توطئــة :
أولى جلالة الملك عبدالعزيز قضية فلسطين جل اهتمامه،
وهو الملك العربي المسلم الوحيد الذي حمل وحده دون سائر حكام العرب والمسلمين عبء
قضية فلسطين، وكان وحده الذي وقف في وجه روزفلت وتشرشل في أواخر الحرب العالمية
الثانية، وواجههما بظلم الحلفاء للعرب عامة، وللفلسطينيين خاصة في الحرب العالمية
الأولى، وانتزاعهم منهم حقهم وإعطائهم إياه لليهود([1]).
ورغم انشغال الملك عبدالعزيز في تأسيس دولته الحديثة فإن
الملك عبدالعزيز انطلاقا من عقيدته الدينية كان متعاطفاً ومنحازاً تلقائياً
وفطرياً لقضايا الأمة الإسلامية ، ولاسيما قضية فلسطين، وهي حقيقة تشهد بها
المواقف والوقائع ، وتسجلها الوثائق الدولية بما لا يترك مجالاً للشك([2]).
وكان للملك عبدالعزيز مواقفه المبدئية من جميع
الأحداث والمؤتمرات والثورات الفلسطينية، وكانت إسهاماته في كل مراحل القضية بادية
للعيان وواضحة وضوح الشمس.
الحركة الصهيونية ووعد بلفور (2 نوفمبر 1917م):
الصهيونية حركة عنصرية دينية استعمارية سياسية، تهدف
إلى جمع شتات اليهود المشردين في العالم ؛ لتعيدهم إلى فلسطين لتأسيس دولة لهم على
حساب الشعب الفلسطيني العربي وطرده من أرضه .
وقد ظهرت الصهيونية في الوقت الذي انتشرت فيه
القوميات في أوربا، وعملت الصهيونية على أن يتمسك اليهود بدينهم، ويطالبون بالعودة
إلى فلسطين والدعوة إلى إقامة دولة يهودية في فلسطين ، وقد تبلورت هذه الأهداف في
المؤتمر الصهيوني الأول الذي عقد في مدينة بازل بسويسرا عام 1897م.
سعى هرتزل لدى السلطان عبدالحميد الثاني بالحصول على
بعض الامتيازات في فلسطين وشراء بعض الأراضي، فرفض السلطان طلبه رغم تقديم رشوة
مالية له مقدارها عشرون مليون ليرة ذهبية، واتجه بعد ذلك إلى ألمانيا وفرنسا ،
وفشل أيضاً في مسعاه، وأخيراً اتجه هرتزل إلى بريطانيا لمساعدته ، فعرضت على
اليهود بلاداً أخرى غير فلسطين، ورفض اليهود ذلك، وبعد وفاة هرتزل وانتخاب حاييم
وايزمن خلفاً له حصل على وعد بلفور من بريطانيا عام 1917م([3]).
وهكذا منح المستعمرون الصهاينة أرض فلسطين عن طريق
إصدار وعد بلفور في 2 نوفمبر 1917م، وينص هذا الوعد على إنشاء وطن قومي لليهود في
فلسطين، هذا مع العلم بأن فلسطين لم تكن تحت السيطرة الإنجليزية أثناء إصدار تصريح
بلفور، بل كانت فلسطين جزءاً من الدولة العثمانية؛ إذ إن الاحتلال الإنجليزي
لفلسطين قد تم في 17 ديسمبر 1917م، وهذا يوضح أن الوعد قد صدر قبل احتلال بريطانيا
لفلسطين بشهر ونصف([4]).
كما نجح الصهاينة في جعل بريطانيا دولة منتدبة على
فلسطين ؛ لتتمكن من تنفيذ وعد بلفور وتهويد فلسطين ، فبعد نهاية الحرب العالمية
الأولى خضعت فلسطين للانتداب البريطاني في عام 1922م بموجب قرار عصبة الأمم
المتحدة بموجب المادة 22 من ميثاق عصبة الأمم.
لقد صاغت بريطانيا صك انتدابها على فلسطين من أجل
تحقيق الأطماع المشتركة البريطانية والصهيونية في فلسطين، وعملت على تحقيق وعد
بلفور في بناء الوطن القومي اليهودي في فلسطين وفق مخطط مُعد ومدروس ، يشمل الهجرة
اليهودية واستملاك الأراضي العربية بشتى الطرق والوسائل([5]).
صدى تصريح بلفور في العالم العربي :
شعر العرب بالتآمر عليهم من قِبل الحلفاء رغم أنهم كانوا
يساعدونهم ضد العثمانيين، والتي تمثلت بالثورة العربية الكبرى بقيادة الشريف حسين
بن علي، وأدرك العرب خيبة أملهم بعد أن شموا رائحة التآمر على الاستقلال العربي
المنشود، فعقد الوطنيون السوريون الممثلون لسوريا الكبرى اجتماعات للتعبير عن
معارضتهم للصهيونية ولوعد بلفور على السواء، ولكن بريطانيا نجحت في خداع العرب
وطمأنتهم بأن هذا الوعد سوف لا يضر بهم، كما أكدت لهم أن اتفاقية سايكس بيكو لن
تؤثر عليهم([6]).
