الجــــذور:

لم تكن الاتصالات السعودية العثمانية في عهد الملك عبدالعزيز آل سعود هي الأولى في تاريخ الدولة السعودية، وإنما جرت اتصالات، وقامت علاقات سلمية وأخرى حربية في عهد الدولتين السعوديتين: الأولى والثانية. وظلت طبيعة هذه العلاقة قائمة على مبدأ عدم الانسجام والتوافق والمصالحة، وظل قوامها الشك وعدم التقابل، ممّا ساهم إلى حد كبير في قيام حروب مريرة بين الطرفين، تمثلت في حروب الدولة العثمانية مع كل من الدولة السعودية الأولى والدولة السعودية الثانية والدولة السعودية الحديثة.

وليس غريباً أن يقوى موقف الدولة العثمانية في الجزيرة العربية من خلال سيطرة آل رشيد على نجد في أواخر عهد الدولة السعودية الثانية، وبعد سقوطها عام 1309هـ/1891م؛ لأن آل رشيد ظلوا على ولاء للدولة العثمانية حتى هزيمتها في الحرب العالمية الأولى. وبالمقابل ظلت الدولة العثمانية تؤيد آل رشيد وتدعمهم بالسلاح والقوات النظامية والأموال،([1]) وظلت تمنحهم المناصب العليا وترفع من شأنهم.([2])

ولا أحد ينكر أن الدولة العثمانية أصيبت بخيبة أمل ومرارة وضعف من جراء انحسار تأثيرها على شيخ الكويت بعد أن أصبحت الكويت تحت الحماية البريطانية عام 1318هـ/1899م،([3]) مما أفقد الدولة العثمانية مراقبة آل سعود المقيمين في الكويت  من جهة ، وضعف مركزها الإستراتيجي في الخليج من جهة أخرى. ولا يغيب عن بالنا الخطة الإستراتيجية البريطانية المنظمة في إحكام القبضة البريطانية على ساحل الخليج العربي والأجزاء الجنوبية والجنوبية الغربية من الجزيرة العربية، وقد سبب هذا المخطط البريطاني حرجاً للنفوذ العثماني في المنطقة، وكان سبباً في ضعف قبضة الدولة العثمانية على سنجق الأحساء، لانقطاع صلة الربط بين هذا السنجق وولاية البصرة العثمانية من جراء انسلاخ الكويت من المنظومة السياسية العثمانية وتأثيرها.

 

وعلى الرغم من حرج موقف الدولة العثمانية في الجزء الشرقي من الجزيرة العربية، إلا أنها ظلت مطمئنة على الأوضاع في نجد خاصة بعد تزايد قوة آل رشيد فيها، وولائهم المطلق لها. واعتماداً على مبدأ ولاء آل رشيد للدولة العثمانية ظلت الدولة العثمانية تعد وجودها المؤثر في نجد قائماً من خلال الوجود السياسي لآل رشيد، وهو ما جعل العثمانيين يحاولون تركيز نفوذهم في ساحل الخليج، وخاصة في الأحساء وقطر، تاركين شؤون الداخل لإدارة آل رشيد، موفرين على أنفسهم عناء جهد عسكري شاق وطويل ومجرب، وعناء وجود إداري مكلف ومرير.([4]) وقد أيد العثمانيون آل رشيد لكونهم قوة حديثة معادية لآل سعود.

 

الاتصالات السعودية العثمانية قبل استرداد الملك عبدالعزيز الأحساء:

نشطت الاتصالات السعودية العثمانية في مطلع القرن العشرين الميلادي بعد أن استرد الملك عبدالعزيز آل سعود الرياض عام 1319هـ/1902م، وبعد إخراج آل رشيد من منطقة العارض والمناطق الجنوبية من نجد. فقد تبنى الملك عبدالعزيز وقتذاك موقفاً تجاه الدولة العثمانية اتسم بأسلوب الموازنة، فهو يركز تماماً على مبدأ الاستقلال التام لكنه في الوقت نفسه مازال في بداية الطريق بالنسبة لمشروعه الكبير الرامي إلى توحيد المناطق التي كانت أصلاً تابعة للدولتين السعوديتين المتعاقبتين الأولى والثانية. كما أنه ظل يقدر مدى نفوذ الدولة وطاقاتها في الولايات العثمانية المحيطة، ولهذا حاول في البداية أن تكون صلته بالدولة العثمانية واتصالاته معها قائمة على أساس يجمع بين الولاء الرمزي لها وبين المطلب الاستقلالي الذي يعمل من أجله. وكان غرض الملك عبدالعزيز آنذاك هو تقليل الضغط العثماني عليه من خلال محاولة تحييد الموقف العثماني في نزاعه الحاد وحروبه المريرة مع آل رشيد.

والواقع أن الملك عبدالعزيز آل سعود لم يكن وقتها في موقف يسمح له بمعاداة الدولة العثمانية بشكل علني وصريح لأن موقفه السياسي والحربي ما زالا في بدايتهما وخاصة بعد وقعة البكيرية عام 1322هـ/1904م،([5]) التي اشترك فيها جيش عثماني قوامه أحد عشر طابوراً يحارب إلى جانب آل رشيد الملك عبدالعزيز آل سعود، بالإضافة إلى الدعم العثماني المادي والمعنوي لآل رشيد بهدف القضاء على القوة السعودية الحديثة والنشطة.

وقد بان الموقف العثماني من الملك عبدالعزيز آل سعود بعد وقعة البكيرية من خلال ما ورد في رسالة الأميرالاي حسن شكري أميرالاي الجيش العثماني الذي وصل إلى القصيم لمساعدة الأمير الرشيدي عبدالعزيز بن متعب آل رشيد بعد انتهاء وقعة البكيرية، جاء فيها: "... أن الخليفة الأعظم بلغه اضطراب الفتنة في بلاد نجد، وأن يداً أجنبية محركة لها... فأنا أنذرك إذا لم تأتنا وتبين الأسباب التي حملتك على إضرام هذه الفتنة بدون مراجعة أي ولاية من ولايات الدولة، واقتصارك على مراجعة صاحب الكويت، وأخذ المدد منه، وأنت تعلم علم اليقين أنه خارج عن طاعة الدولة، وما كان منك الالتئام معه... فها أنا مقيم بأطرافكم إما أن تقدموا إليّ وإما أن تستقدموني وتعرضوا عليّ ما عندكم لأنظر فيه مع أمراء عساكري، وأسير في الحكم طبق إرادة مولانا الخليفة... فإياكم والمخالفة... وأعطيك مدة عشرة أيام تشاور بها القريب والبعيد، وتختار لنفسك ما يصلح لها...".([6])

