لم تشغل الملك عبد العزيز مسألة توحيد
الجزيرة العربية وإقامة حكم عادل فيها عن العالم العربي ، فقد شاء الله أن يملأ
سيد الجزيرة المطلق فراغاً في التاريخ العربي ؛ ليقف على أبواب المشرق العربي ،
ويحمل قضاياه ، وقد اتبع في سياسته العامة : الدفاع عن الأقاليم العربية ،
والمحافظة على استقلالها ، والسعي لتحرير الأجزاء التي مازالت خاضعة للأجنبي ،
وإسداء المعونة لها ؛ كي تنال الاستقلال ، وأصبح من ثوابت سياسته العربية تغليب
روح الأخوة في علاقاته مع الحكومات العربية في جميع الميادين وتوجيه الدعوة
الدائمة لها بالتضامن والتكاتف وتوحيد المساعي ، وقد كان لتوجه الملك التوحيدي
صيغة خاصة في ذهنه مرتبط بالدولة الإسلامية وصيغتها التاريخية ، وشكلت حركة
التضامن الإسلامي في ضميره العمق الأساسي في دعم الجهود العربية والدفاع عن قضايا
العرب.
لم يبق الملك في عزلة عن العالم
الخارجي ؛ فمنذ أن شرع في توسيع رقعة دولته وتوطيد أركانها أصبح يشترك اشتراكاً
فعلياً في توجيه السياسة خارج دائرة الجزيرة دون أن يتيح لأجنبي سيطرة عليه أو
تدخل في شؤونه ، وأخذ ينظم العلاقات الخارجية بين بلاده والدول الأخرى تنظيماً
صحيحاً أقيم على قواعد المعاملة بالمثل والصداقة المتبادلة، واستطاع أن يقر
علاقاته مع الدول الكبرى على أساس من المرونة وحسن التفاهم من غير أن يضيع على
بلاده حقاً أو يحقق لطامع مطمعاً ، وقد أوتي براعة سياسية لا يرقى الشك إلى مقدرته
فيها ، وكان واحداً ممن يجيدون فن التعامل مع الممكن ، ولكل حال عنده وقتها
وظروفها وأسلوب مواجهتها([1]).
ولقد كانت مواقف الملك تجاه القوى
الكبرى على وجه الخصوص كلها لمصلحة القضايا العربية والإسلامية بشكل عام ، ولصالح
القضية الفلسطينية بشكل خاص ، وكان هَمُّ تلك القضية أنبل الهموم العربية التي
حملها الملك في قلبه ، وخصها بفائق عنايته انطلاقاً من مسؤوليته عن البيت الحرام ،
وانتهاء بمسؤوليته عن المسجد الأقصى والقدس ، ووقف مع عرب فلسطين يؤيدهم ، ويشد
أزرهم ، ويبذل لهم ضروب المساعدات مادية وأدبية في كفاحهم لإنقاذ وطنهم ، وتصدى
بالحجة والبرهان والتاريخ لإظهار وجه الحق والعدل لقضية عرب فلسطين ، وأصبح العاهل
السعودي عاملاً مؤثراً بالنسبة للقضية على الساحة الدولية ولدى من بأيديهم زمام
الأمر لدفع الكارثة عن تلك البقعة العزيزة الغالية من بقاع العرب والإسلام.
وكانت فلسطين قد شهدت منذ 1355هـ–
1936م تفجر أحداث الثورة الكبرى، ووقف منها موقف المساندة ، وكان في طليعة الحكام
العرب الذين أبدوا اهتماماً بأعمال الثورة ، وتبنيها قضية عربية تقع مسؤوليتها على
العرب جميعاً([2])،
واتخذ الملك موقفاً معترضاً من قرار التقسيم (يوليو 1356هـ– 1937م) ([3])،
وظل يواصل الجهد منذ صدور القرار مع الحكومة البريطانية ، مبيناً أن السياسة التي
انتهجتها في ذلك البلد العربي المقدس تتنافى مع الصداقة التي تنشدها بريطانيا مع
المسلمين والعرب ، وتخالف عهودها ومواثيقها ، ولا تتفق مع الحق والعدل([4]).
وبعد تجدد أعمال الثورة الفلسطينية منذ
خريف 1356هـ– 1937م تجاوز الجهد السعودي الحد الدبلوماسي إلى مساعدات مادية للثورة
، ووجهت الحكومة البريطانية اتهاماتها إلى المملكة بإرسال سلاح وأموال إلى الثوار([5]) ،
ونفى الملك الإشاعات ، ومع تأكيد حرصه على الصداقة البريطانية ذكر الملك بالتأثير
الحاصل في نفوس أهل بلاده للخطر الحاضر والمستقبل على العرب مشيراً إلى اعتقاده
بأن تأسيس دولة لليهود مناف لمصالح العرب ، ومهدد بمحو العرب ليس في فلسطين وحدها
، بل في سائر البلاد العربية ، وأن ذلك ضد مصلحة بريطانيا ؛ " ومن أجل ذلك
نواصل نصائحنا ؛ لتعدل الحكومة عن الخطة ، ونواصل نصائحنا لأهل فلسطين بأن يتخذوا
طريق التفاهم مع بريطانيا كأسلم الطرق للوصول للمقصود ، ولم ينقطع أملنا بإنصاف
بريطانيا"([6]).
واستكمالاً لجهود الملك من أجل القضية
الفلسطينية كانت رحلة الأمير سعود إلى لندن أواخر شهر جمادى الآخرة 1357هـ/ أغسطس
1938م ، وجرى لقاء بين ولي العهد السعودي ووزير الخارجية البريطانية اللورد
هاليفاكس Halifax في 6 جمادى الآخرة 1357هـ / 31 أغسطس 1938م([7]) ،
وقد ذكر الأمير السعودي أنه لا يتكلم بصفة رسمية ، ولكنه رأى أن يبين أن تردي
الوضع يشير إلى القلق والانزعاج في نفوس المسلمين في كل مكان ، وأن ما يقلق الملك
عبد العزيز على وجه الخصوص وغيره من العرب هو أن تعمل المسألة الفلسطينية على
الإضرار بالصداقة التقليدية مع بريطانيا ؛ إذ لا نزاع بين العرب وبريطانيا ، إنه
فقط بين العرب واليهود . وقد أشار الأمير السعودي إلى جهود والده القصوى "إلى
الحيلولة دون تدهور المشاعر في فلسطين ؛ حتى لا تلحق ضرراً بعلاقات الصداقة
الأنجلو عربية" . وأضاف الأمير بأن والده قد عمل على تطمين عرب فلسطين بأن
(حكومة جلالته) ستعمل في النهاية على تطبيق العدل ، ولذا فهو على ثقة بأنه لا بد
للحكومة البريطانية من عمل كل شيء ممكن لإرضاء الأماني العربية المشروعة . ووعد
وزير الخارجية في رده على حديث الأمير سعود الصريح أن ينقل ما جاء فيه إلى أعضاء
الوزارة البريطانية مؤكداً حرص الحكومة البريطانية في التعامل مع القضية
الفلسطينية وفق هدفين واضحين : "تبني حل عادل ، والحفاظ على الصداقة الوثيقة
بين بريطانيا والعرب".
وقد قام عوني عبدالهادي (أحد القيادات
الفلسطينية المتواجدة في القاهرة في تلك المدة ) بمقابلة الأمير سعود في 23 رجب
1357هـ / 17 سبتمبر 1938م على ظهر الباخرة هندرسون في ميناء السويس وهو في طريقه
من لندن إلى جدة ، وقد سجل عوني هذا اللقاء في رسالته إلى عزة دروزة (قيادي
فلسطيني في دمشق كان يتولى توجيه أعمال الثورة الفلسطينية)([8]) ،
قال الأمير سعود : إن والده يحب الأعمال الصادقة ، وإنه دائب على العمل على ما فيه
الخير والمصلحة الفلسطينية ، ولكنه ممن لا يحبون الأقوال، "إذا قال هو فلابد
له من تنفيذ ما يقوله "([9])،
وأسر الأمير إلى عوني عبدالهادي أنه حادث حسب تعاليم والده اللورد هاليفاكس في
الأمر ، وطلب منه " أن تعمل الحكومة البريطانية عملاً يرضى العرب خشية تفاقم
الأمور بين العرب وبريطانيا".
وقال الأمير : إن هاليفاكس فهم المعنى
المقصود من هذه العبارة ، وإن والده لا يمكن أن يقبل تهويد كل فلسطين أو أي قسم
منها ، وأنه يعد وجود دولة يهودية خطراً على الجزيرة نفسها.
وخلاصة حديث ولي العهد السعودي كما
نقله عوني : " إنه ستظهر إشارات جديدة في السياسة عما قريب نرتاح إليها ،
وإذا تعكر الجو فسوف نرى من والده كل ما يسر ".
الترتيبات التمهيدية لمؤتمر
لندن :
كانت الحكومة البريطانية قد أدركت
أهمية ردود الفعل العربية المجاورة لفلسطين في تلك المرحلة التي تشهد وضعاً دولياً
خطراً، فاضطرت إلى التحول تدريجياً عن سياساتها التقليدية بعزل فلسطين عن
التأثيرات العربية المجاورة وإبقاء العرب خارج فلسطين غير مبالين لمصير أشقائهم
فيها ، وهي السياسة التي ظلت تتمسك بها إلى حين استقالة وزير المستعمرات أورمسبي
غور Ormsby – Gore في ربيع أول 1357هـ/ مايو 1938م، ومهدت استقالته
الطريق لتطور سياسته أكثر استرضائية تجاه العرب في فلسطين([10]) .
