مقدمــة :

استرد الملك عبدالعزيز – رحمه الله – مدينـــة الرياض بتاريخ 5/10/1319هـ / 15/1/1902م، واستمرت جهود توحيد المملكة العربية السعودية أكثر من ثلاثين عاماً انتهت بإعلان توحيد البلاد تحت اسم "المملكة العربية السعودية" بموجب الأمر الملكي رقم (2716) وتاريخ 17/5/1351هـ / 18/9/1932م ([1])، وخلال الثلاثين سنـــة الأولى من عمر المملكة العربية السعوديــة كانت جهــود الملك عبدالعزيز – رحمه الله – منصبّة على توحيد البلاد، والقضاء على الفتن الداخلية، والخلافات القبلية، والمحافظة على الأمن والاستقرار، وكانت المملكة تفتقر لوجود جهاز مركزي موحد للدولة، حيث كان التنظيم الإداري في الحجاز يختلف عن التنظيم الإداري في الأحساء، وعنه في نجد، فكان لكل إقليم تنظيم إداري خاصٌّ به يختلف كثيراً عن التنظيمات الإدارية في الأقاليم الأخرى. ونظراً لانشغال الملك عبدالعزيز  – رحمه الله –  في توحيد البلاد، فقد أبقى هذه التنظيمات كما كانت عليه إلى أن تم توحيد المملكة العربية السعودية، وبدأت الجهود لتطوير التنظيم الإداري في المملكة تأخذ مسارها، فشهدت المدة التي تلت توحيد البلاد تحت اسم "المملكة العربية السعودية" جهوداً حثيثة لبناء جهاز الدولة استمرت لمدة ثلاثين سنة، هذا في الوقت الذي كانت فيه المملكة تعاني من نقص حاد في الكفاءات الوطنية المؤهلة القادرة على إدارة جهاز الدولة والقيام بالمسؤوليات المتزايدة بكفاءة وفاعلية، مما أدى إلى البحث عن مساعدات فنية من منظمات وهيئات دولية للرفع من كفاءة تشغيل الجهاز الحكومي، وقد أدى هذا التوجه إلى إيجاد حركة إصلاح إداري ضخمة شهدتها المملكة بعد ثلاثين عاماً من إعلان توحيدها. ومنذ ذلك الحين إلى وقتنا الحاضر وحركة الإصلاح الإداري مستمرة بغرض الرفع من كفاءة أداء الأجهزة الحكومية وفاعليتها .

وبعد أن اكتمل بناء الجهاز الإداري في المملكة، وتحققت معظم الأهداف الأساسية من حركة الإصلاح الإداري، برزت للدولة أهداف جديدة تعكس التطور الذي شهدته المملكة، وما حققته من مكتسبات، وتتمثل هذه الأهداف في تحسين نوع الخدمة التي تقدمها الأجهزة الحكومية، والتركيز على الجودة بأقل التكاليف الممكنة دون التأثير على نوعية الخدمة، ومن هنا برز مفهوم رضى المستفيدين عن هذه الخدمات. ويمثل تحسين جودة الخدمات أحد المرتكزات الأساسية لخطط التنمية في الوقت الحاضر، وأحد أهم التوجهات الرئيسة للدولة في المستقبل.

وفي هذا البحث سوف نستعرض التطور التنظيمي للجهاز الإداري في المملكة، وسوف يتم تقسيم هذا البحث إلى ثلاث مراحل أساسية للتطور التنظيمي في المملكة العربية السعودية ، وهي:

1-مرحلة تطوير الخدمات.

2-مرحلة تطوير الأداء.

3-مرحلة تحسين الجودة.

وهذه المراحل ليست منفصلة عن بعضها، بل إن درجة التداخل بينها عالية جداً، فبداية مرحلة لا تعني نهاية المرحلة التي تسبقها؛ وذلك لأن مرحلة تطوير الخدمات، ما زالت مستمرة حتى الآن، وإن كان قد تم بناء تطوير معظم الخدمات الأساسية التي يحتاجها المواطن والدولة. وكذلك فإن مرحلة تطوير الأداء ما زالت مستمرة، على الرغم من أن التركيز في الوقت الحاضر على تحسين جودة الخدمات.

