مقدمـــة :

من السهل على أي كاتب اجتماعي أو سياسي أو اقتصادي أن يكتب عن تجربة الملك المؤسس عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود؛ لأنها موسوعة يستطيع أن يختار منها ما يشاء دون عناء؛ لأنها ملاحم في كل زاوية من زوايا الفعل والأثر الحضاري ترتقي إلى درجة المعجزات؛ لأنها تجربة في صناعة التاريخ بكل معنى للكلمة. وإذا كان التاريخ المسجل قد عرف تجارب عظيمة لقادة تركوا أثراً بالغاً في ذاكرته فإن ما حققه هذا البطل أمر مميز حقا؛ فهو انطلق لاستعادة ملك آبائه وأجداده دون إمكانات تذكر سوى الإيمان بالله ثم بإرادة لا تقبل المساومة أو الهزيمة، لم يكن يملك جيشاً أو مالاً أو أدوات حديثة أو حربية كتلك التي توفرت للقادة التاريخيين الذين عرفهم العالم،  لقد بدأ التأسيس بعدد من الرجال المؤمنين الأشداء، وبعزيمة صلبة ولكن إيمانه وشجاعته أولا، ومن ثم حكمته ودرايته الإدارية كانت أسلحته الأقوى والأمضى ومعينه الذي لا ينضب.

ويوم انطلق من الرياض بعد استعادتها في اتجاه أهدافه الأخرى كان – رحمه الله – لا يملك من الوسائل إلا مثل ما بدأ به ، وظل يجاهد ومع كل نصر تزداد قوته الحربية والمعنوية لا المادية،  وكان منذ اليوم الأول يمارس منهجاً إدارياً تعجز عن وصفه كل النظريات الإدارية المعروفة، حيث وضع الأسس العريضة لنمط إداري خاص يمكن تسميته الإدارة السياسية بكل معاني السياسة والإدارة وجزئياتها ومستوياتها، ولقد مثلت الإدارة على المستوى المحلي كلمة السر لهذا النمط الإداري السياسي الجزئي؛  فلقد كان لفلسفة الملك عبدالعزيز الإدارية وقدراته القيادية الأثر الأكبر في كسب ولاء القوى والتنظيمات المحلية مما أسهم في اندماج أجزاء البلاد المختلفة وتماسكها وتعميق وحدتها. إذاً لقد بدأ تأسيس هذا الصرح الشامخ وبناءه من الجزء إلى الكل، لذلك ما أحرى وأنصف من أن يعطى هذا الموضوع حقه من الرصد والتحليل والدراسة والتوثيق العلمي.

لا شك أن هناك الكثير الذي كتب وقيل عن الإدارة في المملكة من حيث أساسياتها وتاريخها وبيئتها وأنظمتها والتطورات المتعاقبة لهياكلها الإدارية وتشكيلاتها الوظيفية وأنظمتها البنائية، وبالرغم من ذلك فإن المحاولات الكتابية التي عالجت موضوع الإدارة المحلية ضمن ذلك الإطار قليلة جداً ، وتكاد تكون معدومة عندما يتعلق الأمر بالربط بين الإرادة الفكرية والإدارة العملية للملك عبدالعزيز في ضوء المعاني المفهومة والخلفية النظرية conceptual and  theoretical backgrounds  للإدارة المحلية مع مكونات العملية الإدارية. من هذا المنطلق يأتي هذا البحث، لا ليستعرض فقط الجذور التاريخية للإدارة المحلية وتطوراتها الوظيفية والبنائية المتعاقبة ، ولكن ليبين ويبرز الأثر المحوري الفكري والتطبيقي للملك عبدالعزيز في تبني أنماط وأنظمة إدارية وتوليدها على المستوى المحلي، أسهمت في تحريك المجتمعات المحلية نحو حفظ الوحدة الوطنية وتماسكها، وبالتالي صنع البيئة الملائمة لولادة التنمية الوطنية الشاملة وتطورها .

