الجزء الأول : مدخــل البحــث :

أ– مقدمــة:

لقد شهدت الخدمة المدنية في المملكة العربية السعودية العديد من التطورات التاريخية منذ البدايات الأولى لعملية توحيد المملكة على يد المغفور له جلالة لملك عبدالعزيز يرحمه الله.  وهذه التطورات بلا شك تعكس مدى الاهتمام الذي أولاه المؤسس الأول للمملكة  للخدمة المدنية من ناحية، والرغبة للتفاعل مع التطورات التنموية التي عاشتها المملكة منذ تأسيسها من ناحية أخرى ؛ ولهذا فإن المحلل والدارس التاريخي للخدمة المدنية في المملكة من حيث أنظمتها وأطرها القانونية والتنظيمية يستطيع أن يستدل بسهولة على قدرتها المتنامية على أن تتفاعل دائماً وبشكل إيجابي مع الروح التطويرية، والمراحل التنموية التي خاضتها المملكة منذ البدايات الأولى للتأسيس، وإلى يومنا هذا.

ب– أهمية البحث:

تنبع أهمية البحث من أنه يأتي في زمن مهم في تاريخ الخدمة المدنية في المملكة العربية السعوديــــة، وذلك بعد مرور مائــة عام منذ دخول الملك عبد العزيز يرحمه الله لمدينة الرياض في اليوم الخامس من شهر شوال لعام 1319هـ /1902م  الذي يعد علامة تاريخية في مسيرة الخدمة المدنية في المملكة وتطورها. وتأتي أهمية أخرى لهذا البحث، وهي كونه يحاول رصد أهم التطورات التي حدثت في نظام الخدمة المدنية خلال هذا القرن، وبالتحديد من عام 1344هـ /1926م ، وهو العام الذي أصدر فيه الملك عبد العزيز التعليمات الأساسية للمملكة الحجازية إلى عام 1397هـ تاريخ صدور أحدث نظام للخدمة المدنية. وثمة أهمية أخرى لهذا البحث لكونه يحاول التركيز على واقع الخدمة المدنية خلال هذه المدة، ومداخل الإصلاح التي يطمح لتبنيها؛ لتكون لبنة إضافية في مسيرة الخدمة المدنية في المملكة.

 

ج– أهداف البحث:

يحاول هذا البحث تحقيق أهداف عدة رئيسة من أهمها ما يأتي:

1– توثيق التطور التاريخي لأنظمة الخدمة المدنية، وتزامنها مع المراحل المختلفة لتأسيس المملكة العربية السعودية.

2– تحديد أهم السمات والتطورات لكل مرحلة من مراحل تطور الخدمة المدنية في المملكة.

3– تشخيص واقع الخدمة المدنية في المملكة، مع التركيز على أهم السمات التي تميز نظام الخدمة المدنية الحالي.

4– التطرق إلى فرص التطوير في نظام الخدمة المدنية مع التركيز على متطلبات المرحلة القادمة.

د– منهجية البحث:

سوف يتم الاعتماد في هذا البحث على المنهج الوصفي التحليلي، حيث ستتم مراجعة جميع ما يتوافر بشأن الموضوع من أدبيات ووثائق رسمية وأنظمة  صدرت لتنظيم شؤون الخدمة المدنية في المملكة من عام 1344هـ، وحتى الوقت الحالي. كذلك سيتم استعمال المنهج التاريخي الاستقرائي المقارن لأنظمة الخدمة المدنية المختلفة التي صدرت من عام 1344هـ حتى عام 1397هـ الذي شهد صدور أحدث نظام للخدمة المدنيـــة.

هـ– أجزاء البحث:

يتكون هذا البحث من أجزاء عدة على النحو الآتي :

1– الجزء الأول: يتعلق بمدخل البحث حيث يشمل مقدمة عن البحث، وأهميته، وأهدافه، ومنهجيته، وأجزائه.

2– الجزء الثاني: يتعلق بتطور الخدمة المدنية. حيث يشمل  تطور أنظمة الخدمة المدنية منذ عام 1344هـ حتى  الوقت الحالي، وتطور نشأة الديوان العام للخدمة المدنية.

