المقدمـــة:

عاشت الجزيرة العربية ردحاً طويلاً من الزمن تعيش حياة سهلة خالية من التنظيم، تسير أمورها وفق ما تعود الناس عليه ، ويغلب على تعاملاتهم في مجال الحياة العامة من بيع وشراء واستئجار وغيره طابع الثقة، والاعتماد على الاتفاقيات الشفهية التي تتم بينهم، ونادراً ما يحدث خلاف بين أطراف التعامل، ولو حدث فالغالب حل النزاع بالصلح، وتدخل الأطراف الأخرى، ونادراً ما يصل الأمر إلى اللجوء إلى أمير البلدة أو شيخ العشيرة أو قاضيها ليفصل في موطن النزاع.

وقد كانت فرص العمل الموجودة تتمشى مع هذه السهولة ، وهي إما العمل في الزراعة والري، أو في مجال الرعي أو في مجال البناء، وفي أحيان كثيرة كانت الأجور عينية كقدر معين من الحبوب أو من التمور ، فالعامل في المزرعة في بداية القرن الماضي كان يأخذ إما صاعاً من الحبوب أو وزنة من التمر كأجر له لقاء عمل  يومه ، إضافة إلى توفير صاحب العمل له وجبة من الطعام.

هذا المستوى من العمل يعني فيما يعنيه قلة فرص العمل؛ نظراً لأن المزارع في الغالب يديُرها ، ويعمل بها صاحبُها وأفراد عائلته، وقلما يحتاجون إلى يد أخرى مساعدة ، وإذا وجدت فإن أجورها زهيدة لا تفي بحاجات العامل ، ولذلك شهدت الجزيرة العربية كما هو شأنها منذ القدم هجرات واسعة بحثاً عن سوق العمل ، وكانت سواحل الجزيرة هي مقصد أولئك العمال الباحثين عن العمل، ولا سيما الساحل الشــرقي والسـاحل الغـربي ، وفي الوقت الذي يجد العمــال المهاجرون إلى ساحل الجزيرة المطل على الخليج العربي فرص عمل في الغوص بحثاً عن اللؤلؤ وصيد الأسماك نجد أن العمال المهاجرين إلى غرب الجزيرة العربية يجدون فرصهم في العمل في التجارة وأعمالها ، وكل هذه الأعمال تخضع للعقود الفردية الشخصية بين العامل وصاحب العمل دون أن يكون هناك تنظيم يوضح حدود العلاقة بين كل من الطرفين .

لقد كانت البحرين والكويت وجنوب العراق محطّاً لترحال كثير من العمال من أنحاء الجزيرة العربية ولاسيما مناطق نجد وما حولها، ولعل هذا ما يفسر سبب استقرار العديد من الأسر القادمة من نجد في كل من هذه المناطق؛ نظراً لتوافر فرص العمل فيها، على خلاف الوضع في مناطقهم الأصلية. وكان المثل السائد لديهم وهو " إن نجد تلد ولا تَغَذَى " يفسر نظرتهم إلى واقعهم الاقتصادي، والمقصود بذلك أن الناس الذين يولدون فيها لا يجدون فرص العمل التي يتغذون منها، فيخرجون منها بحثاً عن مناطق أخرى توفر لهم فرص العيش الكريم .

وبالنسبة لتجارة الجزيرة العربية مع خارجها فقد كانت تتم عبر السواحل، كما أن من التجارة ما يكون عبر الصحراء باتجاه الشام ومصر، ورحلات العقيلات الذين كانوا يقومون بالرحلات التجارية عبر هذا الطريق من أشهر ما كان يتم من تبادل تجاري بين الجزيرة وجيرانها.

كان هذا هو الوضع السائد في الجزيرة قبل حركة التوحيد، التي قادها المغفور له الملك عبدالعزيز طيب الله ثراه، وأدت إلى دخوله مدينة الرياض في شهر شوال من العام 1319هـ ، وتأسيس المملكة العربية السعودية التي كان تأسيسها ونشأتها بشرى بخير عميم. فهي قد وحدت أجزاء مترامية الأطراف، كـــان من الصــعب على سكـانهـا إقامة علاقات تجاريـة وثيقة بين أطرافها، وذلك لصعوبة الانتقال من جزء إلى جزء، وعدم توافر الأمن، مما قضى على احتمالات النمو والتطور، ودفع بالآلاف من أبنـــاء هذه البلاد إلى الهجرة إلى المناطــق الآمنــــة بحثاً عن فرص العمل. لكن هذا العمل الرائد الذي قام به الملك عبدالعزيز  رحمه الله ، وأدى إلى وجود وحدة اندماجية للأجزاء الكبرى من الجزيرة العربية قد فتح الطريق واسعاً للنمو والتطور ، فتوسع الاتصال بين أجزاء هذه المملكة من الساحل الشرقي إلى الساحل الغربي ومن الشمال إلى الجنوب ، وأدى ذلك إلى تكون اقتصاد مشترك يجمع رأس المال الموجود في أي منطقة من مناطق المملكة مع القوى البشرية والأيدي العاملة الموجودة في أي مكان آخر منها.

أضف إلى ذلك أن هذه الدولة الجديدة بدأت منذ مرحلة مبكرة في التخطيط، لتكوين اقتصادٍ متينٍ يقوم على أسس ثابتة ، سواء فيما يتعلق بالاهتمام بالزراعة وتوسيع الرقعة الزراعية وتطوير وسائلها بإدخال الميكنة في استخراج المياه ، وتوفير التسهيلات لتنشيط الحركة التجارية، وإيجاد فرص عمل للمواطنين مما أدى في نهاية المطاف إلى ما نشاهده حالياً من انعكاس للصورة التي يرسمها ذلك المثل، وبدلاً من أن يخرج أبناء البلاد إلى الدول المجاورة بحثاً عن سوق العمل، نجد أن الوضع الاقتصادي للبلاد واتساع مجالات العمل فيها لم يقتصر على توفير العمل لأبنائها فقط ، وإنما شمل أناساً آخرين فأصبحت بلادنا – ولله الحمد – مقصداً للعديد من الجنسيات المختلفة التي قدمت من أجل الحصول على فرص العمل في هذه البلاد.

ومن خلال السعي الحثيث للدولة الناشئة بقيادة الملك عبدالعزيز – رحمه الله – وجهوده في رسم السياسات الاقتصادية والتنموية للبلاد ، وكان على رأس هذه الجهود السعي لاستغلال الموارد الطبعية للبلاد، التي أثمرت في صدور المرسوم الملكي ذي الرقم 1135 وتاريخ 14/3/1352هـ بالموافقة على الاتفاقية المبرمة بين حكومة المملكة العربية السعودية وشركة الزيت إستاندر في ولاية كاليفورنيا الأميركية، الموقعة في 4/2/1352هـ. التي تم بموجبها الترخيص للشركة باستثمار النفط في القسم الشرقي من المملكة العربية السعودية . هذه الخطوة كان لها أثر كبير جداً، ليس فقط في أنها قد وفرت للبلاد مستوى جيداً من الدخل العام ، وإنما أيضاً فيما تبع هذه الاتفاقية من نشاط في مجال الأعمال ، وتوفير فرص العمل لأبناء البلاد سواء من خلال العمل في الشركة نفسها، حيث تقضي المادة الثالثة والعشرون من الاتفاقية على استخدام الموظفين من رعايا حكومة المملكة العربية السعودية ، وقد أشير في هذه المادة إلى طريقة معاملة الشركة للعمال، وأنها تكون خاضعة للقوانين السارية المعمول بها في البلاد أو من خلال الأعمال والمشاريع التي ترتبط بالشركة([1]).

ونظراً لأن الدولة لا تزال في بداية نموها وتطورها، وليس لديها قوانين خاصة بالعمال سارية المفعول، وكان عليها أن تفكر جدياً في وضع تلك النظم ، وليس غريباً أنه بعد توقيع الاتفاقية بأربع سنوات فقط صدر أول نظام للعمل في المملكة، وذلك بمقتضى الأمر السامي ذي الرقم 8/4/4 في 18/7/1356هـ. ولذلك لما أبرمت حكومة المملكة العربية السعودية اتفاقية الزيت مع شركة باسفك وستيرنكور بريشن في العام 1368هـ / 1949م، كانت قد أصدرت بعد اتفاقية الزيت الأولى والثانية ثلاثة أنظمة ، كما سيتضح لنا في هذا البحث ، ولذلك نجد أن نصوص الاتفاقية الأخيرة واضحة من حيث نصها على أولوية التوظيف والعمل بالنسبة للمواطنين السعوديين ، كما نصت على تقديم الشركة للتسهيلات اللازمة لتدريب عمالها وموظفيها وتعليمهم بقصد تقدمهم  ورفع مكانتهم في الشركة . وأن على الشركة أن تدفع أجوراً عادلة، كما أن عليها أن تضع أنظمة مناسبة للمعاش والتقاعد والتوفير والتعويض ضد الحوادث ، وتأمين الرعاية الصحية . كما نصت الاتفاقية على وجوب المعاملة العادلة بين العاملين في الشركة بصرف النظر عن جنسياتهم ، وألا يكون ثمة تفريق في المعاملة فيما يختص بالسكنى والأجور والتعويضـــات ووسائـــل الترويح عن النفس بين العمال الأجانب والعمال من أهل البلاد . كما نصت الاتفاقية في مادتها الثانية والعشرين على أن تقوم الشركة بتقديم العناية الطبية دون مقابل للعاملين فيها وإنشاء المستوصفات اللازمة  لذلك ، كما نصت المادة الثالثة والعشرون من الاتفاقية على تأمين التعليم لأبناء المواطنين السعوديين ، كما ألزمت الشركة بالتدريب الصناعي للمواطنين ليصبحوا موظفين صناعيين ، وأن على الشركة أن تقدم منحاً دراسية وإعانة مالية لتمكين المؤهلين من الدراسة بمعاهد التعليم والتدريب العليا في الولايات المتحدة ([2]).

ولكي نتعرف على التطور الذي سارت فيه أنظمة العمل والعمال ، فإننا سنتطرق إلى دراسـة مفصلة للأنظمة الأربعة التي صدرت في المملكة، وسيتضح من دراستنا هذه كيف أسهمت هذه الأنظمة كل واحد بحسب المرحلة التي صدر فيها، في الوصول إلى المرحلة التنظيميــة الحالية التي تشكل مرحلة متقدمة، بكل المقاييس على وفق أفضل النظم التشريعية في العصر الحديث ، يدعم ذلك أن هذه الأنظمة في معظمها قد صيغت بطريقة تتلاءم أحكامها مع أحكام الفقه الإسلامي ولا سيما في أبواب الإجارة الواردة على عمل الإنســـان([3]).

 

الفصل الأول : نظام تعويض عمال المشاريع الصناعية والفنية :

يعد هذا النظام أول محاولة تنظيمية لعلاقات العمل بين صاحب العمل والعمال، وهي وإن كانـــت محدودة النطاق – كما يرى ذلك بعـــض الباحثيــــن([4])– إلا أنه يجب أن ينظر إليها بمقياس الوقت الذي صدرت فيه ، فقد صدرت في مرحلة كانت الحياة حياة ميسرة خالية من التعقيد . ولولا نشأة صناعة النفط في المملكة التي سبقت صدور هذا النظام بأربع سنوات لربما لم تنشأ الحاجة إلى هذا النظام.

لقد صــدر الأمر السامي ذي الرقم 8/4/4 وتاريخ 18/7/1356هـ بالموافقة  على هذا النظام، وكما هو واضح من اسمه فهو خاص بتعويض إصابات العمل ، ويقع هذا النظام في أربع وخمسين مادة، ويقتصر تطبيق هذا النظام على عمال شركات التنقيب واستخراج النفط والثروة المعدنية([5]). مما يؤكد أن إصداره في تلك المرحلة إنما كان استجابة لمتطلبات النمو في سوق العمل بوجود مشاريع صناعية وفنية تتطلب حجماً كبيراً من العمال، مما يقتضي تنظيم ذلك ولا سيما في مجال الإصابات التي قد تحدث أثناء العمل ، ومدى مسؤولية صاحب العمل عن ذلك.

لقد احتوى هذا النظام على مقدمة شملت تسع المواد الأولى، وقد كان التركيز فيها على تسمية النظام ، وتعريف المصطلحات التي احتوى عليـها النظام. فقد بنيت المادة الأولى منه على أن يسمى هذا النظام بنظام تعويض عمال المشاريع الصناعية والفنية ، وأوضحت المادة الثانية تعريف النظام لكلمة عامل، وأنها تعني العامل الفني والعامل العادي . كما عرفت المادة الثالثة كلمة (ملازم) في النظام بأنه العامل الذي يكون تحت التمرين ودون أجر معين. أما المادة الرابعة فقد عرفت العامل الفني بأنه الذي يعمل بالمشاهرة، بمعنى أنه يتقاضى راتباً شهرياً ، أو أنه من يبلغ مجموع ما يكتسبه شهرياً سواء كان دفعة واحدة أم دفعات متعددة أربعين ريالاً عربياً فما فوق. أما العامل العادي فقد عرفته المادة الخامسة بأنه كل شخص يعمل على أساس اليومية، أو هو من يبلغ مجموع ما يكتسبه شهرياً تسعة وثلاثين ريالاً عربياً فما دون. وعرفت المادة السادسة كلمة (آجر) المستعملة في النظام بأنها تعني أي شخص أو جماعة أو شركة تستعين بخدمات شخص آخر في مقابل أجور يومية أو شهرية باتفاق يومي أو شهري.

اهتمت المادة السابعة من النظام بتعريف معنى "الإقعاد المؤقت" بأن ذلك يحدث عندما يصاب العامل ، وتتسبب إصابته في إقعاده عن العمل بشكل مؤقت حتى لا يستطيع الحصول على الدخل الذي كان يتقاضاه قبل الإصابة ، وأن لا تزيد مدة الإقعاد عن سنة. أما المادة الثامنة فقد عنيت بتعريف الإقعاد الجزئي الدائم وأنه يحدث إذا تسببت الإصابة بعجز دائم في بعض أعضاء جسم العامل ، وينتج عن ذلك نقص دائم في الأجر الذي يتقاضاه بسبب تلك الإصابة.

أما الإقعاد الكلي الدائم فقد تكفلت بتعريفه المادة التاسعة ، وأنه يحدث إذا تسببت الإصابة في تعطيل دائم للعامل من العمل.

وبعد التعريفات التي اشتملت عليها هذه المواد التسع، قسمت بقية المواد بين فصول ثلاثة، أولها ينظم التعويض البدني ، وثانيها يتعرض لتعويض الإصابات المؤقتة والدائمة. أما الفصل الثالث فقد تناول الأحكام  العامة، ونتحدث في المباحث الآتية عن أهم ما ورد في هذا النظام من أحكام. 

 

المبحث الأول : العناية الطبية ونفقاتها :

لقد اهتم هذا النظام بموضوع الرعاية الصحية للعمال ، فأوجبت المادة الخامسة عشرة من النظام على صاحب العمل (الآجر) أن يقدم لعماله المعالجة الطبية في كل الأوقات ، حتى في الأوقات التي لا تمنعهم إصاباتهم وجراحاتهم عن مواصلة العمل ، وتؤكد المادة الرابعة عشرة على الرعاية الصحية ونفقاتها بالنص على أن جميع معالجة المصابين ومداواتهم من العمال ونقلهم إلى المستشفيات مهما كان نوع الإصابة يتم على حساب الآجر، ومن ثمَّ يتحمل جميع النفقات التي يتطلبها علاج العامل من نفقات المستشفى ، أو إجراء العمليات اللازمة أو شراء الأدوية الضرورية لذلك ، وللتأكد من قيام الآجر بما تقضي به هذه التعليمات من توفير للرعاية الصحية للعاملين لديه، يجب عليه أن يحفظ سجلاً يشتمل على أسماء العمال والموظفين بأرقام متسلسلة، كما يحفظ سجلاً آخر بالأجور ،أما السجل الثالث فهو لتسجيل الإصابات التي قد تحدث للعمال أو الموظفين ، ويبدو أن ذلك يتم حتى يمكن مساءلته عن الإجراءات التي اتخذها حيال تلك الإصابات التي حدثت للعمال. وتأكيداً لذلك فقد نصت المادة السابعة عشرة بأنه يجب على الآجر أن يخطر مندوب الحكومة حالاً كتابياً أو برقياً عن أي إصابة تقع على أحد عماله، متى ما كانت الإصابة تقعده عن العمل لمدة تزيد عن ثلاثة أيام ، ويجب أن يتضمن الإخطار معلومات وافية عن اسم المصاب ولقبه ونوع الإصابة والمكان والتاريخ اللذين وقعت فيهما الإصابة، والترتيبات التي اتخذت لإسعاف المصاب، إذا لم تكن إصابته مميتة ، ويترتب على إهماله لمقتضى المادتين   (16،17) من النظام توقيع عقوبة مالية بإلزامه غرامة نقدية لا تقل عن ثلاثين جنيهاً ذهباً ، ولا تزيد عن خمسين بحسب ما تقضي به المادة الثانية عشرة. ومن هذه النصوص يتبين لنا أنه على الرغم من أن هذا النظام هو المحاولة الأولى في هذا المجال إلا أنه يتضح اهتمامه الشديد بالعمال، والحفاظ على صحتهم ، وإحاطتهم بالرعاية الصحية اللازمة ، وأن الإنفاق على ذلك يتحمله صاحب العمل.

 

المبحث الثاني: الإقعاد المؤقت عن العمل وأثره :

لقد ركز الفصل الثاني في هذا النظام على طريقة مواجهة مشكلة إصابة العامل بإصابة تؤدي إلى عدم تمكنه من مواصلة عمله المعتاد ، ومن ثمَّ عدم تمكنه من الكسب، فنصت المادة الحادية عشرة على أنه إذا أصيب العامل سواءً كان فنياً أم عادياً بإصابة أقعدته عن عمله فعلى صاحب العمل ( الآجر ) أن يوفيه كامل أجرته عن الأيام السبعة الأولى التالية لوقوع الإصابة ، ثم إذا لم يتمكن العامل من العودة بعد هذه المدة فعلى صاحب العمل أن يصرف للعامل ما مقداره 75% من أجرته. ويستمر دفع هذه النسبة إلى حين شفاء المصاب أو إلى حين انتهاء المدة المحددة للإقعاد المؤقت ، التي وردت في المادة السابعة من هذا النظام ، التي نصت على أن الإقعاد المؤقت هو أن تسبب إصابة العامل في إقعاده مؤقتاً بحيث يصبح عاجزاً عن تحصيل الأجور التي كان يتقاضاها في العمل الذي كان يعمل به عند حدوث الإصابة ، وذلك لمدة لا تزيد عن سنة من تاريخ الإصابة ، لكن إذا مضت تلك المدة وتقرر طبياً عدم احتمال الشفاء للعامل  المصاب ، وأن حالته الصحية لا تساعده على العمل، فيتحول أمر الإصابة والحالة هذه إلى عدها إقعاداً كلياً دائماً، بحيث يجري تعويض المصاب وفقاً لأحكام المادة (13) التي سنتناولها في المبحث الثالث ، دون أن يكون من حق صاحب العمل أن يستقطع ما دفعه للمصاب خلال تلك السنة.

كما أن الإقعاد الجزئي قد يكون مؤقتاً لمدة معينة، يعود بعدها المصاب إلى حالته الطبعية ، فإن هذا الإقعاد الجزئي قد يكون دائماً، ومن هنا ألزم النظام صاحب العمل (الآجر) بأن يدفع للعامل تعويضاً قضت به لائحة التعويضات الملحقة بالنظام بالنسبة لمن لحقهم الإقعاد الجزئي الدائم، وقد حددت هذه اللائحة كل إصابة وما يقابلها من التعويضات بالجنيه بالنسبة لكل فني ولكل عامل عادي ، ولكل متدرب كفقدان اليد اليمنى من الكوع أو ما فـوقه أو الـيد اليسرى كـذلك، ونظراً للاختلاف في التعويض بين اليد اليمنى واليد اليسرى بناء على الاختلاف في أهمية الاستعمال، نصت اللائحة على أن المصاب إذا كان أعسر يعد تعويض الإصابات التي تلحق اليد اليسرى كإصابة اليد اليمنى لغيره. كما حددت التعويضات فقد اليد اليمنى واليسرى من أسفل الكوع ، وكذلك التعويض عن فقــدان الرجـــل من الركبــة أو الساق ومن مفصـل الركبة ، كما حددت التعويض عن فقدان السمع الكلّي، وعن فقدان إحدى العينين ، والإبهام ، وجميع أصابع الرجل ، وفقدان الإبهام ، والسبابة ، وإصبعي القدمين الكبيرين ، وكل إصبع من اليد ما عدا السبابة ، وكل إصبع من الرجل ما عدا الأكبر ، وهذا ما سوف نفصله في المبحث الثالث.

 

المبحث الثالث: تعويضات العجز أو الوفاة:

لقد عرفت المادة التاسعة ( الإقعاد الكلي الدائم ) بأنه ذلك الذي ينتج عن إصابة العامل إصابة تسبب له إقعاداً دائماً عن أي عمل كان ، وبمعنى آخر هو أن ينتج عن ذلك عجزٌ دائمٌ مما يستحيل معه على العامل أن يكتسب قوته عن طريق عمله المعتاد. فإذا حدث ذلك فإن المادة الثالثة عشرة من هذا النظام قد أقرت التعويض عن هذا العجز، فنصت على أنه يجب أن يدفع الآجر إلى العامل الفني في حالة الإقعاد الكلي الدائم أربعمائة وخمسين جنيهاً ذهباً دفعة واحدة تعويضاً عما أصابه ، ولتأمين المتطلبات الضرورية له في مستقبل حياته على ضوء تلك المدة .  والعامل الفني هو ما عرف في المادة الرابعة على أنه الذي يعمل على أساس الأجر الشهري، أو هو كل من يبلغ مجموع ما يكتسبه شهرياً أربعين ريالاً عربياً فما فوق. ونصت المادة نفسها على أنه يجب على الآجر( صاحب العمل ) أن يدفع للعامل العادي الذي تسببت إصابته بعجز دائم ثلاثمائة جنيه ذهباً تعويضاً عما أصابه ، ولتدبير أمور معيشته بعد ذلك ، والعامل العادي هو كما مر معنا سابقاً – كل شخص يعمل على أساس اليومية، أو هو من يبلغ مجموع ما يكتسبه شهرياً تسعة وثلاثين ريالاً عربياً فما دون ، أما إذا كان المصاب ملازماً ، وهو العامل تحت التمرين ، فيدفع له الآجر(صاحب العمل) مبلغ مائتي جنيه ذهباً، إذا كانت إصابته مؤدية إلى العجز الكلي. ويبدو أن مبدأ التعويض مبني في اختلافه بين عامل وآخر على أساس تقدير خسارة الدخل المادي، فالفني أكبر خسارة من العامل العادي، ولذلك فإن تعويضه أكثر ، وكذلك الأمر بالنسبة للعامل والمتدرب.