وكان السلطان (الملك) عبدالعزيز آل سعود ـ رغم
انشغاله في تأسيس المملكة ـ بعيد النظر في جميع الأدوار التي أراد الإنجليز
وحلفاؤهم تمثيلها على مسرح السياسة العربية لتحقيق التصريح المشؤوم، فلم يكترث
بجميع الوعود الغربية لعلمه الكامل ويقينه الراسخ بأنها وعود خادعة، يهدف الغربيون
من ورائها تأمين مصالحهم في نطـاق الدولـة الصهيونية على أنقاض عرب فلسطين([7])، ورغم جميع
المحاولات التي كان يبذلها ممثلو بريطانيا في العراق والكويت لدى الملك عبدالعزيز
آل سعود لانتزاع شبه اعتراف باليهود ووطنهم القومي المزعوم في فلسطين فإن شيئاً من
هذا لم يقدم عليه، بل ظل حذراً جدا يدفع كل ما يختص بهذا الموضوع بدراية وحكمة،
على حين كان يعمل سرًّا وجهراً لتثبيت عروبة فلسطين ما استطاع إلى ذلك سبيلا([8]).
وقد استنكر عبدالعزيز وعد بلفور بأبعاده ؛ إذ قال:
"ليس من العدل أن يطرد اليهود من جميع أنحاء العالم، وأن تتحمل فلسطين
الضعيفة المغلوبة على أمرها هذا الشعب برمته"([9]).
وقد رفض الملك عبدالعزيز رفضاً قاطعاً كل ادعاءات
اليهود وحقهم في فلسطين، فذكر ذلك في كل مراسلاته ولقاءاته مع كبار الساسة
الأمريكيين والإنجليز، فقال في ذلك الشيء الكثير الذي دونه في رسائله ، ومنها على
سبيل المثال لا الحصر ما جاء في رسالة من الملك عبد العزيز إلى روزفلت في 10 مارس
1945م :" إن مساعدة الصهيونيين في فلسطين لا تعني خطراً يهدد فلسطين وحدها،
بل إنه خطر يهدد سائر البلاد العربية "، وأضاف قائلاً: " إن أعمال
الصهيونيين في فلسطين وفي خارجها صادرة عن برنامج متفق عليه من الصهيونية ".
وقال أيضاً: " إن تكوين دولة يهودية في فلسطين
سيكون ضربة قاضية للكيان العربي ومهدداً للسلم باستمرار ". وقال أيضاً:
" من أجل الإسلام أحارب بريطانيا نفسها " ، وأضاف قائلاً: " إن
مطامع اليهود ليست في فلسطين وحدها، فإن ما أعدوه من العدد يدل على أنهم يبيتون
العدوان على ما جاورها من البلدان العربية ". وقال أيضاً: " ليس في جسمي
ذرة لا تدعوني لقتال اليهود "، " إني أفضل أن تفنى الأموال والأولاد
والذراري ولا يتأسس لليهود ملك في فلسطين "([10]).
وهكذا فإن الملك عبدالعزيز قد عبر عما في نفسه وضميره
تجاه قضية فلسطين وتجاه عرب فلسطين، فرفض الوعد الذي أعطته بريطانيا لليهود وهي لا
تملك فلسطين، " لقد أعطى من لا يملك وعداً لمن لا يستحق ".
ومما يجدر ذكره أن الفلسطينيين والعرب استنكروا وعد
بلفور، فرفضوه ، وطالبوا بإلغائه، فقامت ثورات ومظاهرات وإضرابات في فلسطين، وكانت
أولاها تلك المظاهرة التي قامت في القدس في عام 1339هـ/1920م والتي طالبت بإلغاء
وعد بلفور، ونادت كذلك بإلغاء الانتداب البريطاني على فلسطين وقيام حكم وحدوي في
بلاد الشام.
إن الملك عبد العزيز لا يألو جهداً، ولا يدخر وسعاً
إلا بذله في سبيل نصره هذه القضية رغم مشاغله الداخلية والعقبات التي يواجهها.
وحاول الإنجليز الضغط على الملك عبد العزيز للاعتراف
بوعد بلفور والانتداب البريطاني في شأن فلسطين، إلا أن هذه المحاولات قد باءت
بالفشل.
فقد ضغط عليه الإنجليز عندما جرت مفاوضات بينه وبين
البريطانيين بشأن مشروع اتفاقية جدة التي وقع عليها في 28 من ذي القعدة 1345هـ/18
مايو 1927م([11])؛ إذ طلب
الإنجليز من الملك عبد العزيز وضع مادة خاصة يعترف فيها بمركز بريطانيا في فلسطين
عندما طالب الملك عبدالعزيز بإلغاء معاهدة دارين (القطيف) المعقودة عام
1333هـ/1915م؛ لتأخذ ثمن إلغائها اعترافاً من ابن سعود بمركز خاص لها في فلسطين،
واستمرت المباحثات نحو عشرين يوماً، وكانت هذه المادة سبباً لتوقف المفاوضات مدة
من الزمن إلى أن رضخت بريطانيا لمطالب ابن سعود([12]).