3– الجزء الثالث: يتعلق بالبنية التنظيمية لأجهزة الخدمة المدنية، حيث سيتم التطرق لأبعاد البنية التنظيمية للخدمة المدنية بشكل موجز، ويتم من خلال هذا العرض التركيز على تلك الأجهزة التي لها علاقة مباشرة بالخدمة المدنية في المملكة العربية السعودية.

4– الجزء الرابع: يتعلق بواقع الخدمة المدنية حيث يشتمل على أهم سمات نظام الخدمة المدنية.

5– الجزء الخامس: سيتعلق بالخلاصة والتوصيات.

بالإضافة إلى هذه الأجزاء سيحوي هذا البحث قائمة بالهوامش، وأخرى بأهم المراجع التي استعين بها في إعداده بالإضافة إلى ملاحق البحث.

 

 

 

 

 

 

الجزء الثاني : تطور الخدمة المدنية في المملكة :

أ– مقدمـــة:

عند الحديث عن الخدمة المدنية في المملكة العربية السعودية وتطورها خلال قرن من الزمان، فإنه لا بد من الرجوع إلى الوراء، وتحديداً إلى بدايات تكوين المملكة العربية السعودية على يد الملك عبد العزيز رحمه الله وطيب ثراه.

إن الأساس لوجود أي تنظيم يعتمد على إقامة الكيان الأساس للدولة، والمجتمع، فدون وجودهما لا يتصور قيام هذا التنظيم.  ونحن عند الحديث عن تطور الخدمة المدنية في الذكرى المئوية لقيام المملكة العربية السعودية لا بد لنا من الإشارة إلى جذور الخدمة المدنية، التي زُرعَتْ بذورها على يد المؤسس الملك عبد العزيز طيب الله ثراه.  فقد أفنى جلالته سني شبابه في توحيد الأمة، وجمع شملها، وإقامة هذا الصرح الشامخ لها، حيث أمضى ما يقـــارب الثلاثــــين عامــــاً مجاهداً لتحقيـــق هذا الأمر، بدأ من دخولـــه رحمه الله الرياض في شوال 1319هـ إلى حين أعلن توحيد الدولة تحت اسم "المملكة العربية السعودية."

ومما لا شك فيه أن  مجال الخدمة المدنية في المملكة العربية السعودية يعد من أخصب مجالات الإدارة العامة ثراءً وعطاءً للباحثين والدارسين في مجالات عديدة من الحقول الاجتماعية ذات العلاقة. ويرجع ثراء هذا المجال موازنة بمجالات الإدارة العامة المختلفة إلى عوامل عدة ، أهمها سعة المجال الذي يشمله ، وكذلك التطورات العديدة التي حدثت لبنيته ووظيفته وأنظمته التي تحكم شؤونه.

مع أن نطاق الخدمة المدنية في المملكة العربية السعودية يشمل بالإضافة إلى نظام الخدمة المدنية أنظمة متداخلة عديــــدة، ومرتبطـــة بعضها ببعض، كما هي  مبينة في (شكل–1) إلا أن هذا الجزء سيركز على منظومة الخدمة المدنية والأجهزة الإدارية التي لها علاقة مباشرة بهذا المنظومة والأنظمة التي تحكم شؤونها.

ب– التطور التاريخي:

سوف نتطرق في هذا الجزء إلى مرحلتين من التطور التاريخي المتعلق بالخدمة المدنية، وهاتان المرحلتان هما: تطور أنظمة الخدمة المدنية ، وتطور التنظيم الإداري للديوان العام للخدمة المدنية. 

