الحمد لله رب العالمين ، والصلاة
والسلام على رسول الله المبعوث رحمة للعالمين، ورضي الله عن الصحابة والتابعين ،
ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين ، وبعد :
فقد أكرمنا الله – تعالى – بالإسلام
، ليخرج الناس من الشرك إلى الإيمان ، ومن الظلام إلى النور، ومن الظلم إلى العدل
، ومن الضلال إلى الهدى ، ومن الضياع إلى الجادة القويمة ، فأرسل رسوله بالهدى
ودين الحق ، فبلغ الأمانة ، وأدى الـرسالة ، ونصح الأمة، وجاهد في الله حق جهاده،
وأقام دولة الحق والعدل في الأرض ، وتابع الخلفاء والصحابة منهجه السديد إلى أن
أضاءت المعمورة، وساد الخير ، وتحققت مصالح الناس في الدنيا والآخرة ، وانتشر
الخير في أنحاء العالم .
وتتولى الدولة عامة أعمالاً جساماً
كثيرة ، وترعى الدولة الإسلامية خاصة إقامة الدين وسياسة الدنيا ، ويعد القضاء أهم
المعالم البارزة للدولة ، ويعدّ أحد السلطات الثلاث في الأنظمة المعاصرة ، ويقع
على عاتقه مهمات خطيرة في حفظ الأمن ، وحماية الأنفس والأموال والأعراض ، ويناط به
تطبيق الأنظمة والأحكام التي تقوم عليها الدولة، ويتولى حفظ الحقوق ، ومنع
الاعتداء ، ويحرص على إلزام الناس بالقيام بواجباتهم التي تنص عليها الشرائع
والأنظمة ، وذلك ضمن نظام محدد ، وضوابط مقررة، وقواعد خاصة يبينها نظام القضاء
الذي يُعرف بأنه مجموعة القواعد المبينة لأنواع المحاكم ، وترتيبها ، وتشكيلها ،
وسلطاتها ، وطريقة تعيين أعضائها ، وترقيتهم ، ونقلهم وعزلهم ، وحقوقهم وواجباتهم
، وتنظيم سائر الأعمال القضائية، ومنهج العمل ، وتبين أعوان القضاة والعاملين في
السلطة القضائية .
وقد تبوأ القضاء الإسلامي مكاناً
عالياً في تاريخ الإسلام والمسلمين ، وكان القضاة مَضْرب المثل في النزاهة والتجرد
، وإقامة العدل ، وتنفيذ الحدود ، ومنع الظلامات ، لا يخشون في الله لومة لائم ،
لذلك تحرص البلاد الإسلامية اليوم على السير على خطا القضاء الإسلامي في تنظيمه،
وإجراءاته، وأحكامه، لتحقيق الأهداف التي أنيطت به.
ولمـا قامـت المملكة
العربية السعودية في هـذا العصر التزمت الإسلام ديناً ، والقرآن دستوراً ،
والشريعة الإسلامية تنظيماً وتشريعاً ؛ لأن الإسلام دين الله الخالد ، ويصلح لكل
زمان ومكان ، ويحقق الفوز والعزة والنصر لمن يقصده ، واتجهت المملكة إلى تنظيم
القضاء ليكون تطبيقاً عملياً لنظام القضاء الإسلامي ، مع التطور والتوسع فيه بما
يتفق مع حاجات العصر ، وتوسع أعمال الدولة ، وكثرة المنازعات والدعاوي ، واعتمـدت المملكة في ذلك مـنهج
التدرج والتطوير، وأصدرت أنظمة عدة ترسم للقضاة منهجهم ، على ضوء الشريعة الغراء ،
وهذا ما أردنا دراسته وعرضه في هذا البحث ، وذلك ضمن الخطة التالية :
تمهيد : تعريف القضاء ، وأهميته ،
وتنظيمه .
الفصل الأول : تطور التنظيم القضائي في
المملكة العربية السعودية .
الفصل الثاني : السلطة القضائية في
المملكة العربية السعودية .
الفصل الثالث : المؤسسات القضائية
المستقلة في المملكة .
الفصل الرابع : نظام تركيز مسؤوليات
القضاء الشرعي .
الفصل الخامس : نظام القضاء الجديد في
المملكة .
الخاتمة : أهم النتائج والملحوظات
والتوصيات .
ونسأل الله – تعالى – التوفيق
والسداد ، وعليه الاعتماد والتكلان ، والحمد لله رب العالمين .
تمهيــد
تعريف القضاء وأهميته وتنظيمه
أولاً : تعريف القضاء :
القضاء مصدر، ويسمى به الحكم الصادر من القاضي، ويجمع
حينئذ على أقضية، وفعله قضى يقضي قضاء أي حكم ، وفي القاموس : القضاء ممدود ومقصور
، وقضى عليه قضاء وقضياً ، ورجل قضيّ : سريع القضاء ، واستقضى: صار قاضيا([1]).
والقضاء لفظ مشترك بين معان عدة ، وله
استعمالات مختلفة ، منها : القضاء بمعنى إحكام الشيء وإمضائه ، وبمعنى الفراغ من
الشيء ، وبمعنى الحتم والإلزام والأمر ، وبمعنى الأداء والإنهاء ، وبمعنى الحكم أي
المنع ، وهذا هو المراد هنا ، ومنه قضيت على السفيه : أي حكمت عليه ، وأخذت على
يديه ، ومنعته من التصرف ، وسمي القاضي حاكماً لمنعه الظالم عن ظلمه ، ومنه قولهم
: قضى الحاكم ، أي وضع الحق في أهله ، ومـنع مـن ليس أهلاً ، كما سمي القضاء حكماً ، لما فيه من الحكمة التي توجب وضع الشيء
في محله .
ويأتي القضاء بمعان أخرى ، مثل : قضى
الشيء : قدره وصنعه ، وقضى أجله ، أي :بلغهُ، وقضى نَحـْبه ،أي: مات ، وقضى بمعنى
أوجب ، قال أبو البقاء : « قد أكثر أئمة اللغة في معناه ، وآلت أقولهم إلى أنه
إتمام الشيء قولاً وفعلاً »([2]) .
والمراد هنا أن القضاء هو الحكم لغة.
وعرف الفقهاء القضاء تعريفات كثيرة ،
ولكنها متشابه ، وكلها ترجع إلى معنى واحد، فعرفه الحنفية بأنه « فصل الخصومات ،
وقطع المنازعات على وجه مخصوص»([3])،
وعرفه ابن عرفة فقال : هو « صفة حكمية توجب لموصوفها نفوذ حكمه الشرعي ، ولو
بتعديل أو تجريح ، لا في عموم مصالح المسلمين »([4])، فيخرج
التحكيم وولاية الحسبة والشرطة ، والإمامة ، واختار ابن فرحون تعريفه بأنه «
الإخبار عن حكم شرعي على سبيل الإلزام »([5])، وعرفه فقهاء
الشافعية بقـولهم : « الـقضاء هـو فـصل الـخصومة بين خصمين فأكثر بحكم الله تعالى»([6])،
وقالوا أيضاً : « هو إمضاء الشيء وإحكامه »([7])، وعـرفه
الـبهوتي الـحنبلي بأنه « الإلزام بالحكم الشرعي ، وفصل الخصومات »([8])،
وعرفه الصنعاني بأنه « إلزام ذي الولاية بعد الترافع »([9])، وأحسن تعريف
ما اختاره ابن خلدون القاضي من تعريف الحنفية ، وشرحه فقال : « هو الفصل بين الناس
في الخصومات ، حسماً للتداعي ، وقطعاً للنزاع ، بالأحكام الشرعية المتلقاة من
الكتاب والسنة»([10]).
وتشترك
هذه التعريفات ببيان الأمور الآتية :
1-أن
القضاء هو الإخبار عن حكم الله –تعالى– في القضية والدعوى ، وهو إظهار المدعى به
بين الخصمين، فالقاضي مخبر عن الحكم الشرعي ، ومظهر له ، وليس منشئاً لحكم من عنده
، ومثله في ذلك المفتي .
2-أن
حكم القاضي ملزم للطرفين ، وإخباره بالحكم يكون على سبيل الإلزام بالتنفيذ، وهذا
ما يميز القاضي عن المفتي ، والمحكّم ، وهذا الإلزام مستمد من السلطة القضائية
التي تعد جزءاً من سلطة الدولة .
3-أن
الغاية والهدف من وجود القضاء هو الفصل بين الخصومات ، وقطع المنازعات ، وهذا لا
يتم – ضمناً – إلا بالسلطة الملزمة ، وقوة القضاء المستمدة من الدولة .
4-أكـدت
جميع التعريفات أن حكم القاضي حكم شرعي، مستمد من الكتاب والسنة، بالنص أو
بالاجتهاد، وبقية المصادر الشرعية التي تسعى لإقامة شرع الله ودينه لإصلاح الفرد
والمجتمع، تنفيذاً لقول الله تعالى: {
وَأَنْ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ} المائدة/44 ، وقوله تعالى: { وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ
اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الظَّالِمُونَ}
المائدة/45، { فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْفَاسِقُونَ} المائدة/47 .
ولكن المتأمل في التعريفات السابقة
يجدها قاصرة على القضاء العادي الذي يفصل النزاع والخصومات بين الطرفين ، بعد رفع
الدعوى ، والمطالبة بالحق ، ولا تشتمل هذه التعريفات قضاء المظالم ، وقضاء الحسبة
، اللذين يهدفان إلى حفظ الحقوق العامة ، والإلزام بالأحكام الشرعية الشاملة ، وإن
لـم توجد خصومة ، أو اختـلاف ، أو دعـوى ، وكان الاعتداء على حقوق الله تعالى ،
والآداب الشرعية([11])،
لـذلك نقدم تعريفاً شاملاً ومختصراً للقضاء عامـة
بأنه : « سلطة الفصل بين االمتخاصمين ، وحماية الحقوق عامة ، بالأحكام
الشرعية ».
فالقضاء سلطة ملزمة للفصل بين الخصوم ، وهي إحدى سلطات الدولة ،
لحماية الحقوق ، ولتطبيق جميع أحكام الشريعة بالتزام الأحكام الشرعية ، وإلزام
الناس بها ، ومنع ما يضر الفرد والجماعة ، حكاماً ومحكومين ، موظفين أم مواطنين عاديين
، كباراً أم صغاراً .
ثانياً : أهمية القضاء :
إن أحكام القضاء جزءٌ من أجزاء الشريعة
الإسلامية ، وينطبق عليه ما ينطبق على الشريعة عامة من الصفات والخصائص والميزات ،
والقضاء باب من أبواب الفقه الإسلامي الذي يعرضه الفقهاء فـي كتب الفقه المختلفة
في جميع المذاهب .
ويهدف القضاء إلى إقامة العدل ، وتحقيق
القسط ، وحفظ الحقوق والأموال والأنفس والأعراض ، وحفظ الآداب العامة ، وتطبيق
أحكام الشرع ، ويقيم حدود الله تعالى ، ويصون القيم والأخلاق ، ويمنع العدوان
والظلم والبغي بمختلف أشكاله وأنواعه، ليعيش الناس في الدنيا بأمان وسعادة .
قال ابن القيم : « إن الله أرسل رسله ،
وأنزل كتبه ، ليقوم الناس بالقسط ، وهو العدل الذي قامت به السموات والأرض ، فإذا
ظهرت أمارات العدل ، وأسفر وجهه بأي طريق كان ، فثم شرع الله ودينه »([12]) .
وإذا رجعنا إلى تاريخ الشرائع والأديان
نوقن بأن الله– تعالى –بعث الأنبياء والرسل بالشرائع والأحكام ، ليستنير الناس بها
في حياتهم ، ويعرف كل منهم حقه فيقف عنده ، ويدرك واجبه فيلتزم به .
وغاية الشريعة أن يمارس كل إنسان حقه ،
ويحافظ على حقوق الآخرين ، فأقامت الحدود بينهم ، وتكفلت في وضع الضوابط لاكتسابها
واستعمالها والتصرف فيها ، بحيث لا يطغى فرد على آخر ، ولا يسيء مسلم في حق أخيه ،
ولا يتجاوز الحد في حقه ، ولا يتعسف فيه ، وبذلك يعرف كل إنسان ما له وما عليه ،
وتتحقق السعادة والطمأنينة ، والأمن والأمان في الحياة .
ولكن الإنسان مفطور على الشر ، والنزوح
عن الحق ، والتجاوز للحد ، والاعتداء على الغير، والطمع بما في يده ، والتهرب من
أداء واجبه ، والتعسف في استعمال حقه ، ولذلك كانت الحاجة إلى القضاء ماسّة
وضرورية وحتمية .
قال الخطيب الشربيني : « إن طباع البشر
مجبولة على التظالم ، ومنع الحقوق ، وقلَّ من ينصف من نفسه »([13])،
وهذا ما أراده الشاعر بقوله :
والظلم من شيم
النفوس فإن تجد ذا عفـــة فلعلـــــة لا
يظلـــم
ومن هنا شرعت الأنظمة ، ووضعت الأحكام
، وأقيم القضاء ، وكانت الأحكام التشريعية– سماوية أو وضعية – تنقسم قسمين : الأول
: أحكام تخول الأفراد الحقوق التي يتمتعون بها ، وترسم الأنظمة والحدود الفاصلة ،
والثاني : أحكام تؤيد هذه الحقوق والحدود والأنظمة ، وتضمن لها التنفيذ ، وهذان
القسمان متلازمان ، فإذا فقد أحدهما فُقد الآخر .
وإن التتبع والاستقراء يدلان على هذا
التلازم بين الحق ومؤيده في الجملة ، وهذا المؤيد مخوَّل إلى السلطة التي يتمتع
بها صاحب الولاية أو القيم على إقامة الشرع ، وقد منحها الله– تعالى –نبيه محمد– e –بصفته رئيساً للدولة وقاضياً فيها ، فقال تعالى : { إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ
الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ} النساء/105، وقال تعالى : {وَأَنْ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا
أَنزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ}
المائدة/49 ، ثم انتقلت هذه السلطة إلى خليفة رسول الله ، فـمن بعده، وتركزت
بعبارة أدق بالسلطة القضائية التي تجمع بين فقه العلماء وعقل الحكماء ، وبين نفوذ
الحاكم الذي يستمد منه القاضي القوة والسلطة لكونه نائباً عنه .
فالقضاء ركن من أركان الدولة ، وجزءٌ
مهم من مقومات المجتمع ، وتقع على مسؤوليته حماية الأنفس والأموال والحقوق ،
وتطبيق الأنظمة والأحكام ، ليؤمن الطمأنينة والهدوء والسلام والعدل في المجتمع .
والقضاء عند الأمم رمز لسيادتها
واستقلالها ، والأمة التي لا قضاء فيها لا حقَّ فيها ولا عدل ، وتاريخ القضاء في
كل أمة عنوان على مجدها ، ودلالة على تطور العقل فيها ودرجة التفكير التي وصلت
إليها ، والقضاء والعدل يدلان على أشكال الدول والحكومات، ويظهران مدى استقرار
الأشخاص في الحكم ، ونظرتهم إلى الأمة ، وهما المعياران الدقيقان والحاسمان للحكم
على الحكام والقادة والمسؤولين .
وبالعدل قامت السماوات والأرض ، وهو
أساس العمران ، والقضاء أفضل مظهر يتمثل فيه العدل الذي جعله أرسطو « قوام العالم
» ، وهـو أساس الملك ، وأقـوى دعامة لاستتباب الأمن ، واستقرار النظام ، ورقي
المجتمع ، وتقدم الأمة ، يقول الثعالبي : «بالرأي تصلح الرعية وبالعدل تملك البرية
، من عدل في سلطانه استغنى عن أعوانه ، من مال إلى الحق مال إليه الخلق ، إذا رعيت
فاعدل ، فالعدل يصلح الرعية ، وإن ظلم السلطان لم يعدل أحـد فـي حكم ، وإن عدل لم
يجسر أحد على ظلم ... » ، ثم يقول :
«الظلم مسلبة للنعم ، والبغي مجلبة للنقم ، أقرب الأشياء صرعة الظلوم ، وأنفذ السهام دعوة المظلوم ، من
طال عدوانه زال سلطانه ، من ظلم عقَّ أولياءه ، ومن كثر ظلمه واعتداؤه قرب هلاكه
وفناؤه ، شر الناس من كفل الظلوم ، وخذل المظلوم » .
وقد بعثت الرسل ، وأنزلت الكتب ،
لتحقيق العدل ، وعُني به الإسلام بشكل خاص ، وحرص عليه حرصاً شديداً ، قال تعالى :
{ لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا
بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمْ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ
النَّاسُ بِالْقِسْطِ} الحديد/25 ،
وقال تعالى : {وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ
أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ} النساء/58 .
وفطن المسلمون إلى أهمية القضاء والعدل
، قـال أبــو بكـر الصديق– رضي الله عنه– : «الضعيف فيكم قوي عندي حتى آخذ الحق له
، والقوي فيكم ضعيف حتى آخذ الحــق منــــه إن شـــاء الله»، وقـال الصحابـي
عمــــير بـن سـعد والي حمـص لعمر – رضي الله عنهما –: «ما يزال الإسلام منيعاً ما
اشتد الســلطان ، وليـس شدة السلطان قتلاً بالسيف ، وضربـاً بالسـوط ، ولكـن قضاء
بالحق ، وأخذ بالعدل »([14])،
وقيل في عمر بن الخطاب– رضي الله عنه– : عدلت، فأمنت فنمت .
ومن هنا عد العلماء والفقهاء علم
القضاء من أجل العلوم قدراً ، وأعزها مكاناً، وأشرفها مركزاً ؛ لأنه يحفظ الحقوق
والأنفس ، ويأخذ على يد الظالم والمعتدي ، ويبين الحلال والحرام ، وهو من وظائف
الأنبياء والمرسلين([15])،
قال الله تعالى : { يَا دَاوُودُ
إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ
وَلا تَتَّبِعْ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ
يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ}
ص/26، وقال تعالى : { وَإِنْ
حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ} المائدة/42 ، وقال رسول الله e: (إن الله لا يقدّس أمـة لا يؤخذ فيهم للضعيف حقُه ) وفـي لفـظ :
( كيف تُقدس أمة لا يؤخذ لضعيفهم حقه من شديدهم )([16])، وجعل رسول
الله– e – القضاء بالعدل من النعم التي يباح الحسـد
عليها، فقال عليه الصلاة والسلام : ( لا حسـد إلا في اثنتين : رجل آتاه الله مالاً
فسلطه على هلكته بالحق ، وآخر آتاه الله الحكمة، فهو يقضي بها ، ويعمل بها )([17])،
والأحاديث كثيرة في مشروعية القضاء ، والترغيب فيه ، والترهيب من الظلم ، وتولى
رسول الله– e – منصب القضاء ، وعين القضاة ، وأرسلهم إلى الولايات .
وقد رافق القضاء البشرية من مهدها،
وسيظل معها إلى اللحد ، كما كان القضاء من مهمات الأنبياء ، وأعمال الرسل ، تولاه
المصلحون والوجهاء الذين يتولون مناصب الرئاسة والزعامة والسلطة، وقام به كبار
الأئمة والفقهاء والعلماء الأتقياء ، فكانوا مضرب المثل في النزاهة والعدل ، ولا
تأخذهم في الله لومة لائم .
وتـظهر أهمية القضاء من سمو الأهداف
التي وجد من أجلها ، ويعمل لتحقيقها ، وإن الهدف الذي وجد من أجله القضاء في
الإسلام ، والمقصد الذي يسعى إليه هو تحقيق العدل ، وإقامة القسط ، وحفظ الحقوق ،
واستتباب الأمن ، والمحافظة علـى الأنفس والأمـوال ، ومنع الظلم والطغيان ، وإقامة
الحدود والأحكام ، والأخذ على يد الجناة ومعاقبتهم عـلى ما جنت أيديهم ، بهدف
منعهم من العودة إلى مثل هذا العمل الشائن ، والفعل المحرم الممنوع ، وزجر غيرهم
من الإقدام على ذلك ، فالعاقل من اتعظ بغيره ، لذلك يشترط في العقوبة أن تكون
رادعة ومانعة ، كما وجد القضاء للحفاظ على حقوق الآخرين ، ومنع الاعتداء عليها ،
وتأمين الحماية لها ، وضمان ردها إلى أصحابها ، إذا سلبت منهم عدواناً وظلماً ، أو
تعويضهم عنها مادياً ومعنوياً، مع المحافظة على النظام العام ، والآداب العامة ،
وقيم الأمة ومبادئها ، وإقامة شرع الله ودينه وأحكامه .
وإن أهداف القضاء السابقة عامة وشاملة
لكل إنسان ، كبير أم صغير ، غني أم فقير، صاحب سلطة أم مواطن عادي ، رجل أو امرأة
، دون تمييز ديني أو عنصري أو قومي ، ودون مراعاة للصداقة والعداوة ، والقرب
والبعد ، تنفيذاً لقوله تعالى : {وَإِنْ
حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ} المائدة/42 ، وقوله تعالى : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا
قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ أَوْ
الْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ}
النساء/135 ، وقـوله تعالى : {
وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى}
الأنعام/152 ، وقوله تعالى : {
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ
بِالْقِسْطِ وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُوا
اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى}
المائدة/8 .
ووردت آيات كثيرة جداً تنص على الحكم
والقضاء ، كما ثبتت أحاديث عديدة في القضاء، وأحـكامه ، والـترغيب فيه ، وتـعيين
القضاة ، وإرشادهم لإقامة الحق والعدل، وتطبيق الشرع([18]).
ثالثاً : تنظيم القضاء :
التنظيم القضائي في الإسلام عبارة عن
مجموعة القواعد والأحكام التي توصل إلى حماية الحقوق العامة والخاصة ،وفصل الخصومات
، وإقامة الشرع ، ولذلك اهتم به الفقهاء المسلمون اهتماماً كبيراً ، وأولوه
بالعناية والدراسة والتطبيق ، وأقاموا معالمه الرئيسة التي تبين البنيـان الــذي
شيدّوه ، وتبرز الخصـائص والمميزات التي ينفرد بها عن غيره ، والنتائج التي حققها
في التطبيق والتنفيذ في الحياة .
والقضاء جزء من الولاية العامة للإمام
أو الحاكم أو السلطان ، يقوم به بنفسه أو ينيب عنه غيره ، ثم فُصل القضاء عـن
أعمال الولاة ، وأصبح القضاء مستقلاً ، ويتصل مباشرة بالإمام ، ويكون تحت إشرافه
ومراقبته ، ثم عين الخلفاء أحد العلماء لتولي الإشراف على القضاء، وتعيين القضاة
ومراقبتهم وعزلهم ، وأصبح هذا الأمر في عهد الخلافة العثمانية بيد لجنة معينة
برئاسة واحد منهم ، وصار هذا الرئيس يسمى في العصر الحاضر وزير العدل، وهو ما
استقر عليه العمل في جميع دول العالم ، ومنها المملكة العربية السعودية .
واشترط جمهور الفقهاء في القاضي أن
يكون مجتهداً ، وبناء على ذلك يجب أن يحكم بما يؤديه إليه اجتهاده ، ولا يصح
للإمام أو وزير العدل أن يقيد القاضي ، أو يشترط عليه أن يحكم بمذهب معين([19])،
قال ابن قدامة :« ولا يجوز أن يقلد القضاء لواحد على أن يحكم بمذهب معين ، وهذا
مـذهب الشافعي ولا أعلم فيه خلافاً ؛ لأن الله تعالى قال : {فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ} ص/26 ، والحق لا يتعين في مذهب ، وقد
يظهر الحق في غير ذلك المذهب ، فإن قلده على هذا الشرط بطل الشرط ، وفي فساد
التولية وجهان بناء على الشروط الفاسدة في البيع »([20]).
وفي العصور المتأخرة التي ضعف فيها
العلم ، وكاد الاجتهاد أن يندر بين العلماء ، تساهل الفقهاء في تعيين القاضي ،
وقالوا : يعين الأصلح فالأصلح ، وصار القضاة متبعين لأئمة المذاهب المعروفة ، وصار
كل منهم يحكم ويقضي بما يراه راجحاً في مذهبه، ويطبق أحكام القضاء والدعوى
والبينات على حسب المذهب .
ومراعاة للعدالة والمساواة على جميع
الناس في تطبيق الأحكام عليهم ، وصيانة للقضاء والقضاة عن الشُّبه والاتهام ، وسوء
الظن بمجرد تعدد الأحكام القضائية في المسألة الواحدة ، واختلاف المحاكم والقضاة
في الإجراءات ، فقد رأى ولاة الأمر تنظيم القضاء والدعوى، وتقييد القاضي بالحكم
بمذهب معين شائع ومنتشر بالبلد ، ونتيجة لذلك حدد العلماء من كل مذهب الكتب
المعتمدة لأخذ الآراء الراجحة والفتوى بها في المذهب .
