مقدمــــــة :

لم تشغل الملك عبد العزيز مسألة توحيد الجزيرة العربية وإقامة حكم عادل فيها عن العالم العربي ، فقد شاء الله أن يملأ سيد الجزيرة المطلق فراغاً في التاريخ العربي ؛ ليقف على أبواب المشرق العربي ، ويحمل قضاياه ، وقد اتبع في سياسته العامة : الدفاع عن الأقاليم العربية ، والمحافظة على استقلالها ، والسعي لتحرير الأجزاء التي مازالت خاضعة للأجنبي ، وإسداء المعونة لها ؛ كي تنال الاستقلال ، وأصبح من ثوابت سياسته العربية تغليب روح الأخوة في علاقاته مع الحكومات العربية في جميع الميادين وتوجيه الدعوة الدائمة لها بالتضامن والتكاتف وتوحيد المساعي ، وقد كان لتوجه الملك التوحيدي صيغة خاصة في ذهنه مرتبط بالدولة الإسلامية وصيغتها التاريخية ، وشكلت حركة التضامن الإسلامي في ضميره العمق الأساسي في دعم الجهود العربية والدفاع عن قضايا العرب.

لم يبق الملك في عزلة عن العالم الخارجي ؛ فمنذ أن شرع في توسيع رقعة دولته وتوطيد أركانها أصبح يشترك اشتراكاً فعلياً في توجيه السياسة خارج دائرة الجزيرة دون أن يتيح لأجنبي سيطرة عليه أو تدخل في شؤونه ، وأخذ ينظم العلاقات الخارجية بين بلاده والدول الأخرى تنظيماً صحيحاً أقيم على قواعد المعاملة بالمثل والصداقة المتبادلة، واستطاع أن يقر علاقاته مع الدول الكبرى على أساس من المرونة وحسن التفاهم من غير أن يضيع على بلاده حقاً أو يحقق لطامع مطمعاً ، وقد أوتي براعة سياسية لا يرقى الشك إلى مقدرته فيها ، وكان واحداً ممن يجيدون فن التعامل مع الممكن ، ولكل حال عنده وقتها وظروفها وأسلوب مواجهتها([1]).

ولقد كانت مواقف الملك تجاه القوى الكبرى على وجه الخصوص كلها لمصلحة القضايا العربية والإسلامية بشكل عام ، ولصالح القضية الفلسطينية بشكل خاص ، وكان هَمُّ تلك القضية أنبل الهموم العربية التي حملها الملك في قلبه ، وخصها بفائق عنايته انطلاقاً من مسؤوليته عن البيت الحرام ، وانتهاء بمسؤوليته عن المسجد الأقصى والقدس ، ووقف مع عرب فلسطين يؤيدهم ، ويشد أزرهم ، ويبذل لهم ضروب المساعدات مادية وأدبية في كفاحهم لإنقاذ وطنهم ، وتصدى بالحجة والبرهان والتاريخ لإظهار وجه الحق والعدل لقضية عرب فلسطين ، وأصبح العاهل السعودي عاملاً مؤثراً بالنسبة للقضية على الساحة الدولية ولدى من بأيديهم زمام الأمر لدفع الكارثة عن تلك البقعة العزيزة الغالية من بقاع العرب والإسلام.

وكانت فلسطين قد شهدت منذ 1355هـ– 1936م تفجر أحداث الثورة الكبرى، ووقف منها موقف المساندة ، وكان في طليعة الحكام العرب الذين أبدوا اهتماماً بأعمال الثورة ، وتبنيها قضية عربية تقع مسؤوليتها على العرب جميعاً([2])، واتخذ الملك موقفاً معترضاً من قرار التقسيم (يوليو 1356هـ– 1937م) ([3])، وظل يواصل الجهد منذ صدور القرار مع الحكومة البريطانية ، مبيناً أن السياسة التي انتهجتها في ذلك البلد العربي المقدس تتنافى مع الصداقة التي تنشدها بريطانيا مع المسلمين والعرب ، وتخالف عهودها ومواثيقها ، ولا تتفق مع الحق والعدل([4]).

وبعد تجدد أعمال الثورة الفلسطينية منذ خريف 1356هـ– 1937م تجاوز الجهد السعودي الحد الدبلوماسي إلى مساعدات مادية للثورة ، ووجهت الحكومة البريطانية اتهاماتها إلى المملكة بإرسال سلاح وأموال إلى الثوار([5]) ، ونفى الملك الإشاعات ، ومع تأكيد حرصه على الصداقة البريطانية ذكر الملك بالتأثير الحاصل في نفوس أهل بلاده للخطر الحاضر والمستقبل على العرب مشيراً إلى اعتقاده بأن تأسيس دولة لليهود مناف لمصالح العرب ، ومهدد بمحو العرب ليس في فلسطين وحدها ، بل في سائر البلاد العربية ، وأن ذلك ضد مصلحة بريطانيا ؛ " ومن أجل ذلك نواصل نصائحنا ؛ لتعدل الحكومة عن الخطة ، ونواصل نصائحنا لأهل فلسطين بأن يتخذوا طريق التفاهم مع بريطانيا كأسلم الطرق للوصول للمقصود ، ولم ينقطع أملنا بإنصاف بريطانيا"([6]).

واستكمالاً لجهود الملك من أجل القضية الفلسطينية كانت رحلة الأمير سعود إلى لندن أواخر شهر جمادى الآخرة 1357هـ/ أغسطس 1938م ، وجرى لقاء بين ولي العهد السعودي ووزير الخارجية البريطانية اللورد هاليفاكس Halifax في 6 جمادى الآخرة 1357هـ / 31 أغسطس 1938م([7]) ، وقد ذكر الأمير السعودي أنه لا يتكلم بصفة رسمية ، ولكنه رأى أن يبين أن تردي الوضع يشير إلى القلق والانزعاج في نفوس المسلمين في كل مكان ، وأن ما يقلق الملك عبد العزيز على وجه الخصوص وغيره من العرب هو أن تعمل المسألة الفلسطينية على الإضرار بالصداقة التقليدية مع بريطانيا ؛ إذ لا نزاع بين العرب وبريطانيا ، إنه فقط بين العرب واليهود . وقد أشار الأمير السعودي إلى جهود والده القصوى "إلى الحيلولة دون تدهور المشاعر في فلسطين ؛ حتى لا تلحق ضرراً بعلاقات الصداقة الأنجلو عربية" . وأضاف الأمير بأن والده قد عمل على تطمين عرب فلسطين بأن (حكومة جلالته) ستعمل في النهاية على تطبيق العدل ، ولذا فهو على ثقة بأنه لا بد للحكومة البريطانية من عمل كل شيء ممكن لإرضاء الأماني العربية المشروعة . ووعد وزير الخارجية في رده على حديث الأمير سعود الصريح أن ينقل ما جاء فيه إلى أعضاء الوزارة البريطانية مؤكداً حرص الحكومة البريطانية في التعامل مع القضية الفلسطينية وفق هدفين واضحين : "تبني حل عادل ، والحفاظ على الصداقة الوثيقة بين بريطانيا والعرب".

