الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيد المرسلين وخاتم النبيين ، نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين ، ومن اهتدى بهداهم واتبع سنتهم وسلك سبيلهم إلى يوم الدين . .. أما بعــد :

فهذا بحث مقدم إلى ( مؤتمر المملكة العربية السعودية في مائة عام )، للمشاركة في المؤتمر بناء على الدعـوة الكريمـة من صـاحب السمو الملكي الأمير سلمـان بن عبــدالعزيز آل سعود، أمير منطقة الرياض، ورئيس اللجنة العليا، واللجنة التحضيرية للاحتفال بمرور مائــــة عام على تأسيس المملكـــة العربية السعودية. بخطابــــه رقم 41/5 وتاريخ 15/3/1418هـ .

وقد اخترت أن يكون عنوانه (الفصل في المظالم في المملكة العربية ا لسعودية) ، لأهمية هذا الموضوع وعناية المملكة به ، ورعايتها له ، فالمملكة العربية السعودية منذ تأسيسها في عهد الملك عبدالعزيز – رحمه الله رحمة واسعة – قد اهتمت بهذا الأمر ، وحرصت كل الحرص على رفع الظلم عن الناس، وبسط العدالة فيما بينهم ، اتباعا لنهج نبينا محمد e ، والخلفاء الراشدين من بعده .

لقد كان الملك عبدالعزيز – رحمه الله – يجلس للمظالم كل يوم فيسمع من الناس، ويطلع على الشكاوى المقدمة منهم فينصف المظلوم ويحاسب الظالم ، وهكذا سار أبناؤه من بعده على هذا المنهج القويم ، وأعطوا ما يتعلق بالمظالم الكثير من وقتهم واهتمامهم ، وعملوا على تطوير النظر في المظالم وتنظيمها وفقا لما تقتضيه الحاجة ، وقد حظي النظر في المظالم في عهد خادم الحرمين الشريفين الملك فهد بن عبدالعزيز

آل سعود باهتمام بالغ وعناية مستمرة ، فنسأل الله لولاة الأمر المزيد من الخير والتوفيق، وأن يكون في عونهم ، وأن يسدد على طريق الخير خطاهم ، هذا بالإضافة إلى أن الفصل في المظالم هو ميدان العمل بديوان المظالم .

 

 

 

ونظرا إلى تحديد حجم البحث بما لا يتفق مع طول الموضوع وتفصيلاته فقد حصرت البحث بما يأتي :

1 – موقف الشريعة من الظلم .

2 – الفصل في المظالم في صدر الإسلام ويشتمل على ما يأتي :

أ – أمثلة الفصل في المظالم في عهد الرسول e .

ب – أمثلة الفصل في المظالم في عهد أبي بكر t .

ج – أمثلة الفصل في المظالم في عهد عمر t .

د – أمثلة الفصل في المظالم في عهد عثمان t .

هـ – أمثلة الفصل في المظالم في عهد علي t .

و – أمثلة الفصل في المظالم في عهد الدولة الأموية .

ز – أمثلة الفصل في المظالم في عهد الدولة العباسية.

ثانيا : مجالات الفصل في المظالم ، وهي:

أ – ما لا يحتاج الفصل فيه إلى متظلم .

ب – ما يحتاج الفصل فيه إلى متظلم .

ثالثا : الفرق بين الفصل في المظالم والولايات المشابهة له ، وهي :

أ – ولاية القضاء العام .

ب – ولاية الحسبة.

رابعا : قاضي المظالم ، وفيه :

أ –   شروط توليته .

ب – مسؤولية توليته .

ج – انتهاء ولايته .

خامسا : الفصل في المظالم في المملكة العربية السعودية ، ويتضمن ما يأتي :

أ – اهتمام الملك عبدالعزيز – رحمه الله – بالفصل في المظالم .

ب– أثر اهتمام الملك عبدالعزيز – رحمه الله – بالفصل في المظالم.

ج – التطور الذي مر به الفصل في المظالم في المملكة إلى أن صار هيئة قضائية مستقلة .

وقد اشتمل على ما يأتي :

1 – الفصل في المظالم حين كان شعبة في مجلس الوزراء.

2 – الفصل في المظالم بعدما أنشىء له ديوان مستقل.