وجاء جواب الملك عبدالعزيز عن رسالة الأميرالاي حسن شكري قوياً جداً، فيقول: "... أما قولك إن أمير المؤمنين بلغه خبر أمر هذه الفتنة في البلاد العربية وما هان عليه إلا إصلاحها، فسبحان الله! هل تخفى عليه حقيقة الأحوال؟ إنه هو المضرم لها، وهي غاية مقاصده. وما الحامل لمبارك الصباح على التحيز إلى دولة أجنبية إلا سوء أفعال محسن باشا والي البصرة، فهو الذي نفره وأضرم هذه الفتنة، ولذلك لم تبق لي ثقة بوال أو مبعوث تركي. وإنني مختار لنفسي ما اختاره مبارك الصباح، والأحسن رجوعك من هذا المكان... وأما قولك إن الخليفة المعظم بعثك لتنظر الخلاف بيني وبين آل رشيد، فليس إلا لأنكم تريدون غدر إمارتي. ولو كان الأمر كما زعمت لكنت نظرت في بادئ الأمر لمن تكون بلاد نجد، ولمن كان الأمر عليها من قديم، ومتى كان ابن رشيد أميراً فيها، وكيف دخل هذه الإمارة؟ وأحواله لا تخفى عليكم، وليس له حق في المنازعة...".([7])

ويبين الملك عبدالعزيز في رسالته الجوابية إلى الأميرالاي حسن شكري أنه لا يثق بالدولة العثمانية، ويحمل ولاتها مسؤولية خروج الكثير من الجهات والولايات العربية عن الدولة العثمانية، فيقول في رسالته: "... وأما الآن فلا نقبل لكم نصيحة، ولا نعترف لكم بسيادة، والأحسن أنك ترجع من هذا المكان إذا كنت لا تود سفك الدماء... فلا شك أننا نعاملك معاملة المعتدين علينا... وأن سبب عدم طاعتي هو عدم ثقتي بكم. انظر إلى ولاية البصرة كيف فرطت في الكويت؟ وإلى والي اليمن كيف سلوكه في اليمن فإنه أضرم فيها الفتنة، وانظر إلى الحجاز وأهله التعساء وما يلاقونه هم وحجاج بيت الله الحرام من السلب والنهب...".([8]) ويخلص الملك عبدالعزيز إلى القول: "... إن كل العمال الذين رأينا، إنهم خائنون منافقون. فلا طاعة لكم علينا، بل نراكم كسائر الدول الأجنبية".([9])

وبناءً على مبدأ عدم استقرار الوضع العسكري في القصيم وتأرجحه، فإنه لا يستبعد أن يهتم الملك عبدالعزيز آل سعود بفكرة التقارب مع الدولة العثمانية لتكون خطوة مرحلية من مراحل الحل الشامل للتدخل العثماني في شؤون نجد. كما أن الإمام عبدالرحمن بن فيصل آل سعود، والد الملك عبدالعزيز كان يرى ضرورة الاتصال بالدولة العثمانية ومراسلتها([10]) لتكون خطة سياسية الهدف منها إشغال الدولة العثمانية بالمفاوضات، وإقناعها بأن آل سعود يودون الصلح والتقارب معها، مما يخفف ضغطها على الجانب السعودي في حروب القصيم، ومن ثم تضعف قوة آل رشيد ويتهيأ تفوق عسكري لآل سعود عليهم. والواقع أن الملك عبدالعزيز آل سعود لم تكن لديه خطة لمعاداة الدولة العثمانية في مثل هذه الظروف الصعبة، وظل هذا خياراً إستراتيجياً للملك عبدالعزيز ووالده الإمام عبدالرحمن قبل استرداد الأحساء عام 1331هـ/1913م.

وحدث عامل قوى مسألة الاتصالات والمفاوضات بين الملك عبدالعزيز والدولة العثمانية، وهو انتصار الملك عبدالعزيز في موقعة الشنانة في القصيم في 18 رجب 1322هـ/29 سبتمبر 1904م،([11]) تلك الوقعة التي كانت جواباً سريعاً لما حدث في وقعة البكيرية. فرأت الدولة العثمانية أن لا فائدة ترجى من حملاتها المتكررة على الملك عبدالعزيز وقواته ومناطقه بالتعاون مع آل رشيد. فحاولت أن تأخذ بأسلوب المفاوضات والاتصالات السلمية بعدما وجدت أن الأسلوب العسكري غير مجدٍ، فقررت اتباع سياسية إقناع الملك عبدالعزيز بالمناصب العثمانية التي تضمن ارتباطه بها، خاصة وأن بوادر الحرب العالمية الأولى قد لاحت في الأفق، والدولة الآن في أمس الحاجة إلى الأعوان والأتباع والمؤيدين، ليتفرغ جيشها لقضايا أكثر اهتماماً. وهنا تلتقي الرغبتان العثمانية والسعودية على الرغم من أن الملك عبدالعزيز لا يثق بالدولة العثمانية ونواياها، كما أن الدولة العثمانية هي الأخرى لا تثق به([12]) .

وفي اعتقادي أن محاولة التقارب هذه تدخل في باب المجاملات السياسية؛ لأن الدولة العثمانية نفسها غير صادقة في نواياها تجاه الملك عبدالعزيز ؛ لأنه يطلب الاستقلال التام، وهو أمر لا تقره الدولة. وبالمقابل فإن الملك عبدالعزيز يرى أن عامل الزمن لصالحه من خلال قراءته لأوضاع الدولة العثمانية من جهة ، والأوضاع السياسية والعالمية من جهة أخرى، وظل يعتقد أن الدولة العثمانية دولة متهاوية، وأن قوة أتباعها آل رشيد أيضاً في تناقص. كما أن اهتمامها بشؤون نجد يأتي في الدرجة الثانية في جدول المناطق التي تركز الدولة عليها وتهتم بها. وهذه الظروف مجتمعة حدت بالملك عبدالعزيز إلى صياغة قراره السياسي المصيري تجاه الدولة العثمانية.