ثم تطور الأمر نحو تقنين الأحكام
الفقهية الراجحة ،والمعتمدة في المذهب في مواد منتظمة ، وأبواب مفصلة ، فصدرت
المجموعات التنظيمية في الخلافة العثمانية ، وأولها مجلة الأحكام العدلية الصادرة
سنة 1286هـ، في الـمعاملات الـمالية ، وبدأ العمل بها سنة 1293هـ ، ثم صدر قانون
العائلة العثماني في أحكام الأسرة ، ثم امتد الأمر إلى جميع شؤون الدولة ، وظهر في
مقابل ذلك بمصر مرشد الحيران ، وقانون الأحكام الشرعية في الأحـوال الشخصية لـمحمد
قدري باشا ، ومجلة الأحكام الشرعية على المـذهب الحنبلي في مكة المكرمة لأحمد
القاري ، وعملهما جهد فردي ، لكن ولاة الأمر في الأستانة ومصر انحرفوا– وللأسف
الشديد – عن الالتزام بالشريعة وتقنين أحكامها ، واستوردوا بعض القوانين الأجنبية
المستمدة من المبادئ الوضعية ، وأقاموا المحاكم النظامية بجانب المحاكم الشرعية .
وبعد التطور الحديث للدولة ، والتغيير
الكبير في جميع مجالات المجتمع ، وكثرة المعاملات، وتعقد الأمور ، ظهرت الحاجة
لتنظيم الأحكام ، ووضع الضوابط لها ، وتحديد الاختصاصات والأعمال والواجبات ،
والحقوق للفرد والجماعة ومؤسسات الدولة وإداراتها ، واستدعى ذلك إصدار الأنظمة
اللازمة ، وسن التشريعات لتنظيم الأجهزة الجديدة والوزارات المختلفة على ضوء
الشريعة الغـراء ، ومن هنا ظــهرت الأنظــمة الجـديـدة في الممـلكة كنظـام
المرافعات ( الإجـراءات القضائية )، ونظام القضاء، ونظام التجارة ، وغيرها([21]).
الفصل الأول
تطوير التنظيم القضائي في المملكة
كان القضاء في الجزيرة العربية قبل تأسيس المملكة العربية السعودية يسير على بقـايا من الأعراف والأحكام الشرعية
التي وَرثها الناس من العهود الأولى ، مع ما تراكم عليها من آثار الجمود والتخلف ،
وكان القضاء على ثلاثة أنواع :
النوع الأول :
في الحجاز حيث كان القضاء متطوراً ،
وأَرقى من بقية أجزاء المملكة ؛ لأن الحجاز كان يطبق الشريعــــة الإسلاميــــة
مـع الإصلاحات النظامية التي وضعتهـا الدولة الـعثمانية فـي الـقرن التاسع عشـر ،
وخـاصة الإصلاحات التي وردت في خـــط كـولخانة ( 1255هـ/1838م ) ،وفي الخط
الهمايوني ( 1274هـ/1856م ) ،وقانون أصول المحاكمات التجارية ( 1329هـ/1913م )،
وقانون الإجراء ( 1330هـ/1914م )، وقانون أصول المحاكمات الشرعية ( 1333هـ/1917م )
بالإضافة إلى القوانين الموضوعية كـقانون الجــزاء العثماني ( قانـون العقوبـــات
) ( 1276هـ/1858م )، وقانـون الأراضـي العثمانيـــة ( 1274هـ/1856م )، وقانــون
الـتجـــارة ( 1283هـ/1866م ) ،ومجلــــة الأحـكام الـعدلية ( 1286هـ/1869م )،
ومعظمها قوانين فرنسية ترجمت إلى اللغة التركية بالحرف الواحد ، ثم ترجم بعضها إلى
اللغة العربية([22])،
وطبقت هذه الأنظمة الجديدة في محاكم الحجاز([23])، لكن الشريف
حسين ألغاها رسمياً في مطلع القرن العشرين([24]) .
النوع الثاني :
كان في نجد حيث لم يظهر أثر الإصلاحات
القضائية، واستمر القضاء على نظامه التقليدي المتوارث في إنهاء النزاع بحسب الشرع
والعرف السائد ، وكان يتولى الفصل في الخصومات القاضي والأمير ، فالأمير يسعى
لمصالحة الخصمين ، وإلا أحال القضية إلى القاضي ، فإن أصدر حكمه ردّه إلى الأمير
لتنفيذه .
النوع الثالث :
هو النظام القبلي الذي تطبقه القبائل ،
ويقوم على العرف السائد والسوابق القضائية ، ويقوم بالقضاء رجال مشهود لهم بالحكمة
والاطلاع على العادات القبلية ، وإن حدث نزاع بين قبيلتين لجؤوا إلى التحكيم([25]).
وبعد قيام المملكة العربية السعودية
ألغيت هذه الأنواع الثلاثة تدريجياً ، وتم توحيد القضاء بشكل واحد في جميع أنحاء
المملكة.
وكانت الخطوة الأولى نحو تحقيق العدل
وتنظيم المحاكم إصدار المرسوم الملكي في 4 صفر 1346هـ/1927م في 24 مادة باسم «
نظام تشكيلات المحاكم الشرعية » الذي تم بموجبه تنظيم المحاكم ، وتصنيفها ، وتحديد
اختصاصاتها القضائية ، وصنف هذا المرسوم المؤسسات القضائية ثلاث درجات ، وهي :
1-
المحاكم المستعجلة .
2-
المحاكم الشرعية .
3-
هيئة المراقبة القضائية .
وتشكل هذه المحاكم في مكة وجدة والمدينة
، أما سائر المملكة فيقوم بالقضاء فيها قاض منفرد ، وحدد المرسوم اختصاص كل
منها .
فالمحكمة المستعجلة تنظر في بعض الأمور
المدنية والجنائية ، فتختص بالجانب الجنائي بالنظر في الجنح والقصاص والتعزيرات
الشرعية والحدود التي لا قطع فيها ولا قتل ، وتنظر في الجانب المدني في الدعاوى
المالية التي لا تزيد قيمتها عن ( 300 ) ريال، وأحكامها لا تقبل النقض إلا إذا خالفت النص في القرآن
والسنة ، أو الإجماع .
أما المحاكم الشرعية فتنظر فيما عدا
ذلك ، وتوزع القضايا على القضاة ، لينظر كل قاض على حدة ، وتصدر الأحكام بالإجـماع أو بالأغلبية بعد
اجـتماع أعضاء المحكمـة، وفي القضايا التي فيها قطع أو قتل فإن الدعوى تنظر بحضور
هيئة المحكمة مجتمعـة.
أما هيئة المراقبة الشرعية فكانت في
مقر المحكمة في مكة المكرمة ،وتتألف من ثلاثة قضاة ، وتختص بنقض الأحكام الصادرة
من المحاكم الدنيا أو إبرامها مع الإشراف الإداري ، والتفتيش عليها، كما تقوم
بإصدار الفتاوى فيما يرجع إليها ، ثم أضيف إلى اختصاص هيئة المراقبة الشرعية
الإشراف على المعارف ، ومراقبة التدريس والمناهج ، وصلاحية الإشراف على هيئات
الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، ثم عدل اسم الهيئة إلى هيئة التدقيقات الشرعية
ثم هيئة التمييز .
ثم صـدر « نظام تركيز مسؤوليات القضاء
الشرعي » بالأمر السامي بتاريخ 4 المحرم
1357هـ /1938م ، ويتكون من ثمانية أبواب ، ومن 282 مادة ، وهـو أطول نظـام للقضـاء
فـي تاريـخ الممـلكة ، فالبـــاب الأول في رئـاسة القضاة واختصاصاتها وصلاحياتها (
م 42–45 )، والباب الثاني في تفتيش المحاكم الشرعية (م 56–69 ) ، والباب الثالث في
قضاة المحاكم الشرعية واختصاصاتهم ( م 70–104 )، والبـاب الرابع فـي كتّاب المحكمة
الشرعية ( م105–189 )، والبـاب الخامـس فـي رئيس المحاضرة ( م190–200 )، والباب
السادس في كتاب العدل ( م201–229) ،والباب السابع في دوائر بيت المال (م230–273)،
والباب الثامن في مواد متنوعة عمومية.
وصـدر بعد ذلك نظام « كتاب العدل »
بتاريخ 19/1364هـ ، ويتكون من خمسة فصول ، تشتمل على ثمان وأربعين مـادة ، وحدد
هذا النظام صلاحيات كتاب العدل وواجباتهم ووظائفهم .
وفي عام 1372هـ/1952م صدر « نظام تركيز
مسؤوليات القضاء الشرعي » ، ويحتوي على ثمانية أبواب كالسابق ، ويشتمل على 258
مادة ، وبقي هذا النظام مطبقاً مدة طويلة ، ولا يزال كثير من أحكامه ومصطلحاته
مطبقة وسارية المفعول حتى الآن([26]).
وأخيراً صدر نظام القضاء الجديد عام
1395هـ/1975م الذي سنفرده بالبحث مفصلاً ، كما صدر نظام السلطة القضائية بالمرسوم
ذي الرقم 64 بتاريخ 14/7/1395هـ/ 1975 م .
الفصل الثاني
السلطة القضائية في المملكة
كان القضاء بعد تأسيس المملكة يرتبط
مباشرة بالملك ، فيشرف عليه ، وتحال القضايا المهمة إليه ، وترفع إليه الأحكام ،
ثم بدأ يتنازل عنها تدريجياً للمختصين والمؤهلين ،مع إنشاء الهيئات والمؤسسات التي
تتولى هذه الأعمال تحت إشراف الملك .
وعندما ألفت الوزارة عام 1390هـ/1962م
برئاسة الملك فيصل وعد في البرنامج الحكومي للوزارة بإنشاء وزارة العدل ، وعند
إصدار ميزانية الدولة – بعد ذلك – وضعت نفقات الوزارة فيها، ثم عيّن وزير لها عام
1390هـ/1970م ، وأعطي صلاحية رئيس القضاة ، وبدأت الوزارة تتوسع لتضم تحت لوائها
محاكم القضاء الشرعي ، وبعض المؤسســات القضــائية الأخرى ، ثم صدر نظام السلطة
القضائية بالمرسوم الملكي ذي الرقم 64 بتاريخ 14/7/1395هـ/1975م([27]).
ويتكون الجهاز القضائي في
المملكة من نوعين :
الأول
: المؤسسات القضائية المستقلة :
وهي قضائية وإدارية ، وتقوم بأعمال
قضائية واختصاصات قضائية ، ولكنها منفصلة عن وزارة العدل ، ومستقلة عن المحاكم
القضائية ، وسماها بعض الباحثين بالمؤسسات شبه القضائية ، وأهمها :
1-
ديوان المظالم .
2-
هيئة محاكمة الوزراء .
3-
الهيئات المختصة بتأديب
الموظفين .
4-
لجنة قضايا التزوير .
5-
هيئة حسم المنازعات التجارية .
6-
الغرف التجارية والصناعية .
7-
اللجان المركزية لقضايا الغش التجاري
.
8-
المحكمة التجارية .
9-
لجان تسوية قضايا العمال .
10-
المجالس التأديبية للعسكريين .
11-
المجالس التأديبية لقوات الأمن
الداخلي .
النوع الثاني : المحاكم الشرعية في القضاء الشرعي:
وهي المقصودة بنظام القضاء ، وتشرف
عليها وزارة العدل ، وسنتولى تفصيلها إن شاء الله تعالى ، وهي ذات الاختصاص العام
في جميع الأمور مالم يرد نص بخلافه .
ونلحظ أن الفصل في الخصومات في المملكة
يعتمد على القضاء العادي أولاً ، كما يعتمد على بعض المؤسسات الأخرى التي تفصل في
منازعات محددة ثانياً ، وهذه المؤسسات تخفف العبء على قضاة الشرع والمحاكم الشرعية
، ولكن هذه المؤسسات القضائية لا تخرج في إطارها العام عن الأقسام القضائية التي
ذكرها الفقهاء ، وهي القضاء العادي ، وديوان المظالم ، وقضاء الحسبة ، والقضاء
العسكري ، ولكن هذه المؤسسات الجديدة لا تتمتع بالاستقرار القضائي ، وإنما تشكل في
كثير من الأحيان عند الحاجة ، ومن أعضاء غير متفرغين للـقضاء من جهة أخرى ، كما أن
معظم هذه المؤسسات لا تخضع لإشراف وزارة العدل وسلطتها ، ومن ثمَّ فإنها تضعف مـن
سلطة المحاكم الشرعية ، كما تضعف من سلطة وزارة العدل ، وكان من الواجب أن تكون
جميع المؤسسات القضائية خاضعة لسلطة وزارة العدل وإشرافها ومراقبتها ، وأن يكون
القائمون عليها من رجال القضاء غالباً مع الاستعانة بالخبراء والمختصين بحسب نوع
المحكمة والقضية ، وأن تضم المؤسسات المتشابهة إلى بعضها ، فهيئة محاكم الوزراء ،
والهيئات المختصة بتأديب الموظفين، ولجنة قضايا التزوير تتبع ديـوان المظالم ، كما
هو مـقرر ومنصوص عليه في الكتب الفقهية ، وتوحّد المجالس التأديبية للعسكريين ،
والمجالس التأديبية لقوات الأمن الداخلي في المحاكم العسكرية ، وتضم هيئة حسم
المنازعات التجارية ، واللجان المركزية لقضايا الغش التجاري ، والغرف التجارية والصناعية
إلى هيئة واحدة ، وتدخل هذه الهيئات تحت قضاء الحسبة .
تعدد
جهات القضاء وتنازع الاختصاص :
يبين العرض السابق تعدد جهات القضاء في
المملكة ، وهذا يؤدي في كثير من الأحيان إلى التنازع في الاختصاص بين المحاكم
والجهات المتعددة ، وتقع المشكلات نتيجة
لهذا التعدد في الجهات القضائية .
ونظام القضاء الجديد في المملكة اعترف
صراحة بوجود جهات أخرى تنافس القضاء الشرعي العام – المحاكم – ؛ ولذلك وضع القواعد
التي تعالج مشكلات تنازع الاختصاص بين المحاكم والجهات القضائية الأخرى ، وعرض
الحلول الكفيلة للقضاء على مشكلات تعدد جهات القضاء .
وقد يكون التنازع يسيراً بأن يثار دفع
أثناء النظر في الدعوى التي تنظرها المحاكم الشرعية ، ويكون موضوع الدفع لا يدخل
في اختصاص المحكمة ، وإنما يدخل في اختصاص جهة أخرى قضائية ، وهنا أوجب نظام
القضاء على المحكمة التي تنظر الدعوى الأصلية أن توقف الدعوى إذا رأت ضرورة الفصل
في الدفع قبل الحكم في موضوع الدعوى ، وتحدد المحكمة ميعاداً للخصم الموجه إليه
الدفع ليستصدر حكماً نهائياً في الدفع من الجهــــة المختصـــة ، فإن قصر في ذلك
كان للمحكمة أن تفصل في الدعوى بحالتها ، وإن كان الدفع لا يؤثر على موضوع الدعوى
، ورأت المحكمة عدم لزوم الفصل في الدفع قبل الحكم في موضوع الدعوى فلها أن تغفل
موضوع الدفع ، وأن تحكم بالموضوع ( المادة 28 ) .
أما إن حصل تنازع في الاختصاص القضائي
في الموضوع بـين جهات القضاء المتعددة ، فيكون إما سلبياً بأن تنكر كل جهة
اختصاصها بالنظر فيه ، وإما أن يكون إيجابياً بأن تتمسك كل محكمة بالمسألة مدعية
أنها تدخل في اختصاصها ، وقد يتطور الأمر أكثر من ذلك فتصدر كـل جهة منهما حـكماً
يتناقض مع الـحكم الآخر ، وهنـا أوجد نظام القضاء الجديد لجنة سماها « لجنة
الاختصاص » (م29) يرفع إليها طلب تعيين الجهة المختصة ، وتؤلف اللجنة من ثلاثة
أعضاء ، عضوان من أعضاء مجلس القضاء الأعلى المتفرغين يختارهما رئيس المجلس ،
ويكون أقدمهما رئيساً للجنة ، والعضو الثالث هو رئيس الجهة التي حصل التنازع معها
، أو من ينيبه (م29)، وتنظر اللجنة في التنازع الإيجابي والسلبي ، والفصل في
النزاع عند تنفيذ حكمين نهائيين متناقضين.
ويرفع الطلب إلى لجنة تنازع الاختصاص ،
بعريضة تقدم إلى الأمانة العامة لمجلس القضاء الشرعي لحل التنازع ( م 30 ) ،
متضمناً البيانات الكافية عن أسماء الخصوم، وموضوع الدعوى التي وقع فيها التنازع ،
أو التخلي ، ويقوم رئيس اللجنة بتحديد جلسة أمام اللجنة للمرافعة بحضور جميع
الخصوم ، ويحق لهذه اللجنة أن تنظر في الدعوى ، وتسمع المرافعة في موضوعها من
الخصوم (م 30) ،ويترتب عـلى ذلك وقف السير في الدعوى المقدم بشأنها الطلب حـتى يبت
فيه ( المادة 31)، وإن كان التنازع في تنفيذ حكمين، فإن رئيس لجنة تنازع الاختصاص
يأمر بوقف تنفيذ الحكمين المتعارضين أو أحدهما حتى يصدر قرار الفصل في تنـازع
الاختصـاص ، وتعييـن الجـهة الـمختصة (م 31)، وهـذا القرار غير قابل للطعن (
المادة 32 ) ([28]) .
الفصل
الثالث
المؤسسات
القضائية المستقلة
إن المحاكم ( الشرعية ) هي ذات
الاختصاص العام في المملكة ، وتقوم بعبء القضاء في الأمور الشرعية عامة ، وفي كل
قضية ومسألة ودعوى لا يوجد فيها نص تنظيمي لتحديد الجهة القضائية .
ويقوم بجانب المحاكم ( الشرعية ) جهات
قضائية ذات ولاية محددة ، واختصاص معين في أمور محصورة ، وهذه الجهات القضائية
تقوم بفض المنازعات التي أحدثها التطور الكبير في المملكة في النواحي التجارية
والصناعية ، والعمالية والاقتصادية ، والسياسية والدولية ، وصدرت مراسيم ملكية ،
وأنظمة خاصة ، تحدد عمل هذه الهيئات واختصاصاتها ، ونعرض لها باختصار شديد ، وهي :
أولاً : ديوان المظالم ([29]):
فتح الملك عبدالعزيز الباب لاستقبال
المواطنين ، وسماع الشكوى منهم ، والفصل فيها بسرعة ، كما هو معهود عن خلفاء
الدولة الإسلامية ، وحثَّ الناس على الإتيان إليه بالشكاوي ، وأصدر بتاريخ 1344هـ
/ 7/5 /1926م الإعلان التالي « إن صاحب الجلالة يعلن للناس كافة أن مـن كان له
ظلامة على كائن من كان ، موظف أو غيره ، كبير أو صغير ، ثم يخفي ظلامته ، فإنما
إثمه على نفسه ، وإن كان له شكاية فقد وضع على باب دار الحكومة صندوق للشكاوي ،
مفتاحه لدى جلالة الملك ، فليضع صاحب الشكاية شكايته في ذلك الصندوق ، وليثق
الجميع أنه لا يمكن أن يلحق المشتكي أي أذى بسبب شكايته المحقة من أي موظف كان ،
ويجب أن يراعى في الشكايات ما يأتي :
1-
ينبغي تـجنب الكذب في الشكاية ،
ومن ادعى دعوى كاذبة جوزي بكذبه .
2-
لا تقبل الشـكاية المغفلة من
الإمضاء ، ومن فعل ذلك عوقب على عمله .
وليعلم الناس
كافة أن باب العدل مفتوح للجميع على السواء ، والناس كلهم صغيرهم وكبيرهم أمامه
واحد ، حتى يبلغ الحق مستقره ، والسلام »([30]) .
وتطور صندوق الشكايات ، وأخـذ شكله
النهائي في ديوان المظالم بعد ازدياد المشكلات، وتعقيد أمور الحياة المعاصرة،
والحاجة إلى التخصص الدقيق، والعلم الكافي، والسرعة اللازمة ، فأنشئ في
12/6/1373هـ/1954م دوائر عامة تابعة لديوان مجلس الوزراء باسم « ديوان المظالم
»،وكان شعبة من شعب مجلس الوزراء .
ثم صدر نظام ديوان المظالم بالمرسوم
الملــكي ذي الرقم 7/13/8759، بتاريخ 17/9/1374هـ/1955م([31])،دون ربطه
بالوزراء ومجلس الوزراء ، وإنما أصبح جهازاً مستقلاً باسم « ديوان المظالم » يرتبط
بالملك مباشرة ، مع عدّ الملك هو المرجع الأخير للديوان (المادة الأولى ) مع منح
الملك صلاحيات وسلطات خاصة ، وهي :
1-للملك
سلطات واسعة في تعيين المسؤولين في ديوان المظالم ، ويشمل ذلك رئيس ديوان المظـالم
ونائبه الذين يعينون بأوامـر ملكية([32]) .
2-وإذا
اعترض الوزراء ، أو مديرو الدوائر الحكومية ، على قرارات ديوان المظالم فيما يخص
وزاراتهم أو دوائرهم ، فإن على رئيس ديوان المظالم أن يحيل المسألة إلى الملك للبت
فيها (المادة 2 ف ح ) .
3-إذا
حدثت واقعة لم يرد النص على اختصاص ديوان المظالم بها فيكون حلها من صلاحية الملك،
وقد يطلب الملك من ديوان المظالم اقتراح الحل المطلوب ، ويعرض على الملك لتصديقه.
4-يقدم
رئيس ديوان المظالم تقريراً شاملاً إلى الملك عن أعمال الديوان بشكل دوري، على ألا
تزيد المدة عن ستة أشهر([33]).
وعندما صدر نظام مجلس الوزراء سنة 1378هـ/1958م تحولت
هذه الاختصاصات من الملك إلى رئيس الوزراء ، وفي سنة 1384هـ/1964م احتفظ الملك
فيصل بمنصبه رئيساً لمجلس الوزراء([34])، فعاد
الحال إلى سابق عهده ، وبقي الملك هو المرجع الأخير لديوان المظالم بصفته رئيساً
لمجلس الوزراء([35]).
تشكيل ديوان المظالم :
يتكون ديوان المظالم من رئيس ونائب
رئيس ومستشارين ومحقق للقضايا ، ويتضمن ديوان المظالم ثلاث لجان رئيسة ، وهي :
1-لجنة
التحقيق : وتتألف من مستشارين في الأحكام الشرعية والشؤون الصحية والإدارية
والهندسية والمالية ، وكل واحد يقوم بتحقيق القضايا التي تدخل في اختصاصه ، ويقدم
تقريراً عنها لرئيس الديوان .
2-لجنة
المستشارين : وتتكون من الأعضاء المستشارين السابقين في لجنة التحقيق ، وتقوم
بتقديم المشورة لرئيس الديوان والمحققين فيما يخص النواحي الشرعية والنظامية.
3-لجنة
التدقيق : وتتألف من نائب الرئيس ومستشار شرعي ومستشار أنظمة ، ولها أمين سر ،
وتقوم هذه اللجنة بتدقيق التقارير التي يقدمها المحققون في الديوان بعد أن يحيلها
إليهم رئيس الديوان .
والمركز الرئيس لديوان المظالم مدينة
الرياض ، ويفتح له فرع في جدة لاستلام الشكاوي وإحالتها إليه ، ثم أصدر رئيس
ديــــوان المظالم قراراً برقم 3570/1، بتاريخ 1/11/1379هـ وضح فيه النظام الداخلي
لديوان المظالم ، ثم صدر نظام جديد لديوان المظالم عام 1400هـ .
اختصاص ديوان المظالم :
يتمتع ديوان المظالم بسلطة واسعة
نسبياً ، وله الحق بالنظر في جميع الدعاوى التي تقدم إليه من أصحاب الشأن ، أو
تحال إليه من أية جهة حكومية ، ولكن ديوان المظالم درج على إحالة القضايا التي
تكون من اختصاص المحاكم الشرعية إلى هذه المحاكم ، حتى لا يقع تضارب بين اختصاصه
واختصاص هذه المحاكم([36]).
ويحق لديوان المظالم إجراء التحقيق مع
موظفي الحكومة في وزاراتهم أو الدوائر الحكومية ، وكذلك يحق له تفتيش منازلهم عند
الضرورة ( م 5 ) ،ولـه الحق في سؤال الوزارات والمصالح الحكومية، وكذلك يحق له أن
يستدعي الموظفين المسؤولين للتحقيق معهم .
ولا بد أن تكون القضية التي ينظر فيها
ديوان المظالم تتضمن تظلمات الأفراد من الدوائر الحكومية([37])، أما إذا كان
جميع أطراف الدعوى من الأفراد فإن القضية تحال إلى المحاكم الشرعية ؛ لأنها هي
المختصة في هذه الحالة .