1– أنظمة الخدمة المدنية :

تتزامن مرحلة تطور الخدمة المدنية مع البداية الأولى لمرحلة التأسيس الحديثة للملكة العربية السعودية. ففي العام نفسه الذي تم فيه الإعلان  عن تنصيب الإمام عبد العزيز آل سعود ملكاً للحجاز وسلطانـــاً لنجد في الرابع والعشرين من جمادى الآخرة لعام 1344هـ /الثامن من يناير 1926م فقد تم إصدار "التعليمات الأساسية للملكة الحجازية" ، وذلك كخطوة أولى لترتيب الشؤون العامة لهذا البلد الجديد. ([1]) الجزء السابع من هذه التعليمات الذي احتوى على المواد من (56)  إلى (61) كان موجهاً لترتيب أوضاع الموظفين في ذلك الحين. ([2])

بعد عامين من إصدار التعليمات الأساسية، وانسجاماً مع نص المادة (61) منها التي دعت إلى إصدار تعليمات مستقلة ترتب أوضاع الموظفين تم إصدار "التعليمات الخاصة" ، وذلك لترتيب أوضاع الموظفين. ([3]) ومن أهم ما جاء بتلك التعليمات هو التمييز بين صلاحيات التعيين والفصل للمراتب العليا في الدولة، حيث أوكلت هذه الصلاحيات للملك، على حين أوكلت صلاحيات التعيين للمراتب الأخرى للنائب العام للملك. في حين أوكلت صلاحية التعيين لبقية الموظفين الذين تقل رواتبهم عن أربعمائة قرش لرؤساء الإدارات الحكومية المستقلة، شريطة أن يتم الحصول على موافقة النائب العام على هذه التعيينات. ([4])

بعد مضي ثلاث سنوات ونيف على إصدار نظام التعليمات الخاصة تم إصدار "التعليمات الأساسية لمأموري الدولة" في  منتصف عام 1350هـ /1931م. ([5]) ويعد إصدار هذا النظام أول تنظيم متكامل لشؤون الخدمة المدنية في المملكة العربية السعودية؛ حيث اشتمل هذا النظام على عشرة أبواب، وباب خاص بالأحكام العامة. هذه الأبواب احتوت على نصوص مائة وثمان وخمسين مادة منظمة لجميع أوجه نشاطات الخدمة المدنية.

 

 

 

 

 

شكل - 1

بعض أنظمة  الخدمة المدنية الأخرى في المملكة العربية السعودية

 

المصدر: الدكتور أحمد بن حماد الحمود "الخدمة المدنية في المملكة العربية السعودية" ؛ الدكتور محمد بن عبد الرحمن الطويل (محرر) ، الإدارة العامة في المملكة العربية السعودية ، الرياض: مطابع معهد الإدارة العامة، 1416عـ، ص 209.

 

 

استمر العمل بنظام التعليمات الأساسية لمأموري الدولة لمدة أربعة عشر عاماً، بعد ذلك تم إصدار"نظام الموظفين"  في مستهل عام 1364هـ/1945م ([6])، ويعد هذا النظام نقطة تحول رئيسة في حركة الإصلاح لأنظمة الخدمة المدنية في المملكة العربية السعودية، حيث تم إطلاق مصطلح الموظفين لأول مرة مقارنة بالأنظمة السابقة. شمل هذا النظام نصوص مائتين وخمس عشرة مادة منظمة لجميع شؤون الخدمة المدنية.

بعد ثلاثة عشر عاماً من صدور نظام الموظفين تم إصدار "نظام الموظفين العام" وذلك في منتصف عام 1377هـ/1958م ، وقد احتوى هذا النظام على ثلاثة أبواب رئيسة. الباب الأول : اشتمل على اثني عشر جزءاً تتعلق بمختلف أوجه شؤون الموظفين، وخصوصا بما يتعلق بالموظفين الذين أطلق عليهم آنذاك  مسمى "موظفي داخل الهيئة". الباب الثاني: يتعلق بترتيب أوضاع  موظفي "خارج الهيئة" ، أو ما يُطْلَقُ عليهم المستخدمون في النظام الحالي. الباب الثالث : كان مخصصا للأحكام العامة للنظام. ([7])