وبعد موقعة الشنانة جاءت مبادرة المفاوضات من الدولة العثمانية قبل أن تكون من جانب الملك عبدالعزيز، وفي اعتقادي أن الثقل العسكري الذي وضعته الدولة العثمانية في القصيم إلى جانب آل رشيد ضد آل سعود كان من أجل تقوية موقفها في تلك المفاوضات؛ لأنه من الصعب على الدولة العثمانية أن تخوض حروباً واسعة في أراضي الجزيرة العربية الداخلية، فرأت أن توسط الشيخ مبارك الصباح في مسألة المفاوضات مع الملك عبدالعزيز، فطلبت من الشيخ مبارك أن يبلغ الملك عبدالعزيز أن الدولة العثمانية تنوي التفاوض السلمي مع والده الإمام عبدالرحمن، على أن يلتقي الإمام عبدالرحمن مع والي البصرة في بلدة الزبير جنوب العراق. وقد قبل الملك عبدالعزيز الدعوة، وسافر والده إلى الكويت ومنها إلى الزبير يرافقه الشيخ مبارك الصباح.([13]) واجتمع الإمام عبدالرحمن بن فيصل آل سعود والشيخ مبارك الصباح شيخ الكويت مع أحد المسؤولين العثمانيين في سفوان، جنوب العراق عام 1323هـ/1905م لمناقشة عدد من المسائل المعلقة بين الطرفين. وقد تمخضت المحادثات عن اعتراف الدولة بعبدالعزيز آل سعود قائماً على منطقة العارض والقسم الجنوبي من نجد، على أن يكون تابعاً لها. واعترفت لابن رشيد بمنطقة جبل شمر على أن يلزم حدوده فيها، وألا يتدخل في شؤون عبدالعزيز آل سعود ومناطقه. وأن تكون منطقة القصيم منطقة محايدة بين عبدالعزيز آل سعود وابن رشيد، ويكون فيها للدولة العثمانية مركز عسكري ومستشارون عثمانيون.([14])

ويذكر الريحاني أن الإمام عبدالرحمن بن فيصل آل سعود لم يقبل بهذه الإجراءات، لكنه قبل إكراماً للشيخ مبارك أن يعرضها على أهل نجد، لكن أهل نجد لم يقبلوا ألبتة أن تكون منطقة القصيم على الحياد، ولا أن يكون فيها حامية للدولة العثمانية.([15]) وأكد الريحاني ذلك فأورد أن أهالي بريدة وعنيزة وتوابعهما من القرى والبلدان لم يقبلوا بالسيادة العثمانية أو بشبه السيادة العثمانية عليهم عندما وصل بلادهم المشير العثماني أحمد فيضي باشا قادماً من بغداد ومعه ثلاثة طوابير من الجند العثماني النظامي وخمسة مدافع، وكذلك وصول الفريق صدقي باشا قادماً من المدينة بطابورين من الجند العثماني.([16]) وعلى أي حال فإن المفاوضات لم تؤد إلى نتيجة، وظلت بعيدة عن القبول والتنفيذ.

أرسل فيضي باشا رسولاً إلى الرياض يخبر الملك عبدالعزيز آل سعود أن الدولة العثمانية لا تريد محاربة أهل نجد ، وأنه جاء مسالماً "إنني لا أريد إلا السلم ، ولست محققاً مقاصد ابن رشيد". وطلب فيضي باشا أن يأتي الإمام عبدالرحمن إلى عنيزة لمفاوضته، فوافق الملك عبدالعزيز على إجراء المفاوضات، وفتح باب الاتصالات من جديد مع مسؤولي الدولة العثمانية.([17]) ونلحظ هنا أن الدولة العثمانية هي البادئة في طلب المفاوضات بعد الخسائر الكبيرة التي منيت بها في تجربتها العسكرية في حروب القصيم ضد الملك عبدالعزيز وقواته.

وهكذا حدث لقاء سعودي عثماني جديد بين الإمام عبدالرحمن بن فيصل آل سعود والمشير العثماني فيضي باشا في عنيزة، في شأن إيجاد نوع من المصالحة والتفاهم بين الدولة العثمانية والملك عبدالعزيز آل سعود من جهة؛ وبين الملك عبدالعزيز وابن رشيد من جهة أخرى. وكان هدف الدولة العثمانية من وراء ذلك إيجاد نوع من التوازن السياسي في إستراتيجيتها في البلاد النجدية تجاه كل من الملك عبدالعزيز وابن رشيد، بقصد ضمان طاعتهما للدولة، خاصة وأن الدولة العثمانية وقتذاك كانت تواجه ثورة عنيفة في اليمن قادها الإمام يحيى حميد الدين، وظلت الدولة تهتم بأن تبقى نجد مستقرة الأوضاع في ظل سيادتها الاسمية على الأقل.

اجتمع الإمام عبدالرحمن مع أحمد فيضي باشا في مدينة عنيزة، وطلب المشير من الإمام أن يكون للدولة العثمانية مركزان عسكريان أحدهما في بريدة والثاني في عنيزة، إجراءً مؤقتاً إلى أن يتم التفاهم والصلح بين الطرفين المتقاتلين في نجد، آل سعود وآل رشيد. وفي خضم هذه الأحداث أمرت الدولة العثمانية المشير أحمد فيضي بالتوجه إلى اليمن لحل مسألتها المستعصية.([18]) وناب عنه صدقي باشا الذي اتبع أسلوب سياسة لا حرب ولا سلم ولا مفاوضات. وظل أمر نجد على حاله ممّا أزعج الدولة العثمانية، فأرسلت سامي باشا الفاروقي إلى نجد، وعزلت صدقي باشا. فأرسل سامي باشا الفاروقي إلى الملك عبدالعزيز يطلب مقابلته في البكيرية، فقابله الملك ، ولم يتوصل الطرفان إلى تفاهم، بل تنافرا.([19]) وزادت حدة المواجهة عندما قال الفاروقي لعبدالعزيز آل سعود: "إن أهل القصيم يريدون أن تكون السيادة في بلادهم للدولة". فأجابه عبدالعزيز آل سعود: "ليس لأهل القصيم رأي في الأمر، فهم من أتباعي". فأجابه الفاروقي قائلاً: "التابعية تقتضي الحماية، وأنت لا تستطيع أن تحميهم، ولا ابن رشيد يستطيع ذلك". فرد عبدالعزيز آل سعود: "هل حمتهم الدولة؟ ومع ذلك فها زعماء القصيم في مجلسك، اسألهم يجيبوك. وتكلم أحد زعماء القصيم قائلاً: "إن صالح الحسن افترى عليهم (على أهل القصيم) ، وأنه لا يمثلهم بشيء، وأنهم لا يرضون عن ابن سعود بديلاً". وقد لجأ الفاروقي إلى أسلوب التهديد والوعيد قائلاً: "إنكم يا أهل القصيم تجهلون صالحكم وتتوهمون حقوقاً ليست حقوقكم... ما جئنا نسترضيكم ولا نستغويكم. جئنا نعلمكم الإخلاص والطاعة للدولة العلية. ولا معلم اليوم غير السيف". فتكلم الملك عبدالعزيز قائلاً: "إني آسف على ما بدا منك، بل آسف ؛ لأن الدولة تكل أمورها إلى أمثالك. ما كان العرب يا سامي ليطيعون صاغرين، لا والله، ولولا أنك ضيف عندنا لما تركناك تقوم من مكانك".

