مقدمــــة :

تمشيًا مع التطور الإداري والتوسع في الخدمات والسعي الحثيث للحاق بركب التقدم، وتفعيلاً لمبدأ التخصص بمفهومه الإيجابي، بلغت المؤسسات العامة في المملكة العربية السعودية عام 1419هـ سبعًا وثلاثين مؤسسة، وبلغت الوزارات إحدى وعشرين وزارة ، وبلغ عدد الإدارات العامة المستقلة ميزانياتها سبعين إدارة أو أكثر، إضافة إلى مئات الفروع للأجهزة الحكومية وآلاف الشركات، سواء كانت تملكها الدولة بالكامل، أو يشاركها القطاع الخاص السعودي . وهذا التنوع في أساليب الإدارة وطرقها دليل على فضيلة الأخذ بالأسباب النافعة والمواءمة بين الخدمة والطريقة المثلى لأدائها ، خصوصًا أنه لايوجد أسلوب واحد يصلح لكل شيء ، ويحقق كل شيء ، كما أن التعدد والتنوع سمة الحياة .

ويمكن تصنيف الأجهزة الإداريــــة في المملكة العربية السعودية إلى ستة تقسيمات ، هي :

(1) الوزارات .

(2) المؤسسات العامة .

(3) الإدارات العامة .

(4) الشركات .

(5) الجمعيات .

(6) المؤسسات الدولية([1]).

المؤسسات العامة التي خصت بهذا البحث طريقة من طرق إدارة المرافق العامة ، التي أخذت بها المملكة منذ عهد المؤسس الملك عبدالعزيز الذي أمر بإنشاء مؤسسة النقد العربي السعودي، واعتمد نظامها الأساس في 25/7/ 1371هـ([2]) . والمؤسسات العامة ظاهرة إدارية عالمية، والمملكة جزء من العالم ، تشترك معه في الكثير ، وتحتفظ لنفسها بشيء من الخصوصية والتميز، ولهذا سيكون التركيز في هذا البحث على تجربة المؤسسات العامة في المملكة العربية السعودية .

 

أهداف البحث :

الهدف الرئيس من هذا البحث هو تسليط الضوء على تجربة المؤسسات العامة في المملكة العربية السعودية، والإجابة عن عدد من الأسئلة حيالها تتمثل في الآتي :

أولاً  : ما المؤسسات العامة؟

 ثـانـياً : لماذا أنشئت المؤسسات العامة في المملكة العربية السعودية؟

 ثـالـثاً : كيف تطورت المؤسسات العامة في المملكة العربية السعودية؟

 رابـعاً : ما إيجابيات المؤسسات العامة وسلبياتها في المملكة العربيــــة السعودية ؟ 

خامساً : هل ستبقى المؤسسات العامة في المملكة العربية السعودية على وضعها القائم أم سينالها شيء من التغير؟ 

 

أهمية البحث  :

تبرز أهمية هذا البحث من أهمية المؤسسات العامة نفسها، ولا غرو فالمؤسسات العامة بالمملكة العربية السعودية هي أجهزة المهمات الحيوية التي تشمل التعليم الجامعي والتدريب الإداري والمهني والتسليح الحربي وخدمة الكهرباء والماء والنقل، وغيرها . والمؤسسات العامة توظف آلافًا من صفوة شباب الوطن وشاباته ، وتنفق عليها الدولة مليارات الريالات كل عام، ولا بد أن يكون لها نصيب من الدراسة والتحليل في مناسبة الاحتفال بمرور مائة عام على تأسيس المملكة العربية السعودية . وبما أن كل مؤسسة معنية بالحديث عن تاريخها ومنجزاتها بشكل منفرد في هذه المناسبة، فإن هذا البحث سيتحدث عن المؤسسات جميعها ، وسيركز على موضوعات تهم المسؤول والمواطن والمؤسسات ذاتها، مثل : مناقشة نقاط الضعف والقوة في أسلوب المؤسسات العامة، واستشراف المستقبل، خصوصًا ونحن على مشارف قرن جديد . ويعد هذا البحث استمرارًا لجهود بحثية سابقة بشأن المؤسسات العامة . ولقد تعمدنا الابتعاد عن الأسلوب الإنشائي، وركزنا على النقاط المهمة تيسيرًا على القارىء في عصر السرعة والاختصار والوصول إلى المقصود من أقرب زاوية .

منهج البحث  :

يعتمد هذا البحث على المنهج الوصفي ، واتباع أسلوب الدراسة النظرية ، الذي يستند إلى المصادر المكتبية والدراسات والوثائق الرسمية وتقاريرالإنجازات التي تتعلق بالمؤسسات العامة بالمملكة العربية السعودية، إضافة إلى عدد من اللقاءات والمقابلات مع عدد من أعضاء هيئة التدريب في معهد الإدارة العامة ، ومدير عام إدارة المؤسسات العامة بالديوان العام للخدمة المدنية .

