مقدمـة:
تتناول هذه الدراسة علاقة الملك
عبدالعزيز بن سعود مع السيد طالب النقيب؛ حيث كان يربط بينهما علاقة أخوية وصداقة
قوية وقديمة، واستمرت هذه العلاقة في الرخاء والشدة، وفي هذا البحث نلحظ أثر الملك
عبدالعزيز بن سعود في إثراء هذه الصداقة والعلاقة مع السيد طالب النقيب، وذلك من
خلال وقوفه إلى جانب صديقه طالب النقيب في محنته الذي كاد أن يتعرض للاضطهاد لولا
وقوف الملك عبدالعزيز بن سعود بكل قوة إلى جانبه ومساعدته في هذا الظرف العصيب.
نجد في هذا البحث حنكة الملك عبدالعزيز
بن سعود في التعامل السياسي، وأسلوبه الدبلوماسي مع بريطانيا، عن طريق الرسائل،
وعن طريق الإقناع والحجة، والشخصية القوية التي نجحت بتحقيق هدفه في تقريب وجهة
النظر البريطانية التي كانت تعد السيد طالب النقيب من أعدائها إلى أن أصبحت تقترب
منه، وتصفح عنه بعد وساطة الملك عبدالعزيز بن سعود.
تعتمد هذه الدراسة على المراسلات
الرسمية بين الأطراف المعنية، أي بين الملك عبدالعزيز بن سعود وبين السلطات
البريطانية، من المقيم السياسي البريطاني في الخليج العربي، والمعتمد البريطاني في
الكويت، والكبتن " شكسبير "، والحكومة الهندية، إضافة إلى رسائل طالب
النقيب.
ترجع أهمية
هذه المراسلات إلى أنها تكشف عن معلومات حقيقية لم تكن متداولة ولم تكن قد عرفت
بعد، كما تعد وثائق مهمة عن حقبة الحرب العالمية الأولى، وما كانت تجرى من
مراسلات، في الوقت الذي كانت المعارك الحربية تدور رحاها في الجبهة الجنوبية من
العراق بين بريطانيا والدولة العثمانية، وكيف كانت تلك الرسائل تكشف الجانب
الإنساني لدى الملك عبدالعزيز بن سعود الذي وقف مع صديقه في هذه الظروف العصيبة .
تشمل هذه الدراسة خلفية تاريخية عن
السيد طالب النقيب والملك عبدالعزيز بن سعود، ثم علاقة عبدالعزيز بن سعود بالسيد
طالب النقيب عندما كان ممثلا للدولة العثمانية قبل قيام الحرب العالمية الأولى، ثم
التجاء السيد طالب النقيب إلى الملك عبدالعزيز بن سعود في نجد، ثم كيف مارس
الملك عبدالعزيز بن سعود ضغوطا على
بريطانيا من خلال الرسائل من أجل صديقه السيد طالب النقيب، ثم نجاح جهود الملك
عبدالعزيز بن سعود لصالح السيد طالب النقيب.
خلفية
تاريخية عن السيد طالب النقيب:
يرجع نسب السيد طالب إلى أسرة عريقة
ومعروفة في البصرة، أسرة " آل النقيب" في منطقة "مندلي" ،
ويرجعون في نسبهم إلى السيد أحمد الرفاعي المكنى "بأبي العلمين"، من
سلالة الإمام الحسين بن علي، وكان لهم نفوذ كبير في "البصرة"، ولكنه
مقصور على "النقابة" وحدها، دون أن يزجوا أنفسهم في ميدان السياسة أو
المناصب الحكومية في الغالب، ولما تولت الدولة العثمانية لم تقلل من احترام منصب
نقابة الأشراف؛ فقد جعلت للنقيب المقام السامي في التشريفات الرسمية، وقدمته على
سائر رجال الدولة، بل على الصدارة ومشيخة الإسلام، وبالرغم من كل ما تقدم عن أسرة
"آل النقيب" في البصرة فلم يزج أحد منهم نفسه في ميدان السياسة، أو يطرق
بابها أو يحاول منافسة الولاة بصورة مكشوفة ظاهرة واضحة سوى السيد طالب النقيب
الذي لم يدخل الميدان السياسي حتى سطع ضوؤه، وعلا في الأفق نجمه، ففاق الكثير في
هذا المضمار ؛ حيث يتابع قوله عن ذلك الشيخ حسين خزعل:(1)
كان السيد طالب النقيب ذا شخصية
متعاظمة قوية، تزينها رقة الشمائل والوقار والاتزان والهيبة والاحترام، لينا وقت
اللين شديدا في وقت الشدة حسن الفطنة وافر الذكاء كريماً سخياً بالرغم من عدم
ثرائه، وكثيرا ما ألجأته الأحوال والكرم لتمشية مصالحه إلى ابتزاز المال من بعض
أثرياء البصرة الخاملين، ولم يكن يتورع عن الإقدام على أخطر المجازفات في سبيل
تحقيق غايته ولا يصده عنها شيء، وكان يلتزم أصدقاءه وحلفاءه، ويخلص لهم إلى أعلى
درجات الإخلاص، ويبطش بخصومه ومناوئيه دون تساهل ولا رحمة، مهما كانت منزلتهم من
العلو والمنعة، وعلى هذا فقد قويت علاقاته الودية مع الشيخ مبارك الصباح، والشيخ
خزعل، والملك عبدالعزيز بن سعود، فلم تنقطع بينهم الصلات، وتبادل الهدايا واستمرار
المراسلة، فكانوا يشدون أزره في نضاله ضد أعدائه ومناوئيه، ويمدونه بالمال
والسلاح.
فخشيت الدولة العثمانية أخيراً خطره ،
فعزمت بأن تقضى على نفوذه في البصرة، وتكسر حدة جماحه، ورأت أن ذلك لا يتم على يد
الولاة السابقين، وأن الضرورة تحتم عليها أن تسند ولاية البصرة لوالٍ قوي الشكيمة،
ومن ذوي الخبرة والجد، فوقع اختيارها على سليمان شفيق باشا كمالي ، وأرسلته إلى
"البصرة"، وأرسلت معه عددًا كبيرًا من الجند، وزودته بصلاحيات واسعة،
وكان الهدف الأكبر من إرساله لولاية البصرة الإقلال من سلطة السيد طالب النقيب،
وأوصت الوالي بالقضاء على نفوذ طالب النقيب، والقضاء عليه، ولو أدى ذلك إلى قتله،
ولكن لما وصل الوالي الجديد إلى البصرة، وجابه الحقائق وجهًا لوجه، وشاهد الواقع
بعينه انصرف عما أوفد من أجله، ورأى أن من السياسة والمصلحة العامة والخاصة تقضيان
بمسايرته ومصافاته، والتمشي معه جنباً إلى جنب دون أن يحرك ساكناً، فيحدث ما لا
تحمد عقباه، وباتباع هذه السياسة تمكن من تحسين علاقة الدولة العثمانية بالملك
عبدالعزيز بن سعود بواسطة جهود السيد طالب النقيب، وكذلك استمال الشيخ مبارك
والشيخ خزعل إلى جانبه.(2)
خلفية تاريخية عن الملك
عبدالعزيز بن سعود:
ولد الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن بن فيصل
آل سعود عام 1877م في مدينة الرياض، وقد صحب أباه أثناء تنقله في بادية الأحساء
على إثر مغادرتهما نجد عام 1891م إلى الكويت، وفي أوائل عام 1901م وجد الملك
عبدالعزيز أن الفرصة مناسبة لاسترجاع الرياض، وزحف عليها بجيش صغير، ولكنه اضطر أن
ينسحب بعد أربعة أشهر، ولكن ذلك لم يثن الملك عبدالعزيز عن عزمه ، فعاد يزحف إلى
الرياض مرة ثانية بعدد قليل من الرجال ، واستطاع دخول مدينة الرياض ومحاصرة
قلعتها، وفي صباح يوم 15 يناير 1902م استطاع أن يقضي على حاكم المدينة الذي كان
عاملاً لابن رشيد، وكانت سيطرته على الرياض منعطفاً تاريخيًا في حياة السعودية،
وبداية عهد جديد في تاريخ الأسرة السعودية، (3)
أدرك الملك عبدالعزيز أنه أصبح قادرًا على تصفية حسابه مع العثمانيين في الأحساء
إذ كان يدرك بأن الأحساء منفذ بلاده الوحيد إلى الخليج العربي الذي يمكن أن يصله
بالعالم الخارجي، وكان الملك عبدالعزيز يراقب الأحداث، ففي عام 1911م اندلعت الحرب
الإيطالية العثمانية، ثم تبعتها الحرب العثمانية البلقانية عام 1912م، فانتهز
الفرصة، وراح يعد العدة للزحف على الأحساء، وفي إبريل عام 1913م زحف بجيش قوامه
ستمائة جندي إلى آبار "الخفس"، ومنها إلى الأحساء، ونزل على بعض آبار
المياه القريبة من مدينة "الهفوف"، وفي مساء يوم 8 مايو 1913م استطاع الملك عبدالعزيز مع رجاله أن يستولي على
القلعة، وفي صباح اليوم التالي استسلم متصرف الأحساء وجنود الحامية ، فأعطاهم
الأمان ، وقام بترحيلهم إلى "العقير"، ومنها إلى البحرين، ولقد حاول
العثمانيون مهاجمة الأحساء من البحرين، ولكنهم فشلوا، ولقد احتج الملك عبدالعزيز
على السماح للعثمانيين باتخاذ البحرين مركزاً للاعتداء على سواحله، ولما أدرك
العثمانيون أن لا فائدة من محاولاتهم استعادة الأحساء بعثوا إليه وفدًا رسميًّا
برئاسة طالب النقيب ، فاجتمع به في "الصبيحة" 1إبريل 1914م في جنوب
الكويت ، وعقد الصلح والاتفاق بينهما. (4)
علاقة السيد طالب النقيب بالملك
عبدالعزيز قبيل الحرب العالمية الأولى:
رشحت الدولة العثمانية السيد طالب
النقيب برئاسة الوفد العثماني لأجل التوصل إلى الصلح واتفاق مع ابن سعود، وذلك
بعدما أصبح يسيطر على الأحساء، فقد جاء في رسالة المعتمد السياسي البريطاني في
الكويت إلى المقيم السياسي البريطاني في بوشهر في 3/4/1919م أن أبعث إليكم لإطْلاع
حكومة الهند للرسائل المشار إليها أدناه والتي وصلت من شيخ الكويت مؤخراً فيما
يتعلق بالأحوال الراهنة في نجد، ومن ضمن هذه الرسائل رسالة من السيد طالب النقيب
الذي كان قد وصل من البصرة قبل يومين، وطلب من الشيخ مبارك التوسط بينه بصفته ممثل
الدولة العثمانية وبين ابن سعود، وذكر الشيخ مبارك أنه لا يرى أن يساعد أيا من
الطرفين، ويرفض أن يبحر إلى تلك القضية أو أن يعطي أية نصيحة، ومع أنه يتعاطف مع
الطرفين في رغبتهما في تجنب سفك الدماء أو كل ما من شأنه أن يخلق العداوة بين
المسلمين إلاّ أن عليه أن يبقى مخلصا لصداقته الطويلة لعبدالعزيز بن سعود.
