إن بحثنا هذا الموجز يتناول جانبا مهماً عن حياة المغفور له الملك
عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود ، ألا وهو جانب علاقاته وصلاته بمسلمي شبه القارة،
وهذه العلاقات والصلات ترجع إلى العهدين ، عهد الاحتلال البريطاني لبلاد الهند قبل
انقسامها إلى الدولتين المستقلتين الهند وباكستان ، والعهد الثاني هو عهد
الاستقلال بعد إنشاء جمهورية باكستان الإسلامية ، فأما العهد الأول وهو الأهمّ
وموضوعنا المباشر فسوف نفصل فيه القول بإذن اللَّه ما أمكن لنا ذلك ، كما أننا
سَنُلِمُّ إلماماً بالعهد الثاني من الصلات الأخوية الودية القوية بين الدولتين
الشقيقتين المملكة العربية السعودية وجمهورية باكستان الإسلامية منذ نشأتها إلى
يومنا هذا .
فقد قامت العلاقات بين ابن سعود – رحمه اللَّه – وبين الشعب المسلم الهندي
منذ انتصار الأمير عبدالعزيز بن سعود على خصمه واستعادة بناء الدولة السعودية ،
وذلك حين أصبح سلطان نجد وملحقاتها ، وقبل أن تنضم الحجاز إلى سلطنة نجد وتتحد
بلاد شبه الجزيرة العربية تحت قيادة الزعيم البطل والقائد الملك ابن سعود ، وتصبح
مملكة الحجاز ونجد وملحقاتها أولاً ، والمملكة العربية السعودية فيما بعد ، وقد
ظلت هذه العلاقات والصلات – ولا تزال – قوية قريبة جداً وقائمة على المبادئ من
الإيمان والعقيدة ، تساندها عواطف الأخوة المتدفقة ، وتقويها مشاعر الحب العميق
عبر السنوات الماضية بين الشعبين العربي السعودي والشعب المسلم الهندي ثم بين
السعودية وباكستان ، دون أن يكدرها مكدر من الحوادث والوقائع ، أو يؤثر فيها مؤثر
من الظروف والأوضاع ، سواء كان ذلك على المستوى المنطقي أو المستوى الدولي ، وكيف
لا وقد قامت الدولتان كلتاهما باسم الإسلام ومن أجل تطبيق الشريعة الإسلامية
الغراء التي جاء بها نبينا ورسولنا محمد e .
وكذلك فإن الحديث عن الملك عبدالعزيز – رحمه اللَّه – وصلته بمسلمي شبه
القارة لحديث شيق جداً ومرغوب فيه ، كما أنه في الوقت نفسه حديث مهم بالغ الأهمية،
فأما أنه حديث شيق ومرغوب فيه فلأنه حديث بطل مغوار وقائد مجاهد يذكّرنا بأبطال
التاريخ الإسلامي المجيد وقواده الفرسان المجاهدين الأوائل الذين خرجوا في سبيل
اللَّه غزاة فاتحين ، فأنقذوا العباد من الأزمات الشديدة التي كانوا يعانون منها ،
وقد أنجوهم من ذُلّ العبودية ورواسب الشرك، وفتحوا البلاد ، وحققوا الأمجاد التي
خلدت ذكرياتهم العاطرة في جبين الدهر وفي صفحات التاريخ ، وكذلك كان المغفور له
الملك عبدالعزيز حين خرج من الكويت متجهاً نحو نجد ، وليس له جيش ولا عدة ولا سلاح
غير الإيـــمان باللَّه والثقـــة بنفسه ، فانتصر على خصمه ، وانتزع منه مجد آبائه
السليب([1])، ثم خرج من الرياض نحو الحجاز لينقذ أهلها من أزمة
الاضطراب والفوضى، وينشئ دولة إسلامية في المهد الإسلامي العريق ، وفي ظروف سياسية
غير مواتية ، ليس في المنطقة فحسب بل في المجال الدولي كذلك([2])، إنها لخطوات جريئة تحتاج إلى المبادرة القيادية
المتحمسة ، كما أنها تحتاج إلى حذر وحكمة ، إنه حديث البطولة المؤمنة الباسلة
والإرادة القوية القاهرة دون شك ولاريب .
وأما أنه حديث مهم بالغ الأهمية فلأنه يتناول حقبة تاريخية حاسمة من
تاريخنا الإسلامي المعاصر وتاريخ الحرمين الشريفين ، كما أنه يتناول صلة المؤمن
بأخيه المؤمن، تلك الصلة الروحية النقية التي تقوم على مبادئ الشورى والأخوة
الإسلامية والتضامن الإسلامي([3])، وهو حديث يكشف عن مواقف ابن سعود – رحمه اللَّه –
وعن مواقف الشعبين الشعب العربي السعودي
والشعب المسلم في شبه القارة ، ذانك الشعبان الشقيقان اللذان يربط بينهما رباط
وثيق قوي من الإيمان والعقيدة والتاريخ والفكر والثقافة والمستقبل المشترك والموقع
الإستراتيجي الواحد على ضفتي البحر العربي الذي هو الفاصل الجغرافي الوحيد بين
الشعبين وبين بلديهما الشقيقين ، فلولا هذا الفاصل الجغرافي من البحر يفصل أحدهما
عن الآخر لكانا شعباً واحداً يؤمن باللَّه وبرسوله وبالمبادئ الإسلامية السامية
بتطبيق شرع اللَّه في أرضه على عباده .
وقد ظهرت المملكة العربية السعودية في المهد الإسلامي العريق ، ووفقت في
تطبيق الشريعة الإسلامية كما كان مؤسسها البطل ابن سعود قد وعد بذلك واعتزم عليه
وهو يخرج من الكويت([4])، وكذلك الشعب المسلم في شبه القارة كان قد اتخذ
عهداً على نفسه بذلك خلال حركة إنشاء باكستان واستقلالها ، ولايزال قائماً على ذلك
، ويستمر مكافحاً من أجل ذلك ، وقد وفق فيه بعض التوفيق حين قرر مجلس باكستان
الوطني في شهر أكتوبر سنة 1998م بأن يكون الكتاب والسنة هما القانون الأسمى للبلاد
، وسوف يستمر كذلك حتى يحقق ما أراد تحقيقه بإذن اللَّه عز وجل .
وهذا البحث الموجز ينقسم ثلاثة بنود : أولها وعلى رأسها : خلفية المشكلة
الحجازية أو " مسألة الحجاز " على ما أُطْلِقَتْ عليها هذه التسمية أو
المصطلح التاريخي من قبل الأحزاب السياسية الإسلامية وقادتها وصحفها ومجلاتها
وكتاباتها الأخرى في شبه القارة ، فقد أقلقتهم هذه المشكلة ، ونالت اهتمامهم عندما
خرجت الأسرة الهاشمية الحاكمة على الحجاز ضد الأتراك العثمانيين،كما أن تدخل
الاستعمار البريطاني في شؤون البلاد العربية السياسية ، وخاصة في أرض الحرمين
الشريفين والتخطيط الغربي الفظيع المشؤوم لتمزيق العرب وبلادهم ، قد كان من السهام
الرائشة التي اخترقت قلوب مسلمي شبه القارة ، وأقامتهم وأقعدتهم ، وجعلتهم يضطربون
أشد ما يكون، وتركتهم لا يستريحون ولايهدؤون .