بعد ثلاثة عشر عاماً من إصدار نظام الموظفين العام، وبعد عام  من بداية تنفيذ أول  خطة خمسية مبرمجة للتنمية في المملكة، تم إصدار نظام الموظفين العام في مستهل عام 1391هـ /1971م. ([8]) ويعد هذا النظام نقطة تحول رئيسة في تاريخ تطور الخدمة المدنية في المملكة ؛ وذلك لأن النظام نص في المادة الأولى على مبدأ الجدارة حيث هي الأساس لاختيار الموظفين لشغل الوظائف العامة. وقد لازم إصدار هذا النظام  إصدار "نظام تأديب الموظفين"  ، ونظام خاص بالمستخدمين. ([9])

استمر العمل بنظام الموظفين العام لعام 1391هـ /1971م لمدة ست سنوات وأربعة أشهر، ونتيجة لجهود مكثفـــة بين اللجنـــة العليا للإصلاح الإداري، وأجهزة الخدمـــة المدنية الأخرى فقد تم إصدار نظام الخدمة المدنية المعمول به حاليّاً في منتصف عام 1397هـ /1977م ([10]) ، ولازم هذا الإصدار إصدار نظام للمستخدمين، ونظام جديد للديوان العام للخدمة المدنية، ونظام لأول مرة لمجلس الخدمة المدنية. وجاء صدور هذه الأنظمة نتيجة لإيجابيات الحركة الإصلاحية العديدة لأنظمة الخدمة المدنية خلال نصف قرن من الزمان 13441397هـ /19261977م ، ولتمثل قاعدة أساسية للانطلاقة المستقبلية لجهود الإصلاح في الخدمة المدنية في المملكة العربية السعودية.

2–الديوان العام للخدمة المدنية :

إن المتتبع لتطور أنظمة الخدمة المدنية في المملكة العربية السعودية يلحظ التطور الهائل الذي حدث لبنية وظيفة الجهاز المسؤول عن أنظمة الخدمة المدنية ولوائحها. فبينما كان الوضع قبل عام 1344هـ /1926م  يفتقد إلى وجود أي تنظيم إداري مناط به مسؤولية تنفيذ أنظمة الخدمة المدنية ومتابعتها كان لدى كل دائرة مستقلة طريقتها الخاصة بتنظيم شؤون الموظفين لديها. إلا أن صدور أنظمة التعليمات الأساسية أحدثت وظيفة مسجل باسم "مأمور سجل" في التشكيلة الوظيفية للنيابة العامة هدفها القيام بعمليات شؤون الموظفين المركزية لموظفي الدولة ([11]) . (انظر جدول رقم1).

بعد ثمان سنوات من صدور نظام التعليمات الأساسية لمأموري الدولة (نظام المأمورين) تم تأسيس "ديوان المأمورين والعوائد المقررة" بصفته أحد الإدارات في الهيكل التنظيمي في وزارة المالية والاقتصاد الوطني في عام 1357هـ/1939م ([12]) ، وجاء تشكيل هذا الديوان بمثابة إدارة مركزية في وزارة المالية لتعنى بعمليات شؤون الموظفين، إلا أن مسؤولياتها ومهامها لم تتغير كثيراً عن تلك التي أوكلت لوظيفة مأمور السجل. وفي عام 1366هـ/1946م، وبعد عـــام من إصدار نظام الموظفين لعام 1364هـ/1945م، تم إعادة تنظيم ديوان المأمورين والعوائد المقررة إلى "ديوان الموظفين والتقاعد"([13])، ليشمل بهذا التنظيم عمليات تقاعد الموظفين بالإضافة إلى العمليات الأساسية لشؤون الموظفين، واحتفظ بكينونته إدارةً مركزية في الهيكل التنظيمي لوزارة المالية والاقتصاد الوطني.  استمر التنظيم الإداري لديوان الموظفين والتقاعد لمدة ثلاثة عشر عاماً. وكنتيجة حتمية لصدور نظام الموظفين العام لعام 1377هـ /1958م ، وصدور نظام التقاعد في عام 1378هـ /1959م الذي ينص في المادة الثامنة على إنشاء مصلحة استحقاقات التقاعد مصحلةً مستقلة تعنى بشؤون تقاعد الموظفين، فقد تم فصل مهام التقاعد الموكلة لديوان الموظفين والتقاعد وأوكلت لهذه المصلحة ([14]) ؛ لذا فقد تم إعادة تنظيم ديوان الموظفين والتقاعد ليصبح جهازين مستقلين، أحدهما : ديوان الموظفين ، ويقع ضمن التشكيل الإداري لوزارة المالية والاقتصاد الوطني، والآخر : مصلحة استحقاقات التقاعد، وهو جهاز مستقل يدار من قبل مدير عام ونائب له، يتم تعيينهم بقرار من مجلس الوزراء بناء على توصية وزير المالية والاقتصاد الوطني. إلا أن بقاء ديوان الموظفين  وحدةً إدارية ضمن التشكيل الإداري لوزارة المالية والاقتصاد الوطني لم يستمر طويلاً ففي عام 1959م وبناء على قرار مجلس الوزراء فقد فُصل ديوان الموظفين من وزارة المالية والاقتصاد الوطني ، وأعطي استقلالاً إداريّاً ، وربط تنظيمياً برئاسة مجلس الوزراء. ([15])

