماليزيا (7يونيو 1970م) :
تحقق للفيصل في هذه الزيارة ما يهدف إليه من مناصرةٍ للتضامن
الإسلامي من الأشقاء في العقيدةِ الإسلاميةِ .
11- زيارته
للبنان ( 27سبتمبر 1971م) :
حققت هذه الزيارة بعد اللقاء بالرئيس فرنجية ما يسعى إليه
الفيصل من تأكيدٍ على موقع لبنان ضمن الصف الإسلامي الداعي للوحدةِ والتضامن .
12- زيارته
لأوغندا (14نوفمبر 1972م) :
وبعد اللقاء بالزعيم المسلم عيدي أمين جاء في البيان المشترك
وقوف البلدين تجاه نصرة القضايا الأفريقية وتأكيد توطيد العلاقات بين البلدين ،
ومن آثار هذه الزيارة المباركة انضمام أوغندا إلى منظمة المؤتمر الإسلامي التي
أصبحت جدة مقراً لها .
13- زيارته
لجمهورية تشاد (17نوفمبر 1972م) :
وبعد لقاء
الفيصل بـالرئيس التشادي تومبالباي صدر بيـان مشترك جـاء فيـه أن الزعيمين يؤكدان
توطيد العلاقة بين البـلدين ودعـم القضـايا الأفريقية والعربية من أجل التحرير
والحرية .
14- زيارته
للسنغال ( 20نوفمبر 1972م) :
وبعد لقاء
الفيصل بالرئيس السنغالي سنغـور قال الرئيس في كلمته : (إن السنغال بلد إسلامي في
أغلبيته ، وبلادكم العاصمة الروحية للعالم الإسلامي ، إننا نبعث بمئات الطلاب إلى
البلدان العربية ، وفي بلادكم عشرات من الطلبة السنغاليين يتلقون العلوم في
الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة ).
فأجابه الفيصل
بقوله: ( إننا نقدر بكل امتنان وتقدير لكل ما تقومون به تجاه إخواننا المسلمين في
هذه البلاد وتأيـيدكم للإسلام والمسلمين ).
إن كلمة الرئيس الغيني
وجواب الفيصل نتيجة طبيعية وحتمية لرحلة الفيصل ومحادثاته مع الرؤساء والقادة؛
لإقناعهم بأهمية الوحدة والتضامن لما فيه صالح الدول والشعوب التي تجري بينها هذه
المشاورات ثم المصالح التي يجنيها المجتمع الدولي سواء الدول أو المنظمات .
جهود
الفيصل في مؤتمرات القمة:
وبجانب
الزيارات التي قام بها كان للفيصل مجال آخر لإبراز دعوته، وذلك دعوته وحضوره
لمؤتمرات القمة العربية والإسلامية، وقد كان الفيصل فارس هذه المؤتمرات لتحقيق
أهدافه ودعوته للتضامن الإسلامي ، ومن تلك المؤتمرات ما يأتي :
الأول: مؤتمر القمة الإسلامي الأول (9–12 رجب 1389هـ)
:
هذا
المؤتمر أول مؤتمر من نوعه في التاريخ الإسلامي المعاصر ، وقد عقد في مدينة الرباط
بالمغرب الشقيق ، ومن الأسباب الداعية لهذا المؤتمر العدوان اليهودي على المسجد
الأقصى الشريف ، وقد تحقق في هذا المؤتمر أول صور التضامن الإسلامي بين قادة الدول
الإسلامية الذين حضروا المؤتمر، وعددهم 25 رئيساً، وذلك لتأسيس منظمة المؤتمر
الإسلامي التي من أهدافها كما جاءت في م(1)من الميثاق القول : (تعزيز
التضامن الإسلامي بين دول الأعضاء).
وكان
للفيصل في هذا المؤتمر الدور الكبير، وكلمة الفيصل في تعزيز الوحدة والتضامن بين
الدول الإسلامية.
الثاني: مؤتمر القمة العربي الخامس (20 ديسمبر1969م) في
القاهرة :
أعلن
الفيصل في هذا المؤتمر الاستعداد السعودي لنصرة العرب والمسلمين، كما أعلن أن
بلاده تقف بكل ما تملك لنصرة قضاياهم، ومما قاله الفيصل للقادة العرب في هذا
المؤتمر: (إذا أردتم المعركة فميزانية السعودية كلها لها).
الثالث: مؤتمر القمة الإسلامي الثاني في باكستان (30 محرم
1394هـ) :
عقد
هذا المؤتمر في لاهور، ومن أهم قرارات هذا اللقاء إنشاء صندوق التضامن الإسلامي
الذي من أهدافه تعزيز التضامن والوحدة بين الدول الإسلامية مادياً ؛ أي تمويل كل
نشاطات التضامن الإسلامي ومستلزماته.
ومما
سبق يبرز الدور الرائد لرائد التضامن الإسلامي الفيصل بن عبدالعزيز، وما تحقق له
ولبلاده بفضل الله تعالى من ثمار الجهود التي بذلها من أجل نصرة الإسلام
والمسلمين.
ومن
معالم توفيق الله – جل وعلا – لدعوة التضامن الإسلامي تأسيس منظمة المؤتمر
الإسلامي التي اختارت مدينة جدة مقراً لها إلى أن تحرر القدس الشريف من العدو
الصهيوني ، لتصبح القدس مقراً دائماً لهذه المنظمة، كما هو مقر في ميثاق المنظمة
ضمن المادة السادسة التي تنص على ما يأتي :( يكون مقر الأمانة في جدة إلى أن يتم
تحرير القدس ، لتصبح مقراً دائماً لها).
سخرت المملكة
منذ عهد مؤسسها كل ما تستطيع من الإمكانات المادية والمعنوية لتعزيز الوحدة
والتضامن بين جميع الدول العربية والإسلامية.
وقبل الختام
عن جهود الفيصل في تحقيق التضامن الإسلامي نسجل حرفياً من قرارات مؤتمر القمة
الإسلامي الثاني في لاهور الذي حضره الفيصل وتحقق له من هذه القرارات ما كان
يتمناه وسعى إليه ، ومن ذلك ما أعلنه ملوك ورؤساء تلك الدول ، وعددهم 36 ملكاً
ورئيسًا : (12)
1)
إيمانهم بأن دينهم يمثل رابطةً لا انفصام
لها بين شعوبهم.
2)
تصميمهم على صون التضامن بين الدول
الإسلامية وتنميته.