 

أولاً : مفهوم المؤسسات العامة :

المؤسسة العامة : هي منظمة أعمال تعمل في نطاق أهداف المصلحة العامة بصفتها فرعاً جديداً من فروع الجهاز الإداري . وللمؤسسة العامة تسميات عدة ، منها : هيئة، شركة، مؤسسة ، مشروع، منشأة، لجنة ... ([3])، وتحاشيًا للبس بين المضمون والاسم سوف نوضح مفهوم المؤسسات العامة من خلال خمسة محاور، هي :

1 – مجموعة من التعريفات للمؤسسات العامة .

2 – حصر أهم خصائص المؤسسات العامة .

3 – موازنة بين نظام المؤسسات العامة والشركات .

4 – موازنة بين نظام المؤسسات العامة والوزارات والإدارات العامة .

5 – موازنة بين نظام المؤسسات العامة والمؤسسات غير الربحية .

أولاً : تعريف المؤسسات العامة :

كان اصطلاح المؤسسة العامة يستعمل في فرنسا للدلالة بصفة عامة على كل أشخاص النظام العام، وفي النصف الثاني من القرن الماضي أصبحت المؤسسة العامة تعني سلطات إدارية تقوم على مرافق عامة متخصصة يقرر لها المشرع الشخصية المعنوية([4]) ، ويوجد تعريفات عدة للمؤسسة العامة ،من أهمها :

أ) المؤسسة العامة : منظمة حكومية تتولى إدارة مرفق من المرافق العامة خارج نطاق التنظيم الوزاري ([5])

ب) المؤسسة العامة : منظمة تتمتع بالشخصية المعنوية لها ذمة مالية عامة مستقلة تخصص لتحقيق غرض اقتصادي([6]) .

جـ) المؤسسة العامــــة هي استراتيجيـــــة إدارية تعكس السياســــات السائدة بالدولة ( اقتصادية، اجتماعية، وسياسية )،وتتجه بأسلوب التوجيه والرقابة إلى ترشيد اقتصادياتها، وتأخذ شكل المرفق العام ذي الشخصية المعنوية مستهدفة تحقيق مصلحة عامة دون الاقتصار على الربحية ([7])، وهذا التعريف للمؤسسات العامة شامل ، ويعبر عن مفهومنا للمؤسسات العامة .

ثانياً : خصائص المؤسسات العامة .

هناك خصائص مشتركة تميز المؤسسات العامة عن غيرها من الأساليب المتعددة التي تأخذ بها الدولة عند تقديم خدماتها للمواطن، من أبرز تلك الخصائص ما يأتي:

أ) الشخصية الاعتبارية :

الشخصية الاعتبارية تطلق على ما كان محلاً لاكتساب الحقوق ، وتحمل الالتزامات ، وليس شخصًا طبيعيًّا (إنسانًا)، وعليه فإن المؤسسات العامة كالشخص الطبيعي تكتسب الحقوق وتتحمل الالتزامات، على الرغم من أنها ليست لها إرادة ذاتية كالإنسان إلا أن إرادة من يمثلها من بني الإنسان هي إرادتها استنادًا إلى نظام إنشائها .

ب) التخــصص :

إن قصر نشاط المؤسسة على غرض معين يعد قيدًا على استقلالها ؛ لأنه لا يسمح لها بممارسة أغراض أخرى، وعلى كل حال يعد التخصص أحد العناصر التي يتسم بها العصر ، ويتجلى بوضوح في المؤسسات العامة، إذ لا يكفي مثلاً أن تنشأ مؤسسات للتمويل ، بل إن مؤسسات التمويل ذاتها متخصصة ، فبعضها لإقراض المزارعين ، وبعضها لإقراض الصناعيين ، وبعضها للعقار ، وهكذا . وقد يكون التخصص على حسب النشاط، مثل : المؤسسات الاقتصادية، والمؤسسات التعليمية، والمؤسسات الإدارية والاستشارية، والمؤسسات الاجتماعية، والمؤسسات المالية . أو قد يكون التخصص على حسب الموقع الجغرافي، مثل : مصلحة للمياه في المنطقة الشرقية أو الغربية أو الرياض أو القصيم .