 

أهداف البحث :

تهدف هذه الدراسة إلى إلقاء الضوء على تجربة الملك عبدالعزيز في واحد من أهم الأساليب التنظيمية الإدارية، ألا وهي الإدارة المحلية، وسيتم تناول هذا الموضوع بجميع أبعاده النظرية والتاريخية والوظيفية والبنائية والتنموية ، مع تركيز خاص على دور الملك عبدالعزيز في ذلك كله من حيث التأصيل الفكري والتنظيمي والممارسة العملية، وينبثق من هذا الهدف العام عدة أهداف فرعية بحثية على النحو الآتي :

1– استعراض أحوال وأوضاع الإدارة المحلية السائدة في كل منطقة من مناطق المملكة قبيل دخول الملك عبدالعزيز إلى كل واحدة منها وضمها إلى حكمه ، ابتداء من دخول الرياض في عام 1319هـ وانتهاءً بالمنطقة الغربية في عام 1344هـ.

2– بيان أهمية الإدارة المحلية وأثرها وسيلة محفزة وأداة رسمية مؤثرة استطاع الملك عبدالعزيز بها ومن خلالها تثبيت دعائم الأمن والسلم الاجتماعي والاستقرار الإقليمي ، ومن ثم تعزيز السلطة المركزية والوحدة الوطنية.

3– تتبع الترتيبات والتطورات التنظيمية والمؤسسة التي مرت على الإدارة المحلية ورصدها منذ استعادة الرياض حتى انتقال الملك عبدالعزيز إلى الرفيق الأعلى ، مع استعراض أبرز المستجدات المرحلية التي تلت ذلك في هذا المجال إلى يومنا الحاضر.

4– استنتاج الدروس والعبر المستفادة من حكمة الملك عبدالعزيز وأثره التاريخي في إدارة الدولة على المستوى المحلي ، مع بيان القيم الاعتبارية والمدلولات العلمية والعملية لنهجه الإداري وتأثير ذلك على التطورات المتلاحقة للإدارة المحلية في المملكة .

 

أهمية البحث : 

إن البحث الواعي المجود في الإدارة المحلية يعد من الأمور المهمة والجديرة بالدرس والتحليل والاعتبار ، لما لتلك الإدارة من أهمية قصوى في ترجمة الأهداف والسياسات الوطنية إلى واقع ملموس على مستوى المجتمعات المحلية وتنميتها؛  فوظيفة الإدارة المحلية تعد الوظيفة الأكثر أهمية؛ لأنها دائماً تمثل الأساس الطبيعي في تنظيم المجتمع والتعامل مع قضاياه المباشرة وهمومه وحاجاته الحياتية اليومية، إنها باختصار إدارة الخدمات والمرافق الأساسية للإفراد والجماعات، ولهذا فإن مثل هذه الدراسات تظهر لنا طبيعة التفاعل والعلاقة بين الوحدات المركزية وقادتها من جانب والمجتمعات المحلية وقواعدها الشعبية من جانب آخر ، ومن ثم استشفاف واستنتاج مستوى الانتماء والولاء السياسي والرضى المجتمعي والنجاح التنموي بأطيافه المختلفة لأي مجتمع كان وفي أي نقطة زمنية من التاريخ .

وإذا كان من الطبعي أن يكون هذا التصور والأهمية للإدارة المحلية معبرا عن الحقيقة في مجتمعات العالم بصفة عامة ، فإن ذلك آكد عند الحديث عن تجربة الملك عبدالعزيز في هذا الجانب الإداري المهم،  فلقد صنعت تجربة الملك عبدالعزيز في بناء المملكة فلسفة فريدة وغنية وذات طابع خاص ومميز؛ لأنها قامت وترسخت وفقا لمنطق الدراية الإدارية في إدارة الدولة خصوصا على المستوى المحلي الذي صنع النواة الجوهرية والأساس القاعدي لنشأة الدولة السعودية الحديثة وتطورها، لقد كانت الإدارة المحلية من أهم الوسائل – بعد توفيق الله – التي ساعدت الملك عبدالعزيز على استعادة ملك أجداده وإدارة مملكته بحكمة وحنكة متناهية ، فضلاً عن كونها الأداة الرئيسة لتنفيذ مفاهيمه للحكم في شتى مناحي الحياة من عدل وأمن وحفظ نظام وتنمية وتحقيق تكامل، إضافة لكونها وسيلة اتصال وتواصل مع المواطنين .

