مقدمـــة
:
من السهل على أي كاتب اجتماعي أو سياسي
أو اقتصادي أن يكتب عن تجربة الملك المؤسس عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود؛ لأنها
موسوعة يستطيع أن يختار منها ما يشاء دون عناء؛ لأنها ملاحم في كل زاوية من زوايا
الفعل والأثر الحضاري ترتقي إلى درجة المعجزات؛ لأنها تجربة في صناعة التاريخ بكل
معنى للكلمة. وإذا كان التاريخ المسجل قد عرف تجارب عظيمة لقادة تركوا أثراً
بالغاً في ذاكرته فإن ما حققه هذا البطل أمر مميز حقا؛ فهو انطلق لاستعادة ملك
آبائه وأجداده دون إمكانات تذكر سوى الإيمان بالله ثم بإرادة لا تقبل المساومة أو
الهزيمة، لم يكن يملك جيشاً أو مالاً أو أدوات حديثة أو حربية كتلك التي توفرت
للقادة التاريخيين الذين عرفهم العالم،
لقد بدأ التأسيس بعدد من الرجال المؤمنين الأشداء، وبعزيمة صلبة ولكن
إيمانه وشجاعته أولا، ومن ثم حكمته ودرايته الإدارية كانت أسلحته الأقوى والأمضى
ومعينه الذي لا ينضب.
ويوم انطلق من الرياض بعد استعادتها في
اتجاه أهدافه الأخرى كان – رحمه الله – لا يملك من الوسائل إلا مثل ما بدأ به ،
وظل يجاهد ومع كل نصر تزداد قوته الحربية والمعنوية لا المادية، وكان منذ اليوم الأول يمارس منهجاً إدارياً
تعجز عن وصفه كل النظريات الإدارية المعروفة، حيث وضع الأسس العريضة لنمط إداري
خاص يمكن تسميته الإدارة السياسية بكل معاني السياسة والإدارة وجزئياتها
ومستوياتها، ولقد مثلت الإدارة على المستوى المحلي كلمة السر لهذا النمط الإداري
السياسي الجزئي؛ فلقد كان لفلسفة الملك
عبدالعزيز الإدارية وقدراته القيادية الأثر الأكبر في كسب ولاء القوى والتنظيمات
المحلية مما أسهم في اندماج أجزاء البلاد المختلفة وتماسكها وتعميق وحدتها. إذاً
لقد بدأ تأسيس هذا الصرح الشامخ وبناءه من الجزء إلى الكل، لذلك ما أحرى وأنصف من
أن يعطى هذا الموضوع حقه من الرصد والتحليل والدراسة والتوثيق العلمي.
لا شك أن هناك الكثير الذي كتب وقيل عن
الإدارة في المملكة من حيث أساسياتها وتاريخها وبيئتها وأنظمتها والتطورات
المتعاقبة لهياكلها الإدارية وتشكيلاتها الوظيفية وأنظمتها البنائية، وبالرغم من
ذلك فإن المحاولات الكتابية التي عالجت موضوع الإدارة المحلية ضمن ذلك الإطار
قليلة جداً ، وتكاد تكون معدومة عندما يتعلق الأمر بالربط بين الإرادة الفكرية
والإدارة العملية للملك عبدالعزيز في ضوء المعاني المفهومة والخلفية النظرية conceptual and theoretical
backgrounds للإدارة المحلية مع مكونات العملية
الإدارية. من هذا المنطلق يأتي هذا البحث، لا ليستعرض فقط الجذور التاريخية
للإدارة المحلية وتطوراتها الوظيفية والبنائية المتعاقبة ، ولكن ليبين ويبرز الأثر
المحوري الفكري والتطبيقي للملك عبدالعزيز في تبني أنماط وأنظمة إدارية وتوليدها
على المستوى المحلي، أسهمت في تحريك المجتمعات المحلية نحو حفظ الوحدة الوطنية
وتماسكها، وبالتالي صنع البيئة الملائمة لولادة التنمية الوطنية الشاملة وتطورها .
أهداف البحث :
تهدف هذه الدراسة إلى إلقاء الضوء على
تجربة الملك عبدالعزيز في واحد من أهم الأساليب التنظيمية الإدارية، ألا وهي
الإدارة المحلية، وسيتم تناول هذا الموضوع بجميع أبعاده النظرية والتاريخية
والوظيفية والبنائية والتنموية ، مع تركيز خاص على دور الملك عبدالعزيز في ذلك كله
من حيث التأصيل الفكري والتنظيمي والممارسة العملية، وينبثق من هذا الهدف العام
عدة أهداف فرعية بحثية على النحو الآتي :
1– استعراض أحوال وأوضاع الإدارة المحلية السائدة في
كل منطقة من مناطق المملكة قبيل دخول الملك عبدالعزيز إلى كل واحدة منها وضمها إلى
حكمه ، ابتداء من دخول الرياض في عام 1319هـ وانتهاءً بالمنطقة الغربية في عام
1344هـ.
2– بيان أهمية الإدارة المحلية وأثرها وسيلة محفزة
وأداة رسمية مؤثرة استطاع الملك عبدالعزيز بها ومن خلالها تثبيت دعائم الأمن
والسلم الاجتماعي والاستقرار الإقليمي ، ومن ثم تعزيز السلطة المركزية والوحدة
الوطنية.
3– تتبع الترتيبات والتطورات التنظيمية والمؤسسة
التي مرت على الإدارة المحلية ورصدها منذ استعادة الرياض حتى انتقال الملك
عبدالعزيز إلى الرفيق الأعلى ، مع استعراض أبرز المستجدات المرحلية التي تلت ذلك
في هذا المجال إلى يومنا الحاضر.
4– استنتاج الدروس والعبر المستفادة من حكمة الملك
عبدالعزيز وأثره التاريخي في إدارة الدولة على المستوى المحلي ، مع بيان القيم
الاعتبارية والمدلولات العلمية والعملية لنهجه الإداري وتأثير ذلك على التطورات
المتلاحقة للإدارة المحلية في المملكة .
أهمية البحث :
إن البحث الواعي المجود في الإدارة المحلية
يعد من الأمور المهمة والجديرة بالدرس والتحليل والاعتبار ، لما لتلك الإدارة من
أهمية قصوى في ترجمة الأهداف والسياسات الوطنية إلى واقع ملموس على مستوى
المجتمعات المحلية وتنميتها؛ فوظيفة
الإدارة المحلية تعد الوظيفة الأكثر أهمية؛ لأنها دائماً تمثل الأساس الطبيعي في
تنظيم المجتمع والتعامل مع قضاياه المباشرة وهمومه وحاجاته الحياتية اليومية، إنها
باختصار إدارة الخدمات والمرافق الأساسية للإفراد والجماعات، ولهذا فإن مثل هذه
الدراسات تظهر لنا طبيعة التفاعل والعلاقة بين الوحدات المركزية وقادتها من جانب
والمجتمعات المحلية وقواعدها الشعبية من جانب آخر ، ومن ثم استشفاف واستنتاج مستوى
الانتماء والولاء السياسي والرضى المجتمعي والنجاح التنموي بأطيافه المختلفة لأي
مجتمع كان وفي أي نقطة زمنية من التاريخ .
وإذا كان من الطبعي أن يكون هذا التصور
والأهمية للإدارة المحلية معبرا عن الحقيقة في مجتمعات العالم بصفة عامة ، فإن ذلك
آكد عند الحديث عن تجربة الملك عبدالعزيز في هذا الجانب الإداري المهم، فلقد صنعت تجربة الملك عبدالعزيز في بناء
المملكة فلسفة فريدة وغنية وذات طابع خاص ومميز؛ لأنها قامت وترسخت وفقا لمنطق
الدراية الإدارية في إدارة الدولة خصوصا على المستوى المحلي الذي صنع النواة
الجوهرية والأساس القاعدي لنشأة الدولة السعودية الحديثة وتطورها، لقد كانت
الإدارة المحلية من أهم الوسائل – بعد توفيق الله – التي ساعدت الملك عبدالعزيز
على استعادة ملك أجداده وإدارة مملكته بحكمة وحنكة متناهية ، فضلاً عن كونها
الأداة الرئيسة لتنفيذ مفاهيمه للحكم في شتى مناحي الحياة من عدل وأمن وحفظ نظام
وتنمية وتحقيق تكامل، إضافة لكونها وسيلة اتصال وتواصل مع المواطنين .
وقد لوحظ على كثير من الدراسات
التاريخية السابقة عن الإدارة الحكومية في المملكة تركيزها على الطابع التكويني
الإداري العام على حساب الرؤى النافذة في نسيج الممارسات الإدارية على المستويات
المحلية ، خصوصاً في مدة التأسيس وانعكاسات ذلك على التحولات الجوهرية التي حدثت
بعد ذلك في النظام السعودي الإداري. وتأسيسا
على ذلك فإنه يمكننا القول: إن هذا البحث المتواضع عن بناء الإدارة المحلية ونموها
في المملكة ليس إلا بداية نوعية من أجل سد النقص في هذا المجال والعمل على تحقيق
قدر دال من الاستنارة على أهمية الإدارة المحلية وأثرها الفاعل والمؤثر في قيام
نمو هذا البناء الشامخ وصيانته من خلال الأفكار والأقوال والممارسات التي جسدها
الملك عبدالعزيز إبان مدة حكمه المديدة، هذه الأهمية وهذا الأثر يفرضان علينا أن
ندرس ذلك، ونبحثه بعناية منهجية وإدراك متكامل من أجل تقدير المنجزات الكبرى في
الماضي والاعتبار في الحاضر والاستبصار في المستقبل .
إن هذا البحث يتيح فرصة تأمل ونظرة
ثاقبة في مجال الثقافة الإدارية السعودية المحلية، لإعادة بعث أحداث حقبة التأسيس
المميزة وقراءتها مجددا ، ومن ثم الاستفادة من دروسها المختلفة وعلى وجه التحديد
التفسيرات النصية منها والعملية وطاقاتهما الدلالية. ومن المؤكد أن هذا البحث يأتي في وقته تماما ؛
إذ يتزامن مع حلول الذكرى المئوية الأولى لوضع حجر أساس نشأة الدولة السعودية
الحديثة ، وهو فرصة مواتية ينبغي اغتنامها لفهم أوسع وأعمق للواقع الإداري المحلي
أثناء حكم الملك عبدالعزيز لأجل اكتشاف ميراثه الفكري والعملي والاستفادة
والاعتبار من ذلك في رسم معالم المستقبل.
من هذا التصور فإن الغاية المأمولة من هذا البحث تأتي في سياق توضيح
الجوانب التاريخية لتجربة الملك عبدالعزيز الإدارية والتراسل مع المبادئ الكبرى
التي آمن بها فكراً وطبقها منهجاً وممارسة في إدارته أجزاء هذه الدولة الفتية
المترامية الأطراف وأقاليمها، ومن ثم استخراج معانيها واستجلابها من أجل التواصل
والتفاعل مع الجديد في مجال الإدارة المحلية وتنميتها .
منهج الدراسة :
يقوم هذا البحث على الدراسة النظرية
الوصفية التحليلية المتمثلة في مراجعة الوثائق والأنظمة والدراسات التي نشرت بشأن
موضوع الإدارة المحلية ، مع تركيز خاص على بعض التفسيرات الوظيفية والبنائية لبعض
النصوص والأحداث والممارسات التي تمت في عهد الملك عبدالعزيز من أجل استيفاء
الشواهد والأدلة وتفسيرها تفسيرا نوعيًّا هادفاً يخدم أغراض الدراسة. لذلك فإن منهج الدراسة المتبع هنا هو خليط بين
المنهج التاريخي والمنهج الوصفي الوثائقي القائم على المسح المكتبي ، وأهم مراجعه
تتكون من:
1– الوثائق والسجلات التاريخية الشخصية والرسمية .
2– الأنظمة السعودية قديمها وحديثها .
3– الكتب التاريخية والعامة التي تطرقت إلى عهد
الملك عبدالعزيز .
4– الجهود العلمية والبحثية السابقة ذات العلاقة
بالموضوع .
5– الكتب الأكاديمية والتدريسـية المتـخصصة في مجال
الإدارة العامة عموما والإدارة المحلية على وجه الخصوص .
6– المقالات التي نشرت في الصحف والمجلات والتي
تطرقت بشكل أو بآخر لنهج الملك عبدالعزيز وفلسفته في إدارة الدولة وأقاليمها
المختلفة .
خطة الدراسة :
في هذا البحث سيتم تناول موضوع الإدارة
المحلية في المملكة من منطلق متكامل ومنهجي لخدمة غرض البحث الأساس وأهدافه
الفرعية ، وعلى هذا الأساس سوف يتضمن البحث الأقسام الرئيسة الآتية :
1– الإطار النظري والدراسات السابقة
للإدارة المحلية .
2– الإدارة المحلية في عهد الملك
عبدالعزيز : الجذور التاريخية والترتيبات التنظيمية .
3– فلسفة الملك عبدالعزيز في الإدارة
المحلية وتجربته.
الفصل الأول: الإطار النظري
والدراسات السابقة :
لا شك أن وظيفة الوحدات المحلية تعد
اليوم الأكثر أهمية – أو ينبغي أن تكون – لدى الحكام والمحكومين على
حد سواء ، خصوصا في عصر دولة الإدارة والرفاهية الاجتماعية؛ فالوظائف التي تقوم
بها الوحدات المحلية ضمن امتداداتها الجغرافية تمثل دائما الأساس المنطقي والطبعي
في تنظيم المجتمعات المحلية وإدارتها ، من حيث التعامل مع قضايا المواطنين
المباشرة وهمومهم اليومية وحاجاتهم الأساسية ، ناهيك عن تأمين المحافظة على الأمن
والنظام المحليين .
إن هذه الأهمية وهذا الأثر الحيوي الذي تقوم به
الوحدات المحلية ليس حدثا عصريا نتيجة للمستجدات والتحولات الجذرية التي شملت جميع
مناحي الحياة ونشاطاتها، بل إن ذلك يعود إلى بدايات وجود الإنسان نفسه على هذه
البسيطة؛ فالسلطات المحلية قديمة قدم الإنسان نفسه حيث إن التنظيمات المحلية تعد
أرسخ أنواع الترتيبات الإدارية قدما في كل مجتمع إذ إن لها وجوداً في القبيلة
والقرية والمدينة وجميع التجمعات البشرية؛ فلقد تمتع حكام الأقاليم وأمراء المدن
والقرى وشيوخ القبائل بسلطات متباينة لإدارة دفة شؤون مناطقهم الجغرافية، وبنمو هذه الأقاليم والمدن والقرى عبر الزمان
والمكان نما كذلك أثر التنظيمات المحلية ودورها وأهميتها وتشكيلاتها، لذلك فإنه
يمكن القول : إن محافظة التنظيمات المحلية على أهميتها وأثرها عبر التاريخ وترقية
ذلك إنما يعود في الدرجة الأولى إلى أنها كانت ومازالت اليد الطولى لكل قائد من
أجل إدارة الاستقرار المحلي القومي وتهيئة البيئة الملائمة لتحفيز التطور
الاقتصادي والاجتماعي .