 

أولاً: مرحلة تطوير الخدمات :

عندما استرد الملك عبدالعزيز  – رحمه الله –  الرياض عام 1319هـ/1902م كانت الدولة تفتقد كثيراً من الخدمات التي يحتاجها المواطن، أو التي تحتاجها  الدولة، فعلى الرغم من الحاجة الماسة لهذه الخدمات إلا أن التركيز في السنوات الأولى التي تلت استرداد الرياض كان منصباً على توحيد البلاد والحفاظ على الأمن والاستقرار، على الرغم من استمرار جهود الملك عبدالعزيز  – رحمه الله –  في توحيد المملكة لأكثر من ثلاثين سنة، إلا أن هذا لم يمنع من بناء الخدمات وتطويرها، فكلما برزت الحاجة لخدمة من الخدمات تم إنشاء جهاز لتقديم هذه الخدمة. وبعد توحيد المملكة وإعلان اسم "المملكة العربية السعودية" عام 1351هـ /1932م على مختلف مناطق شبه الجزيرة العربية وأقاليمها، تحولت الجهود بشكل بارز وواضح إلى بناء الخدمات وتطويرها، وشهدت المملكة توسعاً كبيراً في جهاز الدولة. وقد تميزت المرحلة التي سبقت توحيد المملكة ، وإعلان اسم المملكة العربية السعودية بالتنظيم غير المركزي، أما المرحلة التي تلت توحيد المملكة فقد برز فيها التوجه نحو التنظيم المركزي والتوسع في تقديم الخدمات.

وكما قلنا فقد تميزت الثلاثون سنة الأولى من عمر المملكة بالتنظيم غير المركزي، والتفاوت بين التنظيمات الإدارية في مناطق المملكة. ففي منطقة نجد التي تعد بعيدة عن المؤثرات الخارجية حافظ المجتمع فيها على عاداته وتقاليده، وبقيت القبيلة أساساً لوحدة المجتمع. وباستثناء النظام القبلي، كان إقليم نجد عند استرداده يفتقر لأي نوع من أنواع التنظيم الرسمي، وكانت أبرز الأهداف المراد تحقيقها في تلك المدة هي استتباب الأمن والاستقرار في المنطقة، لذلك عين الملك عبدالعزيز  – رحمه الله –  الأمير سعود بن عبدالعزيز  – رحمه الله –  حاكماً لإقليم نجد ومقره مدينة الرياض، وهذا هو أول أشكال التنظيم الإداري الرسمي في نجد، وكان حاكم نجد مرتبطاً مباشرة بالملك. ([2])

 

وبتعيين الأمير سعود  – رحمه الله –  حاكماً لنجد (ولي العهد آنذاك) وتحقيق أهم الخدمات لأبناء المنطقة ، وهي الأمن والاستقرار،([3]) برزت الحاجة لنوع آخر من الخدمات وهو القضاء المنظم الذي لم يكن متوافراً في السابق لكنه كان يمارس من قبل شيخ القبيلة، لذلك تم إيجاد وظيفة قاضٍ في كل مدينة – تقريباً – يرجع إلى الحاكم الإداري، وفي المدن أو القرى التي لا يوجد بها قاضٍ يقوم أمير المدينة أو القبيلة بمهمة القاضي، وتلا ذلك إيجاد وظيفة مأمور المال في كل مدينة رئيسة. ويعد التنظيم الإداري في نجد أكثر التنظيمات الإدارية في المملكة سهولة حيث اتسم بالإدارة الشخصية، "فلا يوجد في الوثائق والمستندات الرسمية المتوفرة ما يشير إلى قيام دوائر ذات اختصاص معين في الإقليم، إذ لم يكن على ما يبدو هناك حاجة ماسة لإنشاء دوائر مركزية، فالنظام الشخصي الذي كان سائداً كان ينسجم مع نظام المجتمع القبلي الذي كان سائداً آنذاك".([4])