جـ) المرفق العام :

المؤسسات العامة مرفق عام يسعى للنفع العام ، ويشارك المرافق العامة الأخرى في بعض صفاتها الرئيسة، مثلاً المؤسسات العامة تخدم الصالح العام للدولة ، وتخضع لسلطتها وتسير وفقاً لتوجيهاتها، ولا يعد تحقيق الربح في حد ذاته الهدف الرئيس لها ويعتمد بعضها في المصروفات على مايخصص لها من خزينة الدولة . ولكنها تتميز عن المرافق العامة –على سبيل المثال – بقابلية خدماتها للتجزئة حيث يتصف بعضها بعدم شمول خدماته لجميع شرائح المجتمع . والمعروف أن المنظمات تصنف على حسب عملائها إلى أربعة أصناف :

(1) منظمات تخدم جميع أفراد المجتمع مثل وزارة الداخلية.

(2) منظمات تخدم فردًا من المجتمع مثل الدوواين الملكية ومكاتب الوزراء .

(3) منظمات تخدم منسوبيها فقط مثل القبيلة والأندية الخاصة.

(4) منظمات تخدم شريحة من المجتمع . ومعظم المؤسسات العامة منظمات تخدم شريحة من المجتمع ، وليس كل أفراد المجتمع . 

د) الذمة المالية :

يترتب على اتصاف المؤسسة العامة بالذمة المالية أن تكون لها ميزانية مستقلة ، ولها حساباتها الخاصة، ومن الممكن أن تكون دائنة أو مدينة ، وباستطاعتها أن تبرم العقود وتتفاوض مع الآخرين بصفة مباشرة .

هـ) غير المركزية الإدارية :

المؤسسات العامة صورة من صور غير المركزية حيث لا تقع المؤسسة العامة تحت السلطة المباشرة للدولة . ويجب التنبيه إلى أن المقصود بغير المركزية في المؤسسات العامة هو غير المركزية المرفقية ، وليست غير المركزية الإقليمية المعروفة في الإدارة المحلية ([8]) .

و) الخضوع لنظام خاص :

جميع المؤسسات العامة بالمملكة أنشئت بنظام خاص ، صدر بموجب مرسوم ملكي يمنح المؤسسة شخصيتهـــا الاعتبارية، وتتمتع المؤسسة العامة بنص نظامها بدرجة من الاستقلال ، ويتيح لها النظام الخاص ، كذلك تنويع لوائحها ومزاياها الوظيفية، مثلاً : تخضع المؤسسة العامة للخطوط العربية السعودية للائحة خاصة بالموظفين الأرضيين صدرت بقرار مجلس الوزراء رقم (338) في 24/11/1386هـ، ولائحة أخرى خاصة بالملاحين الجويين صدرت بقرار مجلس الوزراء رقم (438) في 5/7/1395هـ، ولديها سلم رواتب للطيارين ، وسلم رواتب للموظفين الأرضيين ، وسلم رواتب للفنيين .

واشتراط النظام لإنشاء المؤسسة ضروري ؛ لأن إنشاء المؤسسة في الغالب يقوم على انتزاع المؤسسة العامة من السلطة الرئاسية للجهة التي كانت تتبع لها ([9]) .

ز) الوصاية الإدارية :

الوصاية الإدارية هي السلطات الإدارية المحدودة الممنوحة بالنظام لشخص إداريّ أعلى لممارستها على شخص إداري أدنى في مراقبة أعماله حماية للصالح العام ([10]) . المقصود بالوصاية العامة في المؤسسات العامة ، هو خضوعها لوصاية جهة مركزية في الحدود التي ينص عليها نظامها . ولكل من جهة الوصاية والمؤسسة العامة إدارة منفردة، ماعدا تعليق نفاذ أعمال المؤسسة العامة على موافقة جهة الوصاية . وتعدالوصاية الإدارية هي استثناء من الأصـــل ، وهو استقلال المؤسسة العامة . والوصاية العامة لا بد من نص نظامي يقررها، وهي مقصورة غالبًا على الوظيفة الرقابية والتصديق، وتعد أخف من السلطة الرئاسية التي تكون غير محدودة ، وتمارس على الأشخاص الطبيعيين.

حـ) النزعة إلى الوسطية :

التوسط غالبًا يكون بين شيئين ، ونظام المؤسسات يتحلى بخاصية التوسط في عدد من الأمور، مثلاً :

(1) من الناحية الاقتصادية المؤسسات العامة تتوسط بين النظام الاشتراكي الذي يعتمد في تحقيق التنمية على القطاع العام ، ويلغي مهمة القطاع الخاص، وبين النظام الرأسمالي الذي يعتمد على القطاع الخاص ، ويلغي مهمة القطاع العام .وكما هو معروف الاقتصــاد الاشتراكي يـرى أن المؤسسة منظمة تمتلكها الدولة ، وتمنحها استقلالاً في الإدارة ، لتقوم بتنفيذ برامــج الخطة ، وتعمل على أساس مبدأ الحساب التجاري ، وحسابات التكاليف ([11]) ، على حين يتبنى الاقتصاد الحر عددًا من مبادىء الاقتصاد ، منها :

أ) شرعية الملكية الخاصة .