وفي عصرنا هذا ، عصر التوسع المضطرد غير المسبوق
في وظائف الدولة ، وبالتالي والإدارة عدداً ونوعاً وتعقيداً ، أصبحت التنظيمات
المحلية تحتل مكان الصدارة من حيث كونها خط الدفاع الأول للاستقرار المحلي وصانعة
للتنمية الشاملة إذا ما أحسن استغلالها وتوظيفها، وتشير جميع التجارب والتقارير
الصادرة عن المنظمات الدولية التابعة للأمم المتحدة وغيرها من المنظمات الدولية
الأخرى على أهمية المجتمعات المحلية في كونها ميادين رحبة وبيئات صالحة لتحقيق
الانطلاقة الحقيقية للتنمية الشاملة . ([1]) ولذلك يعد تطوير المجتمعات المحلية هو غاية
التنمية وهدفها المعلن، كما أن أجهزتها المحلية تعد في الوقت نفسه الوسيلة
الأساسية والأداة المحفزة لإدارة التنمية وتيسير سبل تحقيقها.
ورغم هذه الأهمية الفعلية والعملية
لأثر التنظيمات المحلية ، إلا أن الاهتمام الأكاديمي المكثــــف بدارسة تلك
التشكيــــلات المحليـــــة – كما
أكــــد ذلك مارشــــال (A. H. Marshall) وغــيره– لا يرتقي إلى ما تقوم بـــه من خدمات أساسية وجوهريـــة
تمس حياة الناس بصفة مباشرة وملموسة. ([2]) ومما زاد
الأمور تعقيدا من الجانب الأكاديمي كما هو الحال من الجانب التطبيقي هو عدم وجود
نظرية قيمية عامة تحدد ما يجب أن تكون عليه التنظيمات المحلية،([3])
أو ما يسمى بفكرة النموذج أو الإطار الفكري العام الإرشادي Paradigm ، في ظل تعاظم أثر الدولة ومن ثم زيادة
احتمال عجزها عن القيام بجميع المهمات التي ينبغي القيام بها على أساس إقليمي أو
محلي .
وعلى هذا الأساس فليس مستغربا أن تتعدد
المصطلحات وتتباين التعاريف التي تعالج موضوع التنظيمات المحلية، حتى بدا كأن
الأمر يتعلق بأزمة مفهومات، الأمر الذي يعكس طبيعة التباين الأكاديمي وغير التماثل
التطبيقي، ولعل ما يقتضي التوقف عنده هنا يتعلق بشفافية الاتفاق حول إظهـار مدلول
بعض الألفاظ المتعارف عليها في هذا الموضوع، حتى أن الممارس أو "الدارس كثيرا
ما يتساءل إن كان فعلا يفهم ما يعني الكاتب بألفاظ المركزية واللامركزية".([4])
ونحن في هذا البحث إذ نحرص على إظهار
ما تناولته أدبيات الإدارة في هذا المجال من اختلاف وتوافق ، فإننا كذلك نهدف إلى
إعطاء القارئ تعاريف ميسرة وملائمة من خلال الاستعانة بما كتب عن التنظيمات
المحلية ، مما يؤدي إلى تقريب مفهومها إلى إدراك القارئ والباحث والممارس على حد
سواء .
تعد مفاهيم اللامركزية الإدارية
والإدارة المحلية والحكم المحلي من أكثر التعابير الشائعة والمتداولة عندما يتعلق
الأمر بالتنظيمات أو السلطات المحلية، بل
إن هناك بعض الكتاب من يعد تلك المفاهيم الثلاثة بمثابة أساليب أو نماذج رئيسة
ومتباينة للتنظيم الإداري المحلي . وفيما
يأتي استعراض مختصر لهذه المفاهيم وفقا لهذا الرأي : ([5])
1– يكون التنظيم المحلي شكلاً من أشكال اللامركزية
الإدارية عندما تتم إدارة الشؤون المحلية من خلال فروع الأجهزة الحكومية المختلفة
، مع ضرورة وجود مجالس تنسيقية محلية تضم في عضويتها مجموع ممثلي تلك الأجهزة .
2– يكون
التنظيم المحلي شكلاً من أشكال الإدارة المحلية عندما يتم نقل بعض السلطات
المركزية وليس تفويضها فحسب للهيئات المحلية المختلفة ، مع ضرورة تشكيل مجالس
محلية لإدارة النشاطات التي تم نقلها إليها من الوزارات والأجهزة الحكومية
المختلفة، ووفقا لهذا النموذج فإنه يجب أن تتضمن تشكيلة المجالس المحلية وجود
أعضاء من الأهالي المحليين ، هذا مع إمكان تعيين بعض ممثلي الإدارات الحكومية
المركزية في هذا المجلس .
3– يكون التنظيم المحلي شكلاً من أشكال الحكم المحلي
عندما يتم تشكيل مجالس محلية تتولى جميع الأمور التنفيذية والتشريعية والقضائية
على المستوى المحلي، ووفقا لهذا الأسلوب فإنه لا بد أن يقتصر تكوين تلك المجالس
المحلية على أعضاء منتخبين من بين الأهالي ، مع عدم وجود أي تمثيل مركزي في تلك
المجالس .
وهناك من الكتاب من يميز بين ظاهرتي
المركزية الإدارية واللامركزية الإدارية من حيث كونهما أسلوبين من أساليب التنظيم
الإداري، ويوضح الشكل رقم (1.1) حصرا لأهم
تفرعات المركزية واللامركزية والتي سيتم تغطيتها تباعا .
فالمركزية Centralization على إطلاقها قد تعني مركزية سياسية أو
مركزية اقتصادية أو مركزية إدارية أو مركزية تعليمية وهكذا،
وتقوم المركزية في مفهومها العام على أساس تجميع السلطة (إما سياسية ، اقتصادية
، إدارية ...) في يد هيئة مركزية واحدة في جميع أنحاء الدولة ، بحيث تتولى اتخاذ
القرارات ومباشرة الوظائف بنفسها ، أو بواسطة موظفين يعملون باسمها وتحت إشرافها
المباشر ، أي ليس لهم سلطـــة ذاتية، وإنما يستمدون سلطتهم في العمل وتولي
الاختصاصات من السلطة المركزيــــة. ([6])
واستناداً لهذا المفهوم فإن المركزية
الإدارية تقوم على أساس جمع أوجه النشاطات الإدارية المهمة وتركيزها في يد السلطة
التنفيذية ، بمعنى حصر الصلاحيات وسلطة اتخاذ القرارات في يد الجهاز الإداري المركزي
، إلى الحد الذي يتوجب فيه على ممثلي الإدارة المركزية في الفروع المختلفة الرجوع
إلى رؤسائهم التسلسليين في الإدارة المركزية في مجالات التصرفات الإدارية
المختلفة.
شكل رقم (1.1)
أساليب التنظيم الإداري
|
|
|
الجهاز
الحكومي |
|
|
|||||||
|
|
|
|
|
||||||||
|
|
|
|
|
||||||||
|
المركزية الإدارية "لا نقل للسلطة بل تفويض داخلي" |
اللامركزية الإدارية "نقل أو تفويض خارجي للسلطة" |
||||||||||
|
|
|
|
|
||||||||
|
|
|
|
|
|
|
|
|
||||
|
مركزية مطلقة "التركيز الإداري" |
مركزية مرنة "عدم التركيز الإداري" |
اللامركزية المصلحية أو المرفقية "اللامركزية المؤسسية" |
اللامركزية الإقليمية أو المحلية |
||||||||
|
|
|
|
|
|
|
|
|||||
|
|
|
|
|
|
|
|
|||||
|
|
|
|
الإدارة المحلية |
الحكم المحلي |
|||||||
والمركزية الإدارية تتفاوت بحد ذاتها
بين مركزية قويـة أو مطلقة ، وأخرى مفرطة على حسب درجة التطبيق الفعلي، فالمركزيـــة المطلقة تسمى بالتركيز الإداري Concentration ؛
حيث تتركز السلطة الإدارية بكلياتها وجزئياتها في يد أجهزة الحكومة المركزية
المستقـرة في العاصمة ، دون إعطاء ممثلي الحكومة في الفروع أي سلطة خاصة بالبت
والتقرير النهائي . أما الدرجة الثانية من صور المركزية الإدارية (المركزية
المفرطة) فتسمى بعدم التركيز الإداري concentration - De ، ووفقا لهذه
الصورة فإنه يتم منح موظفي الحكومة في الفروع المختلفة بعض الاختصاصات التنفيذية
المحدودة، بحيث يتم التصرف بحدود ما تخولُه السلطة المركزية وبإشـراف تسلسلي على
حسب نطـاق السلم الإداري وتبعيته . ([7])
أما بالنسبة للامركزية Decentralization فهو
أسلوب آخر في التنظيم يقوم على أساس توسيع الصلاحيات التي يتولاها ممثلو الإدارة
المركزية في الفروع أو الأقاليم ، كما هو الحال في توزيع السلطات والاختصاصات بين السلطة المركزية وهيئات أخرى تتمتع
بالشخصية المعنوية، واللامركزية – بهذا المعنى – قد تكون لا مركزية سياسية أو لا
مركزية مالية ، أو لا مركزية إدارية، وهكذا .
ويترتب على عملية توزيع السلطـة بعض
التطبيقات العملية المهمة ([8]) ؛ فعندما تتوزع وظائف الدولة الثلاث –
التشريعية والقضائية والتنفيذية – بين الحكومة المركزية وبين مراكز سلطة أخرى
كالولايات أو الأقاليم أو الجمهوريات ، فإننا حينئذ نصبح أمام دولة مركبة، تعرف
دستوريًّا باسم النظام الفيدرالي Federal System، ومن أمثلــــــــة الدول المركبة
الولايات المتحدة الأمريكية وسويسرا. أما إذا اقتصر توزيع السلطة على الوظيفة
التنفيذية فعندئذ نصبح إزاء نمط آخر من اللامركزية اتفق على تسميته باللامركزية
الإدارية .
ومن المتفق عليه بين معظم الكتاب والممارسين أن
اللامركزية الإدارية تتجلى في مظهرين اثنين: ([9]) الأول: أنها
تكون على أساس وظيفي (Functional) عرف باسم (اللامركزية الإدارية المصلحية أو المرفقية)، وتعني اللامركزية المصلحية منح بعض المرافق
الحكومية الشخصية الاعتبارية بناء على أسس موضوعية ووظيفية ، بحيث تمارس هذه
المرافق اختصاصاتها المحـددة على مستوى الدولة أو بعض أقاليمها أو أحدها. ومن المعلوم أن اللامركزية المصلحية أصبحت تشير
وبصفة عامة إلى ما يعرف الآن بالهيئات أو المؤسسات العامة، لذلك ليس مستغربا أن يتم إطلاق مصطلح
اللامركزية المؤسسية على المؤسسات العامة ، نظير تمتعها بالشخصية المعنوية
والاستقلال الإداري والمالي على الرغم من خضوعهن للرقابة الوصائية من قبل وزارات
الوصاية .
أما المظهر الآخر للامركزية الإدارية
فيتمثل في اللامركزية الإدارية الجغرافية أو الإقليمية (Geographical Territory) ، أو ما يسمى
باللامركزية المحلية . واستناداً إلى هذا المفهوم فإن هذا الأسلوب يقوم على أساس
توزيع السلطات والاختصاصات الخاصة بالوظائف الإدارية بين الأجهزة الإدارية
المركزية ووحدات ذات شخصية اعتبارية تعمل في نطاق إقليمي أو جغرافي محدد.
ولأهمية اللامركزية الإقليمية نظريًّا
وعمليًّا ولتعدد المظاهر المعبرة عنها هيكليًّا وتنظيميًّا فإننا نجد أن هناك
الكثير من الكتابات والدراسات التي أفردت لها ، حيث تركزت معظمها حول طبيعة
التنظيمات المحلية وحدود سلطاتها ومقوماتها .
وبصفة عامة فإن التنظيمات الإدارية المحلية لا تخرج في العادة عن أنموذجين
مشهورين (الإدارة المحلية والحكم المحلي) ، حيث إن لكل منهما مفهوماً يتميز عن
الآخر ويتشابه معه . واستنادا إلى ذلك فإن
بعض الباحثين يميل إلى استعمال اللفظين مترادفين ، إلا أن هناك الكثير من يرى عكس
ذلك ، أي تباينهما وضرورة التمييز بينهما
.
فأنصار التفرقة بين اللفظين([10])
يعزون ضرورة التمييز إلى اختلاف المدلول اللغوي لكل مــــن اصطلاحي الإدارة
المحليــــة Local Administration والحكم المحلي Local
Government ، وذلك على أن
المصطلح الأول يتضمن بعداً إداريًّا ، على حين أن المصطلح الآخر يتضمن معنى
سياسيًّا بحتاً، ومقتضى التمييز يعود بصفة أساسية إلى أن نظام الحكم المحلي يمثل
خطوة متقدمة من الإدارة المحلية ، على أساس أن الأول يتضمن نقلا لبعض السلطات
السياسية المتعلقة بأعمال الأقاليم وصلاحياتها على حين أن الثاني لا يتضمن ذلك،
ويترتب على هذا العنصر ضرورة توافر بعض المتغيرات المتقدمة المرتبطة بتنظيم الحكم
المحلي على خلاف الوضع بالنسبة للإدارة المحلية؛ فمن أبرز تلك المتغيرات أن الحكم
المحلي يتمتع بدرجة عالية من الاستقلالية والصلاحيات الإدارية والمالية أكبر من
ذاك الذي تتمتع به الإدارة المحلية، كما
أن آلية تشكيل الهيئات المحلية بموجب نظام الحكم المحلي يتطلب أن تتم وفقا
للانتخاب الكامل ، على حين أن توافر هذا الشرط ليس بالضرورة ذاتها بالنسبة للإدارة
المحلية .
وهناك من يميز بين الإدارة المحلية
والحكم المحلي على أساس أسلوبي تفويض السلطة أو نقلها فيما يتعلق بعملية اتخاذ
القرارات؛ فمن خلال شكل (1.2) ([11])
نلحظ أنه في الحالة (أ) يتم استخدام تفويض السلطة في عملية اتخاذ القرارات لا
نقلها (الإدارة المحلية) على حين أن الحالة (ب) يستخدم فيها نقل السلطة لا تفويضها
( الحكم المحلي).
شكل ( 1.2)
الفرق
بين الإدارة المحلية والحكم المحلي



الحالة
"أ" الحالة "ب"
الفروع تتصرف بتفويض
المركز في بعض القرارات. الوحدات المحلية
تتمتع بسلطات كاملة منقولة
من المراكز
الرئيسة وترتبط رقابيا بالمراكز
وفق ضوابط
نظامية محددة.
وعلى الرغم من موضوعية التقسميات والتعريفات السابقة وأهميتها
وثراء أدبيات التنظيمات المحلية بالمسائل الاصطلاحية والتعريفية ، إلا أن الاختلاف
والتداخل وحتى التعارض لا يزال أحيانا هو السمة المهيمنة ، مما يفقد الباحث أو
الممارس الاستفادة العلمية والعملية الكاملة من الإسهامات الأكاديمية في هذا
المجال .