وقد لوحظ على كثير من الدراسات التاريخية السابقة عن الإدارة الحكومية في المملكة تركيزها على الطابع التكويني الإداري العام على حساب الرؤى النافذة في نسيج الممارسات الإدارية على المستويات المحلية ، خصوصاً في مدة التأسيس وانعكاسات ذلك على التحولات الجوهرية التي حدثت بعد ذلك في النظام السعودي الإداري.  وتأسيسا على ذلك فإنه يمكننا القول: إن هذا البحث المتواضع عن بناء الإدارة المحلية ونموها في المملكة ليس إلا بداية نوعية من أجل سد النقص في هذا المجال والعمل على تحقيق قدر دال من الاستنارة على أهمية الإدارة المحلية وأثرها الفاعل والمؤثر في قيام نمو هذا البناء الشامخ وصيانته من خلال الأفكار والأقوال والممارسات التي جسدها الملك عبدالعزيز إبان مدة حكمه المديدة، هذه الأهمية وهذا الأثر يفرضان علينا أن ندرس ذلك، ونبحثه بعناية منهجية وإدراك متكامل من أجل تقدير المنجزات الكبرى في الماضي والاعتبار في الحاضر والاستبصار في المستقبل .

إن هذا البحث يتيح فرصة تأمل ونظرة ثاقبة في مجال الثقافة الإدارية السعودية المحلية، لإعادة بعث أحداث حقبة التأسيس المميزة وقراءتها مجددا ، ومن ثم الاستفادة من دروسها المختلفة وعلى وجه التحديد التفسيرات النصية منها والعملية وطاقاتهما الدلالية.  ومن المؤكد أن هذا البحث يأتي في وقته تماما ؛ إذ يتزامن مع حلول الذكرى المئوية الأولى لوضع حجر أساس نشأة الدولة السعودية الحديثة ، وهو فرصة مواتية ينبغي اغتنامها لفهم أوسع وأعمق للواقع الإداري المحلي أثناء حكم الملك عبدالعزيز لأجل اكتشاف ميراثه الفكري والعملي والاستفادة والاعتبار من ذلك في رسم معالم المستقبل.  من هذا التصور فإن الغاية المأمولة من هذا البحث تأتي في سياق توضيح الجوانب التاريخية لتجربة الملك عبدالعزيز الإدارية والتراسل مع المبادئ الكبرى التي آمن بها فكراً وطبقها منهجاً وممارسة في إدارته أجزاء هذه الدولة الفتية المترامية الأطراف وأقاليمها، ومن ثم استخراج معانيها واستجلابها من أجل التواصل والتفاعل مع الجديد في مجال الإدارة المحلية وتنميتها .

 

منهج الدراسة :

يقوم هذا البحث على الدراسة النظرية الوصفية التحليلية المتمثلة في مراجعة الوثائق والأنظمة والدراسات التي نشرت بشأن موضوع الإدارة المحلية ، مع تركيز خاص على بعض التفسيرات الوظيفية والبنائية لبعض النصوص والأحداث والممارسات التي تمت في عهد الملك عبدالعزيز من أجل استيفاء الشواهد والأدلة وتفسيرها تفسيرا نوعيًّا هادفاً يخدم أغراض الدراسة.  لذلك فإن منهج الدراسة المتبع هنا هو خليط بين المنهج التاريخي والمنهج الوصفي الوثائقي القائم على المسح المكتبي ، وأهم مراجعه تتكون من:

1– الوثائق والسجلات التاريخية الشخصية والرسمية .

2– الأنظمة السعودية قديمها وحديثها .

3– الكتب التاريخية والعامة التي تطرقت إلى عهد الملك عبدالعزيز .

4– الجهود العلمية والبحثية السابقة ذات العلاقة بالموضوع .

5– الكتب الأكاديمية والتدريسـية المتـخصصة في مجال الإدارة العامة عموما والإدارة المحلية على وجه الخصوص .

6– المقالات التي نشرت في الصحف والمجلات والتي تطرقت بشكل أو بآخر لنهج الملك عبدالعزيز وفلسفته في إدارة الدولة وأقاليمها المختلفة .

 

خطة الدراسة :

في هذا البحث سيتم تناول موضوع الإدارة المحلية في المملكة من منطلق متكامل ومنهجي لخدمة غرض البحث الأساس وأهدافه الفرعية ، وعلى هذا الأساس سوف يتضمن البحث الأقسام الرئيسة الآتية :

1– الإطار النظري والدراسات السابقة للإدارة المحلية .