وتجلت مظاهر التحول في تخلي الحكومة
البريطانية عن مشروع التقسيم الذي اقترحته اللجنة الملكية ، وتشكيل لجنة وزارية
خاصة بفلسطين في شعبان 1357هـ / أكتوبر 1938م ، وطرح وزير المستعمرات الجديد
مالكولم مكدونالد Malcolm MacDonald فكرة مؤتمر
عربي يهودي ، وبرأيه أن مشاركة الدول العربية المجاورة في المؤتمر ضروري ؛ نظراً
لاستحالة الوصول إلى تسوية لقضية فلسطين لو عولجت في عزلة عن جيرانها ، واتفق رئيس
الوزارة البريطانية نيفيل تشمبرلن Neville Chamberlin مع هذا الرأي مضيفاً أن فلسطين قد
أصبحت قضية عربية عامة ، وأن من المحتمل أن يشكل الحكام العرب جبهة موحدة لو أنهم
أبعدوا عن المؤتمر ، وكانت الحجة التي أوردها مكدونالد لشرح هذا التحول الجديد هي
أن احتمال نشوب الحرب يقتضي السعي إلى استرضاء العرب بإعطائهم الفرصة للتعبير عن
مخاوفهم ، وذلك لتخفيف عداوتهم وضمان مصالح بريطانيا الحيوية في المنطقة([11]) .
وهكذا أخذت الحكومة البريطانية تنظر
للقضية الفلسطينية من خلال المجال الأوسع للعلاقات العربية البريطانية ، وأولت
حساباً خطيراً لتحذيرات الملك عبدالعزيز بأن العرب لو لم يمنحوا " ترضية
معقولة " في مسألة فلسطين ربما يتوجهون بيأس نحو قوى المحور([12]) ،
وكان وزير المستعمرات مكدونالد في لقائه مع زعيمي الصهيونية وايزمان وابن غوريون
في 25 رجب 1357هـ – 19 سبتمبر 1938م([13]) ، قد أشار
إلى قوى ردود الفعل العربية في البلدان المجاورة ، والتهديد الذي يتضمنه ذلك
للمصالح البريطانية الحيوية في المنطقة . وكان قلقاً على وجه الخصوص من موقف الملك
السعودي ؛ نظراً "لنفوذه الهائل في العالم الإسلامي وفي الهند " . وأضاف
مكدونالد " لو أن ابن سعود أعلن حرباً مقدسة فإن باستطاعته أن يهز
الإمبراطورية " .
وقبل أن توجه الحكومة البريطانية
الدعوة رسمياً إلى مؤتمر لندن عرض الوزير
المفوض البريطاني في جدة بولارد Bullard على
الملك عبدالعزيز في 17 شعبان 1357هـ / 11 أكتوبر 1938م عدة أوراق تشتمل على : بيان
حكومته بعدولها عن مشروع التقسيم ، وقرار بدعوة عرب فلسطين ومندوبين عن الحكومات
العربية المجاورة ومندوبين عن الوكالة اليهودية للبحث في حل المشكلة الفلسطينية ،
وخلاصة تقرير لجنة ( وودهد ) Woodhead ([14])،
وأجرى الوزير المفوض حديثاً مع العاهل السعودي([15]) ، أبدى الملك
خلاله أمله بأن يكون الخير من وراء المؤتمر الذي ستدعو إليه الحكومة البريطانية ،
ثم أسهب الملك في الكلام عما يعتقده من ضرورة اتفاق العرب وبريطانيا لاقتضاء مصلحة
الطرفين ، وأن حوادث فلسطين مؤلمة للعرب ومؤلمة للبريطانيين أنفسهم ، وأن الحكومة
البريطانية بما أوتيت من العقل والحكمة قد حلت أكبر المشكلات العالمية ، فكيف تعجز
عن حل مسألة يسيرة كمسألة فلسطين ؟ وأن بريطانيا ما دامت عازمة على هذا الاجتماع
فلاشك في أن العرب سيلقون منها من العطف على مصالحهم ما يؤمن سير القضية بالعقل
والعدل ، وأكد الملك على أن موضوع الهجرة ينبغي أن يكون النقطة الأساسية في
المؤتمر ، أما بشأن احتفاظ الحكومة البريطانية لنفسها بشأن الأشخاص الذين ينتخبون
عن فلسطين وأنها لا تقبل أن يكون أحد منهم من المسؤولين عن الثورة جاء رد الملك :
" المهم في الموضوع اختيار الأشخاص المحنكين الذين يحسنون الفهم والكلام ،
وأن حضور الأشخاص الذين لا يقدرون الأمور ولا تكون لهم المنزلة الكاملة – ولو
كانوا أصدقاء – لا يمكن أن يفيدوا فلسطين ولا بريطانيا" ، وحين أشار بولارد بصورة خاصة إلى ( المفتي )
لا يمكن أن يكون عضواً في المؤتمر أجاب الملك قائلاً: " المفتي هو من الأشخاص
المعروفين في فلسطين ، ويمكن أن يرى بعض أشخاص آخرين يقومون باللازم " .
وفي 15 شعبان عام 1357هـ – 9 أكتوبر 1938م دعت الحكومة ببلاغ رسمي الحكومات العربية لإرسال
مندوبين عنها على أعلى مستوى إلى مؤتمر المائدة المستديرة في لندن يحضره أيضا
ممثلون عن عرب فلسطين ، وفي اليوم ذاته التي أرسلت فيه الدعوة البريطانية رسمياً
بعث الملك عبد العزيز برقية إلى ممثل المملكة في القاهرة([16]) يطلب منه
مقابلة محمد باشا رئيس الوزراء المصرية وإخباره رسالة الملك : (بأننا نحب على
الدوام أن نكون على اتفاق وتفاهم وتعاضد في كل ما له علاقة بالمصلحة الإسلامية
عامة والمصلحة العربية خاصة ... وأهم المسائل التي توجه الإسلام والعرب في الوقت
الحاضر هي مشكلة فلسطين ، وبالنظر لقرار باجتماع لندن فنحن نرغب في توحيد المسعى
لنجاحه).
وكانت تعليمات الملك لممثله في القاهرة
أن يتداول الرأي مع الحكومة المصرية والحكومة العراقية لانتخاب المندوبين الذين
يمثلون فلسطين ؛ وذلك لأن أهم مشكلة تواجه
المشروع بنظر الملك هي " كيفية تمثيل أهل فلسطين ، وبالنظر للثورة القائمة في
داخل فلسطين فمن العسير القيام بانتخابات عامة للحصول على النتيجة".
وكانت المسألة التي أثيرت قبل سفر
الوفود إلى لندن– إضافة إلى اختيار ممثلين عن فلسطين – هي تعيين الأسس التي ستتعهد
بها بريطانيا قبل المؤتمر ، وكانت المسألتان موضوع مذكرة مطولة للملك عبد العزيز
نقل فحواها الوزير البريطاني المفوض في جدة إلى وزارة الخارجية البريطانية في 21
شوال 1357هـ / 13 ديسمبر 1938م ، وقيمة هذه المذكرة كما يراها الوزير المفوض تكمن
في تبيان الجهود التي يقوم بها الملك للتوفيق بين وجهتي النظر البريطانية والعربية
بشأن مباحثات لندن ، وقد شرح الملك في مذكراته الجهود التي بذلها مع شعب فلسطين من
خلال قناتين: المفتي ، وعدد من الزعماء ذوي الرأي من عرب فلسطين، وكانت حجته لدى
هؤلاء جميعاً "هو ضرورة الموافقة على قبول الدعوة وانتهاز الفرصة التي
أعلنتها بريطانيا والإفادة من مشاركة مندوبين عن الحكومات العربية في مفوضات
مباشرة مع الحكومة البريطانية"، وكان في ذهن الملك خلال إجراء اتصالاته عدة
حقائق :
1-
إقناع أولئك المعنيين بالفوائد
المباشرة والبعيدة للمشاركة في المؤتمر.
2-
إثبات حسن نية الحكومة
البريطانية في دعوة ممثلي عرب فلسطين وممثلي الحكومات العربية المجاورة.
3- أن كون إجراء المحادثات التالية مع الحكومات البريطانية –
وليس مع اليهود – يشكل ضمانة لعدم الاعتراف بمركز اليهود طرفاً يتعامل معه العرب.
4-
الاقتناع بأن شعب فلسطين سوف
يمثل بشكل صحيح ، وستترك لهم حرية اختيار ممثليهم من بين المعتقلين أو المبعدين.
5- الاقتناع بأن حضور المفتي شخصياً في المباحثات المقبلة– حتى
لو ألغي المنع الذي وضعته الحكومة البريطانية – لن يكون مجدياً ، ومن الأفضل عدم
الإصرار على ذلك.
6- محاولة الوصول إلى اتفاق بشأن تحديد الأسس لبدء المباحثات ،
ولكن لو تعذر تحقيق ذلك يجب عدم وضع قيود على حرية أي فريق في المباحثات للتعبير
عن آرائه بصراحة تامة بشأن الحل الذي يعتقد بملاءمته دون قيد أو إكراه.
7- محاولة وقف الهجرة خلال المباحثات إلى حين تبني قرار نهائي
لتسوية القضية الفلسطينية سواء من قبل المؤتمر أو من قبل الحكومة مباشرة في حال
فشل المؤتمر.
وقد أشار الملك في مذكراته إلى أن
المشاورات مع الحكومة العراقية مستمرة من خلال البعثة الدبلوماسية السعودية في بغداد
والتي نقلت إلى الحكومة العراقية اقتراح الملك المتضمن إجراء لقاء تمهيدي من أجل
دراسة أمور محددة:
1-
تأمين العفو عن المبعدين .
2-
تمكين شعب فلسطين من انتخاب
ممثلين عنهم من الوطنيين الموثوق فيهم .
3- أخيراً محاولة إقناع المفتي أن يتفق بالرأي مع الملك عبد
العزيز بوجوب عدم التوجه إلى لندن ، وقد أوردت مذكرة الملك الاتصالات التي أجرتها
الحكومة السعودية مع أعضاء اللجنة العربية العليا "الهيئة الشرعية التي تمثل
عرب فلسطين" في دمشق عبر الممثل السعودي فيها ، ونقل الأخير في 30 رمضان
1357هـ / 22 نوفمبر 1938م قرار اللجنة الذي يعبر عن رأى المفتي، وتضمن القرار عدة
بنود، هي :
-
استحالة جلوس العرب واليهود معا
على مائدة "المؤتمر" .
- وجوب إجراء المفاوضات على أساس منح فلسطين استقلالها مع عقد
معاهدة على نموذج معاهدتي سوريا والعراق مع ضمان المصالح البريطانية ومصالح
الأقلية اليهودية .
-
استبعاد إجراء المفاوضات على
أساس الانتداب أو التقسيم أو إنشاء دولة يهودية .