3)
تقديرهم للدور البطولي للمقاومة الفلسطينية
في حرب رمضان، وللجهود العربية والتضامن
الإسلامي الذي برز في تلك المرحلة.
4)
أن المجتمع الدولي وبخاصةً الدول التي قسمت
فلسطين تتحمل المسؤولية في إنصاف الشعب الفلسطيني من الظلم.
5)
أن القدس هي الرمز الوحيد لالتقاء الأديان
السماوية المقدسة، لذا فإن الدول الإسلامية لا تقبل الاحتلال الإسرائيلي لمدينة
القدس.
6)
الموافقة إلى إنشاء صندوق باسم "صندوق
التضامن الإسلامي" ، وذلك لخدمة القضية الفلسطينية عامةً، وقضية القدس بشكل
خاص.
وهكذا حقق الله تعالى للأمة الإسلامية ما أمر
الله به، وما بدأ بتنفيذه – عليه السلام – من وحدةٍ وتضامنٍ بين أمة
القرآن أمة محمد عليه الصلاة والسـلام .
وكما ذكر سابقاً فإن الله
– تبارك وتعالى – قد أظهر لهذه الأمة في هذا العصر دولةً وحكاماً، يقومون بأمر
الله وتنفيذ تعاليمه وتحقيق مقاصد الشرع الإسلامي في تحقيق التعاون والوحدة
والتضامن بينهم إنفاذاً لأمر الله في قوله تبارك وتعالى :
– { إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ } .
– { وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ
عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ
بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً }.
– { الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ
دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمْ الإِسْلامَ دِيناً}.
تمهـيد:
اشتهر الملك خالد بالصلاح والتواضع والتقوى ، مما جعل من عاش في عهده
أو سمع عنه يدعو له بالرحمة والمغفرة ، وأن يجزيه الله خير الجزاء جزاء ما قدمه
لأمة الإسلام .
وقد سلك نهج والده وإخوانه الذين سبقوه
في السعي للتضامن والوحدة والتعاون بين المسلمين ، كما تحقق في عهده الكثير من
الإنجازات لصالح الإسلام والمسلمين ، وذلك من خلال ما يأتي :
1) خطابه السنوي في موسم الحج أمام رؤساء وفود الحج.
2) زياراته لقادة الأمة الإسلامية في بلادهم للتشاور
والتفاهم للمزيد من التضامن.
3) حضوره لمؤتمرات القمة وبالأخص حضوره مؤتمر القمة
الإسلامي الثالث عام 1401هـ الذي عقد في مكة المكرمة ، ومن ثماره صدور" بلاغ
مكة المكرمة " الذي سنتطرق إليه بالمزيد من الإيضاح للدور السعودي في الوحدة
والتضامن الإسلامي .
جهود الملك خالد في التضامن
الإسلامي:
كما ذُكر في التمهيد أن جهود الملك
خالد امتداد للسياسة التي وضعها والده ومن سبقه من إخوانه الملوك سعود وفيصل في
حرصهم جميعاً على وحدة الأمة العربية والإسلامية وتعاونها وتضامنها ، وفيما يأتي بعض
جهوده وإنجازاته في خدمة هذا الدين، ومن أقواله في هذا الخصوص بعد مبايعته بالحكم
يوم الثلاثاء (13/ ربيع أول/1395هـ) أي اليوم الذي استشهد فيه الفيصل قال في
البيان الذي صدر فيما يخص التضامن الإسلامي:(13)
" وإن من أهم الركائز التي قامت عليها سياستنا الخارجية هي الدعوة
إلى التضامن الإسلامي لرفع شأن المسلمين في أقطارهم وتقوية أواصر التعاون بينهم.
وحكومتنا إذ تحرص كل الحرص على مواصلة السير في هذا الاتجاه بالقوة
ذاتها والاندفاع نفســـه فإنها تؤكد ما أعلنه صاحب دعوة التضامن الإسلامي زعيمنا
الراحل – الفيصل– بقوله : " إننا لا نستهدف من وراء ذلك نياتٍ سيئة تجاه
الغير أو أن نكون مصدر خطر وعدوان أو اضطراب بالنسبة إلى الآخرين ، فإن نفع ذلك
سوف لا ينحصر في الأمة الإسلامية فقط ، لكنه سيمتد كذلك إلى غيرهم من الأمم
الأخرى.
وللملك خالد مواقف أخرى تنم عن حرصه
على التضامن الإسلامي مثل: (14)
" إننا نناشد العالم العربي
والإسلامي في هذا الظرف الحرج وفي هذه المرحلة الحاسمة بنسيان الخلافات الجانبية ،
وأن يجند الإعلام العربي والإسلامي لخدمة قضايانا الجوهرية والمصيرية ، وإنها
مسؤولية تاريخية مسؤوليتنا أمام الله الذي أمرنا بأن نتعاون على الخير ، ونجمع
الكلمة ، ونُجند الطاقات ؛ لنرهب بها عَدوَّ الله وعَدوَّنا.
إن واجب ما يفرضه هذا الوضع الخطير على الأمة الإسلامية جمعاء أن توحد
صفها ، وأن تحشد طاقتها ؛ لتقف بجانب أشقائها اللبنانيين والفلسطينيين معبرة عن
تضامنها معهم في رفض العدوان والعمل على معاقبة المعتدي وضمان سيادة وأراضي لبنان
الشقيق ووحدته " .
أثبتت المملكة منذ عهد المؤسس أن ما
تملكه من الثروات هو لصالح الجميع وخيرهم وبخاصةٍ الأمة الإسلامية ، ومن ذلك ما
قاله الملك خالد:
"إن الثروة البترولية التي أنعم الله بها على المملكة نعتبرها مسؤولية
في أعناقنا تجاه الأسرة البشرية؛ لتكون وسيلة رخاءٍ وازدهار اقتصادي للعالم،
ووسيلة مساندة لقضايا الإسلام والأمة العربية والإسلامية".
كما يسجل التاريخ للملك خالد مساعيه
الخيرة في جمع الشمل وتوحيد الكلمة فيما أطلق عليه بـ"رحلة الخير " (16) ،
وذلك عندما قام بمجموعة من الزيارات خلال شهري ربيع الأول وجمادى الأول 1396هـ إلى
كل من البحرين والكويت وقطر والإمارات وسلطنة عمان وإيران.
كانت هذه الرحلات مؤشراً لوحدة الرأي
ومقدمةً للتضامن بين الدول العربية والإسلامية.