وأما البند أو الموضوع الثاني الذي يضمه هذا البحث فهي ردود الفعل في
الأوساط الإسلامية في الهند البريطانية في وقتها والاضطرابات الشديدة والصرخات
العالية التي أثارت ضجة والجراحات المؤلمة التي أصابت قلوب المسلمين ونفوسهم في
شبه القارة على ما كان يبلغهم من الأنباء بين حين وآخر وما يؤلمهم ويمزق قلوبهم من
تصرفات الشريف الحسين ومن معه من الناس ضد الأتراك وقوافل الحجاج المتوافدين من
البلاد الإسلامية النائية وما قيل أو كتب رد فعل لما كان يأتيهم من الأنباء
الصحيحة أو المزورة حول تحرك ابن سعود إلى الحجاز ودخوله الحرمين الشريفين([5]).
وأما الموضوع أو البند الثالث من هذا البحث الموجز فهو يتناول موقف الملك
عبدالعزيز بن سعود من الأزمة الحجازية ودوره الإيجابي البناء في البحث عن الحلول
لها من إنقاذ الحرمين الشريفين وأهلهما من الدمار المحتوم والاهتمام بأمن البلاد
وتأمين قوافل الحجاج والمعتمرين ووقايتهم من براثن الأعراب البدو الذين كانوا ينهبون
الحجاج ويقتلونهم على مسمع من الشريف الحسين وقواده الذين كانوا يجبون الضرائب
منهم عند نزولهم في موانئ الحجاز ومواقفها كضمان لنفوسهم وأموالهم وتأمين الطرق
والسلامة والرعاية خلال السفر بين الحرمين الشريفين ذهاباً وإياباً ، وعلى الرغم
من ذلك كان يحدث ما يحدث من الفظائع والكوارث قد احتفظ بها التاريخ([6])، وقد قضى ابن سعود – رحمه اللَّه – على كل ذلك في
طرفة عين حين طبق الشريعة الإسلامية في البلاد على أهلها تطبيقاً صحيحاً في أصح
معاني الكلمة وأدقها، وقد استطاع وتمكن من ذلك لأن الرجل الحازم الحكيم الجريء كان
قد أدرك أبعاد المشكلة وفهم أطرافها وجوانبها ، فبدأ يتخذ من خطواته الحكيمة ،
ويأتي بمقترحات بناءة فيها صلاح الحرمين الشريفين وخير الأمة الإسلامية كلها([7])، وأخذ يبذل جهوداً جبارة لينقذ بها أرض الحرمين
الشريفين من الأزمة الخطيرة التي كادت تشتد وتنتشر ، فتعم على نطاق العالم
الإسلامي فتجر الويل والدمار على البلاد ، ويصيب أهلها الضرر الكبير والشر
المستطير لولا حزم ابن سعود وحذره وحكمته ومبادرته في لحظات حاسمة لاتخاذ الخطوات
الجريئة اللازمة بالإضافة إلى ميله إلى الشورى ودعوته العالم الإسلامي للمشاركة في
وقاية العاصمة الإسلامية والاحتفاظ بأمنها وسلامة أهلها . وإليكم التفاصيل عن هذه
البنود الثلاثة :
1 – خلفية مشكلة الحجاز :
إن ظهور الدولة السعودية الثالثة في بداية الربع الأول من القرن العشرين
الميلادي([8]) قد كان من أكبر الأحداث نظراً إلى دور المملكة
العربية السعودية في بناء الأمة الإسلامية وفي تاريخ الإسلام المعاصر ؛ لأن هذه
الدولة الإسلامية قد تقدمت تقدماً هائلاً فيما بعد ، ومن ثم أثرت تأثيراً بالغاً
في تطور الأحداث التاريخية التي تلتها وتعاقبت على إنشائها ، كما أن انضمام أرض
الحجاز والتحاقهــا بسلطنة نجد وملحقاتها تحت قيادة الملك البطل عبدالعزيز بن سعود
– رحمه اللَّه – كان قد غير مجرى التاريخ لأرض الحرمين الشريفين ، وكان له ردود
فعل واسعة المدى على المستويين العربي والإسلامي، ولمسلمي شبه القارة دور مهم في
تطور هذه الأحداث التاريخية ، كما أن لهم ردود فعل قد تعاقبت عليها ، إن الدور
الذي قام به مسلمو شبه القارة في هذه الأحداث مهم جداً قد سجله التاريخ ، ولا يمكن
إنكاره أو تجاهله على أية حال([9]).
وقد كانت – ولاتزال – الجزيرة العربية على صلة قريبة مباشرة بصفة مستمرة دائمة بشبه القارة – الهند وباكستان
وبنجلاديش – عبر العصور([10])، وقد بدأت هذه الصلة القريبة أو العلاقة المباشرة
المستمرة منذ فجر التاريخ ، لا، بل منذ غسق التاريخ، إن صح هذا التعبير ، وكانت
هذه الصلة تجارية أكثر منها من ثقافية ، ثم أخذت هذه الصلة تتطور وتتسع وتزداد قوة
وتتضح آثاراً ومعالم بعد فجر الإسلام ، فقد أخذت طلائع الجيوش الإسلامية تطل على
أراضي شبه القارة وتبشرها بالدين الإسلامي الجديد ، ومن ثم مهدت الطريق للفتح
الإسلامي على يد القائد العربي اليافع محمد بن القاسم الثقفي([11])، رحمه اللَّه ؛ لكي يمهد هذا الفتح المبارك طريقاً
يقود إلى إنشاء الدول الإسلامية المتتابعة في شبه القارة ، تلك الدول التي استمرت
تحكم البلاد إلى أكثر من ألف عام ، وأما العلاقات التي قامت بين الملك عبدالعزيز
بن سعود – رحمه اللَّه– وبين مسلمي شبه القارة فقد كانت هي علاقات الود الأخوي
والحب الصادق في اللَّه ومن أجل دينه الحق ، وقد قويت هذه العلاقات الأخوية الودية
بمرور الأيام ، واتسع نطاقها ، فاستوعبت كل جانب من جوانب الحياة العملية من الدين
والسياسة والثقافة والاقتصاد والاجتماع ، وخاصة بعد إنشاء جمهورية باكستان
الإسلامية واستقلالها([12]).