- الإصرار على الحكومة البريطانية بإلغاء شرطها المتعلق بالمفتي
وأعضاء اللجنة العربية العليا، إلا أن المفتي على استعداد للاتفاق مع رأى جلالة
الملك عبدالعزيز لو أن جلالته رأى أنه من المفيد ألا يصر المفتي على ذهابه شخصياً
إلى لندن ، إلا أن طلب المفتي الوحيد هو الحصول على ضمان يؤكد أن اللجنة العربية
العليا هي الممثل الوحيد لشعب فلسطين .
ووفقا لمذكرة الملك " المشار لها
" رد جلالته على مطالب اللجنة العربية العليا ببرقية أرسلت إلى دمشق مع تعليمات
إلى ممثل المملكة فيها بمقابلة المفتي ، وإعلامه بتحقيق معظم المطالب التي أثارتها
اللجنة العربية العليا ، مع الوعد ببذل الجهود مع الحكومة البريطانية لقبول من يتم
اختيارهم لتمثيل شعب فلسطين حتى من المعتقلين والمبعدين. أما بشأن تعيين أسس
المباحثات التي ذكرتها اللجنة العربية العليا والتي ستتعهد بها بريطانيا قبل
المؤتمر فقد تمثلت وجهة نظر الملك عبد العزيز بأنه يصعب إقناع الحكومة البريطانية
بقبول ذلك ؛ لأنها لو قبلت لما كانت هناك حاجة لعقد المؤتمر، ومن الأفضل ألا لا
يكون هناك قيد على حرية المناقشات أو إلزام بتضيق مجالها ، ولكن يمكن للجنة
العربية العليا أن تختار ممثليها على الأسس التي وضعتها دون أن تفرض تلك الأسس على
الآخرين ، وواصل الملك جهوده لحث المفتي وأعضاء اللجنة العربية العليا لقبول آرائه
من أجل قبول الدعوة وانتخاب ممثلين أهل للثقة لاعتقاده ، كما جاء في مذكرته
"بعدم تفويت الفرصة التي تعرضها الحكومة البريطانية على العرب مجتمعين ؛ كي
يدحضوا أمام العالم أجمع حجج اليهود "، والملك على ثقة أن مؤتمر لندن سيحقق
نجاحاً رائعا بشأن مسألة عرب فلسطين بعد أن دعيت الحكومات العربية رسمياً للمشاركة
في مؤتمر رسمي لتسوية المسألة.
ونقلت مذكرة الملك عبد العزيز الرد
الكامل الذي بعث به المفتي إلى الملك عبدالعزيز في 8 شوال 1357 هـ / 30 نوفمبر
1938م يعبر فيه عن شكره وامتنانه لجهوده تجاه القضية الفلسطينية ، ويعلن عدم رغبته
بالذهاب إلى لندن ، ولكنه يصر على طلبه بأن يتم اختيار ممثلي عرب فلسطين من قبل
اللجنة العربية العليا والتي تمثل عرب فلسطين ، وطلب المفتي من الملك الحصول على
تعهد من الحكومة البريطانية يكفل للجنة العربية العليا اختيار الأشخاص الذين
يحوزون على ثقتها الكاملة.
أما حول أسس المناقشات المقبلة فقد
بيَّن المفتي في رده أسباب تمسكه وإخوانه بتعيين تلك الأسس ، وهي أن الحكومة
البريطانية جعلت حل المسألة الفلسطينية متوقفة بين العرب واليهود ، ومن غير
المحتمل أن يوافق اليهود على وقف الهجرة أو تشكيل حكومة مستقلة ، كما أن العرب لن
يقبلوا شيئاً أقل من ذلك ، وفي هذه الحالة فسوف تضيع الجهود سدى ، كما أن الحكومات
العربية سوف تتعرض للمهانة لو فشل المؤتمر ، ومعنى هذا كما يقول المفتي : "إن
الحكومة البريطانية نظراً لاستحالة الاتفاق بين اليهود والعرب سوف تتبنى الحل الذي
هو بنظرها الحل الصحيح والذي لا يتفق مع المطالب العربية" ، كل ما يرجوه المفتي
وإخوانه من أعضاء اللجنة العربية العليا أن يتقدم جلالة الملك عبد العزيز برأيه
إلى الحكومة البريطانية ، كي تعلن عن مقاصدها لحل المسألة الفلسطينية على أساس
الحد النهائي من الهجرة اليهودية واستبدال المعاهدة بالانتداب كما جرى في العراق ومصر . وختم المفتي كتابه إلى الملك عبد العزيز
بهذه الكلمات : "إنني أنا وإخواني على ثقة بأن جلالتكم أشد الناس حماسة وحرصا
على مصالح العرب والمسلمين ، وأفضلهم علماً بنقض العهود الذي هو سمة السياسة
البريطانية".
وجاءت تعليمات الملك إلى الممثل
السعودي في دمشق حاسمة لنقل آراء جلالته إلى المفتي ، ومضمونها : " أن إصرار
المفتي على أن اللجنة العربية العليا هي التي تمثل عرب فلسطين مسألة شكلية طالما
أن الحكومة البريطانية تعهدت بحرية انتخاب الممثلين ، إن المباحثات في لندن هي من
أجل إيجاد حل للمصاعب، ولو قبلت الحكومة أسس المطالب العربية قبل المؤتمر فلا حاجة
لأي مؤتمر أو مناقشة بين الحكومات العربية والحكومة البريطانية" . ونقل
الممثل السعودي حصيلة ما كان الملك عبد العزيز قادراً على إقناع الحكومة
البريطانية بأن تعمله :
1-
أن المباحثات مع العرب يجب أن
تكون مع الحكومة البريطانية ، وليس مع اليهود .
2-
على الحكومة البريطانية أن تقبل ممثلين عن عرب
فلسطين ممن يتم اختيارهم حتى أولئك المعتقلين والمبعدين.
3-
أن تكون المناقشات حرة.
4- أن يتقدم العرب بكل ما يشاؤون دون تقيد بأي شرط ، ولكن نظراً لأن
الحكومة البريطانية لم تطلب تقيد العرب بوجهة النظر البريطانية أو بالأسس التي
وضعتها الحكومة البريطانية وأبدت استعدادها لمناقشة كل ما يتقدم به العرب فإن من
العبث إجبار الحكومة البريطانية إعلان قبولها بالمطالب العربية قبل المؤتمر.
وعبر الملك السعودي في الختام عن ترفعه
عن المنفعة الشخصية في هذه المسألة : "ليس لنا سوى مشاعر الإخلاص ورغبتنا
لإنقاذ فلسطين من وضعها الراهن الشائك ، والطريق ممهد لتحقيق هذا الهدف ، ولو شاء
المفتي أن يغلقه وأن يصر على موقفه فهو الذي سيتحمل المسؤولية أمام شعب فلسطين
والعالم والأجيال المقبلة ، إضافة إلى ذلك فإن عقد المؤتمر هو في صالح العرب
والمسلمين، فإما أن ينال العرب جل أو معظم ما يتطلعون له، وإلا فإن نوايا الحكومة
البريطانية سوف تتكشف عن حقيقتها، وفي هذه الحالة لن يكون أمام العرب سوى توجه
جديد للتعامل به مع البريطانيين"([17]) .
لقد لخصت مذكرة الملك عبد العزيز العمل
الذي قام به لضمان عقد مؤتمر في لندن، مشيراً إلى أن جهوده مازالت مستمرة حتى
النهاية بالتعاون مع الحكومات العربية الأخرى ، ولاسيما العراق ومصر.
وقد عبرت رسالة بعث بها عزة دروزة في
19 شوال 1357هـ/ 11 ديسمبر 1938م من دمشق إلى عوني عبد الهادي في القاهرة([18])
عن الشكوك التي كانت تساور جماعة المفتي في تلك المرحلة : " … كما توضح حتى الآن أن بريطانيا تتهرب من تعيين الأسس والارتباط
بعهود صريحة سلفاً ، ولا شك في أنها تقصد ذلك ، أولاً لأنها تخشى من اليهود ،
وثانيا لأنها تريد المساواة " . واقترح عزة في الرسالة نفسها انتظار المبعدين
"القادمين من جزر سيشل" ؛ للبحث عن الموقف وتسمية (المفوضين) ، وقد أعلم
الرياض بذلك التي ما زالت تلح بتسمية الأسماء ، كما اقترح على الرياض باسم المفتي
كذلك " بضرورة تهيئة اجتماع يعقد بين (مفوضي) الحكومات و (مفوضي) اللجنة
العربية العليا للبحث في الموقف والاتفاق على خطة واحدة ؛ لئلا يكون في لندن بينهم
(بلبلة) ". ومع أن عوني عبد الهادي في رده في 20 شوال 1357 هـ – 12 ديسمبر([19])
1938م رأى صعوبة الإصرار على أسس المفاوضات في الوقت الراهن ؛ لكنه أضاف: "إن
الخوف من قبول الذهاب إلى لندن قبل تعيين هذه الأسس هو أن تتفرق كلمة
الممثلين".
ومع أن موقف المملكة العربية السعودية
ظل حتى ذلك الوقت يؤكد أن الأسس لا يمكن تعيينها إلا في لندن ، "وأنه ليس
للعرب إلا أن يدخلوا غير مقيدين بأي قيد ، وأنه ليس من الإنصاف أن نطلب من
بريطانيا أن تقيد نفسها([20])
" – لم يمنع هذا أن يتوجه الملك عبد العزيز في رسالة بعث بها إلى وزارة
الخارجية البريطانية في 25 شوال 1357هـ / 17 ديسمبر 1938م([21]) يطلب "
تعريفه بالمدى الذي يمكن أن تمضي فيه الحكومة لتقديم المساعدة، ليس هذا إلا لدراسة
الموضوع من كل جوانبه ، ولتجنب العوائق التي يمكن أن تعترضه ، ولتمهيد الطريق لعقد
المؤتمر في جو مؤات يؤمل منه أن يثمر عن النجاح المرغوب " ، ويعد الملك
بالاستمرار في اتخاذ إجراءات فعالة لإرضاء كل الأطراف ؛ حتى تتضافر كل الجهود
لتسهيل انعقاد المؤتمر ، وعبرت وزارة الخارجية البريطانية في رسالتها إلى وكيل
وزارة الخارجية السعودية في جدة([22])
عن عميق امتنانها لهذه اللفتة الأخيرة ، وألحت على ضرورة استمرار التواصل مع رئيس
الوزارة المصرية محمد محمود باشا من أجل التوصل إلى اتفاق بشأن الأشخاص الذين يمكن
أن يكونوا الممثلين المناسبين لعرب فلسطين.