لقد تعرض النظام في فصله الأول إلى التعويض البدني ، ويعنى بذلك التعويض الناتج عن الوفاة التي تحدث نتيجة لإصابة العامل أثناء عمله، فنصت المادة العاشرة أن كل عامل سواءً كان فنياً أم عادياً جرت وفاته على إثر إصابة لحقته في أثنــاء عمله فعلى الآجر ( صاحب العمل ) أن يدفع لورثة المتوفى عن طريق الحكومة مبلغاً لا يقل عن مائتي جنيه ذهباً ، ولا يزيد عن ثلاثمائة جنيه ذهباً ، وإذا كان المتوفى ملازماً تحت التمرين فيدفع لورثته مبلغ خمسة وسبعين جنيهاً ، ويلحظ أن تعويضات الوفاة أقل من تعويضات العجز الكلي دون تبرير لذلك. ولعل السبب هو أن المصاب بعجز كلي وهو حي وموجود يحتاج إلى نفقة، على حين أن المبلغ المقرر للتعويض للمتوفى إنما هو تعويض لأسرته التي فقدت عائلها أو ابنها نتيجة لتلك الإصابة ، وقد جرى التوقيع على هذا النظام في 2/6/1356هـ ، وبعد تصديقه جرى نشره في جريدة أم القرى العدد 678 وتاريخ 30/6/1356هـ([6]).

 

الفصل الثاني  : نظام العمل لعام 1361هـ/ 1942م :

بعد صدور نظام تعويض عمال المشاريع الصناعية والفنية بثلاث سنوات ، بدأت الدولة في إعــــادة النظر فيه ، ووضـــع مشروع نظـــام جديد للعمل هو نظام العمل رقم ( 2 ) لعام 1359هـ. حيث وضع مشروع ذلك النظام في هذا العام ، ولكنه لم يصدر إلا بعد صدور الموافقة السامية عليه بالأمر رقم 5323 وتاريخ 13/4/1361هـ ([7]).

 ويتكون هذا النظام من سبع عشرة مادة في خمسة أبواب، اهتم كل باب منها بموضوع معين من موضوعات هذا النظام.

فالباب الأول والمادة الأولى من هذا النظام اختصت بالتعاريف الضرورية التي وردت في هذا النظام وماذا تعني؟ ، ففي الفقرة الأولى عرف المشروع الصناعي بأنه يتناول مناجم المعادن ، ومقالع الأحجار ، والتنقيب عن الآثار ، والصناعات النفطية ، كما عرف المعامل وهي التي تقوم بصنع المواد وإصلاحها وتصفيتها ونقلها ، وأن المصانع هي التي تحول المواد من حالة إلى حالة  أخرى ، وكذلك بناء السفن وتوليد القوة الكهربائية ، كما يشمل المشروع الصناعي الأعمال الخاصة بالمنشآت الفنية من تجديد بناء أو صيانة ، وكذلك الأعمال الإنشائية من موانئ وطرق وجسور ، والمخازن تحت الأرض ، ومنشآت (التلغراف) ومعامل تصنيع الغاز، ونقل البضائع ، وأعمال المطابع.

وقد عرف العامل بأنه كل شـخص يسـتخدم بأجــرة في المشروع الصناعي بموجب اتفاق خاص، أو عام شفهي أو تحريري، وعرف المراهق بأنه من كان عمره بين الثانية عشرة والخامسة عشرة. أما ساعات العمل فهي الأوقات التي يكون العامل فيها قيد تصرف صاحب العمل.كما حددت هذه المادة المقصود بأعضاء الأسرة، بأنهم الأصول والفروع وأزواجهما والزوجين أو أبناؤهما ، وفروع الأبوين ، وكل قريب يعيله رب الأسرة شرعاً، كما عرف المصنع بأنه كل مكان تستخدم فيه قوة بخار أو ماء أو أي قوة آلية أخرى لتحريك الآلات وتشغيلها. أما المعمل فهو كل مكان لا ينطبق عليه معنى المصنع، ومع ذلك فهو من الأماكن المعدة لإنجاز المشاريع الصناعية. كما عرف السفينة بأنها تشمل المراكب والزوارق. أما الملاح فهو كل شخص يستخدم ضمن طاقم السفينة من غير الضباط.

ويرى أحد الباحثين تعليقاً على صدور هذا النظام أن الحاجة قد ظهرت  إلى وجود نظام أكثر شمولاً واتساعاً من نظام تعويض عمال المشاريع الصناعية والفنية ، وذلك بعد أن تعددت واتسعت الأنشطة والمشروعات. وعلى الرغم من أن نظام العمل جاء موجزاً في أحكامه إلا أنه شمل أنشطة جديدة، مثل عمـال المناجم والمحاجر والصناعات التحويلية، وأعمال البناء والنقل بصوره كلها، كما أنه مع إيجازه قد أخذ ببعض المبادئ الحديثة، مثل تحديد ساعات العمل بثمان ساعات يومياً، وتقرير مبدأ الإجازة الأسبوعية، والعطلة الأسبوعية بأجر كـامل ، ومبدأ الإخطار السابق على إنهاء العقد ، كما ألزم أصحاب الأعمال بإسكان العمال ، وتقديم خدمات ترفيهية لهم ، فضلاً عن علاجهم حتى ولو كان المرض ناتجاً عــن إصابات غير صناعية([8]) كل ذلك اشتمل عليه النظام الجديد ، وفيما يلي عرض مفصل لكل ذلك في المباحث الآتية:

 

المبحث الأول : تحديد ساعات العمل ، وأوقات الراحة والإجازات :

لقد عالج النظام موضوع ساعات العمل ، مع بيان أوقات الراحة والإجازات في الباب الثاني من هذا النظام. وقررت المادة الثالثة في فقرتها الأولى أن أيام العمل المقررة أسبوعياً هي ستة أيام ، مما يعنى إعطاء العامل فرصة للراحة الأسبوعية يوماً واحداً بأجر مدفوع. إلا أن هذا الحكم قد ورد عليه استثناء في المادة الرابعة من هذا النظام ، حيث نصت تلك المادة على أنه يجوز بصفة استثنائية ومؤقتة عدم مراعاة أحكام الفقرة الأولى، تلك إذا كان العمل يمنع وقوع حادث خطر ، أو إصلاح ما نشأ عنه أو تلافي خسارة محققة لمواد قابلة للتلف، ولكن هذا الاستثناء ليس مطلقاً عن القيود ، بل لقد أورد النظام شروطاً لتطبيق ذلك، ومن أهم هذه الشروط أنه مع هذه الحالات الاستثنائية والطارئة يجب أن لا تزيد مدة العمل عن إحدى عشرة ساعة في اليوم، وعلى أن لا يشتغل العامل  أكثر من ست ساعات متوالية ، كما أن من الشروط ضرورة إبلاغ مكتب المـعادن والأشغال العمومية ( المختص بمراقبة تطبيق هذا النظام ) خلال أربع وعشرين ساعة بتقرير عن الحالة الطارئة والمدة اللازمة لإتمام العمل ، وأن يصرف للعامل الذي يكلف بهذا العمل ما يوازي أجره في الساعة مضافاً إليه زيادة قدرها  25% منه.

كما أن الفقرة الثانية من المادة الثالثة قد حددت الحد الأقصى لساعات العمل اليومية في الظروف العادية غير الاستثنائية ، ونصت على أنه لا يجوز تشغيل العمال أكثر من ثمان ساعات في اليوم. ويبدو أن هذا الحكم ينطبق حتى ولو لم تكن ساعات متواصلة، بدليل أن الفقرة الثالثة من المادة نفسها قد نصت على أنه يجب أن يتخلل تلك الساعات المحددة للعمل اليومي أو أكثر للصلاة في أوقاتها، وللراحة لا تقل في مجموعها عن ساعة ونصـف ، ويجب تحديد هذه الأوقات بحيث لا يشتغل العامل أكثر من خمس ساعات متوالية.

المادة السادسة من هذا النظام قد عنيت بتحديد مدة الاستراحة التي يستحقها جميع العمال ، وهي إجازاتهم الأسبوعية ، ومدتها أربع وعشرون ساعة متواصلة بأجرة كاملة بعد اشتغال مدة ستة أيام ، مع مراعاة جميع الأمور الدينيـة والإنسانية والاقتصادية الوجيهة.

كما نصت هذه المادة على وضع قواعد خاصـة لأوقات الراحة ، أو الإجازات الأسبوعية في أشهر الصيف، ويتم تحديدها وفقاً لتعليمات تصدرها الحكومة . وهـــو ما أكدته المادة الخامسة، عندما قضت أن للحكومة أن تضع نظاماً خاصاً بأي تعديل تقتضيه المصلحـة، فيمـا يختص بتحديد ساعات العمل في المشاريع الصناعية، على أن هذا التحديد لا يسقط حق العامل في الاشتغال في غير ساعات العمل المقررة لقاء أجور إضافية.

تنظيم الإجازات: تنص الفقرة الثانية من المادة السادسة على أن من حق العامل الذي يعمل في مشروع صناعي يستخدم فيه أكثر من عشرة عمال ، وقد مر على عمل ذلك العامل مدة سنة بصورة مستمرة أن يتمتع بإجازة اعتيادية بأجرته الكاملة ، وقد حددت الإجازة بعشرة أيام عن كل سنة ، وتكون بموافقة صاحب المشروع. أما الإجازة المرضية فبالنسبة للعامل الذي ينطبق عليه الوصف السابق فيحق له أن يأخذ إجازة مرضية بأجرته الكاملة عن كل سنة خمسة عشر يوماً على أن تكون تلك الإجازة مبنية على تقرير طبي مصدق من مرجع طبي رسمي. وقررت الفقرة الثالثة من المادة نفسها أن الإجازات بنصف الأجرة أو الإجازات بلا أجرة مطلقاً تقرر مدتها، وشروط الحصول عليها بنظام تصدره الحكومة ، أما الفقرة الرابعة منها فقد أوضحت أن أيام الأعياد الرسمية هي أيام عطلة، ويجب أن يدفع صاحب العمل أجوراً كاملة لعماله عنها.

 

المبحث الثاني : احتياطات السلامة وتأمين الرعاية الصحية :

ركز الباب الثاني ولا سيما في المادة الثانية على شروط العمل، واحتياطات السلامة التي لا بد أن يتخذها صاحب العمل ، فنصت على أنه يقتضي في كل مشروع صناعي أن يتخذ صاحبه الاحتياطات الكافية للمحافظة على سلامة العمل . وعليه كذلك كما تقضي بذلك الفقرة ( ج ) من المادة الحادية عشرة إجراء كل ما يراه ضرورياً للمحافظة على صحة العمال وراحتهم وتحسين أحوالهم ، ومن ذلك ما نصت عليه المادة الثالثة عشرة من أنه يجب أن يكون في كل مشروع صناعي يشتغل فيه أكثر من عشرين عاملاً صندوق للإسعافات الأولية ، محفوظ بحالةٍ صالحة ومحتوٍ على الأربطة والأدوية والمطهرات ، التي تعينها مديرية الصحة العامة بالاتفاق مع مكتب المعادن والأشغال العمومية ، وذلك لإسعاف العمال المصابين إسعافاً أولياً ، ولو لم تمنعهم إصاباتهم عن مباشرة أعمالهم. وتأكـيداً لذلك فإن المـادة الرابعة عشرة قد نصت على أنه من حق الحكومة أن تصدر أنظمة لتعالج المساكن الواجب إعدادها للعمال ، وتنظمها ، والأمور المتعلقة بإنشاء لوازم العمال والمصانع وتجهيزها ، ولا سيما ما يؤثر منها على صحة العمال وسلامتهم، وتنظم الاحتياطات الواجب اتخاذها لحماية العمال من الضرر الذي يلحق بهم أثناء عملهم. وإذا تعرض العامل لأي عارض وجب على صاحب العمل أن يقدم له مجاناً ودون مقابل جميع المداواة اللازمة له سواء كانت أمراضه ناتجة عن إصابات العمل أم غير ذلك، مما يعني توفير الرعاية الصحية الكاملة له بما في ذلك نفقات المستشفى والانتقال إليه.

 

المبحث الثالث: تأمين السكن الملائم :

تنص المادة الحادية عشرة من هذا النظام بأن على كل صاحب مشروع صناعي أن يعد لعماله مساكن صحية، تتوافر فيها أسباب الراحة الكاملة، ويشترط على أصحاب المشاريع الصناعية أن لا يسكنوا أكثر من عاملين اثنين من العمال في غرفة مساحتها 12×15 قدماً ، ويجب أن تتوافر في تلك المساكن أماكن للطعام والاستحمام والغسيل ، على أن تعرض تصميمات جميع هذه الأماكن على الحكومة للموافقة عليها قبل تنفيذها.

هذا السكن الذي يجب على صاحب المشروع تأمينه للعمال يجب – بأمر من الحكومة – أن يحتوي بمقتضى المادة الثانية عشرة على إنشاء حوانيت لتأمين لوازم العمال من أنواع الأطعمة والألبسة الجيدة، وغير ذلك من الاحتياجات الأساسية بأسعار معقولة ومعتدلة. كما يحتوي على نوادٍ وحدائق ومكتبات للعمال ومدارس لأولادهم.

 

المبحث الرابع : تنظيم مكافأة نهاية الخدمة :

لقد استن هذا النظام موضوع مكافأة نهاية الخدمة ؛ إذ لم يشر إليه في النظام السابق، وعندما نظمت المادة السادسة موضوع الاستراحة والإجازة الأسبوعية والسنوية ، قررت أن العامل الذي يعمل لدى صاحب المشروع مدة سنة ، فإن ذلك يوجب على صاحب العمل حقوقاً لذلك العامل، منها أنه لا يجوز له أن يستغني عن خدماته فجأة ، ويفصله من العمل دون إخطار مسبق، بل لا بد من أن يعطى إخطاراً قبل شهر واحد من فصله ، أو أن يعطى بدلاً عن الإخطار وهو ما يقابل أجر ثلاثين يوماً. وإذا استمر العامل في العمل مدة أكثر من السنة ثم أريد الاستغناء عنه أو رغب صاحب العمل في فصله من ذلك العمل لأسباب غير تأديبية ، وهذه الأسباب تكون مشروعة وتقر من قبل وزارة المالية أو الجهة التي تمثلها ، فإذا حدث ذلك وكان إنهاء الخدمة أو الفصل نظامياً فيجب إخطار العامل قبل شهر من التاريخ المحدد للفصل. وإضافة إلى ذلك يعطى تعويضاً لا يقل عن أجرة شهر واحد، إذا كانت خدماته تقتصر على سنة واحدة. أما إذا زادت خدمته عن السنة فإن المــكافأة التي يستحقها عن نهاية خدمته أن يعطى عن كل سنة خدمها تعويضاً ومكافأة لا تقل عن نصف الراتب الشهري الذي كان يتقاضاه يقل أو يكثر بحسب عدد السنوات التي خدمها.

إضافة إلى ما سبق ذكره من الأمور التي ركز عليها النظام والتي تحدثنا عنها في المباحث الأربعة السابقة ، فــإن هذا النظام قد وضع أسلوباً معيناً لضمان التطبيق السليم لأحكامه ، فقرر في مادته السابعة أن لوزير المالية أو من ينتدبه أن يزور ويفتش أي مشروع صناعي في أي وقت من الأوقات. وأن يستوضح عن كل ما يتعلق بالعمال من خلال مقـابلتهم، ولا سيما ما كان متعلقاً بنطاق عملهم .

وله كذلك أن يطلب معاونة السلطات المختصة للتحقيق فيما إذا كانت صحة العمال معرضة للخطر، نتيجة لطبيعة العمل أو أساليب العمل فيه. وعلى صاحب كل مشروع صناعي – كما تنص على ذلك المادة التاسعة من هذا النظام  يستخدم باستمرار أكثر من عشرة عمال مدة تزيد عن ستة أشهر – أن يمسك سجل تفتيش ، يدون فيه تاريخ تفتيش مشروعـه الصناعي ، والأمور التي لوحظت عليه ، والإجراءات التي طلب منه اتخاذها ، وذلك حتى تتمكن السلطات الرقابية والإشرافية من التأكد من أن صاحب المشروع قد نفذ ما طلب منه. ولتأكيد اهتمام سلطات الدولة بتنفيذ مقتضيات هذا النظام نصت المادة الخامسة عشرة على أن كل مخالفة لحكم من أحكام هذا النظام يعاقب عليها بالحبس لمدة لا تزيد على ثلاثة أشهر، أو بغرامة لا تزيد عن ألف ريال.

 

 

 

الفصـل الثالث : نظام العمل والعمال لعام 1366هـ /1947م :

وبعد مرور خمس سنوات على صدور النظام السابق ، وبعد مرور ما يقرب من عشرة أعوام على صدور أول نظام للعمل صدر نظام العمل والعمال ، الذي صدر الأمر العالي بالموافقة عليه في 15/11/1366هـ ، وذلك ليتلاءم مع التغيرات الجديدة بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية، التي أدت إلى ازدياد التقدم الصناعي الذي يسهم في نمو البلاد وتقدمها ، واتساع مساحة النشاط الاقتصادي ، وظهور مشاريع جديدة في كل المجالات لتستوعب أعداداً أكبر من الأيدي العاملة، مما تتطلب إعادة النظر في أنظمة العمل  والعمـال، وظهرت الحاجة إلى وضع نظام عمالي جديد يكون أكثر شمولاً مما سبقه من أنظمة، ويمكن تطبيقه على جميع الحالات التي يشتغل فيها عامل في خدمة المشاريع الصناعية أو التجارية أو الزراعية تحت إدارة آجر أو سلطته([9]). وقد ورد هذا التحديد في المادة الأولى من هذا النظام([10])، هذه المادة التي عنيت بفقراتها المتعددة بتحديد معاني المصطلحات الواردة في هذا النظام، حيث نص على أن المشروع الصناعي يتناول مناجم المعادن والتنقيب ، وأماكن استخراج المعادن والصناعة النفطية ، وكـل ما يتعلق باستخراج المواد من باطن الأرض، وأن المعامـل هي تلك التي تقوم بصنع المواد وتغييرها وإصلاحها وتحويل المواد من حالة إلى حالة ، كما تشمل بناء السفن.  

والأعمال الخاصة بالمنشآت الفنية وأعمال السكك الحديدية وأحواض السفن وأرصفة الموانئ إلى غير ذلك ، ونقل الركاب والبضائع وأعمال المطابع والمحركات تجارية كانت أم آلية .  كما نصت على أن المشروع الصناعي لا يتناول الأعمال الطفيفة أو المشاريع التي يقتصر العمل فيها على أسرة صاحب المشروع. ويبدو أن التعريفات الواردة في هذا النظام لا تختلف كثيراً عن التعريفات التي وردت في النظامين السابقين ، وعلى العموم سنوضح ذلك عند الموازنة بين هذه الأنظمة.

 

 

 

المبحث الأول : الموازنة بين هذا النظام والنظامين السابقين :

في البداية يمكن القول : إن هذا النظام أكثر شمولاً واتساعاً من النظامين السابقين، ويمكن لحظ ذلك من عدد المواد في كل من الأنظمة الثلاثة ، فالنظام الأول نظام تعويض عمال المشاريع الصناعية والفنية احتوى على (24) مادة مختصرة ، وكان النظام الثاني أوسع من النظام الأول على الرغم من قلة عدد مواده ، فقد كانت (17) مادة لكنها قد احتوت على تنظيمات أوفى من النظام الأول. أما هذا النظام الذي بين أيدينا فقد احتوى على الكثير من التفصيلات في ستين مادة. وعلى صعيد الموازنة بين هذه الأنظمة فإننا نجد أنه في الوقت الذي تعرض فيه النظام الأصلي لبعض التعريفات المستعملة في النظام ، مثل العامل والإقعاد الكلي والجزئي والدائم ، فإننا وجدنا أن النظام الثاني قد توسع في تلك التعريفات ، وأضاف إليها تعريفه للمشروع الصناعي: ما يدخل فيه وما لا يدخل فيه ، ومن ثم أضاف أموراً يدخل العاملون فيها ضمن نطاق نظام العمل ، ويطبق على من يعملون فيها ، وكانت النتيجة مزيداً من التوسع فيمن يشملهم النظام ، وجاء النظام الثالث ليتبنى التعريفات الواردة في النظام الثاني مع زيادة في التوضيح.

فيما يتعلق بنطاق الشمول بالنسبة لهذا النظام موازناً مع النظامين السابقين عليه ، فإن أحد الباحثين يلحظ أن من أهم مميزات هذا النظام شمول نطاق تطبيقه للعاملين في المشاريع الصناعية والتجارية والزراعية. كما تضمنت قواعده أحكاماً لحماية الأحداث، وأحكاماً تنظم التحكيم في المنازعات العمالية ، والأحكام التي تبين طريقة الالتجاء للقضاء العمالي في حالة فشل التحكيم في حل النزاع([11]).

وفي ظل أحكام هذا النظام صدرت قرارات عدة لحماية اليد العاملة الوطنية، منها قرارات وزير العمل في 1/3/1381هـ التي قضت بأن لا تقل نسبة العمال والموظفين السعوديين في أي مؤسسة أو شركة ، أو لدى أي صاحب عمل عن 70% من مجموع العمال العاملين في عمل واحد، ومكان واحد. كما صدر قرار مجلس الوزراء في 16/7/1381هـ الذي قضى بعدم تشغيل أي موظف أجنبي في الوظائف العادية. وفي ظل هذا النظام اختلف الإشراف على تطبيق أنظمة العمل والعمال ، فقد كــان ذلك في ظـل النظامين السابقين وعند صدور هذا النظام مـــن مســؤولية مكتب المعادن والأشغال العامة التابع لوزارة المالية ؛ لذلك نجد في الأنظمة الثلاثة كلها أن على وزير المالية تنفيذ أحكام النظام ، واستمر الوضع كذلك عندما أصدر هذا النظام إلى أن صدر الأمر في 10/2/1381هـ باعتبار وزارة العمل والشئون الاجتماعية المرجع المختص لتطبيق نظام العمل والعمال. وهو ما شكل على أثره لجنة عليا للنظر في الخلافات والقضايا العمالية، والبت فيها بصفة قطعية ونهائية، بموجب قرار مجلس الوزراء رقم 443 في 29/12/1382هـ([12]).