وقد قام عوني عبدالهادي (أحد القيادات الفلسطينية المتواجدة في القاهرة في تلك المدة ) بمقابلة الأمير سعود في 23 رجب 1357هـ / 17 سبتمبر 1938م على ظهر الباخرة هندرسون في ميناء السويس وهو في طريقه من لندن إلى جدة ، وقد سجل عوني هذا اللقاء في رسالته إلى عزة دروزة (قيادي فلسطيني في دمشق كان يتولى توجيه أعمال الثورة الفلسطينية)([8]) ، قال الأمير سعود : إن والده يحب الأعمال الصادقة ، وإنه دائب على العمل على ما فيه الخير والمصلحة الفلسطينية ، ولكنه ممن لا يحبون الأقوال، "إذا قال هو فلابد له من تنفيذ ما يقوله "([9])، وأسر الأمير إلى عوني عبدالهادي أنه حادث حسب تعاليم والده اللورد هاليفاكس في الأمر ، وطلب منه " أن تعمل الحكومة البريطانية عملاً يرضى العرب خشية تفاقم الأمور بين العرب وبريطانيا".

وقال الأمير : إن هاليفاكس فهم المعنى المقصود من هذه العبارة ، وإن والده لا يمكن أن يقبل تهويد كل فلسطين أو أي قسم منها ، وأنه يعد وجود دولة يهودية خطراً على الجزيرة نفسها.

وخلاصة حديث ولي العهد السعودي كما نقله عوني : " إنه ستظهر إشارات جديدة في السياسة عما قريب نرتاح إليها ، وإذا تعكر الجو فسوف نرى من والده كل ما يسر ".

الترتيبات التمهيدية لمؤتمر لندن :

كانت الحكومة البريطانية قد أدركت أهمية ردود الفعل العربية المجاورة لفلسطين في تلك المرحلة التي تشهد وضعاً دولياً خطراً، فاضطرت إلى التحول تدريجياً عن سياساتها التقليدية بعزل فلسطين عن التأثيرات العربية المجاورة وإبقاء العرب خارج فلسطين غير مبالين لمصير أشقائهم فيها ، وهي السياسة التي ظلت تتمسك بها إلى حين استقالة وزير المستعمرات أورمسبي غور Ormsby – Gore في ربيع أول 1357هـ/ مايو 1938م، ومهدت استقالته الطريق لتطور سياسته أكثر استرضائية تجاه العرب في فلسطين([10]) .

وتجلت مظاهر التحول في تخلي الحكومة البريطانية عن مشروع التقسيم الذي اقترحته اللجنة الملكية ، وتشكيل لجنة وزارية خاصة بفلسطين في شعبان 1357هـ / أكتوبر 1938م ، وطرح وزير المستعمرات الجديد مالكولم مكدونالد Malcolm MacDonald  فكرة مؤتمر عربي يهودي ، وبرأيه أن مشاركة الدول العربية المجاورة في المؤتمر ضروري ؛ نظراً لاستحالة الوصول إلى تسوية لقضية فلسطين لو عولجت في عزلة عن جيرانها ، واتفق رئيس الوزارة البريطانية نيفيل تشمبرلن Neville Chamberlin مع هذا الرأي مضيفاً أن فلسطين قد أصبحت قضية عربية عامة ، وأن من المحتمل أن يشكل الحكام العرب جبهة موحدة لو أنهم أبعدوا عن المؤتمر ، وكانت الحجة التي أوردها مكدونالد لشرح هذا التحول الجديد هي أن احتمال نشوب الحرب يقتضي السعي إلى استرضاء العرب بإعطائهم الفرصة للتعبير عن مخاوفهم ، وذلك لتخفيف عداوتهم وضمان مصالح بريطانيا الحيوية في المنطقة([11]) .

وهكذا أخذت الحكومة البريطانية تنظر للقضية الفلسطينية من خلال المجال الأوسع للعلاقات العربية البريطانية ، وأولت حساباً خطيراً لتحذيرات الملك عبدالعزيز بأن العرب لو لم يمنحوا " ترضية معقولة " في مسألة فلسطين ربما يتوجهون بيأس نحو قوى المحور([12]) ، وكان وزير المستعمرات مكدونالد في لقائه مع زعيمي الصهيونية وايزمان وابن غوريون في 25 رجب 1357هـ – 19 سبتمبر 1938م([13]) ، قد أشار إلى قوى ردود الفعل العربية في البلدان المجاورة ، والتهديد الذي يتضمنه ذلك للمصالح البريطانية الحيوية في المنطقة . وكان قلقاً على وجه الخصوص من موقف الملك السعودي ؛ نظراً "لنفوذه الهائل في العالم الإسلامي وفي الهند " . وأضاف مكدونالد " لو أن ابن سعود أعلن حرباً مقدسة فإن باستطاعته أن يهز الإمبراطورية " .

وقبل أن توجه الحكومة البريطانية الدعوة  رسمياً إلى مؤتمر لندن عرض الوزير المفوض البريطاني في جدة بولارد Bullard  على الملك عبدالعزيز في 17 شعبان 1357هـ / 11 أكتوبر 1938م عدة أوراق تشتمل على : بيان حكومته بعدولها عن مشروع التقسيم ، وقرار بدعوة عرب فلسطين ومندوبين عن الحكومات العربية المجاورة ومندوبين عن الوكالة اليهودية للبحث في حل المشكلة الفلسطينية ، وخلاصة تقرير لجنة ( وودهد ) Woodhead ([14])، وأجرى الوزير المفوض حديثاً مع العاهل السعودي([15]) ، أبدى الملك خلاله أمله بأن يكون الخير من وراء المؤتمر الذي ستدعو إليه الحكومة البريطانية ، ثم أسهب الملك في الكلام عما يعتقده من ضرورة اتفاق العرب وبريطانيا لاقتضاء مصلحة الطرفين ، وأن حوادث فلسطين مؤلمة للعرب ومؤلمة للبريطانيين أنفسهم ، وأن الحكومة البريطانية بما أوتيت من العقل والحكمة قد حلت أكبر المشكلات العالمية ، فكيف تعجز عن حل مسألة يسيرة كمسألة فلسطين ؟ وأن بريطانيا ما دامت عازمة على هذا الاجتماع فلاشك في أن العرب سيلقون منها من العطف على مصالحهم ما يؤمن سير القضية بالعقل والعدل ، وأكد الملك على أن موضوع الهجرة ينبغي أن يكون النقطة الأساسية في المؤتمر ، أما بشأن احتفاظ الحكومة البريطانية لنفسها بشأن الأشخاص الذين ينتخبون عن فلسطين وأنها لا تقبل أن يكون أحد منهم من المسؤولين عن الثورة جاء رد الملك : " المهم في الموضوع اختيار الأشخاص المحنكين الذين يحسنون الفهم والكلام ، وأن حضور الأشخاص الذين لا يقدرون الأمور ولا تكون لهم المنزلة الكاملة – ولو كانوا أصدقاء – لا يمكن أن يفيدوا فلسطين ولا بريطانيا"  ، وحين أشار بولارد بصورة خاصة إلى ( المفتي ) لا يمكن أن يكون عضواً في المؤتمر أجاب الملك قائلاً: " المفتي هو من الأشخاص المعروفين في فلسطين ، ويمكن أن يرى بعض أشخاص آخرين يقومون باللازم " .   