الملك خالد والمصالحة العربية
والإسلامية:
إن التضامن يحتاج إلى حسن النية
والتعاون ، وقد نجح الملك خالد في مساعيه بين زعماء أكبر الدول العربية ، وذلك في
الاجتماع التاريخي بالرياض 23–25 شوال 1396هـ بحضور راعي اللقاء الملك خالد وزعماء
مصر والكويت ولبنـان ومنظمة التحرير الفلسطينية وسوريا.
تحقق بعد هذا اللقاء جمع الكلمة وتوحيد
الصف لما فيه خير الأمة العربية والإسلامية ، وهذا ما تحقق بفضل الله تعالى ثم
بفضل الملك خالد وجهوده الخيرة.
ومن الأعمال الجليلة التي برزت في عهد الرجل
الصالح الملك خالد:
المؤتمر الأول: انعقاد مؤتمر القمة الإسلامي الثالث في مكة المكرمة
والطائف عام 1401هـ، وصدر في أعقاب هذا المؤتمر" بلاغ مكة المكرمة" الذي
تضمن الرؤية الإسلامية لقادة الشعوب الإسلامية والتزامهم التضامن الإسلامي.
إن انعقاد المؤتمر في المملكة جهدٌ وانتصارٌ إسلامي يسجل للملك خالد
ولبلاده ، وفيما يأتي أهم العناصر التي ركز عليها" بلاغ مكة المكرمة "
فيما يتعلق بالأمة الإسلامية وأهمية التضامن لمستقبلها(15):
(نحن – ملوك ورؤساء وأمراء الدول الأعضاء في منظمة المؤتمر الإسلامي
المجتمعين في مؤتمر القمة الإسلامي الثالث في مكة المكرمة ربيع الأول 1401هـ –
نرفع آيات الحمد لله عز وجل إذ مَنَّ علينا بأن نجتمع في هذا البلد الحرام وفي كنف
الكعبة المشرفة عند مطلع القرن الهجري الجديد في لقاءٍ نعتبره حدثاً جليلاً في
تاريخ الأمة الإسلامية ونتخذ منه منطلقاً لنهضة إسلامية... ويتطلعون إلى مستقبل
أفضل في ظلال سياسة التضامن الإسلامي ... إننا نؤكد أن الاعتصام بالعقيدة يحصن
مجتمعنا... ونقدر أن أمتنا الإسلامية تتهيأ لها أسباب أصيلة من مقومات الوحدة
والتضامن ومن عوامل التقدم بما تملك من كتاب ربها وسنة رسوله ، ومن أجل ذلك فإننا
نقوم في مؤتمرنا هذا وبهذا البلد الأمين عاقدين العزم على توثيق عرى التضامن بيننا
، وفي سبيل ذلك نعلن ما يلي :
1) أن المسلمين أمة
واحدة.
2) نؤكد عزمنا على
مقاومة الاحتلال الصهيوني الغاصب لفلسطين.
3) نتوجه إلى الدول
والشعوب إلى بناء عالم قوامه صدق النية حتى يسوده السلام.
4) نؤكد العزم على
الاسترشاد بكتاب الله عز وجل وسنة رسوله e في نظام الحياة لمجتمعاتنا والعلاقات فيما بيننا ومع دول العالم.
5) نعلن تصميمنا
على القضاء على حالات الفقر بين شعوبنا، كما نعلن العزم وفقاً لروح التضامن
الإسلامي على النهضة الاقتصادية للبلدان الأقل نمواً بيننا.
6) نعلن العزم على نشر العلم وترسيخ المناهج الإسلامية
في التربية والتعليم.
7) وإذ نذكر بالرضا
قيام منظمة المؤتمر الإسلامي فإننا نلتزم بدعمها ودعم صندوق التضامن الإسلامي
وسائر مؤسساتها) .
ومما سبق يتضح ما بذل من جهد في صياغة
بلاغ مكة المكرمة لتأكيد أهمية التضامن في حياة هذه الأمة، كما أبرز البلاغ التزام
قادة الأمة الإسلامية بالتضامن ومناصرة مؤسساته.
المؤتمر الثاني: القمة الخليجية الأول في أبو ظبي
21 رجب 1401هـ
أما الحدث الثاني والمهم في حياة الملك خالد ومساعيه في التضامن
والوحدة بين الدول الخليجية خاصة والدول العربية والإسلامية عامةً حضوره وتوقيعه
على تأسيس مجلس التعاون الخليجي منظمة إقليمية سيـاسية مغلقـة العضوية، وذلك مـع
إخـوانه قادة دول مجلس التعاون الستة.
ومن أهداف المجلس الخيرة :
تحقيق التنسيق والتكامل والترابط بين الدول الأعضاء في جميع الميادين
وصولاً إلى وحدتها وتضامنها.
توالت اجتماعات قمة مجلس التعاون
الخليجي حتى عقد آخر هذه اللقاءات في الكويت شعبان 1418هـ ، وستعقد القمة التاسعة
عشرة في أبو ظبي شعبان 1419هـ.
وتحقق الكثير من مجالات التعاون بين
المجلس والمنظمات الإسلامية لما فيه الخير للجميع ، وذلك لأن جميع دول المجلس
الخليجي أعضاء بارزون وفاعلون في جميع المنظمات الإسلامية ومشاركون في تأسيسها
وتمويلها ، وبالأخص المملكة العربية السعودية التي تحتضن مؤسسات التضامن الإسلامية
الرئيسة ، وفي مقدمتها:
1) منظمة المؤتمر الإسلامي بجدة منظمة إسلامية
حكومية.
2) ورابطة العالم الإسلامي بمكة المكرمة منظمة إسلامية
شعبية.
3) والندوة العالمية للشباب الإسلامي بالرياض منظمة
إسلامية للشباب الإسلامي في العالم.
ويتضح مما سبق العلاقة المميزة والخاصة
بين دول المجلس والمنظمات الإسلامية لما فيه صالح الإسلام والمسلمين ، ولما يؤدي
إلى الوحدة والتعاون بين المسلمين.
كما يسجل التاريخ للملك خالد موقفه الشجاع الذي يمثل المواقف البطولية
الكثيرة لقادة هذا البلاد في الصلح والوئام والتعاون ولم الشمل بين الدول العربية
والإسلامية ، ومن المواقف البارزة للملك خالد مساعيه الحميدة للصلح بين الفئات
المتحاربة في لبنان ؛ حتى تم عقد اتفاقية الطائف التي بموجبها تم إيقاف الحرب
الأهلية.