وفي الأحساء التي ظلت تحت حكم الأتراك لأكثر من ثلاثة عقود إلى أن استردها الملك عبدالعزيز  – رحمه الله –  عام 1331هـ/1913م، لم يختلف التنظيم الإداري كثيراً عن نظام الإدارة في نجد، إلى أن منحت الدولة امتياز التنقيب عن النفط في المنطقة لشركة ستاندرد أويل أوف كاليفورنيا California) Standard Oil of) عام 1352هـ /1933م، وبدأت ملامح الاختلاف في التنظيم الإداري تبرز في إقليم الأحساء عنه في إقليم نجد. وبعد منح الدولة امتياز التنقيب عن النفط واستخراجه برز نوع جديد من الخدمات، فبينما كان الأمير عبدالله بن جلوي يقوم بدور حاكم الإقليم من مدينة الهفوف ويرتبط به أمراء المدن، وفي كل مدينة كان هناك قاضٍ ومأمور للمال في المدة التي سبقت امتياز التنقيب عن النفط واستخراجه، في المرحلة التي تلت اكتشاف النفط كان لا بد من التوسع في تقديم خدمات الأمن وغيرها من الخدمات التي تتطلبها الظروف الاجتماعية والاقتصادية ؛ لذلك تم تأسيس مكتب للأشغال والمعادن العامة في جدة عام 1355هـ /1935م، وإنشاء فرع للمكتب في منطقة الأحساء بمدينة الدمام.([5])

ويتضح من التنظيم الإداري في منطقة الأحساء أنه اتسم بالطابع غير المركزي حيث كان أمراء المدن يرتبطون بأمير الإقليم، الذي يرتبط بالملك مباشرة، كما أن الحاجة لتقديم خدمات الأمن كانت أكثر وضوحاً في منطقة الأحساء منها في منطقة نجد، لذلك اتسم التنظيم الإداري في الأحساء أيضاً بالتوسع في إنشاء دوائر ومراكز للشرطة كانت ترتبط بحاكم المنطقة ومراكز الشرطة بمديري الدوائر.

أما فيما يتعلق بالتنظيم الإداري في إقليم الحجاز فيختلف عن التنظيم الإداري في كل من نجد والأحساء ؛ وذلك لأن منطقة الحجاز لها ظروف خاصة بسبب تعرضها لكثير من المؤثرات الخارجية من خــــلال موقعها الديــــني. فعندما ضم الملك عبدالعزيز  – رحمه الله –  مكة المكرمة عام 1343هـ/1924م وجد نوعاً  من التنظيم الإداري، وعدداً من الدوائر الحكومية مثل الصحة والبلدية والأوقاف والقضاء، ولم يحدث فيها أي تغيير يذكر، بل فضل أن تبقى كما هي، وتستمر في تقديم الخدمات الموكلة لها. وكانت الحاجة واضحة للجوانب الأمنية والعسكرية، لذلك كان تركيز الملك عبدالعزيز  – رحمه الله –  على الجانب العسكري، وانسجاماً مع الوضع التنظيمي في الحجاز أنشأ الملك عبدالعزيز المجلس الأهلي في مكة عام 1343هـ /1924م، ليكون مسؤولاً عن الإشراف على دوائر الحكومة الرئيسة في الحجاز، ويكون الإشراف على الأمور العسكرية والخارجية من صلاحية الملك عبدالعزيز  – رحمه الله –. واستمر الوضع كما هو عليه إلى أن عين الملك الأمير فيصل بن عبدالعزيز  – رحمه الله –  عام /1925م نائباً عاماً له في الحجاز، بحيث يتولى إدارة جميع الأمور الداخلية، والإشراف على الأجهزة الحكومية في الحجاز، باستثناء الأمور الخارجية والعسكرية التي ظلت مرتبطة بالملك مباشرة،([6]) وفي 21/2/1345هـ /1926م صدرت التعليمات الأساسية للحجاز التي ربطت الأمور الشرعية والداخلية والمالية وأمور المعارف العمومية بالنائب العام للملك في الحجاز، وربطت الأمور العسكرية والأمور الخارجية بالملك مباشرة.([7]) وبقيت التنظيمات الإدارية في كل من نجد والأحساء والحجاز كما هي عليه إلى أن أعلن الملك عبدالعزيز – رحمه الله –  عن توحيد المملكة عام 1351هـ.

فالطابع غير المركزي كان واضحاً من التنظيم الإداري، حيث تم التعامل مع الحجاز بصفته مملكة مستقلة عن سلطنة نجد وملحقاتها، ولا يربطهما سوى الملك، وكان لكل من المملكتين أوضاع وحكومة وطراز إداري مختلف عن الأخرى، إلى أن دمجت المملكتان مع بقية الأقاليم الشرقية والجنوبية والشمالية في مملكة واحدة تحت اسم "المملكة العربية السعودية " بتاريخ 19/5/1351هـ /21/9/1932م .([8]) كما أن التفاوت في نوعية التنظيم الإداري كان واضحاً، فبينما يقوم بالإشراف على الأمور الداخلية في نجد والأحساء أمير للمنطقة (الإقليم)، يشرف على الأمور الداخلية في الحجاز نائب عام للملك، وفي الوقت الذي يشرف النائب العام للملك في الحجاز على أجهزة إدارية، يشرف أمراء نجد والأحساء على أمراء المدن في الأقاليم التابعة لهم.