ومهما يكن من أمر فإن عبد العزيز اعتمد على قوته
الذاتية، وكان يتميز بعمق نظرته، وأصالة رأيه، والحس السياسي المرهف، والنظرة
الواقعية الصائبة في تقدير الأمور والعواقب.
فقد تقدمت الصهيونية إلى الملك عبد العزيز بطلب من
أجل أن تحصل منه على اعتراف أو اتفاق بوعد بلفور وتأسيس وطن قومي لليهود في فلسطين
مقابل أن تقدم له دعماً مالياً كبيراً في سبيل تخفيف الأزمة المالية والاقتصادية
التي تمر بها البلاد([13]).
وقد عرض الصهانية بزعامة وايزمن عن طريق فيلبي إعطاء
فلسطين لليهود وطرد العرب منها وتوطينهم في مكان آخر – وهو جزيرة العرب
– مقابل مبلغ من
المال ، مقداره عشرون مليوناً من الجنيهات الإسترلينية، وقد رفض عبدالعزيز هذا
العرض رفضاً قاطعاً؛ إذ إن الملك عبد العزيز كانت له مبادئ راسخة نابعة من إيمانه
بدينه وعقيدته، ولا ينقاد للمصالح الذاتية؛ ولذلك فإن الملك عبد العزيز عندما قابل
الرئيس الأمريكي روزفلت ذكر له غضبه من وايزمن وجرأته على الملك عبد العزيز لجره
إلى خيانة قضية المسلمين الأولى([14])، وأكد جلالته
للرئيس الأمريكي العداوة مع اليهود ، وبخاصة وايزمن الذي عرض أيضاً استعمار مناطق
خيبر وبني قريظة وبني النضير وغيرهما من أراضي المدينة المنورة، بحجة أنها كانت
مواطنهم في القرون الماضية، غير أن الملك عبد العزيز رفض كل ما طلبوه ، وباءت جميع
محاولاتهم بالفشل([15]).
موقف الملك عبد العزيز من ثورة البراق 1348هـ/1929م :
كانت فلسطين من أولى اهتمامات الملك عبدالعزيز، وقد
أبدى اهتماماً كبيراً رغم انشغاله في توحيد المملكة وخوضه حروباً أخرى كثيرة،
وإبان ذلك حدث حادث البراق أو هبة البراق.
أرسل الملك عبد العزيز برقية إلى المؤتمر السوري
الفلسطيني في القاهرة وإلى المجلس الإسلامي الأعلى في فلسطين يستنكر فيها الحادث ،
ويطالب الحكومة البريطانية بمعاقبة الجناة([16]).
ولم يكتف الملك عبد العزيز آل سعود بذلك، بل أرسل
خطاباً إلى ملك بريطانيا جورج الخامس في 15 أكتوبر 1929م، عبر فيه عن حزنه العميق
وأسفه البالغ لما حدث من اعتداء صهيوني على المصلين في المسجد الأقصى أثناء صلاة
الجمعة، وأعرب له كذلك عن الأثر السيئ الذي تركه هذا الحادث في نفسه ونفس شعبه،
وناشده بالمحافظة على الدين وحماية المصلين ومعاقبة الآثمين ، وقد رد عليه ملك
بريطانيا في 10 ديسمبر 1929م بأن حكومته مهتمة بهذا الأمر ، وستعمل على إجراء
تحقيق في هذا الشأن([17]). وأجرى كذلك
اتصالات مع حكومة الانتداب في فلسطين، فادعت بريطانيا بأنه لم يحصل ولم يقع اعتداء
على المصلين في المسجد الأقصى ، وذكّر الملك عبد العزيز الساسة البريطانيين أن
الموقف البريطاني يتعارض مع مفهومي الصداقة والمودة بين بريطانيا والعرب([18]).
وانطلاقاً من اتصالات الملك عبدالعزيز بالمسؤولين في
الحكومة البريطانية عينت لجنة يرأسها ولترشو في عام 1349هـ/1930م، عهدت إليها
بالبحث في أسباب الاضطرابات، ووضع التوصيات الكفيلة بمنع وقوع مثل هذه الاضطرابات([19]) .
أصدرت الحكومة البريطانية بياناً عن خطتها في فلسطين
على ضوء تقرير ولترشو في عام 1349هـ/1930م ، وقد عرف هذا البيان (بالكتاب الأبيض
الثاني)، ونص على تحديد الهجرة اليهودية إلى فلسطين، وتشكيل لجنة ؛ لتحديد حقوق
الطرفين في حائط المبكى، وتمكين المزارعين الفلسطينيين من زراعة أراضيهم بيسر
وسهولة، وإقراضهم ما يحتاجون إليه من البنك الزراعي، غير أن بريطانيا بضغط من
الصهيونية العالمية تراجعت عن قرارها هذا في الكتاب الأبيض، وأصدرت كتاباً آخر
أطلق عليه العرب الكتاب الأسود ؛ لأن بنوده تضر بمصلحة العرب([20]).
وقد أصدرت لجنة التحقيق بشأن البراق قرارها الخاص بحق
المسلمين في ملكية حائط البراق والرصيف الذي أمام الحائط ، ولا يجوز لليهود زيارة
الحائط إلا في أيام الأعياد إذا وافق المسلمون على ذلك([21]).