جاء في رسالـــة السيد طالب النقيـــب
إلى الشيخ مبـــــارك في 28 مارس 1919م "بأنـــه قد عاد البكباشي السيد عمر
فوزي ممتنا من أفضالكم، وأن تسوية شؤون نجد قد أنيطت بسعـــادة الوالي الذي كتب
إلى سعادتكم رسالــة أرفقها بطيه، ولما كنتم سعادتكم أول من نستعين بآرائهم نرجو
مساعدتكم الفعالـــة في هذا الأمر الخطير؛ لكي يستطاع المضي فيها بنجاح كبير، نرجو
التفضل ببيان ما ينبغي عمله في هذا الشأن والســلام" (5) .
نجد مما ذكرناه سابقا أن الشيخ مبارك
لم يكن يحبذ التوسط، ورفض أن يعطي رأيه أو تقديم مساعدة في هذا المجال.
عندما لم يجد السيد طالب النقيب أي
مساعدة من الشيخ مبارك كتب مباشرة إلى الملك عبدالعزيز بن سعود لإيجاد اتفاق بين
الطرفين، فقد رد الملك عبدالعزيز بن سعود بقوله: "سررت كثيرًا بتسلم خطابكم
الذي تعبرون فيه عن ولائكم للحكومة العلية (الباب العالي)، وهو الولاء الذي
أشارككم إياه، وكما تعلمون يا أخي فإنني أول من يرجو الخير للحكومة والبلاد، وإني
بحزن كبير أطلب منكم أن تعرضوا على الأشخاص المسؤولين عن القضية، إنه بالرغم من
أنني لا أحيد في ولائي للإسلام أو أتخلف عن طاعة الباب العالي، إلا أن هناك أمورًا
لا أستطيع أن أقوم بها، أرجوك أن تقدم أطيب تمنياتي إلى أنور باشا وزير الحربية
الحالي، وتؤكد له بأني أنا أيضاً أرغب في وحدة الإسلام، وجمع شمل القلوب المتفرقة،
كما أني أود أن أعرب عن امتناني إليه لإيفاد سعادة السيد عمر فوزي بك لإقامة
علاقات ودية وعلى الهدية التي حملها معه، وهي القرآن الكريم.
ولكن لا يخفى عليكم أن الوضع في بلادنا
يجتاز ظروفاً غريبة جدًا، لا يمكن وصفها، وأني لست المسؤول عن هذا، إذا كانت
الحكومة ترغب حقا في حماية البلاد من الأخطار المختلفة وجمع الإسلام في طاعة
الخلافة فهذا يمكن تنفيذه فقط بالأساليب الدبلوماسية على أن يعقب ذلك إصدار بيان
بهذا الخصوص، وأنه يتوجب على الباب العالي أن يقوم بهذا مع هؤلاء الناس– الحكومة
البريطانية– ، وهم الذين بسبب خصائصهم الطيبة يساعدون على نشر الهدوء بين شعوب
العالم، إننا نعرفهم ، ونعتمد عليهم ، ولا نرغب في الإساءة إليهم بانتقاض عهدنا
معهم، وتنقل تأكيداتي على صداقتي إلى جميع الجهات المعنية" (7) .
نلحظ من خطاب الملك عبدالعزيز أنه
استخدم الدبلوماسية مع العثمانيين بعدم إعطائهم الفرصة في التدخل في شؤونه
الداخلية، وعن تأكيده بولائه للإسلام، كما أنه يريد أن يتوصل إلى تفاهم مع
العثمانيين، وأنه مع وحدة الإسلام وجمع كلمة المسلمين، ويوضح الملك عبدالعزيز بأن
المنطقة تجتاز مرحلة عصيبة، وأنه ليس المسؤول عمـا يجري فيها من الأحداث، ولهذا
فإنه يرى أن يحدث التفاهم بالطرق السلمية والدبلوماسية، وأن يتوصل العثمانيون إلى
تفاهم مباشرة مع البريطانيين في القضايا التي تتعلق بالمنطقة.
أخبر السفير البريطاني في إسطنبول
قنصله في البصرة بأن العثمانيين لا يفكرون في القيام بعمل عسكري ضد عبدالعزيز بن
سعود، وأنه علم بشكل سري من وزير الداخلية أن ترتيبات قد اتخذت عن طريق شيخ الكويت
والسيد طالب النقيب من أجل حل سلمي، وأن الشروط قد اتفق عليها مع العرب، وأجاب
القنصل البريطاني في البصرة بقوله: إن السيد طالب النقيب قد أكد إلى حد ما، ثم
قال: إنه وشيخ الكويت يحاولان الوصول إلى ترتيبات، ولكن عبدالعزيز يرغب في أن يصبح
أميرًا مستقلاًّ، ويرفض قبول قوات عثمانية، وأن السيد طالب النقيب يتوقع حلاً
سلميا.(8) وكتب المعتمد السياسي البريطاني في الكويت إلى
المقيم البريطاني في الخليج يقول: إنه استلم رسالة من السيد طالب النقيب، يقول:
إنه سوف يحضر إلى الكويت للمشاركة في تقديم وسام عثماني للشيخ مبارك، ويعرب عن
أسفه لعدم تمكنه من القيام بدور الوسيط في مفاوضات مع عبدالعزيز، وأن هدفه ووالي
البصرة أن يستخدم الكويت كقاعدة للتفاوض مع عبدالعزيز (9) ،
وأن طالب النقيب قد أرسل رسالة إلى أنور بك يذكر فيها عجز الأمير عبدالعزيز بن
سعود عن الدخول في مفاوضات، وذلك بناء على الرسالة التي كان قد بعث بها الأمير
عبدالعزيز بن سعود إلى طالب النقيب. (10)
تغيرت خطط العثمانيين بشأن المفاوضات مرة
أخرى، فقد عهد إلى السيد طالب النقيب مهمة المفاوضات مع الملك عبدالعزيز للمرة
الثانية مع إعطائه صلاحيات أكثر، فقد بعث السيد طالب النقيب برسالة إلى المعتمد
البريطاني في الكويت، يفيد فيها بأن إدارة هذه الأمور قد عهدت إليه، وأنه سوف
يتوجه إلى الكويت بصحبة البكباشي سيد عمر فوزي بك رئيس أركان القوات المسلحة في
البصرة، وقد وعد الشيخ مبارك أن يخبر السيد طالب النقيب بموعد وصول عبدالعزيز بن
سعود إلى "الصبيحة" التي تبعد عشرين ميلا جنوب مدينة الكويت (11) ،
وقال السيد طالب النقيب: إنه ليست هنالك أي ترتيبات تتخذ؛ ولكنه على اتصال مع حقي
باشا الذي يدرس الشروط المطلوبة بشأن الأحساء، وأنه لم يتصل بعبدالعزيز بعد، وأنه
بانتظار التعليمات من إسطنبول، وأنه قيل لطالب النقيب بأن يتخذ أفضل ما يستطيع
اتخاذه من إجراءات وأنه على اتصال مع الأمير عبدالعزيز عن طريق شيخ الكويت، وأن
السيد طالب النقيب ينتظر باخرة الشيخ مبارك لكي يتوجه إلى الكويت مع الوفد. (12)
وصل السيد طالب النقيب إلى الكويت وكتب
إلى إسطنبول طالباً تعليمات أدق بالنسبة للشروط التي سيبحثها مع عبدالعزيز، وأنه
قد سمع أن الموضوع مازال قيد البحث، ولكن التعليمات سوف ترسل إليه (13)،
وتتكون اللجنة من السيد طالب النقيب رئيسًا، والبكباشي بهاء الدين بك رئيس الأركان
في بغداد، والبكباشي عمر فوزي بك رئيس الأركان في البصرة، وسامي أفندي متصرف
الأحساء يرافقه عمر بك، ومحارم من البصرة ومحمد النعمة، وعبدالوهاب المنديل،
وعبداللطيف المنديل، وكلاهما من أعيان البصرة ومن ذوي الأملاك ، ويمثلان عبدالعزيز
بن سعود كوكلائه في البصرة .(14)
كتب الضابط البريطاني النقيب
"شكسبير" الذي كان في الكويت تقريراً إلى السير "آرثر هيرتزل"
الوزير في حكومة الهند البريطانية في 26/6/1914م يصف السيد طالب النقيب بقوله:
"في الأوراق التي أرسلتها إليّ وكذلك في الأوراق التي وصلتني بالطريق الرسمي
في الكويت لاحظت أن السيد طالب النقيب من البصرة يعتبر نفسه حلالاً لكافة مشاكل
الجزيرة العربية والعراق، ولا أستطيع أن أفهم كيف اكتسب هذا اللقب، أو كيف استطاع
أن يحتفظ به في تقارير موظفينا.