وعلى الرغم من التوسع في الجهاز الإداري الذي بدأت تبرز ملامحه في منتصف عام 1349هـ، الذي شهد إنشاء أول وزارة في المملكة العربية السعودية (وزارة الخارجية)، إلا أن الطابع غير المركزي بقي أحد أهم سمات التنظيم الإداري في المملكة. ففي 29/7/1349هـ تم تحويل مديرية الشؤون الخارجية إلى وزارة،([9]) وفي 19/8/1350هـ صدر نظام الوكلاء الذي ألغى النيابة العامة، وحولها إلى وزارة الداخلية،([10]) وارتبطت بها جميع الدوائر الحكومية التي كانت مرتبطة بالنيابة العامة.

وبعد توحيد المملكة برزت الحاجة إلى تقديم مزيد من الخدمات، فبدأت حركة التوسع في الجهاز الإداري، والتوجه إلى الطابع المركزي بشكل تدريجي على حسب ما تقتضيه الحاجة والظروف. ففي 20/4/1351هـ تم تحويل وكالة المالية العامة إلى وزارة،([11]) وتم إنشاء ثلاثة عشر فرعاً للوزارة في جميع مناطق المملكة، لتقديم الخدمات المالية في المناطق، وفي عام 1363هـ تحولت وكالة الدفاع ومديرية الأمور العسكرية إلى وزارة.([12])

وفي عام 1370هـ برزت الحاجة إلى تقديم مزيد من الخدمات الصحية في جميع مناطق المملكة، وكان واضحاً عدم قدرة مديرية الصحة العامة على تقديم هذه الخدمات بالشكل المطلوب، مما استدعى رفعها إلى وزارة في 26/8/1370هـ بموجب المرسوم الملكي رقم (5/11/8697)،([13]) وتم إنشاء ست مناطق صحية تتبع الوزارة في كل من: المنطقة الشرقية، ومنطقة الرياض، ومنطقة مكة المكرمة، والمنطقة الساحلية الغربية، ومنطقة المدينة المنورة، ومنطقة عسير. ويلحظ أن الخدمات الصحية كانت تشرف عليها مديرية الصحة العامة المرتبطة بمديرية الأمور الداخلية التابعة للنائب العام للملك في الحجاز. وهذا التنظيم يعكس حجم الخدمات الصحية التي كانت تقدمها الدولة في ذلك الوقت، وعندما برزت الحاجة للتوسع في تقديم الخدمات الصحية، انعكس ذلك على التنظيم الإداري وتم تحويلها إلى وزارة.

وكما تطورت الخدمات الصحية تطورت خدمات الاتصالات بالمنهج نفسه، ففي عام 1344هـ لم يكن هناك جهاز مسؤول عن توفير هذه الخدمة وتقديمها، ونتيجة لاهتمام الملك عبدالعزيز  – رحمه الله –  بتوفير خدمات البرق والبريد والهاتف، أشرف بنفسه مباشرة على توفيرها من خلال الاتصال ببعض الشركات والدول لتوفيرها.([14]) وفي عام 1345هـ تشكلت مديرية البرق والبريد، وارتبطت بالنيابة العامة في الحجاز، وذلك وفقاً لما جاء في التعليمات الأساسية للمملكة الحجازية، واستمرت المديرية في تطوير خدمات البرق والبريد والهاتف إلى أن تم إنشاء وزارة المواصلات بتاريخ 28/12/1372هـ،([15]) وضُمَّ البرق والبريد والهاتف بالإضافة إلى الطرق وسكة الحديد إلى الوزارة الجديدة. وواصلت الوزارة تقديم خدمات البرق والبريد والهاتف وتطويرها إلى أن برزت الحاجة إلى التوسع في تقديم هذه الخدمات وتطويرها، فأنشئت وزارة البرق والبريد والهاتف في 8/10/1395هـ لتكون مسؤولة عن تقديم هذه الخدمة وتطويرها.([16])