جدول رقم 1 : التطور التاريخي للجهاز المركزي للخدمة المدنية

في المملكة العربية السعودية

قبل عام 1344هـ/1926م، كان لدى كل دائرة مستقلة طريقتها الخاصة بتنظيم شؤون الموظفين لديها.

في عام 1346هـ /1928م، تزامناً مع إصدار التعليمات الخاصة، تم إحداث وظيفة مأمور سجل في النيابة العامة وذلك للاهتمام بشؤون المأمورين.

في عام 1357هـ /1939م، بعد ثمان سنوات من إصدار نظام المأمورين ظهر ديوان المأمورين واحداً من الإدارات في الهيكل التنظيمي لوزارة المالية والاقتصاد الوطني.

بعد عام من إصدار نظام الموظفين لعام 1346هـ /1945م وبناء على القرار الإداري رقم 26 لوزارة المالية والاقتصاد الوطني تم إعادة تنظيم ديوان المأمورين، وأطلق عليه ديوان الموظفين والتقاعد في عام 1946م، وبهذا فإن الديوان قد شمل مهام عمليات تقاعد الموظفين.

في عام 1378هـ/1959م، تزامنا مع إصدار نظام الموظفين العام وإصدار نظام التقاعد فصلت مهام عمليات تقاعد الموظفين ، وأوكلت لمصلحة استحقاقات التقاعد التي تم إنشاؤها حديثا، وأعيد تنظيم ديوان الموظفين والتقاعد ليصبح الديوان العام للموظفين.

في عام 1378هـ/1959م، بناء على قرار مجلس الوزراء تم فصل الديوان العام للموظفين وأعطي استقلالاً إداريّاً.

في عام 1383هـ /1964م، بناء على قرار مجلس الوزراء رقم 792 تم رفع وظيفة رئيس ديوان الموظفين العام إلى مرتبة وزير.

في عام 1389هـ /1969م تم إعادة تنظيم ديوان الموظفين العام عن قرار اللجنة العليا للإصلاح الإداري رقم 16 وتاريخ 7/5/1969م .

في عام 1391هـ /1971م، تزامنا مع إصدار نظام الموظفين العام لعام 1391هـ /1971م تم إصدار نظام الديوان العام للموظفين حيث تم تحديد مهام الديوان ومسؤولياته مما أدى إلى إعطاء الديوان صلاحيات أوسع.

في عام 1397هـ /1977م، تزامنا مع إصدار نظام الخدمة المدنية تم إعادة تنظيم الديوان العام للموظفين ليصبح الديوان العام للخدمة المدنية ، وتم فصل المهام التشريعية التي كان يزاولها ، وأوكلت إلى مجلس الخدمة المدنية الذي أنشئ  حديثاً ليكون المصدر الأعلى لتشريعات الخدمة المدنية. كذلك تم إصدار نظام الديوان العام للخدمة المدنية لتحديد مهامه ومسئولياته.

المصدر بتصرف:

Ahmed Al–Hamoud, "the Reform of the Reform: A Critical and Empirical Assessment of the 1977 Saudi Civil Service Reform," Ph.D. Dissertation, University of Pittsburgh, 1991.