وفي أواخر ذي القعدة 1357هـ/ ديسمبر
1938 م أبرق الملك عبد العزيز إلى وكيل الخارجية السعودية في جدة لمقابلة الوزير
البريطاني المفوض وتكليفه بنقل طلب إلى حكومته([23]) بوجوب إطلاق
سراح المبعدين إلى سيشل ورفع الحجز والضغط عن أهل فلسطين للتنقل والتداول فيما
بينهم بشأن المؤتمر ، وبفضل جهود الملك عبد العزيز وحرص بريطانيا على ضرورة عقد
المؤتمر وافقت بريطانيا لمطالب الملك ، فأطلقت سراح المنفيين في سيشل ، كما تراجعت
عن اعتراضها على المفتي واللجنة العربية العليا، فوجهت كتاباً رسمياً إلى المفتي ؛
لكونه رئيس اللجنة العربية العليا لاختيار وفد فلسطين.
وكانت المشاورات بين القيادات
الفلسطينية المتواجدة في سورية ولبنان والتي انضم إليها المبعدون القادمون من سيشل
قد عقدت في مطلع شهر ذي القعدة 1357 هـ / يناير 1939م في مقر المفتي في لبنان،
ودار النقاش فيها حول عدة قضايا بشأن المؤتمر المقترح منها الشروط المسبقة واختيار
الممثلين وطريقة التصويت ، وقد أمكن التغلب على اختلاف الآراء([24]) ،
وأصدرت اللجنة العربية العليا في 25 من ذي القعدة 1357هـ / 15 يناير 1938م([25])
بياناً أعلنت فيه بعد رفع جزيل شكرها وعظيم امتنانها "لأصحاب الجلالة ملوك العرب
وللحكومات والهيئات والجمعيات والمؤتمرات واللجان والشعوب الإسلامية والعربية على
ما أظهرته من الاهتمام العظيم بقضية فلسطين والعطف عليها وما بذلته من جهود في
سبيلها" ، أعلنت الموافقة على قبول الدعوة إلى مؤتمر لندن مبدئياً " على
أمل أن تكون الحكومة البريطانية حسنة النية في هذه المرة عازمة عزماً صادقاً على
إيجاد حلٍّ نهائي لقضية فلسطين" ، وحدد البيان وفد المفاوضة من أعضاء اللجنة
العربية العليا (المفتي ، جمال الحسيني ، عوني عبد الهادي ، حسين الخالدي ، عزة
دروزة، عبد اللطيف صلاح ، يعقوب الغصين ، فؤاد سابا) ، مضافاً إليهم عدد من
الشخصيات (موسى العلمي ، أمين التميمي ، جورج أنطونيوس) ، على أن ينوب عن الوفد
المذكور في جلسات المباحثات مع الحكومة البريطانية جمال الحسيني ، عوني عبد الهادي
، حسين الخالدي ، ألفريد روك ، موسى العلمي ، أمين التميمي، جورج أنطونيوس (على أن
يكون الأخير سكرتيراً للوفد يساعده فؤاد سابا) ، وقد تقرر الاحتفاظ برئاسة الوفد
للمفتي ، غير أنه نظراً لاعتذاره في الوقت الحاضر عن الذهاب انتدب للرئاسة
بالنيابة عنه جمال الحسيني ، ونصت الفقرة الأخيرة من بيان اللجنة العربية العليا
على وجوب تقيد الوفد بالميثاق القومي الفلسطيني "كحد أدنى للمطالب ، وألا
يتساهل فيه قط"، وهو :
1-
الاعتراف بحق العرب في
الاستقلال التام لبلادهم .
2-
العدول عن تجربة إنشاء الوطن
القومي اليهودي .
3-
إنهاء الانتداب البريطاني ، وأن
يستبدل به معاهدة مماثلة للمعاهدة البريطانية العراقية، تنشأ في فلسطين بموجبها
دولة ذات سيادة.
4-
منع الهجرة اليهودية وانتقال
الأراضي لليهود منعاً باتاً([26]) .
وبعد اكتمال المشاورات في لبنان توجه
الممثلون الذين اختيروا للذهاب إلى لندن إلى القاهرة للاشتراك مع الوفود العربية
الأخرى في المداولة قبل السفر إلى لندن لوضع خطة مشتركة ؛ بحيث يجتمع ممثلو العرب
على مائدة واحدة لبحث قضية فلسطين فريقاً واحداً بغض النظر عن نجاح المؤتمر أو
فشله([27]) .
وقبل هذا الاجتماع المقرر أن يسبق
انعقاد مؤتمر لندن وجه الملك عبد العزيز إلى الأمير فيصل الممثل له في المؤتمر
ورئيس الوفد السعودي([28])
تعليمات تحدد ثوابت السياسة السعودية إزاء المؤتمر المقبل ، تدل على بعد نظر
وتخطيط مستقبلي ، يقول الملك([29]) :
" هذه القضية لا تحتاج إلى تعريف ولا بيان ، إن هناك بلاداً مقدسة احتلها
الإنجليز ، وأعطوا اليهود وعدا لإقامة وطن قومي لهم ، وكان من نتائج ذلك أن تزايد عدد اليهود في فلسطين ، وعظم أمرهم
وخطرهم إلى أن حصلت الثورات المتتابعة ، ومن تتبع المذكرات التي سبق إرسالها منا
للبريطانيين والأحاديث التي أجريت معنا تعلمون وجهة نظرنا في القضية والمخاطر
والمحاذير التي تتعرض لها الصداقة بين العرب وبريطانيا بسبب سياسة الحكومة البريطانية
في فلسطين، وإن العرب لا يمكن أن يؤمن جانبهم أو تضامنهم مع بريطانيا إذا لم تحل
قضية فلسطين على وجه يؤمن العدل والإنصاف ، فينبغي أن يكون مجراكم في أحاديثكم مع
رجال الحكومة البريطانية على أساس المذكرات والأحاديث التي سبق أن قدمت للحكومة
البريطانية، أنتم يجب أن تكونوا حريصين في جميع أحاديثكم في مصر أو في أي مكان آخر
على أنكم ترغبون كل الرغبة في أن يمثل أهل فلسطين تمثيلا صحيحاً ، فإذا تم انتخاب
أهل فلسطين على وجه المطلوب فالخطة هي الموافقة على مطالب أهل فلسطين ومناصرتهم ،
ويمكن أن توضحوا لمندوبي الحكومات العربية بأنه ليس لنا غاية خاصة في الشكل
المقترح لحل غير تأمين مطالب أهل فلسطين ، وأن تجعل تلك المطالب أساسا لتلك
المفاوضات ، وكل مشروع إجمالي يحوي :
1-
تأمين منع الهجرة اليهودية .
2-
منع بيع الأراضي لليهود .
3-
تأمين استقلال فلسطين.
وابذلوا كل جهد لمنع الدخول في
التفاصيل والتفرعات قبل معرفة ما عند الإنجليز وما يراه ممثلو فلسطين في هذه
الأساسيات ، إن الذي يهمنا في الوقت الحاضر بصورة مباشرة هو إذا تمكنتم من الحصول
على منع الهجرة اليهودية ومنع بيع الأراضي فكل شيء وكل طريقة يمكن أن تحفظ فلسطين
من الخطر المحدق بها، وستقابلون أحد أمرين بالنتيجة؛ إما أن يفشل المؤتمر ، أو
ينجح ، فإن فشل فيكون موقفكم كموقف الحكومات الأخرى، وإن نجح فهناك أمران: الأول
شكل الحكومة في فلسطين، والثاني الضمانة التي يطلبها الإنجليز لليهود الذين في
فلسطين في الوقت الحاضر. أما شكل الحكومة في فلسطين فمن المصلحة أن تكون حكومة
جمهورية ، وهذه الطريقة ترضي الجميع ، ولا تجعل مجالا للتخاصم والتسابق على النفوذ
بها. والثاني مسألة ضمانة اليهود المقيمين في فلسطين في الوقت الحاضر، فإن الحكومة
البريطانية حرصت في عدة مناسبات أنه لا يمكنها أن تسلم اليهود لأيدي العرب،
وللخروج من هذه المشكلة يمكن البحث في أنه إذا وافقت الحكومة البريطانية على منع
الهجرة وعلى منع بيع الأراضي فيمكن أن تتعهد حكومات الحلف العربي ( ومصر إذا أرادت
الدخول مع هذه الحكومات) بضمان حقوق اليهود بصفتهم أقلية، سينص عليها في المعاهدة
، بشرط ألا يحدثوا أحداثا لمناوأة العرب أو مقاومتهم ... " .
ولقد كانت المباحثات التمهيدية للوفود العربية في القاهرة قبل مؤتمر
لندن أول اجتماعات رسمية على مستوى عال للتفاهم على الخطة التي ستسير عليها الوفود
في لندن ، وتقرر تبني الميثاق القومي الفلسطيني أي وقف الهجرة وبيع الأراضي وقيام
دولة مستقلة بأكثرية عربية ترتبط ببريطانيا بمعاهدة، وألا يتجاوز عدد اليهود
النسبة الحاضرة ، وأن يضمن لهم الاستقلال في الشؤون المحلية في مناطقهم ، وقررت
الوفود العربية عدم الجلوس مع الوفد اليهودي كطرف ثان([30]) .
وفي حفل العشاء الذي أقامه رئيس الوزارة المصرية تكريما للوفود العربية
تحدث الأمير باسم الوفود قائلا : " ولأول مرة في التاريخ نشهد هذا المظهر
البارز لتضافر الأقطار العربية وتعاونها، ولأول مرة نقف من بعضنا على هذا المنوال
مجتمعين متحدين، وأرجو أن يكون مؤتمرنا الحالي سابقة حسنة نستنها لحل معضلات
أمورنا وتثبيت دعائم علاقاتنا وروابطنا "([31]) .