وكان ديوان المظالم هو الجهة المختصة
لاستئناف القرارات الإدارية التي تتصل بالرواتب والتقاعد وأحكام المجالس التأديبية
، وذلك قبل صـدور نظام تأديب الموظفين في الدولة ، فسلخ هذا الاختصاص منه .
ويتمتع ديوان المظالم بصلاحية التحقيق
في القضايا ذات الأهمية الخاصة التي يحيلها إليه الملك ، كما أن الديوان هو المرجع
الذي تحال إليه طلبات تنفيذ الأحكام التي تصدر من المحاكم الأجنبية ، بحسب قرار
مجلس الوزراء ذي الرقم 50 بتاريخ 22/6/1960 م ، تنفيذاً لاتفاقية الجامعة العربية
الخاصة بتنفيذ الأحكام([38]).
وشارك ديوان المظالم طرفاً في بعض الهيئات
والمجالس التأديبية التي تنظر في القضايا ذات الأهمية ، مثل :قضايا الرشوة([39])،
وتأديب العسكريين ، ومقاطعة إسرائيل .
وأخيراً فإن ديوان المظالم هو الجهة
التي تستأنف لديها قرارات وزير التجارة الخاصة بسحب رخص المؤسسات التجارية التي
تعمل في المملكة وفقاً لنظام استثمار رؤوس الأموال الأجنبية .
ويتبين مما سبق أن ديوان المظالم يمارس
اختصاصه القضائي إما بشكل مباشر ، ومستقل عن غيره ، وإما بالاشتراك مع هيئات
قضائية وإدارية أخرى ، لذلك ينقسم قسمين :
القســـــم الأول:
الاختصاص القضائي المباشر والمستقل ،
وهذا هو الاختصاص الأصلي لديوان المظالم ، والمجال الرئيس لعمله ، ويتسع ويضيق
بحسبه ، وأهم حالاته هي:
1– الفصل في قضايا الرشوة بموجب المرسوم الملكي ذي
الرقم (15)، والمرسوم الملكي ذي الرقم (16) بتاريخ 7/3/1382هـ ، فقد نصت المادة
الأولى على عقوبة الرشوة بالسجن من سنة إلى خمس سنوات، وبغرامة مالية من خمسة آلاف
ريال إلى عشـــرة آلاف ريــــال ، أو بإحدى هاتين العقوبتين، ونصت المادة (17) على
أن يتولى التحقيق أحد رجال ديوان المظالم وأحد رجال الشرطة ، ويجوز لمجلس الوزراء
أن ينتدب من يراه لإجراء هذا التحقيق ، ثم تحال هذه الجرائم بعد تحقيقها إلى هيئة
تشكل من رئيس ديوان المظالم أو نائبه رئيساً ، ومستشار
حقوقي من ديـوان المظالم ، ومستشار حقوقي يعينه رئيس مجلس الوزراء عضواً دائماً في
الهيئة ، على أن يشترك فيها من باشر التحقيق، أو أبدى رأيه فيه ، وتعد أحكامها
نهائية بعد تصديق مجلس الوزراء .
ويرى الدكتور محمد عبدالجواد محمد أن
ربط الأحكام بتصديق مجلس الوزراء يتنافى مع النظم القضائية ، ومع استقلال السلطة
القضائية ، وفيه خلط بين السلطة القضائية والإدارية ، ويجب تلافي ذلك([40]).
وأرى أن مجرد التصديق لا مانع منه ،
قياساً على الأحكام القضائية الكبرى التي تخضع لتصديق الملك أو رئيس الدولة في
القضاء العادي ، وخاصة أن الملك في المملكة هو رئيس مجلس الوزراء ، وذلك لاعتبارات
تقدير المصلحة العامة .
2– الفصل في قضايا
التزوير ، وذلك أنه لما صدر نظام مكافحة التزوير سنة 1381هـ لم يحدد هيئة لتطبيقه
فأنشأ مجلس الوزراء سنة 1386هـ لجنة في وزارة الداخلية للفصل في قضايا التزوير ،
ثم أصدر مجلس الوزراء سنة 1386هـ قراراً بإناطة التحقيق في قضايا التزوير بهيئة التحقيق في مكافحة الرشوة ، ثم تحال
القضايا إلى هيئة الحكم في قضايا التزوير .
3– الفصل في طلبات تنفيذ الأحكام الصادرة من محاكم
الدول العربية ، وذلك تنفيذاً لاتفاقية تنفيذ الأحكام بين دول الجامعة العربية سنة
1953هـ بتعيين ديوان المظالم للنظر في طلبات الأحكام الأجنبية الصادرة من دول
الجامعة العربية .
4– الفصل في القضايا الناشئة عن مخالفة نظام مقاطعة
إسرائيل بموجب المرسوم الملكي ذي الرقم
(82) بتاريخ 25/6/1382هـ ، وتتشكل هيئة النظر في القضايا الناشئة عن مخالفة النظام
من رئيس ديوان المظالم ، أو نائبه ، ومستشار حقوقي من ديوان المظالم ، ومستشار
حقوقي من مجلس الوزراء ، وتعد قرارات هذه الهيئة نافذة بعد التصديق عليها من رئـيس
مجلس الوزراء ( المادة 12 منه ) .
5– الفصل في القضايا المتعلقة بشرعية الأعذار التي
يتقدم بها الموظفون لتأخر مطالبتهم ببـــدل الانتداب عن ستة أشهر ، تطبيقاً لقرار
مجلس الوزراء ذي الرقم (16) بتاريخ 6/1/1386هـ .
6– الفصل في قضايا المقاولين ضد الدوائر الحكومية ،
تطبيقاً لقرار مجلس الوزراء ذي الرقم (232) بتاريخ 17/5/1396هـ .
القســم
الثاني :
الاختصاص المشترك بين
ديوان المظالم والهيئات الأخرى ، فمن ذلك :
1-الاشتراك
في التحقيق مع المشتغلين بسلك التدريس ، تطبيقاً لقرار مجلس الوزراء ذي الرقم
(232) بتاريخ 25/5/1377هـ .
2-الاشتراك
في مجالس تأديب الموظفين من الدرجة الثانية فما فوق ، ولكن هذا الاختصاص ألغي بعد
إنشاء هيئة تأديب الموظفين سنة 1391هـ .
3-الاشتراك
في القضايا الخاصة بمحاسبة الموظفين عن مصادر ثرواتهم ، بموجب المرسوم الملكي ذي
الرقم (16) بتاريخ 7/3/1382هـ .
4-الاشتراك
في مجالس التأديب الخاصة بمحاكمة ضباط الأمن الداخلي من رتبة لواء أو فريق بموجب
نظام قوات الأمن الداخلي .
5-الاشتراك
في النظر في تظلمات الأشخاص الذين جرى منعهم من التعامل مع الهيئات العامة
والمناقصات .
6-الاشتراك
في تحقيق الادعاءات الموجهة ضد الموظفين المكلفين بتنفيذ أحكام نظام العمل والعمال([41]).
وهذه الاختصاصات لديوان المظالم أقل من
الاختصاصات التي نصّ عليها الفقهاء، ويجب أن يعطى ديوان المظالم سلطة واسعة ،
وصلاحيات عظيمة ، ويتولى شأوه ومكانته التي كان يتمتع بها في الدولة الإسلامية ،
كما يجب أن تكون أكثر الهيئات والمؤسسات شبه القضائية خاضعة له وتابعة إليه ،
وتحال أحكامها وقراراتها لينظر فيها، ويقر ما يوافق الشريعة ، وينقض ما عداها ،
ويجب أن يكون ديوان المظالم هو المؤسسة القضائية الكبرى التي يدخل تحتها نظام
تأديب الموظفين، وأحكام المجالس التأديبية ، ومحاكمة الوزراء ، وقضايا التزوير ،
ومن جهة أخرى فإن تكليف ديوان المظالم
السعودي بالأمور السابقة يعد تطوراً عصرياً لاختصاصات والي المظالم ، كتنفيذ أحكام
المحاكم الأجنبية ، ومقاطعة إسرائيل ، وجرائم الرشوة ، مما يتعلق بالمصالح العامة
بحسب الأوضاع الراهنة ، والتطور الحديث للدولة والعلاقات المعاصرة([42]).
ويظهر من هذا العرض الموجز أن ديوان
المظالم الحالي – شأنه شأن ديوان المظالم في الخلافة
الإسلامية – يقوم بأعمال مختلفة ، وإدارية وقضـائية واستشارية ، ولكن الجانب القضائي في
ديوان المظالم الحالي أضعف شأناً من بقية الجوانب ، حتى عده الدكتور محمد فؤاد
مهنا أنه لا يعد جهة قضائية ، بل مجرد هيئة استشارية مهمتها فحص الشكاوى والتحقيق
فيها ، دون أن يكون له الحق في البث فيها بقرار أو حكم نافذ([43]) ،
وهذا كلام غير صحيح بل يصدر أحكاماً على الدولة لصالح الأفراد والمؤسسات ، كما أن
ديوان المظالم أقل اختصاصاً وسلطة وصلاحية بمقدار كبير من الجانب القضائي في ديوان
المظالم سابقا([44]).
وإن الكلام عن ديوان المظالم في
المملكة العربية السعودية طويل ، ويستحق أن يفرد ببحث خاص ؛ نظراً لأهمية شأنه ،
وعظيم أعماله ، وجلالة قدره ، وأنه امتداد لأعظم مؤسسة قضائية في تاريخ الإسلام
والمسلمين في قضاء المظالم ، وأنه النظام الوحيد الفريد اليوم في العالم الإسلامي
باختصاصه واسمه وأعماله .
ثانياً : هيئة محاكمة الوزراء :
صدر نظام محاكمة الوزراء بشكل كامل
بالمرسوم الملكي ذي الرقم (88) بتاريخ 22/9/1380هـ، مبيناً الجرائم والعقوبات
وإجراءات التحقيق والتقديم إلى المحاكمة والسلطة المختصة بذلك ، ويشمل أعضاء مجلس
الوزراء ،وجميع الأشخاص الذين يعملون بمرتبة وزير ، كما يشمل الفاعل الأصلي
والمشترك معه .
أما الجرائم التي يعاقب عليها فتتدرج
من التدخل الشخصي في شؤون القضاء إلى الخيانة العظمى ، كما تتدرج العقوبات من
الحكم بالسجن ثلاث سنوات إلى عشر سنوات ،
إلى الحكم بالإعدام .
وتسير إجراءات التحقيق بالتقديم إلى
المحاكمة عند ظهور القرائن التي تشير إلى علاقة أحـد الوزراء بإحدى الجرائم
المنصوص عليها ، فيقوم رئيس مجلس الوزراء بتشكيل لجنة تحقيق ، تتألف من وزيرين وأحد القضاة بمرتبة
رئيس محكمة كبرى فما فوق ، وتمارس هذه اللجنة التحقيق، ثم يرفع التقرير إلى رئيس
مجلس الوزراء خلال ثلاثين يوماً من تشكيلها ، وتحدد جلسة لمجلس الوزراء خلال خمسة
عشر يوماً لدراسة التقرير ، ولا يحضر الجلسة الوزير الذي جرى التحقيق معه، ولمجلس
الوزراء أن يقرر حبس الوزير احتياطياً لحين إجراء المحاكمة .
وتتألف هيئة محاكمة الوزراء من ثلاثة
وزراء بالقرعة ، ويكون الأكبر سناً هو رئيس الهيئة، مع عضوين من القضاة لا تقل
مرتبة كل منهما عن رئيس محكمة كبرى ، ويختار رئيس مجلس الوزراء من يقوم بالادعاء
العام ، فيبلغ المتهم بموعد المحاكمة ، بأسماء الشهود للإثبات ، وللمتهم حق اختيار
محام للدفاع .
ويكون قرار الهيئة بالأغلبية ، إلا في
حالة الحكم بالإعدام فيشترط الإجماع ، فإن قررت الأغلبية الإعدام أحيلت القضية إلى
القضاء للنظر فيها .
ويعد قرار الهيئة نهائياً ، وللمتهم حق
استئناف الحكم إلى الملك ، كما أن له أن يطعن بأي إجراء اتخذ أثناء التحقيق أو
المحاكمة بما يخالف نظام محاكمة الوزراء ، وفي هذه الحالة قد يأمر الملك بإعادة
المحاكمة، أو يأمر بالعفو عن المتهم، أو بتخفيف العقوبة([45]).
ويظهر جلياً أن هيئة محاكمة الوزراء
هيئة قضائية تمارس التحقيق والمحاكمة وتوقيع العقوبات وإصدار الأحكام كالحاكم
تماماً .
والحقيقة أن محاكمة الوزراء تدخل فقهاً
في اختصاص قضاء المظالم كما جاء في الأحكام السلطانية ، وديوان المظالم أكثر
اختصاصاً وتأهيلاً لهذا العمل من اختيار قضاة من السلك القضائي، أو إحالة القضية
للقضاء العادي – المحاكم .
ثالثاً : لجنة قضايا التزوير :
تتكون هذه اللجنة من وزير الداخلية ،
أو من ينيبه رئيساً ، وعضوين من ديوان
المظالم ، وعضو من وزارة الداخلية ، ومستشار من رئاسة مجلس الوزراء([46])، وتنظر
هذه اللجنة في جرائم تزوير العملة وتزييفها ، وتحقق فيها ، وتطبق على مرتكبيها
العقوبات التي نص عليها نظام عقوبات التزوير وتزييف العقود الصادر سنة
1380هـ/1960م ذو الرقم (653) في إحدى عشرة مادة ، ونظام مكافحة التزويـر الذي صدر
بتاريخ 1381هـ/11/5/1961م ،وتعديلاتـه الصادرة سنة 1383هـ/1963م ، والعقوبات فيها
إما السجن والغرامة ، أو الغرامة فقط ، أو السجن فقط([47]) ،ثم ألغيت
هذه اللجنة ، وأصبح تقرير عقوبة التزوير من أعمال ديوان المظالم .
رابعاً : اللجنة الجمركية :
نص « نظام الجمارك » واللائحة
التنفيذية عام 1372هـ/1952م على تكوين اللجان الجمركية ، وعدّها محكمة إدارية ، وتختص بالنظر في جميع قضايا التهريب،
أو الشروع فيه ، والفصل في ذلك ، واللجان لها الحق في سماع الشهود ، واستجواب
المتهم بالتهريب ، وجمع الأدلة على المخالفة ، والتحقيق ، وتعد قراراتها صحيحة ما
لم يطعن فيها بالتزوير ، وتشكل كل لجنة بقرار من وزير المالية ، ويحدد لها منطقة
العمل .
ويحدد النظام العقوبات المقررة للجرائم
الجمركية ، وهي الغرامة والحبس من ثلاثة أشهر إلى ثلاث سنوات .
وهذا يعني فصل هذه الجريمة عن اختصاص
القضاء الشرعي ، وإيجاد محاكم إدارية خاصة لها، وإن وصفها بالمحكمة الإدارية لا
يغير من حقيقتها شيئاً ؛ لأنها مختصة بالمحاكمة وإنـزال العقاب ، وهو عمل قضائي
بحت ، وليس عملاً إدارياً([48]).
خامساً : هيئة حسم المنازعات
التجارية :
أصدر وزير التجارة عام 1384هـ/1965م قراراً برقم (262) بتشكيل هيئة فض
المنازعات التجارية تطويراً للمحكمة التجارية ، ثم أصدر قراراً بتشكيل هيئة
منازعات الشركـــات ، وفي سنة 1385هـ صدر « نظــــام الشركات » ،وجعل الباب الثالث
عشر منه في العقوبات ( م229–231 )، والباب الرابع عشر في هيئة حسم منازعات الشركات
التجارية ( م232 )، ثم صدر قرار من مجلس الوزراء برقم (186) وتاريخ
5/2/1387هـ/1967م بدمج هيئة فض المنازعات التجــارية وهيئــة حسـم الشركات في هيئة
واحـدة تسمى « هيئة حسم المنازعات التجارية » ، وتتكون من ثلاثة أعضاء مختصين
بالشؤون التجارية ، وتصدر أحكامها التي تخضع لإعادة النظر لدى هيئة يرأسها وكيل
وزارة التجارة والصناعة، وعضوية عدد من المستشارين القانونيين .
كما نص القرار الوزاري على تشكيل هيئة
تجارية تختص بالتصديق على القرارت الابتدائية الصادرة من هيئة حسم المنازعات
التجارية ما دامت مطابقة للشريعة السمحاء والأنظمة السارية ومبادئ العدالة ، ويصبح
القرار بذلك نهائياً([49]).
يلحظ أن هذه الهيئة تتكون من إداريين ،
ليس لديهم أية خبرة قضائية ، ومـع ذلك تحكم في المنازعات ، وتصدر أحكاماً قضائية ،
وهي تدخل في النظام الإسلامي بقضاء الحسبة ، وألغيت هذه الهيئة أخيراً ،وأصبح
عملها من اختصاص ديوان المظالم .
سادساً : الغرف التجارية
والصناعية :
جاء في نظام الغرف التجارية والصناعية
أنها يعد جهات قضائية ، وذلك باللجوء إلى التحكيم إليها في المنازعات التجارية ،
بناء على اتفاقية مسبقة بين أطراف النزاع ، تنص على اختيار الغرفة التجارية لحل
النزاع عند الاختلاف ، وتتكون الغرفة التجارية من اثني عشر عضواً في المدن الكبرى
، ومن ستة أعضاء في المدن الصغرى ، وتقوم الحكومة بتعيين الأعضاء في المدة الأولى
من إنشاء الغرف ، ثم تقوم بتعيين الثلث ، وينتخب التجار الثلثين([50]).
ويظهر أن الغرف التجارية كأنها جهة
تحكيم بين التجار والشركات ، وهذا لا بأس به، فالتحكيم ورد به الشرع من جهة ، وهو
نظام معروف في جميع الأنظمة والأعراف من جهة ثانية ، ولكن المقصود من الغرف
التجارية أن تكون هيئة قضائية ، ومن ثمَّ فإنها تمثل أحد مظاهر ازدواج القضاء .
وهذه الغرف تقوم بدور الخبير في الشؤون
التجارية ، ولكن يجب أن تحال الخبرة لأحد القضاة أو المحاكم للبت في النزاع .
سابعاً : المحكمة التجارية :
صدر نظام التجارة بالأمر السامي ذي
الرقم(32) وتاريخ 15/1/1350هـ/1930م في مملكة الحجاز قبل إعلان توحيد المملكة، وبقي
بعد توحيدها سنة 1351هـ/1933م ، ولا يزال ساري المفعول حتى اليوم([51])،
وهو أطول نظام في المملكة ، ويقع في( 633 ) مادة ، ونص هذا النظام على إنشاء محكمة
تجارية ، دون أن يعترض أحد على ذلك ، ففتح الطريق لإنشاء المؤسسات القضائية
المستقلة والمنفصلة عن الـقضاء الشرعي ( المحاكم ) ، وخصـص الباب الثالث من النظام
( المـواد 432– 587) لأصـول المحـاكمـات التـجارية ، تـحت عنـوان ( المجلس التجاري
) ،وتحته (12) فصلاً.
ونص الفصل الأول على ( تشكيلات المحكمة
التجارية ) ( المواد 432 – 442 )، وشرح الفصل الثاني ( صلاحية المحكمة التجارية )
( م443 – 445 ) أي في اختصاصاتها، وحددت المادة (443) هذه الاختصاصات ، وهي :
أ– كل ما يحدث بين التجار ، ومن لهم بهم علاقة
تجارية من مشكلات ومنازعات متولدة من أمور
تجارية محضة .
ب– القضايا المنبعثة عن الصرافة .
جـ– القضايا التي تحدث بين أرباب السفن الشراعية .
د– القضايا الناشئة عن اختلاف التعهدات
والمقاولات ، وكذا الكفالات المالية
المختصة بالأمور التجارية .
هـ– القضايا التي تقع بين الشركاء في الشركات على
اختلاف أنواعها ، وكذا بين التجار والصيارفة ، وكل من لهم علاقة بهم .
وأضافت المادة (444) على اختصاص
المحكمة التجارية كل دعوى يصدر بها أمر خاص من قبل جلالة الملك .
ثم بيّنت المادة(445) القوة التنفيذية
لأحكام المحكمة التجارية أو المجلس التجاري، وأنها تكون معتبرة ونافذة الإجراء إذا
كانت موافقة لأصولها ، واكتسبت الحكم القطعي بموجب هذا النظام([52]).
واستعرض النظام إجراءات النظر أمام
المحكمة وكيفية إصدار الأحكام وتميزها على
نمط شبيه بالمحاكم الشرعية ، وتقوم المحكمة التجارية بجانب إداري وآخر قضائي ،
وتتألف من رئيس وستة أعضاء ، ثلاثة منهم أعضاء شرف ، وثلاثة ممن لهم خبرة تجارية،
ومن ذوي الديانة والاستقامة ، وعضو سابع من القضاء الشرعي .
وتختص المحكمة بالنظر في المنازعات
التجارية المحضة ، وقضايا الصـرافة النقدية والقيمية والأوراق المالية ،
والتحويلات ، وقضايا السفن والمقاولات ، والكفالات والتعهدات التجارية، وقضايا
الشركات والشركاء، وما يصدر به أمر من جلالة الملك، وتصدر أحكامها بالأكثرية ، وهي
قابلة للطعن والتمييز في المحكمة التجارية بجدة .
ونلحظ أن المسائل التجارية صار لها
هيئات قضائية عدة ، ويضاف لها هيئات أخرى، ولجان متعددة ، كلجان مكافحة الغش
التجاري ، بموجب نظام مكافحة الغش التجاري الصادر بقرار مجلس الوزراء ذي الرقم
(106) وتاريخ 14/8/1381هـ/1961م ، ولجنة الأوراق التجارية ، والهيئة الخاصة بتطبيق
العقوبات المنصوص عليها في نظام الوكالات التجارية ، واللجنة المختصة بنظر
المخالفات للمعايير والموازين والمقاييس ، واللجنة القضائية للتموين([53])،
ثم ألغيت المحكمة التجارية ، وعدلت إلى (هيئة حسم المنازعات التجارية ) .
وهكذا تتعدد اللجان التي تنظر في
القضايا التجارية بشكل غير مقبول ، وكلها تدخل في النظام القضائي الإسلامي في «
ولاية الحسبة » ، ولكن لا بد من الإشارة إلى الدقة والتوسع الذي جاء في الإجراءات
المطلوبة في المحكمة التجارية لمواكبة تطور العصر، وتوسـع التجارة ، وهذا يدخل في
السياسة الشرعية للحاكم المسلم .
ثامناً : لجان تسوية خلافات
العمل :
صدر أول نظام للعمل والعمال في المملكة
بتاريخ 25/11/1366هـ/1947م ، ونص في المادة (38) على التحكيم في نزاعات العمل
والعمال مع رب العمل ، ثم نص في المادة (40) صراحة على إخراج الخلافات العمالية من
ولاية المحاكم ( القضاء الشرعي العام )، وأسند النظر في هذه المنازعات إلى المحاكم
المحلية والهيئات القضائية التي تنشأ خصيصاً لذلك، وبذلك خرجت المنازعات العمالية
من اختصاص القضاء الشرعي ، وصار لها قضاء خاص بها([54]).
ثم أصدر مجلس الوزراء قراراً بتشكيل
لجنــة عليا لحسم خلافات العمال عام 1382هـ/1963م ، ثم صدر بعد ذلك نظــــام العمل
والعمال الحالي بالمرسوم الملكي ذي الرقم(21) بتاريخ6/9/1389هـ، الذي نصّ في الفصل
الحادي عشر ، وفي عشرين مادة على تنظيم حل المنازعات العمالية بصورة شاملة ، فعين
تشكيل اللجان واختصاصاتها ، والإجراءات المتبعة لديها ، وبعض قواعد التحكيم .
وجعل هذا النظام ( المادة 172 ) لجان
تسوية الخلافات على درجتين ، الأولى الابتدائية لتسوية الخلافات، والثانية اللجان
العليا لاستئناف الأحكام وتسوية الخلافات، وتؤلف هذه اللجان بقرار من مجلس الوزراء
بناءً على ترشيح وزير العمل والشؤون الاجتماعية .
وتتكون كل لجنة من اللجان الابتدائية
من ثلاثة أعضاء ، على أن يكون الرئيس من حملة الإجازة في الشريعة، ويكون أحد
العضوين من المجازين في الشريعة أو الحقوق، وتؤلف اللجنة العليا من خمسة أعضاء ،
ثلاثة يمثلون وزارة العمل ، وواحد يمثل وزارة التجارة ، وآخر يمثل وزارة البترول
والثروة المعدنية .
وتختص اللجنة العليا بالبت نهائياً
وقطعياً في جميع الخلافات التي تستأنف أمامها، وبفرض العقوبات التي نص عليها نظام العمل
والعمال ( المادة 176 ) ، في حين تختص اللجان الابتدائية بالنظر بشكل نهائي في
خلافات العمال التي تقل عن ثلاثة آلاف ريال، وفي وقف تنفيذ قرارات فصل العمال ،
وفي الخلافات المتعلقة بتوقيع الغرامات وطلب الإعفاء عنها، كما تصدر أحكاماً
ابتدائية قابلة للاستئناف في خلافات العمال التي تزيد عن ثلاثة آلاف ريال، وخلافات
التعويض عن إصابات العمل .
