المقدمــــة:

اختار الله –سبحانه وتعالى– أم القرى موضعاً لبيته الحرام ، وفرض على الناس الحج إليه، فأمر خليله إبراهيم عليه السلام أن يؤذن في الناس بالحج وقال: { وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالاً وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ ، لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ }(1).

  كما اختار – سبحانه وتعالى– يثرب داراً لهجرة نبيه e ؛ إذ بنى بها مسجده النبوي الشريف.

ولهذا كانت ولا تزال منطقة الحجاز من أهم مناطق الجزيرة العربية ؛ إذ يقصدها المسلمون من جميع بلاد العالم لحج بيت الله الحرام وزيارة مسجد رسوله e .

لقد كان الحاج قبل الملك عبد العزيز – طيب الله ثراه – يخرج من بلده ، وهو يودع أهله ، ويشك في عودته إليهم، ولا يطمئن أهله إلى رجوعه لما غمر مسالك الحج من خوف ورعب نشرهما قطاع الطرق ولصوص البادية الذين يفتكون بالحجاج ، ويريقون دماءهم ، ويستحلون أموالهم.

وكان الملك عبد العزيز وحكومته يؤمنون تماماً أن خدمة الحجاج لا تتم إلا بالوسائل الثــلاث:

1 – العناية بالأمن الكامل ليكون الحاج آمناً على نفسه وماله.

2 – الاهتمام والعناية بصحته.

3 – تسهيل وسائل الراحة بأقصى ما يستطاع سواء في ظعن الحجاج أو إقامتهم.

وقد اهتمت الحكومة كل الاهتمام بهذه الوسائل الثلاث ، وأصبح الأمن في هذه البلاد مضرب الأمثال ؛ إذ انقلب الأمر مما كان عليه ، فصار قاطع الطريق يتهيب الحاج بعد أن كان يستحل دمه وماله.

 

وهذا البحث يعنى في مجمله برعاية خدمة الحجاج وتطويرها في عهد الملك عبدالعزيز –رحمه الله– إلا أنه تطرق إلى المدة التي سبقت عهده لإعطاء صورة عن الوضع الذي كانت عليه هذه الخدمات في تلك المرحلة .

وقد شمل البحث موضوع الأمن في الحجاز قبل عهد الملك عبد العزيز وبعده ، ثم تلاه بيان حالة الطرق قبل عهده والتحسينات التي طرأت عليها ، وإدخال السيارات وسيلة لنقل الحجاج والمسافرين في عهده ، كما تطرق إلى بيان أساليب نقل الحجاج في المدة التي سبقت عهده . ثم انتقل البحث إلى موضوع الخدمات الصحية في الحجاز في مرحلة ما قبل عهد الملك عبد العزيز ، مع بيان التطور الذي طرأ عليها في عهده بإنشاء المستشفيات والمراكز الصحية والمحاجر وجمعية الإسعاف الخيرية . وفضلاً عن ذلك فقد تناول البحث موضوع إيجاد الأنظمة واللوائح لرفع مستوى الخدمات المقدمة للحجاج ، وتوفير المياه في أماكن الحج في عهد الملك عبد العزيز .

وتجدر الإشارة إلى أن مصادر البحث في مرحلة ما قبل عهد الملك عبد العزيز تنوعت ما بين وثائق ومصادر مخطوطة ومطبوعة ، أما ما يتعلق بمرحلة الملك عبد العزيز فقد اعتمد على ما توافر منها ، مع الاستعانة بالدوريات الرسمية وغير الرسمية التي سجلت كل تطور وتحسن طرأ على مرافق الحج في عهده .

                                                         

حالة الأمن في الحجاز قبل عهد الملك عبدالعزيز:

نظراً إلى أن الجزيرة العربية تعتمد اعتماداً رئيساً على مياه الأمطار التي تنبت الكلأ فقد اتسم قاطنوها بانتظامهم في قبائل وعشائر رحل تنتعش حياتهم بهطول الأمطار ، وتسوء بقلتها ، مما كان يدفع بهم إلى الإغارة على جيرانهم ، والتعدي على قوافل الحجاج والمسافرين للاستيلاء على أموالهم. وقد ساعدهم في ذلك في المرحلة التي نتحدث عنها ضعف السلطة الحاكمة وعدم إقامتها الحدود الشرعية في القتلة وقطاع الطريق والسراق، والضرب على أيدي العابثين ، وتوفير الأمن والأمان للسكان والوافدين لأداء فريضة الحج ومناسك العمرة وزيارة المسجد النبوي الشريف(2) ؛ إذ إن نفوذ السلطة كان يقتصر على المنطقة الواقعة تحت حكمها ، وهي جدة ومكة المكرمة والمدينة المنورة والمشاعر المقدسة ، وليس لها نفوذ على الأعراب في المناطق الأخرى(3). فضلاً عن ذلك فإن وعورة الطريق وكثرة المضايق التي تحيط بها جبال شامخات مكنت قطاع الطريق من الهجوم على قوافل الحجاج والمسافرين وسلبهم أمتعتهم وأموالهم(4).

بل إن جنود الحراسة كانوا يتعرضون للقتل ، ويسلب اللصوص سلاحهم. ومن المظاهر المؤلمة أن البدو كانوا يختطفون أولاد الحجاج الأفارقة السود ، ويبيعونهم في سوق النخاسين بمكة المكرمة(5). بالإضافة إلى الحالة الاقتصادية السيئة التي كانت تعيشها البلاد. ومما يمكن الاستشهاد به أنه في سنة 1326هـ/1908م هاجم البدو فرقة عسكرية يبلغ عددها 1500 جندي بقيادة المشير كاظم باشا، وكانت متوجهة من المدينة المنورة إلى ينبع وأجبروها على العودة بعد مقتل بعض جنودها(6).

وكان هؤلاء البدو يسيطرون على الطرق ، ويتحكمون في جميع القوافل التي تسلكها ، ويفرضون عليها الرسوم ، ويأخذونها قسراً تحت سمع الحكومات وبصرها، ولم تجد إجراءات السلطة الحاكمة من دفع الأموال لأمراء القبائل والعشائر ومشائخها التي تمر بها القوافل في اتقاء شرهم(7).