ومما نلحظه على صعيد موازنة الأنظمة الثلاثة أن الأخير كان الأكثر تحديداً لالتزامات (الآجر) صاحب العمل . فعلى الرغم من أن الأنظمة السابقة تعرضت لبعض الالتزامات ، إلا أن هذا النظام كان أوفاها في هذا المجال ، مما سوف نوضحه في استعراضنا لموضوعات هذا النظام من خلال مباحث هذا الفصل. ويمكن أن نشير هنا إلى الالتزامات الواردة في المادة العاشرة من هذا النظام من حيث التزام صاحب العمل بإعادة العامل إلى الجهة التي أبرم فيـها العقد ، وأن يكون هناك إذن مكتوب من العامل لجواز نقله من وظيفة ذات أجر شهري أو أسبوعي إلى عمل باليومية ، مع المحافظة على حقوق العامل التي اكتسبها في خدمته السابقة. وأن ينفذ أحكام الاتفاق المعقود مع العامل ودون أن يكلفه بغير ما اتفق عليه ، إلا في حالة الطوارئ مع إبلاغ السلطات المختصة بحالة الطوارئ. وقد كرر النظام ما ورد في الأنظمة السابقة في عدم جواز زيادة مدة العمل في اليوم عن إحدى عشرة ساعة ، وألا يشتغل العامل أكثر من 6 ساعات متوالية على أن يصرف للعامل ما يقابل الساعة الإضافية. ومن مميزات هذا النظام موازنة بما سبقه من أنظمة أنه قد نص على أن يعطى للعامل شهادة خبرة بناء على طلبه ودون مقابل بعد نهاية العقد، تشتمل على المعلومات الأساسية عن عمله ومرتبه واختباراته والخبرات التي اكتسبها مع إعادة أوراقه الأساسية إليه.

 

كما أن من مميزات هذا النظام موازنة بما سبقه أنه قد نص على تجدد العقد بطريقة تلقائية لمدة غير محددة، إذا لم تنقطع خدمة العامل . وإذا لم تكن المدة محددة كان لكل من الطرفين حق الفسخ مع شرط سبق الإعلان للفسخ بمدة معينة، تتراوح بين ثلاثة أيام بالنسبة لعمال اليومية، وأسبوع للعمال ذوي العقود الأسبوعية، أما المعينون بأجور شهرية فإن الإعلان يسبق موعده بما لا يقل عن ثلاثين يوماً . وإذا لم يلتزم بذلك يدفع للعامل المنهاة خدمته تعويضاً يقدر بما يعادل أجر المدة التي نص عليها النظام للإعلان العام بإنهاء الخدمة.

إن مما يتميز به هذا النظام الأخير عن النظامين السابقين أنه في مادته ( 15 ) قد ألزم صاحب العمل الذي تزيد العمالة لديه عن ( 50 ) عاملاً أن يضع أنظمة لمجالات العمل المختلفة، منها لائحة تنظيم العمل والعمال في المصنع ، وكذلك لائحة بالجزاءات ، وأن تعتمد من قبل الحكومة، ونظام للأسعار ، ولائحة للعلاج ، وكذلك نظام للتوفير والادخار تعتمده الجهات الحكومية.

كما أن مما اشتمل عليه هذا النظام أيضاً إيضاحه للأحوال التي يجوز لصاحب العمل أن يفسخ العقد دون مكافأة ودون إعلان للعامل إذا صدر عن العامل مخالفات محــددة ، وفي الوقت نفسه حدد أيضاً متى يجوز للعامل أن يترك العمل قبل نهاية العقد ، أو دون إعلام مسبق، وذلك في الحالات التي تصدر فيها عن صاحب العمل مخالفات إزاء العامل أو أسرته ، وأوضح النظام تلك الحالات.

ولقد تعرض هذا النظام لمسألة التحكيم في حالات النزاع بين صاحب العمل والعامل، كما نص على أن المخالفات التي تقع من العمال الأجانب على المواطنين، وما قد يلحقهم من ضرر من جراء ذلك ، فتختص السلطات الحكومية بمحاكمة المخالف، وتوقيع الجزاء عليه وإبعاده ، وأن المحاكم المحلية والهيئات القضائية التي قد تنشأ هي المختصة بالفصل في ذلك. وعلى صعيد الموازنة بين هذه الأنظمة، فإنه من الملحوظ أن نظام عام 1356هـ قد اشتمل على بيان بالتعويضات الواجبة على بعض الإصابات التي تحدث للعامل أثناء عمله ، أما نظام عام 1361هـ فلم يتعرض لذلك ، وجاء نظام عام 1366هـ محتوياً على جدولة كاملة للإصابات التي تعد إقعاداً جزئياً دائماً بتفصيلات أكثر مما حمله نظام عام 1356هـ مع تعديل في التعويضات يتناسب مع تغير الأوضاع الاقتصادية في المملكة وزيادة مستوى المعيشة.

 

المبحث الثاني : أحكام التعويض المختلفة ونظم العمل وحماية العمال :

لقد حمل هذا النظام تنظيماً أكثر دقة واتساعاً مما سبقه فيما يتعلق بالتعويضات ، فعلى الرغم من أن الأنظمة السابقة قد تعرضت لذلك إلا أن هذا النظام قد عالجها من كل الجوانب ، وبالأخص في بعض الأمور المهمة منها:

أولاً:   التعويض ( المكافأة ) عند نهاية الخدمة، وقد تضمنت ذلك المادة (13)؛ إذ نصت على وجوب دفع تعويض للعامل مكافأة له عن مدة خدمته ، وقدرت تلك المكافأة بالنسبة للعمال باليومية والعمال ذوي الأجور الأسبوعية والعمال الذين تحدد أجورهم بالقطعة فــإن المكافأة تكون بأجر خمسة عشر يوماً عن كل سنة من سنوات خدمته ، على ألا تتجاوز المكافأة أجر ستة أشهر بالنسبة لعمال اليومية ، والذين تحدد أجورهم بالقطعة . أما العمال المعينون بأجر شهري فإن تعويضات فسخ عقد العمل معهم تقدر بأجر نصف شهر عن كل سنة من السنوات الست الأولى ، وأجر شهر عن كل سنة من السنوات الباقية بحد أعلى قدره أجر تسعة أشهر.

ثانياً:   تعويض الإصابات وتحديدها ، مع بيان مقدار التعويضات: لقد نصت المادة الثالثة والعشرون على أن العامل إذا أصيب بإصابة أقعدته عن عمله يدفع له كامل الراتب لمدة سبعة أيام ، ثم يدفع له صاحب العمل 75% من أجرته إلى حين شفائه أو مضي مدة الإقعاد المؤقت ، ومن ثم تتحول الإصابة حينذاك إلى إقعاد كلي دائم ويجري التعويض بناء على ذلك.

والإقعاد الكلي الدائم نظمت تعويضه المادة ( 25 ) من هذا النظام ، وذلك بأن يدفع للعامــــل درجة أولى مبلـــغ سبعة وعشرين ألف ريال ، وللعامل درجة ثانية مبلغ ثمانية عشر ألف ريال ، أما العامل درجة ثالثـــة فتعويض إقعاده الكلى اثنا عشر ألف ريال. وتعريف كل من العامل درجة أولى أو ثانية أو ثالثة تكفلت به الفقـــرة الثالثة من المادة الأولى. وواضح أن التفريق بين أنواع العمال ينطلق من التقدير للدخل الذي يعود على العامل لقاء عمله ، وأن تلك المبالـــغ إنما هي تعويض عن الدخــــل الذي فقده نتيجة لإقعاده عن العمـــل، ولذلك فإنــــه في حالة وفــاة  ذلك العامل نتيجـــة لتـــلك الإصابة فإنه لا يجب على صاحب العمل سوى ذلك التعويض الوارد في المادة ( 25 )، وهذا ما تقضى به المــــادة (28).

هذا فيما يتعلق بالإقعاد الكلى ، وربما لا تتسبب الإصابة في الإقعاد الكلي ، بل قد يكون إقعاداً جزئياً ولكنه دائمٌ، فتنص المادة ( 24 ) من النظام على تعويض العامل الذي يصاب بذلك وفق جدول الإصابات المرفق بالنظام . كما نصت المادة ( 57 ) على أن الإصابات التي تؤدي إلى تشويه في منظر الجسم أو إخلال بالحواس أو تسبب ارتجاجاً فيها ، فإن التعويض فيها يخضع لأحكـام جـدول الإصابـات المرفـــق بهذا النظام .

وقد جرى حصر العديد من الإصابات التي يتعرض لها العمال  أثناء العمل ، بما يؤدي إلى فقدان الانتفاع بعضو من الأعضاء، أو إحدى الحواس ، ووضع أمام كل إصابة مقدار التعويض المقرر لكل نوع من العمال الذين سبق أن أشرنا إلى الاختلافات بينهم في درجاتهم المتعددة ، وأســاس هذا الاختلاف ، وكما سبق أن أشرنا، فإن المادة ( 28 ) نصـت على أن كـل عامل قد جرت وفاته على أثر إصابة لحقته أثناء عمله ، فإن صاحب العمل يدفع لورثته المبالغ نفسها المدرجة في المادة ( 25 ) ، وهي الخاصة بتحديد التعويضات الواجبة في حالة الإقعاد الكلي ودرجاته ، ويكون الدفع عن طريق الحكومة .

 

قواعد إقرار التعويضات :

إن حق العامل في التعويضات التي سبق أن أشرنا إليها يخضع لقواعد معينة لا بد من تحققها  لكي يستحق التعويض ، وفي بعض الأحيان لا يحق له المطالبة بالتعويض لعدم توافر تلك القواعد وشروطها ومن ذلك ما يلي:

 

الحرمان من التعويض:

نصت المادة ( 34 ) على أنه يجوز حرمان العامل من التعويض عن إصابته في بعض الأحيان ، ومنها: أن يثبت ثبوتاً قطعياً أن العامل كان متعدِّياً في مشاجرة أو عراك ، أو قصر في الإبلاغ عن الإصابة وظروفها لصاحب العمل في مدة لا تزيد عن ثلاثين يوماً من حدوثها . وكذلك يحرم من التعويض إذا ألحق العامل الإصابة بنفسه متعمداً ، إلا إذا تسبب هذا الحدث بإصابة العامل بعاهة مستديمة أو تسببت في وفاته، فإنه والحالة هذه يستحق التعويض المستحق لهما . كما أن العامل يفقد حقه في المطالبة بالتعويض إذا كان العجز نشأ عن مرض لا يتعلق بمزاولته مهنته ، وأيضا يحرم من التعويض إذا تعمد العامل تقديم معلومات غير صحيحة عن إصابته. وقد تضمنت المادة  (35) أحكام كون الإصابة تزيد من خطورة حالة عجز موجودة، وقررت أن التعـويض الذي يجب دفعه للعامل هو ما يقابل تـلك الزيـادة فـقـط ، وهذا المعنى يرد أيضاً فيما  اقتضته المادة (36) من أن العامل إذا أصيب واستحق تعويضاً على تلك الإصابة أعطي، ثم أصيب مرة أخرى مما أدى إلى زيادة خطورة إصابته فلا يستحق سوى ما يقابل تلك الزيادة.

بالنسبة لنظم العمل الأخرى ، فإن هذا النظام قد التزم بما ورد في النظام السابق الصادر عام 1361هـ ، من حيث تنظيمه للسن التي يجوز لمن بلغها أن يستخدم، وأن ينظم للقوى العاملة وفرض قيوداً على تشغيل صغار السن والمراهقين ، وأن إقرار انضمامهم للقوى العاملة يعد أمراً استثنائياً ، ولذلك فلا بد فيه من إذن السلطات الحكومية المشرفة على سوق العمل ، ونصت على ذلك  المادة السادسة. كما أكد هذا النظام ما ورد في الأنظمة السابقة فيما يتعلق بأيام العمل المقررة أسبوعياً ، وعدد ساعات العمل يومياً ، ونوبات الراحة والتوقف عن العمل، والحد الأقصى لعدد ساعات العمل اليومية ، والحد الأقصى لعدد ساعات العمل المتواصل دون توقف. أما ما يتعلق بأسلوب دفع أجور العمال وطريقته، فقد تضمنت ذلك المادة السابعة ، حيث قضت أن يكون الدفع بالعملة المحلية ، وتصرف الأجور كل أسبوعين لعمال اليومية، وكل شهر للعاملين بأجرة شهرية، وغير ذلك يتم الدفع بحسب نسبة الإنجاز من الأعمال المتعاقد عليها.

 كما حدد هذا النظــام التزامات (الآجر) صاحب العمل، وذلك بمقتضى أحكام المادة (10) في جوانب عدة ، منها أمر إعادة العامل إلى الجهة التي تم التعـاقد معه منها في حالة نـهـاية الـعـقد ، أو مرض يمنع من الاستمرار بالعمل ، كما قررت عدم جواز نقل العامل من عمل إلى عمل أقل إلا بموافقة كتابية منه، كذلك الالتزام بأحكام الاتفاق بين الطرفين ، وألاَّ يكلف العامل عملاً غير ما تم الاتفاق عليه إلا في حالة الضرورة وبشروط معينة. كما ورد في التزامات صاحب العمل أن عليه أن يعطى العامل بناء على طلبه شهادة خبرة دون مقابل. ونظمت المادتان ( 1 ، 2 ) وضع العقد بعد إنهاء المدة المحددة له ، أو في حالة عدم وجود مدة ، وكيف يعد العقد مجدداً؟ كذلك أحوال إنهاء العقد والمدة اللازمة للإعلان لكلا الطرفين. كما تضمنت المادة ( 13 ) أن الفسخ إذا كان من جانب صاحب العمل وجب عليه أن يدفع مكافأة عن مدة الخدمة ، وهو ما أوضحناه في حديثنا عن التعويضات ، كما أن من تنظيمات العمل التي تعرض لها هذا النظام ، ونصت عليها المادة ( 15 ) أنه يجب على كل من يستخدم (50) عاملاً فأكثر أن يضع لوائح تنظم أموراً معينة ، منها تنظيم العمل ، والجزاءات التي توقع على المخالفين بإقرار الحكومة ونظام الأسعار ونظام التوفير مما سبق أن أشرنا إليه عند الموازنة في المبحث الأول. كما أوضحت المادة ( 16 ) جواز فسخ العقد دون مكافأة ، ودون سبق إعلان العامل في أحوال معينة . أما المادة ( 17 ) فقد تضمنت متى يجوز للعامل ترك العمل قبل نهاية العقد ؟ ودون إعلان مسبق.

وفي نطاق حماية العمال وإضافة إلى الحقوق التي كفلها لهم النظام ، حرص على المحافظة عليها من خلال بيان الالتزامات الواجبة على صاحب العمل تجاه عماله ، وتحديد ساعات عملهم ونوبات راحتهم ، وطريقة دفع أجرتهم إليهم ، وطريقة معاملتهم.

وإضافة إلى ذلك فقد نصت المادة ( 2 )  في سبيل توفير الحماية  للعمال من أنه يجب على صاحب العمل أن يوفر بقدر المستطاع أسباب الأمن والسلامة في العــمل بالتحقق دائماً من سلامة جميع المعدات ، وأن تنشــر تعليمات للعمال لتنبههم إلى جميع الأخطار المحتملة في العمل. كما نصت هذه المادة على أن عليه أن يعد لعماله مساكن صحية تتوافر فيها أسباب الراحة الكاملة، مع إعداد أماكن الطعام والطهي والاستحمام والغسيل ، وللحكومة بمقتضى المادة ( 21 ) أن تأمر أصحاب المشاريع حماية لحقوق العمال بأن يقوموا بتأسيس حوانيت لتأمين احتياجاتهم ، وإنشاء النوادي والحدائق والمدارس والمكتبات لأبنائهم ، وعمل كل ما من شأنه المحافظة على صحة العمال وعوائلهم وراحتهم وتحسين أحوالهم. إن اهتمام هذا النظـــام بحماية حقوق العمل في التعويض عن الإصابات ، وتوفير المساكن ، وتنظيم العلاقة بينهم وبين صاحب العمل ، وحمايتهم من الفصل كل ذلك إنما هو وسيلة تنظيمية لحماية العمال.

 

المبحث الثالث : نطاق حماية النظام :

 لقد كان أول ما صدر من الأنظمة وهو نظام عام 1356هـ مقصوراً على العاملين في المشاريع الصناعية وشركات التنقيب واستخراج النفط ، ثم تطور نطاق الحماية والشمول في ظل نظام عام 1361هـ ليشمل أنشطة جديدة ، مثل عمال المناجم والمحاجر، والصناعات التحويلية ، وأعمال البناء والنقل بصوره كلها. إلا أن تلك الأنظمة ظلت محصورة النطاق في حمايتها للعمال حتى صدر نظام عام 1366هـ مؤكداً على شمول نطاق تطبيقه للعاملين في المشاريع الصناعية والتجارية والزراعية، وهو ما أوضحته المادة الأولى من هذا النظام ؛ حيث نصت على ذلك بالقول:" تطبق أحكام هذا النظام على كافة الحالات التي يشتغل فيها عامل في خدمة المشاريع الصناعية أو التجارية أو الزراعية تحت إدارة آجر أو سلطته" ([13]).

ومما زاد من نطاق شمول هذا النظام لفئات عمالية متعددة صدور قرار مجلس الوزراء رقم 156 وتاريخ 21/9/1368هـ، الذي نص على سريان أحكام هذا النظام على العمال الذين تستخدمهم الحكومة في مشاريعها الصناعية والزراعية والتجارية. ولو نظرنا في تعريف النظام للمشروع الصناعي ووازناه مع التعريف الوارد في نظام عام 1361هـ لوجدنا أن واضع النظام توسع في التعريف بحيث أدى ذلك إلى إدخال أنواع عدة من العمال ضمن نطاق حماية النظام ، ولم يعد المشروع الصناعي يقتصر على عمال المناجم واستخراج المواد من باطن الأرض ، بـــل إنه شمل إضافة إلى ذلك العمل في صيانة المباني وترميمهـــا ، كما شمل قطاع النقل البري والجوي والبحري، وكذلك أعمال المطابع والعاملين فيها. وعندما أراد النظام أن يعطي تعريفاً للعامل ، وهو موضوع هذا النظام ، فإن التعريــــف قد جاء مستقطباً في حمايته أنواعاً متعددة من العمال ، فهو يعرف العامل بأنه كل شخص يستخدم بأجرة في المشروع الصناعي بموجب اتفاق خاص أو عام شفهي أو تحريــــري. كما أكد هذا المعنى الشمــــولي علاقـــات العمل في تعريف النظام للآجــر،  المادة ( 2 )، وهو صاحب العمل، بأنه هو كل شخص أو هيئة أو شركة تستعين بخدمات عمال مباشرة أو غير مباشرة، ويعد من الخدمات غير المباشرة ما يقوم به العامل لحساب مقاول من الباطن، أو ما يؤديه من خدمات بطرق الإعارة من الآجر الذي استخدمه. وبمقتضى هذه النصوص لم تعد حماية النظام مقصورة على العمال الأساسيين الذين يعملون في الشركات ، بل إنها امتدت لتشمل حتى عمال المقاولين الذين يتعاقدون مع الشركة لإنجاز بعض أعمالها، ومن ثمَّ يقومون بتأمين العمالة المطلوبــة لتلك العقود ، وعلى الرغم من أن أولئك العمال لا يعدون من العمال الأساسيين للمشروع الأساسي إلا أن النظام أراد أن تشملهم حمايته.

 

المبحث الرابع : أحكام الالتزام بالحقوق المختلفة للعمال :

لقد جاء هذا النظام منشئاً للعديد من الحقوق التي ألزم بها كل من يستخدم عدداً من العمال ، وكان لا بد أن يسعى النظام إلى تعزيز التزام المؤسسات والشركات للوفاء بتلك الحقوق التي قررها النظام على أولئك المستفيدين من القوى العاملة ، سواء في ذلك الشركات أم المؤسسات أم الأفراد .  وفي سبيل ذلك وضع النظام في مواده بنوداً قصد من ورائها تأكيد تلك الالتزامات والتقيد بها ، ومن تلك الأحكام ما يأتي:

1 ــ  بالنسبة للسن القانونية: منـــع النظـــام استخدام العمال الذيـــن تقـــل أعمـــارهم عن العاشرة. ولمواجهة بعض الحالات الاستثنائية في هذا الأمر ، سواء من حيث رفع السن القانونية إلى الأعلى ، وذلك لما تقتضيه الظروف المحلية بسبب العادات أو التقاليد وطبيعة العمل أو السماح بالعمل لمن هم دون العاشرة من العمر ، ويكون ذلك بتصريح خاص من الجهات الحكومية بعد أن تتأكد تلك الجهات بأن تلك الأعمال تناسب سنهم وقوتهم  البدنية، وأن تؤهلهم تلك الأعمال لاكتساب الخبرة اللازمة لتعـلم الحـرفة. ومن ثم فإن التأكد من التزام أصحاب العمل بما ورد به النظام هو من مسؤولية الجهة الحكومية المشرفة على قطاع العمل والعمال ، التي كانت عند صدور هذا النظام شعبة الأشغال والمعادن بوزارة المالية ، ثم وزارة العمل والشؤون الاجتماعية بعد إنشائها.

2ــ بالنسبة للتقيد بأحكام الاتفاق : نصت الفقرة الثالثة من الـتـزامات الآجر (صاحب العمل) الواردة في المادة العاشرة من هذا النظام  أنه لا يجوز لصاحب العمل أن يكلف العامل عملاً غير ما اتفق عليه ؛ نظراً لاحتمال وجود بعض الظروف الاستثنائية، فإن المادة الرابعة قد أوضحت الاستثناءات التي ترد على ذلك النص ، مبينة الظروف الاستثنائية ، وهي وقوع حادث مفاجئ أو إصلاح عاجل ، وإذا لم يتم التقيد بنص الفقرة الثالثة فلا بد أن تتحقق شروط معينة منها ألا يزيد مجموع ساعات العمل في اليوم عن إحدى عشرة ساعة وألا يعمل العامل أكثر من ست ساعات متوالية، وقد ورد النص في هذه الشروط على أنه يجب على صاحب العمل أن يبلغ ممثل الحكومة في بحر أربع وعشرين ساعة ببيان الحالة الطارئة، والمدة اللازمة لإتمام العمل ، وذلك حتى تتمكن الجهة الحكومية المشرفة على هذا القطاع من متابعة الأمر، والتأكد من الالتزام بأحكام النظام في هذا المجال من حقوق العمال.

 

الخدمات والمساكن الصحية :

لقد نصت الفقرة الرابعة من المادة العشرين على أن يعد صاحب العمل مساكن صحية، تتوافر فيها أسباب الراحة الكاملة، وبشروط معينة من حيث المساحات للغرف أو ما يجب أن يتوافر في تلك المساكن من الخدمات . وفي سبيل التحقق من ذلك والتزام صاحب العمل بتنفيذ ما ورد من شروط في تلك المساكن فإن النظام ينص على وجوب عرض تصميمات جميع المساكن ومحتوياتها على الحكومة للنظر فيها، والتأكد من توافر الشروط المطلوبة فيها، ومن ثم الموافقة عليها ، وذلك قبل الشروع في إنشائها.

كما نصت المادة ( 21 ) على أن من حق الحكومة أن تأمر أصحاب المشاريع الصناعية بتقديم خدمات معينة للعاملين بها، مثل تأسيس الحوانيت وإنشاء النوادي والحدائــق والمكتبات للعمال ومدارس لأولادهم. ومن الطبعي أن تتولى الحكومة التأكد من التزام أصحاب العمل من تقديم هذه الخدمات على أنها حقوق للعمال للمحافظة على صحتهم وراحتهم وتحسين حالهم.