ويجب على اللجان البت في جميع
المنازعات ، فإن لم تجد نصاً في قانون العمل فإنها تستعين بمبادئ الشريعة
الإسلامية والقواعد المحلية والسوابق القضائية ومبادئ الحق والعرف وقواعد العدالة
( المادة 185 )، كما يجوز للأطراف اللجوء إلى التحكيم ، ويكون رأي المحكمين قابلاً
للاستئناف أمام اللجنة العليا ، ونصت المادة (177) على أن « يصدر مجلس الوزراء
لائحة بالمرافعات وإجراءات التوفيق والمصالحة أمام اللجان الابتدائية واللجنة
العليا»، وقد صدرت هذه اللائحة عن مجلس الوزراء بقرار رقم( 1) وتاريخ 4/1/1390 هـ([55]).
تاسعاً : الهيئات المختصة
بتأديب الموظفين :
كان تأديب الموظفين خاضعاً لنظام
الموظفين القديم الصادر بتاريخ 16/6/1958م
باستثناء الوزراء الذين يطبق عليهم نظام محاكمة الوزراء ، وكانت معاقبة
الموظف تتم إما عن طريق رؤسائه في الوظيفة بالتحقيق معه ، ثم بتوقيع عقوبة التوبيخ
والحسم من الراتب بما لا يزيد عن مرتب خمسة عشر يوماً في السنة ، وإما من قبل
مجالس تأديبية ، وهذه المجالس التأديبية قسمان ، القسم الأول : لتأديب الموظفين
الكبار (فيما يزيد عن المرتبة الثانية من النظام القديم)، ويتشكل المجلس التأديبي
هذا من وزيرين ورئيس ديوان المظالم أو نائبه واثنين من وكلاء الوزراء، وعضو يختاره
الموظف قبل أسبوع من موعد المحاكمة ، وبشرط ألا تقل مرتبته عن مدير عام ، والقسم
الثاني : لتأديب الموظفين من الدرجة الثالثة فما دون بحسب النظام القديم ، ويتكون
هذا المجلس من اثنين من المديرين العامين ، ومندوب عـن ديوان الموظفين العام ،
ويتم استئناف قرارات هذا المجلس إلى مجلس استئناف: يتكون من وكيل وزارة ، ووكيل رئيس ديوان الموظفين العام ، ومستشار
قانوني بمرتبة مدير عام ، وموظف بمرتبة مدير عام .
ثم صدر نظام تأديب الموظفـــين بقرار
مجلس الوزراء ذي الرقم (1023) وتاريخ 27/1390هـ ، والمرسوم الملكي ذي
الرقم(7)تاريخ 1/2/1391هـ الذي ألغى نظام التأديب السابق لما فيه من عيوب توزيع
جهات التأديب ، وعدم الثبات والاستقرار لهذه الهيئات([56]) .
وأنشأ النظام الجديد مؤسسات ثابتة
ومستقرة ومختصة بتأديب الموظفين ، وترك للجهاز الإداري وللرؤساء محاسبة الموظف عن
عمله ، على حين تنحصر العقوبات الجزائية بالهيئة المختصة بذلك .
ويتألف النظام من أربعة أقسام، وهي: هيئة الرقابة
والتحقيق، وهيئة التأديب ، وأحوال التحقيق والتأديب ، ثم في أحكام عامة ، ويهمنا
الهيئة الأولى والثانية .
1-
هيئة الرقابة والتحقيق :
نصت المادة الأولى على إنشاء هيئة الرقابة والتحقيق، وترتبط مباشرة برئيس مجلـس
الـوزراء ، وتشكل من رئيس لا تقل مرتبته عن المـرتبة الخامسة عشرة، ( وهي أعلى
مرتبة في نظام الموظفين الجديد ، والمسمى نظام الخدمة المدنية ) ووكـيلين أو أكثر،
لا تقل مرتبة كل منهما عن المرتبة الثالثة عشرة ، ومن عدد كاف من الأعضاء ذوي
الاختصاص ، ويلحق بالهيئة عدد كاف من الموظفين الإداريين ، ونصت المادة الثانية
على أن تعيين الرئيس والوكلاء وإنهاء خدماتهم يتم بأمر ملكي ، وتشمل هيئة الرقابة
والتحقيق جهازاً للرقابة ، وجهازاً للتحقيق لتوزيع الأعمال بينهما .
2-
هيئة التأديب : وتتألف
من رئيس ونائب واحد ، ويتم التعيين والعزل بأمر ملكي أيضاً ، وهم في المرتبة
والمزايا كرئيس هيئة الرقابة والتحقيق ووكيله .
وتختص هيئة الرقابة اللازمة للكشف عن
المخالفات المالية والإدارية ، وفحص الشكاوى المحالة من الوزراء والجهات الرسمية ،
وإجراء التحقيق في المخالفات المالية والإدارية التي تكشف عنها الرقابة وما يحال
إلى الوزراء ، والجهات الرسمية ومتابعة الدعوى التي تحال لهيئة التأديب ، مع اتباع
إجراءات خاصة في التحقيق والتفتيش وغيرهما.
ويلحظ أن هذه الأعمال من الرقابة
والتفتيش تدخل في اختصاص ديوان المظالم بحسب النصوص الفقهية ، وبحسب نظام ديوان
المظالم الحالي ، ثم ضمت الهيئات المختصة بتأديب الموظفين إلى ديوان المظالم بموجب
نظامه الجديد .
أما هيئة التأديب فتختص بالنظر في
القضايا التي تحال إليها من هيئة الرقابة والتحقيق ، ويقوم بالنظر في القضايا
مجالس تشكل مـن رئيــس الهيئة ، ومـن رئيــس وعضوين وأمين للمجلس ، وبحضور مندوب
عن هيئة الرقابة والتحقيق ، وتسير بحسب إجراءات خاصة ، ويمكن توقيع العقوبات
التالية على الموظف ، وهي : الإنذار، واللوم ، والحسم من الراتب بحدود ثلاثة أشهر
، والحرمان من العلاوة ، والفصل ، وذلك بحسب الجريمة التي ارتكبها الموظف بمخالفة
الأنظمة المطبقة .
عاشراً : المجالس التأديبية
للعسكريين :
إن تأديب العسكريين يتم بحسب نظام
العقوبات للجيش العربي السعودي الصادر بالإدارة السنية برقم 10/8/95 وتاريخ
11/11/1366هـ ، وذلك عن طريق المحاكمات العسكرية .
ويتكون ديـوان المحاكمات العسكرية مـن
رئيس وأربعة أعضاء وكاتـب ضبط ، ويكون أعلـى الأعضاء رتبة هو الرئيس ، ويتم تبديل
أعضاء الديوان كلهم أو بعضهم مرة كل ستة أشهر .
ويختص ديوان المحاكمات العسكرية
بمحاكمة المتهمين في الجيش بارتكاب الجنح والجنايات العسكرية ، ويطبق عليها
العقوبات الإرهابية والتأديبية المنصوص عليها في النظام ، كما ينظر الديوان في
المخالفات العسكرية التي يطبق عليها النظام الداخلي للجيش، ونص نظام العقوبات في
الفصل الثاني ( م –13 – 19 ) على أصول المحاكمة الجزائية ، أي على المرافعات
والإجراءات التي يسير عليها الديوان في التحقيق والمحاكمة والتنفيذ .
وتعرض نظام العقوبات في الفصل الثالث
إلى توزيع الاختصاص بين ديوان المحاكمات العسكرية والمحاكم الشرعية ، فجعل الجنح
والجنايات الشخصية التي يرتكبها أفراد الجيش، وتشمل القتل والجروح والسرقة والحدود
، وكذلك الحقوق الشخصية ، من اختصاص المحاكم الشرعية ، وإن كان المرتكب في السلك
العسكري ، سواء وقـعت هذه الجـرائم غـير العـسكرية داخل الثكنات والمعسكرات ، أم
خارجها ، فإن وقعت داخل الثكنات فإنها تحال إلى المحالكم الشرعية بعد التحقيق فيها
( م /35 ) .
والجنايات العسكرية قسمان :
القسـم الأول : الجنايات
العسكرية الكبرى ، وهي الخيانة العظمى ، والخيانة الوطنية، والخيانة الحربية ،
ويطبق عليها العقوبات الإرهابية التي تشمل الإعدام ، والنفي، والطرد المؤبد من
السلك العسكري ، والسجن لمدة 15 سنة ، ويجب أن يكون قرار العقاب الإرهابي بالإجماع
، وأن يصدق عليه من الملك .
القسم الثاني : الجنايات
والجنح العسكرية الأخرى ، وهـي ســوء الاسـتعمال الـحربي ، وسوء الاستعمال في الإدراة
العسكرية ، والاختلاس ، والفرار دون مقصـد حـربي ، والتجهيز ، والهيجان لغير مقصد
حربي ، وقبول الرشوة ، والتزوير ، والتدليس، والإهمال في تنفيذ الأوامـر ، ويطبق
عليها العقوبات التأديبية ، وهي العقوبة بالحد المخفف في حالات عدم العلم ، وعدم
التعمد ، أو عدم الضرر ، أو كان المتهم متزوجاً وذا عائلة ، أو كان خالياً من
السوابق ، وتصدر قرارات الحكم التأديبي بالأغلبية .
وإن قرارات ديوان المحاكمات العسكرية
قطعية ، ولا يجوز نقضها ، إلا بقرار من وزير الدفاع أو القائد الأعلى للجيش عند
التضارب والتناقض بين الحكم وحيثياته ، وعند ظهور نقص في التحقيق أو إهمال في
الإجراءات ، أو ثبوت التحيز في المحاكم ، أو وقوع ضغط أو تأثير من جهة أخرى([57]).
حادي عشر : المجالس التأديبية
لقوات الأمن الداخلي :
يطبق على قوات الأمن الداخلي النظام
الخاص بهم الذي صدر سنة 1384هـ ، وتشمل قوات الأمن الداخلي : أفراد الشرطة ، وخفر
السواحل ، وسلاح الحدود ، وفرق الإطفاء ، والمباحث العامة ، ونص النظام في الباب
السابع منه على « الواجبات والمحاكمات والجزاءات » ،وبيّن في المواد ( 119 – 128 )
إجراءات التحقيق ، وشرح في المواد ( 139 – 156 ) إجراءات المحاكمة .
والجرائم التي يعاقب عليها نظام قوات
الأمن الداخلي هي الجرائم نفسها التي مرت في نظام العقوبات للجيش ، ويضاف إليها
المخالفات التي يرتكبها أفراد قوات الأمن ، كالإدلاء بمعلومات تتعلق بعملهم،
والاشتغال بما يتعلق بالسياسة ، والزواج بأجنبية من غير الدول العربية دون إذن خاص
، ومزاولة الأعمال التجارية ، والاشتراك في تأسيس الشركات ، أو قبول عضوية إدارتها
، أو أي منصب فيها .
ويتم التحقيق من قائد القوة أو المفتش
المركزي ، أو أي ضابط تعينه القيادة التي يرتبط بها المتهم ، على ألا تقل رتبة
المحقق عن رتبة المتهم ، وفي جرائم التعدي على الأشخاص والأموال يقوم بالتحقيق
هيئة يشكلها المدير العام ، ثم تصدر أوامر الإحالة إلى المحاكمة من المدير ، أو
قائد المنطقة ، أو وزير الداخلية بحسب رتبة المتهم ، فإن كانت الأدلة غير كافية
فتحفظ الأوراق ، ويكتفى بتوقيع جزاء إداري ، وإن استكملت الأوراق والتحقيق أحيل
إلى المجالس التأديبية ، وهي:
1-مجلس
تأديبي مؤلف من ثلاثة ضباط ، بناءً على أمر المدير المحلي ، أو قائد المنطقة،
ويحاكم الجنود وضباط الصف .
2-مجلس
تأديبي يشكل من المدير ، ويتكون من ضابط
أعلى من رتبة المتهم، وضابطين برتبة المتهم، أو أعلى، وللمدير العام أن يعين
مستشاراً قانونياً فيها، وليس له حق
التصويت، ويحاكم هذا المجلس الضابط فيما عدا رتبة لواء وفريق.
3-مجـلس
استئنافـي مشـكل من وزير الداخلية ، يتكون من ضابط برتبة زعيم (عميد) فما فوق،
وضابطين من رتبة المتهم ، أو أعلى ، ومستشار قانوني ، وليس له حق التصويت ، ويختص
هذا المجلس باستئناف الأحكام الصادرة من المجلسين المذكورين سابقاً .
4-مجلس
تأديبي يشكل من مجلس الوزراء ، ويتكون من وزيرين ورئيس ديوان المظالم أو نائبه
واثنين مـن وكلاء الوزارات ومستشارين من مجلس الوزراء أحدهما عسكري والآخر قانوني
، وعضو يختاره الضابط المتهم ، ويكون برتبة لواء على الأقل ، وليس له حق التصويت
ولا حضور المداولات ، ويختص هذا المجلس بمحاكمة الضباط من رتبة لواء أو فريق ،
ويكون قراره قطعياً بعد تصديق رئيس مجلس الوزراء.
وتصدر قرارات المجالس التأديبية بالأكثرية، ويمثل النيابة العامة نائب
عسكري، وإن أحيلت القضية للمحاكم الشرعية
فلا ينظر فيها المجلس التأديبي إلا بعد صدور حكم شـرعي، ثم يحال المتهم إلى
المجالس التأديبية.
والعقوبات التي تطبق على قوات الأمن
الداخلي هي : الإنذار والتوبيخ ، وخدمات إضافية ، والتوقيف ، وتأجيل موعد العلاوة
، والخصم من الراتب ، وخفض الراتب أو المرتبة ، أو خفضهما معاً ، والفصل من الخدمة([58]).
وأخيراً : فإنه لا مانع من الناحية
الشرعية تخصيص القضاء من الناحية الموضوعية أو النوعية، وإنشاء محاكم مخصصة للنظر
في قضايا محـددة ، وأمور خاصـة يبينها ولي الأمر المسلم، (وهو الخليفة ، أو الإمام
، أو نائبه ، أو مجلس الشورى ، أو مجلس الأمة، أو مجلس الــوزراء، ووزير
العـــدل)، وهـو ما فصله الفقـهاء ، فقال الماوردي : « ويـجــــوز أن يكـون
القاضـــــي عـام النظـــــر ، خاص العمل »([59])، وقال ابن
قدامة : « ويجوز أن يولي قاضياً عموم النظر في خصوص العمل ... ، ويجوز أن يقلده
خصوص النظر في عموم العمل ، فيقول : جعلت إليك الحكم في المداينات خاصة في جميع
ولايتي ، ويجوز أن يجعل حكمه في قدر من المال ... ، ويجوز أن يولي قاضيين وثلاثة
في بلد واحـد، ويجعل لكل واحـد عملاً فيولي أحدهم عقـود الأنكحة ، والآخر الحكم في
المداينات، وآخر في العقار »([60])،
أقول : يـجوز ذلك ، ولكن بشرط أن تكون جميع المحاكم والهيئات القضائية خاضعة
للشريعة الغراء في تعيين القضاة، وفي الأحكام التي تصدرها، وأنـه لا مـانع من
التوسع فـي الهيئات القضائية مع اتساع أعمال الدولة ، ونشاطاتها، والأعمال الجسام
التي تقوم بها .
الفصل
الرابع
نظام
تركيز مسؤوليات القضاء الشرعي
إن الإجراءات المطبقة في المحاكم
الشرعية في المملكة مأخوذة من الفقه الإسلامي ، ومقننة في مواد وقانون اسمه « نظام
تركيز مسؤوليات القضاء الشرعي وتحديد اختصاصه » الذي صدر برقم (109) وتاريخ
24/1/1372هـ ، ويتكون من (258) مادة([61])، ويحتوي هذا
النظام على ثمانية أبواب ، وهي :
أولاً: رئاسـة القضاء (م1–36) التي حل محلها وزارة
العدل في الأمور الإدارية، ومجلس القضاء الأعلى في الجوانب القضائية .
ثانياً: تفتيش المحاكم الشرعية (م37–50) .
ثالثاً: قضاء المحاكم الشرعية (م51–85) .
رابعاً: كتاب المحاكم الشرعية (م86–167) .
خامساً :
المحاضر (م168–176) .
سادساً: كتاب
العدل (م177–205 ) .
سابعاً: دوائر
بيت المال (م206–249) .
ثامناً: مواد
عمومية ، وهي أحكام انتقالية لتطبيق هذا النظام للقضاء الشرعي، مع بعض الأحكام
العامة التي تتعلق بالنظام عامة (م250–258) .
ونلحظ أن نظام تركيز مسؤوليات القضاء
الشرعي تناول الجانب القضائي والمحاكم، كما تناول أموراً إدارية لا صلة لها
بالقضاء كالتفتيش ، وشمل أعوان القضاة الذين يساعدون القضاة ، وهم المحضرون وكتاب
المحاكم ، كما تعرض للحديث عن دوائر ليست قضائية بالمعنى الخاص ، وليس من اختصاصها
الفصل في المنازعات ، ولكن تتبع المحاكم لصلتها القوية بها ، وهي دوائر كتاب العدل
، ودوائر بيت المال ، ونريد أن نعطي فكرة موجزة عن هذا النظام .
أولاً : المجلس الأعلى للقضاء :
نص نظام مسؤوليات تركيز الـقضاء على
الأحكام المتعلقة برئـاسة القضاء في المواد ( 1 – 36 ) ، ثم تعدل اسمه إلى «
المجلس الأعلى للقضاء » .
ويتكون المجلس الأعلى للقضاء من رئيس
ومعاون أول ، ومعاون ثان ، وأربعة أعضاء ديوان أقسام عدة ( م 1 ) .
ويقوم المجلس الأعلى للقضاء بأعمال
متنوعة ، وهي الإفتاء ، والقضاء، والأعمال الإدارية الأخرى، وخاصة الإشراف الإداري
والقضائي على الدوائر القضائية في المملكة، وصارت هذه الأعمال بعضها من اختصاص
وزارة العدل، وبعضها من اختصاص المجلس الأعلى للقضاء، وكانت رئاسة القضاء تختص بما
يأتي:
1-الرقابة
التامة على المحاكم وكتاب العدل وتفتيش المحاكم .
2-إن
رئاسة القضاء هي المرجع الوحيد للدوائر السابقة من النواحي الشرعية والإدارية
كافة.
3-إنه
الوسيط بين الدوائر القضائية وملحقاتها وبقية الدوائر والمؤسسات في الوزارات،
فيتلقى المجلس الأعلى للقضاء جميع الأوامر
والتعليمات والنظم الصادرة ، ثم يبلغها إلى الدوائر القضائية المختلفة ، كما يتلقى
جميع المخابرات من الدوائر القضائية، ويرسلها إلى الجهات المختصة .
4-تنظيم
الموازنة للـدوائر القضائية وتوجيهها، وإصدار الأوامر اللازمة لها .
5-تدقيق
الأحكام الشرعية والفتاوى .
6-محاكمة
قضاة المحاكم .
7-النظر
في الشكاوى التي ترفع ضد الدوائر القضائية أو أحد الموظفين فيها .
8-مراقبة
أعمال الموظفين في الدوائر القضائية .
9-تعيين
الموظفين في الدوائر القضائية ، وفصلهم ، وترقيتهم ، طبقاً لنظام المأمورين العام
( الخدمة المدنية ) .
10-
الإشراف على الهيئات الدينية ،
وهيئات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر .
11-
تعيين المدرسين في المساجد ،
وفصلهم وتنقلاتهم ، ومراقبة الدروس الدينية .
12- الإجابة عن الاستفتاء المقدم من المصالح الحكومية ، ومن
الأشخاص في الأمور التي لا نزاع فيها ولا تؤول إلى المنازعة والمحاكمة ، ثم حصل تغيير
وزيادات في عمل مجلس القضاء الأعلى في النظام الجديد ، ونقلت الاختصاصات الثلاثة
الأخيرة إلى جهات أخرى .
ثانياً : المحاكم الشرعية
واختصاصاتها :
تتكون المحاكم الشرعية في المملكة بموجب هذا النظام مما
يأتي :
1– المحكمة الشـرعية الكبرى :
ومقرها في مكة المكرمة والرياض وجدة
والدمام ، وتتكون من ثلاثة قضاة ، أحدهم رئيس للمحكمة ، ويتبع المحكمة الشرعية
الكبرى ديوان يضم : رئيس كتاب ، ومسجل،
ومقيد ، وثلاثة كتاب، وكاتب خصومات ، وأربعة محضرين ، ورئيس محضرين ، وفرّاش ،
وبواب .
وتختص المحكمة الشرعية الكبرى بالنظر
في جميع الدعاوى التي تقدم إليها مما هو خارج عن اختصاص المحاكم المستعجلة ، ويقوم
رئيس المحكمة الشرعية الكبرى بتقسيم الدعاوى على قضاة المحكمة تقسيماً عادلاً ،
بما فيهم الرئيس المـذكور ، لينظر كل منهم في نصيبه على حده (م55) ، ثم يجتمع قضاة
المحكمة لإصدار الحكم بموافقتهم الإجماعية أو بالأكثرية ، أما إذا كانت القضية
فيها قطع أو قتل فلا ينظر فيها القضاة منفردين ، بل تنظر القضية بحضور جميع هيئة
المحكمـة .
2– المحكمة الشرعية:
وتقوم بوظيفة المحكمة الشرعية الكبرى
نفسها في المدن الرئيسة كالمدينة والطائف وينبع والوجه .
وتتكون المحكمة الشرعية من قاض واحد ،
ونائب له ، مع عدد من الموظفين كرئيس كـتاب ومقيد ومسجل وكاتب ضبط ومحضرين ورئيس
لهم وبواب .
وتختص هذه المحكمة باختصاصات المحكمة
الشرعية الكبرى السابقة نفسها، وهي كل القضايا التي لا تدخل في اختصاص المحاكم
المستعجلة ، كما يقوم القاضي الشرعي بمهمة كاتب العدل عند فقده ، وتكون صلاحياته
واختصاصه كاختصاص كاتب العدل وصلاحيته (
م252 ) .
3– المحاكم المستعجلة :
وتتكون المحاكم المسـتعجلة في مكة
المكرمة من قاضيين، لكل منهما كاتب، أما في المدن الأخرى كجدة والمدينة، فتتكون
المحاكم المستعجلة من قاض واحد وكاتب وخادم.
وتنقسم المحاكم المستعجلة
في مكة فقط قسمين :
أ-المحكمة المستعجلة
الأولى :
واسمها
محكمة الأمور المستعجلة الأولى ، وتنظر في جميع الدعاوى المدنية والجنائية، إلا
إذا كانت التعزيرات الشرعية والحدود فيها قطع أو قتل فلا تنظر فيها، وتكون من
اختصاص المحكمة الشرعية الكبرى في مكة المكرمة، والمحكمة الشرعية في المدن الأخرى،
وكذلك الدعاوى المالية إذا كانت تزيد عن 360 قرشاً سعودياً، ثم صار المبلغ 300
ريال، ثم صار 500 ريال، ثم أصبح 800 ريال، وهكذا تتم زيادته كل مدة.
ب-
المحكمة المستعجلة الثانية :
وتسمى محكمة الأمور
المستعجلة الثانية ، ومقرها في مكة المكرمة ، وتنظر في أمور البادية ؛ نظراً
لطبائعهم وتقاليدهم ، والحاجة إلى معالــجة أمورهم بالسياســة والحكمـة، إلا
العقارات فإنها من اختصاص المحكمة الشرعية الكبرى([62]) .
أما في غير مكة من المدن الأخرى
كالمدينة وجدة فتنشأ محكمة واحدة هي محكمة الأمور المستعجلة ، وتختص بالنظر في
اختصاصات المحاكم المستعجلة الأولى والثانية .
وإن الدعوى التي يصل فيها الحكم إلى
القطع أو القتل لا تعرف إلا بعد دراستها والنظر فيها، ولذلك فإن الدعاوي لا تخرج
عن اختصاص المحاكم المستعجلة ، ولذلك تنظر المحاكم المستعجلة في جميع دعاوي
الجرائم والحدود كالسرقة والقتل ، فإن تبين لها أن عقوبة المتهم ستكون قتلاً أو قطعاً
أحالت الدعوى إلى المحكمة الشرعية الكبرى ، أو المحكمة الشرعية في المدن، وهذا ما
أكده قرار مجلس الشورى بتاريخ 29/5/1346هـ «أنه لا وجه لامتناع المحكمة الأولى في
النظر في جميع دعاوي السرقة والتهم ، فإذا ظهر بعد ذلك أنها تصل إلى القطع أو
القتل تحال إلى المحكمة الشرعية لإجراء اللازم »([63]).