وفي 15 شعبان عام 1357هـ 9 أكتوبر 1938م دعت الحكومة ببلاغ رسمي الحكومات العربية لإرسال مندوبين عنها على أعلى مستوى إلى مؤتمر المائدة المستديرة في لندن يحضره أيضا ممثلون عن عرب فلسطين ، وفي اليوم ذاته التي أرسلت فيه الدعوة البريطانية رسمياً بعث الملك عبد العزيز برقية إلى ممثل المملكة في القاهرة([16]) يطلب منه مقابلة محمد باشا رئيس الوزراء المصرية وإخباره رسالة الملك : (بأننا نحب على الدوام أن نكون على اتفاق وتفاهم وتعاضد في كل ما له علاقة بالمصلحة الإسلامية عامة والمصلحة العربية خاصة ... وأهم المسائل التي توجه الإسلام والعرب في الوقت الحاضر هي مشكلة فلسطين ، وبالنظر لقرار باجتماع لندن فنحن نرغب في توحيد المسعى لنجاحه).

وكانت تعليمات الملك لممثله في القاهرة أن يتداول الرأي مع الحكومة المصرية والحكومة العراقية لانتخاب المندوبين الذين يمثلون  فلسطين ؛ وذلك لأن أهم مشكلة تواجه المشروع بنظر الملك هي " كيفية تمثيل أهل فلسطين ، وبالنظر للثورة القائمة في داخل فلسطين فمن العسير القيام بانتخابات عامة للحصول على النتيجة".

وكانت المسألة التي أثيرت قبل سفر الوفود إلى لندن– إضافة إلى اختيار ممثلين عن فلسطين – هي تعيين الأسس التي ستتعهد بها بريطانيا قبل المؤتمر ، وكانت المسألتان موضوع مذكرة مطولة للملك عبد العزيز نقل فحواها الوزير البريطاني المفوض في جدة إلى وزارة الخارجية البريطانية في 21 شوال 1357هـ / 13 ديسمبر 1938م ، وقيمة هذه المذكرة كما يراها الوزير المفوض تكمن في تبيان الجهود التي يقوم بها الملك للتوفيق بين وجهتي النظر البريطانية والعربية بشأن مباحثات لندن ، وقد شرح الملك في مذكراته الجهود التي بذلها مع شعب فلسطين من خلال قناتين: المفتي ، وعدد من الزعماء ذوي الرأي من عرب فلسطين، وكانت حجته لدى هؤلاء جميعاً "هو ضرورة الموافقة على قبول الدعوة وانتهاز الفرصة التي أعلنتها بريطانيا والإفادة من مشاركة مندوبين عن الحكومات العربية في مفوضات مباشرة مع الحكومة البريطانية"، وكان في ذهن الملك خلال إجراء اتصالاته عدة حقائق :

1-   إقناع أولئك المعنيين بالفوائد المباشرة والبعيدة للمشاركة في المؤتمر.

2-   إثبات حسن نية الحكومة البريطانية في دعوة ممثلي عرب فلسطين وممثلي الحكومات العربية المجاورة.

3- أن كون إجراء المحادثات التالية مع الحكومات البريطانية – وليس مع اليهود – يشكل ضمانة لعدم الاعتراف بمركز اليهود طرفاً يتعامل معه العرب.

4-   الاقتناع بأن شعب فلسطين سوف يمثل بشكل صحيح ، وستترك لهم حرية اختيار ممثليهم من بين المعتقلين أو المبعدين.

5- الاقتناع بأن حضور المفتي شخصياً في المباحثات المقبلة– حتى لو ألغي المنع الذي وضعته الحكومة البريطانية – لن يكون مجدياً ، ومن الأفضل عدم الإصرار على ذلك.

6- محاولة الوصول إلى اتفاق بشأن تحديد الأسس لبدء المباحثات ، ولكن لو تعذر تحقيق ذلك يجب عدم وضع قيود على حرية أي فريق في المباحثات للتعبير عن آرائه بصراحة تامة بشأن الحل الذي يعتقد بملاءمته دون قيد أو إكراه.

7- محاولة وقف الهجرة خلال المباحثات إلى حين تبني قرار نهائي لتسوية القضية الفلسطينية سواء من قبل المؤتمر أو من قبل الحكومة مباشرة في حال فشل المؤتمر.

وقد أشار الملك في مذكراته إلى أن المشاورات مع الحكومة العراقية مستمرة من خلال البعثة الدبلوماسية السعودية في بغداد والتي نقلت إلى الحكومة العراقية اقتراح الملك المتضمن إجراء لقاء تمهيدي من أجل دراسة أمور محددة:

1-   تأمين العفو عن المبعدين .

2-   تمكين شعب فلسطين من انتخاب ممثلين عنهم من الوطنيين الموثوق فيهم .

3- أخيراً محاولة إقناع المفتي أن يتفق بالرأي مع الملك عبد العزيز بوجوب عدم التوجه إلى لندن ، وقد أوردت مذكرة الملك الاتصالات التي أجرتها الحكومة السعودية مع أعضاء اللجنة العربية العليا "الهيئة الشرعية التي تمثل عرب فلسطين" في دمشق عبر الممثل السعودي فيها ، ونقل الأخير في 30 رمضان 1357هـ / 22 نوفمبر 1938م قرار اللجنة الذي يعبر عن رأى المفتي، وتضمن القرار عدة بنود، هي :

-        استحالة جلوس العرب واليهود معا على مائدة "المؤتمر" .

- وجوب إجراء المفاوضات على أساس منح فلسطين استقلالها مع عقد معاهدة على نموذج معاهدتي سوريا والعراق مع ضمان المصالح البريطانية ومصالح الأقلية اليهودية .

-        استبعاد إجراء المفاوضات على أساس الانتداب أو التقسيم أو إنشاء دولة يهودية .