 

تسجيل إصابات العمال والإبلاغ عنها :

تنص المادة (30) على أنه يجب على صاحب العمل أن يحتفظ بسجل تسجل فيه الإصابات التي قد تحدث لبعض العمال من آن لآخر، كما تنص المادة (31) على أنه يجب عليه أيضاً أن يخطر مندوب الحكومة حالاً كتابياً أو برقياً عن أي إصابة تقع على أحد عماله أو موظفيــــه، وذلك إذا كانت الإصابة تقعد العامل عن عمله أكثر من ثلاثة أيام ، ويتضمن الإخطار اسم المصاب ، ونوع الإصابة ، والمكان والتاريخ اللذين وقعت فيهما الإصابة وأسبابها ، والإجراءات المتخذة لمنع تكرار حدوثها ، والترتيبات الطبية التي اتخذت لإسعاف المصاب. وتنص المادة ( 32 ) على أنه إذا لم يقم صاحب العمل بتقديم الإخطار الوارد في المادة ( 31 ) فإن عليه أن يدفع غرامة مالية، قدرت بحسب القيمة الحقيقية للنقد في ذلك الوقت (50) ريالاً، وفي حالة تكرار المخالفة تتضاعف العقوبة التي توقعها الحكومة على المخالف، وهذا بلا شك يشكل حماية للتأكد من التزام أصحاب الأعمال بحقوق العمال في هذا المجال ، وضمان الإشراف الكامل من الجهات الحكومية على ذلك.

 

التفتيش الحكومي :

نصت المادة (50) على حق الجهة الحكومية المشرفة على شؤون العمل والعمال زيارة أي مشروع صناعي وتفتيشه في كل وقت من ليل أو نهار ومقابلة العمال، ومناقشتهم في كل الأمور المتعلقة بالعمل وظروفه ، وقد يطلب منهم كتابة هذه المعلومات عند الحاجة. كما أن من حق من يقوم بالتفتيش الاستعانة بالسلطات المختصة للتحقق عما إذا كانت صحة العمال معرضة للخطر من جراء طبيعة العمل ، أو الأساليب المتبعة في مكان العمل . فهذه إحدى الوسائل التي وضعها النظام لتوفير التزام أصحاب العمل بحقوق العمال المختلفة.

 

المبحث الخامس : الأسس التي تحكم تقديم الخدمات الاجتماعية :

لما كان النظام قد ألزم أصحاب الأعمال تقديم أنواع مختلفة من الخدمات الاجتماعية، فإنه لا يطلب ذلك من كل من يستخدم عمالاً ، بل إن النظام ربط ذلك بطبيعة المنشأة وحجمها ، فمثلاً المادة ( 15 ) أوردت بعضاً من تلك الخدمات، تنص على أن ذلك يجب على كل آجر ( صحاب العمل ) يستخدم (50) عاملاً فأكثر أن يضع نظاماً للأسعار في المصنع أو محل العمل. وعليه أن ينشئ عيادة لعلاج العمال ، ويؤمن لها طبيباً يقوم بذلك مجاناً مع إعداد الوسائل الملائمة لصرف العلاج والأدوية دون مقابل سواء كان ذلك وقت العمل أم في غير ذلك. وعليه كذلك بمقتضى الفقرة ( 4 ) من المادة نفسها أن يعد نظاماً للتوفير والادخار للعمال يعتمد من قبل الجهة الحكومية المشرفة على شؤون العمل والعمال.

ولكن إذا كان مستوى عمالة المشروع لا تصل إلى الخمسين فإن النظام لا يلزمه بما سبق، بل إنه يكتفى بأن على صاحب العمل أن يوفر في كل مشروع صناعي صندوقاً للإسعافات الطبية، يحفظ بطريقة صحيحة الأربطة والأدوية والمطهرات التي تعينها مديرية الصحة العامة بالاتفاق مع الحكومة، وذلك لإسعاف المصابين إسعافاً أولياً ريثما يتم نقلهم إلى المستشفى.

كما أن منح الإجازات الاعتيادية السنوية للعمال يخضع أيضاً لمستوى المشروع من حيث حجم العمالة في ذلك المشروع ، فنصت المادة ( 47 ) على أن للعامل الذي يشتغل في مشروع صناعي يستخدم فيه أكثر من عشرة عمال . وعمل لمدة تزيد عن سنة بصورة مستمرة أن يحصل على إجازة اعتيادية بأجرته الكاملة، مدتها عشرة أيام عن كل سنة. يتحدد موعدها برغبة العامل ، وموافقة صاحب المشروع، كما أن لذلك العامل الحق في إجازة مرضية بأجرته الكاملة عن كل سنة خمسة عشر يوماً، معززة بتقرير طبي من مرجع صحي رسمي.

وليست كل الخدمات التي فرض النظام على أصحاب المشاريع تقديمها لعمـالهم تخضع لحجم العمالة، بل إن هناك من الخدمات ما وردت في النظام خالية من أي قيد ، ومن ذلك ما ورد في الفقرة الرابعة من المادة ( 20) من أن على صاحب العمل أن يعد لعماله مساكن صحية تتوافر فيها أسباب الراحة، وتحتوي على أماكن للطهي وللطعام والاستحمام والغسيل. كما نصت المادة ( 21 ) على حق الحكومة في أن تلزم أصحاب المشاريع بتقديم بعض الخدمات مثل تأسيس الحوانيت لتأمين الاحتياجات بأسعار معقولة، وإنشاء نوادٍ وحدائق ومكتبات ومدارس لأبناء العمال ، وكذلك إجراء كل ما يلزم للمحافظة على صحة العمال وعوائلهم وتحسين أحوالهم.

ولعل النظام شعر بأهمية بعض الخدمات، والحاجة الشديدة إليها، بصرف النظر عن حجم العمالة، فألزم أصحاب العمل بها، على حين أن هناك بعض الخدمات التي تتطلب أن تكون هناك كثافة في العمال لتوفيرها، فربط النظام بين عدد العمال ضرورة توفير مثل تلك الخدمات.

 

 

 

 

 

الفصل الرابع : نظام العمل الصادر في العام 1389هـ / 1969م:

بعد مرور ما يزيد على ربع قرن على صدور النظام السابق، وتطبيقه، وبعد ازدياد عدد العاملين في المشاريع المختلفة ، ظهرت الحاجة التي يؤكدها الواقع العملي إلى ضرورة وضع نظام عمل جديد، يكون أحدث تنظيماً وأوسع شمولاً في نطاق أعماله ليتمشى مع ظروف المجتمع السعودي في عصر الازدهار الاقتصادي. ومن أجل ذلك قامت وزارة العمل والشؤون الاجتماعية بالتعاون مع مكتب العمل الدولي لبحث مشروع نظام متكامل للعمل جديد بعد أن استنفد نظام العمل السابق أغراضه، وبعد جهود ودراسات طويلة ومستمرة تم وضع مشروع النظام الجديد ، وبعد انتهاء الدراسات اللازمة له من كل الجوانب قدم لمجلس الوزراء لدراسته وإقراره، والذي قام بمراجعة نصوصه، ودراسة أحكامه ، وتنقيح مواده ، مستعيناً في ذلك بآراء المختصين من المستشارين ، وتم إقرار النظام بالقرار رقم ( 745 ) وتاريخ 24/8/1389هـ ، وصدر بالمرسوم الملكي رقم م/21 وتاريخ 6/9/1389هـ ، وأصبح واجب النفاذ ابتداءً من 19/9/1389هـ. ([14]).

وقد جاء هذا النظام شاملاً لكل الموضوعات التي يمكن أن ينظمها قانون العمل في الأنظمة الحديثة. فهو يقع في مائتين وإحدى عشرة مادة، موزعة على ثلاثة عشر فصلاً، تتعلق بالأحكام العامة، وبالتفتيش على العمل، ومكافحة البطالة والتأهيل المهني ، وعقد العمل ، وعقد العمل البحري، وحماية الأجور ، والوقاية والخدمات الاجتماعية وإنشاء مؤسسات جديدة وساعات العمل والراحة الأسبوعية والإجازات ، وتشغيل الأحداث والنساء ، ولجان العمل وتسوية الخلافات، والعقوبات الجزائية والأحكام الجنائية([15]) ، وسنحاول في هذا الفصل ومباحثه عرض عناصــر هـذا النظام؛ لكونه أهم نظام صدر في المملكة ، ولا يزال العمل يجري بمقتضاه من خلال المباحث الآتية:

 

المبحث الأول : دراسة للنظام وطريقة إصداره ومواده :

كما أشرنا سابقاً إلى أن إصدار هذا النظام قد جاء نتيجة لتظافر جهد مشترك بين وزارة العمل والشؤون الاجتماعية بالمملكة العربية السعودية ومكتب العمل الدولي، مشتملاً على  مائتين وإحدى عشرة مادة، في ثلاثة عشر فصلاً على النحو الآتي:

الفصل الأول: ويتضمن التعريفات الأساسية والأحكام العامة التي تحدد دائرة تطبيق النظام الجديد وسريانه على كل عقد، يتعهد بمقتضاه أي شخص بأن يعمل لمصلحة صاحب عمل وتحت إدارته أو إشرافه مقابل أجر ، وعلى عقود التدرج وعلى عمال الحكومة والمؤسسات العامة والهيئات المحلية والمؤسسات الخيرية ، وهو ما جعل سريان نظام العمل الجديد شاملاً لجميع طوائف العمال سواء منهم من اشتغل في القطاع العام أو في  القطاع الخاص.

وفي فصله الثاني : تنظيم للأحكام المتعلقة بالتفتيش وإعداد جهازه، وتحديد اختصاصات مفتشي العمل، وقواعد ضبط المخالفات العمالية . وتقديم التقارير الشهرية والسنوية عن مختلف أنشطة التفتيش العمالي في مختلف القطاعات العمالية.

وفي الفصل الثالث عالج النظام مكافحة البطالة وطريقة استخدام القوى البشرية طاقة عاملة، ومنتجة، وذلك بتأهيل غير المؤهلين منهم.  وقسم هذا الفصل أربعة أقسام أولها يتعلق بإنشاء مكاتب للتوظيف ، وذلك لمساعدة العمال في بحثهم عن الأعمال المناسبة ، وتوفير العمالة الجيدة لأصحاب العمل، وهذه خدمة تقدمها الدولة للطرفين دون مقابل. أما ثاني تلك الأقسام فهو يتعلق بتشغيل الأجانب، والشروط الواجب توافرها فيهم للموافقة على استقدامهم، ومنحهم رخص العمل اللازمة للعمل في الوظائف ، والأعمال التي تحتاج البلاد فيها إلى خبراتهم المهنية ومؤهلاتهم العلمية. القسم الثالث يتعلق بالتأهيل المهني للعاجزين ، وآخر هذه الأقسام يتعلق بعقود التدريب للعمال المبتدئين لتعلم الحرفة تحت إشراف صاحب العمل، ليتخرجوا بعد تدريبهم عمالاً مؤهلين قادرين على العمل سواء في المصنع نفسه الذي تدربوا فيه أم في غيره أم لحسابهم الخاص.

الفصل الرابع: من النظام اختص بعقد العمل الفردي فأورد تعريفه وبين أنواعه وحدد شروطه وطريقة إبرامه وتكوينه وتنفيذه ، وما يترتب عليه من الحقوق والواجبات على طرفيه، ويوضح طريقة إنهاء عقد العمل بالسبب المشروع وطريقة معالجة الإنهاء غير المشروع، وأصول وقف تنفيذ قرار الفصل ، وحق العامل في مكافأة الخدمة عند نهاية خدمته ، وحقه في عودته إلى عمله السابق أو تعويضه في حال كون فصله يعد فصلاً تعسفياً. نظم هذا الفصل أيضاً الحالات التي يجوز للعامل ترك العمل قبل نهاية العقد مع عدم الإخلال بحقه في المكافأة، والحالات التي يجوز فيها لصاحب العمل أن يفسخ عقد العامل دون مكافأة أو تعويض ، ويعد هذا الفصل عصب النظام الجديد بما احتوى عليه من تنظيم للقضايا الأساسية في أمور العلاقة بين العامل وصاحب العمل.

الفصل الخامس : خصص لعقد عمل من نوع معين: وهو عقد العمل البحري ؛ إذ عرَّفه النظام، موضحاً شروط العمل على ظهر السفن التي تحمل العلم السعودي، ولا تقل حمولتها عن خمسمائة طن، ومن خلال هذا الفصل حدد النظام حقوق الربابنة والملاحين وواجباتهم أثناء الرحلات البحرية، وهو أمر امتاز به نظام العمل السعودي على غيره من أنظمة البلدان العربية الأخرى.

وفي الفصل السادس : من هذا النظام تقنين لأجور العمال والأحكام المتعلقة بحـمايتها، وإذا كان النظام الصادر عام 1361هـ قد أشار إلى حق الحكومة في تحديد أجور العمال ، فإنه قد توقف عند هذا الحد. ومن بعده جاء نظام 1366هـ الذي لم يتطرق إلى هذه المسألة كليـاً، ولكن هذا الفصل عالج مسألة الأجور ، وذلك بتحديد الحد الأدنى بصفة عامة ، أو تحديدها بالنسبة لمنطقة معينة أو مهنة معينة ، كما أوضح النظام حماية لأجر العامل المقدار الذي يمكن استقطاعه من أجرته، مقابل الجزاءات التأديبية والقضائية، بألا تتجاوز تلك النسبة التي حددها النظام.

وركز الفصل السابع على سبل الوقاية من الأخطار المهنية ، وما قد يسببه العمل من أمراض، وتحديد التزامات أصحاب العمل تجاه العمال فيما يتعلق بالخدمات الاجتماعية والصحية.

أما الفصل الثامن فقد نظم أصول الترخيص لإنشاء مؤسسات جديدة أو ملحقات لمشاريع قائمة، ومهمة مركز الأبحاث الصناعية في ذلك.

أما تحديد ساعات العمل، ونوبات الراحة اليومية، وأيام العطلة الأسبوعية والإجازات المختلفة التي يستحقها العامل فقد تكفل بتنظيمها الفصل التاسع، موضحاً الشروط المتعلقة بذلك.

ونظــم الفصــل العــاشر الاستفادة مــن قــوة العمل من قبل النساء والأحداث قاصراً ذلك على أنواع معينة من العمل التي لا تشكل ضــرراً بالصحة، ولا تتسم بالخطــورة بالنسبة لهما بشكل خاص.

أما الفصل الحادي عشر فقد خصص لتسوية الخلافات العمالية ، وطريقة حلها، وذلك بإنشاء لجان العمل وتحديد اختصاصها وإجراءات التقاضي وأصوله أمام تلك اللجان، وكيف يمكن تسوية تلك الخلافات العمالية بالطرق الرضائية عن طريق الصلح والتحكيم ؟ أما من يخالف أحكام نظام العمل المتعلقة بالنظام العام فقد بين الفصل الثاني عشر العقوبات الجزائية المترتبة على ذلك.

في الفصل الثالث عشر والأخير من فصول هذا النظام بين أحكامه الختامية التي حددت بدء نفاذ النظام ، وإلغاء الأنظمة والأوامر والقرارات السابقة على صدور هذا النظام فيما يتعارض مع الأحكام الواردة فيه. وأعطت هذه المادة الحق لوزير العمل في إصدار اللوائح اللازمة لتنفيذ أحكام هذا النظام. ([16]). ويمكن أن نجمل فيما يأتي أهم الخصائص والمزايا التي اشتمل عليها هذا النظام ، وذلك على النحــو الآتي:

أولاً: سريانه على جميع فئات العمال بما في ذلك عمال الحكومة والمؤسسات العامة، والهيئات المحلية والجمعيات الخيرية ، وكذلك الأشخاص العاملون لدى أصحاب المهن الحرة.

ثانياً: زيادة في الحقوق والمزايا التي يتمتع بها العمال في الإجازات السنوية والأجور عن ساعات العمل الإضافية، وكذلك التعويض عن غلاء المعيشة.

 

ثالثاً: منع الفصل التعسفي، وإلزام صاحب العمل بإعادة العامل إلى عمله السابق أو الحكم له بتعويض مناسب.

رابعاً: حماية أجور العمال وفرض حد أدنى للأجور ، يمكن لمجلس الوزارء تقريره عند الضرورة.

خامساً: إنشاء أجهزة لتسوية الخلافات العمالية ، وتنظيم التقاضي أمام لجان مختصة وبيان طرق الطعن في أحكامها، كما عالجت قضايا المصالحة والتحكيم.

سادساً: إنشاء جهاز تفتيش العمل، للتأكد من سلامة تطبيق أحكام النظام، وإلزام أصحاب الأعمال بتوفير الخدمات الصحية والاجتماعية.

سابعاً: إنشاء مكاتب لتشغيل العمال الباحثين عن العمل، والتوسط بين أصحاب العمل والعمال لتوفير اليد العاملة.

ثامناً: تنظيم طريقة تدريب العمال المبتدئين ، وتأهيل العمال العاجزين ، وتحديد الأعمال المناسبـــة لعمل النساء والأحداث التي لا تضــــر بصحتهم ، ولا تؤثـــر عليهم وإيجادها. ([17])

ولعل أهم ما يميز هذا النظام أن له طابعاً واقعياً ظاهراً من جهة، وأن لقواعده طبيعة آمرة حامية من جهة أخرى ، وبما أن نظام العمل يراعي أشخاص علاقات العمل من حيث الجنس والسن والجنسية والحالة الاجتماعية، فهذا النظام يضع قواعد خاصة بتشغيل النساء، وقواعد أخرى خاصة بالأحداث ، وقواعد خاصة بعمل الأجنبي ، كما يفرق بين العزب والمتزوج ، ويراعي كذلك مقدرة صاحب العمل المالية، ومن ثم يفرض بعض الالتزامات على كبار أصحاب الأعمال. وتختلف أحكام العمل بحسب ظروفه. ولكل نوع من العمل قواعده مما يعنى أن النظام يعالج موضوعات العمل معالجة واقعية، واضعاً مبادئها وأصولها مع ترك التفصيلات للوائح والقرارات الوزارية. ([18])

وبما أن هدف نظام العمل إقرار السلام الاجتماعي بحماية العامل عن طريق ضمان حد أدنى لحقوقه فقــد جــاءت قواعــده ذات طبيعة آمرة، هدفها حماية العامل من ضعفه ، وقوة صاحب العمل.

 

المبحث الثاني : سريان نظام العمل :

سريان النظام قد يتناول سريانه في الزمان والمكان، وقد يتناول الأشخاص الذين يطبق عليهم ، كما أنه يحدد من لا ينطبق عليهم النظام باستثنائهم منه نصّاً ، أو لعدم انطباقه عليهم ، وسأتناول بشكل موجز كل ذلك فيما يلي:

سريان النظام في الزمان والمكان :

من ناحية الزمن حدد النظام بدء سريان هذا النظام بمقتضى المادة ( 211 ) عندما نص على أن يعمـــل بهذا النظام من تاريخ نشره في الجريدة الرسمية ، وقد نشر في جريدة أم القرى بالعـدد ( 2299 ) بتاريخ 19/9/1389هـ. وهذا التاريخ يعد البداية الرسمية لسريان هذا النظام في الزمان، وكما هو معروف في سريان الأنظمة أن النظام الذي يصدر يسري على ما يقع بعد صدوره من حوادث ، وهي القاعدة المعروفة بعدم رجعية القانون، بحيث لا ينسحب على الحالات التي وقعت قبل صدوره ، وإن كان لهذه القاعدة استثناء، فهو أن ينص المنظم صراحة في حالات استثنائية خاصة على تطبيقه بأثر رجعي نظام ما ، ومن هنا يكون تطبيقه بأثر رجعي بمقتضى النص على ذلك صراحة بشكل خاص.

ويطرح السؤال بالنسبة للعقود المختصرة، وهي عقود العمل التي أبرمت في ظل النظام القديم ، ولكنها لا تزال سارية في ظل نفاذ النظام الذي صدر لاحقاً . وهنا يأتي مبدأ الأثر المباشر والفوري لنظام العمل الجديد مما يعني أن هذا النظام يسري فوراً على كل ما يقع بعد نفاذه ، حتى ولو كان مترتباً على عقود أبرمت في ظل النظام السابق، وذلك لتحقيق وحدة النظام الواجب التطبيق على عقود العمل الجارية.

أما سريان النظام في المكان فإنه يطبق، ابتداء من تاريخ نشره في جميع مناطق المملكة العربية السعودية ، وعلى السفن والطائرات التي تحمل العلم السعـودي، وتسري أحكام هذا النظام على أصحاب العمل والعمال السعوديين وغير السعوديين على السواء، وذلك عملاً بمبدأ السيادة الإقليمية لكل دولة . وهو ما يقره القانون الدولي. ([19])

وفيما يتعلق بسريان النظام على الأشخاص الخاضعين لتطبيق أحكامه فقد نصت المادة الثانية على أن تسري أحكام هذا النظام على :

أ   كل عقد يتعهد بمقتضاه أي شخص بأن يعمل لمصلحة صاحب عمل وتحت إدارته أو إشرافه مقابل أجر.

ب – عقود التدرج.

جـ  ــ عمال الحكومة والهيئات المحلية أو المؤسسات الخـيرية أو العامة. ([20])

هذا النص يعني أن نظام العمل قد جعل سريانه على الأشخاص مرتبطاً بوجود ما يعد رابطة بين أولئك الأشخاص وصاحب العمل من خلال العقد المبرم بين الطرفين، الذي حدد النظام ماهيته: بأنه تعهد من قبل شخص ما بأن يعمل لمصلحة صاحب عمل وتحت إدارته وإشرافه مقابل أجر ، كما أن هذا النظام يسري على المرتبطين بعقود التدرج أو التدريب، وأوضحت المادة شمول سريانه على عمال الحكومة والهيئات المحلية والمؤسسات الخيرية والمؤسسات العامة، مما يعني سريانه على عمال الأشخاص المعنوية العامة أو السلطات العامة  بوجه عام.