مما سبق جميعه يبرز الدور الرائد للملكة العربية السعودية في الرعاية
المادية والمعنوية لكل ما من شأنه جمع العرب والمسلمين وتوحيدهم وتعاونهم ، كما
يرضي ربهم عز وجل، وكما رأينا الجهود الجبارة التي بذلها الملك خالد في تعزيز
التضامن بين العرب والمسلمين .
سجل بعض المراقبين للأحداث في آخر أيامه أن من بين الأسباب التي أدت
إلى وفاته الهم والغم الكبير الذي كان يحمله والجهد الثقيل الذي تحمله لإخماد
الفتنة والحرب الأهلية بين الأشقاء في لبنان، وهذا الموقف العظيم الذي وقفه الملك
خالد حتى قدم نفسه ضحيةً للوحدة والتضامن.
لكل ملك أو قائد حظٌ أو مفخرة يفخر بها، وللملك فهد مفاخر كثيرة، لا
يمكن حصرها ؛ لأن الله تعالى منحه ووفقه إلى أن يتعلم ويعمل في مدرسة والده ومدرسة
الحياة ، ومنها:
1– عاصر والده ، وتلقى منه وعنه أصول السياسة والحكم
.
2– عمل جنباً إلى جنب مع أربعة ملوك من والده الملك
المؤسس عبد العزيز مروراً بالملك سعود وفيصل وخالد رحمهم الله أجمعين.
3– أول من اتخذ لقب" خادم الحرمين الشريفين
".
4– في عهده حظي الحرمان الشريفان بأعظم توسعة في
تاريخهما وأكبرها.
5– وضع وأشرف على أربع خطط خمسية وتنموية.
6– حضر معظم مؤتمرات القمة الإسلامية السبعة التابعة
لمنظمة المؤتمر الإسلامي.
7– حضر معظم المؤتمرات العربية التابعة للجامعة
العربية.
8– حضر معظم مؤتمرات القمة الخليجية التابعة لمجلس
التعاون الخليجي.
9– صدر في عهده أحدث النظم العصرية المسيرة للسياسة
والحكم في الدولة ، وهي:
ب)
نظام مجلس الشورى السعودي في 27
شعبان 1412هـ.
ج)
نظام المناطق في المملكة في 27 شعبان
1412هـ.
د)
نظام مجلس الوزراء السعودي في 3
ربيع الأول 1414هـ.
هـ)
نظام مجلس التعليم العالي والجامعات في 4
جمادى الثانية 141 هـ.
كما تميز الفهد بمساعيه
الخيرة وجهوده الطيبة لجمع الشمل وتوطيد التعاون والوحدة بين جميع الدول على
المستوى الخليجي والعربي والإسلامي والدولي ، وقد استقبلت هذه المساعي بالاستحسان
والقبول ، وآتت ثمارها في الصلح بين الأصدقاء.
ومما يسجل للفهد حمله وتأكيده على
أهمية التضامن الإسلامي واعتباره واجباً دينياً ، لا بد للأمة المحمدية أن تحققه ؛
ليتحقق لها العزة والسؤدد والقيادة العليا للبشرية، كما سنرى في الحديث عن جهود
الفهد ومساعيه للتضامن الخليجي والعربي والإسلامي والدولي.
سعى ويسعى الفهد لتحقيق اللحمة ووصلها بين شعوب الأمة الإسلامية
وقادتها.
وهذه المساعي التي وضع أسسها مؤسس
الدولة وسار عليها إخوان الفهد الذي يحمل الأمانة بكل جدارة وقدرة وأمانة يشهد له
بها إخوانه من القادة والزعماء على المستوى الخليجي والعربي والإسلامي والدولــي،
بالإضافة إلى تقدير الشعوب والأقليات الإسلامية في العالم لهذه المساعي من لدن
الفهد.
وقد سجل التاريخ أقوال الفهد ودعوته
للوحدة والتضامن ثم مساعيه الخيرة لتحقيق ذلك في خطبه وأحاديثه الكثيرة، ومن
أقواله حول الدور السعودي في حمل لواء التضامن ما يأتي (17):
" المملكة واحدة من دول أمة الإسلام ، هي منهم ولهم، نشأت أساساً
لحمل لواء الدعوة إلى الله، ثم شرفها الله لخدمة بيته وحرم نبيه، فزاد بذلك حجم
مسؤوليتها ، وتميزت سياستها، وتزايدت واجباتها، وهي إذ تنفذ تلك الواجبات على
الصعيد الدولي تتمثل ما أمر الله به من الدعوة إلى سبيله بالحكمة والموعظة الحسنة
، هذا هو منطلق سياستنا في الداخل والخارج، ولذلك فإن على المؤمنين بالله من قادة
المسلمين وعلمائهم مسؤولية كبرى في مؤازرتنا والسير معنا في طريق الدعوة إلى الله
وتطبيق أحكامه".
ويضيف الفهد مؤكداً مقام المملكة
ودورها في الوحدة والتضامن بين المسلمين استشعاراً بالمسؤولية الملقاة على عاتقها
راعية وخادمةً للأماكن المقدسة ولراحة الحجاج والمعتمرين وزوار المسجد النبوي
الشريف، كل ذلك تأكيد عملي لتحقيق روح التضامن والوحدة بين المسلمين .
" لقد انطلقت من هذه الديار
المقدسة دعوة التضامن الإسلامي، فثار ضدها من في الشرق والغرب، وحاولوا وأد الفكرة
في مهدها، ولكن عزيمة المخلصين من قادة المسلمين مكنتنا ، فأنشأنا منظمة المؤتمر
الإسلامي، وهذه هي الدائرة التي نمارس الآن نشاطنا الإسلامي داخلها، وهي لا تقل
أهميةً أو قوةً عن دائرة الأمة العربية، فالإسلام عزنا ، والمسلمون سندنا وعمقنا
الإستراتيجي".
كما أكد الفهد الدور السعودي الفاعل في
التضامن الإسلامي لصد العدوان الصهيوني على القدس الشريف حيث المسجد الأقصى مسرى
النبي e في قوله(18):
"بعد أن قامت إسرائيل بإعلان
القدس عاصمة موحدة وأبدية لها فإننا لا نلام إذا اعتمدنا أسلوب الجهاد المقدس ،
فالحرب الدينية العنصرية العسكرية التي تشنها إسرائيل ضد العرب والمسلمين لن
يوقفها إلاّ الجهاد ، والمقصود بالجهاد المقدس هو مجابهة عربية إسلامية واحدة
شاملة وكاملة، نضع فيها جميع إمكاناتنا وطاقاتنا الروحية والسياسية والمادية
والعسكرية في جهاد طويل دؤوب".