إن هذه الصلات بين ابن سعود وبين مسلمي شبه القارة ترجع إلى أسباب، منها أن
مسلمي شبه القارة قد ظلوا على صلات وثيقة مستمرة بأرض الحرمين الشريفين عبر العصور
، وثاني الأسباب هو صلـــة الإيمان والعقيــــدة ؛ وذلك لأن الملك عبدالعزيز –رحمه
اللَّه – لم ينشئ مملكة من الممالك الكثيرة التي قامت لكي يحكمها الملوك ويتمتعوا
بها ويجبوا الضرائب من رعيتهم ، وإنما أنشئت هذه المملكة من أجل إعلاء كلمة اللَّه
الحق ونشر العقيدة السلفية الصحيحة ومن أجل إنقاذ الأمة من رواسب الشرك وأدناسه ،
ومن أجل دعوة الناس إلى توحيد رب البرية والتمسك بكتاب اللَّه عز وجل وسنة رسوله e ، وعلى هذا تم
العهد([13]) بين الإمام محمد بن سعود وبين الشيخ محمد بن
عبدالوهاب – رحمهما اللَّه – قبل مدة غير قصيرة ، وذلك ما كان يقيم الملك
عبدالعزيز ويقعده وهو فتى يافع إذ ذاك يستعد لاستعادة مجده السليب ، ويريد أن يقيم([14]) دولة إسلامية يطبق فيها شرع اللَّه على عباده
المؤمنين ، وكذلك كان الشعب المسلم في شبه القارة ، فقد ظلوا ولا يزالون يتحمسون
لدين اللَّه ، ويجاهدون في سبيله؛ لكي يتمكنوا من إنشاء دولة إسلامية ، ويطبقوا
فيها الشريعة على أنفسهم في حياتهم العملية، كما كانوا ولايزالون يتحمسون للخلافة
الإسلامية القائمة على سنن الهدى والرشاد وعلى منهاج النبوة والخلافة الراشدة ،
وقد كانوا ولايزالون يهتمون اهتماماً بالغاً بأرض الحرمين الشريفين ، كما كانوا
ولايزالون يهتمون بالغ الاهتمام بالعالم الإسلامي وقضاياه ، وهم مستعدون دائماً للتضحية
بكل ما عندهم من النفس والنفيس من أجل الإسلام ، وهم يؤيدون المسلمين وقضاياهم في
كل مكان مهما كانت وحيثما كانت .
وقد كان لمسلمي شبه القارة صوتٌ مسموعٌ في شؤون الحرمين الشريفين وخاصة
خلال الحقبة التي ظهرت فيها الخلافات بين العرب والأتراك ، ونشأت مشكلة الخلافة
الإسلامية ، وأساء الشريف الحسين إلى الأتراك ، وقطع صلة الخلافة العثمانية بأرض
الحجاز ، وأعلن نفسه ملكاً عليها ، ثم أخذ يناوئ ابن سعود ويعاديه ويتقاتل معه ،
على الرغم من أن ابن سعود لم يكن يريد الشر ، ولم يكن يميل إلى التشاجر والقتال مع
الحسين حقناً لدماء المسلمين واحتفاظاً بأمن الحرمين الشريفين وسلامة الحجاج
والزوار من مسلمي العالم([15])، هذا من ناحية ، وفي ناحية أخرى فقد أتى الشريف
الحسين بتصرفات واتخذ خطوات خسر بها كل شيء حتى حماية بريطانيا العظمى التي كانت
تَعِدُ الحسين وتُمَنَّيهِ وترغبه في منصب ملك ملوك العرب و( المنقذ الأعظم ) لهم،
على حين كان ابن سعود يمشي على حذر واحتياط ويتقدم على مهل بخطى حكيمة قد حببته
إلى العرب والمسلمين جميعاً ، ومهدت له الطريق إلى إنشاء المملكة العربية السعودية([16]).
وقد تم ضم نجد وما حولها من القرى مثل الخرج والمحمل والشعيب والوشم على يد
البطل المقدام عبدالعزيز بن سعود في عام 1320هـ / 1902م ، وتم له ضم القصيم في
1324هـ / 1906م([17])، إلا أن سلطنة نجد هذه قد ظلت مدة من الزمان بمعزل
تام عن العالم ، ثم بدأت العلاقات والصلات بين السلطان عبدالعزيز وبين العالم
العربي الإسلامي تتطور بعد ذلك حين وفق المستشارون في إقناع الملك بضرورة
الاتصالات مع العالم الخارجي ، وكانت مصر ومسلمو الهند في طليعة الذين تم الاتصال
بينهم وبين السلطان ، فأعلن الأمير فيصل بن عبدالعزيز مواقف سلطنة نجد وملحقاتها
إزاء مسألة الخلافة وإزاء المسائل العربية كالاتحاد العربي ، كما تم التفاهم
والاتفاق بين سلطان نجد وبين العالم الإسلامي على المشكلات والأغراض الإسلامية
وعلى الاستياء من حالة الحجاز وسوء النظام السائد في الحرمين الشريفين([18]).
وفي هذه الحقبة من التاريخ كانت علاقات الشريف الحسين مع العالم الإسلامي
وعلى رأسه المصريون ومسلمو الهند قد أخذت تسوء ، وتتوتر ؛ فقد رجع المحمل المصري
من جدة ، وساءت العلاقات بين الحسين والإنجليز على مسائل شتى كالمعاهدة والبعثات
الطبية وسوء معاملة الحجاج الهنود ، كما أنه قد عجز الحسين عن تأمين الطريق بين
مكة والمدينة ، وكما أنه قد أغضب العالم الإسلامي قيام الحسين ضد الأتراك وخاصة
أهل مصر وفريقاً من مسلمي الهند، ومن ثم قد قابلـوا إعلان الحسين نفسه خليفة
للمسلمين في سنة 1924م في فلسطين إثر إلغاء الخلافة العثمانية بالاستياء الشديد([19]).
وكان الشريف الحسين يرى نفسه المنفذ الأعظم للعرب من نير الأتراك كما سبقت
إليه الإشارة ، وكان يعتقد بأنه سيكون ( ملك الملوك العرب ) بل خليفة المسلمين في
المستقبل ، وبذلك كان الإنجليز يعدونه ويمنونه ، كما أنه كان يظن بأن بريطانيــا
في أشد الحاجـــة إليه ، وذلك مما جعلـــه يهددهم بالتنـــازل عن ( زعامة العرب )
والتخلي عن الملك ومغادرة البلاد إذا لم يوافقوا على شروطه ولم ينزلوا عند مرضاته
! وقد تحيرت بريطانيا بهذا الرأي للشريف الحسين ، وعجز الساسة الإنجليز عن إدراك
هذه العقلية الغريبة ، فسئموا بالحسين ويئسوا منه ، فتبرموا به فتخلوا عنه نهائياً
، واختاروا الحياد في الصدام القائم بينه وبين ابن سعود الذي كان يعرف جيداً بأن
بريطانيا مع الحسين وأن أهل العراق وسورية وفلسطين وراءه ، ولكن موقف الإنجليز
المتغير الجديد قد سر ابن سعود علماً بأن هذا الموقف الإنجليزي المتغير إنما هي
صدفة طيبة بل نعمة من اللَّه – عز وجل – لم يكن يترقبها ، ولم تكن في حسبانه([20]).
وأراد ابن سعود أن يشهد بريطانيا والعالم الإسلامي على سوء نوايا الشريف
الحسين ، فكتب ابن سعود رسالة إلى الحسين يسترضيه فيها ، ويلقبه بصاحب الجلالة،
ويدعوه إلى الوحدة والأخوة إلا أن الحسين رفض ذلك رفضاً باتاً ، كما أن بريطانيا
أرادت أن تطلع على ما في نفس الحسين ، فاقترحت عليه الدخول في المفاوضات مع ابن
سعود تضمن السلام والأمن في المنطقة ، فلم يرض بذلك إلا بشروط مستحيلة العمل بها
مما جعل بريطانيا تنفض يدها من المفاوضات وإحلال الأمن والسلام في المنطقة والصلح
بينه وبين ابن سعود ، وتتركهما وشأنهما([21])، وهذا بالإضافة إلى ما جبل عليه الحسين
من الاستبداد برأيه والسيطرة بنفسه على كل شيء حيث لم يحاول إرضاء العالم الإسلامي
، كما أنه فشل في إرضاء شعبه الحجازي ، فحكم الحجاز بأحكام قاسية ، وتصرف تصرفاً
غير عادل مع أهلها مما جعلهم يكرهونه ويهاجرون إلى الخارج([22]).