3 – الفصل في المظالم لكونه هيئة قضائية مستقلة .

4 – قواعد المرافعات والإجراءات أمام ديوان المظالم .

سادسا : الخاتمة ، وتتضمن أهم نتائج البحث .

موقف الشريعة من الظلم :

لأن الظلم من أعظم الذنوب وأخطرها على الإنسان وأشدها فتكا بالمجتمعات وتدميرا للبلاد ، سواء كان ظلماً من الإنسان لنفسه أو ظلماً منه لما يعايشه في هذا الوجود من بني جنسه ، أو من غيرهم من سائر الكائنات ، لهذا فقد عظم الله أمره ، ونهى عنه ، وحذر منه، وقد تنوعت أساليب القرآن في التحذير منه .

1 – فتارة بالإخبار عن إنزال العذاب بالظالمين في الدنيا ، كقوله تعالى :{ فَأَنزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزاً مِنْ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ }([1]) .

2 – وتارة بالوعيد للظالمين بالعذاب في الآخرة كقوله تعالى : { ثُمَّ قِيلَ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذُوقُوا عَذَابَ الْخُلْدِ هَلْ تُجْزَوْنَ إِلاَّ بِمَا كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ }([2]).

3 – وتارة بنفي المغفرة من الله لهم كقوله تعالى : { إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا لَمْ يَكُنْ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ }([3]).

4 – وتارة بنفي الهداية عنهم كقوله تعالى: { إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ}([4]).

5 – وتارة بنفي المحبة لهم كقوله تعالى : { وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ }([5]).

6 – وتارة بنفي الفلاح عنهم كقوله تعالى : { إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ }([6]).

 

7 – وتارة بالنهي عن الشفاعة لهم كقوله تعالى : { وَلا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا}([7]).

8 – وتارة بالنهي عن الركون إليهم كقوله تعالى : { وَلا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمْ النَّارُ }([8]) .

9 – وتارة بإنذارهم كقوله تعالى: { وَهَذَا كِتَابٌ مُصَدِّقٌ لِسَاناً عَرَبِيّاً لِيُنْذِرَ الَّذِينَ ظَلَمُوا}([9]). 

.10 – وتارة بنفي النصير عنهم كقوله تعالى : {وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ}([10]).

 وكما حذر القرآن من الظلم ونهى عنه ،حذرت منه السنة ونهت عنه ، وكما تنوعت أساليب القرآن في ذلك ، تنوعت أساليب السنة كذلك.

1 – فأحيانا يكون بالنهي عن الظلم ، كما في الحديث القدسي :( يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرّما فلا تظالموا ) ([11]) .

2 – وأحيانا يكون بالتحذير من الظلم كقوله e :( اتقوا الظلم فإن الظلم ظلمات يوم القيامة ) ([12]).

3 – وأحيانا ببيان عاقبة الظلم كقوله e :(لا تظلموا فتدعوا فلا يستجاب لكم)([13]).

4 – وأحيانا بالأمر بالتخلص من الظلم في الدنيا ، والتحلل من أصحابه قبل أن يوافوا به في الآخرة ، حين لا يكون مال يقضى منه ، كقوله e :(من كانت عنده مظلمة لأخيه من عرض أو من شيء فليتحلله منه اليوم من قبل ألا يكون دينار ولا درهم ، إن كان له عمل صالح أخذ منه بقدر مظلمته ، وإن لم يكن له حسنات أخذ من سيئات صاحبه فحمل عليه ) ([14]).

الفصل في المظالم في صدر الإسلام :

لم يكن الفصل في المظالم غريباً على الإسلام ولا دخيلاً عليه ، بل هو مولود معه، ومربى في أحضانه . وأول من فصل في المظالم في الإسلام رسول الله e ، ومن ذلك :

1 – ما روى عبدالرزاق([15]) أن النبي – e – بعث أبا جهم على غنائم حنين فبلغ أبا جهم أن مالك بن البرصاء غل من الغنائم فضربه أبو جهم فشجه ، فأتى رسول الله– e – يطلب القصاص فقال e :(ضربك على ذنب أذنبته ، لا قود لك ، لك مائة شاة) . فلم يرض ، فقال e :(لك مائتا شاة ). فلم يرض ، فقال e :(لك ثلاثمائة شاة ، لا أزيدك). فرضي الرجل .