ب) إدارة المشروعات الإنتاجية من خلال المؤسسات الخاصة الباحثة عن الربح .

ج) الرقابة على النظام الاقتصادي بواسطة تفاعل قوى السوق .

د) شرعية المنافسة الشريفة .

هـ) محدودية الأدوار التى تتولاها الحكومة ([12]) .

والمؤسسات العامة تجمع بين النظام الاشتراكي والنظام الرأسمالى من خلال التوسط بين القطاع العام والقطـــاع الخـــاص . ولقد أثبتت تجربة تنزانيــا أن القطاع الخاص فشل بمفرده وأن القطاع العام فشل بمفرده ([13]) ، ولا بد أن الحل هو تضافر الجهود بين القطاعين، وتشجيع المبادرات الفرديـــة والجماعية لممارسة بعض الأنشطة الاقتصادية والصناعية بشكل جماعي .

(2) ومن ناحية الإدارة فقــــد استفــادت المؤسسات من أدبيـــات الإدارة العامة وأدبيـــات إدارة الأعمــال من خــلال تطبيق مبـــدأ إدارة الحكومة بأسلوب إدارة الأعمــــال (Business like government) مستفيدة من خاصية التشابه بين نشاط المؤسسات العامة ونشاط القطاع الخاص . وهذا واضح من خلال الأساليب الإدارية كإدارة الجودة الشاملة التى بدأت تنتشر في أكثر المؤسسات العامة .

ط) المرونـة :

المرونة تمكن المؤسسات من الاستجابة السريعة للتغير أياً كان مصدره ، وتوجد مناخًا تنظيميًا مناسبًا للإبداع والتجديد، وتحول المنظمة من كيان يعيش تحت رحمة البيئة إلى عنصر موجه لها، ومن منظمة تستهلك وتصرف إلى منظمة تنتج وتربح، وتضع نصب أعينها خدمة عملائها، وتعي مهامها، وتركز على المخرجات والعمليات، وتعمل من أجل الوقاية قبل العلاج، وتتجنب الفردية والسلطوية، وتعمل بروح الفريق الذي تربطه روح الزمالة .

ثالثاً : الفروق بين المؤسسات العامة والشركات :

يوجد الكثير من التشابه بين المؤسسات العامة والشركات ، إلا أنه يوجد كذلك بعض الفروق بينهما؛ ونظرًا لقلة الفروق بين المؤسسات العامة والشركات فسوف نناقش أبرز هذه الفروق :

أ) عناصر الجهاز الإداري :

عناصر الجهاز الإداري في الشركة يضم : الجمعية العمومية، ومجلس الإدارة، والمدير التنفيذي للشركة، على حين عناصر الجهاز الإداري في المؤسسات العامة تضم : مجلس الإدارة، ورئيس مجلس الإدارة، والمدير العام .

ب) رأس المـــال والهدف :

رأس مال الشركة ملك للشركاء ، على حين أن رأس مال المؤسسات العامة ملك للدولة . والهدف في الشركات منفعة الملاك الذين هم المؤسسون لها، على حين أن هدف المؤسسات العامة النفع العام ، وتحقيق أهداف الدولة من تأسيسها . وتكون للمؤسسة العامة ميزانية مستقلة تراعى فيها القواعد المتبعة في إعداد الميزانية العامة للدولة، وتبدأ سنتها مع السنة المالية للدولة ([14]) .

جـ) الموظفون :

الموظفون في الشركات هم موظفو قطاع خاص ، وأحيانًا ملاك للشركة، على حين كون الموظفين في المؤسسات العامة موظفي حكومة يتمتعون بحصانة من الفصل ، وغالبيتهم يستفيدون من نظام مصلحة معاشات التقاعد .

د) تعيين أعضاء مجلس الإدارة :

تعيين مجلس الإدارة في الشركات يتم غالبًا بالانتخاب ، وتعيين مجلس الإدارة في المؤسسات العامة يتم بالتعيين، مع حرص الدولة على التقريب بين أسلوب الانتخاب وأسلوب التعيين، حيث تحرص على أن يضم إلى مجالس الإدارة في الشركات المهمة عضو من الحكومة وعضو من أصحاب الاختصاص وعضو من القطاع الخاص ، وذلك بحكم ولايتها على المال العام .

هـ) الســلطــة :

السلطة في الشركات مستمدة من الملاك ونظام الشركات، على حين أنها في المؤسسات العامة مستمدة من نظامها العام الذي تقره الدولة . وللمؤسسة العامة سلطة تحصيل الرسوم والغرامات من المواطنين إذا دعت الحاجة، مثل الرسوم التي تفرضها بعض المطارات على المسافرين لغرض ما، وبطبيعة الحال لا تملك الشركات الحق في فرض الضرائب .