2– الإدارة المحلية في عهد الملك عبدالعزيز : الجذور التاريخية والترتيبات التنظيمية .

3– فلسفة الملك عبدالعزيز في الإدارة المحلية وتجربته.

 

الفصل الأول: الإطار النظري والدراسات السابقة :

لا شك أن وظيفة الوحدات المحلية تعد اليوم الأكثر أهمية  أو ينبغي أن تكون – لدى الحكام والمحكومين على حد سواء ، خصوصا في عصر دولة الإدارة والرفاهية الاجتماعية؛ فالوظائف التي تقوم بها الوحدات المحلية ضمن امتداداتها الجغرافية تمثل دائما الأساس المنطقي والطبعي في تنظيم المجتمعات المحلية وإدارتها ، من حيث التعامل مع قضايا المواطنين المباشرة وهمومهم اليومية وحاجاتهم الأساسية ، ناهيك عن تأمين المحافظة على الأمن والنظام المحليين .

 إن هذه الأهمية وهذا الأثر الحيوي الذي تقوم به الوحدات المحلية ليس حدثا عصريا نتيجة للمستجدات والتحولات الجذرية التي شملت جميع مناحي الحياة ونشاطاتها، بل إن ذلك يعود إلى بدايات وجود الإنسان نفسه على هذه البسيطة؛ فالسلطات المحلية قديمة قدم الإنسان نفسه حيث إن التنظيمات المحلية تعد أرسخ أنواع الترتيبات الإدارية قدما في كل مجتمع إذ إن لها وجوداً في القبيلة والقرية والمدينة وجميع التجمعات البشرية؛ فلقد تمتع حكام الأقاليم وأمراء المدن والقرى وشيوخ القبائل بسلطات متباينة لإدارة دفة شؤون مناطقهم الجغرافية،  وبنمو هذه الأقاليم والمدن والقرى عبر الزمان والمكان نما كذلك أثر التنظيمات المحلية ودورها وأهميتها وتشكيلاتها، لذلك فإنه يمكن القول : إن محافظة التنظيمات المحلية على أهميتها وأثرها عبر التاريخ وترقية ذلك إنما يعود في الدرجة الأولى إلى أنها كانت ومازالت اليد الطولى لكل قائد من أجل إدارة الاستقرار المحلي القومي وتهيئة البيئة الملائمة لتحفيز التطور الاقتصادي والاجتماعي .

 وفي عصرنا هذا ، عصر التوسع المضطرد غير المسبوق في وظائف الدولة ، وبالتالي والإدارة عدداً ونوعاً وتعقيداً ، أصبحت التنظيمات المحلية تحتل مكان الصدارة من حيث كونها خط الدفاع الأول للاستقرار المحلي وصانعة للتنمية الشاملة إذا ما أحسن استغلالها وتوظيفها، وتشير جميع التجارب والتقارير الصادرة عن المنظمات الدولية التابعة للأمم المتحدة وغيرها من المنظمات الدولية الأخرى على أهمية المجتمعات المحلية في كونها ميادين رحبة وبيئات صالحة لتحقيق الانطلاقة الحقيقية للتنمية الشاملة . ([1])  ولذلك يعد تطوير المجتمعات المحلية هو غاية التنمية وهدفها المعلن، كما أن أجهزتها المحلية تعد في الوقت نفسه الوسيلة الأساسية والأداة المحفزة لإدارة التنمية وتيسير سبل تحقيقها.

ورغم هذه الأهمية الفعلية والعملية لأثر التنظيمات المحلية ، إلا أن الاهتمام الأكاديمي المكثــــف بدارسة تلك التشكيــــلات المحليـــــة كما أكــــد ذلك مارشــــال (A. H. Marshall) وغــيره– لا يرتقي إلى ما تقوم بـــه من خدمات أساسية وجوهريـــة تمس حياة الناس بصفة مباشرة وملموسة. ([2]) ومما زاد الأمور تعقيدا من الجانب الأكاديمي كما هو الحال من الجانب التطبيقي هو عدم وجود نظرية قيمية عامة تحدد ما يجب أن تكون عليه التنظيمات المحلية،([3]) أو ما يسمى بفكرة النموذج أو الإطار الفكري العام الإرشادي Paradigm ، في ظل تعاظم أثر الدولة ومن ثم زيادة احتمال عجزها عن القيام بجميع المهمات التي ينبغي القيام بها على أساس إقليمي أو محلي .