2 – ما روى ابن سعد([16]) أن رسول الله – e – كتب إلى عامله على البحرين العلاء بن الحضرمي أن يقدم عليه بعشرين رجلا من عبدالقيس ، فقدم عليه بعشرين رجلا على رأسهم عبدالله بن عوف الأشج ، فاشتكى الوفد من العلاء ، فعزله رسول الله e ، وولى مكانه أبـــان بن سعيد بن العـــاص ، وقــال له :( استـــوص بعبد القيس خيراً ، وأكرم سراتهم ).

وقد أخذ الخلفاء الراشدون رضي الله عنهم   بهذه السنة ومن ذلك :

1 – ما ورد عن أبي بكر – t – أنه عنف خالد بن الوليد على ما فعله هو وأصحابه بمالك بن نويرة وقومه ، وأمره بطلاق امرأة مالك ، وودى مالكًا من بيت المـــال ، ورد سبي قومـه جــــاء في الإصابة([17]) أن أبا بـــكر– t – أرسل خالد بن الوليد – t – فيمن أرسل لقتال المرتدين ،وأوصاهم أن يؤذنوا إذا نزلوا منزلا ، فإن أذن القوم كفوا عنهم ، وإن لم يؤذنوا قاتلوهم، فإن أجابوا داعية الإسلام سألوهم الزكاة، فـإن أقروا بها قبلوا منهم ، وإن أبوا قاتلوهم ، فبث خالد سراياه ، وأمرهم بداعية الإسلام ، وأن يأتــوه بكل من لم يجب ، فجاءوه بمالك بن نويرة في نفر من بني ثعلبة ابن يربوع فأمرهم خالد فحبسوا ، وكان في ليلة باردة ، فنادى مناديه : أدفئوا أسراكم – وهي في لغة كنانة القتل – فظن القوم أنه أراد القتل فقتلوهم ، فلما سمع خالد الصراخ على الموتى خرج وقد فرغوا منهم ، فقال : إذا أراد الله أمرًا أصابه ، ثم تزوج أم تميم امرأة مالك بن نويرة .

وعندما بلغت أبا بكر الواقعة استقدم خالدًا فاستجوبه وعنفه ، وأمره بطلاق امرأة مالك بن نويرة ، وودى مالكًا من بيت المال ، ورد سبي قومه .

إلا أنه عدّ خالدًا متأولاً أخطأ الصواب ، بدليل قوله لعمر حين قال له : إن سيف خالد فيه رهق ، وأكثر عليه في ذلك : هيه يا ابن الخطاب تأول فأخطأ .

2 – ما ورد عن أنس بن مالك t قال : كنا جلوسًا عند عمر بن الخطاب t ، إذ جــاءه رجل من أهل مصر، فقال : يا أمير المؤمنين هذا مقام العائذ بك . قال عمرو: مالك ؟ قال المصري : أجرى عمرو بن العاص الخيل بمصر ، فأقبلت فرسي ، فلما رآها الناس ، قام محمد بن عمرو ، فقال : فرسي ورب الكعبة ، فلما دنا مني عرفته ، فقلت فرسي : ورب الكعبة.  فقام إلي يضربني بالسوط ، ويقول : خذها وأنا ابن الأكرمين . قال أنس : فوالله مازاده عمر على أن قال له : اجلس ، ثم كتب إلى عمرو بن العاص : إذا جاءك كتابي هــــذا فأقبل ، وأقبل معك بابنك محمد ، قال فدعا عمرو ابنه محمدًا فقــال : أأحدثت جرمًا ؟ أجنيت جناية ؟ قال : لا. قال : فما بال عمر يكتب فيك ؟

 قال : فقدم عمرو على عمر ، قال أنس : فوالله إذا نحن عند عمر حتى لحق بعمرو وقد أقبل في إزار ورداء ، فجعل عمر يلتفت هل يرى ابنه ،فإذا هو خلف أبيه ، فقال : أين المصري ؟ فقال : ها أناذا . قال : دونك الدرة فاضرب ابن الأكرمين ، اضرب ابن الأكرمين . فضربه حتى أثخنه ، ثم قال عمر : اجعلها على صلعة عمرو ، فوالله ماضربك إلا بفضل سلطانه. فقال المصري : يا أمير المؤمنين قد ضربت من ضربني.  قال عمر : أما والله لوضربته ما حلنا بينك وبينه حتى تكون أنت الذي تدعه .