 

وقد ذكر إبراهيم رفعت(8) أن بالطريق بين مكة وجدة جملة قلاع ذات اليمين وذات الشمال يقيم بها جنود أتراك، وبه أماكن أخرى يقطنها  عساكر الشريف غير النظامية، وهم حرّاس ، وجدوا للمحافظة على الأمن بالطريق ، ولكنهم لا يفارقون أماكنهم لرد الغارات والضرب على أيدي اللصوص وقطاع الطريق، ولو كان ذلك بمرأى منهم ومسمع، إلا إذا أمرهم الوالي، وكثيراً ما سلب من الحجاج أمتعتهم إذا تأخروا عن القافلة لإصلاح الأحمال أو قضاء بعض الضرورات. فالسلب والنهب والقتل لم ينحصر في المناطق الممتدة بين مكة والمدينة ، بل أصبح من المخاطر السير بين مكة وجدة وبين مكة وعرفات ومزدلفة أثناء تأدية فريضة الحج على الرغم من أن بعض القوافل كانت تسير في جماعات تحرسها الجنود. وكل ما يمكن عمله عند تعرض القافلة لاعتداءات البدو هو محاولة الهرب أو دفع أتاوات لرؤسائهم بالتراضي والتفاهم بين مسؤولي القوافل ورؤساء العشائر.

أما داخل المدينة فلا يستطيع أحد أن يتنقل بمفرده في الليل دون أن يتعرض للخطر لعدم وجود السلطة عملياً ولا سيما في الطرق الخارجية(9).

وليس البدو فقط هم الذين يقومون بإخلال الأمن والتعدي على الحجاج ، وإنما كانت هناك معاناة تنشأ من تنافس الملوك والأمراء على ولاية مكة ؛ نظراً لما تضفيه على من يتولاها من العز والشرف، وقد تقع الخلافات أحياناً في أيام الحج ، فيلحق حجاج بيت الله الحرام والسكان على السواء كثير من الأذى من قتل وسلب ونهب وانتهاك حرمات(9).

وكان الحجاج يعانون أيضاً الكثير من المقومين أنفسهم – وهم المسؤولون عن نقل الحجاج وراحتهم وحفظ أمتعتهم – على الرغم من أن كل مقوم يضمن لمن يكتري منه وصوله إلى مقصده مع الأمن والراحة إلا أنه عندما يتجاوز العمار يتمرد على ركابه ، ويتحكم فيهم ، ويتآمر خصوصاً إذا كثر بالركب الإناث ولم يكن مع الرجال سلاح.

وقد ذكر محمد صادق باشا في رحلته(11) أن أغلب هؤلاء المقومين يبحثون عن القوى من ركابهم والضعيف ، ويتفحصون عما بأمتعتهم من الثقيل والخفيف، ومتى وصلوا ليلاً إلى محل مخوف يجعلون أنفسهم حراساً طول الليل على ركابهم وأمتعتهم ، ومتى علموا أن أعين الركاب قد حل بها المنام وثب كل مقوم على ركاب صاحبه، وصال عليهم صولة الذئب على الخروف، وقد سرق من القوافل بهذا الحال كثير من الأحمال، وطالما قتل الجمالون الغني بجانب متاعه ليلاً وسلبوا منه الأموال.

واستمرت كتب التاريخ في تسجيل الكثير من حوادث السرقة والنهب والسلب والقتل التي وقعت للحجاج بين مكة والمدينة ، أو بين مكة وجدة ، أو في المشاعر المقدسة أثناء تأديتهم لمناسكهم في تلك المدة ، ومما يمكن الاستشهاد به أنه في 17 ذو القعدة سنة 1321هـ/1903م سطا البدو على قافلة حجاج كانت ببحرة بين جدة ومكة فقتلوا رجالها ونساءها ، وجرحوا كثيرين ، وسلبوا المتاع والنقود والحلي، وكان أغلبهم من الحجاج المصريين والسودانيين(12).

ولم يسلم الحجاج من الاعتداء عليهم في مكة المكرمة ففي سنة 1321هـ/1903م، أراد بعض الحجاج المصريين أن يسافروا إلى المدينة المنورة ، وتجمعوا في المكان الذي يعسكر فيه المحمل المصري بعد أن سلموا أجرة الجمال للجمالة فاعتدى هؤلاء عليهم فقتلوا وجرحوا وسلبوا ثم هربوا(13).

وفي سنة 1326هـ/1908م هاجم البدو ركب المحمل المصري عندما وصل إلى مضيق أولاد درويش وهو متوجه من المدينة المنورة إلى ينبع، ودارت بينهما رحى الحرب مدة خمس ساعات مما اضطر الركب إلى العودة إلى آبار علي، ومنها إلى المدينة المنورة في اليوم الثاني(14).

وقد تدهورت حالة الأمن في الحجاز في عهد الشريف حسين بن علي الذي تولى إمارة مكة في أواخر سنة 1326هـ/1908م(15) ، ثم أعلن استقلاله بها عن الدولة العثمانية سنة 1334هـ/1915م ، ولقب نفسه بملك الحجاز ، واستمر حاكماً عليها حتى دخول الملك عبدالعزيز بن عبد الرحمن آل سعود مكة سنة 1343هـ/1924م(16). ونظراً لازدياد ضعف نفوذه في الحجاز في المدة ما بين سنتي 1337 –1342هـ/ 1918–1923م ، وتضاؤل هيبته فإن البدو القاطنين على طريق مكة – المدينة أخذوا يقطعون السبل على زوّار المسجد النبوي الشريف. فقد عادت قافلة من الحجاج الجاويين من رابغ في سنة 1341هـ. دون أن يتمكنوا من الزيارة ، بل إن بعض القوافل أرغمها البدو على العودة وهي على بعد ليلة واحدة من المدينة المنورة(17).

وهذا يعني أنه لا يوجد يومئذ أمن على الإطلاق لا في المدن ، ولا في خارجها ، ولا في الطرق المؤدية إليها.