رابعاً : الفروق بين المؤسسات العامة والإدارات العامة :

على الرغم من بعض التشابه بين المؤسسات العامة والإدارات والمصالح الحكومية فإنه يوجد بعض الفروق بينها، منها :

أ) التمـويـل :

المؤسسات العامة تمول من الدولة ومن مواردها، على حين أن المصالح الحكومية لا تمول إلا من الدولة .

ب) الذمة المالية :

المؤسسات العامة لها ذمة مالية ، بينما المصالح الحكومية تتمتع بذمة مالية مدمجة مع الجهة المشرفة عليها .

جـ) شـؤون العامـلين :

بعض المؤسسات العامة يخضع موظفوها للوائح خاصة، على حين أن يخضع موظفو المصالح الحكومية لأنظمة موظفي الدولة .

د) الميـزانـيات :

للمؤسسات العامة ميزانيات مستقلة، على حين أن للمصالح الحكومية ميزانيتها الملحقة بالجهة التي تشرف عليها .

هـ) اللوائح الماليــة :

بعض المؤسسات العامة تخضع للوائح مالية خاصة بها، على حين أن المصالح الحكومية يشملها مايشمل غيرها من أنظمة ولوائح للدولة ([15]) .

خامساً : الفروق بين المؤسسات العامة والمؤسسات غير الربحية :

المؤسسات غيرالربحية تشابه المؤسسات العامة في خصائص عدة، منها : خاصية قصر النفع على الجزء وليس الكل . وتختلف المؤسسات غير الربحية عن المؤسسات العامة في بعض الخصائص، منها :

1 – المؤسسات غير الربحية تقبل المجهود والنقود من الدولة ومن أفراد المجتمع ، حيث بإمكأن غير الأغنياء المشاركة بجهودهم والعمل تطوعاً، على حين أن المؤسسات العامة في الوقت الحاضر لاتقبل العمل التطوعي المجاني .

2 – المؤسسون للمؤسسات غير الربحية ليسوا هم المستفيدين منها على الأقل مباشرة .

3 – المؤسسات غير الربحية تنمي مهارة جمع التبرعات والحصول على المزيد من الإعفاءات الضريبية .

4 – المؤسسات غير الربحية لديها القدرة على تشغيل الأوقاف والانتفاع منها في تمويل نشاطاتها .

 

ثانياً : تطورالمؤسـسـات العامة:

تطورت المملكة العربية السعودية خلال مائة عام تطورًا شاملاً في كل شأن من شؤونها، والمؤسسات العامة ليست استثناء ، بل هي شاهد ومعلم بارز ومفخرة تضاف إلى سجل إنجازاتها، ولن يكرر هنا ماهو مدون ومعروف عن المؤسسات ، بل سيكتفى بمناقشة دواعي إنشاء المؤسسات ، ثم تقديم نبذة تاريخية عن نشأة المؤسسات العامة وتطورها بالمملكة . ثم استعراض لأوجه التشابه ، وأوجه الاختلاف بين المؤسسات الموجودة حالياً ، وهي كما يأتي : 

 أولاً : دواعي إنشاء المؤسسات العامة :

تطورت الدولة من الدولة الحارسة التي تنحصر مهامها في منع العدوان الخارجي، وكفالة الأمن الداخلي، وإقامة العدالة إلى دولة الرفاهية التي تشمل خدماتها معظم احتياجات المواطن ، بما فيها التعليم والعلاج والمأوى، وابتكرت الدولة من أجل خدمة المواطن وسائط عدة ، من ضمنها المؤسسات العامة التي كان من دواعي إنشائها ما يأتي:

أ) ضعف قدرات القطاع الخاص :

 لم يكن القطاع الخاص في المملكة العربية السعودية مع بداية إنشاء المؤسسات العامة يملك القدرة الاقتصادية أو الفنية أو الإدارية لممارسة نشاطات تطوير شاملة، يمكن أن تنوب أو تحل محل الدولة في مجالات التنمية أو على الأقل تخفف من مسؤولياتها في هذا المضمار؛ ولهذا أخذت الدولة على عاتقها مسؤولية بناء القطاعات الاقتصادية والاجتماعية بطريقة المؤسسات العامة مع استمرار دعمها لإمكانات القطاع الخاص في النمو من خلال مبادراته الخاصة ([16]) .