إن الاستمرار في عدم حسم الجدل الذي يلازم مفاهيم اللامركزية
الإدارية والإدارة المحلية والحكم المحلي يعد بمثابة إعاقة مفهومات لأدبيات
الإدارة المحلية ،إن المقصود هنا ليس في توحيد المسألة التعريفية ، وإنما يكمن في
ضرورة إزالة اللبس الواقع من جراء استعمال تلك المفاهيم على أكثر من معنى وأخذها
على أكثر من مدلول، وانطلاقا من ذلك فإنه سيتم التعامل مع المركزية واللامركزية
الإقليمية في هذا البحث على أساس كونهما طرفي متصل Continuum ، بحيث تمثل المركزية المطلقة الطرف
الأيمن للمتصل، وبالتحرك نحو الطرف الأيسر للمتصل يمكن إيجاد العديد من الإحداثيات
التي تعكس أشكالاً متعددة ومتباينة من أشكال المركزية واللامركزية الإدارية بما
فيها الإدارة المحلية والحكم المحلي ، حتى نصل إلى اللامركزية المطلقة في النهاية
اليسرى للمتصل ، بعبارة أخرى يمكن تصوير العلاقة بين أسلوبي المركزية واللامركزية
المطلقتين والأشكال الاحتمالية البينية بينهما من خلال الشكل (1.3) .
( شكل 1.3 ) متصل المركزية ـ اللامركزية
الإقليمية
"
أشكال اللامركزية الإقليمية "
|
المركزية |
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
اللامركزية |
|
المطلقة |
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
المطلقة |
|
|
المركزية |
|
المركزية |
اللامركزية |
اللامركزية |
الإدارة |
الحكم |
|
|
المتحفظة |
المتساهلة |
الرمزية |
الحقيقية |
المحلية |
المحلي |
|
|
|
لا يوجد مجالس |
مجالــــس |
مجالس |
مجالس |
مجالس |
|
|
|
|
|
محليـة |
لمديري |
محلية |
محلية |
أهلية |
|
|
|
|
|
|
الفروع |
مشتركة |
منتخبة |
محلية |
|
|
|
|
|
|
|
و/ أو |
منتخبة |
|
|
|
|
|
|
بالتعيين |
|
|
واستنادا إلى الشكل (1.3) فإنه عمليًا لا يمكن تصور وجود
مركزية مطلقة أو لا مركزية مطلقة، حيث نجد أن معظم دول العالم تحاول الجمع بين هذا
الأسلوب وذاك؛ إذ إن تبني أي درجة من الأسلوبين دائما ما تخضع للظروف السياسية
والجغرافية والاقتصادية ، وتبعا لمراحل النمو والتطور ، وإن كان مجال التباين
والاختلاف بين الدول ينسحب على التنظيم اللامركزي أكثر منه في التنظيم المركزي .
([12])
كما أن الشكل (1.3) يعكس طبيعة العلاقة بين الإدارة المحلية
والحكم المحلي ، حيث إن وجودهما على المتصل نفسه يعكس اختلافا في الدرجة Degree لا
في النوع Kind . فعلى الرغم من اتجاه كثير من الباحثين إلى
التمييز بين المفهومين نوعيا ، انسجاما مع التباين في المدلول اللغوي ، وذلك على
أن لفظي ( حكم ) و ( إدارة ) شيئان مختلفان ، إلا أن الواقع العملي يقول خلاف ذلك؛
فمع التسليم بأن مفهومي الإدارة المحلية والحكم المحلي لا يمكن استعمالهما
مترادفين، إلا أننا في هذا السياق نؤكد على أن الأسلوبين ينتميان إلى نظام
اللامركزية الإدارية الإقليمية والمحلية ، ومن هنا يمكن القول إن وجه الخلاف
بينهما ينحصر في الدرجة لا في النوع، أي أن الحكم المحلي يعد امتداداً متقدماً
لبعض مقومات الإدارة المحلية ، وليس بديلا عنها أو منافسا لها .
ومما يعزز التقارب النوعي بين الإدارة المحلية والحكم المحلي
أو ما يسمى بلفظي "الإدارة" و " الحكومة " هو العلاقة
التداخلية والعضوية بين الإدارة والسياسة من ناحية والطابع السياسي للإدارة العامة
من ناحية أخرى، فمرحلة ما يسمى بالفصل بين الإدارة والسياســــة The Politics/Administration Dichotomy قد انتهـــت
عمليا بظهور طبقات البيروقراطيين والتكنوقراطيين والذين تتوافر لديهم وفيهم مؤهلات
وقدرات فنية وعلمية وعملية بحيث أصبحوا إلى حد كبير شركاء في صنع السياسات العامة
والبرامج القومية ، وليسوا فقط منفذين لها .
ولقد أصبح مألوفا شروع الإدارة التنفيذية في معظم دول العالم
بغض النظر عن طبيعة نظامها السياسي أو مستوى نظامها الإداري ( عام- محلي ) في ممارسة سلطات تشريعية وشبه تشريعية بحيث تتعدد
لتشمل وضع القوانين والأنظمة واللوائح والقواعد الإدارية ضمن أمور أخرى، بل أن
نظامي الحكم المحلي والإدارة المحلية يعدان جزءًا من الجهاز الإداري أو ما يسمى
باللامركزية الإدارية .
وعندما ننتقل بين المستوى المركزي إلى المستوى المحلي نجد أن
مجالس الإدارة المحلية تؤدي عملاً أكبر من الهيئات المركزية في تقرير الكثير من
السياسات المحلية والبرامج والمشاريع والاحتياجات إلى الحد الذي تتقارب فيه أحيانا
مع سلطات ما يسمى بالحكم المحلي، ونجد في المقابل أنه لا يمكن تجيير أثر مجالس
الحكم المحلي للقيام بوظيفة الحاكمية (الحكم ) ؛ لأن اختصاصاتها تكون محصورة في
مباشرة الوظيفة الإدارية بشكل حصري وبكل أبعادها – تشريعاً وتنفيذاً – دون أي
اختصاصات تذكر في المجالات السياسية أو العسكرية والتي هي الأساس لمدلول الحكم
والسلطة والقوة .
وفي ضوء ما سبق يتبين لنا أن مفهوم الإدارة المحلية هو
الاصطلاح العلمي الوسطي المناسب شكلا ومضمونا والذي يعبر عن مدلولات اللامركزية
الحقيقية بالقدر الذي يعبر فيه كذلك عن مدلولات الحكم المحلي؛ ولذلك فإننا سنستعمل هذا المصطلح بصفة عامة في
ثنايا هذا البحث حسما لتباين تسميات نظم اللامركزية الإدارية ، ونظراً لأنه يحقق
الغرض المطلوب في هذا البحث فيما يتعلق بمسمى تشكيل الهيئات المحلية وأسلوبها
ومستواها وسلطات هذه الهيئات واختصاصاتها، إضافة إلى طبيعة العلاقات المركزية
المحلية .
واستنادا إلى ذلك فإنه سيتم تعريف الإدارة المحلية في هذا
البحث وفقا لجوهرها الذي يقوم على أساس تنفيذ السياسة العامة للدولة ذات الطابع
المركزي أو المحلي على المستويات المحلية من خلال مجموعة من الوحدات والأجهزة
التنفيذية والاستشارية والشعبية، بحيث تقوم بممارسة هذا العمل بموجب سلطات محلية
محددة تم تفويضها أو نقلها إليها وفقا لترتيبات تنظيمية أساسية (دستورية) من
السلطة العليا في الدولة.
وعلى هذا الأساس فإن البحث في الإدارة المحلية يقتضي منهجيا
دراسة طبيعة الترتيبات التنظيمية والهيكلية وحجم الصلاحيات والسلطات المعطاة
للهيئات المحلية ودرجة اللامركزية والمشاركة الشعبية، إضافة إلى بعد العلاقات بين
السلطات المحلية من جهة والسلطة المركزية من جهة أخرى، أي طبيعة الرقابة التي
تمارسها الثانية على الأولى.
إن أهمية الإدارة المحلية بل حتميتها خياراً من أساليب
التنظيم المحلي اللامركزي أصبحت في العصر الراهن ضرورة ملحة اقتضتها التحولات في
وظيفة الدولة نتيجة للتوسع المطرد في نشاطاتها إلى الحد الذي أصبحت فيه الدولة
المعاصرة عاجزة بنفسها عن القيام بالمهمات التي التزمت بتحقيقها بكفاءة وفعالية.
وانطلاقا من هذا العمل الجديد للدول المعاصرة أخذت فكرة
اللامركزية – على اختلاف درجاتها – في الظهور العلني ، وفي فرض نفسها خياراً
إستراتيجياً لإدارة الأمور المحلية وتسيير خدمات الناس في أماكنهم؛ فالعدول عن المركزية أصبح خيارا لا رجعة
فيه إذا ما أريد للدولة أن تحقق مفهوم
التنمية الشاملة، لذلك أصبح السؤال
الجوهري والمطروح بقوة من معظم المعنيين بقضايا الإقليمية اللامركزية يدور حول
درجة اللامركزية التي ينبغي تبنيها وتفعيلها ،
فهناك نوع من الإجماع بين المهتمين بقضايا التنمية المحلية على أن زيادة
استقلالية المنظمات المحلية أضحى أهم دعائم ردم الفجوة بين المركز The Center والمحيط
The Periphery
من جهة وبين الأفراد والدولة من جهة أخرى .
إن أهداف اللامركزية الإقليمية ومسوغاتها متعددة وشاملة،
وليست قابلة للحصر، ولعل أفضل وصف للمسوغات أو الأهداف المرجو تحقيقها من تبني
الأنظمة الإقليمية اللامركزية على اختلاف درجاتها ( إدارة محليـة أو حكم محلي ) هو
ما نجده في النص الآتي نقلا عن تقرير للأمم المتحدة:
"لا تختلف دول العالم لهذا الغرض في الأسباب التي من
أجلها أنشئ نظام حكم محلي؛ فالغرض أو الهدف من إنشاء نظام حكم محلي أو إدارة محلية
هو تقديم خدمات للناس في مناطق إقامتهم المحلية وتحسين الخدمات القائمة وتقليل
تكلفتها المالية، ولصنع علاقة وثيقة بين الحكومة القومية والمناطق المحلية تساعد
على تبادل المعلومات بين المركز والمنطقة المحلية، وتساعد على شرح السياسة
المركزية ، وخلق القبول لها محليا، ونقل متطلبات المناطق المحلية واحتياجاتها
للأجهزة العليا ، وصنع مشاركة أو تكثيف مشاركة سكان المناطق المحلية في الحكم ،
ولتدريب القادة المحليين على إدارة شؤون مناطقهم وتجهيزهم لدور قيادي قومي ،
لتشجيع سكان المناطق المحلية للاهتمام بأمورهم الحياتية والعمل على قبولهم للتغيير
الذي ينجم عن التنمية ولإقناعهم وتشجيعهم على دفع الضرائب".([13])
وإذا كان من الطبعي أن يكون هذا التصور للإدارة المحلية معبرا
عن الحقيقة، وبهذا الحجم من الأهمية ، فإن ذلك آكد وأحرى عند الحديث عن تجربة
الملك عبدالعزيز وفلسفته في هذا الجانب الإداري المهم، فقد شكلت تجربة الملك عبد العزيز في بناء
المملكة فلسفة فريدة وغنية وذات طابع خاص مميز؛ لأنها قامت وترسخت وفقا لمنطق
الدراية الإدارية وشموليتها في إدارة الدولة وخصوصا على المستوى الإقليمي المحلي .
فلقد كانت الإدارة المحلية هي النواة والأساس الرئيس لنشأة
الدولة السعودية الحديثة وبنائها ، إنها باختصار الوسيلة الأهم – بعد توفيق الله –
التي مهدت الطريق للملك عبدالعزيز على استعادة ملك أجداده ، فضلا عن كونها الأداة
الرئيسة لتنفيذ مفاهيمه في الحكم والإدارة في شتى مناحي الحياة من عدل وأمن وحفظ
نظام وتنمية ، إضافة لكونها وسيلة اتصال وتواصل مباشر مع المواطنين .
لقد بادر وقام العديد من الكتاب والمؤلفين والمهتمين بالكتابة
عن الجوانب الإدارية المتعددة لشخصية الملك عبد العزيز وأثره القيادي في تأسيس
الدولة السعودية الحديثة ؛ ولكن ظل سعيهم ناقصا وغير مكتملٍ أمام المخزون الهائل
من تجربة الملك عبد العزيز الإدارية خصوصا على المستوى المحلي .
فــمعظـــم الــــدراســـات في هذا المنحى ركزت بشكل خاص على
الطابع التاريخي والهيكلي التنظيمي للإدارة في عهد الملك عبد العزيز دون إعطاء
نصيب أكبر من العرض والتحليل لنسيج الممارسات الإدارية وخصوصا على المستويات
المحلية ([14]) ،
بل إن معظم الدراسات الإدارية السابقة – إن لم تكن كلها – لم تتطرق بشكل تفصيلي
مباشر عن فلسفة الملك عبدالعزيز وأثره في تفعيل أهمية الإدارة المحلية كوسيلة
ضرورية ومهمة أسهمت بنصيب الأسد في تأسيس بلد الوحدة والإيمان وتوحيده ، ولا
التطرق التحليلي لتاريخ وخصوصية التنظيمات المحلية القائمــة التي كان لها
الأثـــر الأكبر – بعد توفيق الله – في ترجمة أهداف الملك عبد العزيز إلى واقع
ملموس في الإدارة والتوحيد والبناء، وفي ذلك يقول ريث Wraith وبيكرنج Pickering إنه لا يمكن دراسة أي نظام حكم محلي أو
فهمه دون دراسة تاريخ ذلك النظام ونشأته ([15])؛ فمميزات
الإدارة وتراثها مهم كان يسيراً في محتواه أو بعيداً في مجرى التاريخ لا بد أن
يؤثر على السلوك الإداري للبيروقراطيات المتعاقبة ، وهو ما حدث بالفعل كما سنرى في
تجربة الملك عبدالعزيز الغنية بالدروس والعبر .
إن الكثير ربما لا يعرف أن التنظيم المحلي في المملكة بدأ
متنوعاً وليس نمطيًا ، فلقد وجدت الهيئات والتنظيمات والمجالس المحلية قبل وجود
الحكومة المركزية ، بل قبل وجود الدولة بنفسها، لكن الملك عبد العزيز استطاع
بذكائه الفطري وبصيرته القيادية النافذة أن يقلب الموازين ويتعامل مع الأحداث
والكيانات بتجربة فريدة تستحق المدارسة والمكاشفة ليصبح ذلك مجالا مفتوحا للباحثين
.
إن هذا البحث وباختصار يعد بداية نوعية ورائدة من أجل سد
النقص في هذا المجال الحيوي المهم ، خصوصاً أن المكتبة السعودية الإدارية بحاجة
إلى هذا النوع من الأبحاث، آملين أن يجد الباحثون في صفحاته ما ينمي معارفهم ويسد
حاجاتهم ، راجين في الوقت نفسه تتابع البحوث في هذا المجال بالقدر الذي يفي بتجربة
الملك عبد العزيز الثرية وكذلك حاجة المكتبة السعودية والعربية على حد سواء .
الفصل الثاني: الإدارة المحلية في عهد الملك عبدالعزيز
الجذور التاريخية والانطلاقة
الحقيقية:
تقتضي دراسة أي ظاهرة الإحاطة بجميع أبعادها البيئية
وخلفياتها التاريخية لكونها مقدمة منطقية وضرورية للتعرف على ما كان قائما
وتأثيرات ذلك على ما أتى لاحقا، فكيف إذا كان البحث عن الإدارة المحلية التي لها
مساس مباشر باحتياجات الإنسان المادية والمعنوية
ومتطلبات العمران التخطيطية والبيئية،
ونحن في هذا السياق لا نخرج عن هذا الإطار البيئي والتاريخي نظراً لطبيعة الموضوع
المعالج من ناحية والعلاقة الترابطية بين الإدارة وبيئتها من ناحية أخرى، خصوصا أن
كبر حجم مساحة المملكة يضفي خصوصية معينة على الأقاليم المختلفة تستوجب إدراك ذلك
وتوضيحه بما ينسجم مع ظروف كل إقليم وخلفياته.