والأوضاع الداخلية للحجاز كانت خطيرة جداً ، كما أن الأنباء عن تصرفات
النظام الشريفي كانت مقلقة مؤلمة جداً ، وذلك يتضح لنا جلياً مما قاله السفير
السعودي الأول لدى حكومة باكستان الأستاذ عبدالحميد الخطيب – رحمه اللَّه– عن
الوضع الداخلي الخطير المؤسف في البلاد([23]):
" ولما عمت مظالمه [ الشريف الحسين ] وكثرت سيئاته ضج المسلمون منه ،
وفي مقدمتهم علماء الهند الذين أشربوا بحب الدولة العثمانية باعتبارها دولة
الخلافة ، وكانوا يرون – خطأ أو صواباً – أن الخروج عليها ومحاربتها خروج على
خليفة المسلمين فأصدروا الفتاوى بمقاطعته
[ الشريف الحسين ] وإعلان السخط على تصرفاته، وبلغ ضجيجهم عنان السماء ، وربما كان
هذا من ضمن الأسباب التي دعت بريطانيا إلى التخلي عنه وإطلاق يد ابن سعود في
محاربته ، كل هذا وابن سعود لا يبدي حراكاً حتى يتأكد له من تأييد العالم الإسلامي
أجمع إذا هو قام بعمل حاسم ضده ؛ فابن سعود لا يجهل ما غرسته الدولة العثمانية من
بغض له ولقومه في قلوب المسلمين بواسطة تلك الدعايات الكاذبة التي كانت تبثها في
النفوس بواسطة صناعها من المخرفين والمبتدعة وبعض العلماء الجامدين " .
وفي أثناء ذلك حاول الإنجليز تصفية المشكلات بين الشريف الحسين وبين
عبدالعزيز بن سعود ، فعقدوا مؤتمراً في الكويت، ولكنهم فشلوا في محاولتهم هذه،
وكان المسؤول الأول عن الفشل والسبب الرئيس له هو الشريف الحسين بموقفه الصلب
المتشدد العنيد وأما ابن سعود فقد كان مسالماً متواضعاً في كل ما يطالب به أو
يتخذه من المواقف ، وبذلك قد اكتسب معركة المؤتمر ، كما اكتسب عطف عقلاء العرب
والمسلمين([24]).
ولم يكن ابن سعود يرغب في الهجوم على الحجاز على الرغم من الأوضاع الداخلية
السيئة التي كانت تدعوه إلى ذلك ، وعلى الرغم من أن مستشاريه من الإخوان كانوا
ينصحـون له ويلحون عليه بالهجوم؛ وذلك لأن ابن سعود كان يرى بأن الإنجليز مع
الشريف الحسين ويؤيدونه ، وأن العالم الإسلامي لن يرضى به ، وأن الحجــــاج
المسلمين من الخارج كانوا قد تبرمــوا ويئسوا من الأشراف وإدارتهم الخرقاء
وحكومتهم الظالمة ، وأخيراً اقتنع ابن سعود بدايةً بالهجوم على الطائف والاستيلاء
عليه ؛ إذ كان يريد أن يعرف موقف الأشراف ويجرب قوتهـم الدفاعــية بالإضافة إلى
ردود الفعل من الإنجليز والعالم الإسلامي لذلك([25]).
وظل الإخوان يرقبون رجوع الحجاج إلى ديارهم وانصرام شهر محرم سنة 1337هـ
/1942م حتى دخل شهر صفر من تلك السنة ؛ ففي الخامس من صفر هاجم الإخوان الطائف،
ولم يتمكن الشريف علي بن الحسين من الدفاع ، وآثر الفرار إلى مكة ، وسيطر الإخوان
على الطائف ، وتم لهم الفتح ، وأراد الشريف الحسين أن يستغل ما حدث من القتل في
الطائف ، فيثير به ضجة ضد خصمه ابن سعود في العالم الإسلامي، فبعث برقية إلى الشيخ
( شوكت علي ) رئيس جمعية الخلافة في الهند قال فيها([26]): "وقد أرسلت البرقية من مكة باسم
مسلمي جاوا والهند والسودان وإيران والجزائر والاتحـــــاد السوفيتي البالغ عددهم
إلى عشرين ألفا في العاشر من شهر سبتمبر سنة 1924هـ".
وأما رد الفعل من الشيخ شوكت علي فقد كان على عكس ما أراده الحسين ؛ فقد
بعث إليه الشيخ ببرقيته العاجلة في الخامس عشر من
الشهر نفسه ، يقول له فيها([27]):
( إننا لمتأسفون جداً على تصرفاتك ضد الإسلام والمسلمين ، ونرى أن سياستك
هي التي سببت وجرَّت على الطائف هذه الكارثة ، وإننا على أتم استعداد أن نتدخل في
القضية بشرط أن تسلِّم شؤون أسرتك الشريفة إلى المؤتمر الإسلامي يقضي فيها كما
يشاء ، وإننا لن نرضى أبداً بتدخل الشعوب غير المسلمة في شؤون الحجاز ) .
فهذا هو أول رد فعل من قبل مسلمي شبه القارة لما كان يحدث في الجزيرة
العربية وما كان يحيـــط بأرض الحرمين الشريفين من الأخطـــار الهائلة ، وبطبيعة
الحال فقد أقلقت هذه القلاقل والاضطرابات والأخطار المحلقة فوق سماء الحجاز كل نفس
مؤمنة ليس في شبه القارة فحسب بل في العالم الإسلامي كله([28]) .
وكان الحسين قد أدرك مبلغ ضعفه العسكري بعد وقعة تربة كما عرف خصمه
عبدالعزيز بن سعود ومدى قوته العسكرية الناهضة الباسلة التي تمكنت من القضاء على
آل عائض وآل الرشيد([29])، ومن الانتصار في معركة تربة ، وأما هجوم الجيش
السعودي على الطائف واستيلاؤهم عليه فقد كان نذيراً نهائياً بزوال حكم الشريف ؛
فقد أعلن ابن سعود تحركه من الرياض نحو الحجاز([30])، كما أن بريطانيا كانت قد تخلت عن
الحسين لخلافات بلغت قمتها بعد مؤتمر الكويت ، وكذلك فقد تأكد الحسين بأن العالم
الإسلامي ليس معه كما كان يظن ، وإنمــــا عرف الجميع بأن النظام الشريفي لا يصلح
لشيء ، وأنه لن يدوم طويلاً ! .
وبدأت الأنباء تترى عن فرار الأمير عبداللَّه باشا وعن رجوع الأمير علي بن
الحسين بجيشه القهقرى إلى الهدا ثم إلى مكة([31]) ، وهنا نرى الشريف الحسين يثور ويفور ضد
بريطانيا ، فيرسل برقية إلى معتمده في مصر بتاريخ 29 صفر سنة 1343هـ ، ونصها([32]):
( معتمد مصر ، رحنا يا عبد الملك ! تراجع جيشنا إلى بازان ، قابل المندوب
السامي الإنجليزي ، وبلغه أننا نعتبر اعتداء ابن سعود علينا هو من جانب الإنجليز ،
وأني سأتولى الدفاع بنفسي عن مكة ولو حول جدار الكعبة ، وأحملهم مسؤولية ذلك أمام
العالم الإسلامي . حسين ) .