- الإصرار على الحكومة البريطانية بإلغاء شرطها المتعلق بالمفتي وأعضاء اللجنة العربية العليا، إلا أن المفتي على استعداد للاتفاق مع رأى جلالة الملك عبدالعزيز لو أن جلالته رأى أنه من المفيد ألا يصر المفتي على ذهابه شخصياً إلى لندن ، إلا أن طلب المفتي الوحيد هو الحصول على ضمان يؤكد أن اللجنة العربية العليا هي الممثل الوحيد لشعب فلسطين .

ووفقا لمذكرة الملك " المشار لها " رد جلالته على مطالب اللجنة العربية العليا ببرقية أرسلت إلى دمشق مع تعليمات إلى ممثل المملكة فيها بمقابلة المفتي ، وإعلامه بتحقيق معظم المطالب التي أثارتها اللجنة العربية العليا ، مع الوعد ببذل الجهود مع الحكومة البريطانية لقبول من يتم اختيارهم لتمثيل شعب فلسطين حتى من المعتقلين والمبعدين. أما بشأن تعيين أسس المباحثات التي ذكرتها اللجنة العربية العليا والتي ستتعهد بها بريطانيا قبل المؤتمر فقد تمثلت وجهة نظر الملك عبد العزيز بأنه يصعب إقناع الحكومة البريطانية بقبول ذلك ؛ لأنها لو قبلت لما كانت هناك حاجة لعقد المؤتمر، ومن الأفضل ألا لا يكون هناك قيد على حرية المناقشات أو إلزام بتضيق مجالها ، ولكن يمكن للجنة العربية العليا أن تختار ممثليها على الأسس التي وضعتها دون أن تفرض تلك الأسس على الآخرين ، وواصل الملك جهوده لحث المفتي وأعضاء اللجنة العربية العليا لقبول آرائه من أجل قبول الدعوة وانتخاب ممثلين أهل للثقة لاعتقاده ، كما جاء في مذكرته "بعدم تفويت الفرصة التي تعرضها الحكومة البريطانية على العرب مجتمعين ؛ كي يدحضوا أمام العالم أجمع حجج اليهود "، والملك على ثقة أن مؤتمر لندن سيحقق نجاحاً رائعا بشأن مسألة عرب فلسطين بعد أن دعيت الحكومات العربية رسمياً للمشاركة في مؤتمر رسمي لتسوية المسألة.

ونقلت مذكرة الملك عبد العزيز الرد الكامل الذي بعث به المفتي إلى الملك عبدالعزيز في 8 شوال 1357 هـ / 30 نوفمبر 1938م يعبر فيه عن شكره وامتنانه لجهوده تجاه القضية الفلسطينية ، ويعلن عدم رغبته بالذهاب إلى لندن ، ولكنه يصر على طلبه بأن يتم اختيار ممثلي عرب فلسطين من قبل اللجنة العربية العليا والتي تمثل عرب فلسطين ، وطلب المفتي من الملك الحصول على تعهد من الحكومة البريطانية يكفل للجنة العربية العليا اختيار الأشخاص الذين يحوزون على ثقتها الكاملة.

أما حول أسس المناقشات المقبلة فقد بيَّن المفتي في رده أسباب تمسكه وإخوانه بتعيين تلك الأسس ، وهي أن الحكومة البريطانية جعلت حل المسألة الفلسطينية متوقفة بين العرب واليهود ، ومن غير المحتمل أن يوافق اليهود على وقف الهجرة أو تشكيل حكومة مستقلة ، كما أن العرب لن يقبلوا شيئاً أقل من ذلك ، وفي هذه الحالة فسوف تضيع الجهود سدى ، كما أن الحكومات العربية سوف تتعرض للمهانة لو فشل المؤتمر ، ومعنى هذا كما يقول المفتي : "إن الحكومة البريطانية نظراً لاستحالة الاتفاق بين اليهود والعرب سوف تتبنى الحل الذي هو بنظرها الحل الصحيح والذي لا يتفق مع المطالب العربية" ، كل ما يرجوه المفتي وإخوانه من أعضاء اللجنة العربية العليا أن يتقدم جلالة الملك عبد العزيز برأيه إلى الحكومة البريطانية ، كي تعلن عن مقاصدها لحل المسألة الفلسطينية على أساس الحد النهائي من الهجرة اليهودية واستبدال المعاهدة بالانتداب كما جرى في العراق  ومصر . وختم المفتي كتابه إلى الملك عبد العزيز بهذه الكلمات : "إنني أنا وإخواني على ثقة بأن جلالتكم أشد الناس حماسة وحرصا على مصالح العرب والمسلمين ، وأفضلهم علماً بنقض العهود الذي هو سمة السياسة البريطانية".

وجاءت تعليمات الملك إلى الممثل السعودي في دمشق حاسمة لنقل آراء جلالته إلى المفتي ، ومضمونها : " أن إصرار المفتي على أن اللجنة العربية العليا هي التي تمثل عرب فلسطين مسألة شكلية طالما أن الحكومة البريطانية تعهدت بحرية انتخاب الممثلين ، إن المباحثات في لندن هي من أجل إيجاد حل للمصاعب، ولو قبلت الحكومة أسس المطالب العربية قبل المؤتمر فلا حاجة لأي مؤتمر أو مناقشة بين الحكومات العربية والحكومة البريطانية" . ونقل الممثل السعودي حصيلة ما كان الملك عبد العزيز قادراً على إقناع الحكومة البريطانية بأن تعمله :

1-   أن المباحثات مع العرب يجب أن تكون مع الحكومة البريطانية ، وليس مع اليهود .

2-   على  الحكومة البريطانية أن تقبل ممثلين عن عرب فلسطين ممن يتم اختيارهم حتى أولئك المعتقلين والمبعدين.

3-   أن تكون المناقشات حرة.

4- أن يتقدم العرب بكل ما يشاؤون دون تقيد بأي شرط ، ولكن نظراً لأن الحكومة البريطانية لم تطلب تقيد العرب بوجهة النظر البريطانية أو بالأسس التي وضعتها الحكومة البريطانية وأبدت استعدادها لمناقشة كل ما يتقدم به العرب فإن من العبث إجبار الحكومة البريطانية إعلان قبولها بالمطالب العربية قبل المؤتمر.

وعبر الملك السعودي في الختام عن ترفعه عن المنفعة الشخصية في هذه المسألة : "ليس لنا سوى مشاعر الإخلاص ورغبتنا لإنقاذ فلسطين من وضعها الراهن الشائك ، والطريق ممهد لتحقيق هذا الهدف ، ولو شاء المفتي أن يغلقه وأن يصر على موقفه فهو الذي سيتحمل المسؤولية أمام شعب فلسطين والعالم والأجيال المقبلة ، إضافة إلى ذلك فإن عقد المؤتمر هو في صالح العرب والمسلمين، فإما أن ينال العرب جل أو معظم ما يتطلعون له، وإلا فإن نوايا الحكومة البريطانية سوف تتكشف عن حقيقتها، وفي هذه الحالة لن يكون أمام العرب سوى توجه جديد للتعامل به مع البريطانيين"([17]) .