وقد صدق فيما نطق به الفهد ؛ إذ سخرت المملكة من عهد المؤسس إلى عهده
كل إمكاناتها المادية والمعنوية لخدمة الإسلام والمسلمين في كل زمان ومكان وحال
قولاً وعملاً ، وهذا الحق يشهد به الجميع، كما تعلن ذلك الأرقام التي تصدر ناطقةً
بالمساعدات والإغاثة والإعانة في السراء والضراء لكل محتاج ٍ، ولا سيما بين
الأقليات الإسلامية أو من وقعت عليهم المصائب والكوارث ، وبجانب ذلك ما تقدمه هذه
البلاد من عونٍ للتنمية الاقتصادية والاجتماعية والصحية وغيرها لدول العالم
الإسلامي وأقلياته، ويتم هذا العطاء دون منةٍ مباشرةً أو من خلال المنظمات
الإسلامية التي تعمل معظمها في المملكة.
النظم السعودية والتضامن في عهد الفهد:
من علامات الصدق والأمانة أن يلتزم الإنسان بما يقول، وأن يسجل قوله في
مواد أنظمته ؛ ليلتزم أمام الله ثم أمام الأمة بما يقول.
وهذا ما تحقق في عهد الفهد عندما ألزم نفسه
وبلاده في صميم مواد أنظمة بلاده بأن الإسلام ديننا ، والمسلمين أهلنا، وتمثل ذلك
في نصوص المواد ضمن النظم الحديثة التي صدرت في عهده كما يأتي :
1-
النظام الأساسي للحكم الصادر
عام 1412هـ حيث نصت المواد التاليـــة على ما يأتي:
م(7) " يستمد الحكم في المملكة سلطته من كتاب
الله تعالى وسنة رسوله ، وهما الحاكمان على هذا النظام وجميع أنظمة الدولة" .
م(8) " يقوم الحكم في المملكة على أساس العدل
والشورى والمساواة وفق الشريعة الإسـلاميـة" .
م(24) " تقوم الدولة بإعمار الحرمين الشريفين
وخدمتهما وتوفر الأمن والرعاية لقاصديهما بما يمكن من أداء الحج والعمرة والزيارة
بيسر وطمأنينة."
م(25) " تحرص الدولة على تحقيق آمال الأمة العربية
والإسلامية في التضامن وتوحيد الكلمة وعلى تقوية علاقتها بالدول الصديقة ".
م(33) " تنشئ الدولة القوات المسلحة، وتجهزها من
أجل الدفاع عن العقيدة والحرمين الشريفين والمجتمع والوطن" .
إن النصوص السابقة لناطقة وشاهدة على
التزام هذه البلاد بتطبيق الشريعة الإسلامية في جميع نظمها وأحوالها الداخلية
والخارجية السياسية والمدنية وفي كل شأن من شؤونها، كما تشير تلك النصوص إلى العمق
السعودي في تبنيه كل شأنٍ إسلامي، وأن هذا الأمر جزءٌ من الحياة السعودية الرسمية
والشعبية.
وقد أشار خادم الحرمين الشريفين في
كلمته التي صدر بها صدور الأنظمة بقوله فيما يتعلق بعلاقة هذه الأنظمة والتضامن
(19):
"إن المملكة دولة عربية إسلامية، يهمها ما يهم العرب والمسلمين ،
وتحرص على تضامنهم وجمع كلمتهم ، وتسهم بكل طاقاتها فيما يعود عليهم بالخير.
وقد أثبتت الأحداث والوقائع صدق مواقفها ووفاءها بالتزاماتها تجاه
أمتها العربية والإسلامية والتزاماتها الدولية الأخرى.
سنمضي بعون الله على منهجنا الإسلامي
متعاونين مع كل من يريد الخير للإسلام والمسلمين حريصين على التمكين لدين الإسلام
ودعوته وتقدم هذه البلاد وسعادة شعبها سائلين الله تعالى لشعبنا وأمتنا العربية
والإسلامية كل خير وصلاح وتقدم ورخاء وسعادة ، والحمد لله الذي بنعمته تتم
الصالحات ".
كما أكد خادم الحرمين الشريفين في
لقائه أعضاء مجلس الشورى في سنته الثانية قوله فيما يتعلق بالنظام الإسلامي:
" وأما بالنسبة لقضايا الأمة
الإسلامية فقد بَذلت وتبذل المملكة العربية السعودية جهوداً مكثفة لتحقيق التضامن
الإسلامي وترسيخ دعائمه، كما أولت قضايا الأقليات الإسلامية في العالم اهتماماً
خاصاً.
هذا بالإضافة إلى الدور البناء الذي لا
تزال المملكة العربية السعودية تواصله في شد أزر الشعوب الإسـلاميـة.
وفي هذا الإطار فقد واصلت المملكة
العربية السعودية دعمها لمنظمة المؤتمر الإسلامي باعتبارها المؤسسة التي تقوم برعاية
الأهداف والمصالح الإسلامية لكل ما يخدم قضايا الأمة الإسلامية ويحقق لها
النجاح".
ونختم حديثـنا عن الفهد بما سعى إليه
من ترسيخ لأسس التضامن الإسلامي، كما يراها، ويوجه إليها في كل لقاء أو مؤتمر دولي
كما يأتي: (20)
1-
أن التضامن الإسلامي يقوم على
علاقات الأخوة والمحبة والمودة.
2-
أن التضامن الإسلامي يجعل مشكلات الأقليات
المسلمة من أولوياته.
3-
أن مناصرة الأقليات لا يكون بالتدخل في شؤون
الآخرين.
4-
أن التضامن الإسلامي هو مؤازرة ومناصرة وتعاون
لتوحيد الصفوف.
5-
أن التضامن الإسلامي مبدأ أصيل لوحدة المسلمين.
عبد الله ولي العهد يمين الفهد:(21)
ولد عام 1343هـ ، وتربى ونهل من مدرسة
الملك المؤسس التربوية حيث الحكمة والشجاعة والعقيدة الصحيحة.
في عام 1382هـ عين رئيساً للحرس
الوطني، فنظمه وطوره، حتى أصبح درعاً من دروع الدفاع عن الوطن والحرمين الشريفين،
وفي عام 1402هـ اختاره الملك فهد ولياً للعهد ونائباً لرئيس مجلس الوزراء.