لذلك فإن البحث المتكامل عن الإدارة المحلية في عهد الملك
عبدالعزيز يستتبع بالضرورة الحديث عن الترتيبات السياسية والأشكال التنظيمية
والأنماط الإدارية التي كانت سائدة قبل عهد الدولة السعودية الحديثة؛ فالوجود الإداري متلازم مع وجود الدولة أو بعض
مقوماتها، ولقد كان هناك بالطبع سلطات وتنظيمات سياسية وإدارية في شبه الجزيرة
العربية وإن افتقدت السلطات المركزية، ومن
هنا فإن المعالجة الموضوعية والشمولية لأثر الملك عبدالعزيز في تأصيل دعائم
الإدارة المحلية وتثبيتها يستلزم التعرف على الأحوال السياسية والإدارية التي سادت
في تلك المنطقة.
إن التعرف على التراث الإداري الذي تقع فيه السلطة زمنيًا
ومكانيًا سواء كان ذلك مفروضا عليها من مصادر خارجية أو نابعا من بيئتها ضرورة لا
بد منها لتأثير ذلك وانعكاساته على ما بدأ بعده من فاصل زمني.
وليس هناك من شك بأن التعرف على تلك الخلفيات الإدارية سواء
الهيكلية منها أو الوظيفية سيسهم بنصيب وافر في إلقاء الضوء ليس فقط على التغيرات
والتطويرات التي أدخلها الملك عبدالعزيز على الأوضاع السائدة، وإنما في إبراز نهج
الملك عبدالعزيز في طريقة التدخل والتعامل الإيجابي مع المعطيات السائدة ومن ثم
تفعيل إدارة التغيير في عمليات الإصلاح الإداري المتعاقبة.
انطلاقا من هذه المعطيات سوف تنقسم معالجتنا للإدارة المحلية
في عهد الملك عبدالعزيز إلى أربع مراحل، تنصرف أولها للحديث عن مرحلة ما قبل إنشاء
الدولة وأبرز ملامحها الإدارية والتنظيمية.
أما المرحلة الثانية فقد خصصت لمرحلة التأسيس، وهي المرحلة التي بدأت بعد
قيام الدولة السعودية الحديثة حتى إعلان التوحيد للدولة. وتغطي المرحلة الثالثة الحقبة من توحيد المملكة
إلى بناء الإدارة المركزية. أما المرحلة
الرابعة والأخيرة فهي مرحلة بناء الإدارة المركزية الحديثة وما تلاها .
وهذا التقسيم وإن كان يستند إلى مدد زمنية محددة نظراً لتميز
كل مدة بسمات وخصائص معينة، إلا أن هذا لا يعني بأي حال تركيز هذا البحث على
التاريخ الصرف للإدارة المحلية في المملكة، بل إن الهدف الأساس والأسمى هو التعرف
والاستفادة من الأفكار والترتيبات الخاصة بالإدارة المحلية التي عبر عنها فكراً
وجسدها ممارسة مؤسس المملكة العربية السعودية الملك عبد العزيز طيب الله ثراه.
المرحلة
الأولى: مرحلة ما قبل التأسيس (مرحلة ما قبل 1319هـ / 1902م) أو الإدارة قبل العهد
السعودي الثالث:
مرت المنطقة التي تعرف الآن باسم "المملكة العربية
السعودية" منذ انتقال مركز الحكم الإسلامي الخلافي منها بكثير من التغيرات
والتقلبات في أوضاعها السياسية والإدارية،
وقد كان من أبرز سمات تلك الحقب الزمانية المتعاقبة افتقاد الاستقرار
والاستمرار للسلطة المركزية، وقد تزامن مع
الفراغ السياسي المركزي لهذه المنطقة تجاهل تاريخي وإعلامي زاد من استغراقها في
عزلتها وتخبطها، وفي ذلك يحدثنا خير الدين
الزركلي بقولِه: " وتخبطت في أكثر تلك الأزمان على غير هدى، وتجاهلها التاريخ
أو جهلها، فلم نعرف عنها غير أثر ضئيل مما كتبه المعنيون بتاريخ شبه الجزيرة
والرحالون المغامرون في بعض مجاهلها".([16])
وقد كان لدعوة الشيخ محمد بن عبدالوهاب ومناصرة الإمام محمد
بن سعود له في أواسط القرن الثاني عشر للهجرة (أواسط القرن الثامن عشر للميلاد)
صدى واسع، كان أهم حدث في شبه جزيرة العرب منذ زمن الخلافة الراشدة، فقد كان لهذا
التحالف الإستراتيجي الديني السياسي أثر كبير في إعادة تحقيق الوحدة والاستقرار
السياسي لمعظم أراضي شبه الجزيرة العربية تحت سلطة سياسية مركزية، عرفت باسم
الدولة السعودية الأولى، وبالرغم من سقوط هذه الدولة نتيجة لغزو خارجي، وعدم صمود الدولة السعودية الثانية التي نشأت
بعد ذلك نتيجة للصراعات الداخلية، فإن
الأثر التاريخي والجغرافي لظهور تلك الدولتين كان أساسيا لمدة مقبلة تمثل في وضع
اللبنات الأولى لظهور الدولة السعودية الثالثة التي صمدت ونمت في وجه العواصف
لتلافيها أسباب سقوط الدولتين السعوديتين.
لقد كان من الطبعي والبدهي أن يوفر ظهور الدولتين السعوديتين
علاقات الاستقرار بين الفئات والأقاليم المختلفة داخل شبه الجزيرة العربية؛ لكن الأوضاع والتطورات السياسية التي مرت بها
تلك الدولتان قد أثرت تأثيرا كبيرا على أسلوبهما في تنظيم شؤونهما الإدارية؛ فقد كان لانشغال الدولتين بتحقيق الاستقرار
السياسي أثر كبير في تفويض كثير من الصلاحيات الداخلية للوحدات السياسية المحلية،
الأمر الذي استساغته تلك الوحدات، وتعاملت وفقا له ودعمته، وقد أتاح هذا التوجه أن تتوافر بعض المعطيات
السياسية لكي تنشأ وتتأصل فكرة (الإدارة المحلية) الحكم المحلي في كثير من
الأقاليم الرئيسة في شبه الجزيرة العربية، وقد أدى التوسع غير المسوغ في ذلك وازدياد
موجات التدخل الخارجي ضد السلطة المركزية إلى أن أصبحت هذه الأقاليم تتمتع بدرجة
عالية من الاستقلال والانعزالية في إدارة شؤونها الداخلية، وقد أسهمت تلك العوامل مع عوامل أخرى في تعزيز
النزعة الانفصالية لتلك الأقاليم الأمر الذي عزز ظهور إمارات متعددة وكيانات
متفرقة، سعت كل واحدة منها إلى خدمة مصالحها الذاتية، حتى ولو استدعى الأمر طلب
المعونات الخارجية، وهو ما حدث بالفعل.
ولقد لخص أحد الكتاب أحوال مجتمع الجزيرة العربية عند بداية
دخول الملك عبدالعزيز إليها بما يأتي: " لقد دخل الملك عبدالعزيز الصراع مع
رجال أشداء في عموم شبه الجزيرة العربية، لكل منهم دوره ومكانه من هذا الصراع،
إمارات موزعة في شبه الجزيرة العربية، متشبثة بالعزلة، لم تدخل التاريخ واحدة منها
حاملة علم الوحدة، ولا فكرت فيه أو سعت إليه، وداخل هذه الكيانات جنود تركيا
موزعين في الحجاز، في عسير، في تهامة، في الأحساء، وفي نجد، وسلطان القبائل
ونفوذها على الصحراء أوجد قلقا وخللا في الأمن في غياب الدولة السعودية"([17]).
لذلك يمكن القول: إن عدم وضوح العلاقة بين الهيئات المحلية
والسلطة المركزية بالإضافة إلى ضعف الأخيرة قد لعب دوراً بارزاً في ارتماء كثير من
الأقاليم إلى التبعية الخارجية، وقد ساهم
هذا الأمر وعجل من سقوط الدولة السعودية الأولى والثانية ومن ثم تكريس الخلل
الأمني والاستقلال الإقليمي الذاتي لمعظم المناطق الرئيسة لجزيرة العرب.
إن من أبرز الحقائق السياسية والإدارية في شبه جزيرة العرب
قبيل دخول الملك عبدالعزيز إليها، إضافة إلى الفراغ القيادي المركزي والاضطراب
الأمني، هو أن الحكم والإدارة قاما على أساس النزعة اللامركزية، وقد شكلت كل من أقاليم نجد والحجاز وعسير
والأحساء الأساس الجغرافي السياسي (الجيوبولتكلي)
لتجسيد تعدد النظام الإداري الداخلي لجزيرة العرب، وقد عُدَّت تلك الأقاليم بمثابة حكومات محلية
نظراً لغياب الإدارة والأنظمة المركزية، واعتماد السكان المحليين على إدارة شؤونهم
بأنفسهم من خلال القبائل والعوائل النافذة، على الرغم من التبعيات الشكلية
الولائية لتلك الأقاليم لبعض السلطات المركزية،
لقد أدى هذا التركيب السياسي الإداري المتعدد إلى خضوع تلك الأقاليم
الأساسية لأساليب حكم وإدارة مختلفة، على الرغم من التوافق الديني واللغوي
والتجانس الاجتماعي.
ففي نجـــد سيطر آل رشيــــد عليها بعد خروج آل سعــــود
منهــــا عــام 1309هـ/1891م([18])،
ولقد لجأت السلطة المركزية آنذاك في نجد ممثلة في عائلة آل رشيد في تعيين أمراء
وشيوخ محليين من عوائل وقبائل معروفة ونافذة على المناطق الخاضعة لها وتخويلهم جميع السلطات المحلية ([19]).
وبذلك فقد عاشت معظم أجزاء نجد في ظل تشكيلات إدارية محلية
صغيرة غلب عليها الطابع العائلي القبلي، لكون العائلة تشكل الوحدة الأساسية في المجتمع
النجدي الحضري على حين أن القبيلة تنسحب على المجتمع البدوي ([20]).
وقد كان نتيجة ذلك أن أصبحت العائلة أو القبيلة بمثابة حكومة
محلية، ورئيسها كسلطة محلية، وقد ساعد على بلورة ذلك أسلوب الحكم العثماني
اللامركزي وممثليه في البلاد([21]).
ويمكننا
تلخيص الحالة الإدارية العامة لنجد في أواخر القرن التاسع عشر بأمور عدة، من أهمها
وأبرزها ما يأتي:
أولا: ضعف السلطة المركزية وانحصار
علاقتها مع السلطات المحلية في ضمان جباية أموال الزكاة والضرائب وتحصيلها، دون أن
تلمس القبائل أي اهتمام من قبل السلطة المركزية بتحسين أوضاعها الاقتصادية
والاجتماعية.
ثانيا: أن التشكيلات الإدارية المحلية غلب عليها الطابع القبلي والعصبي
والعائلي، ولاسيما أن معظم الحضر في نجد من أصل قبلي، زد على ذلك أن ثلثي المجتمع
النجدي في ذلك الوقت كان من البدو الرحل ([22]).
ثالثا: أن نظام الحدود الثابتة والمنظمة للسلطات المحلية لم يكن معروفا، ومن
ثم كثيرا ما تعرضت السلطات المحلية لاحتكاكات وتصادمات فيما بينها وإلى أبعد من
ذلك بالاحتكاك بالدول الكبرى في المنطقة كبريطانيا وفرنسا مما أثار حساسية تلك
الدول.
رابعا: أن السلطات المحلية لم تكن تملك
القوة العسكرية لحفظ الأمن والنظام ولا الموارد المالية الكافية للقيام بتلبية
الحاجات المحلية العامة مما دفع الكثير من تلك السلطات إلى تغيير ولاءاتها وطلب
نظام الحماية من السلطة المركزية الأقوى.
وفي مثل هذه الأوضاع حيث انتشرت الكيانات المحلية الضعيفة في
ظل انعدام إدارة مركزية قوية كان من الطبعي أن يفتقد الأمن والطمأنينة، وأن تسود
الفوضى، وتكثر الحروب والمنازعات الداخلية، ومن ثم كان لا بد من أن تحل محل
الإدارة المركزية الصورية آنذاك والكيانات القبلية المرتبطة بها حكما جديداً
وإدارات جديدة، وهو ما تحقق فعلا بمجيء الملك عبدالعزيز ودخوله الرياض.
أما بالنسبة لإقليمي الأحساء وعسير فلم يكونا أسعد حالا من
إقليم نجد وما جاورهما من الأقاليم بحكم اضطراب الوضع الأمني وانعدام الاستقرار
السياسي المركزي وهيمنة الكيانات القبلية على السيادة المحلية، على الرغم من
السيطرة العسكرية التركية الظاهرية التي لم تتجاوز حدود أسوار المدن.
أما عن الإرث الإداري العثماني في إقليمي الأحساء وعسير قبل
دخول الملك عبدالعزيز إليهما فقد كان محدوداً، وإن كان نصيب إقليم الأحساء أكثر
مما هو عليه الحال في عسير بحكم موقعه الجغرافي المفتوح واحتكاكه السياسي والثقافي
والتجاري بالمناطق المجاورة؛ فإقليم الأحساء خضع فعليا للحكم العثماني في سنة
1781م ، وظل الوضع عليه إلى سنة 1913م، أي قبيل اندلاع الحرب العالمية الأولى حيث
تمكن الملك عبدالعزيز من إعادة ضمه إلى الدولة السعودية.
وفي أثناء الحكم العثماني تم ربط الإقليم بولاية البصرة تحت
اسم سنجق الأحساء، مقسما إلى أربعة أقضية، وتم تعيين متصرف تابع لوالي البصرة عليه([23]).
وكانت سلطة متصرف السنجق لا تتجاوز حدود أسوار المدينة([24]) على حين خضعت
المناطق البينية والطرق التجارية لسيطرة القبائل ونفوذها كبني خالد والعجمان وبني
هاجر وآل مرة. وعلى الرغم من وجود هذه
الترتيبات الإدارية المحلية في المدن والمراكز الحضرية في الإقليم إلا أن الرابطة
الوحيدة بين السكان والإدارة التركية كانت تقوم على أساس تسديد السكان للضرائب
المستحقة عليهم للسلطة العثمانية([25])،
وكانت الحاميات العسكرية المنتشرة في الإقليم بمثابة مراكز أمنية لحفظ النظام
وضمان الواردات اللازمة التي تنفق على الجند والموظفين الإداريين.
ولقد كان لضعف الإدارة العثمانية المحلية وفشلها في القيام
بأي مشروعات عامة في الإقليم وتركيزها على جمع الضرائب أثر كبير في تعجيل المقاومة
المحلية وتعظيمها وانتشار الفوضى وانعدام الأمن في الإقليم، وقد تضافرت هذه
العوامل وغيرها في جعل السكان المحليين يبحثون عن قوة جديدة تستطيع حمايتهم وفرض
الاستقرار والنظام في مناطقهم، وهذا ما تحقق فعلا عندما بدأ زعماؤهم بالاتصال
بالسلفيين ([26])،
الأمر الذي مهد الطريق لتقبل الولاء الديني ثم القبول بمبدأ سيادة الدولة بدلا من
سيادة الأنظمة العشائرية ([27]).