ويبدو أن الفاروقي فهم أن أسلوب القوة والعنف والتهديد لا ينفع، فأرسل رسولاً إلى الملك عبدالعزيز اسمه دياب أبو بكر يقول له: "يسلم عليك الباشا ، ويقول إن الدولة تدفع لك عشرين ألف ليرة ومخصصات ســنوية إذا اعترفت بسيادتها علــى القصيــم". فأجـــاب الملك عبــدالعزيـــز آل سعود: "أتتجاسر يا خبيث أن تحمل إلينا مثل هذه الرسالة؟ ألم يردعك شيم العرب؟ ومتى كان ابن سعود يقبل الرشوة، فيبيع بلاده ورعيته لمن يريدون استرقاقها...".([20])

وقــد تطورت الأمور إلى الأفضل بالنسبة للملك عبدالعزيز عام 1324هـ/1906م، فأخذ يضغط على القوات العثمانية في القصيم ضغطاً نفسياً، خاصة وأن القوات العثمانية ملت من الحروب والانتظار، وملت من حالة لا حرب ولا سلم، في ظل أجواء مملوءة بالخوف ، وعدم الاستقرار ، وسوء الأحوال الجغرافية، والبعد عن مراكزهم. فقرر الملك عبدالعزيز أن يتخلص من القيادة العثمانية والجند العثماني وتدخلاته، وقرر أن يضرب ضربته الأخيرة، فأرسل إلى الفاروقي يخبره بأمرين: إما أن يرحل بجيشه خلال خمسة أيام إلى منطقة السّر ليكون بعيداً عن مراكز قوة ابن رشيد، وإما أن يتولى الملك عبدالعزيز نفسه ترحيل الجيش العثماني ، فيعاد من جاء منهم مع المشير أحمد فيضي إلى العراق، الذين جاءوا مع صدقي باشا إلى المدينة، وإلا الحرب. وافق الفاروقي على الأمر الثاني، فأرسل الملك عبدالعزيز الجند العثماني إلى العراق وإلى المدينة كما هي الخطة المرسومة.([21])

ويذكر الريحاني أن السلطان العثماني عبدالحميد الثاني شكر للملك عبدالعزيز معاملته الطيبة للجند العثماني، وسأله إن هو يرغب في إرسال أحد رجاله لمقابلته، فلبى الملك عبدالعزيز الدعوة، وأرسل صالح العذل ومعه اثنين آخرين إلى الآستانة، فنزلوا ضيوفاً على الحضرة الشاهانية، ومنحوا الألقاب والنياشين.([22])

ونتوصل إلى قناعة تامة أن المفاوضات والاتصالات السعودية العثمانية في حقبة ما قبل استرداد الأحساء، كانت قد اتسمت بالآتي:

1–  لم تكن المحادثات بين الطرفين جادة، بل هي محادثات واتصالات يغلب عليها مبدأ رفع العتب.

2–  لم يكن الطرفان المتحادثان يتوقعان نتائج ترضيهما، فالدولة العثمانية تريد طاعة الملك عبدالعزيز وبلاده لها. وبالمقابل كان الملك عبدالعزيز آل سعود يخطط لإنجاز مشروع عريض يرمي إلى توحيد مناطق الجزيرة العربية التي كانت تابعة لحكم أجداده، وبشكل مستقل استقلالاً تاماً.

3–  لم يكن الملك عبدالعزيز مقتنعاً من حياد الدولة العثمانية في نزاعه مع آل رشيد، وهو أمر يشككه في موقفها تجاهه.

4–  ظلت الدولة العثمانية وكذلك الملك عبدالعزيز يريان في اتصالاتهما ومحادثاتهما وسيلة مؤقتة أشبه بهدنة بين الطرفين، لا بد من انفجار الموقف بينهما برمته مع الزمن.

5–  كان الملك عبدالعزيز يعرف مدى ضعف الدولة العثمانية في الجزيرة العربية، حتى إن تأثيرها أخذ يضعف في المنطقة، وبخاصة في المناطق الشرقية من الجزيرة العربية تحت تأثير الضغط السعودي من جهة ، وتدخلات بريطانيا وموقفها المؤثر من جهة أخرى.

 

6–  يغلب على المحادثات والمفاوضات بين الطرفين أنها اتسمت بطابع الند للند، لا وسيط مباشر بينهما.

 

الاتصالات السعودية العثمانية بعد استعادة الأحساء:

تميزت مرحلة الاتصالات والمفاوضات السعودية العثمانية بعد استعادة الأحساء عام 1331هـ/1913م([23]) عن المرحلة التي سبقتها، بأن الاتصالات السعودية العثمانية في هذه المرحلة كانت استجابة لرغبة الدولة العثمانية الملحة في جعل الباب مفتوحاً بينها وبين الملك عبدالعزيز آل سعود، في ظل فقدانها منطقتين مهمتين من الجزيرة العربية هما: نجد وسنجق الأحساء، الذي يتمتع بمركز إستراتيجي سياسي واقتصادي. فهي الآن تفتح باب المفاوضات وقواتها مهزومة عسكرياً أمام القوة السعودية الناشئة، على حين كانت الدولة العثمانية تفاوض في المرحلة السابقة وهي قوية نسبياً، ولها قوات نظامية في منطقة القصيم، وتناصرها قوة آل رشيد.

وقد تميزت هذه المرحلة من الاتصالات والمفاوضات، بأن قوة الملك عبدالعزيز أصبحت أقوى بكثير مما كانت عليه في مرحلة المفاوضات السابقة. فهو الآن يمد نفوذه على مناطق واسعة، منها منطقة الأحساء التي قوت مركزه السياسي بفضل إطلالها على الخليج، فأصبح للملك عبدالعزيز قوة مؤثرة في الساحل الشرقي للجزيرة العربية يحسب حسابها في مسألة التوازن السياسي في الساحل، بالإضافة إلى العامل الاقتصادي الفاعل في تقوية الدولة السعودية الحديثة النامية والمتطورة.

وتميزت هذه المرحلة كذلك بأن الاتصالات والمفاوضات السعودية العثمانية لم تبق محصورة في نطاق الطرفين السعودي والعثماني، وإنما لعبت قوى سياسية أخرى دوراً في هذه الاتصالات، وتأتي بريطانيا على رأس ذلك، بالإضافة إلى شيخ الكويت وشيخ المحمرة والسيد طالب النقيب، وقد شكل هؤلاء حلقة وصل رئيسة في تلك الاتصالات، وما دار من مفاوضات بين الطرفين الرئيسين السعودي والعثماني. وكان لهذه التدخلات أهميتها وتأثيرها على سير المفاوضات ونتائجها. كما تميزت هذه المرحلة بأنها جاءت في وقت أصبحت فيه الحرب العالمية الأولى وشيكة الوقوع، وأن بوادرها تلوح في الأفق السياسي. وأن مركز الدولة العثمانية قد ضعف في المنطقة العربية وخاصة في العراق، من خلال جهود بريطانيا الرامية إلى تقليص النفوذ العثمانية في المنطقة العربية، خاصة وأن الدولة العثمانية اتجهت صوب ألمانيا أهم دول المحور المعادية لبريطانيا والحلفاء.