 

الحالة الأمنية في عهد الملك عبد العزيز في الحجاز:

ظهر تطور كبير على الحالة الأمنية في الحجاز في عهد الملك عبد العزيز عما كانت عليه من قبل ؛ إذ  قامت الدولة السعودية على أساس الحكم بشريعة الله المستمدة من الكتاب والسنة. ومن ثم انتهجت سياسة الشدة والحزم إزاء قطاع الطرق في البوادي. وقد وصف الشيخ عثمان بن سند البصري الفيلكاوي الذي عاصر الشيخ محمد بن عبدالوهــــاب حالة الأمـــن في المناطــق التي كان يحكمها آل سعــــود إذ ذاك فقال بأنهم – أي آل سعـــود – قد أمنوا البلاد التي ملكوها، وصار كل ما كان تحت حكمهم حتى البراري والقفار يسلكها الرجل وحده على حماره بلا خطر، وخصوصاً بين الحرمين الشريفين. وهذا بسبب تأديبهم للقاتل والناهب والسارق إلى أن انعدم هذا الشر في زمان ابن سعـــود(18).

ونجد أن الإمام عبد العزيز بن محمد بن سعود (1133 – 1218هـ/ 1720 – 1803م) قد وزع المسؤوليات على رؤساء القبائل كل في حدود بلاده، فإذا فقد شيء من الحجاج أو المسافرين أرسل إلى زعيم تلك القبيلة التي تسكن في هذه الأماكن الذي فقد فيها هذا الشيء وألزمه بإحضاره وإحضار الجاني ليلقى عقابه.

والإمام عبد العزيز بن محمد هو أول من أبطل ما كانت تأخذه الأعراب من الحجاج والمسافرين من الأخاوات (الأتاوات) والقوانين والجوائز. ومن ثم كان الرجل الواحد يستطيع أن يجتاز المملكة من أقصاها إلى أقصاها دون أن يخشى سارقاً أو مكابراً(19).

ومنذ أن ضم الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن الحجاز بدخوله مكة المكرمة يوم الخميس 7 جمادى الأولى 1343هـ(20) ، ثم مبايعته بالملك على الحجاز سنة 1344هـ/1925م(21) كان أول عمل قام به هو إرساء قواعد الأمن على أسس قوية متينة مستمدة من كتاب الله وسنة رسوله e (22) ؛ إذ  أعلن في جموع الأهالي ورؤساء القبائل والعشائر أن العمل في حرم الله سيكون بما في كتاب الله وسنة نبيه ، فلا يحل في هذه البلاد إلا ما أحله الله ، ولا يحرم فيها إلا ما حرمه(23). كما أعلن أنه سوف يضرب بيد من حديد وبلا رحمة ولا شفقة على كل من تسول له نفسه العبث بالأمن أو محاولة تعكير صفوه، وركز بصفة خاصة على توفير الأمن والطمأنينة لحجاج بيت الله الحرام في جميع المشاعر والطرقات المؤدية إليها(24). وأعلن كذلك أنه لن تكون هناك هوادة في حدود الله ولا يقبل فيها شفاعة، فمن التزم حدود الله ولم يعتدها فأولئك من الآمنين ، ومن عصى واعتدى فإنما إثمه على نفسه ولا يلومن إلا نفسه(25).

وقد حث الملك عبد العزيز رؤساء القبائل والعشائر على التمسك بروح الإسلام وعدم التعرض لقوافل الحجاج بسوء أو أذى ، وأن عليهم إفهام أبناء قبائلهم وعشائرهم ذلك، وأن أية قافلة تتعرض للاعتداء في أي مكان فإن رئيس القبيلة هو المسؤول عما يحدث للقافلة في حدود منطقته ، وهو ما عرف بنظام "التابعية" ، وهدد وأوعد بأقصى عقوبة شرعها الله من قتل وصلب وقطع أيد وأرجل من خلاف لكل مخالف لشرع الله(26). ومن ثم فقد تعهد الملك عبد العزيز بتوطيد الأمن وجلب الراحة والهناء لسكان هذه البلاد ولجميع الوافدين من الحجاج والقاصدين والمسافرين(27).

وقد أشار جلالته في خطابه الافتتاحي للمؤتمر الإسلامي – مؤتمر مكة الأول – المنعقد في يوم الأحد 25 ذو القعدة 1344هـ، إلى أن الأمن العام في جميع بلاد الحجاز حتى بين الحرمين الشريفين بدرجة من الكمال التي لم يعرف مثلها منذ قرون كثيرة ، بل لا يوجد ما يفوقها في أرقى ممالك الدنيا نظاماً وقوة، وهذا الأمن والحرية لا تتقيد إلا بأحكام الشرع(28).

ومن التدابير التي اتخذها الملك عبد العزيز لتوفير الأمن والأمان في الحجاز بشكل خاص وفي أنحاء المملكة العربية السعودية بشكل عام ما يأتى: 

1 – سن الأنظمة والتشريعات ، وإيجاد جهاز للشرطة منظم في تشكيلاته المختلفة واختصاصات رجاله ووظائفهم ومسؤولياتهم تجاه حفظ الأمن ، وصيانة النظام ومكافحة الجريمة ، وتوفير الراحة والسكينة في جميع أنحاء المملكة(29).

2 – عمل على تخفيف أثر البداوة ، وتحضير القبائل بتوجيهها نحو الاستقرار، فأنشأ لهم حول الآبار الارتوازية القرى والمنازل والهجر، ووفر لهم آلات الفلاحة والزراعة، وسهل اقتناءها ليتجهوا إلى الزراعة والاستقرار(30).

3 – قام ببث الدعاة والمطاوعة ونشرهم بين أفراد القبائل لتعليمهم أصول الدين وطاعة الله في اتباع ما أمر به، واجتناب ما نهى عنه(31).

4 – أحكم رابطة القبيلة بشيوخها، وعدَّ أفرادها جميعاً جنداً له، وخص الشيوخ بمنح موسمية ثابتة ورواتب من أرز وبر أو دقيق وسكر وبن وغير ذلك. كما جعل القبيلة كلها متضامنة متكافلة في المسؤولية عن وقوع أية جريمة فيها، أو في جوارها(32).