ورغبــــة في تعزيــــز قدرة ديوان الموظفين بأداء مهامه بشكل فعال، فقد رُفع مستـــوى رئيس الديوان إلى مرتبـــة وزير ، وذلك بناء على قـــرار مجلس الوزراء 792 وتاريخ 29/12/1383هـ /11/5/1964م. وفي عام 1389هـ /1969م، رغبة في تحديث الجهاز الإداري لديــوان الموظفين أُعيد تنظيمه من قبل اللجنة العليا للإصلاح الإداري. تركــــز هذا التغيير على البنيــــة التنظيمية للديـــوان، واستمر بمزاولة مهامه في التنظيم السابق. ([16]) إلا أنه  في عام 1391هـ /1971م، وذلك تزامنا مع إصدار نظام الموظفين العام لعام 1971م تم إصدار نظام جديد للديوان باسم نظام ديوان الموظفين العام حيث توافر له صلاحيات أوسع ([17]). إلا أن تطـــور ديــــوان الموظفين العام لم يتوقـــف عند هذا الـــحد، ففي عام 1397هـ/1977م، وذلك تزامناً مع صدور نظام الخدمة المدنية أُعِيْدَ تنظيم الديوان العام للموظفين ليصبح الديوان العام للخدمة المدنية، مع زيادة في الصلاحيات والمهام الموكلة لــــه([18]). وفي الوقت نفسه فقد  تم إنشاء مجلس الخدمة المدنية، ليكون بمثابة الهيئة التشريعية لأنظمة الخدمة المدنية في المملكة العربية السعودية، يقوم برئاسته رئيس مجلس الوزراء ، وينوب عنه نائب رئيس مجلس الوزراء([19]).

 

 

الجزء الثالث : البنية التنظيمية للخدمة المدنية :

تتميز الخدمة المدنية في المملكة العربية السعودية ببنيتها التنظيمية التي تعد بهيئتها الحالية  نتاج للجهود الإصلاحية العديدة التي استهدفت تطوير نظم الخدمة المدنية وتحديثها، والتي توجت بالحركة الإصلاحية لبنية الخدمة المدنية لعام 1397هـ/1977م، والقرارات اللاحقة لها. ومع أن هناك طرق عدة يمكن النظر من خلالها إلى البنية التنظيمية للخدمة المدنية، إلا أن التوزيع البنيوي لتنظيم الخدمة المدنية المبين في شكل (2)  يبدو أكثر ملاءمة لأهداف هذه الدراسة؛ لذا فإنه سيتم التطرق لجميع أبعاد البنية التنظيمية للخدمة المدنية بشكل موجز، ويتم من خلال هذا العرض التركيز على تلك الأجهزة التي لها علاقة مباشرة بالخدمة المدنية في المملكة العربية السعودية.

شكل 2

البنية التنظيمية للخدمة المدنية

 
أ– البنية التشريعية:

تأتي البنية التشريعية  في قمة الهرم، من حيث الأهمية لفعالية البنية التنظيمية للخدمة المدنية، حيث تشمل هذه البنية مجلس الوزراء ومجلس الخدمة المدنية. ويعد مجلس الوزراء أعلى جهة تشريعية في المملكة العربية السعودية، فهو المسؤول عن إقرار الأنظمة ودراستها وتغييرها؛ لذا فإن علاقة مجلس الوزراء في بنية الخدمة المدنية واضحة، ومهمة بمستوى أهمية مجلس الوزراء في الحياة الاجتماعية والسياسية والاقتصادية للبلاد. ([20])

ويمكن في هذا الخصوص أن ينظر إلى مجلس الشورى بصفته بنية مكملة للبنية التشريعية، وذلك بمقتضى أن مجلس الشورى له حق إبداء الرأي في السياسات العامة للدولة، التي تحال إليه من رئيس مجلس الشورى، وذلك وفقاً للمادة الخامسة عشرة من نظامه التي تنص على أن: يبدي مجلس الشورى الرأي في السياسات العامة للدولة التي تحال إليه من رئيس مجلس الشورى ، وله على وجه الخصوص ما يأتي:

أ   مناقشة الخطة العامة للتنمية الاقتصادية والاجتماعية وإبداء الرأي نحوها.