ولا أحد ينكر أن مركز الدولة العثمانية في سنجق الأحساء كان قد ضعف كثيراً من جراء ظهور القوة السعودية الحديثة ، وتطور نفوذها في وسط الجزيرة العربية. فتشير الوثائق العثمانية إلى حالة الفوضى والاضطراب التي سادت السنجق من جراء تمادي الموظفين العثمانيين المتأخرين في زيادة الضرائب غير المشروعة على الأهالي في السنجق، ومن جراء سوء الإدارة العثمانية والخلافات التي دبت في صفوف المسؤولين رأس الإدارة في السنجق،([24]) مما أدى إلى تململ السكان وتحركهم ضد السيادة العثمانية،([25]) واتصال بعضهم بالملك عبدالعزيز آل سعود لتخليصهم من الحكم العثماني،([26]) مما ساعد على تقوية مركز الملك عبدالعزيز ، ومن ثم ساعد على نجاحه في طرد القوات العثمانية من المنطقة برمتها دون عناء ، وبأقل تكلفة.

 

الوساطة البريطانية:

حاولت بريطانيا جس نبض كل من الدولة العثمانية والملك عبدالعزيز آل سعود بخصوص مسألة إقامة مصالحة ، ومن ثم عقد صلح بينهما. وقد أسندت الدولة البريطانية إلى موظفها السير برسي كوكس القيام بمهمة فتح الباب "وليعطي الدولة البريطانية فكرة ما عن الخطوة التي ستكون الحكومة التركية ميالة إلى اتباعها إذا رغبت في مصالحة مع ابن سعود إذا ما طلب الأخيرة مساعينا الحميدة أو رحب بها".([27])

ويتبادر إلى الذهن سؤال لماذا تقوم بريطانيا بدور الوساطة هذه؟ والجواب عنه، أن بريطانيا والدولة العثمانية تسيران باتجاه طريق التفاهم بينهما بخصوص المسألة الخليجية، وخاصة مسألة الحدود، وقد تمثل هذا الاتجاه بتوقيع الاتفاقية الإنجليزية التركية عام 1331هـ/29 يوليو 1913م. ومن جهة أخرى فإن بريطانيا والدولة العثمانية حريصتان كل الحرص في هذا الوقت بالذات على تطبيق مبدأ الوضع الراهن، خاصة وأن بريطانيا ترى في هذا المبدأ فائدة كبيرة لها؛ لأنها تحافظ على قاعدة التوازن الإستراتيجي في الخليج، ولهذا فهي تحاول جاهدة على بقاء الوضع الراهن على حاله؛ حتى لا يحدث خلل في سياسة التوازن هذه، وهي من ثم لا ترغب أن تقوم الدولة العثمانية بهجوم بحري على قوات الملك عبدالعزيز آل سعود في الأحساء؛ لأن هذا في تقديرها يخل بسياستها الخليجية.

وبالمقابل أخذت بريطانيا تشجع الملك عبدالعزيز على فتح باب المفاوضات مع الدولة العثمانية حتى لا يتخلخل مبدأ الوضع الراهن.([28]) وكان الملك عبدالعزيز آل سعود يرى أن فتح باب الاتصالات والمفاوضات مع الدولة العثمانية فرصة له لإبقاء الأمور على حالها، وهو الآن يتمتع بمركز خليجي عال، ويكون بذلك قد أوقف خطة الدولة العثمانية الرامية إلى استرجاع الأحساء عن طريق هجوم بحري كبير ومركز قد يؤثر على مركزه العسكري والسياسي.([29]) فرأى أن من المفيد دبلماسياً أن يقبل بالوساطة البريطانية في ظل المحافظة على الوضع الراهن، وهو أمر يخدم مصالحه ومواقفه السياسية والإستراتيجية.

وقد نالت مسألة الوساطة البريطانية في موضوع المصالحة بين الدولة العثمانية والملك عبدالعزيز آل سعود قبول الدولة العثمانية ورضاها معربة عن "شكر الباب العالي للعرض الودي من جانب حكومة صاحب الجلالة بهذا الشأن". وقد بين الباب العالي أنه يجري اتصالات ومفاوضات مع الملك عبدالعزيز آل سعود "وأنه إذا دعت الضرورة إلى اللجوء إلى المساعي الحميدة لحكومة صاحب الجلالة فإن الباب العالي لن يتأخر في التماسها".([30])

وكان التوسط البريطاني يقوم على أساس تشجيع الطرفين على إيجاد تسوية مرضية بينهما. وتشير الوثائق البريطانية أن بريطانيا لا تشجع أي منفعة سياسية ضد الدولة العثمانية، وأن كل ما تريده بريطانيا هو الحيلولة دون حدوث اضطرابات وسفك دماء ؛ لأن هذا يؤثر بصورة خطيرة على السلام في منطقة الساحل العربي الخليجي، ويخل بسياسة الوضع الراهن، وسياسة التوازن التي تنشدها بريطانيا في منطقة الخليج التي تتمتع بنفوذ كبير فيها. وترى الحكومة البريطانية أنه إذا أقدمت الدولة العثمانية على عمل عسكري ضد الملك عبدالعزيز في منطقة الأحساء فستقع قلاقل واسعة في مناطق شرقي الجزيرة العربية، ومن ثم هذا يؤثر على مركزها في تلك المنطقة.([31])وقدمت الاستخبارات العسكرية البريطانية معلومات تفيد أن لنشات ذات محركات قد شُحِنت إلى البصرة. وأن المقيم السياسي في الكويت قد أُبلغ أن قوات عثمانية عددها 800 جندي وصلت إلى البصرة لتوها على ظهر الباخرة "ساراتوف".([32])

 

أطراف أخرى في الوساطة:

رأت بريطانيا أن تشرك في الوساطة بين الدولة العثمانية والملك عبدالعزيز آل سعود من أجل تسوية ودية بينهما كلاً من الشيخ خزعل شيخ المحمرة، والشيخ مبارك الصباح شيخ الكويت والسيد طالب النقيب، نقيب البصرة . ووافق جميعهم على الطلب البريطاني.([33]) وكان السيد طالب النقيب من أنشطهم في هذا المجال، وكان له أثر بارز في الوساطة، وله مكانة مرموقة لدى المسؤولين العثمانيين في ولاية البصرة، وكان المسؤولون البريطانيون يقدرون مكانته ، ويحترمون شخصيته.