وقد جاءت وفود إسلامية إلى القدس، وعقد المؤتمر
الإسلامي في 27 رجب 1350هـ/ 7 ديسمبر 1931م ، واستمر أسبوعاً ، وحضره وفد من
الحجاز برئاسة الأمير فيصل بن عبد العزيز من بين 22 وفداً من مختلف الأقطار
الإسلامية جاؤوا لتكوين تكتل إسلامي عربي للوقوف أمام المطامع الصهيونية في القدس،
واستنكر المؤتمرون الاستعمار والصهيونية ، وتم إنشاء المؤتمر الإسلامي العام
ومقاطعة البضائع الاستعمارية والصهيونية([22]).
وقررت اللجنة التنفيذية العربية إرسال وفد فلسطيني
إلى لندن برئاسة موسى كاظم الحسيني، وطالبوا بمنع بيع الأراضي ، ووقف الهجرة
اليهودية، وإقامة حكومة وطنية، ولكن الحكومة البريطانية لم تستجب لطلباتهم([23]).
وعلاوة على ذلك اتبعت بريطانيا سياسة التهويد؛ إذ قام
المندوب البريطاني السير (آرثر واكهوب) بالسماح لليهود بالهجرة إلى فلسطين، وفتح
الباب على مصراعيه أمام الهجرة اليهودية من كل مكان، وتمليك اليهود الأراضي العربية
قسراً، فقد بلغ عدد اليهود الذين دخلوا فلسطين في هذه المدة حوالي مائة وخمسين ألف
يهودي([24]).
شعر زعماء فلسطين بهذا الخطر المحدق، وزاد الطين بلة
اختلاف الأحزاب السياسية في فلسطين، فأدى إلى ضعف الجهبة الداخلية الفلسطينية، وضج
الرأي العام في فلسطين، وحملت عليهم الصحف العربية، وطالبت بوحدة الصفوف. ونتيجة
لذلك استاء الملك عبدالعزيز للوضع المتردي في فلسطين، فطلب من ولي عهده صاحب السمو
الملكي الأمير سعود الذي كان عائداً من أوربا زيارة فلسطين والتعرف على أوضاع
الشعب هناك، وفي 15 جمادى الأولى 1354هـ/ 15 أغسطس 1935م زار الأمير سعود نابلس،
واستقبل استقبالاً شعبياً، وكذلك زار الأمير سعود القدس ، والتقى بأهلها، وأكد لهم
تضامن حكومة وشعب المملكة العربية السعودية ، فقال: " أنتم أبناؤنا وعشيرتنا
، وعلينا واجب نحو قضيتكم سنؤديه "([25]).
وقد رافق سمو الأمير سعود الحاج محمد أمين الحسيني
مفتي فلسطين رئيس اللجنة العربية العليا وفؤاد حمزة وخير الدين الزركلي، وألقى عدد
من الخطباء كلمات الترحيب ، ومنهم أكرم زعيتر الذي قال : إن فلسطين مفتاح الجزيرة
وعنق بلاد العرب، وإن الصهيونية خطر على جميع العرب([26])، فرد عليهم
سموه باستعداد المملكة لنصرة القضية.
ولما كانت السياسة البريطانية في فلسطين تتنكر لمطالب
الفلسطينيين، وتؤيد بقوة مطالب الصهيونية من أجل تمكين اليهود لإقامة دولتهم في
فلسطين، الأمر الذي دفع العرب إلى الثورة، وقرر عرب فلسطين أن العداء يجب أن يوجه
إلى بريطانيا ؛ لأنها المسؤولـــة عن كارثة فلسطين، ولذا عقد عرب فلسطين مؤتمرهم
الشعبي الذي في القدس عام 1354هـ/1935م لبحث الحالة العامة في البلاد، ودفع هذا
الأمر حركة الشيخ عز الدين القسام بإعلان الجهاد ضد الإنجليز، فقامت الحكومة
البريطانية بالقضاء على القسام ورفاقه، فأثار ذلك حفيظة العرب، وتحولت جنازة الشيخ
عز الدين القسام إلى مظاهرة شعبية رائعة في حيفا، أثارت الإنجليز الذين تحرشوا
بالمشيعين ، فقاومهم العرب، ودمروا مركز البوليس، فهز هذا الحادث مشاعر العرب في
البلاد كلها، وكان ذلك إيذاناً بقيام الثورة الكبرى([27]).
الموقف السعودي
من الثورة الفلسطينية الكبرى
3 صفر 1355هـ/
25 أبريل 1936م
تألفت في فلسطين لجنة قومية ، هي اللجنة العربية
العليا في 3 صفر 1355هـ/ 25 أبريل 1936م([28])، كما دعت إلى
تشكيل لجان قومية في كل مدينة وقرية كبيرة في فلسطين، وكانت مهمة هذه اللجان القومية
الإشراف على تنظيم الإضراب العام المستمر، واستجاب عرب فلسطين لدعوة الإضراب العام([29]).