5 – أصدر بلاغاً رسمياً ورد فيه:" لا يجوز لأحد في هذه البلاد أن يقوم بأي دعاية سياسية لأي جهة من الجهات، ومن علم عليه شيء من هذا فإن إدارة الشرطة مسؤولة عن تعقبه ومنعه من ذلك وتأديبه صيانة لقدسية هذه البلاد وحفظ الأمن فيها" (33).

6 – منع في حج عام 1345هـ/1926م حمل السلاح في مكة لكائن من كان من أهل نجد وغيرهم، وجعل مراكز في الطرق خارج البلاد يستلمون السلاح من كل قادم براً وبحراً ويعطونهم وصلاً بما قبض منهم ، فيردونه عليهم حين خروجهم من مكة، ونفذ ذلك حقاً ، وعمم منع السلاح. كما منع جلالته التجول بالسلاح في البلاد المقدسة لكائن من كان من أهل نجد وغيرهم ، وعلى الأخص أيام الحج، صيانة لراحة حجاج المسلمين من سائر بلاد الله(34).

7 – اهتم في السنة نفسها التي أعلن فيها توحيد المملكة العربية السعودية 1351هـ/1932م بربط أجزاء المملكة كلها بشبكة من الخطوط غير السلكية، وكان آخرها مركز غير السلكي الكبير الذي رُكب في الرياض في أواسط شهر شوال من هذه السنة. وبهذا يصبح في المملكة ثمانية وعشرين مركزاً غير سلكي تجرى عليها المخابرات للأنحاء كافة . ومن هذه المراكز تسعة عشر مركزاً برقياً وهاتفياً في آن واحد ، أربعة منها نقالة موضوعة على سيارات لاستعمالها في التنقلات، وهذا المشروع يعد الأول من نوعه في جزيرة العرب(35).

8 – أسست إدارة البرق والبريد مركزاً عاماً للهاتف في الرياض حيث ربطت الدوائر الرسمية وغيرها بشبكة من الهواتف غير السلكية، وفي يوم الخميس 23 المحرم 1352هـ جرت أول مكالمة هاتفية غير سلكية بين مكة والرياض(36).

9 – أدرك الملك عبد العزيز أهمية التعليم عامة والتعليم الشرعي خاصة في خلق مجتمع منضبط فأولى التعليم جل اهتمامه، فكانت إدارة المعارف العامة المسؤولة عن التعليم في هذه الحقبة من أولى الدوائر التي أمر الملك عبد العزيز بتشكيلها بعد انتهاء حرب انضمام الحجاز 1344هـ/1925م ، وربطها مباشرة بالنائب العام في الحجاز . وقام بتأسيس المدارس والكليات ، وجعل التعليم مجاناً للجميع  ، وخصص المرتبات لطلاب العلم ، وأغدق على المتفوقين منهم الهدايا ، وشجعهم على التعمق في الدراسة. ومن ثم تحقق الأمن بين شعب زادت فيه نسبة التعليم الذي ساعد على زيادة روح التآخي بين أفراده(37).

وقد آتت تلك الإجراءات ثمارها ، وظهرت المعجزة الكبرى التي تم بها استتباب الأمن في ربوع هذه الجزيرة شرقاً وغرباً وشمالاً وجنوباً على يد الملك عبدالعزيز، وأصبحت الجزيرة التي يظللها حكمه مضرب المثل حقاً في الأمان والاطمئنان(38).

ولو لم يكن من مآثر الملك عبد العزيز سوى هذا الأمان الشامل الوارف الظلال على الأرواح والأموال، التي جعلت صحارى الحجاز وفيافي نجد آمن من شوارع الحواضر في أوربا لكان كافياً في استجلاب القلوب إليه ، واستنطاق الألسن في الثنـاء عليه(39).

 

حالة الطرق في الحجاز قبل عهد  الملك عبد العزيز:

كان الحجاج قبل دخول الملك عبد العزيز الحجاز يأتون إلى الأراضي المقدسة إما عن طريق البر ، وإما عن طريق البحر، فالذين يأتون عن طريق البحر يصل بعضهم إلى جدة، ومنها يتجهون إلى مكة المكرمة، إما سيراً على الأقدام أو ركوباً على الجمال والبغال والحمير والخيل ، ثم يتجهون إلى المدينة المنورة لزيارة مسجد الرسول e بعد أدائهم فريضة الحج.

أما البعض الآخر منهم فيصلون إلى ينبع ، ويتوجهون منها إلى المدينة المنورة لزيارة المسجد النبوي الشريف ، ومنها إلى مكة المكرمة لأداء فريضة الحج.

وكانت هذه الطرق غير معبدة ومملوءة بمتاعب ومشكلات كثيرة تبدأ بدخول الحاج إلى أراضي الحجاز ، وتنتهي بعودته إلى بلده.

وقد تعددت مصادر تلك المتاعب والمشكلات في الطريق ، فمنها ما يقاسيه الحاج من الجمالة أنفسهم، ومنها ما يقاسيه من البدو، ومنها ما ألقته الظروف الطبعية في وجهه من حر وندرة الماء ووعورة الطريق(40).

وكان  الحجاج يسلكون بين جدة ومكة طريقاً واحداً ، وأما سيرهم من مكة المكرمة إلى المدينة المنورة أو من المدينة المنورة إلى مكة فكان في واحد من أربع طرق(41). والحجاج الذين يأتون عن طريق ينبع كانوا يسيرون منها إلى المدينة في أحد طريقين يؤديان إليها.

وكان الطريق بين جدة ومكة عبارة عن وادي رملي إلا في موضعين منه ؛ إذ  يوجد حصى بين صغير وكبير، ولكن ذلك لا يشغل من الطريق إلا حوالي نصف ميل، وقبيل مكة بنحو أربعة أميال كان يوجد مدرج حجري مرتفع قليلاً ، ثم بعده يستوي الطريق وتكثر فيه التعريجات حتى يخيل إلى الناظر أن الطريق مسدود لاقتراب الجبال المواجهة. والوادي تحفه من الجانبين الجبال والتلال التي تتقارب تارة ، فيضيق الوادي ، وتارة أخرى تتباعد ، فيتسع، وفي الطريق بضع عشرة قهوة لراحة الحجاج ، وتقديم الشاي والقهوة لهم مع وجود بعض القلاع التي كانت تحوي الحاميات العسكرية لحماية الطريق والحجاج والمسافرين من اعتداءات القبائل. وعندما يصل الطريق إلى بحرة يتفرع منها طريق آخر إلى مكة يسير نحو الجنوب الشرقي يقال : إنه أقرب وأسهل من الطريق الشمالي الذي يسلكه أغلب الحجاج ، وينتهي الطريق في المحطة الأخيرة التي كانت تعرف بقهوة المعلم بجرول، وهي المحطة السابعة عشرة من جدة إلى مكة، وهنا كان ينتظر المطوفون الحجاج لاستقبالهم(42).