وتشير الوثائق البريطانية أن الملك عبدالعزيز قدر للسيد طالب النقيب في نهاية الأمر وساطته هذه، فكافأه على هذا الموقف بأن قدم له مبلغاً قدره عشرون ألف روبية تثميناً لوساطته وتقديراً لجهده.([34]) وكان المسؤولون العثمانيون ممثلين في ولاية البصرة مهتمين بأمر الوساطة والتسوية السلمية مع الملك عبدالعزيز آل سعود، فذكر طلعت باشا ناظر الداخلية أن الدولة العثمانية مهتمة بإيجاد تسوية ودية مع الملك عبدالعزيز آل سعود، وأن والي البصرة يرتب هذا الأمر مع شيخي الكويت والمحمرة وكذلك مع السيد طالب النقيب ليقوموا بدور الوساطة في المساعدة في التوصل إلى صلح وسلام مع الملك عبدالعزيز آل سعود.([35])

وأكد طالب النقيب على قبوله لتلك المهمة التي أسندت إليه، فيقول: "إنه والشيخ مبارك شيخ الكويت يسعيان إلى إيجاد نوع من التسوية بين الدولة العثمانية والملك عبدالعزيز آل سعود الذي يريد نوعاً من الزعامة المستقلة، لكنه يرفض وجود قوات عثمانية في بلاده، ومن المتوقع التوصل إلى حل سلمي".([36]) وتشير الوثائق البريطانية إلى أن ناظر الحربية العثمانية أنور باشا أرسل هدايا إلى كل من الملك عبدالعزيز آل سعود والشيخ مبارك الصباح شيخ الكويت،([37]) لتكون دلالة واضحة على رغبة الدولة الأكيدة في معالجة الموقف بطرق سلمية وودية قدر الاستطاعة.

والواقع الماثل أمام الملك عبدالعزيز أن الدولة العثمانية عازمة على الصلح معه مهما كان الثمن، وهي في الوقت نفسه لم تعر أي اهتمام متزايد في سبيل استرجاع منطقة الأحساء إلى سيادتها الحقيقية([38]) ، كما كان الحال عليه قبل أن يستعيدها الملك عبدالعزيز، وهو أمر شجع كثيراً الملك عبدالعزيز آل سعود في السير على النهج السلمي والودي تجاه الدولة العثمانية ممثلة بوالي البصرة، عاداً الاتصالات والمفاوضات مع الدولة العثمانية إنما هي إجراءات عادية، وأن الوقت لصالحه. ومع أن الملك عبدالعزيز يريد التفاوض والحل السلمي مع الدولة العثمانية، إلا أنه في الوقت نفسه ظل مقتنعاً بقدرته على الاحتفاظ بمنطقة الأحساء تحت سيادته.

وبالمقابل كانت بريطانيا ترى في الدولة العثمانية بعد أن توصلت معها إلى اتفاقية بشأن الخليج عام 1331هـ/29 يوليو 1913م، أو ما تعرف بالاتفاقية الإنجليزية التركية، وسيلة ممتازة لمنع الدول الغربية من التدخل في شؤون الشرق، وهذا يؤمن منطقة الهند البريطانية من التدخل الغربي،([39]) ولهذا فإن بريطانيا ستكسب كثيراً من جراء علاقاتها الودية مع الدولة العثمانية. ويمكن الأخذ بهذه الإستراتيجية البريطانية في الوقت الراهن، حيث إن الوضع العالمي متأزم، وأن كلا من الدولتين البريطانية والعثمانية مشغولتان بقضايا عالمية أكثر اهتماماً وأشد إلحاحاً من قضايا فُرغ من تسويتها بين الدولتين.

 

وتأسيساً على الإستراتيجية البريطانية القائمة في الشرق على نظرية المحافظة على المواصلات الإمبراطورية، فإن بريطانيا ترى أن من واجبها القيام بكل مجهود لتجنب أية أعمال قد تؤدي إلى تقسيم ممتلكات الدولة العثمانية في آسيا، وعلى بريطانيا أن تعمل بكل طاقاتها للمحافظة على الوضع الراهن بالنسبة للدولة العثمانية.([40])

وتفيد الوثائق البريطانية أن السيد محمد عارف بن يوسف مارديني والي البصرة العثماني السابق ووالي سورية آنذاك، كان على اتصال بالشيخ مبارك الصباح، وهو يعرف عائلته حق المعرفة، وقد أدى هذا إلى قيام علاقة وطيدة بين الشيخ مبارك والبكباشي العثماني عمر فوزي بن محمد عارف. وجرت محادثات في الكويت بين الشيخ مبارك والسيد عمر فوزي مارديني بشأن التوسط في مفاوضات السلام بين العثمانيين والملك عبدالعزيز آل سعود. وكانت ولاية البصرة قد انتدبت البكباشي عمر فوزي لإجراء اتصالات مع الملك عبدالعزيز عن طريق الشيخ مبارك.([41]) وتشير الوثائق البريطانية إلى أن الشيخ مبارك وقتذاك لم يكن متحمساً للوساطة التي يطلبها منه العثمانيون، "ولا يرى أن يساعد أياً من الطرفين، ويرفض أن يساق إلى تلك القضية أو يعطي أية نصيحة، مع أنه يتعاطف مع الطرفين في رغبتهما في تجنب سفك الدماء أو كل ما من شأنه أن يخلف العداوة بين المسلمين، وعليه أن يبقى مخلصاً لصداقته لابن سعود".([42])

وكان أنور باشا ناظر الحربية العثمانية قد كلف السيد محمد عارف بن يوسف مارديني والي البصرة بإرسال ابنه البكباشي عمر فوزي إلى الشيخ مبارك الصباح لكي يمكنه بوسائله الخاصة وتوصياته من الاتصال بالملك عبدالعزيز آل سعود. وتطلب رسالة محمد عارف الموجهة إلى الشيخ مبارك أن يعطي ابنه رسالة توصية إلى الملك عبدالعزيز آل سعود "وعليه نأمل أن تزود ابننا بنصيحتكم، وتعطوه رسالة إلى عبدالعزيز بن سعود، ذاكراً لكم أن عمر فوزي ابني، وممثل الوزير أنور باشا، وإليه يرجع في بحث كافة المسائل المتعلقة بهذه المناطق (نجد)، وكذلك فالاجتماع معه هو كالاجتماع معي، والوثوق به كالوثوق بالحكومة وبالوزير أنور باشا، وسوف تكسبون مكافأة طيبة في المستقبل على هذا العمل، وكذلك الثناء الشامل ورضاء السلطان".([43])

ويشير عمر فوزي مارديني في رسالة وجهها إلى الشيخ مبارك أن مهمته الأساس هي مقابلة عبدالعزيز آل سعود ، والبحث معه بشكل ودي الإجراءات والترتيبات اللازمة لإنهاء الصعوبات الراهنة بين الدولة العثمانية وعبدالعزيز آل سعود. ويطلب عمر فوزي من الشيخ مبارك أن يخبر عبدالعزيز آل سعود بأن يتوجه إلى مكان مناسب قريب من الكويت، لكي يجتمع به البكباشي عمر فوزي. ويرى عمر فوزي أن يكون المكان قريباً من الكويت حتى يتمكن من الاتصال تلغرافياً بأنور باشا ناظر الحربية العثمانية.([44])