فالرجل قوي وعنيد وعديم الضمير، يغرق
في الديون ، ثم يصبح ملحاحاً، وماضيه حافل بست جرائم أو أكثر، وهو يتحكم بالبصرة
بواسطة عصابة من الرجال المسلحين الذين يحتلون بيته هناك بما هو أشبه بقلعة،
ويخرجون من هناك لتنفيذ رغبات سيدهم في تعبئة خزائنه بالأموال عند اللزوم.
ولا يستطيع أي والٍ على البصرة أن يقوم
بعمله الإداري ما لم يوافق أولاً أن يصبح أداة طيعة في يد السيد طالب النقيب،
ويقوم الأمير عبدالعزيز بن سعود والشيخ مبارك الصباح والشيخ خزعل بإمداده بدفعات
شهرية أو سنوية فقط ليحموا أنفسهم من طلباته المفرطة المصحوبة بالتهديد، وعلى أي
حال فلا يثق أي من هؤلاء الشيوخ بالسيد طالب النقيب ليفاوض نيابة عنهم، ويقوم
السيد طالب النقيب بإقناع الحكومة المركزية لتوكيله ليكون مندوبها في حل المشاكل
في العراق، وغالباً ما يكون الوالي المحلي من أكبر مؤيديه، لسبب بسيط وهو أنه ما
لم ينل السيد طالب النقيب نصيباً مما يتوافر في مثل هذه المناسبات فإنه يعمل على
ألا تحل الأمور".(15)
ليس صحيحاً ما ذكره الضابط البريطاني
"شكسبير" عن السيد طالب النقيب في رسالته أعلاه، حيث كان الأخير يرتبط
بعلاقات أخوية وقوية وصداقة متينة مع الأمير عبدالعزيز بن سعود الذي كان يساعده في
تسيير الأمور الإدارية والخاصة للسيد طالب النقيب الذي ينتمي إلى أسرة عريقة
ومعروفة، ويحتاج إلى مصاريف لضيوفه ورجاله؛ حيث لديه التزامات أسرية وقبلية، وكان
الملك عبدالعزيز يفهم ويقدر ذلك، وكان كريماً مع السيد طالب النقيب وغيره من رجال
القبائل في المنطقة، وكان التحامل من الضابط البريطاني راجعاً إلى كونه يعمل مع
الدولة العثمانية التي كانت قد اتخذت مواقف عدائية من بريطانيا، إضافة إلى كراهية
السيد طالب النقيب للاستعمار البريطاني؛ حيث كان ينتمي إلى الطبقة الوطنية
العربية، وذلك قبل الاحتلال البريطاني للبصرة؛ حيث كان من رجال السلطان عبدالحميد
الثاني ومؤيديه الذي يدعو إلى الجامعة الإسلامية، ومن هنا كانت كراهيته
للبريطانيين، كما كان معاديًا للفكرة القومية التركية التي نادى بها رجال الاتحاد
والترقي ضد القومية العربية عامة والجزيرة العربية خاصة، مما سوف يتعرض أيضًا إلى
اضطهاده ، ومن ثم يلجأ إلى الملك عبدالعزيز.
التجاء السيد طالب النقيب إلى
الملك عبدالعزيز بن سعود:
أدى السيد طالب النقيب عملاً مميزا
ومهما لدى السلطات العثمانية، كما نجح في عقد صلح واتفاق بين الدولة العثمانية
والملك عبدالعزيز بن سعود، ولكن أثناء الاحتلال البريطاني لجنوب العراق ودخول
القوات البريطانية إلى البصرة استطاع السيد طالب النقيب أن يهرب ويتوجه إلى
الكويت، ومن ثم إلى نجد، ليقابل عبدالعزيز بن سعود ليساعده في محنته ؛ فقد كانت
القوات البريطانية تطارده، وكان مطلوبا لدى بريطانيا، وبعث الضابط البريطاني
"شكسبير" برسالة في 20 نوفمبر 1914م إلى المقيم السياسي البريطاني في
الخليج العربي عن السيد طالب النقيب يقول فيها:
أحطت علماً بمناورات السيد طالب
النقيب، وبأنه– نظرًا لهروبه إلى الكويت– فمن الخير أن يبقى هناك، ولكنه قد غادر
يوم 16 نوفمبر 1914م مع مجموعة صغيرة من
الأتباع ، عددهم خمسون رجلا، وكانت وجهته الظاهرة إلى "نجد" لغرض مقابلة
عبدالعزيز بن سعود، وكان العثمانيون قد أمروا السيد طالب النقيب أن يذهب إلى نجد،
وذلك للحصول على تعاون مع عبدالعزيز، ونظرًا لشعوره بالقلق على وضعه هو في حالة
احتلال البريطانيين للبصرة حاول السيد طالب النقيب الحصول على بعض الشروط من
الحكومة البريطانية، ويبدو أن أخبار مفاوضاته قد بلغت الموظفين العثمانيين في
البصرة؛ لأن السيد طالب النقيب بات يخشى العواقب الوخيمة التي ستعود عليه وعلى
عائلته فيما إذا بقى في البصرة، وبالتالي انتقل إلى الكويت أخيراً مع كثير من
الخوف على حياته، ومن هناك قام بمزيد من المبادرات بواسطة المعتمد السياسي
البريطاني في الكويت، ولما أبلغ إليه جواب المقيم السياسي البريطاني في الخليج
العربي السير "برس كوكس" الذي كان سأله أنه يجب أن يبقى في الكويت
كعربون لولائه وبصفته رهينة، لضمان حسن سلوك جماعته في البصرة، يبدو أنه قد أوجس
خيفة مرة أخرى، وقد أخبر الشيخ مبارك الصباح أن طالباً النقيب قد غادر سرًا إلى
الجهرة في طريقه إلى "بريدة" لمقابلة الملك عبدالعزيز بن سعود دون أن
يودع الشيخ مبارك، وعلى الرغم من أنه كان ضيفا في داره، ولا يبدو أن هنالك شكا
كبيرا في أن مخاوف السيد طالب النقيب من العثمانيين كانت حقيقية، أما أهداف زيارته
إلى الملك عبدالعزيز فقد تكون واحدا مما يأتي: (16)
1-
الحصول على ملجأ لدى الملك
عبدالعزيز بن سعود.
2-
تنفيذ تعليماته الأصلية من الباب
العالي لتجنيد العرب ضد البريطانيين.
3-
استخدام عطف الملك عبدالعزيز بن
سعود، ونفوذه للحصول على شروط مرضية لنفسه من البريطانيين.
يقصد شكسبير في رسالة إلى المفاوضات
التي جرت في البصرة بين طالب النقيب والبريطانيين بواسطة الشيخ مبارك الصباح، وذلك
قبل دخول البريطانيين البصرة، وذلك عندما أعلنت الدولة العثمانية الحرب ضد الحلفاء
في 28 أكتوبر 1914م، فكانت بريطانيا قد أعدت حملة على البصرة قبل إعلان العثمانيين
الحرب، واستعدت لها عن طريق إقامة علاقات مع قبائل عربية في جنوب العراق، وطلبت
بريطانيا من الشيخ مبارك الصباح أن يفاوض السيد طالب النقيب ؛ لكي ينضم إلى جانبها
، فتوسط الشيخ مبارك، وحاول إقناع طالب النقيب أن يقف إلى جانب بريطانيا، ولكن
السيد طالب النقيب اشترط شروطاً كثيرة مقابل وقوفه مع بريطانيا التي لم توافق على
شروط السيد طالب النقيب، وبذلك فشلت المفاوضات بين الجانبين، ثم تلتها مفاوضات
أخرى، ولكنها لم تثمر أيضاً ، ولم تؤدِ إلى النتيجة التي كان يرغبها البريطانيون ،
وبقي كل من البريطانيين وطالب النقيب متمسكاً برأيه، واستمر الحال على ما هو عليه
حتى قرر السيد طالب النقيب ترك البصرة إلى نجد لمفاوضة الملك عبدالعزيز بانضمامه
إلى جانب الدولة العثمانية، فسافر من البصرة في 5 أكتوبر 1914م . (17)
يتابع
الضابط البريطاني شكسبير تقريره عن طالب النقيب فيقول:
" وعلى أي حال فإن مظهر الرجل
مقنع ظاهريًّا، وهو عديم المبدأ بدرجة تجعل من غير المرغوب فيه أن يصل إلى الأمير
عبدالعزيز بدون تحذير الأخير مسبقاً، ولذلك فقد انتهزت فرصة بعد التشاور مع
المعتمد السياسي في الكويت لإرسال كتاب تحذير إلى الأمير عبدالعزيز، لا بد أن يصله
بطريقة أخرى قبل أن يتمكن السيد طالب النقيب من الوصول بيوم أو أكثر، إن الأمير
عبدالعزيز على علم تام بأخلاق السيد طالب النقيب، وليس لديّ شك في أنه سيكون حذراً
في تعامله معه، وأن كون الشيخ مبارك على علم بنيات السيد طالب أمر محتمل على الرغم
من أنه يدعي خلاف ذلك، أما كونه مرتاحًا لمغادرته فمؤكد؛ لأن وجود السيد طالب في
قصره ضيفاً أو لاجئاً قد وضع الشيخ مبارك بدون شك في وضع صعب إزاء البريطانيين،
وكذلك لا أعتقد أن اختفاءه عن الكويت فيه فائدة لنا، وبهروبه فإنه لم يرفض فقط
عروضنا الودية، بل كذلك وضع نفسه في موقف مغلوط بشكل لا يبشر بأي أمل، وبحيث
يجعلنا في حل من أية التزامات كنا مستعدين لتحملها مؤقتا، إن حجزه بالقوة ربما كان
سيؤدي إلى تحول المشاعر العربية ضدنا، في الوقت الذي اعتقد فيه أن قدرته على الشر
في الصحراء مع الأمير عبدالعزيز هي أقل بكثير مما كان يمكن أن تكون عليه
الكويت".(18)
تخوفت بريطانيا من وصول طالب النقيب
إلى الملك عبدالعزيز ومحاولة إقناعه للوقوف مع الدولة العثمانية ضد بريطانيا ،
ولهذا نجد شكسبير يرسل خطاب تحذير إلى الملك عبدالعزيز بصورة مستعجلة قبل أن يتمكن
السيد طالب النقيب من الاجتماع بعبدالعزيز المعروف عنه بأنه حذر في مثل هذه الأمور
وأن هروب السيد طالب النقيب من الكويت إلى نجد قد يكون في مصلحة بريطانيا على حسب
قول شكسبير ، كما أنه أعطى فكرة غير حسنة لبريطانيا بأنه غير مستعد لقبول الشروط
البريطانية، ومن ثم بأنه يعمل ضد بريطانيا ، كما أن فكرة وضع طالب النقيب كرهينة
تحت السيطرة البريطانية قد يجلب المتاعب إضافة إلى إثارة المشاعر القومية العربية
المعادية لبريطانيا لدى العرب عامة، وفي جنوب العراق خاصة.