وقد تأجل رحيل الوفود العربية بعض
الوقت ؛ لتمكين نوري السعيد وفؤاد حمزة وجمال الحسيني من الذهاب إلى بيروت
والتشاور مع المفتي بشأن تسمية ممثلين في الوفد الفلسطيني عن حزب الدفاع
(المعارضة) ([32]) ،
وفي يوم 2 من ذي الحجة 1357هـ/22 يناير 1939م أبحرت الوفود العربية إلى إنكلترا([33]) ،
وكانت الحكومة البريطانية تبدي ثقة كبيرة بما يمكن أن يشغله الوفد السعودي في
المباحثات المقبلة ؛ نظرا "للنفوذ العظيم الذي يحوزه الملك عبد العزيز في
العالم العربي كله" ؛ ولذا فإن مساعدة الوفد السعودي كانت تبدو بنظر الحكومة
البريطانية حاسمة لإنجاح المؤتمر([34]) ،
وكان الملك عبد العزيز قد عزز هذه الثقة خلال حديث خاص مع الوزير المفوض البريطاني
في 9 ذي الحجة 1357هـ / 29 يناير 1939م عبر فيه الملك عن تفاؤله بإيجاد حل في
فلسطين ، وكرر اعتقاده بأن مصالح الحكومة البريطانية ومصالح العرب متطابقة.
وقبل افتتاح الجلسات الرسمية لمؤتمر
لندن قدم الأمير فيصل إلى رئيس الوزارة البريطانية الرسالة التي حملها قبل مغادرته
المملكة من جلالة والده([35]) ،
استهلها بالقول: "نغتنم فرصة زيارة نجلنا الثاني فيصل إلى لندن للاشتراك في الأبحاث
التي نرجو أن تؤدي إلى حل موفق لقضية فلسطين التي هي من أخص أماني العرب ؛ لكي
نقدم إليكم احتراماتنا الفائقة وتقديرنا العظيم للجهود النبيلة التي بذلتموها
لتجنب الكارثة التي كادت أن تودي بالسلام العالمي والتي ما زلتم تبذلونها لحل
المشكلات الدولية العويصة التي يتسبب عن ترك حلها إذكاء نار العداوة والحسد بين
الأمم والشعوب، وحيث إننا واثقون كل الوثوق من تقديركم لنقاط الخطر في الشرق
الأدنى عامة وفي البلاد العربية خاصة وتعلمون قوة الصلات المتينة والصداقة
التقليدية بيننا وبين الحكومة البريطانية – أحببنا أن نغتنم فرصة وجود الابن فيصل
أيضا في لندن ؛ لكي يقوم بتأدية هذه الرسالة المهمة منا إلى فخامتكم ، وإننا نرجو
أن تلقى منكم كل عناية واهتمام جديرين بما يستلزمه الموقف ، وتقتضيه مصلحة الصداقة
والمنفعة المتبادلة بين بلدينا".
وبعد أن قدمت رسالة الملك تقويما
ومراجعة للعلاقات البريطانية السعودية منذ انتهاء الحرب العظمى وحاجة البلدين إلى
علاقات وثيقة متينا بينهما انتقلت إلى تلخيص النقاط التي يرى جلالته ضرورة التفاهم
عليها ، وأهمها قضية فلسطين ، وأبدى أمله القوي أن تحل " على وجه يحفظ حقوق
العرب في بلادهم في مؤتمر لندن ؛ لأن هذه القضية من القضايا المهمة التي لها مساس
جوهري في العلاقات التي بين الحكومة البريطانية وبين المسلمين عامة والعرب خاصة،
وقد أوضحنا في مناسبات متعددة للحكومة البريطانية مقدار الخطر التي تستهدف له
العلاقات بين العرب وبريطانيا بسبب قضية فلسطين".
وقد روى عوني عبدالهادي أحد أعضاء وفد
فلسطين إلى المؤتمر في مذكراته([36])
اللقاءات التي أجراها مع الأمر فيصل قبل افتتاح المؤتمر : وكانت كل أحاديثنا تجري
حول قضية فلسطين وقضايا الوطن العربي ، وأذكر له موقفا طيبا ؛ ففي أول اجتماع لنا
كان البحث يدور حول الشخص الذي سيجيب على خطاب رئيس وزراء بريطانيا نيفيل تشمبرلن
حين يفتتح المؤتمر ، فاقترح (أي عوني) بهذه المناسبة أن يجيب (أي الأمير) على
الخطاب ؛ لأنه ابن ملك وأكبر سنا من سيف الإسلام عبد الله رئيس وفد اليمن ، في حين
أن الأمير عبد المنعم رئيس وفد مصر ابن عم الملك ، إلا أن الأمير فيصل أبى إلا أن
يرشح الأمير عبد المنعم ، ولم يقبل إطلاقا أن يتقدم عليه([37]) .
الوقائع الرسمية لمؤتمر المائدة
المستديرة :
افتتح رئيس الوزراء البريطاني تشمبرلن
المؤتمر رسميا في قصر سان جيمس في 18 ذي الحجة 1357هـ/7 فبراير 1939م([38]) ،
وألقى خطابا رحب فيه بالوفود العربية، وعد وجودهم اعترافا من جانب الحكومة
البريطانية بوحدة المصالح والعواطف في العالم العربي ؛ تأكيدا لرغبة البلاد
العربية في الاحتفاظ بأواصر الصداقة التي ربطها هذا الزمن الطويل للشعب البريطاني
وتقويتها أيضا ، وتمنى ونيفل تشمبرلن
للمؤتمر " التماس حل رشيد للمصاعب الحالية يكفل حقوق عرب فلسطين
ومركزهم"([39]) ،
وأن الحكومة " لن تحاول أن تمنع ممثلي العرب واليهود أن يبسطوا الحجج التي
يرونها داعية إلى تغيير الانتداب، وستكون المباحثات وافية وصريحة وحرة ، وقد عبر
الأمير محمد عبد المنعم في رده على خطاب رئيس الوزارة البريطانية بالنيابة عن
الوفود العربية عن أمله باستتباب الأمن والسلام في ناحية مقدسة من نواحي
العالم"([40]) .
وفي الجلسة الثانية (20ذي الحجة / 9
فبراير ) بدأت الأعمال الفعلية للمؤتمر بحضور الوفد البريطاني (ترأسه مالكولم ماكدونالد
وزير المستعمرات ، وشارك فيه وكيل وزارة الخارجية) ، وبعد أن رحب مكدونالد بالوفود
العربية قرأ بيان الحكومة البريطانية معلنا سياستها الجديدة لفلسطين ، وخلاصتها أن
الحكومة البريطانية تهدف أن تنشئ في فلسطين في أحوال ملائمة حكومة ديمقراطية
مستقلة تمثل الشعب الفلسطيني بكامله من عرب ويهود ، وللوصول إلى هذا الهدف يلزم
المرور بمدة انتقالية مدتها عشر سنوات ، ثم ذكر المراحل التي ستمر فيها القضية
الفلسطينية قبل الوصول إلى الهدف، وبين أن هذه المراحل هي موضوع بحث المؤتمر([41]) .
وقد أجاب جمال الحسيني رئيس الوفد الفلسطيني
باسم الوفود العربية على بيان وزير المستعمرات ببيان شامل([42]) ، تناول فيه
فلسطين تاريخيا وتطورات الأوضاع فيها منذ وقوعها تحت الانتداب البريطاني الذي
منَّى اليهود في وعد بلفور بوطن قومي غير شرعي ، وجلب لأهل فلسطين الأصليين الخراب
والدمار والاضطهاد ، وحرمهم حقهم في تقرير المصير ، ثم بيّن جمال الحسيني كيف سنت
حكومة الانتداب المتحيزة القوانين التي تمكن اليهود من إنشاء الوطن القومي على
حساب الشعب العربي الفلسطيني ، وكيف أغرقت البلاد بمئات الآلاف من المهاجرين
اليهود من جميع أقطار الأرض ، وأخرجت الكثيرين من الفلاحين العرب من أراضيهم ،
وكيف حنثت بعهدها للبلاد العربية ومنها فلسطين، الأمر الذي جعلها تحجب عن الأنظار
مراسلات الحسين ومكماهون التي أبرمت 1333هـ/1945م ، وتضمنت هذه العهود ، وأنهى
الحسيني بيانه بالمطالب الأربعة الآتية :
1-
الاعتراف بحق العرب في استقلال
بلادهم التام .
2-
إنهاء المحاولة بشأن تأسيس
الوطن القومي اليهودي في فلسطين.
3- إلغاء الانتداب وكل ما نتج عنه من إجراءات غير مشروعة
واستبداله بمعاهدة شبيهة بالمعاهدة المعقودة بين بريطانيا العظمى والعراق، تقوم
بموجبها في فلسطين دولة عربية ذات سيادة .
4- وقف الهجرة اليهودية وبيع الأراضي لليهود وقفا مباشرا وتاما ،
وأعلن الحسيني "أن العرب مستعدون للتفاوض بروح ودية من أجل المحافظ على مصالح
بريطانيا المعقولة ، ويوافقون على تقديم الضمانات من أجل المحافظة على الأماكن
المقدسة وحقوق زيارتها، وكذلك حماية الحقوق المشروعة للأقلية اليهودية وسائر
الأقليات في فلسطين".
وألقى الأمير فيصل رئيس الوفد السعودي خطابه في الجلسة الخامسة (25 من
ذي الحجة / 14 فبراير 1939م)([43]) ، ونوه إلى أن وجهة نظر حكومة جلالة الملك
عبدالعزيز قد سبق أن أوضحت للحكومة البريطانية في المذكرات والمحادثات المتعددة
وفي كل المناسبات كانت حكومة جلالته مدفوعة بعاملين: " الأول أن العلاقات
الودية الطيبة بين الشعوب العربية والبريطانية والمصالح المتبادلة بينهم تتطلب
الاتفاق والتفاهم بين الأمتين، الثاني أنه ما لم تحل قضية فلسطين حلا عادلا يرضي
العرب وأمنهم على سلامة بلادهم وكرامة مقدساتهم – فإنه يخشى أن تسوء حالة
هذه العلاقات لدرجة كبيرة جدا" . وحدد خطاب الأمير فيصل سياسة حكومته في
مؤتمر لندن في نقاط أساسية([44]) :
أولاً : أكد فيصل باسم المملكة الجانب الديني في موضوع فلسطين وصلة هذه
القضية بالمسلمين جميعا ، ففلسطين قضية إسلامية كما هي قضية عربية دون أن تسقط
عروبة فلسطين الوجه الإسلامي لها في القدس ومسجدها الأقصى أولى القبلتين وثالث
الحرمين الشريفين ،" إن العرب والمسلمين قد استماتوا في الماضي في الدفاع عن
فلسطين، وأرخصوا في سبيل المحافظة عليها وعدم التفريط فيها كل غال ، ولا شك أن أول
اتصال بين العرب والإنكليز منذ ألف سنة تقريبا إنما كان في بطاح فلسطين
نفسها".