بالمنهج التدريجي نفسه الذي تم فيه بناء خدمات البرق والبريد والهاتف وتطويرها تم بناء الخدمات الأخرى وتطويرها كالتعليم الذي كان شبه منعدم في المملكة حتى عام 1344هـ، باستثناء أربع مدارس أهلية في الحجاز، وبعض الجهود غير الرسمية في مناطق المملكة الأخرى،([17]) وفي 1/9/1344هـ أنشأ الملك عبدالعزيز  – رحمه الله –  مديرية المعارف العمومية، وتم ربطها بالنائب العام في الحجاز،([18]) وربطت بوزارة الداخلية بعد إنشائها عام 1350هـ، وكانت جهودها مركزة على تقديم خدمة التعليم في منطقة الحجاز حتى عام 1357هـ، عندما صدر نظام مديرية المعارف الذي أصبحت بموجبه تشرف على جميع شؤون التعليم في المملكة باستثناء التعليم العسكري.([19]) ونتيجة للتوسع في تقديم خدمات التعليم، وعدم قدرة المديرية العامة على القيام بهذه المسؤولية بالشكل المطلوب، تم تحويل المديرية إلى وزارة المعارف في 18/4/1373هـ بموجب المرسوم الملكي رقم (5/3/26/2950)،([20]) تلاها تأسيس جامعة الملك سعود في الرياض عام 1377هـ، التي سبقت بأربع كليات: اثنتان في مكة المكرمة واثنتان في الرياض، وتوالى إنشاء الجامعات حتى بلغ عددها ثماني جامعات موزعة في أنحاء المملكة، وكان آخرها جامعة الملك خالد في منطقة عسير التي أنشئت عام 1419هـ. وعندما برزت الحاجة لتعليم البنات تم إنشاء الرئاسة العامة لتعليم البنات لتقوم بتطوير تعليم البنات، والإشـــــراف عليه عام 1380هـ.([21]) ونتيجة للتوسع في التعليم العالي وضرورة وجود جهاز مستقــــل يشـــــرف عليه أنشئـــت وزارة التعليم العالي عام 1395هـ.([22])

ونتيجة للتوسع في تقديم الخدمات، وإنشاء الأجهزة الإدارية والوزارات للإشراف على تقديم هذه الخدمات وتطويرها، نتج عن ذلك زيادة في حجم الجهاز الإداري، مما أدى إلى بروز الحاجة إلى وجود جهاز مركزي يشرف على أعمال الأجهزة الإدارية والوزارات الجديدة ، ويقوم بتنسيق جهودها لتقديم هذه الخدمات بشكل يكفل الانسجام ، ويحد من التداخل والازدواجية، فكان إنشاء أول مجلس للوزراء في المملكة عام 1373هـ الذي يمثل مرحلة انتقالية في التنظيم الإداري في المملكة.

ويعد إنشاء مجلس الوزراء عام 1373هـ نقطة التحول من التنظيم غير المركزي إلى التنظيم المركزي والعمل المؤسس، وقد تلا إنشاء مجلس الوزراء إنشاء العديد من الوزارات والأجهزة الإدارية المستقلة والمؤسسات العامة. فكلما برزت الحاجة لتقديم خدمة من الخدمات أنشأت الدولة لها وزارة أو جهازاً إدارياً مستقلاً أو مؤسسة عامة أو مديرية مرتبطة بإحدى الوزارات. ونتج عن هذا التوسع الكبير في جهاز الحكومة الإداري توافر مختلف الخدمات الأساسية، إلا أنه كان  لهذا التوسع بعض الجوانب السلبية مثل تضخم حجم عدد من الوزارات كوزارة المالية، نتيجة لارتباط عدد كبير من المديريات بها، على الرغم من ممارستها لأعمال تختلف عن أعمال الوزارة. ومن هذه المديريات على سبيل المثال: إدارة الحج، ومديرية توسعة المسجد الحرام، ومصلحة المعادن والأشغال العامة، وكان لهذا أثر على كفاءة أداء هذه الأجهزة وفاعليته. كما أن من الآثار السلبية للتوسع في تقديم الخدمات وما صاحبه من توسع في الجهاز الحكومي هو أن هذا التوسع في الجهاز الحكومي لم يصاحبه توسع في أعداد الكفاءات الوطنية القادرة على القيام بمسؤوليات هذه الأجهزة، وفق الأسس الإدارية الحديثة، فكان النقص في الكفاءات الوطنية واضحاً مما أدى إلى الاعتماد على كفاءات وقدرات من الخارج.