وقد اتضح من الحوادث في الطائف بأن الأشراف لن يتمكنوا من الدفاع عن نظامهم
المقلقل ، كما علم ابن سعود أن بريطانيا لم تعد تؤيد الشريف الحسين ولا تسانده ،
وأن العالم الإسلامي كذلك لا يرضى به ، بل يحمله المسؤولية التامة للأوضاع السيئة
في الحجاز ، ويريد إنقاذها من الأزمة الخطيرة مهما كان الثمن، فقرر ابن سعود أن
يدخل أرض الحجاز المقدسة ، ويقوم بدور الإنقاذ والإصلاح ، فبعث رسالة إلى مسلمي
الحجاز ، وشرح فيها موقفه والظروف والأوضاع الراهنة في البلاد، فقال([33]):
( سلام عليكم ورحمة اللَّه وبركاته ، أما بعد فإن الموجب لهذا الكتاب هو
شفقتنا على المسلمين لصلاح أحوالهم وأمر دينهم ودنياهم ، ولم نزل نكرر على الحسين
النصائح ، ونحرضه على ما يجمع شمل العرب؛
لتكون كلمتهم واحدة ؛ ولكن الطبع يغلب التطبع ، ولا يحتاج تطويل الشرح بما
انطوى عليه؛ لأن أكبر شاهد على ذلك ما رأيتموه منه وشاهدتموه من أقواله وأفعاله في
هذه البقاع المباركة التي هي مهبط الوحي مما ينكره عقل كل مسلم ، وعلاوة على ذلك
ينكره كل من يحب المسلمين ولو لم يكن منهم؛ فالرجل ترك مزايا الإنصاف وهي ما انتسب
في هذا البيت الكريم ، وأهمل حقوق هذه البقعة المباركة عليه في عدم ركوب طريقة
السلف الصالح التي هي شرفه وشرف المسلمين خصوصاً وشرف العرب عموماً ، ولا شك أنه
من ترك ما كان عليه النبي الكريم – عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم – وخلفاؤه
وأصحابه ، وهو يتسمى باسم الإسلام وبالخصوص إن كان من أهل البيت الشريف وطمح إلى
غيرها من الزخارف التي هي أكبر شؤم على الإسلام خصوصاً وعلى العرب عموماً فهو
لاخير فيه، فمنذ دخل الحجاز يجعل أكبر همه الإيقاع بنجد والنجديين ، وقد تظاهر
بذلك منذ أن تفرد بالحكم ، وقبض على زمام الأمور فيها ، وقد بلغ منه التهور أن قد
منع أهل نجد قاطبة عن حج بيت اللَّه الحرام ، وهو أحد الأركان الخمسة ؛ فهذا فضلاً
عما يأتيه هو وعماله من المظالم والمعاملات القاسية تجاه حجاج بيت اللَّه الحرام
الذين يأتون من مشارق الأرض ومغاربها ، وفي هذه المدة قد تركنا التدخل في أمور
الحجاز لأجل احترام هذا البيت ورجاء للسلم والأمان ؛ ولكن مع الأسف أننا لم نحظ
منه بذلك ، وفي هذه الأيام في سفره إلى الأردن بانت نواياه ومقاصده نحونا حينما
طلب تجزئة بلادنا وتشتيت شملهـــا حتى لقد يئسنـــــا من الوصول إلى حســــن
التفاهم معه لجمع كلمة العرب ولا – واللَّه – نعلم شيئاً له من النقم علينا إلا
كما قال اللَّه تعالى([34]): { وَمَا
نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلاَّ أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ } ولكننا – وللَّه الحمد – لسنا بآسفين
على شيء إذا سلم لنا شرفنا في أمر ديننا ودنيانا ، فليس لنا قصد في زخارف الحسين
وأتباعه ، ولا في ملك ولا خلافة ، ولكن غاية قصدنا وما ندعو إليه هي أن تكون كلمة
اللَّه هي العليا ، ودينه هو الظاهر ، ويسلم شرف العرب ، فلذلك لحقتنا الغيرة
الإسلامية والحمية العربية أن نفدي بأموالنا وأنفسنا كل ما يقوم به دين اللَّه
ويحمي به حرمه الشريف الذي أمر اللَّه بتطهيره وتعظيمه ، قال اللَّه تعالى([35]): { وَإِذْ
بَوَّأْنَا لإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لا تُشْرِكْ بِي شَيْئاً
وَطَهِّرْ بَيْتِي لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ }! .
وقد أرسلنا سرية من المسلمين لاحتلال الطائف لأجل القرب للتفاهم بيننا وبين
إخواننا ، فأحببت أن أعرض عليكم ما عندي ، فإن أجبتمونا فنعم المطلوب ، وإن أبيتم
فهذا الذي يعذرنا عند اللَّه وعند المسلمين ، وأبرأ إلى اللَّه أن أتجاوز شيئاً
منها حرمة الشريعة خصوصاً في هذا الحرم الشريف الذي قال اللَّه فيه([36]): { وَمَنْ
يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ} ، وحرمة هذا البيت معلومة حتى عند
المشركين الأولين كما قال الشاعر([37]):
إن الفضول تعاقدوا
وتعاهدوا ألا يقر ببــــطن مكــــــة
ظالــــــم
وأما الأمر الذي عندي لكم فهو أني أقول : عليكم يا أهل مكة وأتباعها من
أشراف وأهل البلد عموماً والمجاورين والملتجئين من جميع الأقطار عهد اللَّه
وميثاقه على أموالكم ودمائكم وأن تحرموا بحرمة هذا البيت كما حرمه اللَّه على
لساني خليله إبراهيم ومحمد عليهما أفضل الصلاة والتسليم ، وألاّ نعاملكم بعمل
تكرهونه ، وألاّ يمضي فيكم دقيق أو جليل إلا بحكم مشروع ، لا في عاجل الأمر ولا في
آجله ، وأن نبذل جدنا وجهدنا فيما يؤمن هذا الحرم الشريف وسكانه وطرقه للوافدين
إليه الذي جعله اللَّه مثابة للناس وأمنا ، وألاّ نولي عليكم من تكرهونه ، وألاّ
نعاملكم بمعاملة الملك والجبروت بل نعاملكم بمعاملة النصح والسكينة والراحة ، وأن
يكون أمر هذين الأمرين شورى بين المسلمين ، وألاّ يمضي فيهما أمر يضر بهما أو
بشرفهما أو بأهلهما إلا ما توافق عليه المسلمون وأمضته الشريعة ، وهذا الكتاب شاهد
لي وعليَّ عند اللَّه ثم عند جميع المسلمين ، وعلى ما قلته أعلاه أيضاً عهد اللَّه
وميثاقه ، فهذا الذي يلزمنا، ولا بد – إن شاء اللَّه – ترون ما يسر خواطركم أكثر
مما ذكر ، ونرجو اللَّه أن يهدينا وإياكم لما يحب ويرضى ويصلح بنا وبكم البلاد
والعباد ، وأن يجعلنا وإياكم هداة مهديين ، ويمنعنا وإياكم من سوء الفتن ، وأن
ينصر دينه ، ويعلي كلمته ، ويذل أعداءه ، ولاحول ولا قوة إلا باللَّه العلي العظيم
، وصلى اللَّه على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً ) .