وعلى هذا الأساس فليس مستغربا أن تتعدد المصطلحات وتتباين التعاريف التي تعالج موضوع التنظيمات المحلية، حتى بدا كأن الأمر يتعلق بأزمة مفهومات، الأمر الذي يعكس طبيعة التباين الأكاديمي وغير التماثل التطبيقي، ولعل ما يقتضي التوقف عنده هنا يتعلق بشفافية الاتفاق حول إظهـار مدلول بعض الألفاظ المتعارف عليها في هذا الموضوع، حتى أن الممارس أو "الدارس كثيرا ما يتساءل إن كان فعلا يفهم ما يعني الكاتب بألفاظ المركزية واللامركزية".([4])

ونحن في هذا البحث إذ نحرص على إظهار ما تناولته أدبيات الإدارة في هذا المجال من اختلاف وتوافق ، فإننا كذلك نهدف إلى إعطاء القارئ تعاريف ميسرة وملائمة من خلال الاستعانة بما كتب عن التنظيمات المحلية ، مما يؤدي إلى تقريب مفهومها إلى إدراك القارئ والباحث والممارس على حد سواء .

تعد مفاهيم اللامركزية الإدارية والإدارة المحلية والحكم المحلي من أكثر التعابير الشائعة والمتداولة عندما يتعلق الأمر بالتنظيمات أو السلطات المحلية،  بل إن هناك بعض الكتاب من يعد تلك المفاهيم الثلاثة بمثابة أساليب أو نماذج رئيسة ومتباينة للتنظيم الإداري المحلي .  وفيما يأتي استعراض مختصر لهذه المفاهيم وفقا لهذا الرأي : ([5])

1– يكون التنظيم المحلي شكلاً من أشكال اللامركزية الإدارية عندما تتم إدارة الشؤون المحلية من خلال فروع الأجهزة الحكومية المختلفة ، مع ضرورة وجود مجالس تنسيقية محلية تضم في عضويتها مجموع ممثلي تلك الأجهزة .

 2– يكون التنظيم المحلي شكلاً من أشكال الإدارة المحلية عندما يتم نقل بعض السلطات المركزية وليس تفويضها فحسب للهيئات المحلية المختلفة ، مع ضرورة تشكيل مجالس محلية لإدارة النشاطات التي تم نقلها إليها من الوزارات والأجهزة الحكومية المختلفة، ووفقا لهذا النموذج فإنه يجب أن تتضمن تشكيلة المجالس المحلية وجود أعضاء من الأهالي المحليين ، هذا مع إمكان تعيين بعض ممثلي الإدارات الحكومية المركزية في هذا المجلس .

3– يكون التنظيم المحلي شكلاً من أشكال الحكم المحلي عندما يتم تشكيل مجالس محلية تتولى جميع الأمور التنفيذية والتشريعية والقضائية على المستوى المحلي، ووفقا لهذا الأسلوب فإنه لا بد أن يقتصر تكوين تلك المجالس المحلية على أعضاء منتخبين من بين الأهالي ، مع عدم وجود أي تمثيل مركزي في تلك المجالس .

وهناك من الكتاب من يميز بين ظاهرتي المركزية الإدارية واللامركزية الإدارية من حيث كونهما أسلوبين من أساليب التنظيم الإداري،  ويوضح الشكل رقم (1.1) حصرا لأهم تفرعات المركزية واللامركزية والتي سيتم تغطيتها تباعا .