ب) ضعف أجهزة الإدارة التقليدية :

أدركت المملكة أن أجهزة الإدارة التقليدية وما يحكمها من نظم وأساليب بيروقراطية لا تملك القدرة على التكيف مع ظروف مشروعات التنمية الاقتصادية والاجتماعية ومتطلباتها، وأدركت كذلك أن تنفيذ مشروعات التنمية يتطلب قدراً كبيراً من المرونة والاستقلال لإدارتها، ومن ثم عدم الارتباط بمظاهر الروتين الحكومي والقيود المالية والإدارية، وتعقيد الإجراءات ، والبطء في اتخاذ القرارات الذى يتصف به معظم الأجهزة البيروقراطية في داخل المملكة وخارجها . 

جـ) وفرة الموارد المالية :

العلاقة التلازمية بين الموارد والخدمات خاصية معروفة في سلوك أي دولة ، فالدولة تتوسع في خدماتها ، وأجهزتها إذا توافرت لديها الموارد المالية ، وهي كذلك تقلص خدماتها إذا واجهتها ضائقة مادية . علماً أنه ينظر أحيانا للمؤسسات العامة بصفتها تنظيماً يساعد على ترشيد الإنفاق في جميع الأحوال . وفي المملكة نستطيع الجزم بأن الوفرة في الموارد المالية أسهمت في التوسع في إنشاء المؤسسات العامة ، والدولة حريصة على أن تشرك المواطن فيما أفاء الله عليها من خيرات . والمؤسسات العامة توزع الثروة بآلية مقبولة ، مثل تمويلها الإنتــاج الزراعي والصناعي والعقاري للمواطنين عن طريق منح القروض الميسرة للمواطنين . ولقد استعانت الدولة في تحقيق التزاماتهـــا بما تهيئه لها طاقة البترول من موارد مالية كبيرة ، خصوصًا في التسعينيات، وأنشئت في سبيل ذلك العديد من الوزارات والمصالح والهيئات والمؤسسات العامة، وعهد إليها بمهام عديدة متخصصة . ومارست الإشراف والرقابــــة على إدارة المشروعات، تحقيقاً للانسجام مع خطوط السياسة العامة للدولة وأهدافهـــا وسيادتها .

د) بروز فكرة العمل المؤسسي :

برزت في العالم فكرت المؤسسات العامة، وذكر في أدبياتها أنها تتفوق على البيروقراطية ، وتحقق مزايا ، منها :

1 – إيجاد فرصة العمل الجماعي ، خصوصًا أنه يرأسها فريق عمل . (مجلس الإدارة) .

2 – تحقيق المرونة في اللوائح وإجراءات العمل في ظل اتصاف البيروقراطية بالروتين .

3 – تقديم خدمات أساسية، مثل الماء والكهرباء والتعليم العالي بتكلفة أقل وجودة أعلى وبكمية أكثر .

4 – توفير فرص عمل للمواطنين لتوليها مهمة ابتعاثهم وتدريبهم وتقديمها للكثير من الحوافز المغرية .

7– التدرج في تسلم القطاع الخاص بعض الأنشطة الاقتصادية ([17]) ، حيث تعد المؤسسات مرحلة تسبق الخصخصة .

هـ) تجنـب الخسـارة :

يحقق أسلوب المؤسسات المصلحة ، ويدرأ المضرة ، خصوصًا في مجالات لا بد أن تعطى المرونة والحرية، وإلا تعرضت للخسارة . وفي ظل النظام المالى الدولي ومراقبة صندوق النقد الدولي – كما حدث لدولة أندونسيا عام 1419هـ – أصبحت الدول ملزمة باتباع الأساليب الإدارية الحديثة مثل نظام المؤسسات وغيره . والمملكة العربية السعودية ذات مبادرات ريادية وذات خبرة طويلة في أساليب الإدارة الناجحه ممثلة في سفيرها الإداري: معهد الإدارة العامة، الذي ترأس مديره العام الاتحاد الدولي لمعاهد الإدارة ومدارسها في المدة من 1986م إلى 1989م .

ثانياً : نبذة تاريخية عن نشأة المؤسسات العامة :