فيما يتعلق بسريان نظام العمل على المرتبطين بعقود التدرج ( التلمذة الصناعية ) ، فقد ذهب بعض المختصين بقانون العمل إلى أن عقد التدرج يعد عقد عمل ، أو هو صورة من صور عقد العمل ، على حين أنه ذهب اتجاه فقهي آخر إلى أن عقد التدرج يعد عقداً مختلطاً يتألف من عنصرين ، أحدهما: التعلم ، والآخر: العمل. ويذهب اتجاه ثالث وهو الغـــالب إلى أن عـــقد التــدرج ليس عقد عمل، بل هناك فارق بين عقد العمل وهذا العقد ، فالغرض الأساس منه هو تلقين المتدرج وتعليمه مهنة أو حرفة ، وتعليمه أصولها ودقائقها . أما الغرض الأساس من عقد العمل فهو العمل الذي يقوم به العامل لحساب صاحب العمل. وبهذا الرأي أخذ النظام السعودي للعمل، وذلك عندما عنى المنظم السعودي بالنص على سريان أحكــــام نظــــــام العمل على عقود التــــدرج بصورة مستقلة عن عقود العمل ، كما أفرد له مكاناً خاصاً في الفـصل الثالث من النظام. ([21])

وفيما يتعلق بسريانه على عمال الحكومة والأشخاص العاديين عامة فقد نصت على ذلك الفقرة ( جـ ) من المادة الثانية ، والمقصود بهذه الطائفة هم عمال جميع المؤسسات العامة والهيئات الإدارية والمحلية المعينون على بند الأجور ، وذلك بمقتضى قرار مجلس الخدمة المدنية الذي صدر بلائحة (29) المعينون على بند الأجور في الجهات الإدارية برقم 141 وتاريخ 27/5/1399هـ. والذي ألغى قرار مجلس الوزراء ذا الرقم 837 وتاريخ 28/10/1387هـ الذي صدر بتحديد عمال الحكومة وتعريفهم.

ويسرى نظام العمل على هذه الطائفة بما يلائم طبيعة هذه الجهات، بصفتها سلطات عامة، ولا يشترط بالنسبة لهذه الطائفة إبرام عقد عمل بين العامل وجهة العمل لوجود علاقة العمل ، ولذلك نصت المادة ( 77/2 ) من نظام العمل بشأن عمال الدولة والمؤسسات العامة على أن قرار التعيين أو أمره الصادر من السلطات المختصة يقوم مقام العقد .

أما عن مدى انطباق نظام العمل على هذه الطائفة فإنه يصعب القول بتطبيق العقوبات الجزائية المنصوص عليها في نظام العمل على الجهات الإدارية ؛ لكونها صاحب عــــمل ، وإن كان كما يرى بعض الفقهاء توقيع العقوبة على المدير المسؤول في الحالات التي ينص فيها النظام على معاقبة صاحب العمل أو مدير المؤسسة المسؤول.([22]) كما أن اللائحة نصت على أن التعويض عن العمل الإضافي يتم طبقاً لأحكام نظام العمل ، كما أن القاعدة تقضي بأن كل ما لم ينص عليه من حقوق هذه الطائفة في اللائحة يرجع بشأنه إلى أحكام نظام العمل ، كما نصت على أن تختص لجان تسوية خلافات العمل بالفصل في منازعات العمال المعـينين على بند الأجور مع الجهات التي يعملون بها. ([23])

 

المستثنون من سريان النظام :

تضمن نظام العمل السعودي نصاً يستثني بعض الطوائف تماماً من تطبيق أحكام هذا النظام، كما تضمن نصاً آخر يستثني بعض الطوائف جزئياً من تطبيقه ، وفيما يأتي عرض سريع وموجز لكلا النوعين:

أ ــ  المستثنون بصفة كاملة: تنص المادة الثالثة من نظام العمل على أنه يستثنى من تطبيق أحكام هذا النظام كل من : العمال في المنشآت العائلية إذا كانوا من أفراد العائلة، وكذلك الأشخاص الذين يشتغلون في المراعي والزراعة، إذا لم يكونوا عاملين في مؤسسة تقوم بتصنيع منتجاتها، أو كانوا يقومون بصفة دائمة بتشغيل الالآت الميكانيكية أو إصلاحها. كما يستثنى من التطبيق خدم المنازل، وسنوضح ذلك بكلمة موجزة عن كل فئة من أولئك المستثنين.

عمال المنشآت العائلية: لا تسري أحكام نظام العمل على أفراد أسرة صاحب المشروع الذين يعملون في المنشآت العائلية المقتصرة عليهم، ويختلف رجال القانون بشأن تحديد أسرة صاحب المشروع ، وهل يقتصر هذا التحديد على أصوله وفروعه فقط ؟ كما يرى ذلك بعضهم([24])، أو أنه يتسع ليشمل كل ذوي القربى الذين يجمعهم به أصل مشترك، ولو لم يكونوا من أصوله وفروعه، كما يرى ذلك آخرون . ([25]) ويبدو أن سبب الخلاف بين وجهتي النظر هو الاختلاف بشأن تحديد حكمة الاستثناء، فمنهم من قصر ذلك على الأصول والفروع، ومنهم من رأى أن حكمة الاستثناء متحققة حتى في أبناء العم والحواشي.

عمال الزراعة والري : يشمل هذا الاستثناء كل من يعمل في مهنة أو عمل يدخل في مجال الأعمال الزراعية، وهم القائمون بالأعمال الزراعية البحتة، كفلاحة الأرض وحرثها والقائمون على إدارتها، ولكن لا يدخل ضمن هؤلاء عمال الدوائر الحكومية والمؤسسات العامة الذين يعملون في أعمال لها علاقة بالنشاط الزراعي، كعمال الوحدات الزراعية الإرشادية، وعمال مزارع كليات الزراعة. ويشمل الاستثناء العمال المستخدمين في أعمال الرعي. ولكن هذا الاستثناء لا يشمل فئتين ، وهما: عمال المؤسسات الزراعية التي تقوم بتصنيع منتجاتها مثل منشآت تصنيع الألبان ، وإنتاج الأعلاف وتربية المواشي. وكذلك لا يشمل الاستثناء عمال الآلات الزراعية ، ويقصد بهم العمال الفنيون القائمون بقيادة الجرارات والآلات الزراعية وتشغيلها وصيانتها، وحكمـة الاستثناء بالنسبة لهؤلاء العمال: هو ما يتعرض له  الإنتاج الزراعي ومحصوله من تقلبات موسمية.

ب ــ المستثنون بصورة جزئية : تنص المادة الرابعة من نظام العمل على أنه ما لم يرد نص خاص لا تسري أحكام الفصل الثامن والمواد (164 166) على بعض الفئات من العمال وهم العمال الذين يعملون في مجال لا يعمل بالآلات الميكانيكية ، وتستخدم عدداً أقل من خمسة عمال، كمـا أنها لا تسري على الملاحين والربابنة الذين يعمــلون على سفن تـقـل حمولتها عن خـمسمائة طن.

 

المبحث الثالث : عقد العمل  تعريفه وتكوينه وآثاره وانتهاؤه :

يستند عقد العمل الحديث أساساً إلى نوع من أنواع عقود الإجارة في الفقه الإسلامي ، وهو عقد إجارة الأشخاص، الذي يعرف في الفقه بأنه عقد على منفعة مقصودة مباحة معلومة  بعوض معلوم. ([26])

وهذا التعريف لعقد إجارة الأشخاص ينسجم تماماً مع ما ورد في تعريف عقد العمل في نظام العمل السعودي، إذ تنص المادة (70) في تعريفها له على أنه "عقد مبرم بين صاحب عمل وعامل، يتعهد الأخير بموجبه أن يعمل تحت إدارة صاحب العمل أو إشرافه، مقابل أجر، ويتضمن شروط العمل المتفق عليها بينهما، وذلك لمدة محددة أو غير محددة للقيام بعمل معين". ([27])

ويستخلص من هذا التعريف أنه يشتمل على العناصر الأساسية لعقد العمل، وهي: العمل والتبعية والأجر، وإن كان بعض الباحثين يرى أن التعريف يشوبه القصور، ومظهر هذا القصور كما يراه أن التعريف لم يتضمن كل خصائص العقد المراد تعريفه . ويرى كذلك أن هذا التعريف جاء غير جامع وغير مانع، فلم يجمع كل خصائص العقد المعروف بحيث يمنع اختلاطه بغيره ([28]) ، إلا أننا نرى أن ذلك التعريف اشتمل على أهم الخصائص التي ينطوي عليها عقد العمل ، وهي: أنه عقد ملزم لطرفيه، فالعمل من العامل والأجر من صاحب العمل ، وهذا يعنى أنه عقد معاوضة قائم على أساس أن كل طرف من أطرافه يأخذ في مقابل ما يعطي. كما أن عقد العمل من العقود التي تعد فيها المدة، فالعامل في أغلب الأحوال يلتزم بتقديم عمله لمدة من الزمان معينة أو غير معينة، وهذه المدة تعد مقياساً للعمل في العقد. كما أن صاحب العمل يلتزم بتقديم الأجر للعامل على أساس مدة عمله. كما أن من خصائص عقد العمل أنه من العقود التي تقوم على الاعتبار الشخصي، فشخصية العامل تراعى عند إبرام العقد فتؤخذ مهارته وسلوكه في الحسبان. ثم إن إبرام العقد بين العامل وصاحب العمل يعتمد على تطابق الإرادتين : إرادة العامل وصاحب العمل بحيث يعد عقد العمل من العقود الرضائية، التي لا بد فيها من الاتفاق المشترك بين طرفيه. وأخيراً فإن عقد العمل يعد من العقود الواردة على العمل حيث الأداء الرئيس المقصود من عقد العمل هو قيام العامل بالعمل ، وهو ما يتميز بأنه عمل تابع أو خاضع يتم تحت إدارة صاحب العمل وإشرافه. ([29])

 

تكوين عقد العمل وانعقاده:

عقد العمل كأي عقد من العقود، التي تنشأ بالإرادة الحرة لطرفي التعاقد. ولذلك فلا بد من القول: إنه من المبادئ المستقرة التي يقوم عليها التنظيم القانوني للعمل مبدأ حرية العمل ، ولقد أعطى الإسلام للمسلم الحرية الكاملة في اختيار العمل الذي يناسبه ويتفق مع رغباته وقدراته، ولا يقر الإسلام أي إكراه أو إجبار على القيام بعمل معين ، لذا فإن الإنسان في الإسلام مكفول له الحق في أن يتعاقد مع أي إنسان آخر أو أي شركة كانت في أي مكان يختاره للعمل.

هذه الحرية التي كفلتها سائر التشريعات والأنظمة، كان لا بد من حمايتها من أن تستغل من قبل التكتلات والأطراف الأقوى في سوق العمل ؛ لذا نص العديد من الأنظمة على بعض القيود على هذه الحرية، التي يقصد من ورائها المحافظة على التوازن العادل بين مصالح الفئات المختلفة في هذه العملية، كالتشريعات التي يقصد من ورائها حماية حقوق العمال، والتزام أصحاب العمل بها، وبعض هذه القيود تستند إلى أمور إنسانية، ومن ذلك ما ورد في نظام العمل السعودي في مادته (160) من عدم جواز تشغيل المراهقين والأحداث والنساء في الأعمال الخطيرة أو الصناعات الضارة بالصحة، ومن ذلك أيضاً النص على وجوب تشغيل العاجزين كما ورد في المادة (54) من النظام كما أن منها ما يستند أيضاً إلى اعتبارات دينية وأخلاقية، كما نصت الفقرة الثالثة من المادة المشار إليها بأنه لا يجوز بأي حال من الأحوال اختلاط النساء بالرجال في أمكنة العمل وما يتبعها من مرافق. ([30])

إن من تلك القيود ما يستند إلى اعتبـــارات المصالح الوطنيـة للبلاد ، ومن ذلك الأحكام والقيــود الخاصة بأحكام تشغيل الأجانب التي نص عليها نظام العمل السعـودي في مواده (48،49،50) التي وضعت قاعدة أساسية هي أن العمل حق للمواطن السعودي، لايجوز لغيره ممارسته إلا إذا توافرت الشروط المنصوص عليها في مواد النظام.

ولم يرد في نظام العمل قواعد تتعلق بانعقاد عقد العمل ، ومن ثم فهو يخضع في انعقاده للقواعد العامة لأحكام العقود في الفقه الإسلامي ، ولا سيما عقد إجارة الأشخاص، التي تقوم أساساً على أركان ستة، هي: العاقدون ، والآجر ، ومستأجره، والمعقود عليه من المنفعة المتعاقد عليها ، وأجرتها ، وصيغة العقد المتمثلة في الإيجاب والقبول. وفي القانون فإن الراجح لدى فقهائه هو أن لعقد العمل ركناً واحداً  وهو التراضي ، وذلك يتفق مع ما ذهب إليه فقهاء الحنفية من اعتمادهم الصيغة الركن الوحيد للعقد. ([31])

أما طرفا التعاقد في عقد العمل فهما العامل وصاحب العمل ، وقد حددت المادة السابعة في فقرتها السابعة من نظام العمل السعودي الطرف الأول عندما نصت على أن العامـــل: هو كل شخص يعمل لمصلحة صاحب العمل، وتحت إدارته وإشرافـــه، ولو كان بعيداً عن نظارته، مقابل أجر، ولا يهم نوع العمل الذي يمارسه العامل فقد يكون يدوياً أو فكرياً ، كما لا يهم نوع النشاط الاقتصادي ، فقد يكون المشروع صناعياً أو تجارياً أو زراعيــــاً. ([32])

أما الطرف الثاني في التعاقد: فهو صاحب العمل، وطبقاً لنص الفقرة الثامنة من المادة السابعة من نظام العمل السعودي فهو أي شخص طبعي أو معنوي يستخدم عاملاً أو أكثر مقابل أجر. ([33])

ولكي ينعقد العقد انعقاداً صحيحاً يترتب عليه آثاره النظامية لا بد من أن يتحقق في ذلك العقد ، التراضي بين طرفيه على عقد العمل تراضياً صحيحاً خالياً من عيوب الإرادة، تتوافر لأطرافه الأهلية اللازمة لإبرامه، ومضمون هذا التراضي هو تطابق إرادة الطرفين على عناصر العقد الجوهرية، وهي العمل والأجر والمدة ، وتنص المادة التاسعة من نظام العمل السعودي على أنه يجب على صاحب العمل والعامل معرفة أحكام نظام العمل بجميع محتوياته ؛ ليكون كل منهما على بينة من أمره وعالماً بما له وما عليه. ويجب فوق ذلك أن توضع في مكان ظاهر بكل مؤسسة تستخدم عشرين عاملاً فأكثر ، لائحة معتمدة من قبل وزارة العمل لتنظيم العمل في المؤسسة ، ومن بين الأمور التي تنظمها تلك اللائحة تلك العناصر الثلاثة([34]) .

آثار عقد العمل: عقد العمل كأي عقد من العقود يرتب آثاراً على العقد، ويلزم بها كل طرف من أطرافه تتمثل في الحقوق والواجبات الناشئة عن العقد لكل منهما.

 

حقوق صاحب العمل وواجباته :

إن عقد العمل يعطي لصاحب العمل حقوقاً، ويرتب عليه التزامات، تعد واجبات يجب عليه الوفاء بها . ولو أردنا أن نتعرف على حقوق صاحب العمل لأمكننا أن نوجزها فيما يأتي:

أ –  حقه في تنظيم العمل:

ومعنى ذلك أنه يحق لكل صاحب عمل أن ينظم العمل في مؤسسته بحسب ما يرتئيه من مصلحة ، وبالطريقة التي يراها مناسبة لحسن سير العمل ، ورفع كفاءة الإنتاج، وتحقق الأرباح المرجوة. وعليه فإنه يستطيع تنظيم ساعات العمل بتحديد وقت ابتدائه وانتهائه، وهو مقيد  في ذلك بما تقتضيه المادة ( 147 )([35]) من النظام ، وتحديدها للحد الأقصى لعدد ساعات العمل. كما أن حقه في التنظيم يعطيه الحق في توزيع العمل على عماله ، وتحديد اختصاص كل منهم ، والنقل من عمل لآخر، والحكم في كل أمورهم الإدارية وزيادة مرتباتهم. إلا أن هذا الحق لا يعطي صاحب العمل تكليف العامل بخلاف ما تم التعاقد عليه اختلافاً جوهرياً إلا بموافقته ، إلا في الحالات الاستثنائية الطارئة التي نص عليهــا النظام في المادة (79). ([36]) ويجوز لصاحب العمل من خلال حقه في تنظيم العمل وبعد موافقة مكتب العمل تبديل يوم الإجازة الأسبوعية بيوم آخر، وله الحق كذلك أن يحدد موعد الإجازة السنوية المادة (153). كما يدخل في نطاق حق صاحب العمل في تنظيم ساعات العمل حقه في تكليف عماله بساعات عمل إضافية لقاء أجر وفق ضوابط معينة نصت عليها المادة (150) من النظام.

ب ــ حق تأديب العمال: 

لكون سلطة صاحب العمل إشرافية على العمل وعلى القائمين به فإنه يعد من لوازم هذا الحق تأديب العاملين المخالفين للأوامر الصادرة بخصوص العمل ، وإخلالهم بواجباتهم والالتزامات الناشئة عن عقد العمل ، لكن هذا الحق ليس مطلقاً، بل هو مقيد بمقتضى ما نصت عليه المادة ( 125 ) من نظام العمل ، من أنه لا يجوز لصاحب العمل أن يوقع جزاء على العامل عند مخالفة غير واردة في لائحة الجزاءات. ومعنى ذلك أن حق صاحب العمل مقيد بما تفرضه لائحة الجزاءات الصادرة عن وزارة العمل والعمال ، ووفق إجراءات قضائية محددة تكفل حق العامل في سماع أقواله وبيان دفاعه عن موقفه.

ج ــ حق فسخ العقد :

الأصل أن العقد إذا كان محدد المدة فهو ملزم لطرفيه لا يملك أي منهما الانفراد بفسخه، ولكن هذا الحكم ليس على إطلاقه، فقد يتعرض أحد طرفيه لضرر شديد نتيجة الالتزام بذلك العقد ، وقد اعترف نظام العمل السعودي بحق كل طرف من أطراف العقد في فسخه بالإرادة المنفردة ، حتى ولو كان محدد المدة متى ما توافرت شروط معينة ، فبينت المادة (83) من ذلك النظام الحالات التي يجوز فيها لصاحب العمل فسخ العقد دون سبق إعلام العامل، ودون مكافأة أو تعويض، وذلك في حالة اعتداء العامل على صاحب العمل، أو في حالة عدم قيام العامل بتأدية التزاماته الجوهرية المترتبة على عقد العمل كعدم انتظامه في أداء العمل والتأخر المستمر والسرقة وغير ذلك.

هذا بالنسبة للعقود المحددة المدة ، أما العقود غير المحددة ، فالأصل فيها أن لصاحب العمل الفسخ في الوقت الذي يشاء، دون حاجة إلى بيان سبب للفسخ مع شرط إعلام العامل بذلك مسبقاً ، ولكن نظام العمل لم يشأ أن يترك هذا الحق مطلقاً من أي قيد ، وإنما استناداً إلى القواعد العامة في الشريعة الإسلامية ، التي تقضي بألا يكون استعمال الحقوق مطلقاً، بل هو مقيد بعدم إساءة استعماله. فقد نص النظام في مادته (73) على أنه إذا كان عقد العمل غير محدد المدة جاز لكل من الطرفين فسخه بناء على سبب مشروع. وهذا يعني أن حق صاحب العمل في فسخ العقد مقيد بوجود سبب مشروع لذلك ، فإذا لم يوجــد ذلك السبب أصبح من حق العامل الذي تضرر بالفسخ المطالبة بالتعويض ، المادة (74) ، أو وقف تنفيذ قرار الفصل وإعادته إلى عمله السابق المادة ( 75 ).

أما الواجبات التي يرتبها نظام العمل على صاحب العمل، فهي التزامه بأداء حقوق العامل ، ومن أهمها  الالتزام بدفع الأجر والتزام صاحب العمل بدفع الأجرة للعامل هو أحد الالتزامات الأساسية التي يفرضها عقد العمل مقابل عمله ، ولا يجوز لصاحب العمل التنصل من التزامه بدفع الأجرة ، وليس له الحق في تخفيضها لأي سبب من الأسباب ، ويجب أن تدفع الأجرة في الزمان والمكان اللذين يحددهما العقد .

 

تمكين العامل من أداء العمل الذي تم التعاقد عليه :

وذلك بتزويده من قبل صاحبه بالعمل المتفق عليه لأدائه . وتتجلى أهمية هذا الأمر عندما يكون عقد العمل مبرماً على أساس العمل بالقطعة أو بالساعة أو بمقدار الإنتاج، فإن عدم تمكينه من العمل يعني عدم قدرته على اكتساب الأجر أو تخفيض دخله بشكل يضر به ضرراً بالغاً.

 

الالتزام بمنح الإجازات :

لما كان النظام قد قضى بتمتع العمال بأوقات للراحة في إجازات أسبوعية وسنوية، كما تقضي بذلك الفقرة (ج) من المادة (91) ؛ لذا كان من واجبات صاحب العمل أن يمنح تلك الإجازات على أنها حق من حقوق العمال دون أن تتأثر أجورهم بذلك .

 

ومن ذلك أيضاً الالتزام بتوفير وسائل الوقاية :

ألزم النظام صاحب العمل باتخاذ الاحتياطات اللازمة لحماية العمال على نفقته، المادة (128)، ولا سيما الوقايــــة من الأغبرة والغازات والأدخنة والنفايات ، وإعداد دورات المياه ، وتأمين المياه الصالحة للشــــرب، المادة (129). وجعل  النظام من حق وزير العمل إصدار القرارات التي تحدد الأعمال الخطرة ، ووسائل الوقاية منها ، المادة (130).

 

وكذلك الالتزام بتوفير الرعاية الصحية :

كما يقضي بذلك النظام من أن على صاحب العمل أن يوفر وسائل الإسعاف الطبي ، ومن ذلك تأمين ممرض مقيم في مقر العمل مزود بوسائل الإسعاف ، وطبيب في عيـادة العمال للمعالجة وتقديم الخدمات الطبية المناسبة ، وإذا زاد عدد العمال على مائة عامل ، وجب على صاحب العمل بالإضافة إلى ذلك أن يوفر لعماله جميع وسائل العلاج المتكاملة، بما في ذلك الاستعانة بالأخصائيين، وإجراء العمليات ، والإقامة في المستشفيات ، وتحمل نفقات ذلك كله .

 

توفير الخدمات الاجتماعية :

إن من أهم الواجبات التي رتبها النظام على صاحب العمل تجاه عماله توفير الخدمات الاجتماعية ، ومن ذلك إعداد نظام للتوفير والادخار ، وتهيئة وسائل الراحة والترفيه لهم، بحسب ما تقضي به قرارات وزير العمل لكل من يستخدم خمسمائة عامل فأكثر، فإنه يجب عليه توفير الحوانيت لبيع الطعام والملابس والحاجات الضرورية بأسعار معتدلة ، وإنشاء ملاعـب رياضية وأماكن ترفيهية ملحقة بأماكن العمل، وتوفير مدارس لتعليم أولاد العمال وإنشاء المساجد ، وقد نصت المادة (143) من نظام العمل على أن على صاحب العمل إنشاء مساكن لعماله إذا كان موقع عملهم بعيداً عن العمران ، وأن يوفر لهم ثلاث وجبات غذائية في اليوم إضافة إلى الخدمــات الأخرى. وبالنسبة لأطفال النساء العاملات الذين تقل أعمارهم عن ست سنوات فقد نصت المادة (144) على أنه يجب على صاحب العمل أن يوفر ممرضة مؤهلة لرعاية أولئك الأطفال أثناء انشغال أمهاتهم بالعمل.