وإدراكاً من الدولة لهذه الجوانب السلبية كان لا بد من توجيه التركيز نحو الرفع من كفاءة الأجهزة الحكومية وفاعليتها وتطوير الأداء، وكان ذلك بداية المرحلة الثانية من مراحل تطور الأجهزة الحكومية في المملكة، والمتمثلة في حركة الإصلاح الإداري، التي شهدتها المملكة في بداية الثمانينات الهجرية، إلا أن بداية مرحلة تطوير الأداء لم تكن نهاية مرحلة بناء الخدمات وتطويرها، فقد استمرت الدولة حتى الوقت الحاضر في بناء الخدمات، فكلما برزت الحاجة لتقديم خدمة من الخدمات يتم إنشاء الجهاز الإداري المناسب لها، ومثال ذلك إنشاء جامعة الملك خالد في منطقة عسير عام (1419هـ) عندما برزت الحاجة للتوسع في التعليم العالي في هذه المنطقة.

 

ثانياً: مرحلة تطوير الأداء :

بعد ستين عاماً من الجهود المتواصلة والمكثفة لبناء الجهاز الإداري وتطويره في المملكة، وتمكينه من تقديم مختلف الخدمات الأساسية، بدأ التركيز يتجه نحو تطوير الأداء وتحسين كفاءة الجهاز الحكومي والعاملين به وتحسين فاعليتهم. ونتيجة لهذه الجهود تم إنشاء ثماني عشرة مديرية ومجلساً ولجنة متخصصة بالإضافة إلى تسع وزارات خلال المدة من دخول الملك عبدالعزيز  رحمه الله  الحجاز عام 1343هـ إلى إنشاء مجلس الوزراء عام 1373هـ. وعلى الرغم من أن هذا التوسع السريع في الجهاز الحكومي أسهم في توفير معظم الخدمات الأساسية، إلا أنه كان له بعض الآثار السلبية على كفاءة أداء الجهاز الحكومي وفاعليته، مما أوجد الضرورة إلى إعادة التنظيم الإداري، بحيث يتم جمع الأعمال المتشابهة في وحدات إدارية متخصصة وترتيبها.

ورغبة في تحقيق هذا الغرض وتطوير الأداء في الأجهزة الحكومية لكي تتمكن من القيام بمهامها ومسؤولياتها وتحقيق أهداف التنمية بشكل فعال، طلبت حكومة المملكة المساعدة الفنية من صندوق النقد الدولي عام 1376هـ، الذي استجاب لطلب المملكة وأرسل بعثة من خبراء اقتصاديين، قاموا بدراسة الوضع المالي والإداري في المملكة، وقدموا تقريراً مفصلاً، اشتمل على عدد من   التوصيات تستهدف معالجة العجز المالي، ووضع رقابة على الصرف. وأدت هذه التوصيات إلى تعديل الإجراءات والقواعد المتعلقة بميزانية الدولة السنوية، وأسلوب الرقابة المالي والإداري على إيرادات الدولة ومصروفاتها. كما أدت التوصيات إلى أن تتبنى الحكومة أسلوب الميزانية، لتكون أداة للسياسة المالية لأول مرة في المملكة مع استعمال واردات النفط واستثمارها لأغراض التنمية الاقتصادية والاجتماعية بشكل علمي مخطط.([23])

وأبرزت جهود صندوق النقد الدولي الحاجة إلى تطوير الأنظمة الإدارية، ولتحقيق هذا الهدف استعانت الدولة بالبنك الدولي للإنشاء والتعمير عام 1380هـ الذي أرسل بعثة من ثلاثة خبراء، قاموا بدراسة الوضع الإداري في المملكة لمدة ستة أشهر، قدموا بعدها تقريراً مفصلاً اشتمل على عدد من التوصيات، منها: إنشاء جهاز مركزيٍّ للتخطيط لوضع خطط للتنمية، وإعادة تنظيم الجهاز الحكومي،  وإيجاد كفاءات وطنية مؤهلة للعمل في الأجهزة الحكومية.([24]) وقد لاقت هذه التوصيات التقدير من حكومة المملكة العربية السعودية، التي بادرت بإنشاء المجلس الأعلى للتخطيط بموجب المرسوم الملكي رقم (50) وتاريخ 19/7/1380هـ ، وذلك أخذاً بالتوصية الأولى التي قدمها الخبراء. ولتنفيذ التوصيات الأخرى كان لا بد من الاستعانة بجهات أخرى لمساعدة الجهاز الحكومي على القيام بها.