وقد حددت اللجنة المطالب القومية ، وهي منع الهجرة
اليهودية، ومنع انتقال الأراضي العربية إلى اليهود، وإنشاء حكومة وطنية مسؤولة
أمام مجلس نيابي([30]). وقد نجح زعماء
فلسطين في رأب الصدع عندما تشكلت اللجنة العربية العليا، واشتركت في عضويتها جميع
الأحزاب والهيئات واللجان من المسلمين والمسيحيين دعماً للعمل الثوري في جبهة
قومية واحدة ، كما ارتفعت دعوات الجهاد والكفاح بدلاً من الاحتجاج والاستنكار([31]).
ازداد النشاط السياسي، وارتفعت درجة الحماسة الوطنية،
وتعددت الاشتباكات ، وكثر الشهداء العرب، ورفضوا دفع الضرائب، فكان هذا القرار
إعلاناً للعصيان المدني نحو الإنجليز، ورغم ذلك فإن الحكومة البريطانية لم تعمل
على الاستجابة لمطالب العرب، بل استمرت في السماح لليهود بالهجرة إلى فلسطين([32]).
واشتدت نقمة العرب، وأدركوا أن طريق الكفاح المسلح
والجهاد هو أفضل وسيلة لدرء أخطار الاستعمار والصهيونية عن فلسطين ، وانتقل كفاح
العرب من مرحلة الإضراب والمظاهرات إلى مرحلة الثورة المسلحة، فقاموا بأعمال
تدميرية للمصالح الإنجليزية والصهيونية من نسف الجسور وقلب القطارات، وقطع خطوط
البرق والتليفون، وإتلاف الأشجار المثمرة في المستعمرات اليهودية، وقتل سكانها ،
ونسف أنابيب البترول التي تصب في حيفا، وإضرام النار في الزيت المتدفق منها،
وإحراق المصانع اليهودية، واغتيال رجال الشرطة البريطانيين واليهود على السواء.
وأقفلت الدكاكين، وامتنع الناس عن مزاولة أعمالهم اليومية ، وتعطلت حركة السير([33]).
اشتطت حكومة الانتداب في موقفها، وقررت مقابلة العنف
بالعنف، فأعلنت تطبيق قانون الطوارئ وفرض غرامة جماعية مشتركة على القرى، وألقت
القبض على عدد من أعضاء اللجنة العربية([34])، ونفتهم إلى جزيرة
سيشل ، ثم أفرجت عنهم بعد حوالي عام، كما استقدمت الحكومة البريطانية قوات عسكرية
من قواعدها في الشرق الأوسط([35])، وليس هذا فحسب
، بل قامت كذلك بالاعتداء على حقوق المسلمين بالاستيلاء على أوقافهم ومحاكمهم
الشرعية وعزل مفتي فلسطين من رئاسة المجلس الإسلامي.
وأرسل مفتي القدس رئيس اللجنة العربية العليا رسائل
إلى زعماء العالم العربي والإسلامي، يطلب فيها الوقوف مع كفاح الشعب الفلسطيني
لدعم الإضراب، فوصلت رسالة إلى الملك عبدالعزيز آل سعود في أواخر إبريل 1936م،
وعلى إثر ذلك اجتمع القنصل الإنجليزي في جدة السير أندرو ريان Sir Andrew Ryan
مع الشيخ يوسف ياسين بتاريخ 8 صفر 1355هـ الموافق29/4/ 1936م، وبحث معه طلب
المفتي مساعدة السعودية لعرب فلسطين في كفاحهم ضد السياسة الإنجليزية الصهيونية،
وكان المفتي يركز في رسائله للزعماء المسلمين أنه إذا بقي الموقف جامداً من قِبل
العالم الإسلامي والعربي نحو القضية الفلسطينية فإن المسلمين سيفقدون فلسطين ، كما
فقد العرب والمسلمون الأندلس([36]).
كما أرسل مفتي القدس رسالة إلى صاحب السمو الملكي
الأمير سعود بتاريخ 12 يونيو 1936م الموافق 22 ربيع الأول عام 1355هـ ، قال فيها:
" إن فلسطين المسلمة... وقد أرهقها ما صب عليها من بلاء، وأنهكها ما تلاقيه
من تسلط وبطش تفزع بعد الله تعالى إلى صاحب الجلالة الملك أن يستعمل نفوذه العالي
في نصيحة ذوي الشأن في لندن وسواها بضرورة إنصاف عرب فلسطين وتغيير السياسة
المتبعة الآن للقضاء عليهم وإجابة مطالبهم ؛ حتى يعود للبلاد المقدسة هدوؤها
واطمئنانها ، ويحل فيها السلام"([37]). وهذه الرسالة
من أهم الرسائل التي كان لها انطباع مؤثر لدى الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل
سعود([38]).
وقد طلب الملك عبدالعزيز من وزيره المفوض في لندن
حافظ وهبة الاتصال بالحكومة البريطانية ومناقشة الإنجليز في القضية الفلسطينية،
كما طلب الوزير المفوض من الإنجليز الإفراج عن المعتقلين والمحكوم عليهم([39]).