وإن حكمت المحكمة المستعجلة بالقطع أو
بالقتل فيكون حكمها باطلاً ؛ لأنه خارج عن اختصاصها .
ويلحظ أن المحاكم في المدن الكبيرة
كالرياض ومكة وجدة والمدينة تتألف من المحاكم الشرعية والمستعجلة ، أما في المدن
الأخرى وعواصم الأقاليم فيوجد محكمة شرعية تختص بالنظر في جميع منازعات هذه المدن
والقرى المجاورة لها ، ولا يوجد في هذه المدن محاكم مستعجلة .
ثالثاً : قضاة المحاكم الشرعية
:
حددت المادة(51) من نظـــام تركيز
مسؤوليات القضـــاء الشرعي الصادر سنة 1372هـ أسماء القضاة مع التصنيف الوظيفي لهم
بالألقاب ، وهي :
1-رئيس
المحكمة: ويطلق على القاضي الأول لكل محكمة فيها نائبان فأكثر .
2-القاضي:
وهذا اللقب يطلق على الحاكم الشرعي لكل محكمة فيها قاضٍ واحـد، أو قاض ونائب .
3-المعاون
: وهو النائب الأول في المحكمة التـي يـكون فيها نائبان فأكثر ، فالأول يسـمى «
معاون رئيس المحكمة »، وله اختصاصات الرئيس عند غيابه.
4-نائب
القاضي : وهو القاضي الثاني أو الثالث في كل محكمة فيها قاضيان فأكثر ، وللنائب
اختصاصات المعاون .
5-قاضي
المستعجلة الأولى : وهو القاضي الذي يفصل في قضايا الجنح والتعزيرات التي لا قطع
فيها ، وفي الدعاوي المالية التي لا تزيد عن 800 ريال ، وفيما عدا ذلك من
الصلاحيات المخولة له بحسب نظام المرافعات الشرعية .
6-قاضي
المستعجلة الثانية : وهو القاضي الذي ينظر في أمور البادية وما يتعلق بها في كل
بلدة فيها مستعجلتان .
7-قاضي
المستعجلة فقط : وهذا اللقب يكون للحاكم الشرعي في كل بلدة ليس فيـها مستعجلتان ،
وفيها قاضٍ .
ثم صدر مرسوم ملكي بتاريخ 22/4/1387هـ
بكادر القضاة ، وفصل قواعد تعيين القضاة وترقيتهم ونقلهم وإعارتهم وتقاعدهم
ومعاقبتهم ، ويعتمد تصنيف القضاة على مبدأ الأقدمية في شروط التعيين والترقية ،
وعلى اشتراط توافر المؤهل العلمي من كليات الشريعة في المملكة ، دون غيرها ،
لاعتماد التدريس فيها على المذهب الحنبلي ، خلافاً لبقية الكليات خارج المملكة ،
ثم تمَّ معادلة بعض الشهادات من خارج المملكة ، وعين أصحابها في سلك القضاة .
وفي 14/10/1395هـ صدر المرسوم الملكي
برقم( م/76 )لتعديل درجات السلك القضائي على أن تكون كما يأتي :
ملازم قضائي ، قاضي جـ ، قاضي ب ، قاضي
أ ، وكيل محكمة ب ، وكيل محكمة أ، رئيس محكمة ب ، رئيس محكمة أ ، قاضي التمييز ،
رئيس محكمة التمييز ، رئيس مجلس القضاء الأعلى([64]).
كما حدد كادر القضاة العقوبات
التأديبية بالإنذار والتوبيخ والفصل ، وتنحصر عقوبة الفصل على القضاة الملازمين
فقط دون غيرهم ، وهذا يؤكد الحصانة القضائية للقاضي ، فلا يعزل من وظيفته بسبب
أعماله وأحكامه التي يصدرها ، أما القاضي الملازم فيعد تـحت التجربة ، وهو قاض
متمرن ، فإن تبين أو ثبت عدم جدارته فيفصل.
ويتم إيقاع العقوبة من مجلس تأديبي
مكون مـن رئيس مجـلس القضاء الأعـلى ، ورئيس هيئة التمييز ، وأحـد أعضاء هيئـة
التمييز ، وثلاثة من رؤسـاء المحاكـم الشـرعية الكبرى في الرياض ومكة وجدة والدمام
بحسب الأقدمية ، ويختص المجلس التأديبي بالأمـور الآتية :
1-
تعيين القضاة وترقيتهم .
2-
اتخاذ الإجراءات التأديبية ضد القضاة .
3-
تقاعد القضاة .
4-
النقل والإعارة .
5-
النظر في تظلمات القضاة من التقارير التفتيشية
عنهم .
وفي مجال التعيين والترقية والتقاعد
فإن سلطة المجلس التأديبي تقتصر على الترشيح والاقتراح ، ثم يصدر أمر ملكي بذلك([65]).
رابعاً : أعوان القضاة :
نص نظام تركيز مسؤوليات القضاء الشرعي
لعام 1372هـ في الباب الرابع والخامس على كتَّاب المحاكم الشرعية ، وعلى المحاضرة
الذين يساعدون القضاة في أعمال المحاكم الشرعية .
ومن أعوان القضاة المترجمون ، والخبراء
، ومأمورو بيوت المال ، والوكلاء؛ أي: المحامون ، ونفرد الكلام على كتاب المحاكم
الشرعية ، والمحاضرة .
1– كتاب المحاكم الشرعية :
لقد أسهب النظام السابق في الحديث عن
كتَّاب المحاكم الشرعية ، وتناول أحوالهم عدد كبير من المواد ( 86 – 167 ) .
ويشمل كتاب المحاكم الشرعية رئيس
الكتاب، أو الكاتب الأول، وكاتب الضبط، ومعاون كاتب الضبط ، ومقيد الأوراق،
والمبيض، والسجل، ومأمور الإضبارات .
ويقوم رئيس الكتاب أو الكاتب الأول
بأعمال إدارية وتفتيشية ، فـهو المسؤول عـن أعمال الكتبة وموظفي المحكمة والمحضرين
( المادة 100 ) ،كما يقوم ببعض الأعمال الفنية ، مثل :تحرير الأجوبة، والخطابات
الصادرة من المحكمة، والتوقيع بظهر الصكوك ، والختم في السجل على المعاملات،
وتصحيح جميع المسودات والتحريرات الصادرة من المحكمة ، والقيام بعمل شهادات
التوكيل، وإجازة مأذوني الأنكحة .
أما كاتب الضبط فإنه يعمل تحت يدي
القاضي ، ويلازمه باستمرار ، ويظهر على منصة القضاء دائماً ، ويدوّن جميع الدعاوى
والمرافعات والإقرارات ، ويحفظ أوراق المعاملات ، ويتلو دعوى المدعي على المدعى
عليه بحضور الحاكم ، ويأخذ توقيع المترافعين والشهــود وتنظيم الصك ، ويقوم معاون
كاتب الضبط بمساعدته في الأعمال السابقة([66])، ( المادة
127 ) .
ويعمل مقيد الأوراق بقيد كل معاملة ترد
إلى المحكمة أو تصدر مـن المحكمة ، مع قيد المعاملات التي تحال إلى موظفي المحكمة
لرصدها ومعرفة حركتها ، ويقيد الصكوك المحالة إلى السجل ، ويسلم الصكوك لأصحابها ،
ويحفظ الدفاتر وغير ذلك .
أما المبيض فإنه يقوم بنسخ جميع
المخابرات الصادرة من المحكمة ، ويساعد مقيـد الأوراق في أعماله ، وينفذ ما يعهـد
إليه رئيس الكـتاب ( المواد 140 – 142 ) .
ويقوم المسجل بتسجيل الصكوك التي
يحيلها إليه القاضي أو قلم المحكمة ، ويسجل هذه الصكوك حرفياً بالسجل المخصوص ،
ويرقم السجل ويقدمه للقاضي ، ليختم عليه بختم المحكمة على كل صفحة ، ويعمل الفهرست
للسجل ، كما يقدم السجل للقاضي يومياً ، ليوقع على المعاملات التي جرت لديه ، كما
يقدم صوراً للسجل عند الطلب ، ويحافظ على السجلات ، ويساعد المسجل في أعماله كاتب
السجل ، كما يحل كاتب السجل محل المسجل عند غيابه .
أما مأمور الإضبارات فيحفظ المخابرات
التي تصدر من المحكمة بمحفظة خاصة ، كما يحضر الأوراق المحفوظة للقاضي ورئيس
الكتاب ونواب القاضي عند طلبها ، كما يحفظ الدفاتر ومحفوظات المحكمة الشرعية كلها
.
2– المحضرون :
وهم الذين يقومون بإحضار الخصُوم ومن
يلزم حضورهم إلى المحكمة ، ويتلقون الأوراق الصادرة من المحكمة لحفظها وإيداعها
وتبليغها إلى أصحابها ، كما يتولون حفظ النظام في غرفة المحاكمة ، وإدخال أرباب
المصالح إلى القاضي ، ويصحبون القضاة عند النظر في الدعاوي خارج المحكمة ، ويحملون
لهم الإضبارات ، ويحفظون التركات وغيرها عند الطلب .
ويتكون جهاز المحضرين : من رئيس
المحضرين وعدد من المحضرين ، وهو ما نص عليه نظام تركيز مسؤوليات القضاء الشرعي
لعام 1372هـ، في المواد (168– 176).
ويتولى رئيس المحضرين رئاسة العمل
بينهم ، ويتلقى الطلبات والأوراق من رئيس الكتاب أو الموظف المخصص ، ويوزعها على
المحضرين توزيعاً عادلاً ، ليقوموا بإحضار الخصوم ، وإيصال الأوراق ، كما يجلس
بالقرب من غرفة القاضي لإدخال أرباب المصالح بطلب القاضي ، ويحافظ على نظام
المراجعين([67]).
خامساً : الدوائر الملحقة
بالمحاكم الشرعية :
إن بعض الدوائر تكون ذات ارتباط وثيق
بالمحاكم الشرعية ، مثل دوائر كتاب العدل، ودوائر بيت المال .
ونصّ نظام تركيز مسؤوليات القضـاء
الشـرعي الصادر سنة 1372هـ في الباب السـادس على كتاب العدل (المواد 177– 205)
،كما أن كادر القضاة الصادر سنة 1387هـ/ 1967م وضع كتاب العدل وكتاب الضبط في ملحق
تابع للكادر ، مع اختلاف العمل بينهما ، وأن كادر كتاب العدل يتمتع بالصفة
الإدارية ، لكن يلحظ في الملحقات والقرى التي لا يوجد فيها كتاب العدل أن القاضي
الشرعي يقوم بأعمال كاتب العدل ، وله الاختصاص والصلاحيات نفسها التي يتمتع بها
كاتب العدل([68])،
كما نصت المادة (177)من نظام تركيز مسؤوليات القضاء أن دائرة العدل ملحقة بالدوائر
الشرعية ( أي بالمحاكم الشرعية ) ضمن صلاحياتها الممنوحة في نظامها الخاص .
وتتكون دائـرة كاتـب العـدل من الرئيس
والمعاون والكتبة بحسب الحاجة واللزوم ، ويسمى الكتبة بمسجل الصكوك ، ومقيد
الأوراق ، والمبيض .
ويختص كاتب العدل بالنظر في الإقرارات
، وضبطها في الدفتر ، وأخذ التوقيع عليها، وإصدار الصكوك بالإقرارات والعقود
وتنظيمها شرعياً ، وفق مذهب الإمام أحمد، مع التوقيع والـختم ، ثم تحال الصكوك
للمسجل ، لتسجيلها بالسجل حرفياً ، وبعد مطابقتها منه ومن المسجل، كما يقوم كاتب
العدل بالشرح على هوامش السجلات والصكوك ، وإعطاء الصور عنها ، والتثبت مـن الصكوك
والمستندات المقدمة من المتعاقدين أو أحدهما ، وحفظ الـختم الرسمي ، كما يقوم بضبط
الإقرارات عند الحاجة كالمرض .
أما معـاون كاتب العـدل فإنـه يقوم
مقام كاتب العدل عند غيابه ، ويقوم بضبط الإقرارات في ضبوتها بعد تصحيحها من كاتب
العدل ، ومساعدة كاتب العدل في جميع ما هو من صلاحياته ( المادة 202 ) .
ويقوم مسجل الصكوك ومقيد الأوراق
باختصاصات مسجل الصكوك ومفيد الأوراق وصلاحياته نفسها في المحاكم الشرعية ( المادة
203 ) ، على حين يقوم المبيض بتبييض الصكوك وجميع المحررات الصادرة وكل ما يلزم
نسخه في الدائرة ، وتحرير الكشوف ضمن اختصاص المبيض وصلاحيتة بالمحاكم الشرعية ،
كما يقوم المبيض بكل ما يعهد إليه كاتب العدل أو معاونه ضمن صلاحيتهما .
ومما يلحق بالمحاكم الشرعية دوائر بيت
المال ، وهي الدوائر المختصة بقيد الوفيات، وضبط التركات ، وتقسيمها ، وحفظ أموال
الغائبين الذين لا وكيل لهم ، وأموال القصر واليتامى من الذين لا ولي لهم .
وتتكون دوائر بيت المال من : مأمور بيت
المال ، ومعاون له ، وكاتب الصندوق، وعدد من الكتاب بحسب الحاجة واللزوم .
ولا تزال كثير من هذه الدوائر
الملحقة بالمحاكم تمارس أعمالها بموجب «
نظام تركيز مسؤوليات القضاء الشرعي » الصادر سنة 1372هـ ؛ لأن « نظام القضاء »
الجديد لم ينص عليها ، ولم يتعرض لها .
الفصل
الخامس
نظام
القضاء الجديد في المملكة
صدر « نظام القضاء » بهذا الاسم في
المملكة برقم (م/64) وتاريخ 14/7/1395هـ ، وهو المعمول به حالياً في جميع أطراف
المملكة ، ويعد هذا النظام تطـوراً عظيماً في التنظيم القضائي في المملكة ، وتغييراً
جذرياً في الصياغة ، وترتيب المحاكم ، وشروط تعيين القضاة، وما يتعلق بهم، مع
الإسهاب والتبسيط ، على حين تحدث (نظام القضاء) عن كتاب الـعدل باختصار ، على أن
تصدر لائحة خاصة بهم ، وسكت « نظام القضاء » عن كتاب المحاكم والمحاضرة ومأموري
بيت المال ، إلا في مادة واحدة ( م97 ) التي تنص على أنه « يعد من أعـوان القضاء
كتاب العدل ، والمـحضرون ، والمترجمون ، والـخبراء ، ومأمورو بيوت المال » ، كما
تعرض « نظام القضاء » للحديث عن وظيفة وزارة العدل ، وإنشاء إدارة فنية فيها ، كما
نص صراحة على استقلال القضاء وضماناته ، وقد اقترن المرسوم الـملكي عند الموافقة على « نظام القضاء » الجديد بتشكيل هيئة من مجلس القضاء الأعلى ، ومن
القضاة ، برئاسة وزير العدل ، للنظر– استثناء ولمدة سبع سنوات – في إحالة من ترى
عدم صلاحيتهم لتولي القضاء على التقاعد ، كما يستثنى خلال سبع السنوات من التقييد
في الأقدمية عند ترقية القاضي إلى درجة أعلى في السلك القضائي .
وجـاء « نظام القضاء » الجديد في مائة مادة ومـادتين ،
وينقسم سبعة أبواب ، وهي:
الباب الأول : استقلال القضاء وضماناته
( م 1 – 4 ) .
الباب الثاني : المحاكم ( م 5 – 36 ) .
الباب الثالث : القضاة ( م 37 – 86 ) .
الباب الرابع : وزير العدل ( م 87 – 89
) .
الباب الخامس : كتاب العدل ( م 90 – 96
) .
الباب السادس : موظفو المحاكم ( م 97 –
100 ) .
الباب السابع : أحكام عامة انتقالية (
م 101 – 102 ) .
وهذا النظام الجديد للقضاء في المملكة
جاء بأشياء جديدة كثيرة ، وأحدث تطوراً جديداً في نظام القضاء ، وغير الأساس
القائم في ترتيب المحاكم ودرجاتها وأسمائها التي وجدت مع المرسوم الملكي عام
1346هـ /1927م ، واستمرت دون تغيير في المراسيم الملكية التي صدرت فيما بعد ، كما
غيّر « نظام القضاء » الجديد بعض النواحي الشكلية واللفظية ، مثل اسم النظام من «
نظام تركيز مسؤوليات القضاء الشرعي واختصاصه » إلى « نظام القضاء » وغير اسم
المحاضرة إلى المحضرين ، وجاء النص على « الأحوال الشخصية» في ( المادة 10 ) بدلاً
من الأنكحة ، وذكر القضايا الجزائية بدلاً من الحدود والقصاص والتعزيرات ، كل ذلك
يجعله قريباً جداً من أنظمة القضاء في البلاد العربية الأخرى كمصر وسوريــــة ،
كما أحـــــال في كثير من المواد إلى نظـــام المرافعات وخاصة ( المادة 101 ) علماً بأن النظام المطبق يسمى
باسم « تنظيم الأعمال الإداريـة فـي الـدوائر الشــرعية » ممـا يـوحي بأنه سيصدر
نظام جديد باسم « نظام المرافعات » ،وهو العنوان المعمول به في أكثر الدول العربية([69]).
كما نص على أن تكون اللغة العربية هي
اللغة الرسمية للـمحاكم ( المادة 36 ) ، ولا أرى فائدة لهذا النص ؛ لأن المادة
الرابعة من « التعليمات الأساسية للمملكة الحجازية » الصادرة بأمر ملكي بتاريخ
21/2/1345هـ ، قد نصت على " أنَّ اللـغة العربية هي اللغة الرسمية للدولة
"([70])،
كما جاء النص على ذلك في النظام الأساسي للحكم ، ثم جـاء التأكيد على استعمال
اللغة العربية ، وعـدم جواز استعمال غيرها في المادة (482) من نظام المحكمة
التجارية ، ونصها : « لا يجوز لهيئة المجلس وغيرهم ممن يكون حاضراً أثناء المحاكمة
التكلم بغير العربية » ، ونص « نظام القضاء » الجديد على علنية المحاكمة ( م 33 )
، وأن تشتمل الأحكام على الأسباب التي بنيت عليها ، وعلى بيان مستند الحكم ( م34 )
، وأن الـمحاكم تتألف من محكمة التمييز والمـحاكم العامة والمحاكم الـجزئية ( م 5
)، ونص صراحة على اعتبار كتاب الضبط والمحضرين والمترجمين والخبراء ومأموري بيت
المال ، نص على أنهم من أعوان القضاء ، ومن موظفي المحاكم ، وجاء النص على
المترجمين والخبراء لأول مرة في التنظيم القضائي .
ونتناول في هذا البحث الموجز أهم
النقاط الواردة في « نظام القضاء » الجديد
لبيانها .
أولا : استقلال القضاء :
نصت المادة الأولى من « نظام القضاء »
على أن « القضاة مستقلون ، لا سلطان عليهم في قضائهم لغير أحكام الشريعة الإسلامية
والأنظمة المرعية ، وليس لأحد التدخل في القضاء ».
وهذا يعني أن القضاء مستقل عن السلطتين
التنفيذية والتنظيمية([71])،
ولا يحق لأحد المسؤولين في السلطتين أن يتدخل في أعمال القضاء ، أو أن يكون له
امتياز وأفضلية على غيره في الدعاوى والحقوق والأحكام ، فجميع المواطنين – حكاماً
ومحكومين ، رعاة ورعية – متساوون أمام القضاء .
وهذا استمرار لفصل السلطة القضائية عن
بقية السلطات الذي وجد أساسه في عهد عمر بن الخطاب رضي الله عنه ، وتأصل في زمن
هارون الرشيد وأبي يوسف رحمهما الله تعالى ، ويتفق مع ما يجري في جميع دول العالم
في العصر الحاضر .
وزيادة على ذلك فإن القضاء الإسلامي –
علماً وعملاً وتطبيقاً – يعد سلطة فوق السلطات ؛ لأنه يقاضي ويحاكم جميع الناس ،
وأن الخلفاء والأمراء والحكام كانوا يحضرون مجالس القضاء للنظر في دعاويهم أو
الدعاوى المرفوعة عليهم، ويحتاج إلى السلطة التنفيذية لتمده بالعون في ضبط النظام
، وتنفيذ الأحكام([72]).
ولم يكتف النظام على النص على مبدأ
استقلال القضاء ، وإنما أكد ذلك بمظاهر متعددة ، وأحكام كثيرة ، كتحديد الإشراف
على المحاكم ، ونقل القضاة أو ندبهم ، وتأديب القضاة ... ، وغـير ذلك كمجلـس
القضاء الأعلى ( م7 ، 55 ، 73 ) ، وأنه لا يجوز مخاصمة القضاة إلا وفق الشروط
والقـواعد الخاصة بتأديبهم ( م 4 )، وأن القضاة يتمتعون بالحصانة القضائية ( م 2 )
،ويتم تعيينهم وترقيتهم في درجات السلك القضائي بأمر ملكي بناء على قرار مجلس
القضاء الأعلى ، دون أن يتدخل في ذلك جهاز الخدمة المدنية أو إحدى السلطات الأخرى
( م53 ) ؛وذلك حتى لا تستغل هذه السلطات نفوذها في التأثير على القاضي في أداء
واجبه ، وأن تدخّل أحد الموظفين ، ولو كان وزيراً ، في شؤون القضاء يعد جريمة
يـعاقب عليها ، كما مرّ في محاكمة الوزراء ، وهـذه ضمانات مهمة ، ليكون القضاء
مأمون الجانب ، ومستقلاً في عمله ، ولا يهدده خطر خارجي من بقية السلطات ، فتزعزع
كيانه ، وتجعل القاضي متوجساً وخائفاً على عمله ووظيفته ورزقه واستقراره ، وصار
القضاء مع هذه الحصانة يهدف إلى إقامة العدل فحسب ، وهو ما ينشده الشرع الحكيم ،
ويهدف إليه المتقاضون ، ويقصده شداة الحق والعدل([73]).
ثانياً : ترتيب المحاكم :
تتـكون المحاكم في « نظام القضاء »
الجديد من أربعة أنواع ، وهي : مجلس القضاء الأعلى، ومحكمة التمييز ، والمحاكم
العامة ، والمحاكم الجزئية ، وتختص كلٌّ منها بالمسائل التي ترفع إليها طبقاً لهذا
النظام ( م5 )، ويجوز إنشاء محاكم متخصصة بأمر ملكي ( وهي هيئات القضاء المستقلة )
بناء على اقتراح مجلس القضاء الأعلى ( م26 ) .
1– مجلس القضاء الأعلى :
وهو في قمة الترتيب القضائي في المملكة
، وله اختصاص قضائي أحياناً ، مع الحق الكامل في الإشراف على المحاكم والعمل
القضائي عامة .
ويتألف المجلس من أحد عشر عضواً ، خمسة
متفرغين بدرجة رئيس محكمة تمييز، يعينون بأمر ملكي ، ويكوّنون هيئة المجلس الدائمة
، ويـرأسها أقـدمهم فـي السلك ، وخمسـة أعضاء غيـر متفـرغين ، وهـم رئيس محكمة
التمييز أو نائبه ، ووكيل وزارة العدل، وثلاثة من أقدم رؤساء المحاكم العامة في
مكة والمدينة والرياض وجدة والدمام وجـازان ، مع رئيس مجلس القضاء الأعلى .
ويختص مجلس القضاء الأعلى في النظام
الجديد بالإشراف على المحاكم ، وتقرير المبادئ العامة الشرعية في المسائل التي
يراها وزير العدل ، مع إبداء النظر في مسائل القضاء، بناء على طلب الوزير ،
ومراجعة الأحكام الصادرة بالقتل أو القطع أو الرجم، وتأديب القضاة .
وتنظر الهيئة الدائمة المكونة من
الأعضاء المتفرغين في بعض الأمور ، على حين ينظر مجلس القضاء الأعلى بهيئته العامة
في مسائل أخرى([74]).
2– محكمة التمييز :
تتألف محكمة التمييز من رئيس وعدد كاف
من القضاة ، على أن يكون بعضهم نواباً للرئيس بحسب الحاجة والأقدمية .
وتتكون محكمة التمييز من ثلاث دوائر
يرأس كلاً منها الرئيس أو أحد نوابه ، وهي:
أ- دائرة لنظر القضايا الجزائية .
ب-
دائرة لنظر قضايا الأحوال الشخصية .
ج- دائرة لنظر القضايا
الأخرى ، ويجوز أن تتعدد الدوائر في محكمة التمييز بقدر الحاجة ( م10 ) .
ويكون مقر محكمة التمييز في الرياض ،
ويمكن لدوائر محكمة التمييز أن تعقد جلساتها في مدينة أخرى، كما يمكن فتح فروع لها
في المدن الأخرى عند الحاجة (م12).