أما في إقليم عسير فكان تأثير الأتراك على الترتيبات الإدارية
والتنظيمية محدوداً جدًا موازنة بالأقاليم الأخرى؛ حيث تميز إقليم عسير بتغلغل الإقطاعات
والكيانات القبلية القوية التي مثلت مراكز المسؤولية والسلطة المحلية ضمن مساحات
جغرافية معينة ومناطق نفوذ معلومة، ولعل
من أهمها كيانين أساسيين ؛ هما إمارة آل عائض في أبها، وإمارة الأدارسة في صبيا
والأماكن المحيطة بها، أمّا حكم آل عائض فقد ابتدأ في منطقة عسير منذ
1249هـ/1833م، وانتهى في 1289هـ/1872م بعد تدخل القوات العثمانية، فأصبحت عسير
متصرفية عثمانية عاصمتها أبها([28]).
ولكن نتيجة للظروف المحلية في الإقليم عاد الأتراك واستعانوا
بآل عائض لإدارة الشؤون المحلية في الإقليم، ودانت لهم الإمارة فيما بعد هزيمة
الدولة العثمانية في الحرب العالمية الأولى ([29])، وقد كان
لسوء إدارة الإقليم من قبل حسن بن عائض أثر كبير في لجوء السكان إلى الأمير
عبدالعزيز حينئذ لكي يتدخل، وقد تم ذلك في عام 1341هـ /1923م حيث دخل جزء من الإقليم في حكم
آل سعود ([30]).
أما الأدارسة فيرجع تاريخ
نشأة إمارتهم إلى عام 1325هـ/1907م حينما اقتنع العثمانيون بتنصيب محمد بن علي
الإدريسي قائمقام لصبيا، وقد كان لثورته
على العثمانيين وتغيير ولاءاته وتحالفاته ورغبته في توسيع مناطق سلطاته أثر كبير
في إشعال الحروب بينه وبين مناوئيه، الأمر الذي أدى إلى ضعف ثم طلب الحماية
السعودية التي انتهت بدخول إقليم عسير بكامله تحت مظلة الحكم السعودي في عام
1331هـ / 1920م ومنحه الحكم الإداري الذاتي.
وقد كان لثورة الأدارسة في عام 1351هـ
على الحكم السعودي بدعم خارجي الأثر الكبير في ضم الإقليم
نهائيا تحت السيادة السعودية والقضاء على التمرد في حينه ([31]).
وكان اهتمام العثمانيين بإقليم عسير نابعاً من كونه حلقة
الوصل بين الحجاز واليمن. وأدى ذلك إلى الاهتمام بإنشاء الحاميات والحصون العسكرية
لتأمين سير المواصلات والقوافل التجارية في الجزء الغربي الجنوبي من الجزيرة
العربية([32])،
وقد عززت الدولة العثمانية معاقلها العسكرية في الإقليم بعد ظهور الحركة الإدريسية
على أساس أنها حركة دينية سياسية تهدد نفوذهم السياسي ووجودهم العسكري([33]).
ولقد حدث بالفعل ما كان متوقعا، حيث كان لتأثير الإدريسية على
الحياة الدينية والثقافية في عسير وتسهيل انتشار الدعوة السلفية أثر كبير في نجاح
الثورة المحلية على الأتراك وتهيئة الظروف المناسبة للملك عبدالعزيز لضم عسير
للدولة السعودية الحديثة فيما بعد ([34]).
أما الأثر العثماني في إقليم الحجاز فقد كان عميقاً وشاملاً
لمختلف مجالات الحياة وعلى وجه الخصوص مجالات التنظيم الإداري، ويعزى هذا الإرث
الإداري لأهمية الإقليم الدينية من ناحية ولطول مدة الحكم العثماني فيه من ناحية
أخرى؛ ففي الحجاز مارس الأتراك السلطة لأكثر من أربعة قرون، أي من عام 923 هـ حتى عام 1334هـ/ 1915م عندما أعلن شريف مكة الحسين بن
علي الثورة ضد الدولة العثمانية في ذلك العام وإقامة ما سمي آنذاك بالمملكة الحجازية، وبقي الحسين أميراً لهذا الإقليم حتى
دخول الملك عبدالعزيز في سنة 1343هـ ([35]).
ومما يفسر زيادة الاهتمام العثماني بإقليم الحجاز إضافة إلى
مكانته الدينية هو موقعه الجغرافي والتجاري وانفتاحه الثقافي، وهذا أثر على ازدياد السلطة العثمانية وعنايتها
بهذا الإقليم ورفع الحياة الإدارية في بعض أجزائه إلى مستوى متقدم نسبياً موازنة
بالأقاليم الأخرى في الجزيرة العربية،
وتمثل ذلك في تقسيم الإدارة في الحجاز إلى ثلاث مدن، هي مكة المكرمة
والمدينة المنورة وجدة، وقد حظيت مكة
بمنصب سام يسمى إمارة مكة المكرمة حيث كان ينصب أميرها من أسرة الأشراف، وجعل على
كل من المدينة وجدة متصرفين، سمي متصرف لواء المدينة بمحافظ المدينة المنورة، على
حين سمي متصرف لواء جدة بقائمقام الوالي([36])، وقد شملت
الترتيبات الإدارية المحلية في الحجاز كذلك إدخال التنظيمات الإدارية في دوائر
المالية والشرطة والأحوال العامة وشؤون الحج([37])، وإنشاء
المجالس الأهلية والبلدية والقضائية ([38])، واستحداث
رئاسة البلدية بدلا من نظام الحسبة الذي كان متبعا منذ وقت قديم ([39]) .
وبالرغم من اهتمام الدولة العثمانية بإقليم الحجاز إلا
أن ذلك الاهتمام كان قاصراً ورمزيًا، إذ
ارتبط بالمدن المهمة فقط دون أي اهتمام يذكر بالمناطق الحضرية والتجمعات
القروية، وعلى الرغم من التطور النسبي
لأوضاع المدن إداريا وتنظيميا إلا أن تلك المدن الكبيرة مثل مكة المكرمة والمدينة
المنورة لم تسلم من الفتن والحروب بسبب الخلافات التي تقع بين الأشراف أنفسهم في
صراعهم على السلطة وتدخل الأتراك ضد بعضهم الآخر،
ويذكر أحمد السباعي في هذا المجال أن مكة قد قاست "في سبيل عنادهم من
الويلات والشدائد والموت والجوع ما يعجز الوصف عنه ويكل القلم، طوال أحقاب
عدة" ([40])،
ويضيف بأن مكة "لا تتمتع باستقرار حتى تفاجئها حركات ثورية جديدة ؛ لأن
أشرافها يحتكمون في خلافهم على الإمارة إلى سيوفهم ، فتعرض البلاد لفتن شعواء، وقد
تتجدد الفتن في العام الواحد لأكثر من مرة" ([41]).
وفي مثل هذه الأوضاع انعدم النظام وسادت الفوضى والفتن في
معظم أنحاء الحجاز، ونتج عن ذلك ظهور إدارات محلية دون إدارة مركزية ضابطة، وبهذا تميز النظام المحلي في الحجاز بتعدد
أشكال الحكم من نظام مدني أهلي وآخر عسكري إقطاعي وثالث عشائري قبلي، وقد أسهم هذا الخليط التسلطي التنافسي في تكريس
ظاهرة انعدام النظام والأمن، ولم يكن هم الأتراك في مثل هذه الأوضاع سوى التحالف
وعقد الاتفاقات مع أمراء القبائل القوية وشيوخها أو مع من تكون له الغلبة من أجل
الحفاظ على الحجاز والاحتفاظ بالامتيازات المعنوية والمادية من جراء ذلك.
وبصفة عامة فإن الأتراك في آخر عهدهم انصرفوا إلى تشديد
القبضة الحديدية على إقليم الحجاز وتبني سياسة " فرق تسد " في تعاملهم
مع أمراء الحجاز وزعماء القبائل انطلاقا من قاعدة الحفاظ على الحجاز بأي ثمن([42])،
مما أوجد مناخاً للاضطرابات الداخلية وأطماعا للقوى الأجنبية.
وهكذا لحق إقليم الحجاز بالأقاليم الأخرى من حيث افتقاد الأمن
والاستقرار وغياب الهيئات الإدارية المحلية المؤثرة ، وأصبح المجال مفتوحا لهيمنة
الجيوش العسكرية والبوليسية على الشؤون الداخلية للمدن، بجانب الهيمنة العشائرية
القبلية على البوادي القروية، الأمر الذي كرس كل أسباب الانهيار السياسي والأمني
والإداري والاجتماعي في مختلف أقاليم الجزيرة العربية.
ويتضح من العرض السابق أن الدولة العثمانية لجأت إلى وضع
أنظمة للحكم المحلي في أقاليم الجزيرة العربية من أجل السيطرة التامة عليها وجباية
الأموال، ولم يكن هناك أي رغبة من العثمانيين للإصلاح والتعمير، بل زادت الأقاليم
في عهدهم انحطاطا شمل جميع مرافق الحياة،
ويعد فشل الإدارة العثمانية في إدارة المناطق المحلية وخدمتها من أهم
العوامل التي ساعدت على ظهور الثورات المحلية ونجاحها في جميع أقاليم الجزيرة
العربية، وبهذا تهيأت الأسباب لكي يحل محل
الإدارة العثمانية والتنظيمات الإدارية المحلية حكم وإدارة جديدة، وهذا ما حدث
بالفعل بظهور الملك عبدالعزيز في الوقت المناسب، الذي استطاع – بعد توفيق الله له
– بشجاعته وحكمته وبعد نظره واستجابة السكان المحليين له من أن يضم الأقاليم
والمدن تباعا حتى أنشأ هذا الكيان الكبير.
المرحلة
الثانية: مرحلة التأسيس أو مرحلة ما قبل توحيد البلاد [حقبة دخول الرياض 1319هـ /
1902م حتى إعلان توحيد المملكة عام 1351هـ /1932م ] :
وقد بدأت تلك المرحلة بعد أن استعاد الملك عبدالعزيز الرياض،
عاصمة أجداده في 5/10/1319هـ الموافق 15/1/1902م ، وبذلك أعلن ميلاد الدولة
السعودية الحديثة التي عرفت تاريخيا بالدولة السعودية الثالثة، وقد تزامن مع ذلك إعلان الملك عبد العزيز منهاج
الدولة العقدي ودستورها التشريعي ألا وهو تطبيق الشريعة الإسلامية نصا وروحا
انطلاقا من الكتاب والسنة بحيث حدد ذلك الهوية والثوابت وأضاء سبل التعامل مع
الآخرين ومع المتغيرات الدولية والتطورات الداخلية.
وابتداءً من هذا التاريخ ونتيجة لوضوح الهدف وسمو الغاية عمل
الملك عبدالعزيز على تثبيت أوضاعه الداخلية في المناطق التي استعادها، مع
الاستعداد والتهيئة المعنوية والمادية لضم الأقاليم الأخرى التي شكلت فيما بعد
المملكة العربية السعودية.
وقد استكمل الملك
عبدالعزيز التكوين السياسي للدولة بأقاليمها المعروفة الآن في خلال ربع قرن بعد
استعادة الرياض، مبتدئاً باستكمال بسط نفوذه على بقية أجزاء نجد مرورا بالأحساء
وحائل وعسير وانتهاءً بالسيطرة على الحجاز وجيزان ونجران.
وقد كان عدد التقسيمات الإدارية الداخلية بعيد انضمام الحجاز
وقبيل توحيد المملكة ستة أقسام رئيسـة كما هو موضح في الجدول رقم (2.1).
جدول رقم (2.1)
المقاطعات
والمناطق الأساسية للإدارة المحلية في المملكة قبيل توحيدها*
|
م |
اسم الإقليم أو المقاطعة |
تاريخ الانضمام للدولة |
تاريخ التكوين كمقاطعة |
المركز الإداري |
المناطق الرئيسة
التابعة للمقاطعة أو
الإقليم |
الإمارات
الرئيسة التابعة لكل مقاطعة |
|
1 |
نجد |
1319هـ |
1319هـ |
الرياض |
منطقة نجد منطقة القصيم منطقة جبل شمر |
14 4 3 |
|
2 |
الأحساء |
1331هـ |
1331هـ |
الهفوف |
– |
4 |
|
3 |
عسير |
1338هـ |
1342هـ |
أبها |
– |
5 |
|
4 |
الحجاز |
1343هـ |
1344هـ |
مكة المكرمة |
– |
18 |
* عن
المعلومات التي وردت في هذا الجدول، انظر: محمد توفيق صادق، مرجع سابق، ص ص 166 –
167 ، وكذلك:
K.S.
وعلى الرغم من دخول تلك الأقاليم تحت نفوذ الملك عبدالعزيز
وسلطانه سياسيا إلا أن تلك الأقاليم احتفظت بأنظمتها الإدارية، حيث تم الاستناد في
عملية إدارة تلك الأقاليم إلى أسلوب التنظيم غير المركزي بأوسع أشكاله دون التدخل
في شؤون الإدارة المحلية؛ فالملك عبدالعزيز لم يتعرض "لمؤسسات الإدارة
المحلية في الأقاليم التي كونت بمجموعها المملكة، أي أن نظام الأولويات لدى الملك
عبدالعزيز ومساعديه انطلق من متطلبات التأسيس لا توحيد التنظيمات الإدارية".([43])
ولذلك حافظ كل إقليم
على نظامه الإداري المحلي دون وجود دوائر حكومية مركزية تشرف على الأعمال الإدارية
في جميع الأقاليم، وكان دور الملك عبدالعزيز مقتصراً على تعيين الحكام لتلك
الأقاليم وإعطائهم التعليمات الأساسية والتوجيهات الضرورية التي تناسب ظروف كل
إقليم ومعطياته المحلية، وبذلك شملت
صلاحيات الحكام جميع الأمور المحلية إداريًّا وماليًّا وقضائيًّا وأمنيًّا عدا ما
اختص منها بالمسائل العسكرية والشؤون الخارجية حيث كانت محصورة بين الملك وحكام
الأقاليم ([44]).
وقد حظى إقليما نجد والحجاز باهتمام
الملك عبدالعزيز غير العادي ، وذلك بتعيين نجليه الأكبرين سعود وفيصل لمقاليد
الأمور الإدارية فيهما؛ فإقليم نجد يعد الأول في الدولة السعودية الحديثة الذي
تمتع بدرجة معقولة من الإدارة المحلية، وذلك من خلال تنصيب الأمير سعود حينئذ حاكمًا
إداريًا عامًا على الإقليم، وتخويله جميع أموره الداخلية، وإليه يرجع جميع أمراء
مدن نجد وقبائله ([45])،
وهذا يدل على بعد نظر الملك عبدالعزيز في تأكيد أهمية الاستقرار الإداري رغم أن
الدولة مازالت في بداية التكوين السياسي.
وقد اتسم نظام الحكم والإدارة المحلية في عهد الملك عبدالعزيز
في الفترة التي امتدت من عام 1319هـ وحتى عام 1351هـ ([46]) بالنمط
الشخصي؛ إذ إن الملك كان مسؤولا عن تنفيذ الأحكام الشرعية وتطبيق الأنظمة
والتعليمات في حدود الشرع، ولم تشر الوثائق الرسمية إلى وجود إدارات ذات اختصاص
معين في الإقليم عدا الإمارة بطبيعة الحال والقضاء ومأموريات المال([47])،
وقد انسحب هذا الوضع على الأقاليم الأخرى باستثنـــاء إقليم الحجاز الذي تعامـــل
معه الملك عبدالعزيز بترتيب خاص ، وكأنه وحدة حكم محلي ذاتي مستقـــل عن باقي
مناطـــق المملكة ([48])،وفي
ذلك يقول الملك عبد العزيز مخاطبا أهل مكة: " وما أرى لكم أحسن من أن نلقي
مسؤوليات الحكم على عواتقكـــــم" ([49]) .