وقد أوردنا هذه الرسالة الملكية الطويلة بكاملها ؛ لأنها تمثل موقف الملك
ابن سعود – رحمه اللَّه – العادل وسياسته الحكيمة نحو قضية الحجاز بكل صراحة
وإخلاص ودون أية مراوغة أو تمويه أو تلفيق ، كما أنها تعين الدارس على إدراك
الأوضاع الخطيرة التي جعلت ابن سعود يقرر التحرك نحو الحجاز والتدخل في شؤونها ،
وكذلك فإن الرسالة تطمئن العالم الإسلامي ومسلمي شبه القارة الذين كانوا يرون
الأمر بالشورى في حكومة الحرمين الشريفين .
ورغم أن الشريف الحسين كان يعتقد في أحلامه من الكبر والخيلاء بأنه لن
تستطيع قوة فوق الأرض أن تزعزع ملكه أو تحد من سلطانه المطلق ، واستمر يكيل السباب
والشتائم لمسلمي العالم ، وعلى رأسهم مسلمو مصر والهند وذلك في صحيفته
"القبلة"، وكان يرى نفسه وكأنه قد تمكن في منصب ( أمير المؤمنين) ، وكأن
الخطباء قد أخذوا يدعون له يوم الجمعة على المنابر ، وكأن شعبه العربي قد أخذ
يلقبه بمنقذ العرب الأعظم حتى أننا نراه يقول لبعض من حضر عنده : ( حسبي أن أنفض
جبتي فينكصوا على أعقابهم خاسرين ) ([38])، إلا أن هزة واحدة من الهجوم السعودي على الطائف قد
أتت على كبره وغروره ، وأطاحت بحكومته القائمة على مجرد الوهم والخيال([39])، وإذا برجال حاشيته الأخصاء ورعاياه الأوفياء من أهل
الحجاز يطالبونه أن يتنازل عن العرش لابنه علي الذي سيتولاه ملكاً دستورياً ، ولم
يبق له شيء من الاختيار غير التخلي عن الملك تمهيداً للملكية الدستورية التي
سيتولاها ابنه علي ، فتم البيعة للملك الدستوري الجديد ، وتشكلت حكومة حجازية
دستورية للحزب الوطني الحجازي ، وقد ترأسها الشيخ عبداللَّه سراج([40]).
وذلك في ناحية ، وفي ناحية أخرى فقد بدأت الأنباء تأتي وتعلن أن الجيش
السعودي الذي فتح الطائف قد اقترب من مكة المكرمة تحت قيادة خالد بن لؤي وسلطان بن
بجاد، وعلم أهل مكة في صباح اليوم التالي أن الملك علـي قد بارح مكة بجيشه إلى جدة
، فتم الفتح السعودي لمكة في صبيحة يوم الخميس السابع عشر من ربيع الأول سنة
1343هـ ( 16 أكتوبر 1924م ) ([41]).
ولم يمض أيام كثيرة حتى طار الخبر إلى مسلمي العالم يقول بأن الجيش السعودي
قد دخل المدينة المنورة سلماً واستولى عليها ، وسمع الناس في نهاية العام 1925م
بأن جدة آخر المدن الحجازية قد استسلمت لابن سعود ، وقابلت الصحف العربية والهندية
هذه الحوادث بكل حماسة .
2 – ردود الفعل في شبه القارة الهندية :
إن المسلم الصادق أينما كان وحيثما كان لا يمكن أن يعيش دون المعرفة بشطر
الكعبة الشريفة أو جهة القبلة المقدسة ، ولا يتصور حياة المؤمن دون ذلك ؛ إذ لا بد
له أن يتوجه نحوها في صلواته الخمس ، إن بيت اللَّه الحرام إنما هو مركز الآمال
لأهل الإيمان ورمز الوحدة للأمة الإسلامية ، فمن المستحيل لها ألاّ تتأثر بما يحدث
في أرض الحجاز وحول بيت اللَّه الحرام ، كما أنه لا يمكن لفرد من أفرادها المسلمين
الصادقين ألاّ يحزن على ما يصيب أرض الحرمين الشريفين من السوء أو ما ينزل بأهلهما
وجيرانهما الآمنين السعداء من نازلة أو مشكلة ، وأكبر الأماني وأحلاها لكل مؤمن
إنما هي زيارة الحرمين الشريفين حاجاً ومعتمراً ، ولن تجد قلباً مؤمناً دون أن
يملأه حب اللَّه –عز وجل –وحب بيته العتيق وحب رسوله الصادق الأمين e وكل إنسان مؤمن
يرى ذلك البيت الحرام خمس مرات كل يوم بعين القلب المؤمن الخفاق المتدفق حباً
وإيماناً في كل صلاة من صلواته الخمس، وذلك ما جعل شاعر الإسلام محمد إقبال يقول
مغنياً بعظمة الكعبة الشريفة ودورها الفعال في حياة الأمة الإسلامية ما معناه([42]): " إن أول بيت للَّه الذي أسس على أرضه إنما هو
رمز إيماننا ووحدتنا ، ومن ثم نحن نحرسه وندافع عنه ، وهو يحافظ على وحدتنا ويدافع
عنا " .
فقد كان من الطبيعي أن يتأثر المسلم الهندي بما كان يصل إليه من الأنباء
الخطيرة المحزنة المقلقة ، وأن يتأسف على ما كان يصيب أرض الحرمين الشريفين من سوء
أو يلحق بأهلها القاطنين والواردين من ضرر ، والمسلم الهندي أو الباكستاني
بطبيعتــه عاطفي للغايــة يضطرب قلبــه إذا سمع عن مصيبة نزلت بأخيــه المؤمن
أينما كان وحيثما كان ، وأما إذا لحق ذلك بجيرة الحرم أو بسكان أرضـــه المقدسة
فلا تســـأل عن قلق المسلم الهندي أو الباكستاني واضطرابه وحزنه ، وذلك ما حدث
بمسلمي شبه القارة بمشكلة الحجاز ، تلك المشكلة أو القضية الإسلامية التي أقامت
وأقعدت جماعات المسلمين وأفرادهم في شبه القارة ([43]).
وقد حزن المسلم الهندي على ما أصاب المسلمين الأتراك الذين لجؤوا إلى بيت
اللَّه الشريف الذي يأمن فيه كل لاجئ إذا دخله كان آمناً ، وكان هؤلاء الأتراك
المؤمنون الصادقون الذين دخلوا الحرم حقناً لدمائهم وحفظاً لحياتهم ، فأطلق النار
عليهم جنود الشريف الحسين ، فقتلوهم عن بكرة أبيهم ، وخضبوا بدمائهم أرض الحرم ،
وقد قلق المسلم الهندي حين سمع أنباء الظلم والوحشية والفوضى في أرض الحجاز
بتصرفات الحسين الإدارية الخرقاء ، وقد أبغضه مسلمو شبه القارة ، وكرهوه أشد ما
يكون ، وذلك لأسباب([44]):
1 – أنه قد خان الدولة العثمانية ، وبغى على خليفة
المسلمين وعصاه .