ويؤلف في محكمة التمييز هيئة عامة من
جميع قضاتها العاملين فيها ، وتختص بالنظر في ترتيب دوائر محكمة التمييز وتأليفها
، وللنظر في المسائل المحالة إليها ، أو لتعديل اجتهاد إحدى الدوائر عن حكم سابق ،
وتدقيق الأحكام الصادرة من المحاكم الشرعية([75]).
وتصدر القرارات من محكمة التمييز من
ثلاثة قضاة ، إلا في قضايا القتل والرجم والقطع فتصدر من خمسة قضاة ( م13 )، وتصدر
القرارات بالأغلبية المطلقة ( أي بالزيادة علـى النصف ) ، وعنـد التساوي يرجح جانب
الرئيس ( م19 ) ، أما عند النظر في العدول عـن اجتهاد إحـدى الدوائر فيصدر القرار
بأغلبية الثلثين بالموافقة ، وإلا أحيـلت القضية إلى مجلس القضاء الأعلى ليصدر
قراره فـي ذلك ( م14 ) .
ويعد قرار الهيئة العامة نهائياً
بموافقة وزير العدل عليه في الأمور الإدارية : كترتيب الدوائر وتحديد اختصاصاتها،
فإن لم يوافق عليه أعاده إليها للنظر فيه مرة أخرى ، فإن استمر الخلاف بين الهيئة
ووزير العدل عرض الأمر علـى مجلس القضاء الأعلى ، للفصل فيه ، ويعد قراره نهائياً ( م20 ) ، وتثبت محاضر الجلسات
للهيئة العامة في سجل يعدّ لذلك ، ويوقع عليه من يرأس المحكمة وأمين السر ( م21 )
.
3– المحاكم العامة :
تؤلف المحاكم العامة من قاض أو أكثر ،
ويتمُّ تأليفها ، وتعيين مقرها ، وتحديد اختصاصها ، بقرار من وزير العدل ، بناء
على اقتراح مجلس القضاء الأعلى ( م22 ) ، ويصدر الحكم فيها من قاض فرد ، إلا في
قضايا القتل والرجم والقطع ، فيجب أن يصدر من ثلاثة قضاة ( م23 ) .
ويلحظ أن النظام الجديد كالقديم أخذ
بنظام قضاء الفرد في بعض الحالات ، وأخذ بنظام قضاء الجماعة في الحالات المهمة
كالقتل والقطع والرجم ، وذلك للاستفادة من مزايا النظامين أخذاً برأي المحققين من
الفقهاء([76]) .
4– المحاكم الجزئية :
تتكون المحاكم الجزئية من قاض أو أكثر
، ويكون تأليفها ، وتعيين مقرها ، وتحديد اختصاصها بقرار من وزير العدل ، بناءً
على اقتراح مجلس القضاء الأعلى ، لكن أحكام المحاكم الجزئية تصـدر من قاض فرد (
م24 – 45 ) نظراً لسهولة القضايا التي تنظر فيها ، وقلة قيمتها ، وذلك جائز باتفاق
الفقهاء.
4– المحاكم المتخصصة :
التي بدأت حديثاً ، وهي: محكمة الأحداث
، ومحكمة الضمان والأنكحة والطلاق والولاية .
ثالثاً : اختصاص المحاكم :
نلحظ أن نظام القضاء الجديد فريد من
نوعه ، بعدم النص على الاختصاص المكاني لكل نوع من أنواع المحاكم ، وأحال تحديد
الاختصاص على صدور قرار من وزير العدل بناء على اقتراح مجلس القضاء الأعلى ،
واقتصر نظام القضاء الجديد على تحديد ولاية المحاكم بشكل عام ، وأنها تنظر في
المنازعات والجرائم كافة إلا ما استثني ، وجعل الولاية العامة في القضاء للمحاكم
الشرعية، فنصت المادة (26) منه على ما يلي: ( تختص المحاكم للفصل في المنازعات
والجرائم كافة إلا ما استثني بنظام ) .
ونلحظ أن ظهور الهيئات القضائية
المستقلة ، وتعدد جهاتها ، وكثرة أنواعها وعددها ، سلخ كثيراً من القضايا
والمنازعات من المحاكم الشرعية ، ومنحها لهذه الهيئات كما سبق مثلا في المسائل
التجارية ، وقضايا العمال([77])،
وقضايا التهريب والشروع فيه الخاصة باللجنة الجمركية وغيرها ، حتى صار الاستثناء
أكثر من الأصل ، وصار لكل جانب أو قطاع في الحياة هيئة قضائية منفصلة عن وزارة
العدل ومجلس القضاء الأعلى والمحاكم الشرعية ، ولم يبق للمحاكم الشرعية – تقريباً
– إلا حق النظر في بعض قضايا الجنايات ، ومسائل الأسرة في النكاح والطلاق والميراث
، وما يتفرع عنها ، وبعض المعاملات ، وهذا يقلص من سـلطة القضاء ، ويقص من جناحيه
، ويفقده وظيفته الكاملة، وسلطته المستقلة ، وهيمنته اللازمة في حل الخلاف والنزاع
، وحماية الحقوق ورعاية الأحكام ، ويزيد اتساع الشقة بين المحاكم الشرعية وبقية
الهيئات القضائية ،ويكـثر تنازع الاختصاص ، ممـا ينذر بشر مستطير كما حدث في معظم
البلاد العربية والإسلامية ؛ ولـذا يجب تدارك الأمر قبل أن يستفحل ، وأن توحد
الأجهزة القضائية ، مع التوسع في الاختصاصات ، وأن يقضى نهائياً على ازدواجية
المحاكم والسلطات القضائية .
لذلك رأى المسؤولون عند القضاء وضع حد
لذلك ، ومعالجة الوضع القائم لتأمين وحدة القضاء، وصدر قرار مجلس الوزراء ذي الرقم
(168) في 14/9/1401هـ بتوحيد مهام هذه الهيئات القضائية في جهة واحدة ، وذلك
بإنشاء محاكم متخصصة تفصل في المنازعات التجارية والعمالية والمرورية طبقاً
للأنظمة والتعليمات ، وتخصيص دائرتين في محكمة التمييز بالرياض ومكة المكرمة
لتمييـــز الأحكام الصادرة عن المحاكم المتخصـــصة ، وتضمن القرار تشكيل لجنة تقوم
تحت ( إشراف وزارة العدل ) باقتراح ما يلزم لتنفيذ ما ورد في القـــرار ، ووضع
الترتيبات اللازمة لذلك ، وبدأت اللجنة أعمالها في شهر صفر سنة 1402هـ.
توحيد جهات القضاء :
لقد أدرك أولو الأمر والمسؤولون في
المملكة خطورة الأمر السابق في تعدد هيئات القضاء وكثرتها ، فعملوا على توحيد جهات
القضاء ، وصدر قرار مجلس الوزراء ذي الرقم (236) وبتاريخ 21/3/1398هـ ، ويقضي
بتشكيل لجنة لبحث ما يتعلق بتوحيد مهام الهيئات القضائية في جهة واحدة ، ثم صدر
قرار مجلس الوزراء ذي الرقم (176) بتاريخ 14/9/1400هـ ، ويتضمن الحث والسعي لتحسين
الوضع بما يتلاءم مع القرار السابق ، ويسعى للتنسيق بين الهيئات القضائية والمحاكم
الشرعية ضمن برنامج زمني يتم خلاله تحقيق الهدف منه ، ومن ثمَّ أصبحت هذه الهيئات
القضائية المستقلة ذات الاختصاص المعين في طريقها إلى الزوال ، لتعود الأمور إلى
مجاريها([78])،
وبذلك تخف الأعمال على لجنة تنازع الاختصاص التي نص عليها « نظام القضاء » الجديد
( م29 – 32 ) وذكرناها سابقاً .
رابعاً : علنية الجلسات :
نصت المادة (33)من نظام القضاء الجديد
على أن تكون « جلسات المحاكم علنية ، إلا إذا رأت المحكمة جعلها سرية ، مراعاة للآداب
أو حرمة الأسرة ، أو محافظة على النظام العام ، ويكون النطق بالحكم في جميع
الأحوال في جلسـة علنية » .
وإن مبدأ علنية الجلسات مهم جداً ،
ويعد من أهم ضمانات العدالة ، ليحضر من يشاء من الناس ، وهذا يزيد من انتباه
القاضي لما يدور في الجلسة من مرافعة ونقاش ، ويمنح المتقاضيين الطمأنينة على حسن
سير القضاء ، لذلك عَدَّ نظام القضاء مبدأ علنية الجلسات هو الأصـل ، فيحـق لكل
شخص حضور الجلسة ، ويمكن نشر ما دار فيها في وسائل النشر والإعلام ، إلا إذا رأت
المحكمة جعل الجلسة سرية بناء على طلب أحد الخصوم ، أو من تلقاء نفسها لتوافر أحد
الأسباب التي نصت عليها المادة السابقة ،
وفي هذه الحالة يخرج المستمعون ، ويبقى الخصوم ووكلاؤهم وهيئة المحكمة ، على أن
يتم النطق بالحكم في جلسة علنيــــة ، وسـبق إلى هذا الأمر « تنظيم الأعمال
الإدارية في الدوائر الشرعية » في المملكة([79]) .
وإن النص على علنية الجلسات جديد على
القضاء والمرافعات الشرعية فلم ينص عليه الفقهاء من الناحية الشكلية ، أما من
الناحية الموضوعية فإن القضاء في الإسلام يقوم عـلى العلنية ، وأنه يتم في المسجد
، أو في الأماكن العامة ، أو المحاكم التي لا يمنع أحد من الدخول إليها ، وحضور
جلساتها ، ولا يشترط الإذن بدخولها ، لقوله تعالى: {
لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَدْخُلُوا بُيُوتاً غَيْرَ مَسْكُونَةٍ فِيهَا
مَتَاعٌ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ }
النور/29 ، كما اشترط الفقهاء أن يحضر العلماء مجلس الحكم ، وأن تتم مشاورتهم في
القضايا والأحكام ، وهذا يحقق رقابة كافية وحقيقية لتحقيق أهدافه العلنية، وأنه
أكثر جدوى من حضور عوام الناس([80]).
خامساً : تسبيب الأحكام :
نص « نظــام القضاء » الـجــديد على
وجوب تسبيب الأحكام ، وأن الـحكم يجب أن « يشتمل على الأسباب التي بني عليها »
،وهذا أمر مهم في عصرنا الحاضر ، ويعد أحد شروط الحكم في القوانين الوضعية ، وذكر
بعض الفقـهاء أنه مستحب لبيان أسبـاب الحكم ، ومستنده الشرعي ؛ لذلك قال الإمام
الشافعي : « وأحب للقاضي إذا أراد القضاء على رجل أن يجلسه يبين له ، ويقول له :
احتججت عندي بكذا ،وجاءت البينة عليك بكذا ، واحـتج خصمك بكذا ، فرأيت الحكم عليك
مـن قبل كذا ليكون أطيب لنفس المحكوم عليه ، وأبعد عن التهمة ، وأحرى إن كان
القاضي غفل من ذلك عن موضع فيه حجة أن يبينه »([81]).
وهذا أمر بدهي في الفقه الإسلامي الذي
يلزم القاضي الحكم بالأحكام الشرعية،كما أنه يتفق مع المنهج القضائي في مراقبة
أعمال القضاة ، وتصديق الصحيح منها ، ونقض الباطل ، مما يوجب تفصيل الحكم ، وبيان
المستندات والأدلة والمسوغات التي اعتمد عليها القاضي في إصدار الحكم([82]).
سادساً : القضـــاة :
إن « نظام القضاء » الجديد فصّل الـكـلام
عــن القضاة أكثر بكثير من الأنظمة التي سبقته، ونص لأول مرة على شروط القاضي ، ثم
ذكر تصنيف القضاة ،وشروط كل صنف، وبين حقوق القضاة وضماناتهم ، وتعيينهم ، ونقل
القضاة ، وندبهم ، وإجازاتهم ، ثم تحدث عن واجبات القضاة ، والتفتيش عليهم ، ونص
على تأديب القضاة وعقوباتهم ، وكيفية انتهاء خدمات القضاة، ونبين أهم هذه الأمور :
أ– شروط القاضي : يشترط في القاضي أن تتوافر فيه الشروط
الآتية :
1-أن
يكون سعودي الجنسية .
2-أن
يكون حسن السيرة والسلوك .
3-أن
يكون متمتعاً بالأهلية الكاملة للقضاء بحسب ما نُصّ عليه شرعاً ، وهو البلوغ
والعقل، والذكورية، والحرية، وأن يكون سميعاً بصيراً ناطقاً، وفيه كفاية([83]).
4-أن
يكون حاصلاً على شهادة إحدى كليات الشريعة بالمملكة العربية السعودية ، أو شهادة
أخرى معادلة لها ، بشرط أن ينجح في الحالة الأخيرة في امتحان خاص تعدّه وزارة
الـعدل ، ويجوز في حالة الضرورة تعيين من اشتهر بالعلم والمعرفة من غير الحاصلين
على الشهادة المطلوبة .
5-أن
لا يقل عمره عن أربعين سنة إذا كان تعيينه في درجة قاضي تمييز ، وعن اثنين وعشرين
سنة إذا كان تعيينه في درجات السلك القضائي الأخرى .
6-أن
لا يكون قد حكم عليه بحد ، أو تعزير ، أو في جرم مخل بالشرف ، أو صدر بحقه قرار
تأديبي ، بالفصل من وظيفة عامة ، ولـو كان قد ردَّ إليه اعتباره .
ب– تصنيف القضاة ودرجاتهم : يصنف القضاة في النظام الجديد
كما يأتي، مع الشروط اللازمة لكل صنف :
1-
ملازم قضـائي : ويشترط فيه بالإضافة إلى ما سبق
أن يكون قد حصل على الشـهادة العالية بتقدير عام « جيد » فما فوق ، وبتقدير «
جيدجداً » في مادتي الفقه والأصول، وأرى أن اشتراط « جيد جداً » في الفقه والأصول يجب
أن ينحصر تطبيقه على الشهادة العالية من كليات الشريعة أو قسم الشريعة ، ولا يبق
على المتخرج من قسم القضاء .
2-
قاضي جـ: ويشترط فيه أن يكون قد
أمضى ثلاث سنوات في درجة ملازم قضائي .
3-
قاضي ب : ويشترط فيه أن يمضي
سنة على الأقل في درجة قاضي جـ ، أو أن يكون قد اشتغل بأعمال قضائية نظيرة([84]) ،
أو قام بتدريس مواد الفقه وأصوله في إحدى كليات الشريعة في المملكة لمدة أربع
سنوات على الأقل ، أو أن يكون من خريجي المعهد العالي للقضاء .
4-
قاضي أ : ويشترط فيه أن يكون قد
قضى أربع سنوات على الأقل في درجة قاضي ب، أو أن يكون قد اشتغل بأعمال نظيرة لمدة
ست سنوات على الأقل ، أو قام بتدريس مواد الفقه وأصوله في إحدى كليات الشريعة
بالمملكة العربية السعودية لمدة سبع سنوات على الأقل .
5-
وكيل محكمة ب : ويشترط فيه أن
يكون قد قضى ثلاث سنوات على الأقل في درجة قاضي أ ، أو أن يكون قد اشتغل بأعمال
قضائية نظيرة لمدة عشر سنوات على الأقل أو قام بتدريس مواد الفقه وأصوله في إحدى
كليات الشريعة بالمملكة لمدة عشر سنوات .
6-
وكيل محكمة أ : ويشترط فيه أن
يكون قد قضى سنتين على الأقل في درجة وكيل محكمة ب ، أو أن يكون قد اشتغل بأعمال
قضائية نظيرة لمدة اثنتي عشرة سنة على الأقل ، أو قام بتدريس مواد الفقه وأصوله في
كلية الشريعة بالمملكة لمدة اثنتي عشرة سنة .
7-
رئيس محكمة ب : ويشترط فيه أن يكون قد قضى
سنتين في درجة وكيل محكمة أ، أو قد مارس أعمالاً قضائية نظيرة لمدة 14 سنة ، أو
قام بتدريس مواد الفقه وأصوله في إحدى كليات الشريعة بالمملكة لمدة 14 سنة .
8-
رئيس محكمة أ : ويشترط فيه أن يكون قد قضى
سنتين في درجة رئيس محكمة ب، أو أن يكون مارس أعمالاً قضائية نظيرة لمدة 16 سنة ،
أو قام بالتدريس السابق لمدة 16 سنة .
9-
قاضي تمييز : ويشترط فيه أن يمضي سنتين في درجة
رئيس محكمة أ ، أو مارس أعمالاً قضائية نظيرة لمدة 18 سنة ،أو قام بالتدريس السابق
لمدة 18 سنة .
10-
رئيس محكمة التمييز : ويكون
أقدم قضاة التمييز مطلقاً .
11-
رئيس مجلس القضاء الأعلى :
ويشترط أن تتوافر فيه شروط قاضي التمييـز ، ويكون بمرتبة وزير ، ويعين بأمر ملكي ،
( المواد 39 – 49 مكرر ) .
وأضافت المادة (53) شرطاً عاماً على من يشغل رئيس محكمة ب والدرجات
الأدنى منه أن لا يترقى واحد منهم إلا إذا جرى التفتيش على عمله مرتين على الأقل
في الدرجة المراد الترقية منها، وثبت في التقريرين الأخيرين السابقين على الترقية
أن درجة كفاءته لا تقل عن المتوسط .
و
نلحظ على « نظام القضاء » الجديد في هذا الخصوص ما يأتي :
1-أن
الـنظام حدد عند بيان درجات القضاة وتصنيفهم
أصناف المحاكم : محكمة أ ، محكمة ب، ولم يبين المقصود من محكمة أ ، ومحكمة
ب ، وأغفل ذلك تماماً عند الحديث عن ترتيب المحاكم .
2-لقد
حدد النظام مدداً متفاوتة في شغل درجات القضاء شرطاً للترقية إلى درجة أعلى،
فاشترط ثلاث سنوات للقاضي الملازم والقاضي أ ، وسنة للقاضي ج ، وأربع سنوات للقاضي
ب ، على حين أنه اشترط سنتين في وكيل محكمة ب ، ووكيل محكمة أ ، ورئيس محكمة ب ،
ورئيس محكمة أ ، ولا يظهر حكمة لهذا التفاوت في شغل الدرجة المحددة للترقية إلى
درجة أعلى ، وكان الأفضل تحديد مدة زمنية واحدة في جميع الدرجات مثل ثلاث سنوات ،
أو اشتراط مدة ثلاث سنوات في المراحل الأولى كلها ، واشتراط سنتين في المراحل
العليا .
3-أن
النظام كان قاسياً على القضاة ، ومحابياً من يعمل الأعمال النظيرة في الترقية
والمدة، فالقاضي أ يشترط فيه أن يمضي في القضاء ثماني سنوات حتى يصل إلى هذه
المرتبة ، على حين اكتفى النظام بمضي ست سنوات بالأعمال القضائية النظيرة للوصول
إلى المرتبة نفسها ، ولعل عذر النظام في ذلك ترغيب أصحاب هذه الأعمال – من
العاملين في التدريس والجامعات والأعمال القضائية الأخرى – في تولي مناصب القضاء
لشغل الشواغر الكثيرة التي حصلت نتيجة التوسع في فتح المحاكم في أكثر المدن
والمناطق والقرى في أنحاء المملكة .
4-نلحظ
أن نظام القضاء في المملكة أخذ برأي الفقهاء القائلين بجواز قضاء الجماعة، فجمع
النظام بين قضاء الجماعة وقضاء الفرد في وقت واحد ، مراعياً في ذلك المصلحة وخطورة
الأحوال والقضايا ، فأخذ بنظام قضاء الفرد في المحاكم العامة في جميع الدعاوي
باستثناء المحاكم الجزئية مطلقاً ( المادة 25 ) .
كما أخذ « نظام القضاء » الجديد بنظام
قضاء الجماعة في المحاكم العامة في قضايا القتل والرجم والقطع وما يحدده النظام ،
فتصدر الأحكام من ثلاثة قضاة ، كما أخذ بقضاء الجـماعة في محكمة التمييز فتصدر
القرارات من ثلاثة قضاة ، ما عدا قضايا القتل والرجم والقطع ، فتصدر من خمسة قضاة
( المادة 13 ) ، كما أخذ النظام بقضاء الجماعة في قرارات مجلس القضاء الأعلى
(المادة 9) ، وهذا اجتهاد سديد ، وسياسة حكيمة ، واختيار مناسب([85]).
سابعاً : حقوق القضاة :
يتمتع القضاة في « نظام القضاة »
الجديد بحقوق كثيرة ، وأهم هذه الحقوق التي نص عليها ما يأتي :
1-استقلال
القضاة وعدم التدخل في أعمالهم ، وأنه لا سلطان عليهم لغير الشريعة والأنظمة
المرعية([86]) .
2-الحصانة
القضائية : فالقاضي لا يمكن عزله من منصبه بحال من الأحوال بسبب عمله، ويستمر فيه
حتى بلوغ السبعين سنة ، وسماها النظام « ضمانات » ، ولا يعزل أو يحال على التقاعد
إلا في خمس حالات :
أ– القاضي
الملازم الذي يعين لأول مرة ، فإنه يبقى سنة من تعيينه تحت التجربة، وبعد انتهاء
السنة يصدر قرار بتثبيته إن ثبتت صلاحيته للقضاء ، أو قرار بالاستغناء عنه من
المجلس الأعلى للقضاء ( م 50 ) .
ب–
إذا فقد القاضي الثقة والاعتبار في وظيفته
( م 51 ف 2 ) فإنه يحال على التقاعد بأمر ملكي بناءً على قرار من المجلس الأعلى
للقضاء ، وإلا فلا يحال للتقاعد إلا بعد السبعين من عمره ، مع مراعاة المرحلة
الاستثنائية والانتقالية لتطبيق هذا النظام التي جاءت في مطلعه عند التصديق عليه ،
وهي أنه خلال السبع سنوات التالية لنفاذ النظام تشكل – بأمر ملكي – هيئة من أعضاء
المجلس الأعلى للقضاء ورجال القضاء الآخرين برئاسة وزير العدل للنظر في إحالة من
ترى عدم صلاحيته لتولي القضاء على التقاعد ، ويصدر قرار الإحالة في هذا الحالة
بأمـر ملكي .
ج–
يحال القاضي إلى التقاعد إذا حصل على تقدير
أقل من المتوسط في تقرير الكفاية ثلاث مرات متوالية ، وذلك بأمر ملكي بناءً على
قرار من مجلس القضاء الأعلى (م69) .
د–
يحال القاضي على التقاعد إذا لم يستطع
مباشرة عمله بعد انتهاء الإجازات المرضية المقررة في المادة (56)، وهي ستة أشهر
خلال ثلاث سنـوات بمرتـب كامـل، وثلاثة أشهر بنصف مرتب ، ويجوز تمديدها بموافقة
مجلس القضاء الأعلى ثلاثة أشهر أخرى بنصف مرتب ، أو ظهر أن القاضي لا يستطيع
القيام بعمله على الوجه اللائق لأسباب صحية، فيـحال إلى التقاعد (م57 ) وهذا يعني
العجز عن القيام بواجبه ، وعدم أداء واجبه .
هـ–
يحـــال القاضي إلى التقاعد إذا صدر ضده حكم بذلك من مجلس التأديب في دعوى تأديبية
رفعت ضده ، ويصدر أمر ملكي بتنفيذ عقوبة الإحالة إلى التقاعد ( م 4)([87]) .
3-
لا يجوز نقل القضاة أو ندبهم أو
إعارتهم إلى وظائف أخرى إلا برضاهم ، أو بسبب ترقيتهم ( م 3 ، 55 )، وهذا جزء من الحصانة
القضائية .
4-
لا تجوز مخاصمة القضاة إلا
بمقتضى ما نص عليه هذا النظام في الباب الخامس (المواد 71 ، 84 ) .
5- يتمتع القضاة بجميع الحقوق والضمانات المقررة في نظام
الموظفين العام ، ويضاف إلى ذلك أنه يمنح من يعين لأول مرة في السلك القضائي بدلاً
يعادل راتب ثلاثة أشهر .
6-
يحق للقضاة الاعتراض والتظلم من
القرارات الصادرة ضدهم ( م 66 ) .
7- يتم التعيين والترقية بأمر ملكي ، بناء على قرار مجلس القضاء
الأعلى بعد توافر الشروط ، مع مراعاة الأقدمية ، ثم الأكفاء ، بموجب تقارير
التفتيش ، ثم الأكبر سناً عند تساوي الأقدمية والكفاءة ، أو عدم وجود تقارير
التفتيش .
8- إن مرتبات القضاة بجميع درجاتهم تخضع لسلم خاص صادر بمرسوم
ملكي برقم م/ 38 وتاريخ 8/5/1395هـ ، وهو أعلى بكثير من سلم رواتب بقية الموظفيـن،
ثم تعدل بعد ذلك مرة أخرى سنة 1413 هـ .