وتسير القوافل المتجهة من مكة المكرمة إلى المدينة المنورة في واحد من أربع طرق بحسب تبعية المقوم والجمالة، وهذه الطرق هي: الطريق السلطاني، الطريق الفرعي، طريق الغاير، الطريق الشرقي(43).

ويذكر البتنوني(44) أن الطريق السلطاني هو أحسنها سيراً وأكثرها ماء. وتوجد بالطريق ما بين عسفان وخليص عقبة صعبة معوجة لا تسع إلا جملين . ويوجد بها مكان عال يقف عليه البدو يمنعون القوافل من المرور ما لم يدفعوا الضرائب التي يقدرونها ، بالإضافة إلى وجود مضايق ما بين الجديدة وبئر درويش ؛ إذ  تقطن قبائل صبح والمحاميد وبني عمرو والكحلة(45).

أما الطريق الفرعي وطريق الغاير فكانا يبدآن من رابغ أو مستورة ، وينتهيان في المدينة المنورة وبالطريق الفرعي في محطة  نقر الفار محجر ضيق منحدر تمر منه الجمال جملاً جملاً . ويسمى طريق الغاير أيضاً بالطريق المدني ؛ لأن أهل المدينة كانوا يستعملونه في حجهم لقربه إلا أن بالجبل الغاير عقبة عالية تشرف على هاوية عميقة   طريقها ضيق جداً بحيث لا يسع إلا دابة دابة . وهذا الطريق خطر في صعوده وهبوطه(46).

وأما الطريق الشـــرقي فهو يبدأ من باب المعــــلاة بمكة الكرمة ، وينتهي في المدينة المنـــورة(47). وبهذا الطريق عقبات ومنحدرات شديدة يمر الجمل منها بعسر ومشقة بحيث لا ينزل من المنحدر إلا إذا صاحبه ثلاثة أشخاص(48). ويسكن فيه عربان الزيود واللهبة وعتيبة ومطير والرحلة(49).     

وتسير القوافل المتجهة من ينبع إلى المدينة المنورة أو العكس في واحد من طريقين ، هما:

الطريق السلطاني وطريق الطريف، فالطريق السلطاني إلى المدينة  يتميز بسهولة مسلكه وكثرة المياه فيه. أما طريق الطريف فهو أطول من الطريق السلطاني ومع هذا فإنه قليل الماء صعب المسلك(50).

 

تحسين طرق الحج في عهد الملك عبد العزيز :

نظراً لما كان يعانيه الحجاج من مشقة وتعب لسوء حالة الطرق قبل عهد الملك عبدالعزيز فقد أولى جلالته جل عنايته إلى الرقي بوسائل النقل ، وتعبيد الطرق ، وتسهيل السبل لخدمة ضيوف الرحمن سواء داخل المدن أو خارجها.

أولاً: تحسين الطرق داخل مكة المكرمة:

رأت الحكومة ما كان يقاسيه الحجاج من الغبار والضيق في شوارع مكة ، فعمدت لإصلاحها، وبدأت بشارع المسعى ؛ إذ  أصدر جلالته أوامره بترصيفه على نفقته الخاصة، وقام سمو الأمير فيصل نائبــه على الحجاز بوضع الحجر الأساسي لهذا المشروع يوم السبت عشرين جــــمادى الآخرة سنة 1345هـ(51). وفضلاً عن ذلك فقد أمــر جلالته بإصلاح مظلة شارع المسعى التي كانت قد أقيمت عليه في سنة 1341هـ لدرء أشعة الشمس وحرارتها عن الساعين(52).وبالإضافة إلى ذلك فقد أمر في سنة 1355هـ بإعادة رصف شارع المسعى بأحجار منتظمة مرصوفة رصفاً فنياً مع عمل الميول اللازمة لانحدار المياه تيسيراً لحركة وفود الرحمن(53). وقد بدأ العمل في هذا المشروع في سنة 1356هـ/1937م، واستكمل في سنة 1357هـ/1938م(54). وفضلاً عن ذلك فقد جُدد سقف المسعى للمرة الثانية بأمر جلالته بإسلوب فني محكم في سنة 1366هـ/1946م(55).

وسعياً من حكومة الملك عبد العزيز لتيسير الحركة في شوارع مكة المكرمة فقد وضعت برنامجاً لتوسيع تلك الشوارع، وخاصة المتصلة منها بالمسجد الحرام، ولذلك صدرت الأوامر بهدم الدكك والنواتيء التي تشغل حيزاً يقدر بالأمتار العديدة من تلك الشوارع خاصة في شارع المسعى وبسويقة وبشارع المدعى والجودرية والقشاشية وسوق الليل والمعابدة وغيرها مع إزالة كل ما يعيق حركة السير في الشوارع خاصة الشقادف التي يتركها أربابها من نجارين ومشائخ الجاوة والمطوفين بعد نزول الحجاج منها(56).

هذا وقد أصدر سمو الأمير فيصل أمره بإصلاح طريق تسير عليه السيارات في ذهابها إلى العمرة بحيث لا تتصل بالطريق العامة التي تسير منها المارة والقوافل(57).

ونظراً لما كان المارة وأصحاب السيارات يعانون في الماضي من ضيق ريع الحجون وارتفاعه وكثرة النواتئ فيه، فقد ابتدأ العمل في أواخر شهر ربيع الآخر سنة 1372هـ في توطئته وتوسعته تمهيداً لتعبيده وسفلتته على أحدث الطرق الفنية تسهيلاً لمرور السيارات ولا سيما في زمن الموسم(58).