انتشرت المؤسسات العامة في العالم حيث بلغت المؤسسات العامة على سبيل المثال في تنزانيا عام 1990م (430) مؤسسة ([18])، وعرفت المؤسسات العامة ( الترست) في الاتحاد السوفيتي عندما قادت المركزية المطلقة إلى الجمود والبطء ، وضعف الإنتاج عام 1921م ، وعرف بنك الاستيراد والتصدير وهيئة وادي تنسي بأنهما أقدم المؤسسات العامة في الولايات المتحدة الامريكية ([19]) . وعرفت المؤسسات العامة في إنجلترا في عام 1945م عندما طورت صناعات الفحم والغاز والكهرباء إلى مؤسسات عامة بحجة كسر الاحتكار وزيادة الدخل القومي ، وإشراك الدولة في الإشراف على النشاطات الحيوية، كما عرفت في فرنسا بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية ، وتأميم صناعات الفحم والكهرباء والغاز وغيره، مثل : المؤسسة العامة لصناعة الكهرباء ، والمؤسسة العامة المركزية لصناعة الغاز، وفي مصر انتشرت المؤسسات مثل مؤسسة نصر والهيئة العامة للمصانع الحربية العامة ([20]) بعد أن اتضح للدولة أن هناك مرافق عامة لا تحتمل الأنظمة الحكومية وقيودها ، ولا بد من إدارتها بأسلوب المؤسسات . وأشار النظام المدني المصري رقم (131) لسنة 1949م للمؤسسات العامة في المادة (25) ثم صدر نظام المؤسسات العامة رقم (23) سنة 1957م .  

وفي المملكة العربية السعودية أنشئت مؤسسة النقــــد العربي السعـــودي عام 1371هـ/1951م، التي بقيت الوحيدة إلى عام 1380هـ أي بفاصل زمني يقارب عشر سنوات . وفي عام 1380هـ/1960م، خطت الدولة خطوتها الثانية فأنشأت معهد الإدارة العامة وألحقته بوزارة المالية والاقتصاد الوطني . ثم تم التدرج في إنشاء المؤسسات مسايرة لعجلة النمو، وأحدثت الإدارة العامة للمؤسسات في 29/1/1385هـ بموجب الأمر السامي رقم (2174) ، وأطلق عليها بدءًا "إدارة المؤسسات والمقاولات"، ثم عدل اسمها ليصبح" إدارة المؤسسات والمتعاقدين"، وفي 30/1/1398هـ فصلت إدارة المؤسسات عن إدارة المتعاقدين التي كانت معها، وأصبحت الإدارة العامة للمؤسسات بموجب قرار اللجنة العليا للإصلاح الإداري رقم (80) ، وربطت مباشرة بنائب رئيس الديوان العام للخدمة المدنية، وأسند لها مهمة حفظ سجلات المؤسسات ، ومراقبة ما يتعلق بموظفيها([21]) . وأصبح يتبعها : إدارة أنظمة المؤسسات، وإدارة المراجعة، وإدارة التسجيل والحفظ ([22])، ويلحظ أن هناك أجهزة تشبه المؤسسات ، لكنها لا تخضع لإشراف الإدارة العامة للمؤسسات ، ومنها : مكتبة الملك فهد، دارة الملك عبدالعزيز، صندوق الاستثمارات العامة، مستشفى الملك فيصل التخصصي، وصندوق التنمية الصناعية السعودي([23]) .

وفي المدة من 1390هـ إلى1410هـ نمت المؤسسات نموًّا كبيرًا، حيث تعد هذه المدة بحق فترة المؤسسات العامة ؛ إذ تم فيها إحداث (12) مؤسسة عامة ([24]) ، وتوالى بعد ذلك ظهور مؤسسات عامة أخرى ... ، و يوضح الجدول رقم (1) المؤسسات العامة بالمملكة مرتبة على حسب ظهورها تاريخيًّا ([25]) .

 

ثانياً : أوجه الشبه بين المؤسسات العامة :

 لقد ناقشنا سابقاً أن المؤسسات العامة تتميز عن الشركات والوزارات والمؤسسات غير الربحية، وهنا نناقش أن المؤسسات كذلك تتمايز فيما بينها نتيجة لطبيعة مرونة إدارتها ، ومقدار هامش الحرية الممنوح لها . وحتى يتعمق الفهم وتتسع المدارك في موضوع المؤسسات سوف نناقش أوجه التشابه وأوجه الاختلاف بين المؤسسات العامة مبتدئين بذكر أوجه الشبه كما يأتي :

أ) رئيـس مجلــس :

إن أنظمة المؤسسات العامة تشترك جميعها في تحديدها لرئيس مجلس الإدارة في كل منها وفي كونها مرجعاً للمدير أو لرئيس المؤسسة . ويلحظ أن هناك قدرًا كبيرًا من التجانس بين المؤسسات العامة في المملكة فيما يتعلق برؤساء مجالس إدارتها، حيث نجد أن معظم هؤلاء الرؤساء من الوزراء الذين تمارس وزاراتهم نشاطاً ذا علاقة بنشاط المؤسسة المعنية، وهم يمثلون حلقة الوصل بين تلك المؤسسات ومجلس الوزراء، ما عدا بعض المؤسسات التي ترتبط بمجلس الوزراء أو رئيس مجلس الوزراء مباشرة، أو من يكون رئيس مجلس إدارتها ليس عضواً في مجلس الوزراء .