وقد اشتهر الأمير عبد الله بحبه
للفقراء والمساكين وقضاء حوائجهم وتخفيف آلامهم ، وهذا مما تعلمه وإخوانه من مدرسة
والدهم في حب الوطن والمواطنين وخدمتهم.
وقد شارك الأمير عبد الله مبكراً منذ
عهد والده، ثم إخوانه الملوك سعود وفيصل وخالد ، رحمهم الله ، كما شارك ويشارك
الملك فهد في إدارة شؤون الدولة الداخلية والخارجية.
وقد عرف عن الأمير عبد الله مساعيه
الخيرة وسفراته المتعددة بين العواصم الخليجية والعربية والإسلامية والدولية من
أجل الصلح والإصلاح والوحدة والتضامن بين تلك الأقطار.
الأمير سلطان رجل الدفاع والمهمات:(22)
ولد سموه في 13 رجب 1346هـ ، وقد عاش في ظلال ورعاية والده الملك
المؤسس .
وفي عام 1382هـ عين وزيراً للدفاع
والطيران ومفتشاً عاماً.
وقد شهدت القوات المسلحة " الجوية
والبرية والبحرية " بتوجيهاته تطوراً عظيماً ؛ حتى أصبحت درعاً لحماية
الحرمين الشريفين والبلاد وسنداً لكل جار.
وفي عام 1402هـ عين نائبًا ثانيًا
لرئيس مجلس الوزراء ، وهذا زاد من مسؤوليته وقربه من اتخاذ القرار السياسي في
الشؤون الداخلية والخارجية.
وقد تربى الأمير سلطان مع إخوانه، ونهلوا
جميعاً من مدرسة والدهم الملك المؤسس.
تولى الأمير سلطان الكثير من المهمات
والمسؤوليات السياسية التي كلف بها من إخوانه الملوك السابقين أو من خادم الحرمين
الشريفين.
كما عرف عن الأمير سلطان آراءه السديدة
والحكيمة الداعية للوحدة والتعاون والتضامن على المستوى الخليجي والعربي
والإسلامي، وهذا نابعٌ من المدرسة السعودية التي تدعو إلى التضامن والوحدة ؛ لكونه
اساسًا دينيًا ومدنيًا تقتضيه الحياة في كل زمان ومكان.
تمهيـد:
سخرت المملكة جميع إمكاناتها لخدمة
دينها ووطنها وشعبها منذ عهد المؤسس، وتثبت الأرقام والإحصاءات ما تقدمه هذه
البلاد لخدمة الدين والتضامن الإسلامي(23):
" فقد أصبحت المملكة العربية
السعودية الدولة الأولى في العالم أجمع من حيث نسبة ما تقدمه من عون إنمائي إلى
إجمالي الناتج الوطني ، كما احتلت المركز الثاني بعد الولايات المتحدة الأمريكية
على مدى عدة سنوات من حيث حجم الدعم المادي المقدم".
وهذا العطاء والمدد عام، وليس خاصًا ،
ولكن النصيب الأوفر منه للدول والشعوب والأقليات الإسلامية .
قد قدمت المملكة في مجال التعاون
الإنمائي للدول الإسلامية الأعضاء في منظمة المؤتمر الإسلامي خلال سبعة عشرة عاماً
ما جملته حوالي (104) آلاف مليون ريال.
وللمملكة جهود
جبارة في ميدان الإغاثة التي تصيب دول العالم عامةً، والدول والشعوب الإسلامية
خاصةً ، ويتمثل الدور الإغاثي عن طريق المساعدات السعودية للحكومات والإغاثة
لمشكلات القحط والجفاف ومشكلة اللاجئين والمشكلات الناتجة عن الكوارث الطبيعية ؛
فعلى سبيل المثال قدمت المملكة فيما مضى أكثر من(1205) مليون ريال ، استفاد منها (33)
دولة ، كما قدمت المملكة على المستوى
الشعب السعودي البلايين من الريالات والملايين من الأطنان للمواد العينية لمساعدة
الدول والشعوب المحتاجة ، وبخاصة الشعوب والدول الإسلامية ، كما تساعد المملكة في
البرامج الآتية:
1-
برنامج الغذاء العالمي.
2-
برنامج الخليج العربي لدعم
منظمات الأمم المتحدة.
3-
البرنامج الدولي لمكافحة العمى
النهري.
4-
برنامج المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون
اللاجئين .
وقدمت بلاد
الحرمين الشريفين المدد المادي والمعنوي لهذه البرامج للتخفيف من آلام البشرية
عموماً والمسلمين خاصةً ، كما أن ذلك مدعاةٌ لتوحيد الصف وتأكيد التضامن .
المدد السعودي لخدمة الإسلام والمسلمين:
استشعاراً
للمسؤولية الدينية فقد قامت هذه البلاد بتقديم العون المادي والمعنوي لخدمة
الإسلام والمسلمين في جميع قارات العالم ، ومن ذلك الآتي:
1-
بناء المساجد والمراكز
الإسلامية وتمويلها في جميع القارات ، ومن ذلك المراكز الإسلامية في جنيفا وروما
ولندن والبرتغال وواشنطن ونيويورك وغيرها.
2-
بناء الكليات والمعاهد والمدارس
والجامعات وتمويلها لخدمة أبناء المسلمين وتعليمهم ، وبالأخص الأقليات الإسلامية
التي توليها المملكة اهتماماً خاصاً ، ومن ذلك:
المعاهد والمراكز
في الأماكن الآتية:
إندونيسيا وطوكيو وباريس وأمريكا
وواشنطن .
والجامعات الإسلامية في البلدان الآتية:
ماليزيا والنيجر وأوغندا وباكستان
وواشنطن وفلسطين وبنجلاديش وغيرها.
كما
تقدم المملكة منحاً دراسية لأبناء المسلمين للدراسة في المملكة أو خارجها
فيما يخدم الأمة الإسلامية في وحدتها وتضامنها ورقيها العلمي.
وكذلك تقوم بإيفاد المدرسين والدعاة
للمراكز الإسلامية في العالم في كل حين وبالأخص في شهر رمضان المبارك وفي العطل
الصيفية.
ومما سبق جميعه يبرز الدور الرائد
والقيادي لبلاد الحرمين الشريفين من مدد وعون يصبان في محيط التضامن الإسلامي .