ثانياً: تحسين الطرق بين مكة المكرمة والمشاعر المقدسة:

لم تقتصر عناية الملك عبد العزيز على رصف الشوارع أو توسعتها أو تظليلها وإزالة العوائق منها في مكة ، بل امتدت لتعنى بتظليل طريق مكة منى عرفة بمظلات توضع بالقرب من آبار المياه على جانبي الطريق لوقاية مشاة الحجاج وضعفائهم الذين يرغبون في الاستراحة من هجير الشمس(59).

وقد أرسل جلالته رواداً لكشف مكان صالح لفتح طريق واسع بين مكة – منى – عرفات علاوة على الطريق الحالية، على أن تمر من خارج منى منعاً للازدحام الشديد الذي يحدث في الطريق القديمة التي تخترق منى من منتصفها(60). وصدرت الأوامر بإنارة الطريق بين مكة ومنى بالكهرباء في سنة 1354هـ/1936م(61).

واهتماماً من الملك عبد العزيز بتعبيد طرق المواصلات وسفلتتها على قواعد فنية حديثة أصدر أوامره السنية بتشكيل هيئة تتولى القيام بشؤون طرق المواصلات وإصلاحها(62). وانتخبت الهيئة بعض أفرادها للقيام برحلات يتم فيها الكشف عن حالة الطرق لعمل الإصلاح المطلوب على ضوء التقارير التي ترفع منهم(63).

ثالثاً: تحسين الطرق داخل المشاعر المقدسة:

نالت المشاعر المقدسة عناية الملك عبدالعزيــــز ورعايته فقد أصدر أمره في سنة 1346هـ/1927م بإصلاح طريق وعر ؛ إذ  يمر به عدد كبير من حجاج بيت الله الحرام في ذهابهم وإيابهم من جبل عرفات(64).

ونظراً لما ظهر من ازدحام شديد في شوارع منى ، يلاقي بسببه الحجاج تعباً ونصباً، فقد أصدر جلالته أوامره بتنظيم شوارع منى وفتح شارعين علاوة على الشوارع الموجودة. وقد فتح شارع يقع على يمين الصاعد إلى عرفات عبر شارع منى الكبير عرف فيما بعد باسم شارع الملك عبد العزيز، كما فتح شارع يقع إلى الشمال من شارع سوق العرب يبدأ من أول المدرج الواقع خلف جمرة العقبة(65).

ومن المشروعات التي تم إقرارها وتنفيذها في عهد جلالته تخطيط عرفات بوساطة طرق مستقيمة تقسمها إلى مربعات ينزل فيها الحجاج بحسب بلادهم أو مطوفيهم(66).

وقد أقر مشروعاً لفتح شوارع فرعية في عرفات ورصفها بالإسفلت على أن لا يقل عرض الشارع الرئيس عن 32 متراً ، والشوارع الفرعية عن 18 متراً حتى يسهل تنظيم الخيام والإقامة والحركة فيها(67). وقد تم أيضاً توسعة شارع الملك عبد العزيز توسعة ساعدت على تنظيم حركة المرور فيه زمن الحج(68). وفضلاً عن ذلك فقد تم إضاءة الطرق في المشاعر المقدسة ، ووضعت العديد من الأتاريك في مزدلفة لإنارة طريق السيارات ومنازل الحجاج فيها ، ووضعت أيضاً أتاريك أخرى لإضاءة شارع منى الكبير ، وشارع الملك عبد العزيز كل ليالي منى(69).

رابعاً : تحسين الطرق بين مكة – الطائف – جدة – المدينة ينبع:

عملت حكومة الملك عبد العزيز على تعبيد الطرق وسفلتتها خاصة بعد أن انتشر في عهده استعمال السيارات في نقل الحجاج. وكانت السيارات تسير جنباً إلى جنب مع قوافل الجمال في طريق جدة – مكة. ونظراً لما كانت تسببه تلك السيارات من إزعاج لقوافل الحجاج ونفور الجمال من صوتها وصفيرها، فقد ارتأت الحكومة تخصيص طريق لكل من السيارات والقوافل بحيث لا تجتمعان إلا في بحرة. وقد باشر العمال في إصلاح الطريق الجديدة التي للسيارات وتعبيدها ، ومن ثم تسير السيارات في طريق مكة – الوادي – بحرة – الطريق العام جدة ، وتسير القوافل في الطريق القديم – بحرة – الطريق الجديدة – جدة(70).

واستمرت عمليات إصــــلاح الطريق بين مكة وجدة ؛ إذ  ذكر شاهد عيان حج سنــــة 1348هـ أن هذا الطريق أصبح أفضل بكثير في حج هذا العام عما كان عليه عندما حج سنة 1343هـ على الرغم من أنه لم يرصف بعد(71) ، وجرى إصلاحه أيضاً سنة 1352هـ(72).

وكان طريق مكة – جدة هو الطريق الصالح لسير السيارات المتجهة من مكة إلى المدينة في سنة 1348هـ ؛ إذ  تتجه السيارات من جدة إلى المدينة ، فتصل إلى رابغ ومنها تمضي إلى المدينة في الطريق السلطاني القديم(73). وقد بذلت جهود كبيرة لإصلاح هذا الطريق وتعبيده لتوفير وسائل الراحة للحجاج والوافدين(74).

واهتمت الحكومة أيضاً بإصلاح الطريق بين مكة والطائف، وانتهى العمال من إصلاحه ، وبدأت السيارات تسير فيه في سنة 1346هـ(75)، ثم أعيد إصلاحه في سنة 1351هـ(76).

وصدرت أوامر الملك عبد العزيز بإصلاح الطريق بين المدينة المنورة وينبع، وانتهى العمال من إصلاحه في سنة 1346هـ، وأصبح صالحاً لسير السيارات(77)، ثم أعيد إصلاحه مرة أخرى سنة 1352هـ(78).

وقد توفقت حكومة الملك عبد العزيز بمساعدة جارتها الشقيقة حكومة مصر على القيام بعمل مشترك لرصف الطريق بين المدينة – جدة – مكة – عرفات ، وصدر المرسوم الملكي بما اتفق عليه بين الحكومتين بتاريخ 24 شعبان سنة 1358هـ(79).وقد انتهى من ترصيف هذا الطريق على الطراز الفني الحديث في سنة 1360هـ، مما ييسر على حجاج بيت الله الحرام رحلتهم إلى مكة عند سلوكهم لهذا الطريق(80).