2 – أنه لم يراع حرمة البيت الحرام وقداسته؛ إذ قتل
فيه الأبرياء من المسلمين الأتراك الذين لجؤوا إليه بعد أن استسلموا لجنود الشريف
الظالمين .
3 – كان مسلمو شبه القارة يعرفون جيداً بأن الحسين
مخادع وأنه هو عميل الاستعمار البريطاني البغيض .
4 – أنه هو وإدارته لم تحفل بكرامة الحجاج المتوافدين
من أنحاء العالم ، فكانوا يؤذونهم وينهبون أموالهم ويقتلونهم ، وتلك هي فظيعة كبرى
بالنسبة إلى حاكم الحرمين الشريفين.
5 – وقد تأكد مسلمو شبه القارة دون أي شك أو ريب بأن
الشريف الحسين ظالم ، ولا يصلح حاكماً على الحجاز .
وأما الملك عبدالعزيز بن سعود – رحمه اللَّه – فقد كان مسلمو شبه القارة –
على الرغم من دعاية الدولة العثمانية ضد دعوة الشيخ محمد بن عبدالوهاب في كل بلد
من البلاد الإسلامية ، وعلى الرغم من أن الاستعمار البريطاني قد استغل هذه الدعاية
الكاذبة للحقائق في أكثر من بلد إسلامي ضد الحركات التحررية وقادتها الأحرار
المجاهدين من أجل القضـــاء عليها وتشويه سمعتها عند عامة المسلمين – يرون بأنه
يحاول أن ينقذ الحجاز من الأزمة الأمنية والخلقية . وحاولت الحكومة الحجازية الدستورية التي تشكلت
تحت قيادة الشيخ عبداللَّه سراج – رحمه اللَّه – أن تصلح الأوضاع والظروف في
الحجاز ، فاجتمع أعضاء مجلس الوزراء ، وتشاوروا فيما يلزم من اتخاذ الوسائل
والخطوات التي تضمن استقرار الأمن والسلام واستقلال البلاد ، فكان من بينهــــا([45]):
1 – إخراج
الحسين من الحجاز ؛ ليدل ذلك على جدية الموضوع واستقلال الحكومة الدستورية في
قراراتها .
2 – مفاوضة
الملك عبدالعزيز في الصلح والتفاهم معه .
3 – الاتصال
الفوري المباشر بالعالم الإسلامي مطالباً إياه الوساطة بين الحكومة الحجازية وابن
سعود لتصفية القضية الحجازية التي كانت تهم العالم الإسلامي كله .
4 – الاتصال بالدول كلها للحصول على اعترافها
بالحكومة الحجازية .
5 – بذل الجهود
لإحلال الأمن والسلام في البلاد وتقوية الجيش الحجازي للدفاع عنها.
وقد كانت المحاولة الأولى للاتصالات الخارجية هي البرقية إلى كل من المجلس
الإسلامي الأعلى بفلسطين وجمعية الخلافة بالهند مع رجاء الوساطة لحل القضية ودرء
الخطر عن البلاد المقدسة([46])، ويبدو أن الحكومة الحجازية كانت تعلق آمالاً جساماً
على الأمة الإسلامية في شبه القارة ممثلة في جمعية الخلافة بالهند ، وذلك يتضح من
رسالة السيد محمد الطويل رئيس الحزب الوطني الحجازي التي بعث بها إلى خالد بن
منصور ابن لؤي قائد الجيش السعودي ، وذكّر بها بما أعلنه ابن سعود غير مرة بأنه
سوف يجعل أمر البلاد المقدسة شورى بين المسلمين ، وقد جاء في نهاية الرسالة([47]):
( وحيث إن الأمر كما ذكر نكلف سيادتكم بالموافقة على إرسال مندوبين من
طرفنا إليكم يكونون في أمان اللَّه وأمان الإمام عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود
وأمانكم لعقد هدنة توقف القتال وتصون الطرفين عن سفك الدماء إلى أن تحضر الوفود
التي طلبنا حضورها من جميع الأقطار الإسلامية وعلى الخصوص من جمعية الخلافة
بالهند) .
وكانت الخلافة العثمانية في لحظاتها الأخيرة أيضاً تهتم اهتماماً بالغاً
بمسلمي شبه القارة ، ولعل ذلك يرجع إلى سببين ؛ أحدهما : أن الدولة المغولية
الهندية انحدرت من أصل تركي، فكان الأتراك يرون أن الشعب المسلم الهندي إنما هو
يمثل ذلك الأصل التركي المغولي ، والسبب الثاني: وهو أهم وأوضح من السبب الأول ،
وهو أن مسلمي شبه القارة لم يتح لهم الحياة يوماً في ظلّ الخلافة الإسلامية ، ومن
ثم كان اهتمامهم بالدولة العثمانية أكبر من أية أمة إسلامية أخرى في العالم ،
وحزنوا كثيراً عندما عرفوا بأن الدولة العثمانية قد ضعفت وحان زوالها وانقراضها
بسبب الحروب والمؤامرات الاستعمارية والخلافات الداخلية ، وذلك مما جعلهم يتبرعون
بما لديهم من الثروات ويضحون بما يملكونه من قوة أو وسيلة ، وقد جمعوا أموالاً
ضخمة من أجل مساعدة الأتراك العثمانيين وإنقاذ دولتهم من الزوال والانقراض ، وذهب
بها الشيخ (ظفر علي خان ) الزعيم السياسي والصحفي الشاعر إلى الخليفة العثماني
وقدمها له([48])، وكذلك فقد كانت الدولة العثمانية تهتم برأي
المسلمين في شبه القارة في قضايا البلاد المقدسة، وتبعها الأشراف في ذلك ، فعلقوا
آمالهم على تأييد مسلمي شبه القارة، كما رأت الحكومة الحجازية أن يتم الاتصال
بينها وبين جمعية الخلافة بالهند ، ولم يخالف الملك عبدالعزيز من تقدمه في ذلك
السلوك ، فاهتم هو الآخر بآراء مسلمي شبه القارة دائماً([49]).
وأما دعوة الشيخ محمد بن عبدالوهاب التي تبناها آل سعود والتي كان يمثلها
ابن سعود – رحمه اللَّه – فقد اطلع عليها علماء شبه القارة في عهد متقدم جداً ؛
فمنهم من أيدها ، ومنهم من عارضها ، كما أن البعض الآخر منهم شوهها تشويهاً ، ونسب
إليها وإلى مؤسسها أشياء لاصلة لها بها أو بمؤسسها إطلاقاً ، فممن اطلع على أفكار
الإمام محمد بن عبدالوهاب–رحمه اللَّه – وعقائده ، ودرسها دراسة صحيحة شاملة
وقدرها حق تقدير فأنصفها وأنصف صاحبها هو الشيخ محمد بشير السهسواني المتوفى سنة
1326هـ ، وقد ألف الشيخ السهسواني كتاباً سماه صيانة الإنسان عن وسوسة الشيخ دحلان
في الرد على الشيخ أحمد دحلان مفتي مكة في وقته، وهو كتاب جيد نادر في موضوعه ،
وقد قدم لبعض طبعاته الشيخ رشيد رضا تلميذ الإمام محمد عبده ، فاستحسنه وقدره حق
تقدير ، ومنهم الشيخ صديق حسن القنوجي البهوبالي من تلاميذ الإمام أحمد ولي اللَّه
الدهلوي ، وله كتاب " الدين الخالص " ، قد انتصر فيه للشيخ ، وأشاد
بجهوده في الدفاع عن العقيدة السلفية الصحيحة ، ومنهم الشيخ مسعود عالم الندوي
الذي ألف كتاباً قد سماه " محمد بن عبدالوهاب المصلح المظلوم " ، وقد
ترك هؤلاء العلماء المؤلفون وكتبهم تأثيراً بالغاً في نفوس الشعب المسلم الهندي([50])، وعندما انتصر ابن سعود على عدوه واستعاد مجد آبائه
السليب وظهر واشتهر في مجــال السياسة الدولية وناصر عقيدة الشيخ السلفية كان من
الطبيعي أن يؤيده أنصار الشيخ في كل مكان ، ويعارضه من كان قد عارض الشيخ .