وقررت الحكومة البريطانية اتباع الأسلوب السياسي
الدبلوماسي بدلاً من الأسلوب العسكري، وبخاصة بعد أن تبين لها أن الحل العسكري غير
ممكن، وأن الإضراب والمقاومة الفلسطينية ستستمر إلى أن يحقق الشعب الفلسطيني النصر
؛ لذا فإن الحكومة البريطانية لجأت إلى الدول العربية ـ ولاسيما المملكة العربية
السعودية ـ للوساطة ؛ وذلك لما للملك عبدالعزيز من ثقل سياسي بين العرب عامة
والفلسطينيين خاصة، وقد تعهدت بريطانيا سراً للملك عبدالعزيز بوقف الهجرة اليهودية
إلى فلسطين([40]).
وفي نفس الوقت أصدرت اللجنة العربية بياناً في 13
جمادى الثانية 1355هـ الموافق 30/8/1936م ، قالت فيه: " إن الأمة ستستمر في
إضرابها الشامل بنفس الثبات واليقين اللذين عرفت بهما رافعة الرأس راسخة الإيمان
متريثة رزينة إلى أن تصل هذه المفاوضات إلى النتيجة المرغوبة التي تحفظ لهذه الأمة
الباسلة كيانها ونيلها حقوقها وأمانيها إن شاء الله "([41]).
اتصل الملوك والأمراء العرب بزعماء اللجنة العربية
العليا، وطلبوا منها إنهاء الثورة ووقف الإضراب ، وجاء فيه ما يأتي : " لقد
تألمنا كثيراً للحالة السائدة في فلسطين، فنحن بالاتفاق مع إخواننا ملوك العرب
والأمير عبدالله ندعوكم للإخلاد إلى السكينة حقناً للدماء معتمدين على حسن نوايا
صديقتنا الحكومة البريطانية ورغبتها المعلنة لتحقيق العدل، وثقوا أننا سنواصل السعي
في سبيل مساعدتكم"([42]) .
ولبى أهل فلسطين دعوة ملوك العرب، فتوقف الإضراب،
وبعث رئيس اللجنة العربية العليا الحاج أمين الحسيني برقية إلى الملك عبدالعزيز آل
سعود بتاريخ 28 جمادى الثانية 1355هـ الموافق 14/9/1936م يعلن فيها موافقة الشعب
الفلسطيني على وساطته ، كما أبلغ الملوك والأمراء بذلك([43]).
والواقع أن بريطانيا قد أوعزت للحكام العرب بتوجيه
نداء إلى الثوار الفلسطينيين، ويدل على ذلك ما طلبه جورج ريندل من وزير الخارجية
البريطانية المستر إيدن توجيه رسالة شكر وتقدير إلى كل من الملك عبدالعزيز والملك غازي
إثر نجاح ندائهم في وقف الإضراب والاضطرابات في فلسطين، ولكن إيدن رفض ذلك([44]).
وفي 27 رجب 1355هـ الموافق 13/10/1936م أصدرت اللجنة
العربية العليا بياناً إلى الشعب الفلسطيني بوقف الإضراب بناء على رغبة الملوك
العرب ، وتوقف الإضراب نهائياً بعد أن استمر ستة أشهر، وأخبر رئيس اللجنة العربية
العليا القادة العرب بوقف الإضراب في برقية جاء فيها:" إطاعة لأوامر جلالتكم
وسموكم أخلد أبناؤكم عرب فلسطين للسكينة ، وأقبلوا على مزاولة أعمالهم شاكرين عطف
جلالتكم و" سموكم " الأبوي واثقين بأن مساعدة جلالتكم " سموكم
" ستحقق مطالبهم القومية، أدامكم الله عزاً للعرب والمسلمين ".
وقد رد الملك عبدالعزيز على الحاج أمين الحسيني
ببرقية في 28 رجب 1355هـ الموافق 14/10/1936م شكر فيها الشعب الفلسطيني على إخلاده
للسكينة وإطاعتهم لأوامر الملوك العرب ، وما أبدوه من حب للسلام وإظهار نواياهم
الحسنة للوصول إلى الأهداف المرجوة .
تنفس الإنجليز واليهود الصعداء بعد أن توقف الإضراب،
وسار الجنود إلى مراكز عملهم بحرية، كما أن المسؤولين الإنجليز لم يهتموا بوساطات
الزعماء العرب، بل رموا بطلباتهم عرض الحائط، فلم يستمعوا إلى ظلامة المقهورين من
الشعب الفلسطيني، ولم تظهر بريطانيا حسن النية تجاه الشعب الفلسطيني، بل استمرت في
اعتقال ومحاكمة من خططوا للإضراب وقاموا به ، وصفا الجو للإنجليز لعمل ما يشاؤون
بالشعب الفلسطيني الذي أنهى ثورته بناء على أوامر الملوك العرب([45]).
وإزاء ذلك أرسل مفتي القدس الحاج محمد أمين الحسيني
رسالة إلى الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود بتاريخ 15 شعبان 1355هـ الموافق
31/10/1936م طلب فيها من الملك السعودي أن يستخدم نفوذه عند الإنجليز لتحقيق
الأمور الهامة التي هي موضوع قلق عام في فلسطين ، وأهمها:
1 ـ وقف الهجرة اليهودية بكل أشكالها.
2 ـ إلغاء قانون الطوارئ.