وفي سنة 1370هـ/1951م كانت شركة (وُوْلد) الأجنبية تقوم بسفلتة الطريق بين جدة والمدينة وعينت المواقع الصعبة منه تمهيداً لإصلاحها(81). وفضلاً عن ذلك فإنها زودت تلك الطرق بمراكز للاستراحة مجهزة بكل أسباب الراحة بأنواعها ومقاهي وآبار مياه ومراكز للتليفون خدمة لضيوف الرحمن(82)، كما أن فيها محلات مخصصة للنساء دون اختلاط مع الرجال(83).

 

أساليب نقل الحجاج المتبعة قبل عهد الملك عبد العزيز:

بدأ الناس يتوافدون إلى مكة المكرمة لحج بيت الله الحرام رجالاً أو ركباناً على الدواب منذ أن أذن خليل الله إبراهيم عليه الصلاة والسلام في الناس بالحج. ومن ثم كانت الدواب أقدم وسيلة لنقل الناس إلى مكة لحج بيت الله الحرام.

وقد ظهرت في الحجاز تنظيمات تشرف على عملية نقل الحجاج تسمى هيئة المخرجين المتعهدين (المسؤولون عن إحضار الجمال والجمالة) ، وتتبعهم جماعة يعرفون بالمقومين (يقومون بتقدير حمولة الجمل من عفش الحجاج وركوبهم).

ونظراً إلى أن الجمال كانت أهم وسائل نقل الحجاج سواء بين جدة ومكة أو بين مكة والمدينة أو بين مكة والمشاعر المقدسة، كانت أجرة الجمل تقدر في كل عام في بداية موسم الحج، فالجمل الذي يحمل الحاج له أجر مخصوص ، والجمل الذي لا يحمل إلا عفش الحاج فقط(84) له أجر مخصوص.

وتجدر الإشارة إلى أن السفر على ظهور الجمال يتطلب استعمال الشقدف والمحفة والسحلية. والشقدف: عبارة عن سريرين منفصلين بطول الإنسان ، وله فراش من أعلاه يقي الإنسان من الشمس والمطر (85). وقد يشترى الحاج الشقدف بأنواعه من جدة كل على حسب إمكاناته المادية(86). والمحفة : عبارة عن كرسيين أيضاً من الخشب إذا وضعا على ظهر الجمل جلس فيهما راكبان ووجههما إلى رأس الجمل(87). أما بالنسبة للسحلية فهي عبارة عن سرير من أسرة الشقدف يشد على ظهر الجمل مستعرضاً ، وهو في الغالب من غير مظلة ، ويستعمله عادة فقراء الحجاج(88).

أما استعمال الحمير وخاصة الحصاوية أو الحساوية وهي التي يؤتى بها من الحسا في التنقل فقد كان شائعاً بين الجمهور داخل مكة أو بين مكة والمشاعر المقدسة أو بين مكة وجدة ، في حين كان التنقل بالبغال خاصاً بالأشراف والأمراء مع بعض أفراد من علية القوم(89).

 

وتجدر الإشارة إلى أن رسوماً فرضت منذ العصر العباسي الثاني في القرن الرابع الهجري (10م) على من يقدم إلى الحج، وكان من لم يؤدها يمنع من دخول مكة ، ولايسمح له بأداء الفريضة(90). وكانت تلك المكوس تلغى أحياناً ، ثم يعاد فرضها مرة أخرى من قبل أمراء مكة.

وعلى الرغم من أن السيــــارات اخترعــــت في أوائــــل القرن الرابع عشــــر الهجري (20م)، إلا أن أول سيارة وصلت إلى الحجاز في سنة 1340هـ هديةً من تاجر هندي إلى حاكم مكة من الأشراف في ذلك الوقت لكنه لم يستعملها إلا نادراً ؛ نظراً لوعورة الطرقات(91).

وقد منع استعمال السيارات  لنقل الحجاج في هذه المرحلة بحجة أنها سوف تؤثر على دخول الجمالة ؛ لأن نقل الحجاج كان مورد رزقهم(92). وقد ظهرت محاولة لتأسيس شركة لتسيير السيارات بين جدة ومكة إلا أنها ألغيت ، ولم يشع استعمال السيارات في نقل الحجاج إلا بعد دخول الملك عبد العزيز الحجاز.                

 

إدخال السيارات لنقل الحجاج في عهد الملك عبد العزيز:

بدخول الملك عبد العزيز الحجاز سنة 1343هـ بدأ عهد جديد في المدنية والعمران. وقد عمل جلالته منذ اللحظة الأولى على توفير السيارات لنقل الحجاج تيسيراً عليهم. ومن ثم فقد سمح لبعض أهالي البلاد(93) وبعض الشركات بجلب السيارات من الخارج لاستعمالها في نقل الحجاج، فتأسست شركة للسيارات سنة 1344هـ/ 1926م، وقامت بإحضار خمسة وعشرين سيارة كبيرة تقوم بنقل الحجاج بين جدة ومكة بصورة منتظمة على الرغم من أن الطريق لم يكن قد عبد بعد بالإسفلت لسير السيارات(94).

ونظراً لنفور الإبل التي تحمل شقادف الحجاج من صوت السيارات وحركتها(95)، فقد منعت حكومة الملك عبد العزيز سيرها في شوارع مكة في حج سنة 1344هـ(96) ؛ مما يدل على اهتمام جلالته وحرصه على راحة الحجاج وأمنهم.

 

وتجدر الإشارة إلى أنه على الرغم من أن السفر بالسيارات أصبح ميسوراً منذ سنة 1344هـ إلا أن وعورة الطرق كانت تسبب في سرعة تلفها(97).

هذا وقد صدر نظام تسيير السيارات في عام 1345هـ ومواده إحدى وثلاثون مادة تنظم حركة سير السيارات بما يحافظ على حياة الحجاج والأهلين، ويساعد على انتشار استعمالها تيسيراً على ضيوف الرحمن حجهم(98) ؛ إذ  أصبح تسيير السيارات بين جدة ومكة حراً لكل من يشاء من أهل الحجاز ضمن التعليمات التي وضعتها الحكومة في هذا الشأن(99).