ثم التفت عمر إلى عمرو وقال : أيا عمرو متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا ؟ والتفت إلى المصري وقال : انصرف راشدا فإن رابك ريب فاكتب إلي([18]) .

3 – ما ورد عن عثمان أنه كتب إلى عمال الخراج : أما بعد فإن الله خلق الخلق بالحق فلا يقبل إلا الحق ،خذوا الحق ، وأعطوا الحق ، والأمانة الأمانة قوموا عليها ، ولا تكونوا أول من يسلبها فتكونوا شركاء من بعدكم إلى ما كسبتم ، والوفاء الوفاء لا تظلموا اليتيم ، ولا المعاهد ، فإن الله خصم من ظلمهم([19]).

 

4 – ما روى رافع بن أبي رافع أنه كان خازنًا لعلي t على بيت المال ، وأن عليًّا دخل ذات يوم وقد زينت ابنته فرأى عليها لؤلؤة من بيت المال كان قد عرفها ، فقال : من أين لها هذه ؟ لله عليَّ أن أقطع يدها . قال رافع : فلما رأيت جده في ذلك قلت : أنا والله يا أمير المؤمنين زينت ابنة أخي ، ومن أين كانت تقدر عليها لولم أعطها ؟ فسكت([20]).

وقد استمر الفصل في المظالم في الدولة الأموية ، ثم الدولة العباسية ، فمن الفصل في المظالم في الدولة الأموية :

ما ورد أن عمر بن عبدالعزيز كتب إلى أمير العراق : أما بعد :

فإن أهل الكوفة قد أصابهم بلاء وشدة وجور في أحكام الله وسنة رسوله e سنها عمال السوء عليهم ، وإن قوام الدين العدل والإحسان فلا يكون شيء أهم عليك من نفسك فإنه لا قليل من الإثم ، ولا تحمل خرابًا على عامر ،وخذ منه ما أطاق ، وأصلحه حتى يعمر ، ولا يؤخذن من العامر إلا وظيفة الخراج ، في رفق ، وتسكين لأهل الأرض([21]).

ومن الفصل في المظالم في عهد الدولة العباسية :

ما ورد أن امرأة عرضت للمأمون بثياب رثة ، بعدما قام من مجلسه الذي ينظر فيه المظالم ، فقالت :

يا خيــر منتصف يهـــدى لـه الرشـد ويا إمامًا به قد أشــــــرق البلد

تشكو إليك عميـــد الملك أرملــــــة عدا عليهـا ما تقــــوى بـه أسد

فابتز منها ضياعـــــــا بعـد منعتهـــــا لما تفرق عنهـا الأهــــل والولد

فتألم المأمون من ظلامتها ، وأطرق قليلا ، ثم قال :

من دون مـا قلت عيل الصبر والجلــد  وأقرح القلب هذا الحزن والكمــــــــــد

هـــذا أوان صلاة الظهــر فانصرفــــي  وأحضري الخصم في اليوم الذي أعـد

والمجلس السبت إن يقض الجلوس لنا  أنصفك منه وإلا المجلس الأحـــــــــــد

فلما كان يوم الأحد حضرت أول الناس ، فقال لها المأمون : من خصمــك ؟

قالت : هذا القائم على رأسك ، العباس ابن أمير المؤمنين .

فأمر المأمون قاضيه يحيى بن أكثم أن يجلس ابنه معها ، وينظر في ظلامتها ، فأجلسه معها ، ونظر في ظلامتها بحضرة المأمون فعلا صوتها ، فزجرها بعض الحجاب فنهره المأمون قائلا : دعها فإن الحق أنطقها ، والباطل أخرسه ، وأمر برد ضياعها عليها([22]).

ولم يزل الفصل في المظالم في الدولة الإسلامية يقوى بقوتها ويضعف بضعفها إلى عصرنا هذا .