ولما عرفت بريطانيا أن العثمانيين يقومون بمبادرات تجاه الملك عبدالعزيز آل سعود عن طريق مبارك الصباح شيخ الكويت والشيخ خزعل شيخ المحمرة، قررت الاتصال بالملك عبدالعزيز وإبلاغه بأنها سعت لدى الباب العالي أن يقوم بمبادرات سلمية ودية تجاهه، وهو الآن حُر في التفاوض المباشر مع العثمانيين.([45]) وقد عللت بريطانيا ذلك حتى تأخذ الحكومة العثمانية انطباعاً أن الحكومة البريطانية يهمها أن تبدأ المفاوضات بين الطرفين بصورة مباشرة، وتريد أيضاً أن لا يدخل في ذهن الدولة العثمانية أن بريطانيا ترغب في الاطلاع على شروط الصلح،([46]) وأن يكون لها رأي فيه، وإنما تفضل أن تبقى الأمور بين الطرفين المتفاوضين. وأعتقد أن بريطانيا تقصد من وراء ذلك أن يتجنب كل من الدولة العثمانية والملك عبدالعزيز آل سعود الوساطة التي يمارسها كل من الشيخ مبارك الصباح والشيخ خزعل وتأثيرهما في هذا المجال.

وقد حدث اتصال عن طريق الرسائل بين الملك عبدالعزيز آل سعود والوسيط السيد طالب النقيب، فبين الملك للنقيب أنه يرجو كل الخير للدولة العثمانية المسلمة، ويرجوه كذلك أن يقدم تحياته وتمنياته لأنور باشا ناظر الحربية العثمانية الذي كلف البكباشي عمر فوزي مارديني بالاتصال به من أجل إقامة علاقات ودية، وعلى الهدية التي أرسلها إليه وهي القرآن الكريم. ويقدم الملك تحياته للبكباشي عمر فوزي، وصداقته واحترامه إلى جميع المسؤولين العثمانيين. كما أنه قبل هدية أنور باشا بكل احترام وسرور، وأن غايته هي وحدة الإسلام، وجمع شمل القلوب المتفرقة من أبنائه. وفي رسالة الملك عبارات المجاملة للباب العالي كولائه للدولة العثمانية ورجائه الخير لها ولبلادها، لكنه أشار في رسالته إلى وجود أمور لا يستطيع أن يقوم بها تجاه الدولة العثمانية.([47]) ويقصد بذلك مطالبها التي تتركز على تبعيته للدولة العثمانية، وأن يكون لها جند عثماني في بلاده دلالة على الولاء والطاعة.([48])

وهكذا فإن الدولة العثمانية وكذا الدولة البريطانية وسطتا كلاً من الشيخ مبارك والشيخ خزعل والسيد طالب النقيب لبذل جهودهما في مسألة التوسط واتخاذ الترتيبات اللازمة لإيجاد حل سلمي ترضى به الدولة العثمانية ، ويرضى به الملك عبدالعزيز، كما أن الواضح من موقف الدولة العثمانية أنها لا ترغب إطلاقاً في استعمال القوة العسكرية العثمانية ضد الملك عبدالعزيز، مقتنعة أن الحل في النهاية سيكون حلاً سلمياً وودياً. كما أن السيد طالب النقيب بحكم صلته القوية مع العثمانيين يتوقع أن يكون الحل في النهاية حلاً سلمياً، على الرغم من أن الملك عبدالعزيز يشترط في المقام الأول أن يكون حاكماً مستقلاً، ويرفض قبول قوات عثمانية في بلاده.([49])

 

الاتصالات السعودية العثمانية لتحديد مكان الاجتماع:

جاءت المبادرة من الدولة العثمانية يوم أن وافق أنور باشا ناظر الحربية العثمانية على اقتراح قدم من السيد طالب النقيب بشأن قيام الدولة العثمانية بفتح باب الاتصالات والمفاوضات السلمية والودية مع الملك عبدالعزيز آل سعود،([50]) فقبل أنور باشا اقتراح السيد طالب النقيب، وفوض السيد البكباشي عمر فوزي مارديني أحد مرافقي السلطان محمد رشاد بإجراء المفاوضات، كما أمره بالتوجه إلى البصرة ، وأرسل معه رسالة إلى واليها–  وكان وقتها سليمان شفيق كمالي باشا – ([51]) تتضمن توجيه مسألة الأحساء إليه للبت في أمرها سريعاً، ولتفادي الإطالة من جراء المراسلات مع الآستانة مما يتطلب وقتاً طويلاً في الأخذ والرد . وقد زار عمر فوزي مارديني الشيخ مبارك الصباح في الكويت بأمر من والي البصرة، وبين له ما تنوي الدولة العثمانية عمله تجاه مسألة الاتصالات والمفاوضات مع الملك عبدالعزيز آل سعود من أجل إيجاد تفاهم معه.([52])

وزيادة في حرص الدولة العثمانية على المفاوضات وإيجاد الحل، رأت أن تفيد من وساطة الشيخ مبارك الصباح بصورة خاصة لعلاقته القوية والحميمة مع الملك عبدالعزيز، وكذلك وساطة الشيخ خزعل شيخ المحمرة. فقررت الدولة العثمانية منح كل منهما وسام العثمانية من الدرجة الأولى مكافأة لهما على قيامهما بالوساطة المطلوبة.([53]) ويبدو أن والي البصرة العثماني وبأمر من المسؤولين العثمانيين رأى أن يكون السيد طالب النقيب هو المسؤول عن المفاوضات مع الملك عبدالعزيز، لعل ذلك يقرب مسألة التفاهم بين الدولة العثمانية والملك عبدالعزيز. وأصبح بمقدور السيد طالب النقيب ومعه البكباشي عمر فوزي بك مارديني أن يتوجها إلى الكويت ليلتقيا في مكان قريب منها الملك عبدالعزيز آل سعود، وقد وعد الشيخ مبارك السيد النقيب بإعلامه عن موعد وصول الملك عبدالعزيز إلى الصبيحية التي تبعد عشرين ميلاً إلى الجنوب من الكويت، ويتوقع الشيخ مبارك أن يبقى الملك عبدالعزيز فيها مدة عشرة أيام.([54])

وكانت الدولة العثمانية قد ألحت على شيخ الكويت أن يقدم النصيحة للملك عبدالعزيز بشأن المحادثات والمفاوضات، لكن شيخ الكويت ظل لا يريد إقحام نفسه في هذه المسألة،([55]) خاصة وأنه الآن بعيدٌ كل البعد عن النفوذ العثماني بعد توقيع معاهدة الحماية مع بريطانيا وظلت علاقته مع الدولة العثمانية ذات طابع يتصف بالمجاملة. فقد أصبح شيخ الكويت محمياً من بريطانيا ، وهي التي تدير شؤونه الخارجية.