لقد لخصت مذكرة الملك عبد العزيز العمل الذي قام به لضمان عقد مؤتمر في لندن، مشيراً إلى أن جهوده مازالت مستمرة حتى النهاية بالتعاون مع الحكومات العربية الأخرى ، ولاسيما العراق ومصر.

وقد عبرت رسالة بعث بها عزة دروزة في 19 شوال 1357هـ/ 11 ديسمبر 1938م من دمشق إلى عوني عبد الهادي في القاهرة([18]) عن الشكوك التي كانت تساور جماعة المفتي في تلك المرحلة : " كما توضح حتى الآن أن بريطانيا تتهرب من تعيين الأسس والارتباط بعهود صريحة سلفاً ، ولا شك في أنها تقصد ذلك ، أولاً لأنها تخشى من اليهود ، وثانيا لأنها تريد المساواة " . واقترح عزة في الرسالة نفسها انتظار المبعدين "القادمين من جزر سيشل" ؛ للبحث عن الموقف وتسمية (المفوضين) ، وقد أعلم الرياض بذلك التي ما زالت تلح بتسمية الأسماء ، كما اقترح على الرياض باسم المفتي كذلك " بضرورة تهيئة اجتماع يعقد بين (مفوضي) الحكومات و (مفوضي) اللجنة العربية العليا للبحث في الموقف والاتفاق على خطة واحدة ؛ لئلا يكون في لندن بينهم (بلبلة) ". ومع أن عوني عبد الهادي في رده في 20 شوال 1357 هـ 12 ديسمبر([19]) 1938م رأى صعوبة الإصرار على أسس المفاوضات في الوقت الراهن ؛ لكنه أضاف: "إن الخوف من قبول الذهاب إلى لندن قبل تعيين هذه الأسس هو أن تتفرق كلمة الممثلين".

ومع أن موقف المملكة العربية السعودية ظل حتى ذلك الوقت يؤكد أن الأسس لا يمكن تعيينها إلا في لندن ، "وأنه ليس للعرب إلا أن يدخلوا غير مقيدين بأي قيد ، وأنه ليس من الإنصاف أن نطلب من بريطانيا أن تقيد نفسها([20]) " – لم يمنع هذا أن يتوجه الملك عبد العزيز في رسالة بعث بها إلى وزارة الخارجية البريطانية في 25 شوال 1357هـ / 17 ديسمبر 1938م([21]) يطلب " تعريفه بالمدى الذي يمكن أن تمضي فيه الحكومة لتقديم المساعدة، ليس هذا إلا لدراسة الموضوع من كل جوانبه ، ولتجنب العوائق التي يمكن أن تعترضه ، ولتمهيد الطريق لعقد المؤتمر في جو مؤات يؤمل منه أن يثمر عن النجاح المرغوب " ، ويعد الملك بالاستمرار في اتخاذ إجراءات فعالة لإرضاء كل الأطراف ؛ حتى تتضافر كل الجهود لتسهيل انعقاد المؤتمر ، وعبرت وزارة الخارجية البريطانية في رسالتها إلى وكيل وزارة الخارجية السعودية في جدة([22]) عن عميق امتنانها لهذه اللفتة الأخيرة ، وألحت على ضرورة استمرار التواصل مع رئيس الوزارة المصرية محمد محمود باشا من أجل التوصل إلى اتفاق بشأن الأشخاص الذين يمكن أن يكونوا الممثلين المناسبين لعرب فلسطين.

وفي أواخر ذي القعدة 1357هـ/ ديسمبر 1938 م أبرق الملك عبد العزيز إلى وكيل الخارجية السعودية في جدة لمقابلة الوزير البريطاني المفوض وتكليفه بنقل طلب إلى حكومته([23]) بوجوب إطلاق سراح المبعدين إلى سيشل ورفع الحجز والضغط عن أهل فلسطين للتنقل والتداول فيما بينهم بشأن المؤتمر ، وبفضل جهود الملك عبد العزيز وحرص بريطانيا على ضرورة عقد المؤتمر وافقت بريطانيا لمطالب الملك ، فأطلقت سراح المنفيين في سيشل ، كما تراجعت عن اعتراضها على المفتي واللجنة العربية العليا، فوجهت كتاباً رسمياً إلى المفتي ؛ لكونه رئيس اللجنة العربية العليا لاختيار وفد فلسطين.

وكانت المشاورات بين القيادات الفلسطينية المتواجدة في سورية ولبنان والتي انضم إليها المبعدون القادمون من سيشل قد عقدت في مطلع شهر ذي القعدة 1357 هـ / يناير 1939م في مقر المفتي في لبنان، ودار النقاش فيها حول عدة قضايا بشأن المؤتمر المقترح منها الشروط المسبقة واختيار الممثلين وطريقة التصويت ، وقد أمكن التغلب على اختلاف الآراء([24]) ، وأصدرت اللجنة العربية العليا في 25 من ذي القعدة 1357هـ / 15 يناير 1938م([25]) بياناً أعلنت فيه بعد رفع جزيل شكرها وعظيم امتنانها "لأصحاب الجلالة ملوك العرب وللحكومات والهيئات والجمعيات والمؤتمرات واللجان والشعوب الإسلامية والعربية على ما أظهرته من الاهتمام العظيم بقضية فلسطين والعطف عليها وما بذلته من جهود في سبيلها" ، أعلنت الموافقة على قبول الدعوة إلى مؤتمر لندن مبدئياً " على أمل أن تكون الحكومة البريطانية حسنة النية في هذه المرة عازمة عزماً صادقاً على إيجاد حلٍّ نهائي لقضية فلسطين" ، وحدد البيان وفد المفاوضة من أعضاء اللجنة العربية العليا (المفتي ، جمال الحسيني ، عوني عبد الهادي ، حسين الخالدي ، عزة دروزة، عبد اللطيف صلاح ، يعقوب الغصين ، فؤاد سابا) ، مضافاً إليهم عدد من الشخصيات (موسى العلمي ، أمين التميمي ، جورج أنطونيوس) ، على أن ينوب عن الوفد المذكور في جلسات المباحثات مع الحكومة البريطانية جمال الحسيني ، عوني عبد الهادي ، حسين الخالدي ، ألفريد روك ، موسى العلمي ، أمين التميمي، جورج أنطونيوس (على أن يكون الأخير سكرتيراً للوفد يساعده فؤاد سابا) ، وقد تقرر الاحتفاظ برئاسة الوفد للمفتي ، غير أنه نظراً لاعتذاره في الوقت الحاضر عن الذهاب انتدب للرئاسة بالنيابة عنه جمال الحسيني ، ونصت الفقرة الأخيرة من بيان اللجنة العربية العليا على وجوب تقيد الوفد بالميثاق القومي الفلسطيني "كحد أدنى للمطالب ، وألا يتساهل فيه قط"، وهو :

1-   الاعتراف بحق العرب في الاستقلال التام لبلادهم .