وفي عام 1380هـ بعثت لجنة التعاون الفني في الأمم المتحدة أحد خبرائها ، وهو الدكتور محمد رمزي الذي كان يعمل مديراً لمعهد الإدارة العامة في جمهورية مصر العربية، وذلك بناء على الطلب الذي تقدمت به المملكة للجنة، وبعد دراسته للوضع الإداري في الأجهزة الحكومية قدم الدكتور رمزي تقريراً اشتمل على عدد من التوصيات من أجل الرفع من كفاءة الأداء وفعاليته في الأجهزة الحكومية، وأهم هذه التوصيات ما يأتي:([25])

§       إعادة تنظيم الجهاز الإداري، بحيث يتم دمج الأجهزة الإدارية ذات الأعمال والمهام المتشابهة في جهاز واحد.

§       تعديل أنظمة الرقابة المالية، ونظام الممثلين الماليين، بوزارة المالية ونظام الخدمة المدنية.

§ إنشاء معهد للإدارة العامة، ليقوم بتدريب موظفي الدولة للرفع من كفاءتهم وقدراتهم ليتمكنوا من إدارة الجهاز الحكومي بشكل فعال.

§       إرسال بعثات دراسية للخارج لدراسة الإدارة العامة.

§       تيسير الإجراءات الإدارية وتحديث العمل وتطوير طرقه وأساليبه في الأجهزة الحكومية.

وقد أخذت حكومة المملكة العربية السعودية بتوصيات الدكتور رمزي ، وبخاصة التوصية الثالثة، وأنشأت معهد الإدارة العامة بموجب المرسوم الملكي رقم (93) وتاريخ 14/10/1380هـ. أما التوصيات الأخرى فكان لا بد من الاستعانة بجهات خارجية لتقديم المساعدة الفنية اللازمة لتنفيذها وتطوير الأداء في الأجهزة الحكومية. وفي عام 1381هـ تقدمت الحكومة بطلب لمؤسسة فورد الأمريكية التي استجابت لطلب المملكة عام 1383هـ ، وبعثت (الكولونيل شاه) رئيس مجلس الخدمة المدنية في باكستان، ويعد قدومه إعلان انطلاق عملية الإصلاح الإداري الكبرى في المملكة. وبعد إجراء دراسة تشخيصية للجهاز الإداري في المملكة  من قبل مؤسسة فورد استغرقت شهرين تم التوصل إلى ضرورة إعادة التنظيم الإداري للجهاز الحكومي في المملكة بشكل شامل، وبتوجيه من مجلس الوزراء تعاقدت وزارة المالية والاقتصاد الوطني مع مؤسسة فورد للقيام بهذه المهمة.([26])

وفي عام 1384هـ بدأت مؤسسة فورد بتنفيذ المشروع الذي تم التعاقد عليه من خلال خمسة فرق رئيسة ، هي:

-         فريق شؤون الموظفين.

-         فريق التنظيم والإدارة.

-         فريق الشؤون المالية.

-         فريق القوى العاملة والتدريب.

-         فريق الأشغال العامة.

وعلى حسب مهمة كل فريق، قامت هذه الفرق بدراسة الجهاز الإداري في المملكة، وقدمت تقارير مفصلة، اشتملت على عدد كبير من التوصيات، وقامت حكومة المملكة العربية السعودية بتنفيذ أغلبها مما كان له أثر واضح على تطوير أداء الجهاز الإداري والرفع من كفاءته وفاعليته. وأبرز ما أسفرت عنه جهــــود فرق مؤسسة فورد الأمريكية النتائج الآتية :([27])

-         إعادة تنظيم ديوان الموظفين العام (الديوان العام للخدمة المدنية).

-         إيجاد نظام جديد لتصنيف الوظائف العامة.

-         تعديل نظام الموظفين العام.

-         إيجاد نظام جديد للرواتب والمكافآت.

-         إنشاء جهاز مركزي للتنظيم والإدارة.

-         إنشاء وحدات للتنظيم والإدارة في جميع الوزارات والمصالح الحكومية.

-         إيجاد نظام جديد لتحسين نظام الميزانية وأساليب إعدادها وتنفيذها.