مجالات الفصل في المظالم :

مجالات الفصل في المظالم منها ما لا يحتاج الفصل فيه إلى متظلم ، ومنها ما يتوقف الفصل فيه على متظلم .

فمن المجالات الأولى ما يأتي :

1 – النظر في سير الولاة والموظفين في المواطنين وتعدياتهم عليهم .

2 – النظر في جور العمال فيما يجبونه من الأموال ، فيرجع فيه إلى المعايير العادلة في الدواوين ، ويحمل الناس عليها ، ويؤخذ العمال بها ، ويرد ما استزادوه إلى أصحابه .

3 – تصفح أحوال كتاب الدواوين ، وإعادتهم إلى الحق ، ومحاسبتهم على التجاوز .

4 – تصفح الأوقاف لإجراء ريعها على سبيله ، وإمضائها على شروط واقفيها .

5 – رد الغصوب إلى أربابها .

6 – النظر فيما يخل بأمن البلاد واستقرارها ، من التعديات ، والغش ، والتزوير ، والرشوة ، وترويج العملات ، والمخدرات ، والمسكرات ، وغير ذلك من الجرائم ، وتطبيق العقوبات الرادعة على من تثبت إدانته بشيء منها.

ومن المجالات الثانية ما يأتي :

1 – تظلمات الموظفين ، وأصحاب المخصصات من تأخر مخصصاتهم ، أو نقصها، أو منعها ، فتعاد إليهم ويحاسب المتسبب في ذلك ، ويعامل بما يتناسب مع مخالفته وتعديه .

2 – المنازعات في الحقوق التي يستولي عليها ذوو القوة والمنعة والنفوذ ممن لا يقدر على منعها ، أو استرجاعها منهم ، ويدخل في ذلك الأوقاف الخاصة إذا تغلب عليها ناظروها لضعف المستحقين لها. والمنازعات الخاصة إذا كانت بين قوي صاحب نفوذ ضعيف لا يقدر على منع حقه ، أو استرجاعه ممن اعتدى عليه .

3 – تنفيذ الأحكام القضائية على الممتنعين عن تنفيذها ، لقوتهم ، ومنعتهم ، بجانب ضعف مصدر الحكم والمحكوم له ، فيتولى والي المظالم تنفيذها على المحكوم عليه، ويلزمه بالقوة بتسليم الحق لمستحقه ، والخروج عما تحت يده لمن هو له .

الفرق بين الفصل في المظالم والولايات المشابهة له يتشابه مع الفصل في مظالم القضاء العام ، وولاية الحسبة.

فالقضاء العام يتفق مع الفصل في المظالم فيما يأتي:

1 – الهدف : فكل من الفصل في المظالم والقضاء العام يهدف إلى إنصاف المظلوم وإحقاق الحق ، ودحض الباطل ، وبسط العدل ، والمساواة بين الناس ، وتحكيم شرع الله فيهم.

2 – طريق الحكم : يجوز عند بعض الفقهاء كأبي حنيفة([23]) والشافعي في أحد القولين([24])وأحمد في إحدى الروايتين([25])– لكل من قاضي المظالم والقاضي العام القضاء بعلمه ، وأن يبني حكمه على القرائن ؛ لما ورد أن رسول الله e حكم لهند على أبي سفيان دون أن يسمع منه ،([26]) لعلمه بصدقها ، ولما ورد أن عمر t حكم على أبي سفيان من غير إقرار ولا بينة ،([27]) لعلمه بصدق خصمه .

3 – توجيه الخصوم إلى الصلح ، فإن لكل من قاضي المظالم والقاضي العام أن يوجه الخصوم إلى الصلح ويأمر به ، إذا أشكل عليه وجه الحق ، أو خشي تفاقم النزاع بين الخصوم بإنفاذ الحكم ، أو كانوا من أهل الفضل ، أو بينهم رحم لقول عمر: ردوا القضاء بين ذوي الأرحام حتى يصطلحوا ، فإن فصل القضاء يورث الضغائن([28]).

4 – استعمال الشدة مع الخصوم ، فإن لكل من قاضي المظالم ، والقاضي العام استعمال الشدة مع المتهم ، أو المدعى عليه ، بحسب القرائن والأحوال([29]).