تمهيـد:
من ثمار التضامن الإسلامي إنشاء منظمة
المؤتمر الإسلامي التي انبثق عنها صندوق التضامن الإسلامي (24)
الذي تأسس في صفر 1394هـ ، ومقره الأمانة
العامة بجدة ، ومن أهدافه:
1– تحقيق ما يرفع المستوى الفكري والأخلاقي للمسلمين
في العالم.
2– السعي للتخفيف من الأزمات والكوارث عن طريق
المساعدات المادية للمسلمين.
3– تقديم المعونات المادية للأقليات والجاليات
الإسلامية في العالم .
4– الإسهام في بناء المساجد والمستشفيات في العالم.
– اللجان الفرعية: تكونت للصندوق لجان لخدمة أهدافه ، هي:
أ
– لجنة الطوارئ تستنفر عند وقوع
الطوارئ في الدول الأعضاء.
ب–
لجنة المتابعة للتأكد من حسن سير العمل ، فهي تعمل كجهاز رقابة إدارية.
تمويل الصندوق:
تتوافر موارد الصندوق من إسهام الدول الأعضاء
وتبرعاتها ومن عائدات وقفية الصندوق التي يبلغ رأس مالها مائة مليون ريال عند
تأسيس الوقفية عام 1405هـ، ويبلغ ما قدمتـــه المملكة للصندوق من دعم منذ إنشائــه
مبلغ (328) مليون ريال، منها (75)
مليون ريال تبرع لوقفية هذا الصندوق .(25)
وتقديراً للدعم السعودي للصندوق فقد
رفع معالي الدكتور عز الدين العراقي الأمين العام لمنظمة المؤتمر الإسلامي شكره
وتقديره لخادم الحرمين الشريفين على دعمه المتواصل لمنظمة المؤتمر الإسلامي
ومؤسساتها، وفي مقدمتها صندوق التضامن الإسلامي، جاء ذلك في كلمة الأمين العام في
افتتاحه الدورة (43) لصندوق التضامن الإسلامي التي بدأت في
مقر الأمانة العامة بجدة يوم الاثنين 21 صفر 1419هـ.
مما سبق يبرز جلياً القدر الذي قدره الله تعالى لهذه البلاد منذ
تأسيسها والتزامها الشرع الإسلامي دستوراً في جميع شؤونها السياسية والمدنية ، ثم
مكانتها الدينية المتميزة التي لا ينافسها عليها أحد من الدول لكرم الله عليها
وقيامها بخدمة الحرمين الشريفين والحجاج والمعتمرين وزوار المسجد النبوي الشريف
للصلاة فيه ، ثم السلام على النبي e وصاحبيه أبي بكر وعمر رضي الله عنهما أجمعين .
واعترافاً بفضل الله تعالى وتحقيقاً
لأمره وأمر رسوله – عليه الصلاة والسلام – في الأمر بالوحدة والتعاون والتضامن بين
أمة القرآن الكريم فقد التزمت هذه البلاد من لدن جميع حكامها القيام بواجب الدعوة
والوحدة والتضامن بين العرب والمسلمين .
وقد سخرت هذه البلاد حكومةً وشعباً كل
إمكاناتها لتحقيق الوحدة والتضامن بين العرب والمسلمين .
إن المملكة العربية السعودية منذ
المؤسس وحتى الآن وهي في المقدمة والصدارة في كل ما هو سبب في الوحدة والتضامن بين
الأخوة والأشقاء في العالم، فالمملكة رائدة ومُؤسّسة لمعظم المنظمات والهيئات
العربية والإسلامية الإقليمية والعالمية ، ومن ذلك:
1-
الجامعة العربية منظمة إقليمية سياسية حكومية
عربية ، المقر القاهرة ، تأسست عام 1363هـ.
2-
الأمم المتحدة منظمة دولية
حكومية عامة ، تأسست عام 1945م ، المقر
نيويورك.
3-
رابطة العالم الإسلامي منظمة
إسلامية عالمية شعبية بمكة المكرمة ، تأسست عام 1381هـ ، ويتبعها " هيئة
الإغاثة الإسلامية العالمية " .
4-
منظمة المؤتمر الإسلامي منظمة إسلامية حكومية
عامة، تأسست عـام 1392هـ ، المقر الدائم القدس الشريف ، المقر المؤقت جدة.
5-
الندوة العالمية للشباب
الإسلامي منظمة إسلامية عالمية شبابية ،
تأسست عـام 1392هـ ، المقر الرياض .
6-
مجلس التعاون الخليجي منظمة
عربية خليجية إقليمية سياسية مغلقة العضوية ، تأسس عام 1401هـ ، المقر الرياض .
إن المنظمات المذكورة سابقاً توضح
وتبرز الدور السعودي الرائد في المجتمع الدولي، فهي عضو مُؤسس لجميع تلك المنظمات، وعضوٌ فاعل ومؤثر في صياغة ووضع
ميثاق كل منظمة من تلك المنظمات.
أسال الله تبارك وتعالى أن يكتب لهذه
الدولة المباركة ولهذا المؤتمر والقائمين عليه كل توفيق وسداد وعونٍ لما فيه خير
الإسلام والمسلمين ، وفي مقدمة ذلك
استمرار العمل على نصرة وتأييد كل المساعي المؤدية إلى التعاون والوحدة والتضامن
بين المسلمين تحقيقاً لأمر الله تعالى
وأمر رسوله e .
يسر الباحث أن يقدم التوصيات التالية آملاً أن يؤخذ بها ضمن التوصيات
النهائية للمؤتمر:
1-
إصدار مجلة علمية محكمة باسم
(التضامن الإسلامي) بإشراف وزارة الشؤون الإسلامية في المملكة العربية السعودية.
2-
تدريس مادة ( التضامن الإسلامي ) في الكليات
والجامعات.
3-
عقد مؤتمرات وندوات دورية كل ثلاث سنوات من قبل
المنظمات الإسلامية الدولية لتعميق مفهوم الوحدة والتضامن والتعاون بين المسلمين
شعوباً وحكومات.
4-
قيام المنظمات الإسلامية الدولية بإعداد مسابقات
علمية لأبحاث حول التضامن الإسلامي ثم نشرها وتوزيعها بأسعار رسمية.
(1) يوسف ياسين، الرحلة الملكية ص15–16.
(2)
عبد
العزيز التويجري، لسراة الليل هتف الصباح" الملك عبد العزيز دراسة وثائقية ص
782–783.
(3)
أمين
سعيد، تاريخ الدولة السعودية ص 172.
(4)
المرجع
السابق، ص 184.