ثامناً : واجبات القضاة :
نص « نظام القضاء » الجديد على بعض
الواجبات التي يقتضيها عمل القاضي لأداء وظيفته بشكل نزيه ومتجرد ومتفرغ لعمله ،
وهي :
1-عدم
الجمع بين وظيفة القضاء ، و مزاولة التجارة ، أو أية وظيفة أو عمل لا يتفق مع
استقلال القضاء وكرامته ، أو يتعارض مع واجبات الوظيفة وحسن أدائها ( م 58 ) .
2-الحفاظ
على سرية المداولات القضائية ، وعدم إفشاء أسرارها ( م 59 ) .
3-المواظبة
على الدوام ، وعدم الانقطاع عن عمله بسبب غير مفاجئ إلا بترخيص كتابي ( م 61 ف 1
). فإن تغيب القاضي عن مقر عمله ، أو أخل بالمواظبة على الدوام نبه إلى ذلك
كتابة ، فإن تكرر منه ذلك يـرفع أمره إلى مجـلس القضـاء الأعلى في محاكمته
تأديبياً ( م 61 ف 2 ).
ويظهر أن النظام اقتصر على الواجبات الإدارية ، على حين أغفل النص على
الواجبات الأساسية ، كالالتزام بالحكم بموجب الشريعة الإسلامية ، والتقييد
بالأنظمة النافذة التي تفهم بالإشارة من
نصوص النظام في استقلال القضاء ، أو أن هذه الواجبات محلها في نظام المرافعات
وغيره ، وجاء في نظام « تنظيم الأعمال الإدارية في المحاكم الشرعية » واجبات أخرى
على القضاء في التأمل بالقضية ، والنظر في الدعوى ، وتعيين تاريخ الجلسة ( م 1 ،
41 ) .
تاسعاً : إدارة التفتيش القضائي
:
نص « نظام القضاء » الجديد على تشكيل
إدارة التفتيش القضائي في وزارة العدل، وتتكون من رئيس وعدد كاف من الأعضاء مـن
رجال القضاء ، يختارون مـن قضاة محكمة التمييز ، أو المحاكم العامة ، بقرار من
مجلس القضاء الأعلى بالندب لمـدة سنة قابلة للتجديد.
وتختص إدارة التفتيش بالتفتيش على
أعمال القضاة في المحاكم العامة والجزئية ، لمعرفة درجة كفاءتهم ، ومدى حرصهم على
أداء واجباتهم ، ورفع البيانات في ذلك ، وتختص بالتحقيق الذي يقدم من القضاة أو
ضدهم .
ويقدر المفتش كفاءة القاضي بأنه كفؤ ،
أو فوق الوسط ، أو متوسط ، أو أقل من الوسط ، على أن يتم التفتيش على كل قاض مرة
أو مرتين في السنة ، ويبلغ القاضي صورة من الملحوظات عليه (دون تقدير الكفاءة ) ،
وله أن يبدي اعتراضه عليها ، وتودع ما تعتمده نتيجة ذلك في ملف القاضي ، ويرفع من
التقرير مالا تعتمده ، فإن حصل القــــاضي على تقدير أقــــل من الوسط ثـلاث مرات
متواليــــة يحال على التقاعـــد ( المادة 69 ) ([88]) .
أما إجراءات التفتيش وقواعده فتصدر به
لائحة من وزير العدل بعد موافقة المجلس الأعلى للقضاء ( م 70 ) .
عاشراً : تأديب القضاة :
تعرض « نظام القضاء » الجديد باختصار
إلى تأديب القضاة ( المواد 71 – 74 )، فبيّن أن لوزير العدل حق الإشراف على
المحاكم والقضاة ، ولرئيس كل محكمة حق الإشراف على القضاة التابعين له ( المادة 71
) ،ويقوم رئيس المحكمة بتنبيه القضاة التابعين له مشافهة أو كتابة إلى المخالفات
التي تصدر منهم ، فإن كان التنبيه كتابياً أرسلت صورة منه لوزارة العدل ، وللقاضي
أن يعترض عليه خلال أسبوعين من تاريخ تبليغه ، ويطلب إجراء تحقيق في الواقعة ،
فيؤلف وزير العدل لجنة من رئيس محكمة التمييز أو أحد نوابه ، وقاضيين مـن مـحكمة
التمييز للنظـر فـي التنبيه والاعتراض ، والتحقيق في ذلك لتؤيده ، أو تعده كأن لم
يكن ، وتبلغ قرارها لوزير العدل ، فإن تكررت المخالفة من القاضي ، أو استمر عليها
، رفعت عليه الدعوى التأديبية .
أما تأديب القضاة فهو من اختصاص مجلس
القضاء الأعلى بهيئته العامة بصفته مجلس تأديب ، فإن كان القاضي المقدم للمحاكمة
عضواً في مجلس القضاء الأعلى فإن وزير العدل يندب أحد قضاة التمييز ليحل محله ،
ونصت المواد (74 – 81) على بعض الإجراءات لتأديب القضاة ، على حين نصت المادة (82)
على تحديد العقوبات التأديبية باللوم ، والإحالة على التقاعد ، مع بيان الأسباب
التي بني عليها الحكم ، وتتلى الأسباب عند النطق بالحكم في جلسة سرية ، ثم يبلغ
قرار مجلس التأديب إلى وزير العدل ، فيصدر قراره في تنفيذ العقوبة باللوم ، ويصدر
مرسوم ملكي بتنفيذ عقوبة الإحالة على التقاعد .
أما أعوان القضاة فإن النظام الجديد لم
يفصل في أحوالهم وأحكامهم ، وبقيت أمورهم خاضعة للنظام السابق « نظام تركيز
مسؤوليات القضاء الشرعي وتحديد اختصاصه» الصادر عام 1372هـ .
الأصل الشرعي أن القاضي يجب أن يحكم
بما أنزل الله في الكتاب والسنة ، وأنه يجب أن يجتهد، ويستنبط الأحكام من مصادر
التشريع الإسلامي إذا توافرت فيه شروط الاجتهاد وأهلية الاستنباط ، لقوله تعالى : { إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ
الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ} النساء/105 ، وقوله تعالى : { فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنزَلَ
اللَّهُ} المائدة/48 ، وقوله تعالى : { وَأَنْ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا
أَنزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ}
المائدة/49 ، وأنه لا يجب على القاضي أن يلتزم بمذهب معين ، وأنه لا إلزام إلا ما
ألزمه الله ، ثم صار العمل أن يتقيد القضاة بأحد المذاهب للحكم بما توصل إليه أئمة
المذهب من الاجتهاد والاستنباط من مصادر الأحكام .
ويسود في الجزيرة العربية المذاهب
الأربعة : الحنفي ، والمالكي ، والشافعي، والحنبلي، ولما جاء الملك عبد العزيز إلى
الحجاز عالج الأمور بحكمة وروية ، مع التسامح المذهبي ، والتوجه نحو الأصل بالاعتماد
على الكتاب والسنة وفقه السلف من جهة ، والتركيز على المذهب الحنبلي من جهة ثانية
.
ففي أول قرار خاص بالقضاء صدر في 18
شعبان 1342هـ من رئيس القضـاة بعنوان « تشكيلات القضاء – مواد إصلاحية » نصت
المـادة (9) منه أنه « يُحضر من المذاهب الأربعة معتمدات الكتب لمراجعة ما يلزم »
.
ولما افتتح الملك عبد العزيز الجمعية العمومية
في أول صفر سنة 1346هـ / 30 يوليو/تموز 1927م قال عن شؤون المحكمة الشرعية : « أما
المذهب الذي تقضي به فليس مقيداً بمذهب مخصوص ، بل تقضي على حسب ما يظهر لها من أي
المـذاهب ، ولا فرق بين مـذهـب وآخر ». وأسفرت الجـمعية العمومية عن « إصدار
المرسوم الملكي في 14 صفر 1346هـ الخاص بنظام تشكيلات المحاكم الشرعية » ،ولم يُنص
فيه على تطبيق أي مذهب .
وقال الملك عبد العزيز في خطاب عام : «
لا نتقيد بمذهب دون آخر ، ومتى وجدنا الدليل القوي في أي مذهب من المذاهب الأربعة
رجعنا إليه ، وتمسكنا به ، أما إذا لم نجد دليلاً قوياً أخذنا بقول الإمام أحمد »([89]) .
ثم صدر قرار الهيئة القضائية عدد 3 في
7/1/1347هـ ، المقترن بالتصديق العالي بتاريخ 24/3/1347هـ ، ونص على ما يلي:
« فقرة أ : أن يكون مجرى القضاء في
جميع المحاكم منطبقاً على المفتى به من مذهب الإمام أحمد بن حنبل ؛ نظراً لسهولة
مراجعة كتبه ، والتزام المؤلفين على مذهبه ذكر الأدلة إثر مسائله».
« فقرة ب : إذا صار جريان المحاكم
الشرعية على التطبيق المفتى به من المذهب المذكور، ووجد القضاة في تطبيقها على
مسألة من مسائله مشقة ومخالفة لمصلحة العموم، يجري النظر والبحث فيها من باقي
المذاهب بما تقضيه المصلحة ، ويُقرر السير على ذلك المذهب مراعاة لما ذكر »([90]).
ونص قرار الهيئة القضائية السابق على
تحديد الكتب المعتمدة في المملكة من المذهب الحنبلي ، فجاء فيه « أن يكون اعتماد المحاكم
في سيرها على مذهب الإمام أحـمـد علـى الكتب التالية : أ – شرح المنتهى ، ب – شرح
الإقناع ، فما اتفق فيه كلاهما فهو المتبع ، وما اختلفا فيه فالعمل بما في المنتهى
، وإذا لم يوجد بالمحكمة الشرحان المذكوران يكون الحكم بما في شرحي الزاد أو
الدليل ، إلى أن يحصل الشرحان، وإذا لم يجد القاضي نص القضية في الشروح المذكورة
طلب نصها في كتب المذاهب المذكورة التي هي أبسط منها وقضى بالراجح ».
ونـقل الشيخ فؤاد حمزة في كتابه « البلاد السعودية »
المراجع المعتمدة ، وهي ستة كتب :
1-
الإقناع لموسى الحجاوي .
2-
كشاف القناع على متن الإقناع
لمنصور البهوتي .
3-
منتهى الإرادات للفتوحي .
4-
شرح منتهى الإرادات لمنصور
البهوتي .
5-
المغني لموفق الدين بن قدامة .
6-
الشرح الكبير لعبد الرحمن بن
قدامة ([91]).
وجاء في مكان آخر أن المذهب المعتمد هو
المذهب الحنبلي ، ويطبق في منازعات الأراضي الزراعية والعقارات والوقـف المذهب
السائد فـي مكان النزاع([92]).
وإلى هنا ننتهي من إبراز أهم معالم
التنظيم القضائي في المملكة العربية السعودية ، وفيه تفصيلات كثيرة نظرية وعملية
في التطبيق .
الخاتمــة
وفي نهاية البحث عن التنظيم القضائي في المملكة العربية السعودية
نقدم بعض الملحوظات والتوصيات ، وهي :
1– أن التنظيم القضائي في المملكة العربية السعودية
استمد من الشريعة الإسلامية بتطبيق معاصـر ، بل إن هذا التنظيم سبق في كثير من
جوانبه التشريعات الـوضعية الـتي صـدرت فـي البلاد العربية بعد استمدادها من
القوانين الأجنبية ، دون مراعاة للأعراف والتقاليد والتراث والشريعة والعقيدة ،
على حين بادرت المملكة بوقت مبكر إلى إصدار نظام القضاء ، ونظام المرافعات (تنظيم
الأعمال الإدارية في الدوائر الشرعية) ، واستمدته من الفقه الإسلامي الزاخر ،
لتكون رائدة في ذلك .
2– أن المتتبع لتاريخ النظام القضائي في المملكة
العربية السعودية يجد أنه ابتدأ من المرسوم الملكي سنة 1346هـ / 1927م ، ثم صدر
نظام تركيز مسؤوليات القضاء الشرعي سنة 1357هـ / 1938م في 282 مادة ، وفي سنة
1372هـ / 1953م استبدل هذا النظام بنظام جديد أعطي نفس الاسم ، مع الصياغة الجديدة
للنظام القديم والتعديل عليه ، وأخيراً صدر نظام القضاء الجديد عام 1395هـ / 1975م
، ثم صدر نظام المرافعات الشرعية ، وهذا يبين التغيير السريع بالتعديل والإلغاء
للأنظمة، وأنه خلال خمسين سنة تقريباً تغير نظام القضاء في المملكة خمس مرات مع
التعديلات الجزئية الكثيـرة ، بل نجد أن نظام القضاء الجديد الذي صدر في رجب
1395هـ ، لم يمض عليه إلا ثلاثة أشهر حتى صدر تعديل كامل لثلاث مواد فيه ، وهي
التي تتعلق بتشكيل مجلس القضاء الأعلى، ودرجات السلك القضائي ، ومرتبة رئيس مجلس
القضاء الأعلى([93]).
ولم يكن نظام المرافعات « تنظيم
الأعمال الإدارية » أحسن حظاً، بل سار على سنة التعديل والتغيير أكثر مما سبق، فقد
صدر لأول مرة سنة 1346هـ/1927م، ثم صدر من جديد سنة 1350هـ / 1931م م باسم « نظام
سير المحاكمات الشرعية »، ثم عُدل سنة 1357هـ / 1938م ، وصدر باسم « نظام
المرافعات الشرعية » سنة 1355هـ ، ثم صدر باسم « تنظيم الأعمال الإدارية في
الدوائر الشرعية » سنة 1372هـ / 1952م ، وكان يختلف اسمه من سنة إلى أخرى .
وهذا التطور والتغيير والتبديل في
أنظمة القضاء والمرافعات يضعف من شأن المحاكم ، ويتعب القضاة والناس ؛ لأن أهم
عناصر النجاح في القضاء هو الثبات والاستقرار ، وإن كان الهدف منه التدرج والسير
نحو الأفضل .
3– أن الجهات شبه القضائية ، والمؤسسات القضائية
المنفصلة كثيرة ومتعددة ، وأن معظم القائمين عليها غير قضاة ، ولا تتوافر فيهم
شروط القضاة ، وليس عندهم الاختصاص في الفصل بين المتخاصمين ، ولو كانوا موظفين أو
عمالاً ؛ لأن هيئة تأديب الموظفين أو العمال تمارس في الحقيقة عملاً قضائياً
للفصل في نزاعات هذه الجهات ، ولذلك يجب
أن تتوافر فيهم شروط القاضي شرعاً ، وخاصة العلم بالأحـكام الشرعية ، وإلا وقعوا
في الحكم بغير ما أنزل الله ، كما أن معظم هذه الهيئات ليست متفرغة للفصل بين
الخصومات فيما يناط بها ، مع أن القضاء والفصل في المنازعات يقوى جانبه بالممارسة
والتطبيق والاختصاص والتفرغ ، وإن كثرة الجهات شبه قضائية تضعف من قيمة المحاكم
الشرعية وهيبتها وشمول اختصاصها في كل المجالات ، علماً بأن معظم القائمين على
الهيئات شبه القضائية يمتهنون الأعمال الإدارية .
4– يعد ديوان المظالم في المملكة أعظم إنجاز قضائي
إسلامي معاصر، وأنه أحيى قضاء المظالم في الخلافة الإسلامية، والتاريخ الإسلامي،
وأنه النظام الوحيد الفريد في العالم الإسـلامي اليوم، وأنه تجاوب مع التطور
الكبير للدولة والمجتمـع، وراعى المستجدات المعاصرة .
5– تجب طباعة أنظمة القضاء والمرافعات ونشرها
وتوزيعها بحيث تصل إلى كل محكمة وكل قاض، كما يجب توزيعها على المؤسسات كالجامعات
والكليات والمعاهد والوزارات ، كما يجب توزيعها ونشرها في البلاد العربية وعن طريق
دور النشر والمكتبات التجارية ومعارض الكتب والندوات الفكرية والمؤتمرات العلمية .
وإننا نهيب
بوزارة العدل أن تقوم بهذا العمل ، وأن تسرع في تنفيذه ، علماً بأن المادة (89) من
« نظام القضاء » الجديد قررت تشكيل إدارة فنية للبحوث ، تؤلف بقرار من وزير العدل
، من عدد كاف من الأعضاء ، لا يقل مؤهل أي منهم عن شهادة كلية الشريعة ، ويجوز أن
يختاروا عن طريق الندب من القضاة ، وتتولى هذه الإدارة المسائل الآتية :
أ– استخلاص المبادئ التي تقررها محكمة التمييز فيما
تصدره من أحكام ، أو المبادئ التي يقررها مجلس القضاء الأعلى ، وتبويبها وفهرستها
، بحيث يسهل الرجوع إليها .
ب– إعداد مجموعات الأحكام المختارة للنشر .
ج– إعداد البحوث التي تطلب وزارة العدل القيام بها .
د– الإجابة عن استرشادات القضاة .
هـ– مراجعة الأحكام وإبداء الرأي في القواعد الفقهية
التي بنيت عليها من حيث مدى موافقتها للعدل في ضوء الظروف والأحوال المتغيرة ،
وذلك تمهيداً لعرضها على مجلس القضاء الأعلى لتقرير مبادئ فيها .
وهذه بادرة طيبة في نظام القضاء الجديد
، وفكرة رائدة وسامية ونافعة ، ومتى تم تشكيل هذه الإدارة ، مع حسن اختيار العاملين
فيها ، فسوف تعطي ثمرات طيبة، ونتائج ممتازة ، وتحقق آمالاً عظيمة ، وتخدم القضاة والفقهاء وطلاب العـلم، وتسدّ
ثغرات كثيرة ، وتلبي حاجات العصر في التقدم والتطور، وتصبح مرجعاً متداولاً
داخلياً وخارجياً .
ويجب أن تجمع جميع القرارات والأوامر
مع التعديل والشرح والتفصيل ، سـواء أكانت صادرة مـن الملك أو مجلس القضاء الأعلى
، أو وزير العدل ، وتضم مع بعضها مجموعة
قضائية نافذة في المملكة .
6– أوصي بتزويد القضاة والمحاكم بالمصادر الفقهية ،
والمراجع القضائية ، والمؤلفات المعاصرة ، ومجاميع الأحكام اللازمة للأداء ، مع
الإفادة من التقنية الحديثة في تجميع المعلومات وفهرستها ، كما يجب وضع قرارات
مجمع الفقه الإسلامي والاجتهادات الجديدة ، والفتاوى المعاصرة المعتمدة تحت يدي
القضاة ؛ لأنها تعالج أموراً واقعية طارئة ، وتضع الحلول لها ، وتبين أرجح
الاجتهادات والأقوال فيها ، وهي اجتهادات جماعية ، وتصدر غالباً بالإجماع أو
بالأكثرية .
7– أوصي بإقامة ندوات دورية ، ولقاءات دائمة بين
القضاة ، للاطلاع على خبرات بعضهم ، وتجارب ذوي الخبرة العالية ، والتخصص الدقيق ،
والحنكة والتجارب، والأقدمية في العمل .
8– أوصي بوجوب التأهيل والتدريب العلمي والعملي
للقضاة الذين يعينون لأول مرة من المتمرنين، ومن يعين مباشرة في الدرجات العليا من
القضاء ، وينقلون من التدريس والأعمال
القضائية النظيرة إلى ردهات المحاكم .
9– أوصي باستمرار التدريب الدائم ، وإقامة الدورات
التدريبية ، عند الترقي إلى الوظيفة الأعلى ، والتدرج في سلك القضاء ، وذلك في
دورات متخصصة تعقد في وزارة العدل ، أو في المعهد العالي للقضاء ، ويعتمد اللقاء
على المشاركة في الحـوار ، والمناقشة ، وليس على مجرد التلقي ، وأن تعد نتائج
الدورات عنصراً مهماً في تقويم رجل القضاء عند الترقي ، بالإضافة إلى تقارير
التفتيش القضائي والشروط الأخرى.
وفقنا الله – تعالى – جميعاً لما يحبه
ويرضاه ، وسدد خطانا للسير على منهج القرآن الكريم، وشريعة الإسلام ، وأخذ بيدنا
إلى حسن الاقتداء والتأسي برسول الله –e– وصحبه الكرام ، وجعلنا على صراطه
المستقيم مع الذين أنعم الله عليهم ، وآخــر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين ،
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .
الهوامــش
(2) الكـليات
4/8، وانظر : مغني المحتاج 4/371 ، حاشية الشرقاوي 2/491 ، حاشية الدسوقي 4/128،
كشاف القناع 6/285، فتح القدير 5/453، تاريخ القضاء في الإسلام، عرنوس ص9 ، القضاء
في الإسلام، مدكور ص11، تاريخ القضاء في الإسلام، الزحيلي ص9 .
([11]) ذكرت الفتاوى الهندية ( 3/306 ) تعريفاً للقضاء ، وهو أقرب
تعريف لمعناه العام ، وهو : « القضاء
قول ملزم يصدر عن ولاية عامة »، وهذا يشمل القضاء العادي ، وقضاء المظالم ، وقضاء
الحِسْبة ، ولكن ليس فيه إشارة إلى الحقوق العامة ، ولم ينص على الالتزام بالأحكام
الشرعية .
([12]) الطرق الحكمية ص14 ، وتناول ابن القيم هذه المعاني في مجالات
كثيرة من كتبه ، انظر: بدائع الفوائد 3/153 ، أعلام الموقعين 4/373 .
([16]) وفي رواية « لا قدست أمة لا يُعطى الضعيف حقه غير متعتع »
رواه ابن ماجه ، وقال في الزوائد: إسناده حسن ( 2/810 ، 1329 )، ورواه الشافعي (
بدائع المنن 2/231 ) والبيهقي ( 10/93 )، وابن حبان ( موارد الظمآن ص374 )، وابن
خزيمة ، والطبراني، ورجاله ثقات ، والحاكم وصححه ، وأبو يعلى ، ورجاله رجال
الصحيح ( التلخيص الحبير 2/402 ، الفتح
الكبير 1/351 ) .
([17]) رواه البخاري ( 1/39 )، ومسلم ( 6/97 )، وابن ماجه والبيهقي (
الفتح الكبير 3/343 أخبـار القضـاة ،
لوكيع 1/37 )، وفي روايـة البخاري ومسـلم « ويعلمها » .
([18]) تاريخ القضاء في الإسلام ، الزحيلي ص 13 ، 19 ، نظام القضاء
في الشريعة الإسلامية ، زيدان ص13 ، نظام القضاء الإسلامي ، البدوي ص36 .
([19]) حاشية ابن عابدين 5/354 ، 395 ، بدائع الصنائع 9/4079 ، بداية
المجتهد 2/496 ، تبصرة الحكام 1/17 ، مغني المحتاج 4/375 ، شرح الباجوري 2/ 337 ،
الأحكام السلطانية للماوردي ص 65 ، المغني 10/36 ( 14/12 ط الرياض ) .
([21]) تســتعمل الممـلـكة العربيـة السـعودية كلمة « نظام » بدلاً
من كلمة « قانون » للإشارة إلى أن «النظام » مسـتمد من الفقه الإسلامي ، والشريعة
الغراء ، وليس مستورداً من القوانين الوضعية والتشريعات الأجنبية ، كما حدث في
معظم البلاد الإسلامية التي تقع تحت
الاستعمار القانـوني الأجنبي ، والغـزو الفكري الدخيل . والواقع أنه لا فرق بين
الكلمتين من الناحية اللغوية ، فالقانون يعني القاعدة والضابط والمنهج والنظام
الثابت ، وأن الفقهاء المسلمين استعملوا كلا الكلمتين في الكتب والمؤلفات . ولكني
أميل إلى تأييد منهج المملكة في استعمال « النظام » للحفاظ على التميز الإسلامي
الذي رغب فيه الشرع ، وللتأكيد على وجوب استمداد الأحكام والتنظيمات والتشريعات من
فقهنا الإسلامي الزاخر ، وديننا الحنيف ، والحرص على التزام هذا السبيل ، { وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً
فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ
ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ}
الأنعام/153 ، { وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ
دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنْ الْخَاسِرِينَ} آل عمران/85 ، وانظر : التطور
التشريعي ص14 .
([22]) الوجيز في الحقوق المدنية ، الدكتور عدنان القوتلي 1/61 ،
مجلة كلية الشريعة بمكة ، العدد 1 السنة الأولى 1393هـ /1394هـ ص47، مقال الدكتور
عبد الوهاب أبو سليمان عن «التشريع الإسلامي في القرن الرابع عشر الهجري »، جهود
تقنين الفقه الإسلامي ، للدكتور وهبة الزحيلي ص7 ، أصول المحاكمات الشرعية ص95 .
([23]) كان القضاء الشرعي مخصصاً بمذهب أبي حنيفة دون سواه ؛ لأن
القضاء في الحجاز كان مرتبطاً بالقضاء في إستانبول القائم على المذهب الحنفي ،
انظر : النظام القضائي في المملكة ، أبو طالب
ص14 .