استطرد
شكسبير تقريره قائلا:
" وفي الوقت نفسه نظراً للنفوذ
العظيم الذي تتمتع به أسرة النقيب في البصرة فإنني أرى أنه سيكون من حسن السياسة
معاملتها برعاية خاصة، وإذا كان لي أن أقترح فإننا إذ نتجاهل السيد طالب النقيب
يجب أن نلتمس تعاون والده السيد رجب النقيب، وهو مسن جدًّا ، ويميل إلى
البريطانيين بصورة مرضية ، وله أملاك ودور في "بومباي"، وهو غير راض
بشدة عن أساليب ولده الأكبر، وقد سمعت من مصدر موثوق أنه قاوم فعلا محاولات بعض
أفراد عائلته ممن هم أصغر سنا لاتخاذ استعدادات فعالة في داره في
"السبيليات" ضد الاحتلال والزحف البريطاني، مكتفيا باستعدادات ظاهرية
تكفي لإنقاذه من انتقام العثمانيين، ولو وجهت مبادرات من هذا النوع إلى السيد طالب
النقيب فأعتقد أنها لم تكن لتقابل بالترحيب فقط، بل للقيت استجابة مخلصة، وفي هذه
الأثناء يمكن ترك السيد طالب النقيب يدبر أموره بنفسه إلى أن يختار المجيء، كما لا
بد له أن يفعل في رداء الولد المبذر النادم حيث يمكن معاملته على حسب ما تقتضي
الظروف، إن شيئا من الاعتراف بمكانة السيد رجب كنقيب للبصرة لا بد أن يحدث ردة فعل
طيبة لدى الرأي العام المحلي، ويؤثر في تسهيل تقدمنا نحو البصرة وما وراءها. أما
فيما يتعلق بالأمير عبدالعزيز، إنني شخصيا لا أظن أن لسان السيد طالب النقيب اللبق
سيكون له تأثير كبير عليه، إنني لا أزال بانتظار جواب من عبدالعزيز".(19)
نجد شكسبير في هذا التقرير يضع
المقترحات التي يمكن لبريطانيا بمقتضاها التعامل مع السيد طالب النقيب، وخاصة مع
أسرته في البصرة أثناء الوجود البريطاني هناك نظرًا لما تتمتع به هذه الأسرة من
مكانة، إضافة إلى وجود أملاك في الهند بمدينة بومباي، كما أن والد السيد طالب
النقيب يمكن معاملته معاملة خاصة.
بعث الكابتن "شكسبير" رسالة
إلى الملك عبدالعزيز يحذره فيها من السيد طالب النقيب ؛ إذ جاء فيها: "في
الحقيقة إنني سمعت في الكويت أن السيد طالب النقيب هرب من العثمانيين في البصرة
إلى الكويت، وبعد بضعة أيام هنا هرب إليكم، وقد أخبرنا صديقنا المحترم الشيخ مبارك
الصباح عن ألاعيبه وشروره، وإنني أنتهز الفرصة أيضا لأشرح لكم الأمور الغريبة التي
قام بها، وإن سعادتكم أعلم مني أي رجل هو، وأرجوكم أن تكونوا حذرين في أحاديثكم
معه، وعلى أي حال فقد يهمكم أن تسمعوا أن السيد طالب النقيب قد وجه إلى الحكومة
البريطانية بعض المطالب الكبيرة، وتسلم جواباً منها مع وعود قيل له معها: إن ما
ستتفضل به عليه سيكون على حسب مساعدته لها وجهوده في سبيل ترسيخ السلم والنظام، إن
السيد طالب النقيب لم يقبل هذه الشروط، أما هل كان ذلك بنتيجة الطمع أو رغبة في
إلحاق الأذى والشر فعلم ذلك عند الله، وإننا لم نطلب معونته، ولكنه لما كان من رجالات
البصرة ونظرًا لصداقتنا مع والده المحترم فقد وافقنا على الحفاظ على مكانته بين
الناس، بشرط أن يعمل معنا مخلصا لترسيخ السلام وحفظ النظام بين السكان المحليين،
هذا ما لزم بيانه، وإنني في الحقيقة بانتظار ردكم الكريم".(20)
نلحظ حرص شكسبير في عدم سماع الملك عبدالعزيز
وجهة نظر السيد طالب النقيب والتخوف من وقوف الأول ضد بريطانيا، مما جعله يبعث
برسالة تحذيرية مستعجلة، وبأن بريطانيا قد عرضت عليه عروضاً كثيرة وسخية، إلا أن
السيد طالب النقيب هو الذي رفض الشـــروط والعروض والتعاون معها، وأن احترام
بريطانيا لطالب النقيب راجع إلى مكانة والده بشرط ألا يقوم السيد طالب النقيب بأي
أعمال معادية لبريطانيا .
بعث "شكسبير" رسالة أخرى إلى
المقيم السياسي البريطاني في الخليج العربي بشأن رسالة إلى الملك عبدالعزيز بقوله:
تلحظون أن اللهجة ودية ولكن بحذر، وقد سمعت من مصادر أخرى أن السيد طالب النقيب قد
وصل إلى مخيم الأمير عبدالعزيز قبل رسالتي التحذيرية بيومين، ومن الممكن أن يكون
الرجلان قد بحثا بشكل واف الضمانات التي نقلت إلى الأمير عبدالعزيز (21) ،
رد الملك عبدالعزيز بن سعود على الضابط البريطاني "شكسبير" مدافعا عن
صديقه السيد طالب النقيب مصححًا الفكرة الموجودة عند البريطانيين بقوله:
"ذكرتم أن السيد طالب النقيب قد هرب من العثمانيين عندما كنتم في الكويت،
وأنا أعتقد أن هذا غير صحيح، وإذا اجتمعنا أنت وأنا فسوف تتأكد من الحقيقة، وأن
مسلكه هو عكس ما تعتقدون، وبالنسبة لي فأنتم تعلمون مودتي القلبية، وأنا لا أصدق
كلام متآمر أو ناصح إلا إذا وجدته (طالب النقيب) رجلاً طيباً، وكل جهدي موجهه
لتحسين وضعي وحماية ديني وشرفي، وأنتم تعلمون أنني شخص يود (طالب النقيب) أن يبقى
هادئا وساكنا حتى لا يتضرر (وضعي)، ولكن في هذه الأوقات المضطربة فإن أصدقائي من
شيوخ العرب قد يستاؤون مني (إذا لم أتصرف على حسب رغباتهم) فلا يصبح أمامي سوى أن
أضحي بحياتي وثروتي من أجلهم في جميع الظروف، وأملي قوي بالله ثم بالحكومة
البريطانية بأن الأمر سوف يدبر كما ينبغي لحماية الدين والشرف، وإن شاء الله عندما
يحصل الاجتماع فسيكشف الجانبان عن الأهداف الحقيقية ، وآمل من الله عز وجل أن نتفق
على ما فيه صالح الدين والناس".(22)
كتب المقيم السياسي البريطاني في
الخليج العربي رسالة إلى حكومة الهند يقول فيها عن تعاطف الأمير عبدالعزيز مع
السيد طالب النقيب:"وهو كذلك يتوسط كي نعامل معاملة طيبة للسيد طالب النقيب
الذي يقول: إنه التجأ إليه كصديق له، وأخيراً يوصينا خيرا بأتباعه في
البصرة". (23) كما بعث السفير البريطاني
بدرجة وزير مفوض في طهران برسالة إلى المقيم السياسي البريطاني في الخليج العربي
يقول فيها: أرسل الوكيل القنصلي العثماني في "لنجة" البرقية التالية إلى
سفيره في طهران، وحيث إن البرقية قد سلمت في بندر عباس عندما كان ذلك المكتب
يتعامل مع "بوشهر" بلغة عامية، فربما تكون البرقية قد أفلتت من الرقابة،
وأرسل ترجمة لها، تبدأ: "تسلمت معلومات من مصدر موثوق أن السيد طالب النقيب
ووهيب زاده وشيخ الكويت قد تحولوا إلى خونة للدولة والعقيدة، فقد قاموا مع عدد من
العرب الجبناء الذين لا عقيدة لهم ولا يتمسكون بدينهم بمساعدة الجيوش البريطانية
مع مهاجمة البصرة واحتلالها، فلتحل لعنة الله والناس على مثل هؤلاء العرب الخونة
الذين مرغوا اسم العرب في الوحل".(24)
نلحظ من ذلك معاناة السيد طالب النقيب
الذي هرب من البريطانيين خوفاً من أن يعتقلوه، حيث كان مطلوباً لها نظراً لمواقفه
السابقة ضد بريطانيا، كما أصبح مطلوبا من العثمانيين الذين يعدونه خائناً، ولهذا
كان موقف الملك عبدالعزيز بن سعود إنسانيا أكثر منه سياسيا أو اجتماعيا لوقوفه إلى
جانب صديقه القديم الذي يعاني الأمرين سواء من العثمانيين أو البريطانيين، وليس له
مكان يحتمي به أو يلجأ إليه، وهذا ما كان يحس به الملك عبدالعزيز ، ولهذا وقف إلى
جانبه في محنته بكل قوة وصلابة.