هذا فيما يتعلق بحقوق صاحب العمل وواجباته ، أما العامل فإننا نستطيع أن نستخلص موقفه وواجباته إذا أعدنا النظر فيما سبق أن أشرنا إليه ، فكل واجب يقع على صاحب العمل هو حق للعامل ، وكل حق لصاحب العمل هو في الوقت نفسه واجب من واجبات العامل، فالعامل من حقه أن يتقاضى الأجر ، وأن يتمتع بإجازته ، وكذلك حقه في الرعاية الطبية ، وحقه في الانتقال والسكن والغذاء ، وتوفير الرعاية الاجتماعية له، وقد سبق أن بينا أن هذه واجبات صاحب العمل، وكذلك حقوق صاحب العمل هي واجبات العامل ، ومن ذلك أداء العمل وتنفيذ أوامر صاحب العمل، وعدم إفشاء أسرار العمل، يضاف إلى ذلك العناية بآلات العمل وأدواته، واستعمال وسائل الوقاية .

 

انقضاء عقد العمل :

عقد العمل من العقود المستمرة ، التي يستغرق تنفيذها مــدة مـن الزمــن ، وتنشأ عنه بمجرد تكوينه علاقة تعاقدية مستمرة، تربط الطرفين، وتفرض عليهما التزامات طول مدة بقائه قائماً ، حتى تنتهي تلك العلاقة بأحد الأسباب المقررة نظاماً. ([37])

ويمكن تقسيم الأسباب المؤدية إلى انقضاء عقد العمل وانتهائه إلى نوعين ، هما أسباب عادية وأسباب غير عادية . والأسباب العادية هي التقايل، وإنهاء العقد بالتراضي، وانقضاء الأجل في عقود العمل المحددة المدة ، والفسخ بالإرادة المنفردة في عقود العمل غير المحددة المدة . أما الأسباب غير العادية فهي أسباب متنوعة تؤدي إلى انتهاء عقود العمل قبل أوانها، سواءً لاستحالة تنفيذها، أم في حالات استثنائية مقررة بحكم نظام العمل.

فلو أخذنا الأسباب العادية المؤدية لانقضاء عقد العمل لوجدنا أن منها التقايل، وذلك بأن ينتهي عقد العمل باتفاق الطرفين على إلغائه عن طريق الإقالة؛ لأن عقد العمل من العقود الرضائية، التي تتم باتفاق طرفيها على عقدها ، ولذلك فإذا اتفق الطرفان على انتهائها بالتقايل، فإنها تنقضي بمجرد حدوث ذلك مع أخذ شروط التصرفات الشرعية في الإثبات وصحة الصدور في الاعتبار.

كمـــا أن من تلك الأسباب العاديـــة إنهاء عقد العمل المحدد المدة ، فقد نصت المادة (72) على أنه ينتهي عقد العمل المحدد المدة بانقضاء مدته . فإذا استمر الطرفان بعد ذلك في تنفيذه عُدَّ العقد مجدداً لمدة غير محدودة . وهذا يشمل عقود العمل التي تنتهي بتاريخ معين أو انتهاء مدة معينة، أو انتهاء مشروع معين . وينتهي عقد العمل المحدد المدة من تلقاء نفسه عند حلول أجله أو انقضاء مدته أو إنجاز العمل المعقود عليه ، دون حاجة إلى توجيه إخطار بانتهائه للطرف الآخر. وقد ينقضي العقد غير المحدد المدة إذا ما اختار أي من طرفيه فسخه، ويعطيهم النظام هذا الحق مع بعض الضوابط ، وقد نصت على ذلك المادة (73) بالقول : ( إذا كان عقد العمل غير محدد المدة جاز لكل من الطرفين فسخه بناءً على سبب مشروع، بعد إخطار الطرف الآخر كتابة قبل الفسخ بثلاثين يوماً بالنسبة للعمال المعينين بأجر شهري، وخمسة عشر يوماً بالنسبة للعمال الآخرين). ([38]) أما الأسباب غير العادية لإنهاء عقد العمل وانقضائه فإنه يمكن إيجازها في أمرين مهمين، أحدهما: استحالة التنفيذ، والثاني: فسخ العقد من قبل صاحب العمل بسبب إخلال العامل بالعقد . ولو أخذنا الأمر الأول لوجدنا أن القاعدة تقضي بأنه إذا استحال تنفيذ العقد نتيجة قوة قاهرة فإن هذه الاستحالة تـؤدي إلى انفساخ هذا العقــد بقوة النظام ، وينقضي العقد من تلقاء نفسه بتحقق الاستحالة. وقد نص نظام العمل السعودي على الحالات التي يستحيل معها تنفيذ العقد، ومن ثم ينـقضــي العقد بـذلــك ، وهذه الحالات التي ورد النص بها هي : الوفاة ؛ لأن عقد العمل يقوم على الأداء الشخصي، بالنسبة للعامل المتعاقد معه، فإذا توفي استحال قيامه بالعمل فإن العقد ينقضي، ولكنه لا ينقضي بوفاة صاحب العمل إلا إذا كانت شخصيته قد روعيت عند إبرام العقد، وهذا ما تقضي به المادة (82/1) من نظام العمل ، ويعد العجز الكلي  للعامل عن أداء العمل وفقاً لنص المادة نفسها من أسباب استحالة تنفيذ العقد ومن ثم انقضاؤه ، ويقصد بالعجر الكلي عن العمل عجز العامل بصفة مستديمة عن أداء العمل المتفق عليه . ويدخل في ذلك المرض الطويل الذي يؤدي إلى الانقطاع عن العمل لمدة لا تقل عن تسعين يوماً. وتنص المادة (87) على استحقاق العامل مكافأة نهاية الخدمة في حالة التكليف بالخدمة العسكرية، أو إذا استقالت العاملة بسبب الزواج أو الإنجاب ، أو إذا ترك العامل العمل نتيجة لأسباب قاهرة خارجة عن إرادته . وهذا يعني أن العقد ينقضي في هذه الأحوال.

أما الأمر الثاني من الأسباب غير العادية لانقضاء العقد ، وهو فسخ العقد من قبل صاحب العمل ، وذلك في أحوال معينة منها التصفية والإفلاس والإغلاق النهائي ، ولما كانت المادة (89) تنص على أنه (يجب الوفاء بجميع الالتزامات بالرغم من حـــل المؤسسة أو تصفيتهـــا أو إغلاقها أو إفلاسها أو إدماجها في غيرها أو تجزئتها أو انتقالها بالإرث أو التوصية أو الهبة أو البيــــع أو التنازل للغير أو غير ذلك من التصرفات ، ويعتبر العقد ساري المفعول في جميع الحالات السابقة ما عدا التصفية والإفلاس والإغلاق النهائي المرخص بـــه). ([39]) ومعنى ذلك أن العقد ينقضي في الأحوال الثلاث المشار إليها في المادة، وهي أمور لا دخل للعامل فيها، وإنما تتم بناءً على تصرفات تمت من قبل صاحب العمل.

 

المبحث الرابع : مهمة وزارة العمل : التوظيف والإشراف :

يتضح من أحكام هذا النظام أن وزارة العمل تؤدي عملاً رئيساً في تنفيذه، وقد نصت المادة (209) على ذلك بالقول :( يصدر وزير العمل القرارات واللوائح اللازمة لتنفيذ أحكام هذا النظام ). وبما أنه يوجد العديد من الأمور التي تتطلب إصدار اللوائح لوضع أحكام النظام موضع التنفيذ ، ومن ذلك قواعد التدريب المهني ، وطرق الاستخدام والتوظيف ، وتشغيل النساء والأحداث، وغير ذلك من الأمور المتعلقة بتنظيم أمور العمل ، وتوفير الإشراف الحكومي ، ولا سيما في مجالي التفتيش والتوظيف، ولذلك سنلقي بعض الضوء على مهمة وزارة العمل في هذين المجالين.

 

مهمة وزارة العمل في التوظيف :

لقد أوضح النظام هذه المهمة من خلال النص في المادة (39)، على إنشاء مكاتب للتوظيف من قبل وزارة العمل في الأماكن المناسبة، لأصحاب العمل والعمال ، وذلك بقصد مكافحة البطالة بتوفير فرص العمل للراغبين فيه، وتوفير العمالة اللازمة لأصحاب الأعمال . وهذه المكاتب تقوم تحت إشراف وزارة العمل بتقديم خدماتها دون مقابل من أجل مساعدة العمال في إيجاد الأعمال المناسبة، وأصحاب العمل في إيجاد العمال المناسـبيـن.

كما تقوم هذه المكاتب بجمع المعلومات الضرورية عن سوق العمل وتطوره وتحليلها، لكي تكون في متناول الهيئات العامة والخاصة المعنية بشؤون التخطيط الاقتصادي والاجتماعي. ([40])

ولتأكيد هذه المهمة لمكاتب العمل ووزارة العمل فقد حظرت المادة (40) أي مشاركة أخرى في تأمين القوى العاملة إلا عن طريق هذه المكاتب ، فلا يسمح لأي شخص أن يعمل وكيل استخدام أو مقاول لتوريد العمال إلا بعد حصوله على رخصة سنوية قابلة للتجديد تعطى له من قبل وزارة العمل على أن يكون خاضعاً لإشرافها ، ولا تمنح هذه الرخصــــة في الأماكن التي يوجد فيهـــا مكاتب للعمل . وقد ألزمــت المادة (42) صاحب العمل بإبلاغ مكتب العمل المختص عن الوظائف المتوافرة ، مبيناً أنواعها ومقادير أجورها وشروط الالتحاق بها . وتلزمه المادة (43) بتقديم بيانات سنوية إلى مكتب العمل المختص، يتضمن عدد عماله وأسماءهم ووظائفهم والوظائف الشاغرة أو المستحدثة. كما نصت المادة (46) من النظام على أن لوزير العمل عند الاقتضاء أن يلزم أصحاب العمل في بعض الصناعات والمهن وفي بعض المناطق بعدم جواز تشغيل العمال إلا عن طريق مكاتب التوظيف بقصد حماية العمال ، وتوفـير الشروط المناسبة لهم. كل ذلك يؤكد العمل المهم الذي تضطلع به وزارة العمل ومكاتبها في توفير الإشراف الحكومي في مجال التوظيف .

 

مهمة وزارة العمل في التفتيش :

لضمان حسن تطبيق نظام العمل وما ورد فيه من أحكام لا بد من وجود جهاز مختص يقوم بتفتيش محل العمل ، ومراقبة تنفيذ أحكام نظام العمل . وقد بين النظام هذا الجهاز في مادته (23) عندما نص على أن يتولى تفتيش العمل مفتشون مختصون يصدر بتسميتهم قرار من وزير العمل ، ويكون لهم الصلاحيات والاختصاصات المنصوص عليها في هذا النظام([41]) . ويشترط في هؤلاء المفتشين اتصافهم بالحياد ، وألا تكون لهم أي مصلحة في المؤسسات التي يقومون بتفتيشها . وبعد تدريب هؤلاء المفتشين وقبل تسلمهم أعمالهم يؤدون أمام وزير العمل قسماً على أن يؤدوا أعمالهم بأمانة وإخلاص، وألا يفشوا أسرار العمل التي يطلعون عليها ، المادة (25).

أما الاختصاص الذي يمارسه هؤلاء المفتشون فقد حددته المادة (24) ، وذلك في مراقبة تنفيذ أحكام النظام، ولا سيما ما يتعلق بشروط العمل والأجور ، وتوفير الحماية للعمال أثنــــاء قيامهم بالعمل ، وما يمكن أن يؤثر على صحتهم . وتزويد أصحاب الأعمال بالمعلومات والإرشادات الفنية التي تمكنهم من الوصول إلى الأسلوب الأمثل في تنفيذ أحكام النظام، وإبلاغ السلطات المختصة عن أي نقص يوجد ، وكذلك ضبط المخالفات لأحكام النظام.

وبينت المادة (27) الأمور التي يحق لأولئك  المفتشين الأخذ بها في سبيل تنفيذ مهماتهم ، فلهم دخول أي مؤسسة خاضعة لأحكام النظام في أي وقت ، والقيام بأي فحص أو تحقيق ، ولهم بشكل خاص سؤال العمال وصاحب العمل على انفراد عن تطبيق أحكام النظام، والاطلاع على الدفاتر والسجلات ، وأخذ عينة أو عينات من المواد المستعملة أو المتداولة مما يظن أنه قد تكون له آثار ضارة على صحة العمال ، وكذلك التأكد من تعليق الإعلانات والنشرات التي يوجب النظام إعلانها .

ومما يؤكد مهمـــة وزارة العمل في التفتيش ما ورد في المادة (28) من أن وزارة العمل تعد اللوائح التنفيذية المناسبة لضبط أعمال التفتيش المنصوص عليها في النظام وتنظيمهــــا. ([42])

 

الفصل الخامس: تسوية الخلافات العمالية :

لما كان من المتوقع أن تنشأ بين أطراف عقد العمل بعض الخلافات والمنازعات بشأن بنوده، فإن النظام لم يغفل عن هذه الجزئية، بل أفرد لها فصلاً خاصاً بها، هو الفصل الحادي عشر تحت عنوان ( لجان العمل وتسوية الخلافات ) ([43]). وقد تضمن من خلال هذا الفصل بيان طريقة معالجة الخلافات العمالية قضائياً ، وسوف نتعرض من خلال هذا الفصل للمبادئ العامة التي تحكم تسوية الخلافات العمالية في تنظيم القضاء العمالي ، وذلك بالتعرض لطريقة تسوية الخلافات سواءً كان ذلك ودياً أم قضائياً، مبينيـن دور اللجان العمالية وتشكيلها، وقواعد المرافعات، وإجراءات المحاكمة أمامها والقرارات الصادرة منها ، وذلك من خلال المباحث الآتية:

 

المبحث الأول : دور مكاتب العمل في التسوية :

تنص المادة (39) من نظام العمل على إنشاء مكاتب للتوظيف في الأماكن المناسبة لأصحاب العمل والعمال من قبل وزارة العمل ، وتكون تحت إشرافها ، وتقدم هذه المكاتب خدمات متعددة من أجل مساعدة العمال في إيجاد الأعمال المناسبة ، وأصحاب الأعمال في إيجاد العمال المناسبين ، وغير ذلك من الأعمال الأخرى التي لها علاقة بمكافحة البطالة ، وتوفير فرص العمل للمحتاجين إليه. ([44]) ولكن بالإضافة إلى هذه المسؤوليات فإن النظام قد أوكل إليها مهمات أخرى في مجال تسوية الخلافات العمالية . حيث تنص المادة (75) أن للعامل الذي يفصل من العمل بغير سبب مشروع ، أن يطلب وقف تنفيذ هذا الفصل ، ويقدم هذا الطلب إلى مدير مكتب العمل الذي يقع في منطقة محل عمله خلال مدة لا تتجاوز خمسة عشر يوماً من تاريخ تسليم صاحب العمل للعامل قرار فصله أو إخطاره بذلك بخطاب مسجل ، أو بأي وسيلة تثبت الاستلام . وإذا تم ذلك فإن هذه المادة توجب على مدير مكتب العمل المختص أن يقوم بدور مهم في حال الخلاف ، فعليه اتخاذ الإجراءات اللازمة لتسوية الخلاف بين الطرفين ودياً ، عن طريق التوسط بينهما ومحاولة تقريب وجهات النظر ، لعل الأمر يمكن أن يحــل دون حاجــة إلى اللجوء إلى القضاء. فإذا لم يتمكن المكتب من حل الخلاف ودياً ، تعين عليه أن يحيل الطلب خلال مدة لا تتجاوز أسبوعاً من تاريخ تقديمه إلى اللجنة المختصة التي تقع في منطقة محل العمل للنظر فيه قضائياً. وعلى المكتب أن يشفع الطلب بمعلومات وافية عن النزاع بين الطرفين ، وملخصٍ بحجج الطرفين ، وما يراه المكتب من التوصيات لإنهاء النزاع. ([45])

 

المبحث الثاني : المبادئ الأساسية لقضاء العمل :

قضاء العمل على الرغم من اختصاصه بنوع معين ومحدد من النزاعات إلا أنه لا يخرج عن الهدف الأساس لأي سلطـــة قضائيــة، وهو فصل المنازعات، ومنع التظالم بين الناس، لإحقاق الحق، وإلحاقه بصاحبه، وإبطال الظلم ومنع الظالم منه . ومع ذلك فإنه يمكننا القـــول إن له سمات خاصة، وهي ما تعد مبادئه العامة والأساسية ، ويمكن تلخيصها فيمـــا يأتي:

1 – قضاء العمل السعودي جهة قضاء استثنائية مستقلة :

الأصل في القضاء عموماً أنه من اختصاص المحاكم العامة في المملكة ، ولكن نظام القضاء الصادر بالمرسوم الملكي رقم م/64 وتاريخ 14/7/1395هـ قد نص في مادته السادسة والعشرين على (أن تختص المحاكم بالفصل في كافة المنازعات والجرائم إلا ما يستثنى بنظام ). ولذلك لما قضى نظام العمل في فصله الحادي عشر على أن جهة محددة تتولى الفصل في المنازعات العمالية، كان ذلك استثناءً لها من القضاء العام ، ولا تعد للمحاكم ولاية على تلك المنازعات ولا اختصاص. وقضاء العمال قضاء مستقل، فلجانه تنشأ بقرار من رئيس مجلس الوزراء الذي يملك حق تعيين أعضائها، مما يوفر لهم الحصانة القضائية لممارسة أعمالهم في جو من الثقة والاطمئنان. ([46])

2 – التقاضي على درجتين :

يتم الترافع في النزاعـــات العمالية والفصـــل فيها على درجتــــين، حيث نصـــت المادة (173) على أن لجان العمل وتسوية الخلافات على درجتين ، إحداهما: اللجان الابتدائية، والأخرى: اللجان العليا لتسوية الخلافات . وهذا يعني أن ترفع الدعوى أولاً إلى اللجنة الابتدائية التي تفصل فيها بحكم ابتدائي قابل للاستئناف أمام اللجنة العليا، بعد أن يطعن في الحكم الابتدائي، وعلى اللجنة العليا أن تفصل في الدعوى بحكم نهائي قطعي ينهي المنازعة، مادة (186). ([47])، هذا في القضايا ذات الأهمية الكبرى ، أما تلك القضايا الصغيرة فقد أوضح النظــــام أن اللجـــان الابتدائية تفصل فيهــــا نهائياً ، وقد حددت المادة (174) تلك القضايا بأنها الخلافات العمالية التي لا تتجاوز قيمتها ثلاثة آلاف ريال ، والخلافات المتعلقة بوقف قرارات فصل العمال ، كما تختص بالحكم النهائي في الخلافات المتعلقة بتوقيع الغرامات أو الإعفاء منها ، أما ما تجاوزت قيمته ثلاثة الآلاف ، أو خلافات التعويض عن إصابات العمل ، وخلافات الفصل عن العمل فتصدر اللجان الابتدائية حكماً بدائياً فيها، ويكون الفصل النهائي من اختصاص اللجان العليا.

3 – الاستعجال في النظر والفصل في الدعاوى :

لقد أوجب النظام على اللجان المختصة بتسوية خلافات العمال أن تنظر في الدعاوى المعروضة أمامها على وجه الاستعجال ، والحكمة من ذلك أن اتباع مواعيد المرافعات العادية قد يؤدي إلى تعطيل حصول العامل على حقوقه النظامية مما يعرضه هو ومن يعولهم للفقر والحرمان([48]). كما أن تطبيق تلك القواعد قد يؤدي إلى تعكــيـر العلاقات بين أصحاب العمل والعمال([49]). ولذلك كله فقد نصت المادة (14) من النظام على أن تنظر الدعاوي المترتبة على أحكام النظام على وجه الاستعجال. ([50])

4 – توافر الصفة والأهلية :

تنص المادة الثانية من لائحة المرافعات أمام اللجان العمالية([51]) على أنه لا يقبل أي طلب دفع لا يكون لصاحبه فيه مصلحة، بمعنى ألا تتوافر فيه الصفة لرفع الدعوى . كما نصت المادة السابعة من اللائحة نفسها على أنه يجب على اللجنة في جميع الأحوال التثبت من توافر الأهلية، وصحة التمثيل بتوافر الإذن أو التوكيل من قبل صاحب الحق فإذا كان وارثاً فلا بد من إثبات الوراثة . والحكمة من هذه النصوص الآمرة هي الحرص على توافر صحة الخصومة أمام اللجان لتعلقها بالنظام العام ؛ ولأن عدم مراعاة هذه الشروط قد يؤدي إلى بطلان الإجراءات، وضياع وقت اللجان هباءً دون جدوى . ([52])

5 – اللغة والمواعيد :

بمقتضى نظام العمل ومادته رقم (16) التي تنص على أن اللغة العربية هي الواجبة الاستعمال لجميع القرارات والسجلات الصادرة تطبيقاً لأحكامه، وعلى ذلك فإن النص المعتمـــد في حالة استعمال أكثر من لغـــة هو النص العربي، كما تشير لذلك المادة (11) من لائحة المرافعات، ومما يؤكد ذلك أن نظام القضاء السعودي قد نص في مادته (36) على أن اللغة العربية هي اللغة الرسمية للمحاكم([53]). كما تنص المادة (9) من لائحة المرافعـــات على أن تحسب جميع المدد والمواعيد المنصوص عليها بالتقويم الهجري ما لم يتفق على خـــلاف ذلك ، والشهر مدته ثلاثون يوماً إلا إذا اتفق على غـــير ذلك . ([54])

6 – وجوب الفصل في الدعوى :

يوجب نظام العمل على اللجان العمالية التي تتصدى لنظر قضايا الخلافات العمالية أن تفصل في الدعاوى المرفوعة أمامها ، ولا يجوز لأي لجنة من اللجان أن تمتنع عن إصدار حكم في الدعوى بحجة عدم وجود نص في النظام يمكن تطبيقه على تلك الدعوى. فإذا لم تجد نصاً نظامياً فعليها أن تستعين بالمبادئ العامة للشريعة الإسلامية والقواعد المحلية، وما استقرت عليه السوابق القضائية ، ومبادئ الحق والعرف والعدالة. وهذا ما نصت عليه المادة (185). ([55])

 

المبحث الثالث : قواعد المرافعات وإجراءات المحاكمة :

تنص المادة (177) من نظام العمل على أن يصدر مجلس الوزراء لائحة بالمرافعات وإجراءات التوفيق والمصالحة أمام اللجان الابتدائية واللجنة العليا . وإعمالاً لهذا النص فقد أصدر المجلس قراره رقم (1) وتاريخ 3/1/1390هـ . وقد اشتملت اللائحة المذكورة على سبعة أبواب تناولت الأحكام العامة للائحة وإجراءات التبليغ والمحاكمة، واختصاصات اللجان الابتدائية، والعليا وشروط الاستئناف وأحكام المصالحة والتحكيم. وسوف نتعرض في هذا المبحث لأهم أحكام إجراءات المرافعات والمحاكمة من خلال ما يأتي : ترفع الدعوى إلى اللجنة باستدعاء يتضمن المعلومات الأساسية من حيث تحديد المدعى والمدعى عليه، وبيان موضوع الدعوى ، وبيان الأدلة التي تسند موضوع الدعوى ومطالب المدعي. وبعد استكمال ذلك يحدد رئيس اللجنة موعداً لسماع الدعوى ،  يدعى لحضوره كلا الطرفين بعد إبلاغهما بموعد الجلسة المحدد لسماع الدعوى والترافع فيها . ويتم الإبلاغ بوساطة موظفي مكتب العمل، أو عن طريق البريد أو عن طريق السلطة التنفيذية . وإذا لم يحضر المدعى عليه الجلسة أجلت إلى جلسة ثانية، وتم إبلاغ الأطراف بميعادها ، مع التأكيد بأنه في حالة عدم الحضور سيكون الحكم وجاهياً بحق المتخلف .