وقد قامــت الدولــة السعودية الثالثــة على ما صــرح به واعتــزم عليه
مؤسسها المغفور له الملك عبدالعزيز بن سعود من نصرة منهج السلف الصالح ؛ لأنــه هو
الإســـلام الحقيــقي والطريق الوسط ، كما أن أمة الإسلام هي الأمة الوسط ، أمة
الدعوة إلى اللَّه ورسوله وأمة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، والدين الإسلامي
الراشد الوسط ، وهو الأمر الوحيد الذي يمكن أن ينقاد له العرب ، وبذلك قد أتاهم
ويأتيهم الملك ، ويمكنهم اللَّه في الأرض كما مكن أسلافهم الأوائل من قبل خلال خير
القرون على ما أشـــار إليه ابن خلــدون([51])، وليس من شــك ولاريــب أن ابن سعــود –
رحمه اللَّه – قد طبق الشريعة في أصح معاني الكلمة وأدقها يوم قامت له السلطنة في
نجد كما صرح به وهو يخرج من الكويت متجهاً نحو نجد ، وقد طبق الشريعة الإسلامية
حين استسلمت له مدن الحجاز كلها كما وعد بذلك وهو يتحرك نحوها من الرياض ، ومن
بركات الشريعة استقرار أمن البلاد ، وقد دانت له الجزيرة العربية التي قامت فيها
دولة الإسلام دولة العدل والسلام والتي قد نالت إعجاب الأمة الإسلامية كلها في
عصرنا ، وقامت بدورها القيادي ليس في العالم العربي والعالم الإسلامي فحسب بل على
نطاق العالم كله ، وتلك هي بركات تطبيق شرع اللَّه في أرضه على عباده([52]).
وبما أن ابن سعود – رحمه اللَّه – قد أعطى عهداً لنصرة العقيدة السلفية
التي دعا إليها الشيخ محمد بن عبدالوهاب – رحمه اللَّه – وبما أنه قد طبق الشريعة
الإسلامية وأقام دولة العدل والسلام فقد نال تأييداً من قبل مسلمي شبه القارة،
وكانت ردود الفعل في حقه وتأييده كثيرة في معظم البلاد كما أن البعض منهم قد نقدوه
وعارضوه قائلين بأنه قد هدم قباب الصحابة وضرائح الأولياء وأنه يتبنى الحركة
الوهابية([53]).
ومن ثم نرى مسلمي شبه القارة ينقسمون أربعة أحزاب : حزب قد قام بنصرة ابن
سعود وتأييده ، وهم عقلاء الأمة ومثقفوها كالشيخ(ظفر علي خان)، والعلامة (محمد
إقبــال ) ، والشيخ ( ثناء اللَّه الأمر تسرى ) ، والشيخ ( أبو الكلام آزاد ) ،
وكان الشيخ ( شوكت علي ) رئيس جمعية الخلافة وشقيقه الشيخ ( محمد علي جوهر ) معهم
في البداية ، وقبل أن يعلن ابن سعود ملكيته على الحجاز ، ثم صارا إلى من عارضه .
وحزب قد عارضه أشد ما يكون وهم الشيعة وبعض أهل السنة الذين يعتقدون في كرامات
الأولياء ويتبركون بقبورهم وضرائحهم . وحزب ثالث هم عملاء الإنجليز وأدوات
الاستعمار الذين كان كل همهم هو تأييد الحاكم الإنجليزي في كل حال والتملق له بكل
مناسبة ، فإذا أراد منهم الاستعمار البريطاني أن يؤيدوا أحداً أيدوه ، وإذا أمرهم
أن يعارضوه أثاروا ضده ضجة . وحزب رابع من المنافقين والانتهازيين لا إلى هؤلاء
ولا إلى هؤلاء([54]).
وقد كانت المدن الثلاثة الهندية هي المراكز لكل ذلك من تأييد ابن سعود أو
معارضته فكانت مدينة ( لكهنو ) في الهند هي مركز المعارضين من الشيعة ومن إليهم ،
وكانت مدينة ( لاهور ) يغلبها تأييد ابن سعود ونصرته حيث كان فيها العلامة محمد
إقبال والشيخ ظفر علي خان ، وعلى مقربة منهما الشيخ ثناء اللَّه الأمر تسري وصاحبه
من أهل الحديث الشيخ داود الغزنوي في مدينة ( أمرت سر ) ، وأما عاصمة ( دلهي ) فقد
كانت مليئة بعملاء الاستعمار من أقاصي الهند وأدانيها بالإضافة إلى عدد لا بأس به
من أنصار ابن سعود من السلفيين وغيرهم والمعارضــين له ، وكل ذلك يحتــاج إلى
التفاصيل التي لا يسعهــا فصل أو بـــاب ، بل يحتاج إلى كتاب مستقل ، وليس هذا هو
موضع ذلك ، فلا بد لنا أن نكتفي هنا بالاختيار والاختصار .
فممن أيد الملك عبدالعزيز بن سعود في خطواته التي اتخذها من أجل إنقاذ
الحجاز وأرض الحرمين الشريفين من الأزمة والفساد الشيخ أبو الكلام آزاد ، وهو من
أبــرز الزعماء المسلمــين الذين عارضوا فكرة تقسيم شبه القارة وإنشاء باكستـــان
، وكان مع الحزب الهندي ( حزب غاندي ونهرو ) وغيرهما من الزعماء الهنادكة ، وقد
رحب هو بجهود ابن سعود ودافع عنه وأيده ، فيما كان يكتب من التعليقات في الصحف
والمجلات، وقد ألف كتاباً عن الخلافة الإسلامية بالأردية سماه " مسألة
الخلافة " ، وله دور مهم في حركة تحرير الهند واستقلالها ، وكان قد عين
وزيراً للتربية والتعليم للهند بعد استقلالها ، وله كثير من المؤلفات([55]).
ومن أكبـــر المؤيدين لابن سعود وأنصاره في شبه القارة أو في الهند
البريطانية كلها هو الشيخ ظفر علي خان الزعيم السياسي والصحفي النابغة المجاهد ضد
الاستعمار وشاعر اللغة الأردية المفلق
وأديبها العلامة ، وكان من أنصار الزعيم محمد علي جناح وعضو رابطته الإسلامية ،
وقد أيد فكرة إنشاء باكستان الدولة الإسلامية الكبرى في وقتها ، وقد مات في سنة
1953م([56]).