أصبـــح السيــــد طالب النقيب في هذه
المدة يلازم الملك عبدالعزيز ، ويقف إلى جانبه، (25)
في حين كان رد نائب الملك في الهند إلى وزارة الهند في لندن على طلب الملك
عبدالعزيز بالتوسط لصالح طالب النقيب بقوله: "أبلغت ابن سعود قبل ثلاثة أيام
ردا على رسالته الأولى بأن ليست لدينا خطط عدوانية ضد السيد طالب النقيب، وإنني
كما أبلغت والده هنا لا أعدّ وجوده في البصرة مرغوبا فيه حاليا، ولكنني سأكون
مستعدًا بعد مدة قصيرة عندما تكون الأمور قد استقرت لمقابلته في الكويت أو أي مكان
مناسب آخر، وإنني إذا اقتنعت عندئذ بأنه يرغب في أن يكون مواليا ومساعدا لنا فقد
أوصي بالسماح له بأن يعود تحت شروط مناسبة"(26) ،
وقد وافقت حكومة الهند على تلك المقترحات التي أوصى بها "كوكس" المقيم
السياسي البريطاني في الخليج العربي. (27)
أرسل "كوكس" المقيم السياسي
البريطاني خطاباً إلى حكومة الهند جاء فيه : أرجو الرجوع إلى برقية دائرة الشؤون
الخارجية والسياسية فيما يتعلق بالسيد طالب النقيب، أرسلت جواباً بالمعنى الموضح،
أعتقد أن علينا أن ننظر في السماح للسيد طالب بالعودة إلى البصرة بالنظر إلى
التوصية القوية بحقه من الأمير عبدالعزيز والشيخ مبارك والشيخ خزعل، بشرط أن أكون
قد اقتنعت بعد المقابلة بأنه مستعد حقًّا لخدمتنا، وأنه تخلى عن طموحاته المسرفة،
إذا جاء إلى هنا وأثبت أنه مثير للمتاعب أمكننا دائما أن نرحله، ولكنه قد يصبح من
ناحية أخرى مصدر إزعاج كبير لنا كساخط متجول إذا ما خيبنا أمله كليا الآن.
أميل للوهلة الأولى إلى الاعتقاد بأنه
إذا أثبت أنه سهل القيادة بما فيه الكفاية فإن أفضل نهج يمكن تبنيه سيكون توظيف
خدمات السيد طالب النقيب كملحق سياسي لي في بـــادئ الأمر، خاصة للمفاوضــــات مع
تلك العناصر القبلية التي من المعروف أن له نفوذًا لديها، وبموجب هذا الترتيب يجب
أن نفصله عن شؤون الأحساء، وسنكون قادريـــن على امتحــــان إخلاصــــه، على حين
نراقب تحركاتـــه عن كثب، وقد يصبح في نهاية الأمر إذا ثبت أنه مرضٍ ملحقاً
عربيًّا للحكومة المدنية في البصرة أو بغداد أو الباب العالي على حسب ما يكون
الحال للتعامل مع الشؤون القبليــة، القائد العام للقوات المسلحة يوافق ويتفق مع
وجهات النظر أعلاه ، وكي أعرف بأي توجه ذهني ينبغي أن أقابل السيد طالب النقيب ،
أرجو إبلاغي بما إذا كانت حكومة الهند تتفق من حيث المبدأ مع ما تقدم". (28)
نلحظ خطاب "برس كوكس" المقيم
السياسي البريطاني في الخليج العربي إلى حكومته بأنه يرى عدم الممانعة من عودة
السيد طالب النقيب إلى البصرة، وذلك بعد توسط الملك عبدالعزيز، ولكنه اشترط أن
يقابل السيد طالب النقيب، ويرى هل هناك في الإمكان تغير مواقف السيد طالب النقيب
تجاه بريطانيا؟ وهل هو سهل الانقياد؟ وأن يثبت بأنه لن يثير متاعب لبريطانيا في
البصرة، وفي ضوء ذلك فإنه يقترح بأن يجعل من السيد طالب النقيب ملحقاً سياسياً
للمقيم السياسي البريطاني، ويستفيد من خدمات السيد طالب النقيب لصالح بريطانيا
بعدما كان الأخير اتخذ مواقف عدائية منها، وخاصة أن السيد طالب النقيب يتمتع بسمعة
وشعبية لدى قبائل جنوب العراق، ويطالب من الحكومة البريطانية الموافقة على
اقتراحاته بشأن السيد طالب النقيب، وذلك بعد توسط الملك عبدالعزيز.
وكان "برسي كوكس" قد بعث
ببعض الرسائل إلى الملك عبدالعزيز(29) ، وكذلك كان الأخير قد بعث
برسالة إلى "كوكس" قال :
"أرجو ألا يخفى عليكم أن السيد
طالب النقيب قد حضر لرؤيتي هنا في "بريدة"، وأن مجيئه يعود إلى الأوضاع
العثمانية والى المعاملة الاستبدادية التي لقيها على يد العثمانيين خلال السنتين
الماضيتين، ثم إلى وصول "جاويد باشا" والي بغداد وقائد القوات العثمانية
في العراق إلى البصرة، وإلى أنه بحجة الإجراءات التي تقتضيها ظروف الحرب فإن العثمانيين
بدؤوا بالانصياع لأغراضهم الشخصية تجاهه، وهي أغراض يصعب شرحها إلا شفهيا عند
المقابلة، واعتمادا منه على العلاقات القديمة القائمة بيننا وبين أسرته بصورة
عامة، وبينه وبيني شخصيا بصورة خاصة، تمكن السيد طالب النقيب من أن يحصل لنفسه على
بعثة يوفد بهـا من قبل مفتشي الشؤون الحربية العثمانية قبل مغادرته بعشرين يوما
تقريبا، وقد مكنته هذه البعثة من مغادرة البصرة ، وأنقذته من التعرض لمضايقة أي
شخص، وهو الآن معي ، وإننا متجهان إلى طرفكم. أما بخصوص معاملة السيد طالب النقيب
معنا ومعكم فإنها ليست كما صورها أناس شريرون بدافع من مصالحهم الشخصية ، وستنجلي
الحقيقة ، وهو من الأشخاص الذين يستحقون الاحترام والرعاية" . (30)
نجد في رسالة الملك عبدالعزيز إلى
"بــرس كوكـــس" المقيم السيـــاسي البريطـــاني تـجاه طالب النقيـــب
الذي عانى كثـــيرًا مـــن العثمانيــين خـــلال السنتـــين الماضيــتين قبل
قيـــام الحرب العالمية الأولى، إضافـــة إلى الإجراءات العسكريـــة وحالة الطوارئ
التي فرضتهـــا الدولة العثمانية على بغداد والبصـــرة كل ذلك أدى إلى هـــروب
السيد طالب النقيب بطريقة رسميـــة بعد حصوله على إذن من السلطات العثمانية بحجـــة
إقناع الملك عبدالعزيز بالوقوف معها، وأن توسط الأخير جاء نظرا لعلاقاته الخاصة
التي تربطهـــا مع أســــرة النقيب بصفــــة عامـــة، وطالب النقيب بصفـــة خاصة،
ومعرفتـــه له شخصيا كل ذلك يسوغ وقوفه وتوسطه لطالب النقيب، ويطلب من بريطانيا
السماح له بالعـــودة إلى البصرة وأن تعفو عنها من جراء تصرفات طالب النقيب، وشرح
المسوغات التي جعلتــــه يتخذ تلك الإجـــراءات من بريطانيـــا وســــوء الفهم
الذي حـــدث بينهمــا.
رد "كوكس" المقيم السياسي
البريطاني على رسالة الملك عبدالعزيز بخصوص السيد طالب النقيب بقوله: "أما
فيما يتعلق بصديقكم السيد طالب النقيب فقد قابلت والده المحترم في البصرة ،
وأخبرته بما في ذهني بشأن نجله، وكان بهذا المعنى حتى إعلان الحرب أنه لم يتوقف عن
التقدم بمطالبات إلينا لم يكن من الممكن قبولها، ولم يقبل بالشروط الحسنة التي
عرضت عليه، ومع ذلك فإن الحكومة البريطانية تتصف بالصفح، وعلى الرغم من أن السيد
طالب النقيب قد تلقى مشورة سيئة ومضللة، فلا الحكومة ولا أنا بصفتي ممثلها نحمل
للسيد طالب النقيب أي ضغينة، ولكن ما وجدته ضروريا في حالته أنه لأسباب تقدرونها
سيكون من الأفضل ألا يعود إلى البصرة ردحاً من الزمن إلى أن تستقر شؤون البلدة
وسكانها، وبعد مدة قصيرة سأكون مستعدًّا تماماً لمقابلته والتحدث إليه في شؤونه،
وإذا كان موقفه في ذلك الوقت مرضيا وإذا انصاع لرغبات الحكومة فقد أكون مستعدًا
لأوصي بالسماح له بالعودة إلى البصرة بشروط مرضية".(31)
نجد من خلال رد "برس كوكس"
المقيم السياسي البريطاني على خطاب الملك عبدالعزيز بأنه يكرر ما قالته الحكومة
البريطانية بأن السيد طالب النقيب رفض الشروط التي عرضتها بريطانيا، والتي تعد من
جانبها شروطاً حسنة، كما أن الحكومة البريطانية لا تحمل أي ضغينة، وأنها سوف تسامح
عما بدر من السيد طالب النقيب، وأنه يشير بعدم إمكان عودة الأخير إلى البصرة، وقد
يكون ذلك راجعاً لأسباب أمنية، حيث القوات البريطانية في البصرة، ولم تسيطر على
الأوضاع الكاملة في جنوب العراق، مما يعني تخوفها من القبائل العراقية التي قد تقف
مع السيد طالب النقيب مما قد يؤدى إلى زعزعة الأمن في البصرة وأن عودة السيد طالب
النقيب مرهونة بمدى استجابته لمطالب الحكومة البريطانية.