3 ـ العفو عن كل المحكومين بسبب الثورة.
4 ـ إخلاء سراح بقية المعتقلين والمنفيين.
5 ـ إلغاء الغرامات المفروضة بسبب الاضطرابات.
6 ـ توقيف التحقيقات والتعقيبات بحق المتهمين.
7 ـ منع تجديد حالة الفزع والاضطرابات ، وذلك بعدم
البحث والتفتيش عن المجاهدين والأسلحة([46]).
والحقيقة أن الإنجليز خدعوا زعماء العرب، وشعر الملوك
العرب بذلك؛ لأن الإنجليز لم يحققوا المطالب العربية، وأصيب الملوك العرب بخيبة
أمل ؛ لأنهم أصبحوا يتحملون المسؤولية أمام العرب عامة والفلسطينيين خاصة، وعلاوة
على ذلك طلب الملك عبدالعزيز من الإنجليز الإفراج عن جميع السجناء والمحكوم عليهم
، ولكن بريطانيا لم تنفذ ذلك، ولم تف بأي وعد قطعته على نفسها، فأوجد حرجاً للحكام
العرب أمام شعوبهم([47]).
ومهما يكن من أمر فإن القضية الفلسطينية منذ عام
1936م استأثرت باهتمام الملك عبدالعزيز أكثر فأكثر، فقد مثلت القضية الفلسطينية
لابن سعود إشكالية لم تجد حلاً حتى وفاته ، غير أن تعقيدات القضية غدت أكثر قوة
وشعوراً بالمرارة نتيجة قمع بريطانيا لثورة الفلسطينيين ، وقد ذكر ابن سعود في
رسالة إلى البريطانيين حول إحلال اليهود في فلسطين ، قال فيها: " لو قلت لكم إن
هناك ذرة واحدة في جسدي لا تدعوني إلى قتال اليهود لكنت أكذب، لو ذهبت كل أملاكي
وتوقف نسلي لكان أسهل عليّ من أن أرى موطئ قدم لليهود في فلسطين "، كما اتهم
الإنجليز واليهود ابن سعود بأنه غدا أصولياً متشدداً ([48]).
وقد بحث القنصل البريطاني في جدة جورج ريندل G. W. Rendel
مع الوزير السعودي القضية الفلسطينية، وتطرق الحديث بينهما إلى الأوضاع في
فلسطين وبرقية المفتي إلى الملك عبدالعزيز آل سعود، ولكن راندل احتج على إرسال
المفتي برقية إلى الملك عبدالعزيز ؛ كي يخبر ابن سعود بما يجري في فلسطين ،
ونستنتج من هذه المقابلة أن الإنجليز امتعضوا من المراسلات التي كانت تجري بين
الزعماء العرب، ويريدون أن يعرفوا بمحتويات كل رسالة أو برقية، وهذا هو منتهى
الظلم والتعسف والقهر والاستعمار([49]).
وعلى العموم كانت نظرة الإنجليز إلى الملك عبدالعزيز
بأنه رجل معتدل في الشرق الأوسط وواقعي الاتجاه ومتزن ورزين ، ورغم أن الإنجليز لم
يحققوا طلباته بشأن فلسطين كانوا لا يسمحون بأي وحدة عربية هاشمية تؤثر عليه وعلى
مملكته، ولاسيما بعد محاولات الهاشميين في قيام وحدة عربية تضم العراق وفلسطين
وشرق الأردن([50]).
وبلغ من اهتمام الملك عبدالعزيز بالقضية الفلسطينية
أن قام بنشاط واسع على الصعيدين الداخلي والدولي، ففي المدة ما بين عام 1936م و
1973م أمر الأمير فيصل ابن عبدالعزيز نائب الملك بالحجاز بتأليف لجنة في كل مدينة
وقرية ، تسمى لجنة فلسطين([51])، مهمتها العمل
على إسماع العالم العربي والإسلامي والعالم أجمع صوت الشعب السعودي وإمداد الحركة
الوطنية الفلسطينية بكل المعونة التي يقدمها الشعب السعودي؛ ليشترك مع حكومته في
مساندة الحركة([52]).
بريطانيا ومشروعات التسوية
لقضية فلسطين
1 ـ مشروع اللجنة الملكية بتقسيم فلسطين (لجنة بيل)
1356هـ/1937م:
أعلنت الحكومة البريطانية أنها تعتزم إيفاد لجنة
تحقيق ملكية للبحث في أسباب الثورة الفلسطينية، فقررت بريطانيا في 10 جمادى الأولى
1355هـ الموافق 29/7/1936م إرسال اللجنة الملكية برئاسة (اللورد بيل Peel)
لدراسة ووضع تقرير حول الأسباب التي أدت إلى الإضراب الذي استمر ستة شهور ، والتي
كان أهمها وقف الهجرة اليهودية ومنع بيع الأراضي وإلغاء وعد بلفور والاستقلال
التام([53]).