ولتجسيد أهدافه وأقواله قام الملك عبدالعزيز بعدة إجراءات
تنظيمية وإدارية مستفيدا من الإرث الإداري العثماني والهاشمي ومضيفا عليه، وقد
كانت إستراتيجيته في ذلك ذات شقين: ([50]) الأول منهما
يتركز في تبني أسلوب المشاركة في الإدارة من خلال آليات التعيين والانتخاب، أما
الثاني فهو وضع هياكل وتنظيمات إدارية تتمشى مع المستجدات السياسية ولكن في إطار
عام ومعلوم، وقد شملت تلك الترتيبات الإدارية مجالس أهلية وتعليمات مؤقتة وأساسية،
والنيابة العامة، ونظام مجلسي الشورى والوكلاء،
ويوضح الجدول رقم (2.2) حصرا لأهم الترتيبات التنظيمية والمؤسسية للإدارة
المحلية في الحجاز في عهد الملك عبدالعزيز قبل إعلان توحيد المملكة.
جدول
رقم (2 و 2)
الترتيبات
التنظيمية والمؤسسية للإدارة المحلية في الحجاز قبل
إعلان توحيد
المملكة وذلك وفقا لتاريخ الإنشاء أو الإصدار
|
مسلسل |
الهياكل والأنظمة الإدارية |
تاريخ التأسيس أو الإصدار |
|
1
|
المجالس الأهلية |
1343هـ |
|
2
|
النيابة العامة |
1344هـ |
|
3
|
الهيئة التأسيسية |
1344هـ |
|
4
|
المجالس الاستشارية |
1344هـ |
|
5
|
التعليمات المؤقتة * |
1344هـ |
|
6
|
التعليمات الأساسية ومن أهمها فيما يتعلق بالإدارة المحلية:** – مجالس الشورى بمكة. – مجالس الإدارة . – مجالس النواحي . – مجالس القرى والقبائل . – المجالس العمومية البلدية . |
1345هـ |
|
7
|
لجنة التفتيش والإصلاح |
1346هـ |
|
8
|
مجلس الوكـــلاء |
1350هـ |
|
9
|
نظام المأمورين*** |
1350هـ |
*
انظر: إبراهيم العتيبي، مرجع سابق، ص 123 – 124.
**
انظر: إبراهيم العواجي، مرجع سابق، ص 1022.
***
انظر: أم القرى، عدد 344 في 1/3/1350هـ.
وبصفة
عامة فإنه يمكن تلخيص أبرز سمات مرحلة التأسيس في النقاط الآتية:
1) إعلان
الملك عبدالعزيز قيام صرح المملكة على منهاج الشرع وسلطانه وتطبيق أحكامه وفقا
لكتاب الله وسنة رسوله e، ووفقا لهذه الثوابت، وكنتيجة حتمية
للالتزام بها استطاع الملك عبدالعزيز في زمن قياسي أن يحقق ما عجز عنه الآخرون،
ألا وهو تحقيق الأمن الشامل وتوفير الاستقرار لمختلف أقاليم البلاد المختلفة،
الأمر الذي استفاد منه القريب والبعيد، ولا يخفى على أحد أهمية الأمن والاستقرار
في حياة الأمم والشعوب؛ لأنهما هما سبيل التنمية والحضارة وألزم مقوماتهما، كما لا
يخفى على المهتمين أن القوات الحجازية سواء في عهد الدولة العثمانية أو الهاشمية
لم تستطع أن تشيع الأمن أو تحقق الاستقرار على الرغم من الإمكانات المتعددة
والجهود المضنية التي بذلت في هذا المجال.
2) تزامن
استكمال التكوين السياسي والجغرافي للدولة مع تأكيد أهمية استمرار الترتيبات
والأعمال الإدارية والتنظيمية للأقاليم المختلفة، الأمر الذي يعكس إلى حد بعيد
أهمية الكيانات الإدارية والتنظيمية في الأقاليم المستعادة في تثبيت دعائم الدولة
الوليدة على الرغم من استمرار انشغال الملك عبدالعزيز في النواحي العسكرية.
3) تعدد
الألقاب وتنوعها التي حملها الملك عبدالعزيز بما يتلاءم مع مرحلة التأسيس وتكوين
الدولة؛ فكان يلقب بإمام، أمير، باشا، والي، حاكم، سلطان، ملك، وقد تكرس اللقب
الأخير عندما توحدت المملكة عام 1351هـ / 1932م باسم المملكة العربية السعودية ([51])، فهذا التعدد والتدرج في استخدام الألقاب يعكس
من ضمن أمور أخرى طبيعة التمايز الإداري المحلي لمناطق المملكة من جهة والدراية
القيادية للملك عبدالعزيز من جهة أخرى، الأمر الذي كان له الأثر الكبير في ضمان
انتظام الحياة العامة في الأقاليم، إضافة إلى تهيئة الظروف المناسبة لاستيعاب
الاختلافات الإقليمية تدريجيًا إلى الوحدة الإدارية المركزية.
4) أن
الملك عبد العزيز لم ينشئ تشكيلات إدارية ذات طابع قوي عام، كما لم يجر أي تغييرات
فورية جوهرية في الترتيبات الإدارية والتنظيمية في الأقاليم التي أصبحت تحت سيطرته
عدا بعض التعديلات التي كان يراها ضرورية، مثل تعيين حاكم عام أو أمير على
الأقاليم المهمة مثل نجد والأحساء والحجاز وعسير،
ويعزى السبب في عدم إحداث تلك التغييرات الجوهرية في المدة التأسيسية لوجود
العديد من المسوغات، أهمها:
أ – انصرف
اهتمام الملك عبدالعزيز إلى تثبيت الأمن والنظام وإنهاء العمليات الحربية بأسرع
وقت من أجل استكمال التوحيد السياسي والجغرافي للبلاد.
ب –
تقدير الملك عبدالعزيز لأهمية الظروف الدولية وضرورة التعامل معها وفقا لإمكاناته
لإدراكه بأن استفزاز القوى المهيمنة على المنطقة بأي طريقة لن تكون مفيدة أو
مضمونة العواقب.
ج – مراعاة
الملك عبدالعزيز للمعطيات المحلية للأقاليم وأعراف التركيبة الإدارية للقبائل
الأمر الذي دفعه إلى إبقاء عملية الإدارة المحلية (الحكم المحلي) في كثير من
جوانبها بيد أمراء القبائل وشيوخها من أجل كسب ثـقة السكان المحليين وولائهم
السياسي.
د – افتقار
الدولة الوليدة للكادر الإداري المؤهل لتولي جميع الأمور في هذه الأقاليم بما يكفل
النجاح في إدارة المناطق وخدمتها.
هـ – عدم
توافر الإمكانات المالية اللازمة للقيام بالخدمات المحلية المختلفة.
5) أن
التعليمات الأساسية كانت بمثابة الأساس التنظيمي والمرجع القانوني لترتيب جهاز
الدولة الوليدة وإدارتها ليس فقط على مستوى الحكم المركزي ، وإنما بشكل أدق على
المستوى المحلي وتحديداً إقليم الحجاز الذي أصبح المنطلق الذي نمت وتطورت من خلاله
الإدارة المركزية وتنظيماتها المختلفة في الدولة السعودية الحديثة.
المرحلة الثالثة: مرحلة التوحيد (1351هـ/1373هـ)
وقد بدأت هذه المرحلة بإعلان توحيد المملكة سياسيًا، وختمت
بظهور الإدارة المركزية، كان آخر لقب أطلق على الملك عبدالعزيز – رحمه الله – بعد إتمام
جهوده في توحيد البلاد سياسيا وجغرافياً هو (ملك الحجاز ونجد وملحقاتها) ([52])إلا
أنه تبين أن هذا الاسم لا يعكس الوضع الوحدي السياسي للبلاد؛ فهي دولة مترامية
الأطراف ،وتحتاج إلى اسم يعبر عن وحدة أقاليمها ومناطقها دون خصوصية معينة لأحد أو
بعض أقاليمها، ونتيجة للمطالبة الشعبية والتأييد الشامل من مختلف مناطق المملكة
بتحويل ملك الحجاز ونجد وملحقاتها إلى "المملكة العربية السعودية"
استجاب الملك عبدالعزيز للطلب، وأصدر موافقته السامية على ذلك بمرسوم ملكي بهذا
الخصوص ([53]) ،
وقد أصبح اسم البلاد ساري المفعول وفقا لذلك ابتداءً من 21/5/1351هـ / 23/9/1932م ([54]).
بعد إعلان توحيد المملكة أصدر الملك عبدالعزيز تعليماته
بالاستمرار بالعمل بالتنظيم الإداري السائد قبل إعلان توحيد البلاد إلى حين صدور
تعليمات جديدة، وتزامن مع ذلك التوجيه تكليف كلٍّ من مجلسي الشورى والوكلاء بدراسة
الوضع الإداري والتنظيمي القائم وتقديم اقتراحات بوضع تشكيلات إدارية جديدة تمشيا
مع زيادة توسع نشاطات الحكومة وواجباتها ([55]).
ولعل من أبرز خصائص تلك المرحلة التوحيدية ومستجداتها التي
أثرت بشكل مباشر أو غير مباشر على التكوين التنظيمي والمؤسسي للإدارة المحلية ما يأتي:
1– توحيد
المملكة العربية السعودية سياسيًا الأمر الذي مهد الطريق في مرحلة لاحقة إلى إحلال
النظام الإداري المركزي الموحد بدلا من النظام المتعدد بتعدد أقاليم المملكة.
2– اختيار
ولاية العهد، حيث قرر الملك عبدالعزيز تعيين أكبر أنجاله الأمير سعود حينئـــــذ
وليا للعهد، وذلك بعد سنـــــة واحدة من توحيد البلاد أي في سنة 1352هـ([56]).
3– صدور
أول نظام مستقل يعالج تنظيم المدن وإدارتها تمثل في "النظام العام لأمانة
العاصمة والبلديات"([57]) ،
وذلك في عام 1357هـ، وقد بيَّن هذا النظام
مهمات أمانة العاصمة ومسؤولياتها وأمينها والبلديات ورؤسائها، كما حدد النظام
تشكيلات واختصاصات أجهزة الشؤون البلدية في كل منطقة والتي تتكون من رئيس البلدية
ومجلس بلدي ومجلسٍ إداريٍّ ووكيل للبلدية ([58]). وقد ظل نظام
أمانة العاصمة والبلديات معمولاً به إلى أن تم استبداله بصدور نظام البلديات
والقرى في عام 1397هـ([59]) .
4– صدور
نظام الأمراء والمجالس الإدارية في عام 1359هـ([60]) "كأول
محاولة لتقنين العملية التنظيمية في إدارة المناطق المحلية" ([61])،
ومع أن نظام الأمراء لم يحدد عدد المناطق الإدارية واختصاصاتها، إلا أنه منح أمراء
المناطق سلطات واسعة فيما يتعلق بحفظ الأمن والنظام وإدارة مناطقهم والمدن والقرى
الواقعة ضمن مجالها وتنميتها، ومما يؤكد على سلطة الأمراء الواسعة في أقاليمهم هو
منحهم حق الإشراف والرقابة على جميع الدوائر الحكومية الموجودة في مناطقهم بما في
ذلك الوحدات العسكرية ([62])،
والمشاركة أحياناً في المفاوضات مع الدول المجاورة لمناطقهم ([63]). وقد نص نظام الأمراء على تشكيل مجالس إدارية
منتخبة في كل منطقة تكون تحت رئاسة الحكام الإداريين، وكان من أبرز مهمات المجالس
الإدارية بالإضافة إلى مساعدة الأمراء في الخطط الأساسية للمناطق هو الإشراف على
كل ما يخصها من شؤون تنظيمية وبلدية ذات المساس المباشر بالمواطنين والتحقيق في
شكاواهم ([64])،
وقد تقلصت أهمية تلك المجالس وتوقف العمل بها في مرحلة لاحقة ([65]). إن أهم ما يميز هذا النظام والإدارة المحلية في
عهد الملك عبدالعزيز أنها جسدت تحولا واضحا لأسلوب عدم المركزية في التنظيم والعمل
الإداري والتوجه نحو تقليل هيمنة الجهاز الإداري المركزي للدولة على المناطق
المحلية "بالقدر الذي يقترب في كثير من جوانبه من أسلوب الحكم المحلي" ([66]).
5– اكتشاف
البترول في المملكة وبداية تصديره بكميات تجارية، حيث فتح ذلك الباب على مصراعيه
في حقب لاحقة لإحداث تحولات نوعية وكمية في شتى مرافق الحياة كان في مقدمتها
استكمال التكامل الوظيفي والبنائي على مستوى الإدارة المركزية والمحلية، وعلى الرغم من عدم انتظام تصدير البترول في
بداية الأمر نظرا لنشوب الحرب العالمية الثانية، إلا أن عودة انتظام تصديره بنهاية
الحرب عام 1365هـ / 1945م زاد من إيرادات المملكة تدريجيا ، ومن ثم بدأ تعميم
الخدمات البلدية والمواصلات والتعليم والصحة وغيرها إلى أرجاء المملكة الأمر الذي
استدعى مواكبة ذلك تنظيمياً ومؤسسياً على المستويين المركزي والإقليمي المحلي.
6– عدم
إحداث تغييرات ملموسة في طريقة الحكم أو أساليب الإدارة في الأقاليم الرئيسة
للمملكة نظراً للأزمة الحالية الصعبة التي واجهتها الدولة في تلك المدة([67])،
إضافة إلى نشوب الحرب العالمية الثانية التي انعكست آثارها السلبية على مجمل الأوضاع
التنموية لمعظم دول العالم بما فيها المملكة.
7– ازدياد
نفوذ الحكومة المركزية على بقية أقاليم المملكة نتيجة للتوسع التدريجي الأفقي
والرأسي في خدمات الجهاز الإداري للدولة وتشكيلاته، حيث يلحظ ازدياد عدد الوزارات
من ثلاث وزارات قبل 1370هـ إلى ثمان وزارات فيما بين 1370 و 1373هـ، وبالإضافة إلى هذه الوزارات أحدث في الحقبة
نفسها عدد من الإدارات المستقلة مثل مديرية العمل والعمال والمديرية العامة للحج
وكذلك المديرية العامة لشؤون البترول والمعادن ([68])، ويلحظ على
هذه المرحلة كذلك بداية استحداث فروع وزارية لبعض الوزارات القائمة مما ساعد على
بسط نفوذ الحكومة المركزية على الأقاليم المختلفة ، ومن ثم فتح الباب على مصراعيه
للوزراء المعنيين بالإشراف المباشر على فروع وزاراتهم "في الملحقات بعد أن
تجاوز نشاط هذه الوزارات منطقة الحجاز الإدارية" ([69]).