ضغوط الملك عبدالعزيز على
بريطانيا من أجل طالب النقيب:
استمر الملك عبدالعزيز يمارس ضغوطه على
بريطانيا لصالح السيد طالب النقيب ، وكتب إلى "كوكس" قائلا : " وقد
أخبرتكم أيضاً عن قدوم السيد طالب النقيب عندي، وعن نياته الطيبة التي هي
لمصالحكم، ولم تكن حتى الآن معارضة لها، وقد قلت لكم: إنني سأخبركم بما يلزم عند
اجتماعنا، إن سبب مجيئي كان لتوثيق أسس الصداقة والمودة وشرح الحقائق بشأن السيد
طالب النقيب الذي أضمر له احتراما كبيرا، وأضع ثقتي في إخلاصه ورجاحة عقله التي هي
نتيجة معرفته بكم وصداقته نحوكم، ونظرًا لعدم وصول الكابتن المذكور حتى الآن فإنني
مضطر إلى انتظاره هنا، لأنني لا أعلم متى سيأتي، ولذلك وجدت من الضروري أن أرسل
إليكم الحاج سليمان فيضي مع هذه الرسالة، وطلبت إليه أن يشرح لكم آرائي وآراء
السيد طالب النقيب، وإنني أقول لكم بكل صراحة: إن السيد طالب النقيب كان صديقاً
لكم منذ مدة طويلة، وقد اطلع أيضاً على آرائي، وحذرني على الدوام من العثمانيين،
وحثني على حسن العلاقات والصداقة معكم، والآن فيما يتعلق باتصالاته مع العثمانيين
خلال الحرب، فإنها جرت خوفا على عائلته وأتباعـــه من غدرهم وخيانتهم، فإنها بلا
شك ستغفر له الآن، كما لم يكن ليغفر له فيما لو ارتكب أي أعمال معادية لكم بعد
احتلالكم البصرة، وأرجو أن تصدقوني أنه لو تعهد لكم بشيء فإنه لن يخـــل به قط،
وسيكون من ورائه فائدة في المستقبل، إنه يتمتع بنفوذ بين وجوه المسلمين والعرب،
وهو واحد من الأشخاص المخلصين، وإنني أضمن أي تعهد يقدمه لكم، فــإذا كان ذلك
موافقا لكم ووجدتم من المناسب استدعاءه إلى البصرة وتلطيــــف خاطره بما يتناســـب
مع نبل الحكومة البريطانية فسأكون عظيم الامتنــــان وشاكراً لطفــــكم وسيزداد
تعلقي بكم، كما أنه سيكون مدعاة ارتياح كبير للشعب العربي، وإنهم سيؤمنــــون أن
هذا العمل سيكون نموذجاً لأعمال أخرى، إنني أناشدكم عدم الالتفات إلى أقوال كذابين
حسودين ممن كان لهم دور كبــــير معي ومعه قبل، وأرجو أن يصلني جواب عاجــــل
ومرضٍ منكم بيد حامل رسالتي". (32)
نلحظ من خلال رسالة الملك عبدالعزيز
إلى المقيم السياسي البريطاني "برس كوكس" بأنه لم ييأس من محاولاته
التوسط والوقوف مع السيد طالب النقيب، فيبعث رسالة تلو الرسالة يشرح فيها كل ما
يمكن أن يعطي فكرة وانطباعاً حسناً عن صديقه السيد طالب النقيب، وأن مجيئه إلى نجد
كان من ضمن عوامل توثيق عرى الصداقة بينهما، وليس كما يقول البعض بأنه أراد أن
يقنع الملك عبدالعزيز بالوقوف مع الدولة العثمانية ضد بريطانيا إضافة إلى ثقة
الملك عبدالعزيز الكبيرة في صديقه السيد طالب النقيب وإخلاصه له، كما بعث الملك
عبدالعزيز أقرب أصدقائه والقائم بأعماله في البصرة، وهو الحاج سليمان فيضي يشرح
للمقيم السياسي البريطاني كل ما يتعلق بانطباع الملك عبدالعزيز وأفكاره ووساطته
بشأن السيد طالب النقيب الذي خرج من البصرة خوفا على نفسه وعلى عائلته، ومطاردة
العثمانيين له، وبأنه لو تعهد بشيء فإنه يلتزم به، وأن الملك عبدالعزيز يضمن لطالب
النقيب حسن سلوكه وتصرفاته تجاه الحكومة البريطانية، ولهذا يطلب من الأخيرة تغيير
موقفها والسماح له بالعودة إلى البصرة.
بعث السيد طالب النقيب بعد توسط الملك
عبدالعزيز رسالة إلى "كوكس" المقيم السياسي البريطاني في الخليج العربي
بقوله: لا يخفى عليكم أنني حينما طالبت بالإصلاحات في بلادنا مثل الولايات العربية
الأخرى اتهمتني الحكومة العثمانية بممالأة حكومتكم الموقرة، ومنذ ذلك الوقت أخذت
الحكومة العثمانية تشك في أمري، وأصبحت أفكارها مسمومة ضدي، وبسبب هذا فقد ضاعت
ثقتي بالحكومة إلى حد أنني أخشى على حياتي، وكنت على اتصال مع حكومتكم العلية قبل
إعلان الحرب بواسطة الشيخ خزعل والقنصل البريطاني في البصرة، وأن نتائج الاتصالات
التي جرت في ذلك الوقت ليست خافية عليكم، إن اتصالاتي مع الحكومة البريطانية لم تجر
في ذلك الوقت فقط، بل قبله أيضا أي مع اللورد "كتشنر" حينما كان في مصر،
لما أعلنت الحرب وزاد عدد القوات العثمانية في البصرة وحمى وطيس القتال فإنهم– أي
العثمانيين– صاروا يضغطون عليّ لأجمع العشائر لمقابلتكم، وأجبروني على القيام
بأعمال لا أستطيع القيام بها ضد حكومتكم، بل إنهم أجبروني على توقيع برقيات كتبها
قائد القوات في "القشلة"، وقد ألح علي أن أقوم بتوقيعها
"معنونة" إلى سـكان "البحرية" و "الزيادية" مما لم
أتمكن من رفضه مطلقا، وإزاء هذه الظروف وجدت أن خير ما أستطيع أن أفعله هو أن
أغادر "البصرة"؛ لأنقذ نفسي من طلباتهم التي لم توافق أساليبي ووجهات
نظري التي كانت مؤيدة لكم منذ القدم، وقد بحثت هذا الأمر مع الشيخ خزعل الذي وجد
ذلك أيضاً– أي مغادرتي البصرة– مستحسنا؛ لأنني إذا تصرفت ضد رغبات العثمانيين
وتعاملت معكم علنا فإن حياتي وحياة أطفالي وأسرتي وأموالي ستكون جميعا مهددة بخطر
عظيم، وإنهم سيقتلوني؛ لأنهم كانوا في موقف قوي، ولذلك فقد حصلت من مفتش الشؤون
العسـكرية على أمر يصرح بضرورة توجيه دعوة إلى الملك عبدالعزيز لمقاتلتكم، وكان
تاريخ هذا الأمر سابقا لصدوره بعشرين يوما، وكان وسيلتي للخروج من البصرة بحيث لا
يستطيع أحد أن يمنعني عن ذلك، وكان هذا قبل أن تسلمت رسالتكم بواسطة الشيخ خزعل،
وقد غادرت البصرة بعد أن حذرت بصورة سرية كلا من رئيس اللجنة البلدية وبعض سكان
المدينة وشيخ المدينة حمود المير جابر من مقاتلتكم، وبعد ذلك أتيت إلى الكويت
قاصدا بصورة خاصة مقابلة القنصل واستكمال اتصالاتي – مفاوضاتي – معكم،
ولم يكن لي عمل آخر في الكويت، وقد أخبرني القنصل المذكور أنكم بعثتم إلي بكتاب
بواسطة الشيخ خزعل لم أطلع عليه حتى الآن، وقد ألح علي أن أبقى في الكويت أو أذهب
لمقابلتكم في ساحة الحرب، فشرحت له عدم استطاعتي القيام بأي من الاثنين، ولا يخفى
عليكم أنني لو بقيت في الكويت أو ذهبت إليكم في ذلك الوقت فإن الحكومة العثمانية
بما تحمله من كراهية نحوي لبادرت فور سماعها بالخبر بقتل أطفالي وعائلتي ونهب
أموالي ، وذلك من أعظم المصائب والمظالم المعروفة لديكم ولدى الآخرين".(33)
نجد هنا السيد طالب النقيب يبعث برسالة
إلى برسي كوكس المقيم السياسي البريطاني في الخليج العربي بعد الرسالة الأخيرة
التي بعثها الملك عبدالعزيز الذي توسط فيها عن صديقه السيد طالب النقيب، والذي
يسوغ في رسالته عن تصرفاته تجاه بريطانيا، وكيف كان العثمانيون يمارسون الضغوط
عليه منذ مدة ، وأنه تحمل كثيرا من جراء التصرفات السيئة إضافة إلى اتهام الحكومة
العثمانية لطالب النقيب بأنه يميل إلى بريطانيا، وهذه تهمة كبيره في نظر
العثمانيين قد يصل إلى الخيانة وعقوبته الإعدام، ولهذا فإنه كان يخشى على نفسه
وعلى عائلته، مما قرر معه الهروب من البصرة بعد أن قدم اقتراحا لحاكم البصرة
العسكري بأنه سوف يحاول إقناع الملك عبدالعزيز للوقوف مع العثمانيين، وكل ذلك لأجل
الحصول على إذن بالسماح له بالخروج من البصرة دون أي مشكلات، وأن خروجه هذا سوف
يكون بمهمة رسمية ؛ ولذا نجد السيد طالب النقيب يريد تصحيح ما علق في أذهان
البريطانيين من تصرفاته تجاهها ، ويضيف أيضاً كيف كانت علاقاته مع اللورد
"كتشنر" عندما كان الأخير في مصر، كما أنه استشار الشيخ خزعل حاكم
عربستان الذي أشار عليه بالخروج من البصرة والتوجه إلى الكويت، ثم يسوغ السيد طالب
النقيب بعدم موافقته على المطالب البريطانية التي قدمها المعتمد السياسي البريطاني
في الكويت لطالب النقيب خوفاً من الحكومة العثمانية، ولهذا فإنه قرر الذهاب إلى
الملك عبدالعزيز في نجد لمقابلته، ولشرح وجهة نظره بشأن تلك القضايا حيث يرتبط معه
بعلاقات صداقة واخوة قوية.