ثانياً : وضعت المملكة جانبا كل ما اتصل بالخلاف السعودي الهاشمي ،
وعدت المخابرات القائمة ما بين الإنكليز والملك حسين في الحجاز مُلزمة للحكومة
البريطانية([45])، كما هي مُلزمة للمملكة العربية السعودية التي
أصبح الحجاز جزءا منها ، وقد كانت تلك المخابرات واضحة وصريحة في تأكيدها على
عروبة فلسطين ، ودعا الأمير فيصل باسم المملكة العربية السعودية الحكومة
البريطانية إلى الوفاء بهذه العهود واحترامها ، مادامت قد تمت في مرحلة كان فيها
الحجاز ناطقا باسم العالم العربي ، وأكد الأمير أنه " قد كان من حق العرب
والملك حسين أن يصروا على المطالبة بالوعود كما كتبت باللغة التي يفهمونها ، فإن
كان هناك اختلاف بين النص العربي الأصلي والترجمة الإنكليزية فإنه يكون من مصلحة
الجميع أن تقابل النصوص، ويتفق على معناها الصحيح، ومهما تكن نتائج البحث في حقيقة
مخابرات حسين ومكماهون فإن عدالة مطالب أهل فلسطين ليست مبنية عليها فقط ، بل إنها
مرتكزة على أساس أعظم منها ، وهو الحق الطبيعي الأساس لكل شعب في تقرير مصيره
والتمتع بسلطانه واستقلاله ، وأحب أن أذكر في هذا الباب أن حق تقرير المصير كان من
المبادئ الأساسية التي نودي بها أيام الحرب العظمى وفي أثناء مفاوضات الصلح في
فرساي".
ثالثا : لم تر المملكة وعد بلفور قانونيا ولا ملزما للعرب لثلاثة أسباب
:
أولها: أنه أعطي بعد الوعود المعطاة للعرب ؛ فهي الأساس، وهو مخالف لها
.
وثانيها : أنه أعطي بغير علم العرب ولا رضاهم .
وثالثها : أنه مخالف لمبادئ عصبة الأمم وللمادة (22) منها التي اعترفت
باستقلال الجماعات المنسلخة عن الدول العثمانية ، وفلسطين منها ، " وتطبيق
الوعد يؤدي حتما إلى نقض عهد العصبة" .
كما رأت المملكة أن الأخذ بدعوى اليهود التاريخية في فلسطين سيثير
مشكلات دولية كبرى إذا ما تم إقرار مبدأ عودة الجماعات إلى أرض استوطنتها من قبل
لمرحلة في تاريخها.
وختم الأمير كلمته بالتمني على الحكومة البريطانية الإقدام " على
اتخاذ الخطوة الحاسمة التي تنير أمامنا سبيل البحث ، وتمكننا من وضع الأمور في
نصابها وإعادة الحق إلى مجراه".
وقد لخصت جريدة الأهرام خطاب الأمير فيصل أمام مؤتمر المائدة المستديرة
في بضعة سطور جامعة([46]) : " بسط الأمر فيصل العهود المقطوعة للعرب ،
وأقام الأدلة على صحتها وقوتها ، وتكلم عن علاقات الصداقة الوثيقة بين بلاده
وإنكلترا ، وقال : إن هذه العلاقات التي يريدها العرب وطيدة يخشى أن تتصدع إذا لم
يعامل عرب فلسطين بالعدل والإنصاف , فإن الخطر الذي يتهدد كيانهم أثار في العالمين
العربي والإسلامي روح استياء شديد ، لا يمكن الاطمئنان إلى نتائجه ، وإن الهياج
المتزايد من جراء ذلك في العالم الإسلامي يجب أن يحسب له حساب ، ثم طلب الأمير
فيصل تحقيق العهود المقطوعة للعرب تعزيزا للصداقة وتأمينا لمصالح الأمتين وحل
مشكلة فلسطين التي هي موضوع الخلاف بينهما".
وقد توجه (بتلر) Butler الوكيل البرلماني لوزارة الخارجية بالشكر إلى الأمير فيصل على ما أهم
به في البحث، وأعرب عن مشاركته لسموه فيما ختم به بيانه من الأمل والشعور ، ونوه
بشكل خاص إلى ما ورد في كلمة الأمير عن العهود التي قدمتها الحكومة البريطانية
للعرب 1333هـ/1915م والتي تشتمل عليها المكاتبات المتبادلة بين مكماهون وشريف مكة.
وكانت المناقشات في المؤتمر قد توجهت بعد خطاب الأمير إلى ضرورة إحالة
بحث مكاتبات حسين مكماهون إلى لجنة فرعية ؛ للنظر في الاختلافات في الرأي بين
التفسيرين البريطاني والعربي ، ومع أن بعضهم رأى أن هذه اللجنة الفرعية لا تستطيع
أن تذهب إلى أبعد ما يستطيع عمله المؤتمر ، إلا أن وزير المستعمرات قال([47]) : " إن هناك نقطا تفصيلية مثل الفروق بين
الترجمات الإنكليزية المختلفة للمكاتبات، فإذا لم تحول هذه النقط إلى لجنة فرعية
فإن بضعة أيام من وقت المؤتمر تستنفد ، وبذلك يتأخر درس الاقتراحات العملية التي
عرضها جمال الحسيني في بيانه الافتتاحي" .
وكان الوفد العربي السعودي من بين من وافقوا على إحالة الموضوع إلى
لجنة فرعية([48]) ، وبعد حوار طويل تم الاتفاق على تأليف لجنة
مشتركة ؛ للنظر في الخلاف على تفسير هذه المراسلات وتقرير موقع فلسطين من العهود
البريطانية ، وبعد أن عقدت اللجنة المشتركة اجتماعاتها في أروقة مجلس اللوردات
وتبادل فيها الفريقان عدة رسائل رفض الفريق البريطاني وجهة النظر العربية ، مصراً
بأن فلسطين هي المنطقة الخارجة عن العهود، ولما وضعت اللجنة تقريرها ذكرت عدم
اتفاقها على الخلاف الذي شكلت من أجله ، ولكنها ختمت تقريرها بتصريح مهم جاء فيه([49]): " حسب البيانات التي قدمت للجنة ترى اللجنة
أن الحكومة البريطانية لم تكن لها صلاحية التصرف في فلسطين دون رغبات ومصالح جميع
سكانها" ، وهذا يعني أنه لم يكن لبريطانيا الحق في التصريح بوعد بلفور
المنافي لرغائب ومصالح سكان فلسطين العرب الذين يؤلفون أكثر من 90% من السكان.
أما جلسات المؤتمر العامة فقد استمرت في طريق ملتو، لكن في جو دبلوماسي
وكياسة واضحة من قبل مالكولم ماكدونالد رئيس الوفد البريطاني ، إلا أن هذه الكياسة
لم تكن حائلا دون وضوح التناقض بين المطالب العربية وأهداف الدولة الانتدابية وراء
عقد المؤتمر([50]) ، وقد لخصها ماكدونالد بقوله([51]) : " إن هدف المؤتمر من الأساس كان إتاحة
الفرصة للتبادل الصريح في وجهات النظر ، وإن أمكن التوصل إلى نوع من التفاهم ،
ولكن إذا لم يكن بالإمكان الاتفاق ولسوء الحظ فإن (حكومة جلالته) يصبح بإمكانها
على الأقل أن تبني سياستها للمستقبل ، وهي على علم تام بمختلف جوانب القضية"
، ثم أعرب الوزير عن أن حكومة جلالته مستعدة لبذل أي مجهود من أجل التوصل إلى
اتفاق .
وعلق عوني عبد الهادي في مذكراته([52]) على سير وقائع المؤتمر بقوله : "
دللت محاضر المؤتمر الهوة التي تفصل وجهتي النظر العربية والبريطانية ، الحكومة
البريطانية ترغب كثيرا في الاتفاق ، وألا تكون مضطرة لإعلان تصريح من جانب واحد ،
والوفد البريطاني يؤكد أن الحكومة البريطانية تؤثر الأمر الأول ، وهي تخشى أن يزيد
طول الوقت في صعوبة الوصول إلى اتفاق لا بسبب الوفود العربية " ، ولكن بسبب
المؤثرات الخارجية الرأي العام والبرلمان والموقف اليومي في فلسطين. ويضيف عوني في
مذكراته([53]) : " إن مالكولم مكدونالد وزير المستعمرات قال
للوفود العربية : إنه يستحيل على الحكومة البريطانية أن تسير أكثر مما سارت إليه
في المؤتمر ؛ لأن الجو حافل بالسحب ، وأن بحاجة إلى مساعدات الحكومة الأمريكية في
حالة وقوع الحرب". وقال مكدونالد أيضاً : " إن الحكومة البريطانية في
هذه المرة عازمة على تجميد السياسة الصهيونية تجميدا يحفظ للعرب كيانهم
وحقوقهم".
ومع أنه أمكن التوصل بعد جلسات استغرقت ستة أسابيع بين البريطانيين
والعرب إلى الاتفاق على كثير من المواضيع التي طرحت للبحث ، منها : مبدأ إنهاء
الانتداب ، وقيام دولة مستقلة في فلسطين ترتبط معها بمعاهدة بعد مدة مناسبة إلا أن
الحكومة البريطانية اتخذت من الاختلافات المتبقية سببا لإنهاء جلسات المؤتمر في 26
محرم 1358هـ/ 17 مارس
1939م([54]) ؛ كي يتسنى لها الانفراد بإصدار بيان بنتائجه ورسم
سياستها الجديدة .