فالمركزية Centralization على إطلاقها قد تعني مركزية سياسية أو مركزية اقتصادية أو مركزية إدارية أو مركزية تعليمية  وهكذا،  وتقوم المركزية في مفهومها العام على أساس تجميع السلطة (إما سياسية ، اقتصادية ، إدارية ...) في يد هيئة مركزية واحدة في جميع أنحاء الدولة ، بحيث تتولى اتخاذ القرارات ومباشرة الوظائف بنفسها ، أو بواسطة موظفين يعملون باسمها وتحت إشرافها المباشر ، أي ليس لهم سلطـــة ذاتية، وإنما يستمدون سلطتهم في العمل وتولي الاختصاصات من السلطة المركزيــــة. ([6])

واستناداً لهذا المفهوم فإن المركزية الإدارية تقوم على أساس جمع أوجه النشاطات الإدارية المهمة وتركيزها في يد السلطة التنفيذية ، بمعنى حصر الصلاحيات وسلطة اتخاذ القرارات في يد الجهاز الإداري المركزي ، إلى الحد الذي يتوجب فيه على ممثلي الإدارة المركزية في الفروع المختلفة الرجوع إلى رؤسائهم التسلسليين في الإدارة المركزية في مجالات التصرفات الإدارية المختلفة. 

شكل رقم (1.1)

أساليب التنظيم الإداري

 

 

 

الجهاز الحكومي

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

المركزية الإدارية

"لا نقل للسلطة بل تفويض داخلي"

اللامركزية الإدارية

"نقل أو تفويض خارجي للسلطة"

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

مركزية مطلقة

"التركيز الإداري"

مركزية مرنة

"عدم التركيز الإداري"

اللامركزية المصلحية

أو المرفقية

"اللامركزية المؤسسية"

اللامركزية

الإقليمية

أو المحلية

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

الإدارة

المحلية

الحكم

المحلي

والمركزية الإدارية تتفاوت بحد ذاتها بين مركزية قويـة أو مطلقة ، وأخرى مفرطة على حسب درجة التطبيق الفعلي،  فالمركزيـــة المطلقة تسمى بالتركيز الإداري Concentration ؛ حيث تتركز السلطة الإدارية بكلياتها وجزئياتها في يد أجهزة الحكومة المركزية المستقـرة في العاصمة ، دون إعطاء ممثلي الحكومة في الفروع أي سلطة خاصة بالبت والتقرير النهائي . أما الدرجة الثانية من صور المركزية الإدارية (المركزية المفرطة) فتسمى بعدم التركيز الإداري concentration - De ، ووفقا لهذه الصورة فإنه يتم منح موظفي الحكومة في الفروع المختلفة بعض الاختصاصات التنفيذية المحدودة، بحيث يتم التصرف بحدود ما تخولُه السلطة المركزية وبإشـراف تسلسلي على حسب نطـاق السلم الإداري وتبعيته . ([7])

أما بالنسبة للامركزية Decentralization فهو أسلوب آخر في التنظيم يقوم على أساس توسيع الصلاحيات التي يتولاها ممثلو الإدارة المركزية في الفروع أو الأقاليم ، كما هو الحال في توزيع السلطات والاختصاصات  بين السلطة المركزية وهيئات أخرى تتمتع بالشخصية المعنوية، واللامركزية – بهذا المعنى – قد تكون لا مركزية سياسية أو لا مركزية مالية ، أو لا مركزية إدارية، وهكذا .

ويترتب على عملية توزيع السلطـة بعض التطبيقات العملية المهمة ([8])  ؛ فعندما تتوزع وظائف الدولة الثلاث – التشريعية والقضائية والتنفيذية – بين الحكومة المركزية وبين مراكز سلطة أخرى كالولايات أو الأقاليم أو الجمهوريات ، فإننا حينئذ نصبح أمام دولة مركبة، تعرف دستوريًّا باسم النظام الفيدرالي Federal System، ومن أمثلــــــــة الدول المركبة الولايات المتحدة الأمريكية وسويسرا. أما إذا اقتصر توزيع السلطة على الوظيفة التنفيذية فعندئذ نصبح إزاء نمط آخر من اللامركزية اتفق على تسميته باللامركزية الإدارية .