يتابع طالب
النقيب قوله في رسالته إلى "برس كوكس": "بعد هذا الشرح لمعذرتي
ولهذه المخاطر أعطيته وعدًا بشرفي بأني لن أقوم بأي عمل ضدكم، وأنني سأنقذ أطفالي
وعائلتي وممتلكاتي – التي كانت بيد العثمانيين في ذلك الوقت – من شرورهم. لقد أكدت
أن زيــارتي للأمير عبدالعزيز لم تكن كما كان مفترضـــاً بين العثمانيين لغرض
تحريضـــه على مقاتلتكم أو معارضتكم، بل لأجل الهرب من مكان العثمانيين، وأن أجعل
الأمير عبدالعزيز يتوســـط لديكم من أجلي؛ لأنني أعرف كل شيء عنه وعن علاقاته
الطيبة مع حكومتكم وحقيقة تفكيره ونياته، ولهذا السبب غادرت الكويت، وقصدت الأمير
عبدالعزيز، إن الرسالة التي كتبها الأمير إلى الكابتن "شكسبير" والتي
شرح فيها له أن آرائي ونياتي هي بجانبكم وليست ضدكم بأي شكل تدل على أنني لم أطلب
إليه– أي إلى الأمير عبدالعزيز– أن يقوم بأي شيء ضدكم، إن جميع تصريحاتي لكم
وأعمالي منذ البداية حتى النهاية تؤيدها الإشارات والمراسلات الصادرة عني وعن
حكومتكم، وتعاملي الحسن مع رعايا حكومتكم في البصرة، وهذا كله غير خاف على
الإرساليات المسيحية في "البصرة"، كما أن القنصل البريطاني السابق فيها
المســــتر "كرو" كان على علم
بذلك، إن الحقيقة الواقعة أنه لم يبدر مني أي نشاط ضدكم لا قبل الحرب ولا بعده،
والمعاملة التي لقيتها من العثمانيين، إن كل هذه الأمور في حد ذاتها دلائل عظيمة،
تثبت أنني أؤيد وجهات نظركم، وأرغب أن أكون معكم روحا وجسما.
إنني مرسل إليكم الآن حامل هذه الرسالة
الحاج سليمان فيضي نائب البصرة السابق لتمثيلي، ولأجل إعلامكم بما يلزم، وإنه مخول
مني للقيام بكل ما يلزم، وأي تعهد يعطيه نيابة عني سيكون مقبولاً مني، وسألتزم به،
ولذلك أطلب إليكم أن تجعلوه موضع ثقتكم، وتسمحوا له بمحادثتكم، وكذلك أن تزودوه
بجوابكم الذي سيطمئنني على مستقبلي، ويكون لائقا بمقام حكومتكم العلية وموقفكم
الودي الذي لا شك فيه، وإنني أتعهد لكم بخدمة حكومتكم الخيرة ، وأعمل على ضمان
مصالحها بكل طريقة ممكنة في الحاضر والمستقبل إذ لن يكون هناك طاغية يخشى
بأسه". (34)
عـــزز الملك عبدالعزيز بخطاب آخر إلى
"كوكس" المقيم السياسي البريطاني في الخليج العربي جاء فيــــه:
"تسلمت رسالتكم المحترمة، وقد وصلتني في "المحمرة" من يد صديقنا
الشيـــخ خزعل، وقد كتبتم سعادتكم بشأن السيد طالب النقيــــب ، وأن له حقا
صديقـــا مخلصا في شخص سعادتكم، وقد فهمت وقدرت كل ما ذكرتموه، كما أنني تلقيت
دعوة من سليمان فيضي الذي وافاني بمزيد من الإيضاحات، وليس هنالك ما أستطيع أن
أذكره بشـــأن السيد طالب النقيـــب أكثر مما سبق أن كتبته في رسالتي الأخيرة،
خاصـــة أن الكابتن شكسبير لا بد أن يكون معكـــم الآن، وأنه بلا شك سيكتب إليّ
بالتفصيل، وفضلا عن ذلك أيضا، وإذ أصبح ذلك مختلفا فإنني أتطلع إلى لقـــاء مع
سعادتكم شخصياً، وعندئذ سيتمكن السيد طالب النقيب من التحدث معي مليــــاً عن
شـــؤونه ومستقبله، وآمــــل أن نتمكن في النهايــــة من التوصل إلى تفاهم مرض،
يجعلني قادرًا على مفاتحة الحكومـــة المحترمة بصورة ودية. هذا ما لزم بيانه،
والسلام". (35)
نجاح جهود الملك عبدالعزيز
لصالح طالب النقيب:
نظرًا للجهود الكبيرة التي بذلها الملك
عبدالعزيز من أجل إنقاذ صديقه طالب النقيب وقيامه بدور الوساطة فإن هذه الجهود
نجحت وأثمرت، فقبل "كوكس" المقيم السياسي البريطاني في الخليج العربي
توسط الملك عبدالعزيز، وكتب إلى السيد طالب يقول: "أكتب لإعلامكم بتسلمي
رسالتكم، كما أن صديقكم سليمان فيضي زارني ، وأبدى لي مزيدًا من الإيضاحات التي
تلقيتها باهتمام، أعتقد أن صديقنا الأمير عبدالعزيز والكابتن شكسبير وأنتم ستكونون
مجتمعين حينما تصلكم هذه الرسالة، ولا شك أن الكابتن "شكسبير" سيكتب
إليّ بالتفصيل، وعلى أي حال فإنني آمل أنه سيكون بإمكاني أن أقابل الأمير
عبدالعزيز حينما يكون قريبًا من هذه المناطق، وعندئذ ستتاح لكم الفرصة للبحث
شخصيًا في شؤونكم ومستقبلكم معي، وفي هذه الأثناء فإنني سررت لتلقي إيضاحاتكم
وتأكيداتكم التي كتبتموها لي"(36).
بعث الملك عبدالعزيز رسالة إلى
"كوكس" يقول فيها:" أما فيما يتعلق بصديقي السيد طالب النقيب الذي
هو بمثابة أخ لي فإنه لا يحمل أي تفكير معارض لرغباتكم، وهو مؤمن بعدالتكم ومعتمد
على عطف الحكومة البريطانية الفخيمة، ويعتقد أكثر من أي شخص آخر بعدالة الحكومة
وسطوتها وقوتها، وقد حاول منذ مدة طويلة أن يكسب صداقتكم ، ويعتمد على حكومتكم،
وهو يكن مشاعر الصداقة والإخلاص منذ مدة طويلة، وحينما شاءت إرادة الله أن تعلن
الحرب بينكم وبين الحكومة العثمانية أمرته الحكومة الأخيرة أن يأتي إليّ، ويحاول
تحقيق تسوية بيني وبين ابن رشيد، وأن يحملني على الجهاد، وكما توقعت فإنه أبلغني
لأجـل التظاهر رسالة الحكومة العثمانية، ولكنه في الوقت نفسه نصحني سرًا بأنه
سيكون من الأفضل تجاهل كلا الطلبين، أي طلبي الحكومة المذكورين أعلاه، وكان السبب
الذي حمله على تقديم هذه النصيحة هو العداوة التي كانت الحكومة العثمانية تحملها
نحوي ونحوه، وكذلك حرصه على مصالح الحكومة البريطانية الفخيمة، ولذلك فإنني أرسلت
إليه رسولي المعتمد صالح العذل، وبواسطة الأخير ضغطت عليه – أي على السيد طالب النقيب – أن يجعل الأمر المذكور – أي البعثة المقترحة – ذريعة
للقدوم إليّ ، وكان هذا الأمر عاجلاً ؛ لأنه كان معرضًا لغدر العثمانيين، كما سبق
أن أصبح معروفًا لديكم"(37).
على أثر الرسائل المتبادلة بين الملك
عبدالعزيز و "برسي كوكس" المقيم السياسي البريطاني في الخليج العربي
وحدوث بعض التغيّر في موقف الحكومة البريطانية مما أدى إلى انفراج الموقف لصالح
السيد طالب النقيب، حيث ذكر الملك عبدالعزيز في رسالته أعلاه يصف طالب النقيب بأنه
أكثر من صديق، وأنه يعده أخاه، وأنه لا يحمل أي معارضة للحكومة، وأنه يعتمد على
تسامح الحكومة البريطانية له، ونظرتها العادلة تجاهه، وأنه حاول أن يكسب ثقتها وصداقتها
منذ مدة طويلة، ولديه مشاعر طيبة تجاهها، ولكن عند قيام الحرب العالمية الأولى فإن
العثمانيين طلبوا منه أن يتوسط لديه لكي يقف معهم، كما طلبوا من طالب النقيب أن
يقوم بتسوية الخلافات بينه وبين ابن الرشيد، وأن يقنع الملك عبدالعزيز بالجهاد ضد
بريطانيا، ولأجل أن يعرف عبدالعزيز كل ما يتعلق بالموضوع فإن السيد طالب النقيب
اطلع على الرسائل والوثائق التي كانت في حوزته من قبل الحكومة العثمانية، وأنه
نصحه بعدم الوقوف مع العثمانيين ضد بريطانيا، وأن يتجاهل مطالب العثمانيين الذين
كانوا يعدونه أعداء لطالب النقيب والملك عبدالعزيز الذي طلب من الأول أن يتخذ من
تلك المطالب العثمانية ذريعة للخروج من البصرة، ويقول الملك عبدالعزيز :"
وكان هذا الأمر عاجلاً ؛ لأنه كان معرضًا لغدر العثمانيين".