([24]) التنظيم القضائي في المملكة ، للسليم ص 3 ، التطور التشريعي
ص41 ، النظام القضائي في المملكة ص14 .
([25]) التنظيم القضائي في المملكة ، للسليم ص 3 وما بعدها ، التطور
التشريعي ، محمد عبدالجواد ص52 ، 131 وما بعدها ، النظام القضائي في المملكة ، أبو
طالب ص15 .
([26]) التطور التشريعي ص133 وما بعدها ، مجموعة النظم ، قسم القضاء
الشرعي من سنة 1345هـ إلى سنة 1357هـ .
([29]) المظالم لغة : جمع مظلِمة بكسر اللام ، وهي ما تظلمه الرجل ،
وأراد ظلامه ومظالمته أي ظلمه، والظلم : وضع الشيء في غير موضعه ، مع التعدي
ومجاوزة الحد ، ويقال : تظلم منه، وتظلم
الرجل أي أحال الظلم عن نفسه ، وشكا من الظلم ، وفي الاصطلاح : المظالم عبارة عـن
التعدي من الحق إلى البـاطل قصداً ، وهو الجور ، وقيل: هو التصرف في ملك الغير
ومجاوزة الحد ، وعرف الماوردي قضاء المظالم بأنه : « قود المتظالمين إلى التناصف
بالرهبة وزجر المتنازعين عن التجاحد بالهيبة» (القاموس المحيط 4/145، المعجم
الوسيط ص577، التعريفات للجرجاني ص125 ،
الأحكام السلطانية للماوردي ص77 ، الأحكام السلطانية لأبي يعلى ص73 ، السلطة القضائية في الإسلام ، عليان ص
399 ) .
([30]) جريدة أم القرى 7/5/1926م ، وانظر :مقالاً بعنوان « كيف تعرض
الشكايات على جلالة الملك ؟)) المنشور
في جريدة أم القرى العدد 300 ،تاريخ 12/4/1349هـ/ 5/9/1930 م. ومقــال « ولايــة
المظالم » في مجلة « أضواء الشريعة »، العدد الثامن ، وانظر : التنظيم القضائي ،
للدكتور سليمان السليم ص36 ، النظام القضائي في المملكة ص97 .
([31]) نشر في جريدة أم القرى بالعدد رقم 1577، تاريخ 13/8/1955م ،
وانظر النص الكامل في كتاب ديوان المظالم للدكتور حمدي عبد المنعم ص277 .
([32]) صدر أمر ملكي بتاريخ 14/10/1395هـ بتعيين الشيخ محمد بن
إبراهيم بن جبير رئيساً لديوان المظالم برتبة وزير .
([33]) أصـدر رئيس ديوان المظالم قراراً يتضمن النظام الداخلي لديوان
المظالم يتألف من 15 مادة ، ويتضمن تشكيــــلات الديوان ومـوظفيه واختصاصاتهم ( م
1–4 )، وتحديد اختصاصات الديوان ( م 5–7 ) ،وكيفية استعمالها ( م13 ) ،ولرئيس
الديوان تعديل ما يراه وإضافته، (م 14)، ويجب على جميع موظفي الديوان تنفيذ
الأحكام ( م15 ) . (ديوان المظالم ، حمدي عبد المنعم 280 ) .
([34]) وذلك بموجب المرسوم الملكي ذي الرقم (14) الصادر بتاريخ
14/7/1384هـ ، الذي أناط بجلالة الملك رئاسة مجلس الوزراء .
([35]) التنظيم القضائي في المملكة، السليم ص37، النظام القضائي
الإسلامي، القاسم ص617، وتوفي الملك عبدالعزيز سنة 1373هـ /1953م ، وتولى الملك
سعود الحكم ، ولما مرض وعجز عن مهام الحكم تولى أخوه الملك فيصل الحكم ، ولما
اغتيل عام 1395هـ /1975م تولى الحكم الملك خالد حتى توفي بتاريخ 20/9/1402هـ
/12/6/1982م، فتولى الملك فهد الحكم بعده ، ولا يزال حتى الآن ( النظام القضائي في
المملكة ص24 ) .
([36]) انظر قرار ديوان المظالم رقم 340 تاريخ 12/11/1375هـ ،
والقرار رقم 382 تاريخ 23/11/1375هـ ، والقرار رقم 147 لسنة 1375هـ ، المتضمنة
إحالة القضية إلى المـحكمة الشرعية للنظر فيها لمعرفة ما ثبـت شرعاً فيها ، وجاء
في القرار الأخير : « لأن النظر فيها من قبلنا ابتداء ربما يفتح باباً للاستخفاف
بالمحاكم ، وعدم المبالاة بالأحكام الشرعية » ( راجع السجل العام لديوان المظالم ،
المجلد 2 لسنة 1373هـ ، ص45 ، والفقرة 4 مـن قرار ديوان المظالم رقم 94 لسـنة
1375هـ ، دفـتر السجل العام ، المجلد 1 ص110 – 113 ) . وكان ديوان المظالم ينظر في
القضية بشكل موضوعي أحياناً ، ولا يردها إلى المحاكم الشرعية لعدم الاختصاص ، مثل
القرار رقم 132 لعام 1373هـ فـي قضية السـائق الذي تسبب بوفاة امرأة إثر صدمه
إياها برفرف السيارة، والحكم عليه بالسـجن سـتة أشهر ( راجع السجل العام لديوان
المظالم ، الجلد الثاني ص 12 – 14 لعام 1373هـ ) .
([37]) انظر قرار ديوان المظالم رقم 309 لعام 1375هـ في تظلم أحد
الموظفين من رئيسه لعدم ترفيعه للخصومة بينهما . وكان ديوان المظالم ينظر أحياناً
في التظلم من تصرفات القضاة ، وإجراءات التقاضي ، أو اتهام القاضي بالميل ، ( انظر
: قرار ديوان المظالم رقم 467 تاريخ 27/12/1375هـ ، وقـرار ديوان المظالم رقم 474
تاريخ 28/12/1375هـ ، وقرار الديوان بتاريخ 17/11/1375هـ ، والقرار رقم 484 تاريخ
29/12/1375هـ ) .
([38]) انظر قرار ديوان المظالم رقم 20 تاريخ 27/ 12/1389هـ
بالموافقة على تنفيذ الحكم الصادر من محكمة الزيتون للأحوال الشخصية للمصريين
بالقاهرة رقم 609 تاريخ 16/1/1959م .
([39]) انظر حكم ديوان المظالم بالرياض بتاريخ 28/2/1388هـ في قضية
رشوة ، وحكمه بتاريخ 2/8/1387هـ ، وحكمه بتاريخ 9/10/1387هـ ، وحكمه بتاريخ
3/4/1387هـ .
([41]) التطور التشريعي في المملكة ص166 ، وانظر : مقال « ديوان
المظالم »في مجلة أضواء الشريعة ص250 وما بعدها، ديوان المظالم، للدكتور حمدي
عبدالمنعم ص292 وما بعدها، 299 وما بعدها .
([44]) انـظر : النظام القضائي الإسلامي ، للدكتور عبـد الرحمن
عبـدالعزيز القاسم ص620 ، التنظيم القضائي فـي المملكة ، السليم ص39 .
([45]) التنظيم القضائي في المملكة ، السليم ص41 ، التـطور التشريعي
ص 129 ، النظام القضائي في المملكة ص104 .
([46]) جاء في كتاب ديوان رئاسة الوزراء ، رقم 6334 تاريخ
17/3/1386هـ إلى صاحب السمو الملكي وزير الداخلية «... تشكيل لجنة لمعاملات قضايا
التزوير من عضوين من ديوان المظالم وعضو من وزارة الداخلية، ومستشار من مجلس
الوزراء تحت رئاسة وزير الداخلية أو من ينيبه... إلى أن يصدر نظام تطبيق العقوبات
النظامية ، حيث إنه قيد الدرس من قبل مجلس الوزراء » .
([56]) المذكرة التفسيرية لنظام تأديب الموظفين ص9 ، التنظيم القضائي
، السليم ص51 ، النظام القضائي في المملكة ص110 .
([59]) الأحكام السلطانية له ص72 ، وانظر: حاشية ابن عابدين 5/419 ،
حاشية قليوبي وعميرة على شرح المحلي على المنهاج
4/134 ، مغني المحتاج 4/380 ، أدب القضاء لابن أبي الدَّم91، كشاف القناع 6/292 ، نظام القضاء الإسلامي ص331
وما بعدها .
([61]) بدأت أنظمة القضاء في المملكة بنظام تشكيلات المحاكم الشرعية
1346هـ / 1927م ، ثم «نظام تركيز مسؤوليات القضاء الشرعي » لعام 1357هـ ، ثم صدر «
نظام تركيز مسؤوليات القضاء الشرعي وتحديد اختصاصاته » عام 1372هـ ، وسوف نعرض هذا
النظام الأخير ؛ نظراً لأهميته وبقاء آثاره حـتى الآن ، ونفاذ بعض أحكامه دون أن
تلغى ، لننتقل إلى دراسة نظام القضاء الجديد في الفصل التالي .
([69]) جريدة أم القرى ، العدد 90 تاريخ 25 صفر الخير سنة 1345هـ / 3
سبتمبر أيلول 1926م وانظر: التطور
التشريعي ص90.
([71]) كان مجلس الوزراء فـي المملكة العـربية السـعودية ( بمـوجب
نظامه لعام 1373هـ ) يجمع بين السلطتين التنفيذية والتشريعية ( التنظيمية ) ، ونص
نظام مجلس الوزراء لسنة 1377هـ على السلطة التنظيمية له ، فجاء في المادة 18 منه :
« ويملك السلطة التنظيمية والسلطة التنفيذية والسلطة الإدارية »، ثم ظهر تنظيم
مجلس الشورى في المملكة ، ثم تشكيله ، وأنيط به دراسة الأنظمة والتشريعات ، وتقديم
المشورة للملك والحكومة . انظر : التطور التشريعي في المملكة ص105 ، 107 ، النظام
القضائي في المملكة ص29 .
([75]) وذلك بموجب خطاب رئيس مجلس الوزراء رقم 24836 تاريخ 29 / 10
/1386هـ الـذي حدد اختصاص هيئات التمييز ، ثم صار اسمها محكمة التمييز . ( النظام
القضائي في المملكة ص290 ) .
([76]) أصول المحاكمات الشرعية والمدنية ص89 ، مغني المحتاج 4/380،
تبصرة الحكام 1/ 17، بداية المجتهد 2 / 496 ، المغني 10 / 92 ( 14 / 90ط محققة ) ،
تاريخ القضاء ، عرنوس ص92 ، تاريخ القضاء في الإسلام ، الزحيلي ص400 .
([77]) نضرب مثالاً لذلك أن المكتب الرئيس بالمنطقة الوسطى بحث فصل
أحد العمال من شركة الجبس الأهلية دون سبب ، وحكم له بالتعويض والمكافأة عن
الساعات الإضافية ، فاحتاج المكتب لإثبات شهادة الشهود لدى القاضي الشرعي ، وحين
أرسل ذلك إلى أحد القضاة في المحكمة الشرعية أبى القاضي إلا أن يفصل في القضية
برمتها ، وحكم فيها ، ثم استفسر رئيس محكمة الدمام من رئاسة القضاة عن سماع هذه
الشهادة فأجابت رئاسة القضاة برقم 1030/1 تاريخ 19/7/1382هـ بأنه لا يسوغ سماع هذه
الشهادة ؛ لأن الحكم المترتب عليها لا يصدر من المحاكم الشرعية ،ثم جاء كتاب رئيس
مجلس الوزراء رقم 1006 تاريخ 12/1/1383هـ إلى وزير العمل والشؤون الاجتماعية : «
وبما أن الحكم النظامي قد أثبت حقوق العمال ، فلا ينظر إلى حكم القاضي ، ويعمل بما
أثبته الحـكم النظامي ؛ لأن نظام العمل قد كفل حقوق العمال دون الرجوع إلى المحاكم
» .
([79]) نظرية الدعوى ، للدكتور محمد نعيم ياسين 2/208 ، التطور
التشريعي ص153 ، النظام القضائي في المملكة ص31 .
([81]) الأم ، الشافعي 6/234 طبع دار الفكر ، وانظر : أدب القضاء
لابن أبي الدم ص489 ، الروضة للنووي 11/162 .
([83]) حاشية ابن عابدين 5/354 ، 395 ، بدائع الصنائع 9/4089 ، تبصرة
الحكام 9/17 ، مغني المحتاج 4/375 ، شرح الباجـــوري 2/337 ، بدايـــة المجتهد
2/496 ، كشاف القناع 6/292 ، المغني 10/36 ( 14/ 12 ط محققة ) الروض المربع 2/366
، أعـــلام الموقعين 1/105 ، الأحكـــام السلطانيـــة للماوردي ص65 ، نظام القضــــاء
الإسلامي ، البدوي ص173 .
([84]) نصت المادة 48 على أن مجلس الوزراء يحدد بناءً على اقتراح
وزير العدل « المقصود بالأعمال القضائية النظيرة ، وتعتبر شهادة المعهد العالي
للقضاء معادلة لخدمة أربع سنوات في أعمال قضائية نظيرة »، وهذا يعني أن المتخرج في
المعهد العالي للقضاء الذي يحمل شهادة الماجستير يعين فوراً في درجة قاضي ب ، وهو
ما نصت عليه المادة 41 ، وأقترح أن يعطى الطالب في قسم القضاء أقدمية في العمل عند
تعيينه سنتين على الأقل .
([86]) نص نظام محاكمة الوزراء على أن « تدخل الوزراء الشخصي في شؤون
القضاء يعتبر جريمة يستحقون عليها العقوبة » وغيرهم مثلهم .
([90]) التطور التشريعي في المملكة ص82 ، 85 ، مجموعة النظم ، قسم
القضاء الشرعي من سنة 1345 – 1357هـ ، صفحة11 ، القضاء ونظامه ، الحميضي ص 309 وما
بعدها ، النظام القضائي في المملكة ، أبو طالب ص20 – 21 .
([91]) التطور التشريعي في المملكة ص83 ، التنظيم القضائي ، السليم ص
13 ، وانظر التعريف بأهم كتب الفقه على المذهب الحنبلي في كتاب : مرجع العلوم
الإسلامية ، الزحيلي ص531 – 542 ،المدخل
إلى مذهب الإمام أحمد لابن بدران الدمشقي ص145 .
([93]) نشرة الأنظمة السعودية ، العدد 9 ص10 .
المصادر والمراجع
§
آل
الشيــخ ، معالي الشيخ حسن ، التنظيم القضائي في المملكة العربية السعودية –
الرياض – 1402هـ/1982م .
§
الأنظمة
السعودية – نشرة دورية تصدرها جامعة الملك عبد العزيز بجدة .
§
أنيــس
، الدكتور إبراهيم ، وشركـــاه ، المعجم الوسيط – دار الأمواج – بيروت –
1410هـ/1990م .
§ الباجوري ، إبراهيم ( 1276هـ )، حاشية الباجوري على شرح ابن قاسم الغزي على
مختصر أبي شجاع – مطبعة بولاق – مصر – 1307هـ .
§
البجيرمي
، سليمان بن محمد ( 1221هـ )، حاشية البجيرمي على المنهج ، مطبعة التقدم العلمية –
مصر – 1357هـ .
§
البدوي
، الدكتور إسماعيل إبراهيم ، نظام القضاء الإسلامي – الطبعة الأولى 1410هـ/1989م –
عدم ذكر دار النشر ومكانها .
§
البنا
، عبدالرحمن ، الشهير بالساعاتي ( ق14 )، بدائع المنن في جمع وترتيب مسند الشافعي
والسنن – مطبعة الأنوار – مصر – 1369هـ .
§
البهوتي
، منصور بن يونس ( 1051هـ ) ،كشاف القناع على متن الإقناع ، مطبعة الحكومة – مكة
المكرمة – 1394هـ .
§
البهوتي
، الروض المربع شرح المقنع للحجاوي ( 960هـ ) ، المطبعة السلفية – القاهرة – ط7 –
1392هـ .
§
الجرجاني
، السيد الشريف علي بن محمد ( 816هـ ) ، التعريفات – مطبعة مصطفى البابي الحلبي –
مصر – 1357هـ/1938م.
§ ابن حجر ، أحمد بن حجر العسقلاني
(852هـ ) ،التلخيص الحبير ، شركة الطباعة الفنية المتحدة – القاهرة – نشر اليماني
– المدينة – 1384هـ / 1964م .
§
الحطاب
، محمد بن محمد ( 954هـ )، مواهب الجليل شرح مختصر خليل ، مطبعة السعادة – القاهرة
– 1328هـ .
§
الحميضي
، الدكتور عبد الرحمن إبراهيم عبد العزيز ، القضاء ونظامه في الكتاب والسنة ، نشر
جامعة أم القرى – مكة – 1409هـ/1989م .
§
ابن
خلدون ، عبد الرحمن بن محمد ( 808هـ ) ،مقدمة ابن خلدون – المكتبة التجارية الكبرى
– مصر – د . ت .
§ الدسوقي ، محمد بن أحـــمد بن عرفـــة
( 1230هـ ) ،حاشية الدسوقي على الشــــرح الكبير للدردير ( 1201 ) – عيسى البابي
الحلبي – القاهرة – د . ت .
§
ابن
أبي الدم ، إبراهيم بن عبد الله الحموي ( 642هـ )، أدب القضاء ، ت الدكتور محمد
الزحيلي – دار الفكر – 1402هـ – 1982م .
§
ابن
رشد ، محمد بن أحمد ، الحفيد ( 591هـ )، بداية المجتهد ، ونشر مكتبة الكليات
الأزهرية – القاهرة – 1386هـ/1966م .
§
الـرصّاع
، محمد الـرصّاع الأنصاري ( 894هـ )، شرح حدود ابن عرفة ( 803هـ ) ، المطبعة التونسية
– تونس – 1350هـ .
§
الزحيلي
، الدكتور محمــد ، أصول المحاكمات الشرعية والمدنية ، مؤسسة الوحدة – دمشق –
1401هـ/1981م,
§
الزحيلي
، الدكتور محمد ، تاريخ القضــــاء في الإسلام ، دار الفكر – دمشق – بيروت –
1415هـ/1995م .
§
الزحيلي
، الدكتور محمــــد ، مرجع العلوم الإسلاميـــة – دار المعرفة دمشق – 1408هـ/
1998م .
§
الزحيلي
، الدكتور محمد ، وسائل الإثبات في الشريعة الإسلامية ، رسالة دكتوراه – دار
البيان – دمشق – 1402هـ/1982م .
§
الزحيلي
، الدكتور وهبة ، جهود تقنين الفقه الإسلامي– دار الفكر – دمشق – 1406هـ/1986م .
§
زيدان
، الدكتور عبد الكريم ، نظام القضاء في الشريعة الإسلامية ، مؤسسة الرسالة – بيروت – 1415هـ/1995م .
§
السليم
، الدكتور سليمان ، التنظيم القضائي في المملكة العربية السعودية – طبع الآلة
الكاتبة – معهد الإدارة – الرياض ، د . ت .
§
ابن
سعد ، محمد ( 230هـ )، الطبقات الكبرى – دار صادر – بيروت – 1338هـ/1968م .
§
الشافعي
، محمد بن إدريس ( 204هـ )، الأم ، دار الفكر – دمشق – بيروت – د . ت .
§
الشربيني
، محمد بن أحمد الخطيب ( 977هـ )، مغني المحتاج إلى شرح المنهاج ، مطبعة مصطفى
البابي الحلبي – القاهرة – 1370هـ/1968م .
§ الشرقاوي ، عبد الله حجازي ( 1226هـ )،
حاشية الشرقاوي على تحفة الطلاب ، مطبعة مصطفى البابي الحلبي – مصر – 1360هـ/1941م
.
§
الصنعاني
، محمد بن إسماعيل ( 1142هـ ) ،سبل السلام ، مطبعة مصطفى البابي الحلبي – مصر –
1379هـ/1960م .
§
أبو
طالب ، الدكتور حامد محمد ، النظام القضائي في المملكة العربية السعودية – دار
الفكر العربي – القاهرة – 1404هـ/1984م .
§
ابن
عابدين ، محمد أمين ( 1252هـ ) ،حاشية ابن عابدين = رد المحتار ، مصطفى البابي
الحلبي – القاهرة – 1386هـ/1966م.
§
عبد
المنعم، الدكتور حمدي ، ديوان المظالم ، دار الشروق – بيروت – القاهرة – ط1 –
1403هـ/1983م .
§ عرنوس ، الشيخ القاضي محمود بن محمد (
1995م ) ،تاريخ القضاء في الإسلام – المطبعة المصرية الحديثة الأهلية – القاهرة –
1352هـ/1934م .
§
عليان
، الدكتور شوكت محمد ، السلطة القضائية في الإسلام – دار الرشيد – الرياض – ط1 –
1402هـ/1982م .
§
الفيروزآبادي
، محمد بن يعقوب ( 817هـ )، القاموس المحيط ، المكتبة التجارية الكبرى – القاهرة –
1332هـ/1913م .
§
الفتاوى
الهندية ، العالمكيرية، جماعة من علماء الهند– المطبعة الأميرية– بولاق– مصر–
1310هـ .
§ ابن فرحون ، إبراهيم بن علي ( 799هـ )
،تبصرة الحكام ، مصطفى البابي الحلبي – القاهرة – على هامش فتح العلي المالك –
1378هـ/1958م .
§
القاسم
، الدكتور عبد الرحمن عبد العزيز ، النظام القضائي الإسلامي ، مطبعة السعادة –
القاهرة – ط1 – 1393هـ/1973م .
§
ابن
قدامة ، عبد الله بن أحمد ، موفق الدين ( 620هـ )، المغني ، نشر مكتبة القاهرة –
مصر – 1389هـ/1969 + طبعة محققة.
§ قليوبي ، أحمد بن أحمد بن سلامة (
1069هـ ) ،حاشية قليوبي على شرح المحلي ، مطبعة مصطفى البابي الحلبي – مصر –
الطبعة3 – 1375/1956م .
§
ابن
قيم الجوزية ، محمد بن أبي بكر ( 751هـ )، أعلام الموقعين – مكتبة الكليات
الأزهرية – القاهرة – 1388هـ/1968م .
§
ابن
قيم الجوزية ، محمد بن أبي بكر ( 750هـ )، الطرق الحكمية في السياسة الشرعية –
مكتبة دار البيان – دمشق – 1410هـ / 1989م .
§
الكاساني
، عـلاء الدين أبو بكر بن مسعود ( 587هـ ) ،بـدائع الصنائع ، مطبعة إمام ، نشر
زكريا علي يوسف – القاهرة – د . ت .
§
كرد
علي ، محمد ، الإدارة الإسلامية في عز العرب – مطبعة مصر – القاهرة –1934م .
§
الكفوي
، أبو البقاء ، أيوب بن موسى ( 1094هـ )، الكليات ، نشر وزارة الثقافة – دمشق –
1410هـ/1981م .
§
الماوردي
، أبو الحسن علي بن محمد بن حبيب ( 450هـ )، مطبعة مصطفى البابي الحلبي – القاهرة
– ط2 – 1386هـ/1966م.
§
مجموعة
النظم ( في السعودية ) قسم القضاء من سنة 1345هـ – الطبعة الأولى سنة 1357هـ .
§
محمد
، الدكتور محمد عبد الجواد محمد ، التطور التشريعي في المملكة العربية السعودية –
مطبعة جامعة القاهرة – مصر – 1977م .
§
مدكور،
الأستاذ محمد سلام، القضاء في الإسلام – دار النهضة العربية– القاهرة – ط1 – 1964م
.
§ النبهـــاني ، يوســــف ( 1350هـ )،
الفتح الكبير في ضم الزيادات إلى الجامع الصغير للسيوطي ( 911هـ ) – مطبعة مصـطفى
البابي الحلبي – مصر – 1350هـ .
§
النووي
، أبو زكريا يحيى بن شرف ( 676هـ ) ، الروضة ، نشر المكتب الإسلامي – دمشق –
1386هـ/1966م .
§
ابـن
الهمام ، الكمال ( 861هـ ) ،فتح القدير شـرح الهـداية للمـرغيناني ( 593هـ )،
المكتبة التجارية الكبرى – مصر – 1356هـ .
§
الهيثمي
، نور الدين علي بن أبي بكر ( 807هـ ) ،موارد الظمآن إلى زوائد ابن حبان ، تصوير
دار الكتب العلمية–بيروت – د.ت.
§
وكيع
، محمد بن خلف بن حيّان ( 306هـ )، أخبار القضاة – تصوير عالم الكتب – بيروت – د.ت
.
§
ياسين
، الدكتور محمد نعيم ، نظرية الدعوى ، نشر وزارة الأوقاف – عمان – الأردن – 1399هـ
/1979م .
§
أبو
يعلى ، محمد بن الحسين الفراء ( 458هـ ) الأحكام السلطانية – مطبعة مصطفى البابي
الحلبي – القاهرة – ط2 – 1386هـ/1996م .