ب– دراسة الأنظمة واللوائح والمعاهدات والاتفاقيات الدولية والامتيازات ، واقتراح ما يراه بشأنهـــــــا.

ج– تفسير الأنظمة.

د– مناقشة التقارير السنوية التي تقدمها الوزارات والأجهزة الحكومية الأخرى ، واقتراح ما يراه حيالها. ([21])

إلا أن أكثر هذه الأجهزة التشريعية التصاقاً بطبيعة عمل الخدمة المدنية هو مجلس الخدمة المدنية الذي تم إنشاؤه بناء على قرار مجلس الوزراء رقم 950 في 27/6/1397هـ الصادر بالمرسوم الملكي رقم م/48 وتاريخ 10/7/1397هـ. ([22]) ويتم تشكيل المجلس برئاسة الملك والنائب الأول لرئيس مجلس الوزراء نائباً للرئيس ، ويشترك في عضوية المجلس رئيس الديوان العام للخدمة المدنية ، وأربعة من أعضاء مجلس الوزراء ، وثلاثة أعضاء من ذوي الاختصاص ، يتم اختيارهم بصفتهم الشخصية من قبل رئيس المجلس.([23]) ويشير نظام مجلس الخدمة المدنية إلى النطاق الواسع الموكل للمجلس حيث إن الهدف من إنشائه هو التخطيط والتنظيم، والإشراف على شؤون الخدمة المدنية في جميع الوزارات والمصالح الحكومية والمؤسسات العامة. ([24]) وتلخص المادة التاسعة من نظام مجلس الخدمة المدنية اختصاصاته بما يأتي:

أ  اقتراح الأنظمة المتعلقة بشؤون الخدمة المدنية لإصدارها بالطرق النظامية.

ب– إصدار اللوائح المتعلقة بشؤون الخدمة المدنية، وإبداء الرأي في المعاملات التي ترفع من الوزارات والمصالح الحكومية ذات العلاقة بالعاملين في الخدمة المدنية.

ج – التعاون مع الجهات المختصة في المجالات الآتية:

1– رسم السياسات العامة  للخدمة المدنية، ووضع الخطط والبرامج اللازمة لتنفيذها.

2– تنمية القوى العاملة في الجهاز الحكومي ، ورفع كفايتها الإنتاجية عن طريق التدريب والإعداد.

3– تطوير التشكيلات والنظم الإدارية القائمة في الأجهزة الحكومية ، وتحسين إجراءات العمل فيها ، وتحسين أساليبه.

4– أحكام الرقابة الإدارية في جميع ما يؤدي ضمن شؤون الخدمة المدنية من أعمال وإجراءات من قبل الأجهزة العاملة في الدولة، بما في ذلك الأجهزة ذوات الشخصية المعنوية العاملة، والتأكد من تمشيها مع الأنظمة واللوائح.

5– تصنيف الوظائف.

6– دراسة معدلات الأجور والرواتب، واقتراح تعديلها ، وكذلك تحديد صرف المكافآت والبدلات للعاملين في الخدمة المدنية وتنظيمها.

د  ما يتم إسناده إليه مستقبلاً من اختصاصات أخرى بقرار من مجلس الوزراء.