2-   العدول عن تجربة إنشاء الوطن القومي اليهودي .

3-   إنهاء الانتداب البريطاني ، وأن يستبدل به معاهدة مماثلة للمعاهدة البريطانية العراقية، تنشأ في فلسطين بموجبها دولة ذات سيادة.

4-   منع الهجرة اليهودية وانتقال الأراضي لليهود منعاً باتاً([26]) .

وبعد اكتمال المشاورات في لبنان توجه الممثلون الذين اختيروا للذهاب إلى لندن إلى القاهرة للاشتراك مع الوفود العربية الأخرى في المداولة قبل السفر إلى لندن لوضع خطة مشتركة ؛ بحيث يجتمع ممثلو العرب على مائدة واحدة لبحث قضية فلسطين فريقاً واحداً بغض النظر عن نجاح المؤتمر أو فشله([27]) .

وقبل هذا الاجتماع المقرر أن يسبق انعقاد مؤتمر لندن وجه الملك عبد العزيز إلى الأمير فيصل الممثل له في المؤتمر ورئيس الوفد السعودي([28]) تعليمات تحدد ثوابت السياسة السعودية إزاء المؤتمر المقبل ، تدل على بعد نظر وتخطيط مستقبلي ، يقول الملك([29]) : " هذه القضية لا تحتاج إلى تعريف ولا بيان ، إن هناك بلاداً مقدسة احتلها الإنجليز ، وأعطوا اليهود وعدا لإقامة وطن قومي لهم ، وكان من نتائج ذلك أن  تزايد عدد اليهود في فلسطين ، وعظم أمرهم وخطرهم إلى أن حصلت الثورات المتتابعة ، ومن تتبع المذكرات التي سبق إرسالها منا للبريطانيين والأحاديث التي أجريت معنا تعلمون وجهة نظرنا في القضية والمخاطر والمحاذير التي تتعرض لها الصداقة بين العرب وبريطانيا بسبب سياسة الحكومة البريطانية في فلسطين، وإن العرب لا يمكن أن يؤمن جانبهم أو تضامنهم مع بريطانيا إذا لم تحل قضية فلسطين على وجه يؤمن العدل والإنصاف ، فينبغي أن يكون مجراكم في أحاديثكم مع رجال الحكومة البريطانية على أساس المذكرات والأحاديث التي سبق أن قدمت للحكومة البريطانية، أنتم يجب أن تكونوا حريصين في جميع أحاديثكم في مصر أو في أي مكان آخر على أنكم ترغبون كل الرغبة في أن يمثل أهل فلسطين تمثيلا صحيحاً ، فإذا تم انتخاب أهل فلسطين على وجه المطلوب فالخطة هي الموافقة على مطالب أهل فلسطين ومناصرتهم ، ويمكن أن توضحوا لمندوبي الحكومات العربية بأنه ليس لنا غاية خاصة في الشكل المقترح لحل غير تأمين مطالب أهل فلسطين ، وأن تجعل تلك المطالب أساسا لتلك المفاوضات ، وكل مشروع إجمالي يحوي :

1-   تأمين منع الهجرة اليهودية .

2-   منع بيع الأراضي لليهود .

3-   تأمين استقلال فلسطين.

وابذلوا كل جهد لمنع الدخول في التفاصيل والتفرعات قبل معرفة ما عند الإنجليز وما يراه ممثلو فلسطين في هذه الأساسيات ، إن الذي يهمنا في الوقت الحاضر بصورة مباشرة هو إذا تمكنتم من الحصول على منع الهجرة اليهودية ومنع بيع الأراضي فكل شيء وكل طريقة يمكن أن تحفظ فلسطين من الخطر المحدق بها، وستقابلون أحد أمرين بالنتيجة؛ إما أن يفشل المؤتمر ، أو ينجح ، فإن فشل فيكون موقفكم كموقف الحكومات الأخرى، وإن نجح فهناك أمران: الأول شكل الحكومة في فلسطين، والثاني الضمانة التي يطلبها الإنجليز لليهود الذين في فلسطين في الوقت الحاضر. أما شكل الحكومة في فلسطين فمن المصلحة أن تكون حكومة جمهورية ، وهذه الطريقة ترضي الجميع ، ولا تجعل مجالا للتخاصم والتسابق على النفوذ بها. والثاني مسألة ضمانة اليهود المقيمين في فلسطين في الوقت الحاضر، فإن الحكومة البريطانية حرصت في عدة مناسبات أنه لا يمكنها أن تسلم اليهود لأيدي العرب، وللخروج من هذه المشكلة يمكن البحث في أنه إذا وافقت الحكومة البريطانية على منع الهجرة وعلى منع بيع الأراضي فيمكن أن تتعهد حكومات الحلف العربي ( ومصر إذا أرادت الدخول مع هذه الحكومات) بضمان حقوق اليهود بصفتهم أقلية، سينص عليها في المعاهدة ، بشرط ألا يحدثوا أحداثا لمناوأة العرب أو مقاومتهم ... " .

ولقد كانت المباحثات التمهيدية للوفود العربية في القاهرة قبل مؤتمر لندن أول اجتماعات رسمية على مستوى عال للتفاهم على الخطة التي ستسير عليها الوفود في لندن ، وتقرر تبني الميثاق القومي الفلسطيني أي وقف الهجرة وبيع الأراضي وقيام دولة مستقلة بأكثرية عربية ترتبط ببريطانيا بمعاهدة، وألا يتجاوز عدد اليهود النسبة الحاضرة ، وأن يضمن لهم الاستقلال في الشؤون المحلية في مناطقهم ، وقررت الوفود العربية عدم الجلوس مع الوفد اليهودي كطرف ثان([30]) .

وفي حفل العشاء الذي أقامه رئيس الوزارة المصرية تكريما للوفود العربية تحدث الأمير باسم الوفود قائلا : " ولأول مرة في التاريخ نشهد هذا المظهر البارز لتضافر الأقطار العربية وتعاونها، ولأول مرة نقف من بعضنا على هذا المنوال مجتمعين متحدين، وأرجو أن يكون مؤتمرنا الحالي سابقة حسنة نستنها لحل معضلات أمورنا وتثبيت دعائم علاقاتنا وروابطنا "([31]) .