-         إيجاد نظام جديد للأعمال المحاسبية.

-         إيجاد نظام جديد لتطوير ديوان المراقبة العامة.

-         إنشاء إدارة مركزية للمشتريات الحكومية.

-         إنشاء مصلحة مركزية للأشغال العامة.

-         تصميم مجموعة من البرامج التدريبية وتطويرها.

-         إنشاء اللجنة العليا للإصلاح الإداري.

وكان انتهاء مؤسسة فورد الأمريكية من مهمتها لا يعني انتهاء جهود الإصلاح الإداري، بل بداية الجهود في حركة الإصلاح الإداري الكبرى، التي قامت بها اللجنة العليا للإصلاح الإداري، التي أنشئت بموجب قرار مجلس الوزراء رقم (520) وتاريخ 5/7/1383هـ الذي فوضها بإحداث المصالح العامة وترتيبها ، واتخاذ القرارات التي تقضي بتعديل بعض الأنظمة الأساسية، وإصدار أي قرارات أو تعليمات تعدل بها، أو تلغي قرارات أو تعليمات سابقة أو تنشئ بها أحكاماً إدارية جديدة.([28]) وقد حدد قرار مجلس الوزراء رقم (520) وتاريخ 5/7/1383هـ المنشئ للجنة صلاحيات اللجنة العليا للإصلاح الإداري وواجباتها في ما يأتي:([29])

1-                         وضع الخطة العامة لتنظيم الإدارة الحكومية وإقرارها وإصدار القرارات والتعليمات اللازمة لتنفيذ الخطة العامة.

2-                         دراسة نتائج التقارير والتوصيات المقدمة من قبل اللجنة الإدارية التحضيرية وإقرارها.

3-   دراسة مشروعات الأنظمة الجديدة أو التعديلات على الأنظمة الحالية تمهيداً لرفعها إلى الجهات المختصة لإصدارها بالطرق النظامية الواجبة.

4-   أخذ رأي مجلس الوزراء بالقرارات التي ترى اللجنة ضرورة عرضها على المجلس لأخذ الرأي فيها، أو لإحاطة المجلس علماً بها فقط.

5-                         إبلاغ الوزارات والمصالح الحكومية بوساطة رئيس اللجنة بالقرارات والتعليمات الواجبة التنفيذ.

6-                         دعوة المسؤولين في أي وزارة ومصلحة حكومية للاستئناس برأيهم فيما هو معروض على اللجنة من تقارير وتوصيات.

7-                         دراسة الخطة العامة وإقرارها لمراقبة تنفيذ القرارات التي تصدرها اللجنة وتتبعها وتبلغ للإدارات الحكومية.

8-   اتخاذ جميع الإجراءات التي تحقق بصفة مباشرة أو غير مباشرة إصلاح الجهاز الإداري الحكومي، أو التي من شأنها تسهيل تحقيق هذا الإصلاح.

ومنذ إنشائهـــا في 5/7/1383هـ حتى الآن، قامت اللجنة العليا للإصلاح الإداري بدور بارز وحيوي في دفع حركة الإصلاح الإداري بالمملكة، وتطوير الأداء في الأجهزة الحكومية والرفع من كفاءتها وفاعليتهــــا في تحقيــــق أهدافها، وذلك من خلال الدراسات الاستشاريــــة التي تقوم بها الأمانــــة العامــــة للجنة العليا للإصلاح الإداري. وخلال هذه المدة قامـت الأمانة العامة للجنة العليا للإصلاح الإداري بدارسة العديد من الموضوعات التي شملت مختلف أوجه النشاطـات الإدارية، وأصدرت اللجنة العليا للإصلاح الإداري (233) قراراً حيالهــا،([30]) والجدول رقم (1) يبين هذه القرارات موزعة وفقاً لموضوعاتها.

 

جدول رقم (1)

تصنيف القرارات الصادرة عن اللجنة العليا للإصلاح الإداري على حسب الموضوع

 

عدد القرارات

مجالاتهــــــــــا

116

تنظيم وإعادة تنظيم .

56

وظائف وشؤون موظفين .

27

إنشاء وحدات جديدة أمر إلغاء وحدات قائمة .

10

تنظيم ساعات الدوام الرسمي .

8

أنظمة ولوائح .

4

إيجاد حلول لتداخل الاختصاصات بين الأجهزة الحكومية .

2

شؤون مالية وميزانية .