وقد أوضح جورج أنطونيوس سكرتير الوفد الفلسطيني أسباب الإخفاق في تصريح
جاء فيه([55]) : " إن السبب المباشر لإحباط المفاوضات
الفلسطينية في لندن هو مسألة التغييرات الدستورية التي يراد إدخالها على الدستور
الفلسطيني لإنشاء دول وطنية مستقلة فيها ، ولقد قبل مندوبو الوفد العربي الفلسطيني
مبدأ فترة الانتقال التي تنقضي بين نظام الانتداب وإنشاء حكومة مستقلة، ولكنهم
اشترطوا تحديد الفترة هذه ، فرفضت الحكومة البريطانية تحديدها ، وقال : إن
انتهاءها يتوقف على مدى نجاح تجربة التعاون العربي اليهودي في فلسطين ، فرأى
الأعضاء العرب أن هذا القرار غير سليم ؛ لأنه يعطي اليهود فرصة لوضع العراقيل في
سبيل قيام الحكومة الوطنية ، وقد حبط المؤتمر عند هذه النقطة ، فما بحث غيرها من
مسائل الهجرة وبيع الأراضي والمسألة الدستورية".
وقد أوجز الأمير فيصل في كلمته أمام الجلسة الختامية للمؤتمر القول في
النتيجة التي وصلت إليها مداولات المؤتمر ، معربا عن أمله بأن تعيد الحكومة
البريطانية نظرها ، وهو في كل ذلك يعبِّر عن موقف المملكة الأولي بأنها ليست وصية
على القضية الفلسطينية ، ولا هي الناطقة باسمها ، إنها تقول رأيها بقدر ما هي
القضية الفلسطينية قضية قومية ودينية ، ومهما يكن رأي العالم العربي فيجب أن يصب
في القضية الفلسطينية من خلال الرأي الفلسطيني([56]) .
وجاء في كلمة الأمير : " لقد بينا لحكومة صاحب الجلالة البريطانية
ولزملائنا أعضاء وفد المملكة المتحدة في محادثات عديدة رأينا في حل عادل عملي
لمسألة فلسطين ، وهو حل يعيد السلام ، ويكفل استقرار الأمر في الشرق الأدنى في وسط
الأحوال الدولية الحاضرة المضطربة ، ونحن نقدر الصعوبات التي تواجه حكومة جلالته ،
وندرك رغبتها في الوصول إلى تسوية للمسألة ، ولكن رأينا أن المقترحات التي عرضتها
على المؤتمر لا يمكن أن تكفل ذلك الاستقرار الذي ينشده الجميع ، وذلك للأسباب
الوجيهة التي سبق لنا أن ذكرناها لوفد المملكة المتحدة، والتي أشار إليها الوفد
العربي الفلسطيني في البيان الذي سمعنا([57]) ، ومن أجل ذلك نود أن نلح على حكومة
جلالته أن تولي ملاحظات الوفد العربي الفلسطيني عنايتها الجدية ، وأن تعدل سياستها
المقترحة تعديلا جوهريا ، ونحن نعتقد أنه ما دامت هذه السياسة لا تعدل على نحو ما
بينّا فإن الموقف العربي الفلسطيني سيظل صعبا ، فلا يستطيع أن يوافق على المقترحات
الحالية ، وإنا لنرجو من أعماق قلوبنا أن تظل العلاقات الحسنة الحالية بين الدول
العربية على العموم والأمة البريطانية قائمة ، وأن تتخذ حكومة جلالته تدابير فعالة
لمحو الشكوك والريب التي أوجدتها الحوادث الماضية". ولم يشأ مكدونالد أن يرد
في الجلسة الختامية على كلمات الوفود العربية ، واكتفى بالإشارة([58]) إلى أن صاحب السمو الملكي الأمير فيصل قد استعمل
عبارة تصف الواقع أتم وصف حين قال : " إن الحكومة البريطانية في مركز
دقيق" .
في أعقاب انفضاض المؤتمر:
لم يكن التوقف الرسمي لمحادثات لندن يعني نهاية لمشاورات جانبية بين
الحكومة البريطانية وبعض الأطراف العربية في محاولة لإجراء تعديلات على المقترحات
البريطانية لضمان قبولها من العرب ، وقد حرصت الحكومة البريطانية خلال تلك
المداولات على شرح وجهة نظرها إلى الملك عبد العزيز وإطلاعه على موقفها ، وكان
رئيس الوزارة البريطانية قد أعد في 18 محرم 1358هـ / 9 مارس 1939م مسودة رسالة
للملك عبدالعزيز ردا على رسالة جلالته التي حملها الأمير فيصل إلى لندن (والمؤرخة
في 12 من ذي العقدة 1357هـ/2 يناير 1939م) والمتعلقة بالعلاقات بين البلدين وسبل
توثيقها([59]) . وقد أبدى رئيس الوزارة البريطانية تقويمه
للمساعدة التي تلقاها من جلالته حول مسألة فلسطين المعقدة ، وأضاف "بأن حكومة
المملكة البريطانية تدرك تماما أهمية هذه المسألة في تأثيرها ، ليس على ذلك البلد
وحده ، بل على العلاقات بين بريطانيا وبقية العالم العربي ، وأشار رئيس الوزراء
البريطاني بالدور الكبير الذي لعبه الأمير فيصل في المؤتمر، وأمل أن يتحقق سموه من
"عزم بريطانيا الصادق لإيجاد حل نهائي يعمل على تحقيق العدل لجميع الأطراف ،
ويحفظ حقوق العرب في فلسطين" .
ونقل الوزير البريطاني المفوض في جدة 2 صفر 1358هـ/23 مارس 1939م بعد
التوقف الرسمي لأعمال المؤتمر رسالة إلى الملك([60]) ، فيها رأي حكومته بالنسبة للموقف الذي
اتخذته داخل قاعات المؤتمر وإيراد الحجج للرد على الاعتراضات العربية، ويقول
الوزير المفوض : " لقد أصبح واضحا لحكومة صاحب الجلالة منذ بعض الوقت أن أحد
العوامل المهمة في القضية العربية هو عدم التأكد الكامل في عقول العرب بالنسبة
لنقطتين: ففي المجال الأول هم يخشون أن تكون النتيجة الحتمية للسياسة البريطانية
ارتباطها بتأسيس دولة يهودية ، فليس هناك ما يؤكد أن اليهود المهاجرين لن يرسلوا
أعدادا متزايدة إلى فلسطين، وحكومة صاحب الجلالة تقدم تأكيداتها بأنه ليس من
أهدافها أن تصبح فلسطين دولة يهودية أبدا ، واقتراحات هذه الحكومة تتضمن أيضا
تأكيدا بأن الهجرة اليهودية يجب أن تتوقف عقب خمس سنوات إلا إذا وافق الفلسطينيون
العرب على استمرارها ، وفي الوقت نفسه يجب أن تقيد الهجرة اليهودية، فيصبح عدد
السكان اليهود مع نهاية السنوات الخمس نصف عدد السكان العرب".
ويعد الوزير المفوض أن " السبب الأساسي الذي قدمه العرب تبريرا
لرفضهم مقترحات حكومة صاحب الجلالة هو غياب الحد الزمني للمدة الانتقالية، كانوا يريدون
أن تتعهد الحكمة بحصولهم على الاستقلال في تاريخ محدد" ، ويضيف : " إنه
من المستحيل على أي حكومة بريطانية أن توافق على أنه في تاريخ محدد تقوم بتسليم
مسؤولياتها في فلسطين مهما كانت الظروف الدولية السائدة في ذلك الوقت ، وخاصة لو
كانت تشعر أن العرب واليهود في حالة توتر" .
أما بشأن اعتراض الممثلين العرب على فكرة أن حصول الفلسطينيين على
استقلالهم يجب أن يعتمد على تعاون اليهود وحسن نيتهم – فيرد الوزير المفوض
بأن حكومة صاحب الجلالة قد أوضحت بما فيه الكفاية أنه خلال المدة الانتقالية لن
تسمح بأي اعتراضات غير منطقية أو عدم تعاون من جانب المجتمع اليهودي قد يؤدي بأي
طريقة إلى عرقلة حصول الشعب الفلسطيني على استقلاله الذاتي ، وستستمر كل المراحل
لإيجاد حكم ذاتي تحت إشراف محدود للمندوب السامي البريطاني سواء تعاون اليهود أم
لا ، ووفقا لما ذكر الوزير المفوض فإن المرحلة الأخيرة التي تنص على جعل الحكومة
في فلسطين دولة مستقلة هي التي تقتضي ضرورة تعاون اليهود ، وينقل الوزير المفوض
أسف حكومة صاحب الجلالة البالغ ؛ " لأن المندوبين العرب شعروا أنهم مضطرون
لرفض هذه المقترحات لمجرد أن الفلسطينيين العرب لم يستطيعوا الحصول على كل ما يريدونه
من هذه النقطة ، وبرأي الوزير المفوض أن حكومة صاحب الجلالة تعد أنه بالرغم من أن
هذه المقترحات لا تعطي للفلسطينيين العرب كل ما يريدونه تمثل الخطوط العامة لتسوية
عادلة ومعقولة، وأضاف :" لقد فعلت حكومة صاحب الجلالة كل ما تقدر عليه لإرضاء
رغبات العرب في حدوده التزاماتها الدولية ، فليس في استطاعتها اتخاذ سياسة لا يمكن
الدفاعات عنها كسياسة عادلة ، وفي الوقت نفسه تتضمن التزاماتها الواردة في قرار
انتداب " ، وتؤمن حكومة صاحب الجلالة كما يقول الوزير المفوض : " إنه
عند تنفيذ مقترحاتها ستؤدي على المدى الطويل إلى أن يحل في فلسطين ذلك السلام الذي
ترغب فيه وترغبون فيه أنتم صاحب الجلالة بقوة ؛ لأنها تزيح جانبا كل المخاوف
العربية الحادة ، وتضع القضية العربية في موضعها العادل ، ولكنه من الضروري لتحقيق
هذه النتيجة أن يستقر الفلسطينيون العرب ، ويصيغوا دستور المستقبل الذي تتضمنه
المقرحات البريطانية".