وقد تأجل رحيل الوفود العربية بعض الوقت ؛ لتمكين نوري السعيد وفؤاد حمزة وجمال الحسيني من الذهاب إلى بيروت والتشاور مع المفتي بشأن تسمية ممثلين في الوفد الفلسطيني عن حزب الدفاع (المعارضة) ([32]) ، وفي يوم 2 من ذي الحجة 1357هـ/22 يناير 1939م أبحرت الوفود العربية إلى إنكلترا([33]) ، وكانت الحكومة البريطانية تبدي ثقة كبيرة بما يمكن أن يشغله الوفد السعودي في المباحثات المقبلة ؛ نظرا "للنفوذ العظيم الذي يحوزه الملك عبد العزيز في العالم العربي كله" ؛ ولذا فإن مساعدة الوفد السعودي كانت تبدو بنظر الحكومة البريطانية حاسمة لإنجاح المؤتمر([34]) ، وكان الملك عبد العزيز قد عزز هذه الثقة خلال حديث خاص مع الوزير المفوض البريطاني في 9 ذي الحجة 1357هـ / 29 يناير 1939م عبر فيه الملك عن تفاؤله بإيجاد حل في فلسطين ، وكرر اعتقاده بأن مصالح الحكومة البريطانية ومصالح العرب متطابقة.

وقبل افتتاح الجلسات الرسمية لمؤتمر لندن قدم الأمير فيصل إلى رئيس الوزارة البريطانية الرسالة التي حملها قبل مغادرته المملكة من جلالة والده([35]) ، استهلها بالقول: "نغتنم فرصة زيارة نجلنا الثاني فيصل إلى لندن للاشتراك في الأبحاث التي نرجو أن تؤدي إلى حل موفق لقضية فلسطين التي هي من أخص أماني العرب ؛ لكي نقدم إليكم احتراماتنا الفائقة وتقديرنا العظيم للجهود النبيلة التي بذلتموها لتجنب الكارثة التي كادت أن تودي بالسلام العالمي والتي ما زلتم تبذلونها لحل المشكلات الدولية العويصة التي يتسبب عن ترك حلها إذكاء نار العداوة والحسد بين الأمم والشعوب، وحيث إننا واثقون كل الوثوق من تقديركم لنقاط الخطر في الشرق الأدنى عامة وفي البلاد العربية خاصة وتعلمون قوة الصلات المتينة والصداقة التقليدية بيننا وبين الحكومة البريطانية – أحببنا أن نغتنم فرصة وجود الابن فيصل أيضا في لندن ؛ لكي يقوم بتأدية هذه الرسالة المهمة منا إلى فخامتكم ، وإننا نرجو أن تلقى منكم كل عناية واهتمام جديرين بما يستلزمه الموقف ، وتقتضيه مصلحة الصداقة والمنفعة المتبادلة بين بلدينا".

وبعد أن قدمت رسالة الملك تقويما ومراجعة للعلاقات البريطانية السعودية منذ انتهاء الحرب العظمى وحاجة البلدين إلى علاقات وثيقة متينا بينهما انتقلت إلى تلخيص النقاط التي يرى جلالته ضرورة التفاهم عليها ، وأهمها قضية فلسطين ، وأبدى أمله القوي أن تحل " على وجه يحفظ حقوق العرب في بلادهم في مؤتمر لندن ؛ لأن هذه القضية من القضايا المهمة التي لها مساس جوهري في العلاقات التي بين الحكومة البريطانية وبين المسلمين عامة والعرب خاصة، وقد أوضحنا في مناسبات متعددة للحكومة البريطانية مقدار الخطر التي تستهدف له العلاقات بين العرب وبريطانيا بسبب قضية فلسطين".

وقد روى عوني عبدالهادي أحد أعضاء وفد فلسطين إلى المؤتمر في مذكراته([36]) اللقاءات التي أجراها مع الأمر فيصل قبل افتتاح المؤتمر : وكانت كل أحاديثنا تجري حول قضية فلسطين وقضايا الوطن العربي ، وأذكر له موقفا طيبا ؛ ففي أول اجتماع لنا كان البحث يدور حول الشخص الذي سيجيب على خطاب رئيس وزراء بريطانيا نيفيل تشمبرلن حين يفتتح المؤتمر ، فاقترح (أي عوني) بهذه المناسبة أن يجيب (أي الأمير) على الخطاب ؛ لأنه ابن ملك وأكبر سنا من سيف الإسلام عبد الله رئيس وفد اليمن ، في حين أن الأمير عبد المنعم رئيس وفد مصر ابن عم الملك ، إلا أن الأمير فيصل أبى إلا أن يرشح الأمير عبد المنعم ، ولم يقبل إطلاقا أن يتقدم عليه([37]) .

الوقائع الرسمية لمؤتمر المائدة المستديرة :

افتتح رئيس الوزراء البريطاني تشمبرلن المؤتمر رسميا في قصر سان جيمس في 18 ذي الحجة 1357هـ/7 فبراير 1939م([38]) ، وألقى خطابا رحب فيه بالوفود العربية، وعد وجودهم اعترافا من جانب الحكومة البريطانية بوحدة المصالح والعواطف في العالم العربي ؛ تأكيدا لرغبة البلاد العربية في الاحتفاظ بأواصر الصداقة التي ربطها هذا الزمن الطويل للشعب البريطاني وتقويتها أيضا  ، وتمنى ونيفل تشمبرلن للمؤتمر " التماس حل رشيد للمصاعب الحالية يكفل حقوق عرب فلسطين ومركزهم"([39]) ، وأن الحكومة " لن تحاول أن تمنع ممثلي العرب واليهود أن يبسطوا الحجج التي يرونها داعية إلى تغيير الانتداب، وستكون المباحثات وافية وصريحة وحرة ، وقد عبر الأمير محمد عبد المنعم في رده على خطاب رئيس الوزارة البريطانية بالنيابة عن الوفود العربية عن أمله باستتباب الأمن والسلام في ناحية مقدسة من نواحي العالم"([40]) .

وفي الجلسة الثانية (20ذي الحجة / 9 فبراير ) بدأت الأعمال الفعلية للمؤتمر بحضور الوفد البريطاني (ترأسه مالكولم ماكدونالد وزير المستعمرات ، وشارك فيه وكيل وزارة الخارجية) ، وبعد أن رحب مكدونالد بالوفود العربية قرأ بيان الحكومة البريطانية معلنا سياستها الجديدة لفلسطين ، وخلاصتها أن الحكومة البريطانية تهدف أن تنشئ في فلسطين في أحوال ملائمة حكومة ديمقراطية مستقلة تمثل الشعب الفلسطيني بكامله من عرب ويهود ، وللوصول إلى هذا الهدف يلزم المرور بمدة انتقالية مدتها عشر سنوات ، ثم ذكر المراحل التي ستمر فيها القضية الفلسطينية قبل الوصول إلى الهدف، وبين أن هذه المراحل هي موضوع بحث المؤتمر([41]) .