(5)
عبد
المنعم الغـــلامي، الملك الراشــد 50 ، 180 ،316 ،356 ،357 ،363 ،364 ،371 ، 374.
(6)
خير
الدين الزركلي، الوجيز في سيرة الملك عبد العزيز ص158–159.
(7)
المرجع
السابق، ص 329.
(8)
الغلامي،
مرجع سابق ص 456 ،492 ،494 ،497 ،498 ،500 ،503.
(9)
الضحيان،
المنظمات الدولية الإسلامية ص 80–83.
(10)
المرجع
السابق، ص 84–85.
(11)
المرجع
السابق، ص 86.
(12)
الضحيان،
وثائق المنظمات الدولية ص 116–120.
(13)
الضحيان،
المنظمات الدولية الإسلامية ص 93–98.
(14)
مجلة
قافلة الزيت، شوال 1402 ص3–4.
3-
مؤتمر
القمة الإسلامي الثالث مكة المكرمة ربيع الأول 1401هـ.
4-
مؤتمر
القمة الإسلامي الرابع الدار البيضاء (المغرب) ربيع الثاني 1404هـ.
5-
مؤتمر
القمة الإسلامي الخامس الكويت جمادى الأول 1407هـ.
6-
مؤتمر
القمة الإسلامي السادس دكار (السنغال) 1412هـ.
7-
مؤتمر
القمة الإسلامي السابع طهران (إيران)1418هـ.
8-
مؤتمر
القمة الإسلامي الثامن(سيعقد إن شاء الله) في دولة قطر 1421هـ.
(15)
الضحيان،
وثائق المنظمات الدولية ص 121–130.
(16)
الضحيان،
المنظمات الدولية الإسلامية ص95–96.
(17)
المرجع
السابق، ص 75–76.
(18)
عبد
الله القباع، السياسة الخارجية السعودية ص316.
(19)
مجلس
الشورى، وثائقه ونظمه ص 11–19.
(20)
مجلة
التضامن الإسلامي، ملحق خاص"ذو الحجة 1413هـ" عن الوحدة الإسلامية
ص88–89.
(21)
وزارة
الإعلام، المملكة مسيرة البناء ص37–39.
(22)
المرجع
السابق، ص43–45.
(23)
وزارة المالية، جهود
المملـــــكة في التنمية الاقتصاديـــــة والاجتماعية في العالم الإســــلامي
ص28،38،63–64.
(24)
الضحيان، المنظمات
الدولية الإسلامية ص 309–310.
(25)
وزارة المالية، مرجع
سابق ص 69.
§
القرآن
الكريم.
§
الحديث
الشريف.
§
التركي،
د/عبد الله. الملك عبد العزيز والمملكة :
المنهج القويم في الفكر والعمل.ط2، القاهرة، الزهراء للإعلام العربي،1409هـ .
§
مجلة
"التضـــــامن الإسلامي"،وزارة الحج. ملحق خاص عن الوحدة الإسلامية
"ذو الحجة 1413هـ".
§
التويجري،
عبد العزيز. لسراة الليل هتف الصباح: الملك عبد العزيز دراسة وثائقية ط2،
بيروت، رياض الريس للكتب والنشر، 1418هـ.
§
درويش،
د/مديحة. تاريخ الدولة السعودية.ط1، جدة ، دار الشروق، 1400هـ.
§
الزركلي،
خير الدين. الوجيز في سيرة الملك عبد العزيز.ط4، بيروت ، دار العلم للملايين
1984م.
§
سعيد،
أمين. تاريخ الدولة السعودية، مطبوعات دارة الملك عبد العزيز(9) الرياض ، مطابع دار الهلال" د ت ".
§
الشطي، الحبيب. الأمة
الإسلامية في مواجهة تحديات العصر:خطب وكلمات ، جدة ، الشركة السعودية للأبحاث والتسويق " د ت
".
§
الصواف،
محمود. رحلاتي إلى الديار الإسلامية القسم الأول أفريقيا المسلمة. ط1، جدة ، الدار
السعودية 1395هـ.
§ الضحيان، د/عبد الرحمن. المنظمات
الدولية الإسلامية والتنظيم الدولي:دراسة مقارنة.ط1، سلسلة دراسات في الإدارة
الإسلامية "الكتاب الثاني" جدة ، دار العلم 1411هـ.
§ الضحيــان، د/عبد الرحمـــن. وثائق
المنظمات الدولية والإسلامية والعربية "المجموعة الأولى". ط1، سلسلة
دراسات في الإدارة الإسلامية" الكتاب الثالث" جدة ، دار العلم 1411هـ.
§
الغلامي، عبد المنعم. الملك الراشد جلالة المغفور له عبد
العزيز آل سعود. ط2 ، الرياض ، دار اللواء
1400هـ.
§
مجلة"
قافلة الزيت" ، شركة أرامكو. الظهران:1402هـ.
§
القباع،
د/ عبد الله. السياسة الخارجية السعودية.ط1، الرياض ، مطابع الفرزدق 1407هـ.
§
مجلس
الشــــورى ، إدارة الإعــلام والعلاقات العامة. مجلس الشورى وثائقه ونظمه.شعبان
1417هـ.
§
المنجد،
د/صلاح الدين. أحاديث عن فيصل والتضامن الإسلامي. ط1،بيروت ، دار الكتاب الجديد
1974م.
§ الندوة العالمية للشباب
الإسلامي.الوحدة الإسلامية الإطار النظري وخطوات التطبيق" أبحاث ووقائع
اللقـــاء السابع للندوة–ماليزيا–1413هـ. "ط1، الرياض ، مطابع التقنية
للأوفست 1415هـ .
§
هذلول،
سعود. تاريخ ملوك آل سعود.ط2، الرياض ،
مطابع المدينة 1402هـ.
§
وزارة
الإعلام، المملكة العربية السعودية مسيرة البناء . الرياض ، مطابع العصر 1417هـ.
§
وزارة
الإعلام، وثائق للتاريخ مختارات من كلمات ولقاءات الملك فهد. ط1،الرياض ، دار
المالك للنشر 1405هـ.
§ وزارة المالية والاقتصاد الوطني، جهود
المملكة في التنمية الاقتصادية والاجتماعية في العالم الإسلامي.ط2، الرياض ، مطابع
المركز الوطني للمعلومات بالوزارة 1412هـ.
§
يس،
يوسف. الرحلة الملكية عام 1343هـ. الرياض ، مطبوعات جامعة الإمام 1404هـ.