ب) مجالـس الإدارة :

 باستعراض الاختصاصات والصلاحيات الخاصة بمجالس إدارة المؤسسات العامة في المملكة العربية السعودية، يتضح أن هناك تشابهًا في الصلاحيات الآتية :

– رسم الرؤية التي تسير عليها المؤسسة ومراقبة تنفيذها .

– إقرار الخطط الخمسية والسنوية للمؤسسة ومتابعة تنفيذها .

– الموافقة على القرارات الإستراتيجية للمؤسسة .

– اقتراح اللوائح والسياسات المتعلقة بموظفي المؤسسة، علماً بأن هذه اللوائح لا تعد نافذة إلا بعد المصادقة عليها من مجلس الوزراء .

– تحديد صلاحيات مدير عام المؤسسة أو من يماثله ومسؤولياته في المكان الوظيفي، وتعيين كبار موظفيها .

– مناقشة مشروع الميزانية العامة للمؤسسة ، واستصدار مرسوم خاص به .

– إبرام الاتفاقيات والعقود مع المؤسسات الأخرى أو الشركات .

– قبول الإعانات والهبات والوصايا للمؤسسة .

ج) مدير عام المؤسسة العامة :

 يتم في الغالب تعيين جميع مديري المؤسسات العامة بموجب مرسوم ملكي ، بناء على توصية الوزير الذي ترتبط به المؤسسة، حيث يحدد قرار التعيين مرتبة المدير العام الذي هو في الغالب بالمرتبة الممتازة المعادلة لمرتبة نائب وزير . وتكاد تكون الاختصاصات والصلاحيات التي يمارسها مدير عام المؤسسة أو رئيسها متماثلة في كل المؤسسات وأبرزها، ما يأتي :

– إعداد الخطط السنوية، والخمسية للمؤسسة، والإشراف على تنفيذها بعد اعتمادها من المجلس .

– مباشرة الصلاحيات المخولة له من قبل مجلس الإدارة .

– الإشراف العام على أداء المؤسسة وعلى العاملين بها وفقاً للأنظمة واللوائح المقررة .

– الإشراف على إعداد ميزانية المؤسسة والإشراف على تنفيذها بعد اعتمادها .

– تمثيل المؤسسة أمام جميع الجهات .

د) ترشــيد الإنـفـاق :

ألزمت جميع المؤسسات العامة بترشيد الإنفاق ، وذلك بموجب قراري مجلس الوزراء : قرار رقم (101) وتاريخ 24/6/1405هـ المنظم للبدلات والمزايا الوظيفية، وقرار مجلس الوزراء رقم (86) وتاريخ 10/5/1408هـ المتعلق بالمصاريف السفرية .

هـ) احتسـاب الخدمـة :

 خدمات الموظفين في المؤسسات العامة تعد خدمة حكومية لأغراض الترقية والعلاوة ودخول المسابقات ، وذلك بموجب قرار مجلس الوزراء رقم (582) وتاريخ 20/6/1389هـ الذي يَسَّرَ عملية انتقال الموظفين من المؤسسات العامة وإليها .

و) زيــادة الرواتــب :

شملت موظفي المؤسسات العامة الزيادات التي حصل عليها موظفو الدولة ومستخدموها ابتداءً من 1/7/1397هـ بموجب قرار مجلس الوزراء رقم (1192) وتاريخ 2/9/1397هـ وما تلاها من زيادات .

ز) الحصـانـات :

تتمتع جميع المؤسسات العامة بجميع المزايا والحصانات التي تتمتع بها الدوائر الحكومية الأخرى، مثل الإعفاءات الجمركية، ويعد الأشخاص العاملون في المؤسسات العامة موظفين عموميين .

ح) الرقـابــة :

يخضع العاملون في المؤسسات العامة لرقابة الديوان العام للخدمة المدنية فيما يخص الموظفين بها، بموجب المواد (1، 4، 7) من نظام ديوان الموظفين العام الصادر بالمرسوم الملكي رقم (م/8) وتاريخ 1/2/1392هـ، كما يخضع العاملون في المؤسسات العامة لرقابة جهة الوصاية، وديوان المراقبة العامة ووزارة المالية والاقتصاد الوطني . ويوجد في جميع المؤسسات رقابة داخلية ، يقوم بها الممثل المالي، ورقابة خارجية يقوم بها المراجع الخارجي أو ديوان المراقبة أو كلاهما .

 ط) التـأديـب :

يخضع العاملون في المؤسسات العامة لنظام تأديب الموظفين بموجب المادة (48) من نــظام تأديــب الموظفــين الصــادر بالمرسوم الملكي رقــم (م/7) وتاريخ 1/2/1392هـ، ويطبق على العمال بالمـؤسسات نظام العمل والعمال .

 ي) التـقاعــد :