وتتم المرافعة بأن يأذن رئيس اللجنة في الكلام للمدعي أو من ينيبه عنه ، ويطلب الجواب من المدعى عليه ، وفي حالة تخلفه أو سكوته، فإن ذلك يعد أساساً ومسوغاً للحكم بدعوى المدعي.

ضبط الجلسة وإدارتها منوطان بالرئيس الذي يتولى توجيه الأسئلة للخصوم والشهود . وللجنة الحق في إحضار أي شخص له علاقة بالدعوى لاستجوابه ، ولها كذلك التحقيق في الأمر وفق أحكام النظام . وللخصم إدخال آخرين في الدعوى ممن له اختصاص فيها، كما أن للخصوم أن يتفقوا على وقف الدعوى مدة لا تزيد عن ستة أشهر. وينقطع سير الخصومة حكماً بوفاة أحد أطرافها ، أو لأي سبب يحول دون السير فيها، كفقدان الأهلية ، وزوال الصفة فيها، إلا إذا تهيأت القضية للحكم فيها.

وللمدعي أن يقدم طلبات عارضة لتصحيح الطلب الأصلي أو إكماله ، وكذلك ما يتضمن إضافة أو تغييراً في سبب الدعوى أو التنازل عن الحق المطالب به . كما أن للمدعى عليه أن يقدم طلباً عارضاً للمفاهمة القضائية أو طلباً يترتب عليه عدم الحكم للمدعي بطلبه ، ولكل من الطرفين أن يقدم الدفوع التي تؤدي إلى تحاشي الحكم لصالح الطرف الآخر . ([56])

أما المرافعة أمام اللجنة العليا فسنتعرض لها في المبحث التالي .

 

 

 

المبحث الرابع :قرارات اللجان : إصدارها وتصحيحها واستئنافها واكتسابها للحجية:

أولاً: اللجان الابتدائية :

بعد أن تنتهي المرافعة بالشكل الذي أوضحناه في المبحث السابق تتم المداولة وإصدار القرار ، وتكون المداولة سرية وتصدر اللجنة قراراتها بأغلبية أعضائها ، ويجب أن تكون تلك القرارات مسببة وموقعة من جميع الأعضاء ، ويذكر المخالف رأيه وسبب مخالفته. وتتولى اللجنة التي أصدرت القرار تصحيح ما يقع فيه من أخطاء مادية أو كتابية أو حسابية بقرار تصدره من تلقاء نفسها، أو بناءً على طلب أحد الخصوم ، ويجوز للخصوم أن يطلبوا من اللجنة التي أصدرت القرار تفسير ما وقع في منطوقه من غموض.

ويعد هذا التفسير متمماً للقرار . ويحق لكل طرف أن يحصل على صورة مصدقة من القرار الصادر في القضية. ([57])

ثانياً : اللجنة العليا :

بعد صدور القرار من قبل اللجان الابتدائية، فإن قبل به الطرفان كان لزاماً لهما ، ولكن النظام أعطى كلاً من طرفي النزاع مدة معينة عليه أن يقرر خلالها ما إذا كان يرغب في استئناف الحكم لدى اللجنة العليا ، فقد نصت لائحة المرافعات على أنه يجب على الطرف الراغب في الاستئناف أن يقدم طلبه للجنة العليا خلال ثلاثين يوماً من تاريخ تبليغه بقرار اللجنة الابتدائية، وإذا مضت المدة المحددة دون أن يقدم طلبه كان قرارها نهائياً واجب التنفيذ. والاستئناف أمام اللجنة العليا هو الوسيلة الوحيدة التي قررها نظام العمل للطعن في قــــرارات اللجان الابتدائية، ولكن لا بد من الالتزام ببعض الشروط حتى يكون الاستئناف صحيحاً ، ومن هذه الشروط أن يكون القرار المستأنف قد صدر في نزاع سبق عرضه أمام اللجنة الابتدائية، وأن يكون طالب الاستئناف أحد أطراف ذلك النزاع . كما يشترط أن يقدم طلب الاستئناف في استدعاء مقدم إلى اللجنة العليا، ويجب أن يشتمل على بيان أسباب الاستئناف، والتقديم قد يكون مباشرة أو عن طريق اللجنة الابتدائية أو عن طريق مكتب الـعمل ، وحددت هذه الجهات على سبيل الحصر.

أما إجراءات الاستئناف أمام اللجنة العليا فقد أوضحتها لائحة المرافعات ، حيث نصت المادة (63) على أن رئــــيس اللجنة يقــوم بتحديد موعد للنظر في القضية المستأنفة، وذلك خلال خمسة عشر يوماً من تقديم طلب الاستئناف متى ما كان الطلب نظامياً. وإذا تم تحديد الموعد فيدعى له طرفي الخصومة، وإذا تخلف أي منهما عن الجلسة الأولى أجلت القضية إلى جلسة ثانية ، وأبلغ الطرف المتخلف بموعدها ، فإذا تخلف للمرة الثانية فإن على اللجنة أن تفصل في موضوع الاستئناف، إذا طلب الطرف الآخر الحاضر ذلك. وإذا غاب الطرفان عن الجلسة بعد إبلاغهما بها فإنه يصار إلى شطب القضية.

أما الخطوات التي تتخذها اللجنة حيال قبول طلب الاستئناف فهي أن تتأكد أولاً من تكامل الشروط للاستئناف ، وفيما إذا كان الطلب صادراً عمن يحق له التقدم به ، وإلا رد الطلب لعدم توافر ذلك الشرط. أما إذا قبلت اللجنة العليا الطلب فإنه يترتب على ذلك نظر الدعوى، ووقف تنفيذ القرار المستأنف. وبعد ذلك تبحث اللجنة في القرار، وقد تجده من حيث منطوقه موافقاً للنظام فترفض الدعوى، أو تجد أنه مخالف له فتقبل الطعن وتنقض القرار المطعون فيه كلياً أو جزئياً. وعلى اللجنة أن تصدر قرارها في الأمر خلال مدة لا تتجاوز ثلاثين يوماً من تاريخ أول جلسة عقدت له. وقرارات اللجنة تصدر بالأغلبية المطـلقة لآراء أعضائها ، ويجب أن تكون قراراتها مسببة وموقعة من جميع الأعضاء، مع الاحتفاظ للعضو المعارض بحقه في إبداء أسباب مخالفته.

أما عن اكتساب قرارات اللجنة العليا للحجية القطعية التي تجعلها نهائية وواجبة التنفيذ فقد نصـت المادة (176) من نظام العمل أن قراراتها تكون نهائية، وصادرة بالدرجة القطعية. ومعنى ذلك أن تلك القرارات تتمتع بقوة الشيء المحكوم به فلا تخضع لأي طريق من طرق الطعن ، وأنها واجبة التنفيذ فور إبلاغها للأطراف المعنية ، كما نصت على ذلك أيضاً المادة (75) من لائحة المرافعات. ([58])

 

الفصل السادس : التعديلات الصادرة على النظام الحالي :

منذ أن صدر نظام العمل والعمال السعودي الحالي، وأصبح واجب النفاذ ابتداءً من 19/9/1389هـ وهو يطبق بكامل مواده وبنوده، ولم تصدر عليه أي تعديلات سوى ما يتعلق بمادتين من مواده اللتين أدخل عليهما تعديلات ، كما سيتضح لنا من خلال المبحثين الآتيين :

 

المبحث الأول : طريقة احتساب مكافأة نهاية الخدمة ( المادة 78 ) :

لقد نصت هذه المادة على أحقية العامل إذا انتهت مدة عقد العمل المحددة ، أو كان الفسخ صادراً من جانب صاحب العمل في العقود غير المحددة المدة ، على مكافأة عن مدة خدمته تحسب على أساس أجر نصف شهر عن كل سنة من السنوات الخمس الأولى ، وأجر شهر عن كل سنة من السنوات التالية ، ويتخذ الأجر الأخير أساساً لحساب المكافأة، ويستحق العامل مكافأة عن كسور السنة بنسبة ما قضاه منها في العمل.  وقد صدر المرسوم الملكي رقم م/2 وتاريخ 7/2/1403هـ، الذي تم بمقتضاه تعديل طريقة احتساب المكافأة، وذلك عندما نص على ما يلي: (استثناء من حكم المادة السادسة من هذا النظام يجوز الاتفاق على ألا تحسب في الأجر الذي تسوى على أساسه مكافأة نهاية الخدمة كل أو بعض مبالغ العمولات والنسب المئوية عن ثمن المبيعات وما أشبه ذلك من عناصر الأجر الذي يدفع للعامل ، وتكون قابلة بطبيعتها للزيادة والنقص) . وهذا يعني أن تلك العمولات والنسب المئوية لا تدخل ضمن الأجر، ومن ثم لا تحسب لأغراض تحديد مكافأة نهاية الخدمة. ([59])

 

المبحث الثاني : ساعات العمل في رمضان :

المادة (147) كانت هذه المادة تحدد ساعات العمل المعتادة، وهي أنه لا يجوز تشغيل العامل أكثر من ثمان ساعات في اليوم الواحد، أو ثمان وأربعين ساعة في الأسبوع لسائر شهور السنة ، عدا شهر رمضان المبارك فيجب ألا تزيد ساعات العمل الفعلية فيه عن ست ساعات في اليوم أو ست وثلاثين ساعة في الأسبوع ، لا تدخل فيها النوبات المخصصة للصلاة والراحة والطعام. وواضح من نص المادة أنه نص عام يشمل العمال المسلمين وغير المسلمين ، ولكن صـــدر بعد ذلك الأمر السامي رقم 2369/8 وتاريخ 9/11/1404هـ القاضي بتشكيل لجنة وزارية من سمو وزير الداخلية ووزير البترول ووزير العمل والشؤون الاجتماعية ، لدراسة حكم المادة (147) . وعما إذا كان تخفيض ساعات العمل في شهر رمضان المبارك يشمل العمال المسلمين وغير المسلمين أم أنه خاص بالمسلين فقط. وقد توصلت اللجنة إلى تأييد الرأي القائل بقصر تخفيض ساعات العمل إلى ست ساعات يومياً أو ست وثلاثين ساعة أسبوعياً خلال شهر رمضان المبارك على العمال المسلمين فقط ؛ نظراً لأن حكم المادة (147) من نظام العمل والعمال المشار إليه، جاء عاماً في عبارته، الأمر الذي قد يفهم منه أن تخفيض ساعات العمل في شهر رمضان يسري على العمال المسلمين وغير المسلمين، إلا أن ظاهر النص لا يتفق مع روحه وحكمته التي استهدفت العامل المسلم؛ لأن الحكمة من هذا التخفيض خصوصية تتعلق بالشهر الكريم ، وهي التزام المسلمين بصيامه بصفته ركناً من أركان الدين الحنيف ، حيث إن الصوم يتطلب من المسلم نظاماً خاصًا رأت معه المملكة أن تيسره له بتخفيض ساعات العمل أخذاً في الحسبان حالته وطاقته البدنية والنفسية على العمل أثناء الصيام، وتبعاً لذلك فإن تمتع العامل غير المسلم بهذا التخفيض هو من قبيل تقرير ميزة له دون مبرر ، فضلاً عن تحمل الدولة نفقات بالغة في غير مقتضى ، وهذا يخالف مبدأ عامًا من مبادئ العمل، وهو ضرورة مراعاة الظروف الاستثنائية التي يتحملها العامل، وعدم معاملته معاملة من لا يتحمل مثل تلك الظروف، ومن ثم فـــإن تخفيض ساعات العمل في شهر رمضـــان حق للعامل المسلم وحده . وليس في هذا إجحاف بالعامل غير المسلم ؛ لأن الصوم ليس خياراً للعامل المسلم بل هو فرض عليه. وقد صدر الأمر السامي رقم 454/8 وتاريخ 18/3/1404هـ بالموافقة على رأي اللجنـــة ، وتم تعديل مقتضى المادة (147) بما يتفق مع قرار اللجنة ، وموافقة المقام السامي على ذلك . ([60])

 

الفصل السابع : نظام التأمينات الاجتماعـية :

كما لحظنا سابقاً من خلال دراستنا لتطور أنظمة العمل والعمال منذ صدور أول نظام في العام 1356هـ ، فإن هاجس التأمينات الاجتماعية يقف خلف تلك الأنظمة سواء فيما يتعلق بتأمين الرعاية الصحية للعمال ، أم التأمين ضد الإصابات التي تلحق العمال أثناء العمل أو التأمين ضد الشيخوخة والعجز والوفاة. يؤكد ذلك أن المرسوم الملكي رقم 44 وتاريخ 18/7/1356هـ الذي صدر لإقرار نظام تعويض عمال المشاريع الصناعية والفنية – وهو ما يعد أول نظام للعمل في المملكة – قد وضع على صاحب العمل وحده مسؤولية تعويض العامل عن الإصابات التي تقع أثناء العمل. ثم إن كل نظام صدر بعد ذلك قد جعل في قائمة أولوياته التأمين ضد مخاطر العمل والتعويض عن الإصابات التي تحدث أثناء العمل، وذلك بتحديد تلك الإصابات والتعويض المناسب لها. وكان آخر أنظمة العمل التي تناولت هذا الموضوع هو نظام العمل الصادر في 25/11/1366هـ ، حيث تضمن ذلك النظام قواعد تتعلق بالتعويض عن إصابات العمل إلى جانب القواعد المنظمة لعلاقات العمل. ([61])

لكن تطوراً جديداً حدث عندما صدر نظام العمل الأخير بالمرسوم الملكي رقم م/21 وتاريخ 6/9/1389هـ ، حيث خلا هذا النظام مما اعتادت أنظمة العمل السابقة عليه من تنظيم لحالات تعويض العمال عن الإصابات التي يتعرضون لها أثناء العمل. وما ذاك إلا أنه تزامن مع صدوره صدور نظام مستقل للتأمينات الاجتماعية بالمرسوم الملكي رقم م/22 وتاريخ 6/9/1389هـ مشتملاً على الأحكام التي تنظم جميع الأمور المتعلقة بتعويض إصابات العمل، وحالات العجز والشيخوخة.

إن صدور نظام التأمينات الاجتماعية السعودي يمثل تقدماً مهماً في علاقات العـمل، وبدأت نتيجة له مرحلة جديدة أكملت سلسلة التطورات التي بدأت مع صدور أول نظام للعمل في المملكة. جاء هذا التطور ليحقق مزيداً من الحماية والرعاية للقوى العاملة ، مواكباً لحضارة العصر ، ويعد من أحدث نظم التأمينات الاجتماعية في العالم، ويتضمن من المزايا المقررة للمؤمن عليهم ما لم تصله معظم الدول في المعاشات والتعويضات والمزايا الأخرى التي قررها النظام تفوق في مستواها أي دولة أخرى ، بل وأكثر مما تقرره الاتفاقيات الدولية في هذا المجال . ([62])

لقد جاء هذا النظام سائراً على هدى الشرع الإسلامي، فإذا كان نظام التأمينات الاجتماعية ينطلق من فكرة التعاون بين العامل وصاحب العمل والدولة ، فإن في ذلك استجابة لأمر الله – سبحانه وتعالى – إذ يقول: { وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى } ، وتطبيقاً لتوجيهات نبيه – عليه الصلاة والسلام – الذي حث المسلمين في الحديث الذي رواه الترمذي أن رسول الله e قال لرجل وهو يعظه: " اغتنم خمساً قبل خمس: شبابك قبل هرمك ، وصحتك قبل سقمك، وغناك قبل فقرك ، وفراغك قبل شغلك، وحياتك قبل موتك"([63]). وهذا يعني أن على المسلم أن يحتاط لنفسه في مستقبل حياته ، وعندما تتبدل أحواله ، هذا الاحتياط لا يقتصر فقط على الأمور الدينية، بل إن الإسلام يحث المسلم على أن يعمل لدينه وآخرته كأنه يموت غداً، ويعمل لدنياه كأنه يعيش أبداً. لذا فإن العناية بالأمور التي اهتم بها نظام التأمينات الاجتماعية يعد من الأولويات المطلوبة من المسلم.

وفي المباحث الآتية عرضٌ لأهم ملامح هذا النظام :

 

المبحث الأول : معنى التأمينات الاجتماعية وخصائصها :

تعد التأمينات الاجتماعية صيغة من صيغ الضمان الاجتماعي ، وبما أن الإنسان يتعرض في حياته للعديد من الأخطار، ويقصد بالخطر في نطاق التأمين بصفة عامة حادثة محتملة لا تتوقف في تحققها على إرادة أحد طرفي العلاقة. ([64]) وقد عرف الخطر الاجتماعي في إحدى تعريفاته بأنه كل حدث يجبر الإنسان على التوقف عن أداء عمله بصفة مؤقتة أو دائمة مثل المرض والعجز والشيخوخة والموت والبطالة وإصابات العمل. وأن هذا التعريف هو ما ينسجم مع نظام التأمينات الاجتماعية السعودي، فهذا النظام يقرر معاشات وتعويضات مقطوعة للعمال في حال تعرضهم للخطر المؤدي إلى التوقف عن أداء العمل مؤقتاً أو دائماً، ومن ثم فإنه يمكن القول : إن تعريف التأمينات الاجتماعية وفق النظام السعودي بأنه ذلك النظام الذي يعمل على تحقيق الأمن الاقتصادي للعمال في حالة تعرضهم لأحد المخاطر الاجتماعية التي يعطيها المجتمع اهتماماً خاصاً. ([65]) إذاً فإن المنطلق الأساس لنظام التأمينات الاجتماعية يستند إلى أن العمال يتعرضون في حياتهم العملية إلى أخطار قد تؤدي إلى نقص الدخل أو انقطاعه ، أو تجعلهم في حاجة إلى العلاج الطبي ، وقد تتعلق هذه الأخطار بالمهنة كحوادث العمل وأمراض المهنة ، وقد تكون طبعية كالمرض والعجز والشيخوخة ، وقد تكون أخطاراً اقتصادية كالبطالة. وتعد التأمينات الاجتماعية أهم النظم التي تعالج هذه الأخطار؛ ذلك لأنها تتسم بطابع التأمين الذي يعطي للمستفيدين الحق في المطالبة بالمزايا ؛ نظراً لأنهم قد أسهموا في التكلفة عن طريق الاشتراكات التي دفعوها.

كما يعد من أهم خصائص التأمينات الاجتماعية تدخل الدولة بجعل التأمين ضد أخطار العمل والمرض والشيخوخة أمراً إجبارياً ، كما أن من خصائصه وجود مجموعات كبيرة من الأفراد معرضين للخطر نفسه ، وأن هؤلاء الأفراد يشاركون في تحمل الخسائر التي تتم نتيجة لتعرض بعضهم للخطر ، وذلك عن طريق الإسهام في الاشتراك بتكلفة التأمين. إن من أهم ما يميز نظام التأمينات الاجتماعية أنه يهدف إلى حماية المؤمن عليهم وأسرهم مما قد يتعرضون له نتيجة لفقد الدخل دون أن يكون لها أي هدف في تحقيق الربح ، كما أنه يتم وفقاً لهذا النظام تحديد الأفراد الواجب إخضاعهم للتأمين.

والتأمينات الاجتماعية التي تتمثل في التعويضات والمعاشات التقاعدية وغيرها تعد حقًا لكل شخص من الأشخاص المؤمن عليهم متى ما توافرت لديهم شروط الاستحقاق المطلوبة([66]) ، وإجمالاً فإن سمات نظام التأمينات الاجتماعية السعودي وخصائصه يمكن حصرها في أمور، منها: أن التأمينات الاجتماعية نظام إجباري مصدره النظام، وليس العقد، ولذلك نصت المادة السابعة من النظام على "أن خضوع أصحاب العمل والعمال للتأمين هو إلزامي ، ويبدأ مفعوله منذ اليوم الأول الذي يتمون فيه شروط الخضوع للتأمين" ، كما أن المادة الرابعة تؤكد ذلك بالقول: "يخضع بصورة إلزامية للتأمينات الاجتماعية المحدثة بموجب هذا النظام جميع العمال". ([67]) ومن خصائص هذا النظام أنه يخضع لإشراف الدولة على تطبيقه عن طريق أحد الأجهزة العامة ، وهي المؤسسة العامة للتأمينات الاجتماعية. وعلى الرغم من أن اشتراكات أصحاب العمل والعمال هي المورد الرئيس لتمويل التأمينات الاجتماعية، إلا أن الدولة تسهم في التمويل عن طريق رصد مبالغ في الميزانية العامة لصالح التأمينات الاجتماعية. ثم إن من خصائص هذا النظام أن له طابعاً حمائياً ؛ لأنه يستهدف أساساً حماية الطبقة العاملة بالإضافة إلى حماية النظام الاجتماعي والاقتصادي في الدولة ، ومن ثم فإن قواعد هذا النظام تعد قواعد آمرة لا يجوز الاتفاق على مخالفتها.

 

المبحث الثاني : نطاق شمول النظام :

عرفنا فيما سبق أن التأمينات الاجتماعية ليست مجرد نظام قانوني، بل إنها إلى جانب ذلك جزء من السياسة الاقتصادية والاجتماعية للدولة ، ويعد أمراً متفقاً عليه أن نظام التأمينات يمثل في جوهره جزءاً من النظام العام ، ومن ثم يتصف هذا النظام بطبيعة آمرة لا تدع مجالاً لمخالفتها.