وقد أجاب جمال الحسيني رئيس الوفد الفلسطيني باسم الوفود العربية على بيان وزير المستعمرات ببيان شامل([42]) ، تناول فيه فلسطين تاريخيا وتطورات الأوضاع فيها منذ وقوعها تحت الانتداب البريطاني الذي منَّى اليهود في وعد بلفور بوطن قومي غير شرعي ، وجلب لأهل فلسطين الأصليين الخراب والدمار والاضطهاد ، وحرمهم حقهم في تقرير المصير ، ثم بيّن جمال الحسيني كيف سنت حكومة الانتداب المتحيزة القوانين التي تمكن اليهود من إنشاء الوطن القومي على حساب الشعب العربي الفلسطيني ، وكيف أغرقت البلاد بمئات الآلاف من المهاجرين اليهود من جميع أقطار الأرض ، وأخرجت الكثيرين من الفلاحين العرب من أراضيهم ، وكيف حنثت بعهدها للبلاد العربية ومنها فلسطين، الأمر الذي جعلها تحجب عن الأنظار مراسلات الحسين ومكماهون التي أبرمت 1333هـ/1945م ، وتضمنت هذه العهود ، وأنهى الحسيني بيانه بالمطالب الأربعة الآتية :

1-   الاعتراف بحق العرب في استقلال بلادهم التام .

2-   إنهاء المحاولة بشأن تأسيس الوطن القومي اليهودي في فلسطين.

3- إلغاء الانتداب وكل ما نتج عنه من إجراءات غير مشروعة واستبداله بمعاهدة شبيهة بالمعاهدة المعقودة بين بريطانيا العظمى والعراق، تقوم بموجبها في فلسطين دولة عربية ذات سيادة .

4- وقف الهجرة اليهودية وبيع الأراضي لليهود وقفا مباشرا وتاما ، وأعلن الحسيني "أن العرب مستعدون للتفاوض بروح ودية من أجل المحافظ على مصالح بريطانيا المعقولة ، ويوافقون على تقديم الضمانات من أجل المحافظة على الأماكن المقدسة وحقوق زيارتها، وكذلك حماية الحقوق المشروعة للأقلية اليهودية وسائر الأقليات في فلسطين".

وألقى الأمير فيصل رئيس الوفد السعودي خطابه في الجلسة الخامسة (25 من ذي الحجة / 14 فبراير 1939م)([43]) ، ونوه إلى أن وجهة نظر حكومة جلالة الملك عبدالعزيز قد سبق أن أوضحت للحكومة البريطانية في المذكرات والمحادثات المتعددة وفي كل المناسبات كانت حكومة جلالته مدفوعة بعاملين: " الأول أن العلاقات الودية الطيبة بين الشعوب العربية والبريطانية والمصالح المتبادلة بينهم تتطلب الاتفاق والتفاهم بين الأمتين، الثاني أنه ما لم تحل قضية فلسطين حلا عادلا يرضي العرب وأمنهم على سلامة بلادهم وكرامة مقدساتهم فإنه يخشى أن تسوء حالة هذه العلاقات لدرجة كبيرة جدا" . وحدد خطاب الأمير فيصل سياسة حكومته في مؤتمر لندن في نقاط أساسية([44]) :

أولاً : أكد فيصل باسم المملكة الجانب الديني في موضوع فلسطين وصلة هذه القضية بالمسلمين جميعا ، ففلسطين قضية إسلامية كما هي قضية عربية دون أن تسقط عروبة فلسطين الوجه الإسلامي لها في القدس ومسجدها الأقصى أولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين ،" إن العرب والمسلمين قد استماتوا في الماضي في الدفاع عن فلسطين، وأرخصوا في سبيل المحافظة عليها وعدم التفريط فيها كل غال ، ولا شك أن أول اتصال بين العرب والإنكليز منذ ألف سنة تقريبا إنما كان في بطاح فلسطين نفسها".

ثانياً : وضعت المملكة جانبا كل ما اتصل بالخلاف السعودي الهاشمي ، وعدت المخابرات القائمة ما بين الإنكليز والملك حسين في الحجاز مُلزمة للحكومة البريطانية([45])، كما هي مُلزمة للمملكة العربية السعودية التي أصبح الحجاز جزءا منها ، وقد كانت تلك المخابرات واضحة وصريحة في تأكيدها على عروبة فلسطين ، ودعا الأمير فيصل باسم المملكة العربية السعودية الحكومة البريطانية إلى الوفاء بهذه العهود واحترامها ، مادامت قد تمت في مرحلة كان فيها الحجاز ناطقا باسم العالم العربي ، وأكد الأمير أنه " قد كان من حق العرب والملك حسين أن يصروا على المطالبة بالوعود كما كتبت باللغة التي يفهمونها ، فإن كان هناك اختلاف بين النص العربي الأصلي والترجمة الإنكليزية فإنه يكون من مصلحة الجميع أن تقابل النصوص، ويتفق على معناها الصحيح، ومهما تكن نتائج البحث في حقيقة مخابرات حسين ومكماهون فإن عدالة مطالب أهل فلسطين ليست مبنية عليها فقط ، بل إنها مرتكزة على أساس أعظم منها ، وهو الحق الطبيعي الأساس لكل شعب في تقرير مصيره والتمتع بسلطانه واستقلاله ، وأحب أن أذكر في هذا الباب أن حق تقرير المصير كان من المبادئ الأساسية التي نودي بها أيام الحرب العظمى وفي أثناء مفاوضات الصلح في فرساي".

ثالثا : لم تر المملكة وعد بلفور قانونيا ولا ملزما للعرب لثلاثة أسباب :

أولها: أنه أعطي بعد الوعود المعطاة للعرب ؛ فهي الأساس، وهو مخالف لها .

وثانيها : أنه أعطي بغير علم العرب ولا رضاهم .

وثالثها : أنه مخالف لمبادئ عصبة الأمم وللمادة (22) منها التي اعترفت باستقلال الجماعات المنسلخة عن الدول العثمانية ، وفلسطين منها ، " وتطبيق الوعد يؤدي حتما إلى نقض عهد العصبة" .

كما رأت المملكة أن الأخذ بدعوى اليهود التاريخية في فلسطين سيثير مشكلات دولية كبرى إذا ما تم إقرار مبدأ عودة الجماعات إلى أرض استوطنتها من قبل لمرحلة في تاريخها.

وختم الأمير كلمته بالتمني على الحكومة البريطانية الإقدام " على اتخاذ الخطوة الحاسمة التي تنير أمامنا سبيل البحث ، وتمكننا من وضع الأمور في نصابها وإعادة الحق إلى مجراه".