المرحلة الرابعة: مرحلة بناء الإدارة المركزية وتطويرها (1373
– 1419هـ):
وتغطي هذه المرحلة المدة من تاريخ صدور مرسوم إنشاء مجلس
الوزراء([70])
في عام 1373هـ/1953م حتى الوقت الراهن، ومع إنشاء مجلس الوزراء تم "استبدال
النظام الإداري المتعدد بتعدد أقاليم المملكة، وإحلال النظام الإداري الموحد
محله"([71])،
وقد تأكدت هذه الوحدة الإدارية والتنظيمية (التشريعية) باضمحلال أثر مجلس الشورى
كجهة تنظيمية وإلغاء مجلس الوكلاء وديوان النيابة العامة المتصل به وتحويل صلاحيات
تلك الجهات إلى ديوان مجلس الوزراء بعد مدة وجيزة من ظهور نظام مجلس الوزراء([72])،
وعلى هذا الأساس تهيأت المملكة للتوحد الإداري الإقليمي كما توحدت من قبل سياسيًا
على أثر إعلان توحيد المملكة.
ونظراً لوفاة الملك عبدالعزيز بعد مرور شهر واحد على إنشاء
مجلس الوزراء، فإن الحديث المفصل عن تلك المرحلة يعد خارج نطاق الدراسة، ولذلك
سيتم الاكتفاء برصد أبرز سمات تلك المرحلة تنظيميا وهيكليا بشكل انتقائي يعكس
مراحل التحول الجوهرية وأبرز سماتها، والتي كان لها تأثير مباشر وغير مباشر على
مسيرة الإدارة المحلية في المملكة.
أولا: مرحلة إدارة التأسيس المركزي (1373 –1390هـ):
ومن أبرز سمات تلك المرحلة:
1– خضوع
جميع أجهزة الدولة لإشراف إداري وتنظيمي (تشريعي) موحد، فلأول مرة وضعت جميع
الوزارات والأجهزة الحكومية تحت إشراف جهاز واحد على مستوى المملكة.
2– تعميم
الإشراف المركزي الرئاسي لأجهزة الدولة وتوسيعه لكي يشمل مناطق المملكة جميعاً،
وقد استتبع ذلك ضرورة التوسع الداخلي في تنظيم هذه الأجهزة؛ فوزارة الداخلية التي
ورثت الإشراف والرقابة على النشاطات البلدية من خلال إدارة الخدمات البلدية طورت
تلك الإدارة في عام 1382هـ إلى وكالة لشؤون البلديات تغطي صلاحياتها جميع مدن
المملكة ([73]).
3– التوسع
العددي والنوعي في حجم الجهاز الحكومي ونشاطاته حيث أدى هذا التوسع إلى مضاعفة عدد
الوزارات والمصالح الحكومية المركزية والمؤسسات العامة، الأمر الذي ترتب عليه
إصدار العديد من التشريعات المنظمة لممارسات تلك الأجهزة من ناحية وزيادة الأعباء
والتحديات على الجهاز الحكومي من ناحية أخرى، خصوصا في ظل غياب كفاءات إدارية
مؤهلة وأساليب وأنظمة إدارية حديثة.
4– الاستعانة
ببعض الهيئات والخبرات العالمية لإعادة تنظيم جهاز الإدارة العامة وتطويرها في
المملكة على المستويين المركزي والمحلي، وقد تم ذلك ابتداءً من عام 1376هـ / 1957م
حيث تم الاستعانة بصندوق النقد الدولي، ثم بعثة البنك الدولي للإنشاء والتعمير في
عام 1380هـ /1960م مرورا بخبراء الأمم المتحدة في عام 1380هـ/1960م وانتهاءً وليس
نهاية بمؤسسة فورد الأمريكية وذلك في عام 1383هـ/1963م.
5– إنشاء
عدد من الأجهزة المركزية والمؤسسات العامة المهتمة بالتنمية الإدارية والتطوير
الإداري وتطويرها ، وذلك من أجل الإسهام في ترقية فعالية الأجهزة الحكومية
وكفاءتها، وكان من ضمن تلك الأجهزة المهمة التي تم إنشاؤها ديوان المراقبة العامة،
ومعهد الإدارة العامة، واللجنة العليا للإصلاح الإداري، والإدارة المركزية للتنظيم
والإدارة.
6– صدور
العديد من التنظيمات المهمة في تلك المدة، لعل من أهمها نظام المقاطعات لعام
1383هـ([74])
"الذي جاء معبرا عن الرغبة آنذاك في تطوير الإدارة المحلية بما يتناسب مع
التطوير الذي حدث للإدارة المركزية" ([75]).
وعلى الرغم من أن نظام المقاطعات قد نص على تكوين مجالس في
المقاطعات وأعطى حكام المقاطعات صلاحيات واسعة في تقرير الشؤون المحلية وإدارتها،
إلا أن النظام لم يصدر أو ينفذ بصورة رسمية ما عدا الجزء المتعلق "بالحكم
المحلي من النظام" الذي وضع موضع التنفيذ في وقت لاحق ([76]).
ثانيا: مرحلة إدارة التنمية الشاملة (1390 – 1412هـ):
ومن أبرز سمات تلك المرحلة ما يلي:
1– تبني
خيار التنمية الشاملة وفق منهج الخطط العلمية المدروسة، حيث صدرت أول خطة خمسية
إنمائية للدولة في عام 1390هـ /1970م، أعقبها منذ ذلك الوقت حتى الآن خمس خطط
تنموية أخرى، وقد تدرجت تلك الخطط في أهدافها ومرتكزاتها الإستراتيجية من خطة إلى
أخرى، حيث كان التركيز في الخطط الأولى على بناء التجهيزات الأساسية واستكمالها
والبنى التحتية للدولة صعوداً في الخطط الأخيرة إلى التركيز على إحداث تغييرات
جوهرية في بنية الاقتصاد الوطني ورفع كفاءة مختلف قطاعاته لمواكبة المستجدات
الداخلية والتغيرات العالمية.
2– توافر
عوائد مالية ضخمة نتيجة لارتفاع أسعار البترول من ناحية وتضاعف كميات إنتاجه من
ناحية أخرى، الأمر الذي ساعد على التوسع الكبير في حجم الإنفاق الحكومي، وقد أدى هذا التوجه الإنفاقي أثراً كبيراً في
تسريع وتيرة التنمية وتعميمها لتشمل جميع القطاعات الأساسية في المجتمع، وعبر
مساحاته الجغرافية الممتدة، وأبرز ما في
هذا الأمر أنه ضاعف من الأعباء والمسؤوليات على كاهل الأجهزة المركزية التي وجدت
نفسها غير قادرة على إحداث التوازن المنشود بين إدارة الشؤون المركزية التي تبدو
أكثر أهمية وبين إدارة الشؤون المحلية التي تمثل مفتاح التنمية الحقيقية بحكم
مساسها المباشر بهموم المجتمع وحاجاته، وهذا بالطبع أوجد ظروفاً مواتية لتخفيف
المركزية الإدارية عن طريق تفويض بعض السلطات الإدارية إلى الوحدات الإقليمية
والمحلية لتكون قادرة على القيام بمسؤولياتها في دفع عملية التنمية المحلية بسرعة
ومرونة متناهيتين.
3– استكمال
الهياكل والمنظمات الحكومية لكي تغطي مختلف القطاعات الحيوية، وقد شمل ذلك مضاعفة
عدد الوزارات لكي تصبح عشرين وزارة في عام 1395هـ في الوقت الذي لم يوجد فيه من
قبل سوى ثلاث عشرة وزارة، وقد شمل
الاستحداث الهيكلي العديد من المؤسسات والشركات العامة والصناديق التنموية
المتخصصة، وكان من أبرز سمات ذلك التوسع
البنائي في مجال الإدارة المحلية هو إنشاء وزارة الشؤون والقروية في عام 1395هـ،
وقد أوكل للوزارة القيام بالمهمات والمسؤوليات التي كانت منوطة بوزارة الداخلية خلال
"وكالة الوزارة للشؤون البلديات" مع تطوير هذه المهمات والتوسع فيها بما
يتلاءم مع الوثبة الكبيرة في مجالات التحول والإنماء التي عمت أرجاء المملكة ([77])، وقد سعت الوزارة في السنوات اللاحقة إلى تشكيل
تنظيم بلدي شامل مستفيدة في ذلك من خدمات شركة ماكينزي الاستشارية Mckinsey Internation ومستهدفة
تفعيل اللامركزية الإدارية بحيث أصبحت الخدمات البلدية والقروية تمر "عبر
شبكة من أمانات المدن والبلديات والمجمعات والمديريات ومصالح المياه والمجاري
ارتفع عددها حاليا إلى (5) أمانات و (96)
بلدية و (43) مجمعا و (6) مديريات و (6) مصالح مياه ومجارٍ" ([78])،
إضافة إلى الهيئات العليا لتطوير المدن.
4– صدور
أنظمة جديدة وتطوير أنظمة قائمة؛ لكي تناسب التطور والتوسع الفعلي في هياكل الدولة
ووظائفها على المستويين المركزي والمحلي، ويعد نظام البلديات والقرى الذي صدر في
عام 1397هـ من أهم الأنظمة التي صدرت في تلك المدة باستهدافه تنظيم أعمال الكيانات
المحلية في المملكة، وتخويلها عدداً من المقومات الأساسية للإدارة المحلية التي
أجمع عليها الفقه الإداري من استقلال إداري ومالي ووجود إطار تنظيمي محدد وسلطات
محلية، وقد عُدَّ هذا النظام نقلة نوعية وخطوة متقدمة في تطوير الأعمال البلدية
والقروية على أن أهميته لا تنحصر "فقط في شموليته وحداثته وملاءمته للظروف
الموضوعية الحاضرة بل في كونه أيضا تعبيراً آخر عن الرغبة في اللامركزية وتحقيق
درجة أكبر من المشاركة المحلية، وهو من منطلق ضيق جدا يعد نوعا من العودة إلى
الجذور التنظيمية للامركزية التي كانت سائدة في مرحلة التأسيس" ([79]).
ثالثا: مرحلة إدارة
التحديث والتكامل التنظيمي والمؤسسي (1412– 1419هـ):
تمثل هذه الحقبة قمة الإنجازات التنظيمية والمؤسسية للدولة السعودية
الحديثة نتيجة لصدور النظام الأساسي للحكم وأنظمة أخرى جديدة لمجلس الوزراء ومجلس
الشورى والمناطق، ويعد نظام المناطق الجديد الصادر بالمرسوم الملكي رقم أ/92 في
1412هـ وما أدخل عليه لاحقا من تعديلات تكميلية أكثر وضوحاً وتطوراً وشمولاً من
غيره من الأنظمة المحلية السابقة في تحديد واجبات الإدارة المحلية ومسؤولياتها
وتشكيلاتها وتحديد العلاقة بينها وبين الإدارة المركزية ([80]).
ولعل من أبرز سمات نظام المناطق الجديد هو إعادة تقسيم
المملكة إداريا إلى ثلاث عشرة منطقة رئيسة (مناطق) وفرعية (محافظات) وثانوية (مراكز)
تتمتع بالشخصية المعنوية.
وبذلك حسم نظام المناطق ، قضية تقسيم أقاليم الدولة إدارياً
على خلاف نظام المقاطعات الذي لم يتضمن تحديدا واضحا لذلك، ويوضح الجدول (2.3)
أسماء مناطق المملكة مع تحديد مقر إمارة المنطقة وفقا للتقسيم الإداري المحلي
الجديد مقارنة بالتقسيم السابق.
جـــدول
2.3*
التقسيمات
الإدارية لمناطق المملكة
بموجب
نظام المقاطعات الصادر في 1383هـ وكذلك نظام المناطق الصادر في 1412هـ
|
م |
اسم المنطقة وفقا للتقسيم القديم |
اسم المنطقة وفقا للتقسيم الجديد
لنظام المناطق |
عدد المحافظات (النظام الجديد) |
مقر إمارة المنطقة (النظام الجديد) |
|
1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 |
منطقة الرياض منطقة مكة المكرمة منطقة المدينة المنورة منطقة القصيم المنطقة الشرقية منطقة عسير منطقة تبوك منطقة حائل منطقة الحدود الشمالية منطقة جازان منطقة نجران منطقة الباحة منطقة الجوف منطقة القريات |
منطقة الرياض منطقة مكة المكرمة منطقة المدينة المنورة منطقة القصيم المنطقة الشرقية منطقة عسير منطقة تبوك منطقة حائل منطقة الحدود الشمالية منطقة جازان منطقة نجران منطقة الباحة منطقة الجوف – |
19 11 6 10 10 11 5 3 2 13 4 6 2 – |
مدينة الرياض مدينة مكة المكرمة مدينة المدينة المنورة مدينة بريدة مدينة الدمام مدينة أبها مدينة تبوك مدينة حائل مدينة عرعر مدينة جازان مدينة نجران مدينة الباحة مدينة سكاكا – |
* المصدر: انظر جريدة الرياض، عدد 10636 في تاريخ 4
ربيع الآخر 1418هـ ، ص 4 .
وكذلك ثامر
بن ملوح المطيري، "البناء الإداري والتنظيمي للإدارة المحلية"،
مرجع سابق،
ص ص 136–137.
ومن السمات الأخرى المهمة لنظام المناطق الجديد هو تكوين مجالس
محلية لجميع مناطق المملكة، حيث خول هذا النظام المجالس بدراسة كل ما من شأنه أن
يرفع مستوى الخدمات في تلك المناطق واقتراحه، وبإنشاء مجالس المناطق تم معالجة
إشكالية ازدواجية جهة ارتباط الوحدات المحلية بالسلطات المركزية ولو بشكل جزئي؛
حيث إنه من المعلوم أن التقسيم المحلي في المملكة يتكون من مستويين إداريين ، هما
مستوى المناطق ويرتبط تنظيميا بوزارة الداخلية، ومستوى البلديات ويرتبط تنظيميا
بوزارة الشؤون البلدية والقروية.
وتبرز أهمية مجالس المناطق في كونها تضم في تشكيلها أمير
المنطقة رئيساً للمجلس بالإضافة إلى رؤساء فروع الوزارات والأجهزة الحكومية
الخدمية وعدد من أهالي المنطقة المشهود لهم بالكفاءة والخبرة، وكما يلحظ فإن المنظم قد هدف إلى تبني التوجه
العام في الفقه الإداري من حيث ضرورة وجود آليات مؤسسية مركزية مرتبط بها الوحدات
المحلية داخل الأقاليم الإدارية بما ينسجم مع مطلبي التنسيق والتكامل.
وعلى هذا الأساس فإن وجود المجالس المحلية يمثل حلا وسطا
للمعضلة التنسيقية المترتبة على ازدواجية جهة الارتباط الإداري بالنسبة للوحدات
المحلية المختلفة في المملكة، كما أن وجود مثل تلك المجالس يعكس إلى حد كبير
الرغبة في تخفيف هيمنة الأجهزة المركزية على المناطق خصوصا فيما يتعلق بالأمور
التخطيطية والتنسيقية والرقابية، وهو ما كان سائدا بالفعل في عهد الملك عبدالعزيز.
وبالإضافة إلى هذا وذاك فإن تركيبة تشكيل مجالس المناطق الذي
يقوم على ضرورة التمثيل الشعبي فيها يعد نوعا من العودة إلى تحقيق أكبر قدر من
المشاركة المحلية ضمن قنوات رسمية نظامية، وبالتالي إرساءً لمبادئ الشورى
والمشاركة التي آمن بها الملك عبدالعزيز فكرا، وطبقها ممارسة على نطاق واسع في
مناطق المملكة المختلفة.