وفيما يتعلق بنطاق شمول نظام التأمينات الاجتماعية السعودي ، فيتضح من المادة الأولى منه أنه يطبق على العمال المأجورين الذين يعملون تحت إمرة الآخرين، أما العمال المستقلون فإنهم خارج نطاق هذا النظام ولا تشملهم أحكامه. وقد أوضحت المادة الرابعة ذلك عندما نصت عليه بالقول:( مع الاحتفاظ بأحكام المادتين ( 5 ، 6 ) يخضع بصورة إلزامية للتأمينات الاجتماعية المحدثة بموجب هذا النظام جميع العمال ، دون أي تمييز في الجنسية أو الجنس أو السن ، الذين يعملون بموجب عقد عمل لصالح  صاحب عمل أو أكثر مهما كانت مدة العقد أو طبيعته أو شكله، ومهما كان مبلغ الأجرة المدفوعة ، يشترط أن يكون أداء خدماتهم بصورة رسمية داخل المملكة العربية السعودية ). وبمقتضى هذا النص فإن نظام التأمينات الاجتماعية قد شمل المواطنين وغيرهم، واستمر العمل بذلك منذ بداية التطبيق في عام 1393هـ حتى صدور المرسوم الملكي رقم ( م 43 ) وتاريخ 10/7/1407هـ فألغي ابتداءً من نشره شمول العمال الأجانب بتأمين فرع المعاشات ، وبناءً على هذا التعديل فإن التأمين من الأخطار المهنية وحده هو الذي يشمل جميع العمال من سعوديين وأجانب على قدم المساواة. لذا فإنه يمكننا القول: إن نطاق شمول النظام وتطبيقه يشمل كل من يرتبط بعمل تابع مأجور، ويؤدي عمله داخل المملكة، ويمتد هذا الشمول إلى العمال المرتبطين بعقود التلمذة المهنية ( عقود التدرج ). ([68])

أما ما يتعلق بالوقائع المشمولة بالتأمين فقد درجت نظم التأمينات الاجتماعية على تغطية وقائع مختلفة في الطبيعة والمصدر ، ويمكن تصنيف هذه الوقائع في زمرتين ، إحداهما: منوطة بفسيولجية الإنسان وحياته الاجتماعية، والثانية: ترجع إلى أخطار العمل. ومن الزمرة الأولى الشيخوخة المضعفة للقدرة ، والعجز الذي تتعدد أسبابه ، وتتفاوت نتائجه وآثاره، والمرض وما يترتب عليه من ضعف وإنفاق، والوفـاة وما ينجم عنها من انقطاع لمورد الأسرة إلى غير ذلك. أما الزمرة الثانية فإنها تركز على إصابات العمل وما يترتب عليها من آثار جسدية ومادية وأمراض المهنة وحالة البطالة. ([69])

وكما حدد النظام المشمولين بأحكامه فإنه قد بين العمال المستثنين منه، فقد نصت المادة الخامسة من النظام على استثناء بعض فئات العمال من الاستفادة من أحكامه، وترجع الحكمة من هذه الاستثناءات؛ إما لأن العامل يستفيد من أنظمة تأمينية أخرى ، أو لوجود صعوبات تعترض التأمين ناتجة عن الوضع الخاص لصاحب العمل مثل خدم المنازل، والعاملين بالبعثات الأجنبية أو لأسباب تتعلق بطبيعة العمل الذي يمارسونه ، أو لعلاقة القربى التي تربط بين العامل وصاحب العمل.

إن من أهم ما نص النظام على استثنائه من الشمول ، أولاً: موظفو الدولة العامون وأفراد القوات المسلحة تحاشياً لازدواجية الضمان. وثانياً: الموظفون الأجانب الذين يعملون في البعثات الدولية أو السياسية أو العسكرية الأجنبية بشرط أن يكون العامل أجنبياً، وأن يكون عمله لدى بعثة دولية أو سياسية. كما استثنى من الشمول صنفاً ثالثاً من العمال المأجورين المستخدمين في الأعمال الزراعية أو أعمال الري ، ويدخل في هذه الطائفة كل من يعمل في أي مهنة أو عمل يدخل في مجال الأعمال الزراعية ، وذلك لورود النص مطلقاً، ومن ثم يدخل في هذه الطائفة العمال القائمون بالأعمال الزراعية البحتة كفلاحة الأرض ، كما يدخل فيها أيضاً العمال القائمون بالأعمال الفنية الزراعية. أما الفئة الرابعة من العمال المستثنين من الشمول فهم البحارة والصيادون البحريون، وهذا الاستثناء يشمل العمال المأجورين الذين يعملون على السفن البحرية سواء كان العمل الذي يقومون به من أعمال النقل أو من أعمال الصيد. كما يشمل الاستثناء فئة خامسة، وهم عمال الاستصناع الذين يقومون بعملهم في منازلهم ، ويشمل كذلك فئه سادسة ، وهم خدم المنازل. أما الفئة السابعة من المستثنين من أحكام نظام التأمينات فهم أفراد أسرة صاحب العمل إذا كانوا يعيشون معه تحت سقف واحد. ([70])

 

المبحث الثالث : إحداث برنامج المعاش التقاعدي :

إذا كان التأمين ضد إصابات العمل والأخطار المهنية موجوداً ضمن الأنظمة العمالية التي أصدرتها الدولة ، فإن الأمر الجديد الذي جاء مع صدور نظام التأمينات الاجتماعية هو إيجاد برنامج خاص بالمعاش التقاعدي لفئة العمال ، وقد نصت على ذلك المادة (38) عندما قضت بأن المؤمن عليه سواء كان رجلاً أم امرأة إذا بلغ سن الستين كاملة وتوقف عن ممارسة أي نشاط مهني خاضع للتأمين، يحق له الحصول على معاش شيخوخة ، وذلك إذا قضى على الأقل (120) شهراً ، منها (36) شهراً في خلال السنوات الخمس الأخــــيرة التي تسبـــق طلب المعاش والتوقـــف عن العمل ، أو (180) شهر تأمين بالمجموع. ([71])

وقد بدأ التطبيق التدريجي لفرع المعاشات ابتداءً من أول المحرم 1393هـ في جميع أنحاء المملكة على مراحل ، الأولى تمت في ذلك التاريخ ، وطبق على منشآت أصحاب الأعمال الذين يبلغ عدد عمالهم عادة (100) عامل فأكثر. كما تم تطبيقه في المرحلة الثانية ابتداءً من 1/3/1393هـ على جميع العمال المؤقتين والموسميين في منشآت المرحلة الأولى. وطبق فرع المعاشات في مرحلته الثالثة ابتداءً من 1/5/1393هـ على المنشآت التي يعمل بها عادة خمسون عاملاً فأكثر ، وطبق ابتداء من هذا التاريخ على عمال المؤسسات العامة الخاضعين لنظام العمل في مرحلة رابعة. وفي المرحلة الخامسة طبق على عمال الأجهزة الحكومية الخاضعين لنظام العمل ابتداءً من 1/10/1393هـ. أما المرحلة السادسة فقد بدأت من أول المحرم (1395هـ) وذلك عندما توسع نطاق تطبيق أحكام برنامج المعاش التقاعدي، ليشمل جميع المنشآت التي يعمل بها عشرون عاملاً فأكثر. وعندما صدر قرار وزير العمل في 11/4/1398هـ طبقت بموجبه المرحلة السابعة، حيث قضى ذلك القرار بتطبيق أحكام البرنامج على العمال المأجورين المستخدمين في الأعمال الزراعية والمراعي في الدوائر الحكومية والمؤسسات العامة.

 أما شــروط استحقـــاق المعاش التقاعدي التي يمكن استخلاصهـــا من منطوق المادة (38) فهي بلوغ المؤمن عليه سن التقاعد، وتوقفه عن مزاولة أي عمل خاضع لنظام التأمينات الاجتماعية، وأن تكون مدة اشتراكه تخول له بموجب أحكام المادة الاستفادة من هذا البرنامج. وكما أوضحنا سابقاً فلا بد أن يكون سعودياً ؛ لأن شمول الأجانب بهذا البرنامج قد ألغى بموجب المرسوم الملكي رقم (م 43) وتاريخ 10/7/1407هـ. ([72])

 

الخاتمـــــة:

في ختام هذا البحث لا يسعنا إلا أن نسجل فيما يأتي أهم ما ورد في مسيرة أنظمة العمل والعمال في المملكة وأبرزه خـــلال مائـــة العام التي تلت دخول الملك عبد العزيز – رحمه الله – الرياض في شهر شوال عام 1319هـ .

أولاً: الحياة الاقتصادية قد تطورت في البلاد من بدايتها اليسيرة إلى نشاط اقتصادي واسع، اشتمل على وضع الخطط الإستراتيجية، لاستثمار الموارد الطبعية للبلاد، مما أدى إلى نشاط صناعي وتجاري واسع ، أدى إلى وجود العديد من المشاريع ، ولا سيما ما يتعلق منها بصناعة النفط والأنشطة الاقتصادية المرتبطة بهذه الصناعة.

ثانياً: أن سن القوانين والأنظمة المتعلقة بالعمل والعمال جاءت متزامنة مع نمو الصناعة النفطية، واتساع نطاق القوى العاملة في تلك الصناعة مما يتطلب إصدار الأنظمة لضبط العلاقات العمالية، بين القوى العاملة وأصحاب الأعمال .

ثالثاً: في الوقت الذي حرصت فيه تلك الأنظمة على حماية النشاط الاقتصادي بمنع الاعتصام والإضراب عن العمل من قبل القوى العاملة، فإنها قد ضبطت العلاقة بين القوى العاملة وأصحاب العمل بالحرص على أن يحصل العمال لقاء عملهم على الأجور العادلة، وحماية حقوقهم من حيث توفير الظروف الموضوعية في مواقع العمل التي توفر للعمال شروط السلامة الشخصية ، وإزالة كل ما من شأنه تعريض سلامتهم للخطر .

رابعاً: لقد حرصت الأنظمة المتعاقبة على تأمين الرعاية الصحية للعمال في تجمعاتهم من حيث توفير التطبيب ، ووجود العيادات الطبية في أماكن وجودهم ، وتوفير الأدوية اللازمة ، وتأمين العلاج الطبي اللازم في المستشفيات بما في ذلك إجراء العمليات الجراحية ، وأن تتحمل جهة العمل كل التكاليف المترتبة على ذلك .

 

خامساً: إن من الأمور التي اهتمت بها تلك الأنظمة توفير الجو الملائم للعمال لكي يقوموا بواجبات العمل من خلال توفير الظروف المعيشية لهم من تأمين السكن الملائم، وتأمين الخدمات الاجتماعية كالنوادي والمكتبات ، وإنشاء المدارس لأبنائهم.

سادساً: في حالة تعرض العامل لإصابة من إصابات العمل فإن الأنظمة قد حرصت على تقدير تلك الإصابة ، وما قد تؤدي إليه من تعطيل العامل عن اكتساب معيشته، وقدرته على مواصلة الـعمل، ووضعت لذلك نظاماً لتعويض العامل عما أصابه مما يمكنه من تدبير أمور معيشته ، والمحافظة على كرامته.

سابعاً: وفي سبيل توفير الاطمئنان لدى العامل على مستقبله فإن تلك الأنظمة قد أوضحت بجلاء حماية العامل من الفصل التعسفي ، ومنعت فصله إلا بأسباب موضوعية تبرر ذلك. وأوجدت من أجل ذلك وغيره من حقوق العمال نظاماً قضائياً عمالياً عادلاً يتم فيه علاج المنازعات العمالية على درجتين من التقاضي، تبدأ بمحاولة التوفيق والصلح بين أطراف النزاع إن أمكن ذلك ، وإلا نظر الأمر من اللجان الابتدائية في بعض الحالات ، ويمكن استئناف قراراتها لدى اللجان العليا ، حيث تصدر أحكاماً نهائية مكتسبة القطعية واجبة النفاذ.

ثامناً: وأخيراً توج ذلك كله بإصدار نظام التأمينات الاجتماعية، لتكتمل بذلك الرعاية الاجتماعية الكاملة للقوى العاملة بالمملكة. حيث جاء هذا التطور ليحقق مزيداً من الحماية والرعاية للقوى العاملة مواكباً لحضارة العصر، ويعد هذا النظام من أحدث نظم التأمينات الاجتماعية ، ويتضمن من المزايا المقررة للمؤمن عليهم من المعاشات والتعويضات ما تتفوق في مستواها على المستويات العالمية، وما تقرره الاتفاقيات الدولية.

 

الهوامـــش

 



([1]) اتفاقية بين الحكومة العربية السعودية وشركة الزيت العربية الأمريكية ، مطبعة الحكومة الرياض . 1384هـ. صــ14.

([2]) اتفاقية الزيت بين حكومة المملكة العربية السعودية وباسيفك وسترن كوربريشن . مطبعة الحكومة الرياض. 1384.صــ16–19.

([3]) الشريف، د.شرف بن علي . الإجارة الواردة على عمل الإنسان ( دراسة مقارنة) . دار الشروق للنشر والتوزيع والطباعة . جدة. 1400هـ / 1980م ، صـ237–267.

([4]) الكيالي، د. نزار عبد الرحمن . الوسيط في شرح نظام العمل السعودي . الدار السعودية للنشر والتوزيع . جدة. 1393هـ/1973م.صـ23.

([5]) العدوي ، جلال علي . أصول نظام العمل السعودي . مطبوعات معهد الإدارة العامة . الرياض. 1401هـ/1981م. صـ11.

([6]) نظـام عمال المشاريع الصناعية والفنية الصادر بالأمر السامي رقم 8/4/4 وتاريخ 18/7/1356هـ . مطبعة الحكومة . مكة المكرمة. 1363هـ .

([7]) نظام العمل الصادر بالأمر السامي رقم 5323 وتاريخ 13/4/1361هـ . مطبعة الحكومة . مكة المكرمة . د.ت .

([8]) خيال ، د. وجيه محمد . شرح نظام العمل السعودي – دراسة مقارنة. د.ن . القاهرة 1411هـ / 1991م صـ 8–9 .

([9]) نايل ، د. السيد عيد . الوسيط في شرح نظامي العمل والتأمينات الاجتماعية في المملكة . نشر عمادة شؤون المكتبات ، جامعة الملك سعود . الرياض 1415هـ/1995م . صـ16 .

([10]) نظام العمل والعمال لعام 1366هـ. الطبعة الثالثة. صـ 3 .

([11]) خيال . المصدر السابق . صـ 9 .

([12]) المصدر السابق.  صـ1.

([13]) المادة الأولى من نظام العمل لعام 1366هـ . ولقد صدر بعد ذلك الأمر السامي رقم (1484) وتاريخ 17/2/1386هـ الذي استثنى المزارعين من تطبيق أحكام هذا النظام.

([14]) نظام العمل والعمـــال ، مطبعة الحكومــــة . مكة المكرمة . 1389هـ . جريـــدة أم القــــرى العدد (2299) وتاريخ 19/9/1389هـ .

([15]) نايل . المصدر السابق. صـ 17 .

([16]) الكيالي . المصدر السابق. صـ 26–27 .  نايل. المصدر السابق. صـ 17 .

([17]) خيال . المصدر السابق. صـ 10–11.

([18]) نايل . المصدر السابق. صـ 18–19.

([19]) الكيالي . المصدر السابق. صـ 27–52 .

([20]) نظام العمل والعمال . المصدر السابق. صـ 9 .

([21]) نايل . المصدر السابق. صـ 30–31 .

([22]) العدوي ، د. جلال علي . أصول نظام العمل السعودي . مطابع معهد الإدارة العامة الرياض. 1401هـ/1981م . صـ 39–4.

([23]) نايل . المصدر السابق. صـ 37–38 .

([24]) الكيلاني . المصدر السابق. صـ 61 .

([25]) نايل . المصدر السابق. صـ 39 .

([26]) الشريف . المصدر السابق. صـ 33 .

([27]) نظام العمل لعام 1389هـ . المصدر السابق. صـ 23 .

([28]) خطاب د. طلبة وهبة . عقد العمل في المملكة العربية السعودية– دراسة لنظام العمل والعمال لسنــــة 1389هـ . نشر مركز البحوث بكلية العلــوم الإدارية – جامعة الملك سعود . الرياض. 1401هـ/1981م. صـ 8–9 .

([29]) نايل . المصدر السابق. صـ 52–55 .

([30]) نظام العمل لعام 1389هـ. المصدر السابق. صـ 45.

([31]) الشريف . المصدر السابق. صـ 62 .

([32]) نايل . المصدر السابق. صـ 81 .

([33]) الكيالي . المصدر السابق . صـ 121.

([34]) نظام العمل لعام 1389هـ . المصدر السابق. صـ 11.

([35]) المصدر السابق. صـ 42 .

([36]) المصدر السابق. صـ 25 .

([37]) نايل . المصدر السابق. صـ 221 .

([38]) نظام العمل لعام 1389هـ . المصدر السابق. صـ 23 .

([39]) المصدر السابق . صـ 29 .

([40]) الكيالي . المصدر السابق. صـ 248 .

([41]) نظام العمل لعام 1389هـ . المصدر السابق . صـ 14 .

([42]) المصدر السابق. صـ 15–16 .

([43]) نظام العمل لعام 1389هـ . المصدر السابق. صـ 47.

([44]) المصدر السابق. صـ 17–18 .

([45]) المصدر السابق. صـ 23–24 .

([46]) نايل . المصدر السابق. صـ 279 .

([47]) المصدر السابق . صـ 279–280 – نظام العمل . المصدر السابق. صـ 5.

([48]) نايل . المصدر السابق . صـ 28.

([49]) الكيالي . المصدر السابق. صـ 425 .

([50]) نظام العمل لعام 1389هـ . المصدر السابق . صـ 13 .

([51]) قرار مجلس الوزراء رقم (1) وتاريخ 3/1/1390هـ .

([52]) نايل . المصدر السابق . صـ 280–281 .

([53]) نظام القضاء الصادر بالمرسوم الملكي رقم م/64 بتاريخ 14/7/1395هـ . مطابع الحكومة . الرياض.1396هـ .

([54]) الكيالي . المصدر السابق . صـ 430– نايل . المصدر السابق . صـ 281 .

([55]) نايل . المصدر السابق. صـ 282 .

([56]) انظر : لائحة المرافعات العمالية الصادرة بقرار مجلس الوزراء رقم 1 وتاريخ 3/1/1390هـ نايل .  المصدر السابق . صـ 293–297 .

([57]) لائحة المرافعات العمالية ، المواد 48–56 .

([58]) لائحة المرافعات ، المواد (62–75) – الكيالي . المصدر السابق. صـ 499–750– نايل . المصدر السابق. صـ 299–301 .

([59]) نظام العمل والعمال ولوائحه . الصادر عن هيئة الخبراء بمجلس الوزراء . مصلحة مطابع الحكومة. الرياض . 1417هـ صـ 4.

([60]) المصدر السابق. صـ62 ، 187  .

([61]) نايل . المصدر السابق . صـ 317 .

([62]) فايق ، د. محمد حسن. التأمينات الاجتماعية. د.ن. 1410هـ/ 1989م. صـ 5 .

([63]) الخطيب التبريزي ، ولي الدين محمد بن عبدالله العمري. مشكاة المصابيح ـ تحقيق:محمد ناصر الدين الألباني ، منشورات المكتب الإسلامي بدمشق. 1381هـ/ 1961م. جـ2.   صـ 651 .

([64]) نايل . المصدر السابق. صـ 323 .

([65]) نفسه . صـ 323 – 328 .

([66]) فايق . المصدر السابق. صـ 15 – 16 .

([67]) الباشا ، د. محمد فاروق. التأمينات الاجتماعية ونظامها في المملكة العربية السعودية. نشر الإدارة العامة للبحوث بمعهد الإدارة العامة. الرياض. 1416هـ/ 1996م.  صـ 111 .

([68]) المصدر السابق. صـ 113 .

([69]) المصدر السابق. صـ 92 .

([70]) نايل. المصدر السابق. صـ 397   ــ الباشا. المصدر السابق. صـ 129 – 143.

([71]) نايل. المصدر السابق. صـ 456.

([72]) المصدر السابق. صـ 455 459 ـــ الباشا. المصدر السابق. صـ 156 – 159.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

المــراجـع

 

§        اتفاقية الزيت بين حكومة المملكة العربية السعودية وباسفيك وسترن كوربريشن . مطبعة الحكومة . الرياض. 1384هـ .

§        الباشا ، د. محمد فاروق . التأمينات الاجتماعية ونظامها في المملكة العربية السعودية – نشر الإدارة العامة للبحوث بمعهد الإدارة العامة. الرياض. 1416هـ/ 1996م.

§        خطاب ، د. طلبة وهبة . عقد العمل في المملكة العربية السعودية – دراسة لنظام العمل والعمال لسنة 1389هـ. نشر مركز البحوث بكلية العلوم الإدارية – جامعة الملك سعود الريــــاض. 1400هـ/ 1981م.

§        الخطيب التبريزي، ولي الدين محمد بن عبدالله العمري. مشكاة المصابيح. تحقيق:محمد ناصر الدين الألباني. منشورات المكتب الإسلامي بدمشق. 1381هـ/ 1961م.

§        خيال ، د. وجيه محمد . شرح نظام العمل السعودي – دراسة مقارنة . د.ن . القاهرة. 1411هـ/1991م .

§        الشريف ، د. شرف بن علي . الإجارة الواردة على عمل الإنسان – دراسة مقارنة . دار الشروق للنشر والتوزيع والطباعة . جدة  1393هـ /1973م .

§        العدوي ، د. جلال علي . أصول نظام العمل السعـودي . مطبوعات معهد الإدارة العامة . الرياض. 1401هـ / 1981م .

§        فايق ، د. محمد حسن. التأمينات الاجتماعية. د.ن. د.م 1410هـ/ 1989م.

§        الكيلاني، د. نزار عبد الرحمن . الوسيط في شرح نظام العمل السعودي . الدار السعودية للنشر.  جدة  1393هـ / 1973م .

§        نايل، د. السيد عيد . الوسيط في شرح نظامي العمل والتأمينات الاجتماعية في المملكة . نشر عمادة شؤون المكتبات . جامعة الملك سعود . الرياض. 1415هـ/ 1995م .

§        نظام عمال المشاريع الصناعية والفنية الصادر بالأمر السامي رقم 8/4/4 ، وتاريخ 18/7/1356هـ . مطبعة الحكومة . مكة المكرمة. 1363هـ .

 

§        نظام العمل الصادر بالأمر السامي رقم 5323 ، وتاريخ 13/4/1361هـ . مطبعة الحكومة . مكة المكرمة . د.ت .

§        نظام العمل والعمال الصادر بالأمر السامي بتاريخ 25/11/1366هـ.

§        نظام العمل والعمال الصادر بالمرسوم الملكي رقم م/21 وتاريخ 6/9/1389هـ والمنشور بجريدة أم القرى العدد (2299) ، وتاريخ 19/9/1389هـ – مطبعة الحكومة مكة المكرمة. 1389هـ .

§        نظام القضاء الصادر بالمرسوم الملكي رقم م/64 ، وتاريخ 14/7/1395هـ. مطابع الحكومة . الرياض . 1396هـ .

§        قرار مجلس الوزراء رقم (1) ، وتاريخ 3/1/1390هـ .

§        نظام العمل ولوائحه . الصادر عن هيئة الخبراء بمجلس الوزراء . مصلحة مطابع الحكومة . الرياض. 1417هـ .

§        لائحة المرافعات العمالية الصادرة بقرار مجلس الوزراء رقم (1) ، وتاريخ 3/1/1390هـ .