ويساعد مجلس الخدمة المدنية في أداء عمله اللجنة التحضيرية لمجلس الخدمة المدنية والأمانة العامة لمجلس الخدمة المدنية . وتتكون عضوية اللجنة التحضيرية لمجلس الخدمة المدنية من عضوية كل من مدير عام معهد الإدارة العامة، وينوب عنه حاليّاً في هذه العضوية نائب مدير عام المعهد لشؤون التدريب، ونائب رئيس الديوان العام للخدمة المدنية لتطوير الخدمة، وأمين عام مجلس الخدمة المدنية عضواً ومنسقاً للمجلس، ومدير عام الإدارة المركزية للتنظيم والإدارة. وتتلخص مهام هذه اللجنة بدراسة المعاملات التي تحال إليها، ولتقديم آراء المتخصصين فيما يتعلق بمواضيع الخدمة المدنية المختلفة. ويمكن أن يطلب من اللجنة إبداء رأيها المتخصص بناء على طلب من رئيس مجلس الخدمة المدنية ، أو بطلب من رئيس الديوان العام للخدمة المدنية. ([25]) أما فيما يتعلق بالأمانة العامة لمجلس الخدمة المدنية فهو بمثابة جهاز سكرتارية للمجلس، يديره أمين عام مرتبط إداريّاً برئيس الديوان العام للخدمة المدنية ، ويقوم بمساعدته مساعد أمين عام. ([26])

ب– البنية الاستشارية:

تشترك الإدارة المركزية للتنظيم والإدارة مع اللجنة العليا للإصلاح الإداري بتكوين البنية الاستشارية للخدمة المدنية. إلا أن تضاؤل فعالية مهمة الإدارة المركزية للتنظيم والإدارة في عملية التنمية الإدارية بشكل عام والخدمة المدنية بشكل خاص، واقتصار مهمتها بتقديم خدماتها بصفتها وحدةً داخلية لوزارة المالية والاقتصاد الوطني([27]) ألقى على عاتق اللجنة العليا للإصلاح الإداري كثيراً من المهام الاستشارية التي تتعلق بالخدمة المدنية. ([28]) ويمكن النظر بهذا الخصوص بأن هيئة الخبراء في مجلس الوزراء تشترك في تكوين البنية الاستشارية للخدمة المدنية ؛ وذلك لأن جزءاً من مهامها دراسة الأنظمة، وإبداء الرأي حيالها قبل اعتمادها من قبل مجلس الوزراء.

تبرز مهمة اللجنة العليا للإصلاح الإداري  في البنية الاستشارية للخدمة المدنية بشكل واضح، وذلك لأسباب عدة أهمها رئاستها من قبل الملك، ودورها التاريخي بدراسة كثيرٍ من التنظيمات الإدارية المعاصرة في المملكة وصياغتها، وكذلك طبيعة مهامها وصلاحياتها التي أوكلت إليها.  وتعود نشأة اللجنة العليا للإصلاح الإداري إلى النتائج العديدة التي تمخضت عنها الدراسات التي أجرتها مؤسسة فورد، وذلك بناء على طلب من حكومة المملكة في بداية الثمانينات الهجرية، حيث توجت توصيات هذه الدراسات بتشكيل اللجنة العليا للإصـــلاح الإداري، بناء على قرار مجلس الوزراء رقم (520) وتاريخ 5/7/1383هـ، حيث نص على ما يأتي: ([29])

1– تكوين لجنة من أعضاء مجلس الوزراء تحت رئاسة سمو رئيس مجلس الوزراء.

2– ينوب عن سموه في الرئاسة وزير الدفاع والطيران.

3– تتألف اللجنة من وزير الدفاع والطيران المدني، ووزير المواصلات، ووزير البترول والثروة المعدنية، ووزير الإعلام.

وقد تمت إعـــادة تشكيــــل اللجنة كرات عدة ، حيث صدر قرار مجلس الوزراء رقم (1192) وتاريخ 8/9/1388هـ /1968م بتعيين رئيس الهيئة المركزية للتخطيط، ورئيس ديوان الموظفين العام، ووزير الزراعة والمياه أعضاء في اللجنة العليا للإصلاح الإداري. ([30])  ثم أعيد تشكيــــل اللجنة بموجب قرار مجلس الــوزراء رقم (465) وتاريخ 25/6/1391هـ/1971م على النحو الآتي:

وزير الدفاع والطيران

نائباً للرئيس

وزير الدولة رئيس الديوان العام للخدمة المدنية

عضواً

وزير الدولة رئيس الهيئة المركزية للتخطيط

عضواً

وزير الدولة رئيس هيئة التأديب

عضواً

وزير المالية والاقتصاد الوطني

عضواً