وأوفدت اللجنة العربية العليا وفداً مكوناً من الشيخ
كامل القصاب وعوني عبدالهادي ومحمد عزة دروزة ومعين الماضي إلى العواصم العربية
الرياض وبغداد ودمشق لمناشدة الحكام العرب للوقوف إلى جانب الشعب الفلسطيني وشرح
أبعاد هذه المشكلة ، بالرغم من أن وزير المستعمرات البريطاني قد منح 1800 شهادة
هجرة جديدة يهودية إلى فلسطين رغم أنف العرب ضارباً عرض الحائط بمطالب الشعب
الفلسطيني التي رفعها ملوك العرب إلى الإنجليز؛ لذلك أعلن الحاج أمين الحسيني عن
عدم استعداده لمقابلة اللجنة الملكية احتجاجاً على قرار وزير المستعمرات أورمسبي
غور Ormesby Ghor) ([54]) ).
حاول الملك عبدالعزيز إقناع عرب فلسطين عن عدولهم عن
مقاطعتهم اللجنة الملكية، ورأى الملك عبدالعزيز بثاقب نظره وحصافة رأيه الاتصال
باللجنة الملكية والإدلاء إليها بالمطالب الفلسطينية العادلة ؛ لأن ذلك أضمن لحقوق
الشعب الفلسطيني، وأدعى لمساعدة الأصدقاء في حسن الدفاع عن الشعب الفلسطيني([55]).
لذا فإن الملك عبدالعزيز تابع جهوده مع بريطانيا من
أجل حل قضية فلسطين حلاً عادلاً، وقد وعدت بريطانيا الملك بأنها ستنظر في القضية
بشكل عادل([56])، لكن الإنجليز
لم يكونوا صادقين، بل إنهم لم يكونوا حريصين على تحقيق أي مطلب لعرب فلسطين،
وبخاصة تلك التي تتعلق بالعفو العام، وإيقاف هجرة اليهود، وحماية الملكية
الفلسطينية، واستقلال فلسطين([57]).
قابل زعماء فلسطين اللجنة الملكية، وشرحوا لها
المظالم التي وقعت عليهم نتيجة الانتداب البريطاني، وحددوا طلباتهم الواضحة التي
طالما طالبوا بها سابقاً مراراً وتكراراً ، وهي منع الهجرة اليهودية، ومنع بيع
الأراضي العربية لليهود، وتشكيل الدولة الفلسطينية المستقلة، وبعد أن أنهت اللجنة
الملكية أعمالها وعادت إلى لندن أصدرت لجنة (بيل) قراراً بتاريخ 28 ربيع الثاني
1356هـ الموافق 7/7/1937م يوصي بتقسيم فلسطين إلى ثلاث مناطق: منطقة يهودية،
ومنطقة عربية تضم إلى شرق الأردن، ومنطقة تبقى تحت الانتداب البريطاني الدائم وهي
الأماكن المقدسة (القدس وبيت لحم والناصرة). استنكر الفلسطينيون قرار التقسيم،
وأرسل المفتي رسائل إلى زعماء المسلمين وملوكهم ، طلب منهم حماية المقدسات
الإسلامية في فلسطين ؛ لأنها لكل المسلمين في العالم([58]).
وقد أرسل مفتي فلسطين الحاج محمد أمين الحسيني رسالة هامة إلى الملك عبدالعزيز بتاريخ 11 جمادى الأولى 1356هـ الموافق 19 يوليو (تموز) 1937م، شرح فيها الأخطار العامة والخاصة التي ستلحق بفلسطين والعالمين العربي والإسلامي إذا طبق قرار التقسيم، أما عن الأخطار العامة فقال المفتي: إن تقسيم فلسطين إلى ثلاث مناطق وإنشاء دولة يهودية سيؤدي إلى قطع الاتصال بين القسم الجنوبي من بلاد الشام أي فلسطين عن القسم الشمالي ، هذا من جهة، ومن جهة أخرى قطع شمال بلاد الشام عن مصر ؛ كي لا تقوم وحدة عربية في المستقبل. وأضاف بأن ميناء حيفا الهام للعراق والحجاز سيكون ضمن الدولة اليهودية، وستتحكم هذه الدولة بساحل البحر المتوسط الشرقي ، وستكون خطراً على المصالح العربية، وأضاف قائلاً: بما أن دولتهم ستكون خليطاً من أمم شتى فسوف يجلبون معهم أخلاقاً ومبادئ هدامة للشرق العربي، وبما أن لجنة بيل توصي بجعل العقبة تحت الانتداب البريطاني الدائم فسيكون خطراً على الديار المقدسة في الحجاز والبلاد العربية عامة. وأما عن الأخطار الخاصة بفلسطين فقال المفتي لابن سعود بأنها كثيرة ، ومنها أن منطقة قضاء عكا فيها 63 قرية عربية على حين أن لليهود قرية واحدة فقط، وسيكون هذا القضاء في الدولة اليهوية، وأن العرب في الدولة اليهودية هم أكثر من اليهود، وأن كثيراً من المساجد والمقامات الدينية الإسلامية سوف تقع وتخضع للسيطرة اليهودية، وأن القدس ستكون ضمن الانتداب البريطاني، وسيصبح فيها اليهود أكثر من العرب، وسيكون المسجد الأقصى في خطر، وأن الدولة اليهودية ستحصل على المناطق الخصبة على حين تحصل الدولة العربية على المناطق الفقيرة والجرداء(