هذا وقد صدر الأمر السامي بالمصادقة على نظام تسيير السيارات في 18 جمادى الآخرة سنة 1346هـ/1927م المتضمن عشرين مادة أهمها تحديد مسار السفر بين مكة إلى المدينة عن طريق جدة، وإجراء الكشف الفني على السيارات قبل سفرها، وجعل سيارة احتياطية مع كل ثلاث سيارات لحمل الأدوات الاحتياطية والبنزين والماء وغير ذلك، على أن تكون هذه السيارة صالحة لحمل الركاب عند حدوث أي عطل في إحدى السيارات الأخرى وغيرها من تعليمات تضمن راحة الحجاج وسلامتهم في سفرهم من مكة إلى جدة ثم إلى المدينة(100).

وبتشجيع من جلالة الملك عبد العزيز تأسست الشركة السعودية الوطنية لسير السيارات بالحجاز برأسمال قدره خمسون ألف جنيها، وأوصت الشركة المسهمة بشراء خمسين سيارة من أمريكا ، منها ثلاثون لوريا ، وخمس فيها مقاعد لخمسة أشخاص وخمس عشرة سيارة لسبعة أشخاص(101). وفضلاً عن ذلك فقد أسس جلالته مدرسة لتعمير السيارات وما تحتاج إليه من آلات ؛ إذ  يتعلم فريق من الشعب هذه الصناعة، وتخرج تلك المدرسة كفاءات تعم بفائدتها الحجاج والأهلين(102).

وأخذت أعداد السيارات في الازدياد حيث حصرت السيارات التي تسير في البلدان الحجازية حتى يوم الأربعاء 7 جمادى الآخرة 1346هـ ، فبلغ 267 سيارة، ثم ازداد ذلك العدد في شهر شعبان من السنة نفسها إلى 541 سيارة(103).

 

ونظراً لازدياد عدد السيارات والشركات التي تملكها فقد دارت مفاوضات بين أصحاب هذه الشركات لتوحيد شركاتهم في شركة واحدة مسهمة. واجتمع نواب عن أصحاب تلك الشركات ، ووافقوا على الأسس التي يجري الاندماج بموجبها، واختير لهذه الشركة اسم "الشركة الحجازية السعودية لسير السيارات والمشاريع العمرانية"(104).

وقد تقرر تقسيم الشركات إلى شركات لا يقل عدد ما لدى كل منها عن ثلاثين سيارة ، وأن تنتخب نقابة عامة من أصحاب السيارات برئاسة شخص أو شخصين تنتدبهما الحكومة لتراقب توزيع الحجاج على السيارات بالتساوي لمنع التلاعب بمصالح الحجاج واقتصاديات البلاد(105).

وصدر نظام شركات السيارات الذي يتألف من اثنين وعشرين مادة نص الأولى فيها: "تتألف في الحجاز نقابة سير السيارات لمنع الضرر عن أصحاب السيارات والحجاج"(106).

ومن ثم فقد وجدت هيئة رسمية معينة من قبل الحكومة، وهذه الهيئة مع شركات السيارات نفسها موضوعة تحت مراقبة الحكومة الدقيقة(107).

 وحرصاً من حكومة الملك عبد العزيز على توفير الراحة والأمان والمحافظة على حياة ضيوف الرحمن، فقد تقرر إقامة مراكز متعددة ومتقاربة لإسعاف السيارات بها مهندسون ومعاونوهم وسيارات إسعاف ، وفيها ما تحتاجه السيارات من البنزين والأدوات الاحتياطية في كل من طريق جدة – مكة وجدة – المدينة، وفي المشاعر المقدســــة(108)، كما عينت مفتشـــــاً خاصاً زودتــــه بسيارة جيب وباثنين من الجنود يـــــجوب الطريق بين مكـــــة وجدة لمراقبة سير الحجاج ، والتفتيش من أجل راحتهم وتفقد أمورهم(109).

وتجدر الإشارة إلى أن وسائل النقل التقليدية من جمال ظلت تستعمل جنباً إلى جنب مع السيارات في نقل الحجاج خاصة بين مكة والمشاعر المقدسة لحمل الحجاج والمتاع ، وتأتي بعدها الحمير التي تتسم بسرعة عدوها والتي تؤجر للركوب ، وكذلك البغال(110). واستعملت الجمال في عهد الملك عبد العزيز في نقل الحجاج أيضاً من مكة إلى المدينة عن طريق التنعيم(111)، فقد عمل حصر للحجاج الذين ذهبوا إلى المدينة من مكة بالسيارات في سنة 1350هـ/1932م، فبلغ عددهم 9869 ، في حين كان عدد الذين ذهبوا إليها على الجمال 5140 راكباً(112). ويدل على ذلك أن عدد الركاب الذين ذهبوا إلى المدينة من مكة بوساطة السيارات يبلغ نحو ضعف عدد الذين ذهبوا إليها بوساطة الجمال، مما يدل على انتشار استعمال السيارات وتفضيلها في السفر إلى المدينة على الجمال.

غير أن السيارات أخذت في الانتشار ، فلم تأت سنة 1373هـ/1953م، وهي السنــــة التي توفي فيهـــا الملك عبد العزيز إلا واختفى تماماً استخدام الجمال لنقل الحجاج(113).

وتجدر الإشارة إلى أن المسافة بين مكة وعرفات تبلغ نحو 22 كيلو متراً كانت تقطعها الجمال في أكثر من خمس ساعات ، في حين أصبح الحجاج بعد إدخال الملك عبد العزيز السيارات في نقل الحجاج يقطعونها في نحو نصف ساعة(114).

 

الخدمات الصحية في الحجاز قبل الملك عبد العزيز:

1 – في مكة المكرمة:

سعت الدولة العثمانية جاهدة إلى حفظ صحة الأهالي والحجاج ؛ إذ  بدأت في أواسط القرن الثالث عشر الهجري(19م) بإرسال لجان صحية بغرض تحسين الحالة الصحية في الحجاز ، وقامت هذه اللجان بإعداد تقارير عن الحالة الصحية بها، وبناء على تلك التقار