 ومن المتفق عليه بين معظم الكتاب والممارسين أن اللامركزية الإدارية تتجلى في مظهرين اثنين: ([9]) الأول: أنها تكون على أساس وظيفي (Functional) عرف باسم (اللامركزية الإدارية المصلحية أو المرفقية)،  وتعني اللامركزية المصلحية منح بعض المرافق الحكومية الشخصية الاعتبارية بناء على أسس موضوعية ووظيفية ، بحيث تمارس هذه المرافق اختصاصاتها المحـددة على مستوى الدولة أو بعض أقاليمها أو أحدها.  ومن المعلوم أن اللامركزية المصلحية أصبحت تشير وبصفة عامة إلى ما يعرف الآن بالهيئات أو المؤسسات العامة،  لذلك ليس مستغربا أن يتم إطلاق مصطلح اللامركزية المؤسسية على المؤسسات العامة ، نظير تمتعها بالشخصية المعنوية والاستقلال الإداري والمالي على الرغم من خضوعهن للرقابة الوصائية من قبل وزارات الوصاية .

أما المظهر الآخر للامركزية الإدارية فيتمثل في اللامركزية الإدارية الجغرافية أو الإقليمية (Geographical Territory) ، أو ما يسمى باللامركزية المحلية . واستناداً إلى هذا المفهوم فإن هذا الأسلوب يقوم على أساس توزيع السلطات والاختصاصات الخاصة بالوظائف الإدارية بين الأجهزة الإدارية المركزية ووحدات ذات شخصية اعتبارية تعمل في نطاق إقليمي أو جغرافي محدد.

ولأهمية اللامركزية الإقليمية نظريًّا وعمليًّا ولتعدد المظاهر المعبرة عنها هيكليًّا وتنظيميًّا فإننا نجد أن هناك الكثير من الكتابات والدراسات التي أفردت لها ، حيث تركزت معظمها حول طبيعة التنظيمات المحلية وحدود سلطاتها ومقوماتها .  وبصفة عامة فإن التنظيمات الإدارية المحلية لا تخرج في العادة عن أنموذجين مشهورين (الإدارة المحلية والحكم المحلي) ، حيث إن لكل منهما مفهوماً يتميز عن الآخر ويتشابه معه .  واستنادا إلى ذلك فإن بعض الباحثين يميل إلى استعمال اللفظين مترادفين ، إلا أن هناك الكثير من يرى عكس ذلك ،  أي تباينهما وضرورة التمييز بينهما .

فأنصار التفرقة بين اللفظين([10]) يعزون ضرورة التمييز إلى اختلاف المدلول اللغوي لكل مــــن اصطلاحي الإدارة المحليــــة Local Administration والحكم المحلي Local Government ، وذلك على أن المصطلح الأول يتضمن بعداً إداريًّا ، على حين أن المصطلح الآخر يتضمن معنى سياسيًّا بحتاً، ومقتضى التمييز يعود بصفة أساسية إلى أن نظام الحكم المحلي يمثل خطوة متقدمة من الإدارة المحلية ، على أساس أن الأول يتضمن نقلا لبعض السلطات السياسية المتعلقة بأعمال الأقاليم وصلاحياتها على حين أن الثاني لا يتضمن ذلك، ويترتب على هذا العنصر ضرورة توافر بعض المتغيرات المتقدمة المرتبطة بتنظيم الحكم المحلي على خلاف الوضع بالنسبة للإدارة المحلية؛ فمن أبرز تلك المتغيرات أن الحكم المحلي يتمتع بدرجة عالية من الاستقلالية والصلاحيات الإدارية والمالية أكبر من ذاك الذي تتمتع به الإدارة المحلية،  كما أن آلية تشكيل الهيئات المحلية بموجب نظام الحكم المحلي يتطلب أن تتم وفقا للانتخاب الكامل ، على حين أن توافر هذا الشرط ليس بالضرورة ذاتها بالنسبة للإدارة المحلية .

وهناك من يميز بين الإدارة المحلية والحكم المحلي على أساس أسلوبي تفويض السلطة أو نقلها فيما يتعلق بعملية اتخاذ القرارات؛ فمن خلال شكل  (1.2) ([11]) نلحظ أنه في الحالة (أ) يتم استخدام تفويض السلطة في عملية اتخاذ القرارات لا نقلها (الإدارة المحلية) على حين أن الحالة (ب) يستخدم فيها نقل السلطة لا تفويضها ( الحكم المحلي).

 

شكل ( 1.2)

الفرق بين الإدارة المحلية والحكم المحلي

 

 

 

Rounded Rectangle: الحكم المحلي
المركـز
Rounded Rectangle: الإدارة المحلية
المركـز
            

 

<