يتابع الملك عبدالعزيز قوله:
"وكذلك بسبب احتمال مقابلة الكابتن "شكسبير" الذي كان قد أبدى في
رسالته السابقة أنه قادم إلى بطريق البحرين لغرض تعزيز مصالح جميع الأطراف
المعنية، ولا شك أن الأخ المذكور سيشرح لكم الأمر كاملاً بعد الاجتماع، وقد تسلمنا
بكل احترام أمركم بأن يأتي إلى الكويت، وإننا مقتنعون بأن مصلحتنا تتوقف على ذلك،
وقد توصل إلى تفاهم مع الكابتن "شكسبير" بأنه – أي السيد طالب النقيب – سيبقى في
"الجهرة" إلى حين وصولكم إليها، وإنني أطلب إليكم أن تقابلوه بأسرع ما
يمكن، وأن تجعلوه محل رعايتكم مما يستوجب مزيدًا من امتناني لكم، وبعون الله تعالى
أؤمل أن يقدم لكم خدمات طيبة، ويظهر صداقته، ولذلك فإنني آمل أنكم ستنظرون في
جوابه وفي رسالته بعين المودة، وأن أي صداقة ولطف تظهرونهما له سيكونان وكأنهما قد
أظهرا تجاهي شخصياً، مما سأظل شاكراً له طيلة حياتي"(38).
يطلب الملك عبدالعزيز من "برسي
كوكس" المقيم السياسي البريطاني في الخليج العربي بأن يبت في هذا الموضوع
بسرعة، وكذلك أن يرسل الضابط "شكســـبير" يشرح له كل ما يتعلــــق
بالسيد طالب النقيــــب الذي سوف يبقى في الجهرة إلى صدور تعليمات من الحكومة
البريطانية بشأنه، وأنه طلب من "برسي كوكس" أن يقابله بسرعــــة، وينهي
مسألتــــه، وأن يجعله محل رعايتــــه وعنايته، وأنه سوف يشعر بمزيد من الامتنان
والشكر، وأنه يتوقع من السيد طالب النقيب أن يقدم خدمات كثيرة لبريطانيا التي
يمكنها الاعتماد عليه في المستقبل، وأن أي بادرة طيبة من قبل الحكومة البريطانية
تجاه السيد طالب النقيب يعدها الملك عبدالعزيز تجاهه شخصيًا مما سيظل شاكرًا
لبريطانيا.
بعث وزير الهند برقية إلى نائب الملك
في الهند جاء فيها أنه بالنسبة للسيد طالب النقيب لا شك أن كوكس سيمزج آراء شيخي
"المحمرة" والكويت بشأن أفضل طريقة للتعامل معه، وعليه أن يتذكر أيضًا
أن لطالب النقيب أصدقاء ذوي نفوذ في مصر وغيرها، وأنهم يتأثرون بالمعاملة التي
يلقاها(39)، وفي هذه المدة بعث "كوكس" ببرقية إلى
حكومة الهند قال فيها : " سأرسل برقية منفصلة بشأن السيد طالب النقيب الذي هو
في طريقه إلى الكويت "(40)، ومن ثم بعث نائب الملك في
الهند برقية إلى وزارة الهند في لندن جاء فيها: " أما فيما يتعلق بالسيد طالب
النقيب فقد أبدى كوكس في تقرير له بأن السيد طالب النقيب مذعن كليا، وقد أدرك أن
البصرة لم تكن مكانًا آمنا له، وكان حريصًا على إيجاد ملجأ في مكان آخر تحت حماية
بريطانيا، كوكس يعد وجوده على شط العرب في الوقت الحاضر غير مرغوب فيه، ولذلك فقد
اتخذ التدابير لإرساله إلى "بومباي" مؤقتًا ضيفًا على الدولة مع مخصصات
قدرها 1200 روبية "(41).
أثمرت المفاوضات التي كانت قد بدأت بين
الملك عبدالعزيز وبريطانيا بشأن السيد طالب النقيب حتى انتهت إلى اتفاق مع بريطانيا
بعد ذلك، وعلم السيد طالب النقيب بما لا يدع مجالاً للشك أن وجوده في البصرة
والعراق غير مرغوب فيه، بل إن وجوده في أي أرض عربية أخرى لا يرضونه، وكان قد كتب
السيد طالب النقيب الخطاب الذي ذكرناه سابقًا للسير "بيرسي كوكس" من نجد
وهو في طريقه إلى الكويت، ورد عليه كوكس بخطاب في 12 يناير 1915م جاء فيه(42):
"تسلمت خطابك بتاريخ أول يناير
1915م الذي بعثت به بواسطة سليمان فيضي، وقد أخبرني أنك اليوم وصلت الجهراء، وليست
هناك سفينة في الوقت الحاضر تحت تصرفي أستطيع السفر بها للكويت للتحدث إليك، فمن
المستحيل والحالة هذه مقابلتي لك شخصيًا، ولكنك تعرف الكولونيل، وفي استطاعتك
التحدث إليه بصراحة، مثلما أردت أن تتحدث إليّ ، وإنني على اقتناع بأنه ليس من
مصلحتك أو من مصلحة الحكومة البريطانية حضورك لشط العرب في الوقت الحاضر، وعليه
فإنني أريد منك أن تسافر لبومباي مباشرة بسفينة البريد القادمة للإقامة هناك إلى
أن تصلك أخبار أخرى مني أو من حكومة الهند، ومرفق مع هذا جواز السفر الذي سيريحك
من المتاعب عند وصولك، وفي الوقت نفسه سأتصل بالحكومة ، وأقدم لها مقترحات ضرورية
للحفاظ على مصالح الحكومة، وعلى خيرك وإسعادك، وقبل أن أختم خطابي هذا أنتهز
الفرصة لأطلب منك ألا تظن أن صديقنا الشيخ مباركاً تحدث عنك بما يسيء إليك، بل
أؤكد لك أن هذا الظن لا يرتكز على أساس، بل كان دائمًا يتحدث عنك كصديق مخلص لك،
وإنني مدرك تمامًا في الظروف الراهنة أنك ترغب في التعامل مع ضباط الحكومة مباشرة
لا عن طريق الوسطاء، وختامًا أرجو لك رحلة طيبة لبومباي".
نجد من خطاب "برسي كوكس" إلى
السيد طالب النقيب أنه يعتذر عن مقابلته شخصيًا ، ويضع تحت تصرفه بعض الأموال
وجواز السفر، ويطلب منه الذهاب إلى الهند حتى تهدأ الأوضاع في البصرة، وكذلك يشرح
له بأن ما صدر من الشيخ مبارك تجاهه هو كل خير، وألا يظن بالشيخ مبارك ظن السوء،
وأن الأخير يقف معه، وهو صديق وفيّ له، ويطلب من السيد طالب النقيب أن يكون اتصاله
مع الضباط البريطانيين دون أي وساطة، ولكننا نلحظ من تصرفات "برسي كوكس"
المقيم السياسي البريطاني تجاه السيد طالب النقيب هو أقرب إلى إرساله إلى المنفى
الاختياري وكونه عقابًا أو محاولة تكفير الذنوب تجاه بريطانيا وتصفية الحسابات،
ولكن بطريقة مهذبة على حسب الأسلوب البريطاني، وذلك بعد تدخل الملك عبدالعزيز
ووساطته ، ونظرًا لعلاقة الأخير مع بريطانيا من جهة وصداقته القوية مع السيد طالب
النقيب فإن البريطانيين الذين كانوا يريدون اعتقال السيد طالب النقيب قد خففوا من
عقابهم للأخير إلى المنفى الاختياري؛ لأنه بعد قضاء المدة المطلوبة سوف يتم تعيينه
في الإدارة الحكومية في العراق فيما بعد تحت السيطرة البريطانية أو في عهد
الانتداب البريطاني للعراق بعدما يكون قد تم ترويضه بشكل مناسب في المكان المناسب
في إحدى المستعمرات البريطانية الكبرى في الهند.
الهوامــش
(1)
حسين خلف الشيخ خزعل ، تاريخ الكويت السياسي ، دار ومكتبة الهلال، بيروت 1965، 4/ 273.
(2)
حسين خلف الشيخ خزعل، المرجع،نفسه 2/ 91.
(3)
د. محمد عرابي نخلة، تاريخ الأحساء السياسي،
ذات السلاسل، الكويت 1980، ص 228.
(4)
د. محمد عرابي نخلة، المرجع السابق نفسه، ص
233.
(5)
سجلات الخارجية البريطانية،F.O.371/2123–21167 ،كتاب من ، كرنك – و – ج – غراي المعتمد السياسي البريطاني في
الكويت – إلى
المقيم السياسي البريطاني في الخليج، بوشهر، الرقم 11، س، بتاريخ 2/4/1914م .
(6)
سجلات الخارجية البريطانية F.O.371/2123–21167 رسالة من السيد طالب النقيب– البصرة– إلى الشيخ مبارك الصباح – الكويت بتاريخ 28/3/1914م.
(7)
سجلات الخارجية البريطانية F.O.371/2123 – كتاب من الأمير عبدالعزيز بن سعود إلى
السيد طالب النقيب في البصرة بشأن موقف الأمير عبدالعزيز من الدولة العثمانية وولائه لها.
(8)
سجلات الخارجية البريطانية 19949 – F.F.O.371/2123–برقية من المقيم السياسي البريطاني في الخليج العربي إلى حكومة الهند – بوشهر في 9 أبريل
1914م بشأن رغبة الأمير عبدالعزيز بن سعود في أن يصبح أميرًا مستقلاً ورفضه قبول
القوات العثمانية.
(9) سجلات الخارجية البريطانية F.O.371/19949 – كتاب من كرنك– د. ج. غري المعتمد السياسي البريطاني في الكويت