الفصل الثالث : فلسفة الملك عبدالعزيز وتجربته في الإدارة المحلية
إن أفكار الملك عبدالعزيز وأفعاله ومواقفه تظل تراثا قوميا
إنسانيا تستمد منه المعاني وتستخلص العبر وتستفاد الدروس؛ فالملك عبد العزيز يعد
من القادة القلائل الذين قاموا بأعمال غير عادية ظلت تضيء جوانب متعددة من حياتنا
حتى يومنا هذا وبالدرجة نفسها من الحياة والأهمية.
وكان من أثر ذلك أن دبجت أقلام رجالات الفكر والتاريخ
والسياسة والإدارة والاجتماع وغيرهم حصيلتها المعرفية عن جوانب مهمة في حياة الملك
عبدالعزيز، يعجز الإنسان المطلع عن الإحاطة بها،
ولقد حظيت الإدارة في عهده بنصيب وافر من هذه الإسهامات وإن كان أغلب ما
كتب عنها ينصب على الدراسات التاريخية البحتة من حيث تاريخ التنظيمات الإدارية
والمنظمات الحكومية.
لذلك فإنه على الرغم من كل هذا الاهتمام بتاريخ الإدارة في
عهد الملك المؤسس ، فإننا مازلنا أبعد ما
نكون من الفهم المنهجي المتعمق للتراث الإداري الذي تبناه الملك عبدالعزيز وخلفه
لمن بعده في ضوء الأسس والمفاهيم الإدارية المتعارف عليها علميا, خصوصا في مجال
تطبيقات الإدارة المحلية؛ فالإدارة المحلية كما هو واضح وجلي في القسم السابق كانت
هي اليد الطولى التي بها ومن خلالها – بعد توفيق الله – استطاع الملك عبد العزيز
أن يبني ويوحد هذا الكيان الفريد في جزيرة العرب .
إن هذا الإنجاز الماثل من تحرير تلك البلاد المترامية الأطراف
وتوحيدها يدفع إلى التساؤل عن السر الكامن وراء ذلك، وبمعنى آخر فإن السؤال
المطروح هو : كيف استطاع الملك عبد العزيز أن ينشئ دولة ويقيم نظاما في مساحات
إقليمية منعزلة طغى عليها التمزق والفوضى وانعدام الأمن ؟ الإجابة بسهولة وكما هو
معروف تدور في فلك الإدارة والقيادة،
ولذلك يقال فتش عن الإدارة ؛ فهي مفتاح النجاح أو الإخفاق، ينطبق ذلك على جميع
ضروب الإدارة وتصنيفاتها ومجالاتها . والحق أن الملك عبدالعزيز مثله مثل القادة
العظام عبر التاريخ – كان قائدا متميزا – تمتع بصفات قيادية غير عادية استطاع بها
أن يحدث تحولات جذرية في التاريخ المعاصر لا تزال تملأ الدنيا عبراً ودروساً .
إزاء هذه الأهمية للإدارة تأتي الإدارة المحلية عنصراً مهمًا ومؤثراً في إنشاء هذا البلد
المعطاء وبنائه؛ فقد كان للملك عبدالعزيز أثر مركزي في تبني أنماط إدارية وأنظمة
وتوليدها على المستوى المحلي أسهمت في تحريك المجتمعات المحلية نحو حفظ النظام
وتماسك الوحدة الوطنية، ومن ثم صنع البيئة الملائمة لولادة دولة الوحدة والنظام
والتنمية .
ولهذا السبب فإن استنتاج الدروس والعبر من حكمة الملك
عبدالعزيز وأثره القيادي في إدارة الدولة
على المستوى المحلي يستحق العناية والتجلية والرصد العلمي والتدوين التاريخي
تبيانا للمنهاج الفكري والتطبيقي الذي رسمه في تسيير دفة بلاد التوحيد والبناء.
وفي إطار هذا المعنى فإن هذا الجزء الأخير من البحث سيعالج
موضوعين متداخلين على قدر كبير من الأهمية ، نراهما يعبران عن عمق توجهات هذا
البحث وأهدافه وهما : تجربة الملك عبد العزيز في مجال الإدارة المحلية بين النظرية
والتطبيق ، وفلسفة الملك عبد العزيز
الإدارية ومواهبه القيادية في إدارة دفة الشؤون المحلية وتسييرها.
تجربة الملك عبدالعزيز الإدارية بين النظرية والتطبيق:
تشكل تجربة الملك عبد العزيز في إدارة الدولة وخصوصا على
المستوى المحلي فلسفة فريدة وغنية ؛ لأنها كانت وفقا للدراية الإدارية المحلية
وتطبيقاتها العملية الناجحة ، ولأجل إلقاء الضوء على تلك التجربة والحكم عليها
بمنظار موضوعي هادف والاستفادة منها، فإنه
سيتم تبني بعض المعايير أو المقاييس المتعارف عليها في ذلك المجال مع تطويعها بما
يتناسب مع الواقع المحلي، وهذه المعايير أو المقاييس العملية التي سيتم تبنيها
والاسترشاد بها هي : ([81])
1– الترتيبات الهيكلية
والتنظيمية والوظيفية .
2– السلطات والصلاحيات
المخولة للحكام المحليين .
3– المشاركة الشعبية
وقنوات المشورة ( المشورة المباشرة والاتصال المباشر) .
4– العلاقة بين السلطة
المركزية والحكام المحليين .
سنبحث أولاً معياري الترتيبات الهيكلية والوظيفية والسلطات
والصلاحيات المخولة للحكام المحليين نظراً للترابط العضوي بين هذين
المعيارين؛ فالبناء الهيكلي والوظيفي
للدولة على مستوى الأقاليم أو المحليات بدأ قبل البناء المركزي للدولة، وقد مثلت
التشكيلات الإدارية التي صاحبت مرحلتي التأسيس والتوحيد النواة التي انبثقت وتطورت
منها الأجهزة المحلية والمركزية على حد سواء؛ أي أن مدة حكم الملك عبدالعزيز شهدت
ميلاد الإدارة المحلية على مستوى الأقاليم هيكلا ووظيفة واختصاصاً قبل ميلاد
الإدارة المركزية ، على الرغم من التباين
في النضج الإداري المحلي بين تلك الأقاليم التي كونت فيما بعد المملكة العربية
السعودية؛ فإقليم نجد يعد الكيان الإداري الأول للدولة على مستوى الإدارة المحلية،
وذلك من خلال تنصيب الأمير سعود في ذلك الوقت حاكماً إداريًا عامًا على الإقليم،
وقد حصلت الأقاليم المنظمة للدولة تباعا على الترتيبات نفسها في الحكم والصلاحيات
الإدارية في محيطاتها الجغرافية.
فقد شهد
الاستكمال التكويني السياسي للدولة تبلور ملامح الإدارة المحلية السعودية من خلال
وضع التقسيمات الإدارية، وتعيين السلطات المحلية (الإقليمية) ، وتحديد الوظائف
الضرورية لإدارة أمور الدولة وتسيير نشاطاتها محليا، وكان من أبرز الأعمال في هذا
الشأن تقسيم الدولة عدة أقسام إدارية ، جرى تحديدها على مستوى الأقاليم أو
المقاطعات، وقد بلغ عدد هذه التقسيمات
الإدارية بعد استكمال تكوين البلاد سياسيا تسعة أقاليم؛ فقد كان عدد الأقاليم أو
(المقاطعات) الرئيسة قبل انضمام الحجاز
إلى سلطة الملك عبد العزيز خمسة أقاليم ، هي " نجد والقصيم والأحساء ومنطقة
عسير وحائل ، ثم ارتفع عددها إلى تسع بعد تشكيل ثلاث مقاطعات ، هي جيزان بعد ضم
إمارة الأدارسة إلى المملكة ، وبعد أن تم فصل كل من نجران عن عسير ووادي
الســــــــرحان (الجوف والقريات) عن حائل إدارياً ويخضع التقسيم لمتطلبات الإدارة
المحلية "([82]) .
ويوضح الجدول رقم (3.1) التاريخ الزمني للانضمام السياسي لتلك
المقاطعات (الأقاليم) بالإضافة إلى التتابع الزمني لتكوين التشكيلات الإدارية
المحلية للمملكة أثناء حكم الملك عبدالعزيز.
جدول
(3.1)
التقسيمات
الإدارية للإدارة المحلية في عهد الملك عبد العزيز([83])
|
الرقم |
اسم الإقليم أو المقاطعة |
تاريخ الانضمام للدولة |
تاريخ التكوين كمقاطعة |
المركز الإداري |
الإمارات الرئيسة التابعة لكل مقاطعة |
|
1 |
نجد |
1319هـ |
1319هـ |
الرياض |
14 |
|
2 |
القصيم |
1324هـ |
1328هـ |
بريدة |
4 |
|
3 |
الأحساء |
1331هـ |
1331هـ |
الظهران |
4 |
|
4 |
عسير |
1338هـ |
1342هـ |
أبها |
9 |
|
5 |
حائل |
1340هـ |
1341هـ |
حائل |
3 |
|
6 |
الحجاز |
1343هـ |
1344هـ |
مكة المكرمة |
11 |
|
7 |
جيزان |
1349هـ |
1351هـ |
جيزان |
5 |
|
8 |
نجران |
1350هـ |
1352هـ |
نجران |
1 |
|
9 |
وادي السرحان (الجوف
والقريات) |
1340هـ |
1355هـ |
الجوف |
8 |
ولعل من الممكن القول إن الملك عبد العزيز قد عالج مجال التوزيع
الإداري للمقاطعات أو الأقاليم من ناحيتين على الأقل : الأولى تتعلق بالتوسع في
إحداث المقاطعات أو الأقاليم والإمارات التابعة لها ، أو ما يسمى بمراكز المسؤولية
Responsibility Centers ، فمساحــة المملكـــة ليست بالصغيرة، الأمر الذي
استــلزم معه إحداث تقسيمات إدارية جديدة ، جرى تحديدها في إطار جغرافي وبشري معين
ووفقا للمقتضيات الأمنية والإدارية . الناحية الثانية تتعلق بدعم صلاحيات حكام
الأقاليم أو المقاطعات وتوسيعها؛ فقد عهد الملك عبدالعزيز بإدارة كل إقليم إلى
حاكم عام يعينــه شخصــيا تأكيدا على أهمية الوظيفـــة التي يشغلهــا والعمل الذي
ينبغي له أن يؤديه على مستوى المقاطعـــة أو الإقليم،أي أن الملك عبدالعزيز أعطى
الحكـــام المحليين منزلــة مميزة تمكيناً لهم من أداء أدوارهم وممارســـة
صلاحياتهم الواسعة بشكل فعال ومـــرن.
ففعالية الإدارة المحلية لا تقاس فقط بإحداث التقسيمات
الإدارية المحلية الملائمة ، وإنما في مدى ما تتمتع به تلك الكيانات المحلية من
صلاحيات وما تقدمه للمواطنين المحليين من أمن وأمان وتسهيلات تخفف عن كواهلهم مشقة
الرجوع إلى الإدارة المركزية في كل شاردة وواردة، ولقد كان من أفضل الوسائل التنظيمية
التي أحسن الملك عبدالعزيز استخدامها وتوظيفها لتحقيق ذلك الهدف هو وضع الرجل
المناسب في المكان المناسب في الوقت المناسب.
فصفة الإنجاز التنظيمي لدى الملك عبدالعزيز تجلت في معاييره
لاختيار الحكام المحليين وأمراء المناطق؛ فقد كان ديدنه هو البحث عن الولاء والكفاءة
بالإضافة إلى تلمس المعايير الأخلاقية كالأمانة والصدق والنشاط، وبذلك استطاع
الملك عبدالعزيز أن يستثمر ثقته في رجاله وفي كفاءتهم من أجل ضبط شؤون المناطق
وإتاحة قدر كبير من المرونة التنفيذية في تسهيل أمور المواطنين وتلبية احتياجاتهم.
وكما هو واضح من استعراض
المراحل والملامح الرئيسة للإدارة المحلية في عهد الملك عبدالعزيز نجد أنه اتبع
أسلوب التنظيم غير المركزي في أوسع أشكاله دون التدخل في شؤون الإدارة
المحلية، وقد انسحب ذلك بصورة واضحة على
التنظيم المحلي المتطور في الحجاز كما هو الحال بدرجة أقل في بقية مناطق المملكة
التي خضعت لأساليب إدارية يسيرة، تركزت جهود الإدارات المحلية فيها على ممارسة
الأنشطة التقليدية المتمثلة في حفظ الأمن والقضاء بين الناس وإدارة الشؤون المالية
وتقديم بعض الخدمات الضرورية للمواطنين.
فالمتتبع لمنهج الملك عبد العزيز في التعامل مع الإدارات
المحلية يجد أنه مال إلى تبني نظام الصلاحيات المفتوح من خلال منح حكام الأقاليم
(الحكام المحليين) سلطات واسعة في الأمور الإدارية والمالية والأمنية والقضائية من
باب الرغبة في تخفيف وطأة المركزية في إدارة الأقاليم من جانب وتسهيل أمور الناس
الحياتية من جانب آخر، وقد استثنى من ذلك
بعض الأعمال أو الوظائف ذات الصلاحيات السيادية أو الوطنية حيث خضعت تلك
الاختصاصات لنظام الصلاحيات المشترك، وقد
حدد الملك عبد العزيز تلك الاختصاصات في المسائل العسكرية والعلاقات
الخارجية، حيث أخضع الملك صلاحيات البت في
هذه الأمور إليه شخصيا بالتشاور مع الحكام المعنيين والمستشارين.
وعموما فلن يكون المجال كافيا للإسهاب عن الترتيبات التنظيمية
والوحدات المحلية واختصاصاتها في عهد الملك عبدالعزيز، لذلك سيتم الاكتفاء بحصر
لأهمها ، مع ذكر موجز لتلك الصلاحيات التي أعطيت لتلك الوحدات بمقتضى النصوص
التنظيمية الصادرة بشأنها، فالجدول رقم
(3.2) يتضمن حصرا لأهم الترتيبات
التنظيمية والمؤسساتية للإدارة المحلية في المملكة ممثلة في الحجاز على عد
كونه الركيزة الأساسية لظهور وتطور وتعميم الإدارة المحلية والمركزية على حد سواء
.
جدول
(3.2)
الترتيبات
التنظيمية والهيكلية للإدارة المحلية في عهد الملك عبدالعزيز
|
رقم |
الهياكل والأنظمة الإدارية |
تاريخ التأسيس أو الإصدار |
طبيعة الاختصاص والصلاحيات |
|
1 |
1343هـ |
||
|
2 |
المجالس الأهلية |
1343هـ |
تنظيم الأمور البلدية والعدلية والأوقاف والصحة وجميع الخدمات الأخرى . |
|
3 |
النيابة العامة |
1343هـ |
إدارة أعمال الحكومة في الحجاز والإشراف على جميع الشؤون التنظيمية
والتنفيذية. |
|
4 |
الهيئة التأسيسية |
1344هـ |
دراسة ووضع تشكيلات الحكومة وصياغة التعليمات التنظيمية لأعمالها، ولعل
أبرز إنجازاتها التعليمات الأساسية التي صدرت وصودق عليها في عام 1345هـ . |
|
5 |
التعليمات المؤقتة:* |
1344هـ |
أنظمة مؤقتة تؤطر العمل الإداري وتضبطه في إقليم الحجاز ريثما تصدر
التعليمات الأساسية. |
|
6 |
المجالس الاستشارية |
1344هـ |
مساعدة النائب العام في تنظيم الشؤون المحلية للمدن في إقليم الحجاز
ومعالجتها . |
|
7 |