ومن الواضح أن الملك عبدالعزيز آل سعود استجاب للدعوة العثمانية والوساطة العربية، وقرر التوجه إلى الصبيحية القريبة من الكويت وهي الخطوة الأولى من خطوات الاجتماع بالمسؤولين العثمانيين. وتجدر الإشارة هنا أن السيد طالب النقيب ووفد المحادثات العثماني كانوا في البصرة ينتظرون باخرة الشيخ مبارك لتنقلهم إلى الكويت.([56]) وقد وصل الملك عبدالعزيز الصبيحية في 27 أبريل 1914م. وكان السيد طالب النقيب ومعه الوفد العثماني قد غادروا البصرة بباخرة شيخ الكويت في 28 أبريل 1914م.

 

اجتماع الصبيحية ومردوده:

تألف الوفد العثماني من السيد طالب بك النقيب رئيساً والبكباشي بهاء الدين بك رئيس الأركان في بغداد والبكباشي عمر فوزي بك وسامي أفندي متصرف الأحساء ويرافقه عمر بك ومحام من مدينة البصرة ومحمد النعمة من أعيان العرب ومن ذوي الأملاك وعبدالوهاب المنديل وعبداللطيف المنديل وكلاهما من ذوي الأملاك ومن الأعيان ويمثلان الملك عبدالعزيز وبصفتهما وكيلين له في البصرة.([57])

ويبدو أن منهجية الاجتماع والمفاوضات بدأت تأخذ طابعاً مباشراً بين المسؤولين العثمانيين والملك عبدالعزيز، وأخذ الوسطاء ينحون جانباً. فأعلن الشيخ خزعل أنه رجل فارسي ولا يهمه مثل هذه المسألة. وأما الشيخ مبارك الصباح فقرر أن لا يدخل نفسه في المحادثات،([58]) علماً بأن بريطانيا كانت ترى أنه لا مانع لديها من أن يعرض الشيخ مبارك الصباح مساعدته وتعاونه في سير المفاوضات.([59])

وأمر مهم جداً وهو أن الدولة العثمانية كانت تفضل أن يتدخل الشيخ مبارك في سير المفاوضات، إلا أنها ظلت لا تفضل ولا تريد وساطة بريطانية بهذا الشأن. وهذا يفسره لنا تأخر الرد العثماني على عرض الوساطة البريطانية،([60]) وبالمقابل ظلت الدولة العثمانية تسعى لإتمام الجهود والمساعي العربية المحلية في إيجاد تسوية ودية بينها وبين الملك عبدالعزيز. ولم يكن شك الدولة العثمانية تجاه نوايا بريطانيا آتياً من فراغ، فقد تأكدت الدولة العثمانية أن هناك مطالب وشروط بريطانية تجاه التسوية، منها أن بريطانيا لا تريد أن تمس المفاوضات مراكز نفوذها في الخليج، وأن يكون لتجارها حرية الحركة التجارية في الساحل الخليجي العربي، بالإضافة إلى منع عمليات بيع الأسلحة، والعمل معاً على منع حالات القرصنة في الخليج([61]) بالمفهوم الذي تراه بريطانيا.

وعندما وصل الوفد العثماني إلى الكويت مكث فيها مدة يومين يناقش المقترحات التي يمكن طرحها على الملك عبدالعزيز بناءً على مجموعة التعليمات والترتيبات الصادرة لوالي البصرة والسيد طالب النقيب من الباب العالي. وقد وصل الوفد العثماني إلى الصبيحية في 2 مايو 1914م([62]) أي بعد وصول الملك عبدالعزيز آل سعود إليها بخمسة أيام. وفي الصبيحية تقابل الوفدان ودارت المفاوضات بينهما. وقد أصر الملك عبدالعزيز على نقطة مهمة جداً وهي الاستقلال، وهو أمر ظلت الدولة العثمانية ترفضه.([63]) كما أن الملك عبدالعزيز ظل يرفض وبشكل مطلق إعادة تمحور القوات العثمانية وتمركزها في بلاده.

ويشير الريحاني إلى أن الشيخ مبارك الصباح شيخ الكويت رفض التوجه إلى الصبيحية مقر المفاوضات السعودية العثمانية، ويبدو أنه ينقم على الدولة العثمانية وعلى وفدها المفاوض ؛ لأنه لم يعين على رئاسته، بل أخذ يحذر الملك عبدالعزيز من أن الدولة العثمانية ووفدها كذابين وماكرين خداعين، وعليه أن يكون صلباً معهم ولا يمكنهم من شيء ولا يصدق ما يقولونه.([64]) وبالمقابل ظلت الدولة العثمانية تطالب بالاحتفاظ بقوات عثمانية في مواني الأحساء كالقطيف والعقير والجبيل، وأن تكون المسؤولة الأولى عن عقد المعاهدات الدولية وتنظيمها.([65]) في حين أصر الملك عبدالعزيز على أن تكون علاقته بالدولة العثمانية علاقة ذات طابع اسمي، مقابل أن تقدم له الدولة العثمانية الأسلحة والذخيرة وبعض المال.([66])

وأمر بدهي أن يكون موقف الملك عبدالعزيز آل سعود في مفاوضاته مع الوفد فيه نوع من الملاينة ؛ لأنه مقتنع تماماً أن مسألة المفاوضات مسألة تكتيكية ذات طابع سياسي وإستراتيجي. وأن كل ما سيتفق عليه سيظل حبراً على ورق ، ولن يخرج إلى حيز العمل والتنفيذ ليس من جانبه فقط، وإنما أيضاً من الجانب العثماني.

ويجب أن لا يغيب عن البال أن الدولة العثمانية كانت دائماً تنظر إلى اتفاقياتها مع آل سعود على أنها اتفاقيات مؤقتة تفرضها ظروف ومصالح معينة . فعلى الرغم من أن الدولة العثمانية تفاوض الملك عبدالعزيز، إلا أنها في الوقت نفسه كانت تجري اتصالات مع آل رشيد في جبل شمر عن طريق واليها في البصرة سليمان شفيق كمالي باشا المشرف العثماني المباشر على المفاوضات العثمانية الجارية مع الملك عبدالعزيز، ليظلوا في حال عداء مع الملك عبدالعزيز، وهي تساعدهم بالمال والسلاح والعتاد. ولكن اندلاع الحرب العالمية الأولى وإعلان الدولة العثمانية الحرب على دول الوفاق أوقف كل المشروعات العثمانية العسكرية في الجزيرة العربية.