لقد كان هدف الحكومة البريطانية من توجيه هذه الرسالة هو كما ذكر
وزيرها المفوض لدى المملكة ؛ "ليس فقط لأنها تريد أن تظل على صلة ببلادكم في
كل المسائل المهمة ، وأيضا لأن جلالتكم بما لكم من خبرة طويلة في فن الحكومات
والمسائل الدولية ستقدرون صعوبة موقفها والجهود الكبيرة التي قامت بها من أجل
عدالة القضية العربية".
وكان الأمير فيصل بناء على تعليمات والده جلالة الملك قد تابع قبل
مغادرته لندن مشاوراته السياسية مع الحكومة البريطانية ، فالتقى في 3 صفر
1358هـ/24 مارس 1939م بوزير الخارجية هاليفاكس([61]) ، وكانت أهم نقطة أثارها الأمير هي
الصعوبة القائمة بشأن إنهاء المدة الانتقالية ، وطرح تساؤلا على وزير الخارجية :
" ماذا يجب أن يحدث لو أنه عند نهاية العشر سنوات كان على الحكومة البريطانية
أن تقرر بأنه يجب تأجيل إقامة دولة مستقلة " ، وكان اقتراح الوزير البريطاني
" أنه عند حدوث ذلك ربما يتم التشاور مع حكومات مصر والعراق والسعودية قبل
اتخاذ قرار نهائي فيما يتعلق بتأجيل نهاية المدة الانتقالية"، وقد قابل
الأمير في اليوم ذاته أحد كبار المسؤولين في وزارة الخارجية البريطانية (أوليفانت Oliphant)
([62]) ، وبيَّن خلال اللقاء أن الوفد السعودي وغيره من
الوفود قد عبروا بصراحة عن آرائهم فيما يتعلق بفلسطين إلى الحكومة
البريطانية" التي من جهتها لم تكن قادرة على قبولها" ، وقد طرح الأمير
على المسؤول البريطاني سؤالا مباشرا : " ما هو العمل الذي يمكن لجلاله الملك
عبد العزيز أن يقوم به في حالة استمرار الاضطرابات في فلسطين واشتعال المشاعر في
البلدان العربية المجاورة" ، وهو سؤال لم يتمكن أوليفانت من الإجابة عنه([63]).
وعادت الوفود العربية بما فيها الوفد السعودي برئاسة الأمير فيصل إلى
القاهرة لاستكمال المشاورات بشأن الخطة البريطانية بعد أن أدخلت عليها بعض
الإيضاحات والتعديلات، وأبرزها تحديد المدة الانتقالية بعشر سنوات ، تعقد في
نهايتها معاهدة بين الحكومتين البريطانية والفلسطينية، كما تحدد الهجرة خلال
السنوات الخمس الأولى([64]) .
وقد رأى محمد محمود باشا استبقاء الوفد السعودي مدة أطول ، وكتب إلى
الملك عبد العزيز([65]) : " إن القضية الفلسطينية تجتاز مرحلتها
الأخيرة، لي أمل أن يساعدنا الله على تذليل الصعاب ، وإن وجود الأمير بيننا فيه من
الفائدة الكبرى في الوصول إلى الحل الذي نرجو " ، وتلقى رئيس الوزارة المصرية
الرد : " كان لبرقيتكم أحسن الأثر لما استملت عليه من الغيرة الإسلامية
العربية في سبيل نصرة قضية العرب في فلسطين التي هي قضية الجميع، أمرنا فيصل
بالبقاء حتى انتهاء المفاوضات قياما بالواجب الذي نسعى له".
وفي لقائه مع السفير البريطاني مايلز لامبسون Miles Lampson في
القاهرة يوم 19 صفر 1358هـ/9 ابريل 1939م([66])
قال الأمير فيصل : إنه سيبقى في القاهرة إذا كان هناك ثمة أمل في التقدم ،
وإلا فإنه يتعين عليه أن يعود للحجاز بأسرع ما يمكن ، وقد أعرب الأمير عن استيائه
الشديد للنتيجة التي انتهى إليها المؤتمر ، ذكر ذلك السفير البريطاني في برقيته
إلى وزارة الخارجية ، مضيفا أن الأمير تساءل عن استعداد الحكومة البريطانية لقبول
الرأي العربي ؛ إذ " توجد فقط نقطة واحدة تعترض المزيد من المناقشات، وهي
الوقت المحدد لاستقلال فلسطين ، فهل هناك شيء بالنظر إلى تفاقم الموقف ؟ وهل هناك
أي تقدم قد يشجع الأمير فيصل على إرجاء عودته للحجاز"؟ .
وقد ظلت المشاورات مستمرة في القاهرة بين الوفود العربية ، ومعهم بعض
أعضاء الوفد الفلسطيني ؛ لدراسة المقترحات البريطانية المعدلة، وكانت الحكومة
البريطانية على اطلاع على تقدم تلك المشاورات من خلال السفارة البريطانية، وهي
التي نقلت إلى محمد محمود باشا بأن الحكومة البريطانية ليست على استعداد للمساومة
بشأن النقاط الرئيسة، وممن المحتمل أن تقبل تعديلات ثانوية ، وقد تمسك العرب
بمطلبين مهمين: الأول تثبيت مدة محددة للمدة الانتقالية بعدها تقام دولة فلسطين
المستقلة ، حتى لو لم يكن التعاون العربي اليهودي حقيقة واقعة ، والثاني تحديد
جدول زمني عاجل للتغيرات الدستورية خلال المدة الانتقالية([67]) .
وقد تم الاتفاق بعد التشاور بين بعض أعضاء الوفود العربية والوفد
الفلسطيني على صيغة أبلغت للسفير البريطاني ، تتضمن أن الحكومات العربية سوف تنصح
عرب فلسطين بقبول الخطة البريطانية([68]) ، وأورد عوني عبد الهادي في مذكراته([69]) أنه قد وجد من المناسب الاتصال بالمفتي في لبنان
لإطلاعه على نتائج مباحثات القاهرة، وأخذ رأيه النهائي في الموضوع ، فأرسل إليه
فؤاد حمزة لإقناعه بقبول نتائج الاتفاق ، ولاسيما بعد أن أسفرت هذه النتائج عن
تجميد السياسة الصهيونية مع أنها في مجموعها لا تحقق مطالب فلسطين العربية ، وذهب
فؤاد حمزة بهذه المقترحات إلى بيروت ، وعاد إلى القاهرة بعد اجتماعه بالمفتي،
" وقد قبل المفتي أن تكون مدة الانتقال عشر سنوات، وأن يكون للمندوب السامي
حق الفيتو ، وأن يكون مع كل وزير مستشار إنكليزي" ، إلا أن الشرط الذي لم
يقبله المفتي كما يقول عوني عبد الهادي([70]) هو :" أن يؤجل تأليف الحكومة
الفلسطينية من وزراء عرب ويهود (بنسبة ثلثين وثلث) بالتدريج خلال عشر سنوات ،
المفتي يريد أن تكون الحكومة الفلسطينية في الحال" ، وعرض فؤاد حمزة الآراء
المكتوبة التي حملها من المفتي على محمد محمود باشا وأعضاء الوفود العربية ، وجرت
مناقشتها، وكان الفرق الوحيد في الآراء بين الوفود العربية ومقترحات المفتي هو في
" قيام الحكومة الفلسطينية ، هل تقوم دفعة واحدة أو على مراحل؟([71]) " . أما ما عدا ذلك فقد أبدت اللجنة العربية
العليا استعدادها لقبول المقترحات البريطانية إذا قدمت الحكومة البريطانية ضمانات
لصالح القضية الفلسطينية([72]) .
وجاءت رسالة الملك عبد العزيز إلى وزارة الخارجية البريطانية في 21
ربيع الأول 1258هـ / 10 مايو 1939م([73]) صريحة في تعبيرها عن موقفه من سير المحادثات
الأخيرة بشأن القضية الفلسطينية ، وكان أمل جلالة الملك " أن يعود السلام
والنظام إلى هذه المنطقة " ، وتعليقا على تفاصيل المناقشات التي دارت في
القاهرة بين ممثلي البلدان العربية المجاورة التي تلقاها من الأمير فيصل ، يقول
الملك : " لاحظت أن الحكومة البريطانية في مراسلتها الأخيرة لم توافق على
التعليقات والتفسيرات التي تقدم بها الممثلون يوم 11 ربيع الأول 1358هـ/30 إبريل
الماضي، وعلى ضوء هذه الظروف فإن زعماء فلسطين لن يكونوا على استعداد لقبول
المقترحات البريطانية، ولا التعاون لتنفيذ السياسة التي تزمع الحكومة البريطانية
على إصدارها في المستقبل القريب، ولا شك أن هناك كثيرا من النقاط الجيدة في
المقترحات الجديدة ، ولكنها لا تحقق كل مطالب شعب فلسطين بشأن الدستور والهجرة
وبيع الأراضي" ، واستدرك الملك قائلا: " مع ذلك فإنني لن أتوقف عن دراسة
هذه المقترحات بشكل دقيق، وأملي أن تبدي الحكومة أن هذا سوف يخفف مهمتي في إقناع
القيادات الفلسطينية".
وظلت الحكومة السعودية تبذل قصارى جهودها لدى كل من العرب الفلسطينيين
والحكومة البريطانية " بهدف تقريب وجهتي النظر وللوصول إلى حل عادل
ومرض" ، ورد ذلك في برقية السفير البريطاني في القاهرة لا مبسون إلى وزارة
الخارجية البريطانية في 28 ربيع الأول 1358هـ/ 17 مايو 1939م([74]) ، وأضافت البرقية : " بأن رد الحكومة
السعودية على الحكومة البريطانية سوف يتضمن القول بأنه من الصعب إقناع الفلسطينيين
بصواب قبول الخطة البريطانية ما لم يتم تعديلها وفقا للتفسيرات المقترحة في
القاهرة".
وأهملت الحكومة البريطانية الصيغة العربية ، وأصدرت حلا من جانب واحد
في 28 ربيع الأول 1358هـ/ 17 مايو 1939م ، وهو الكتاب الأبيض ، ورأت أنها وفت
بالتزاماتها للطرفين على أن تقوم بتحديد الهجرة، ووضع تشريعات تحدد انتقال الأراضي
، كما تجري تجارب لمدة عشر سنوات، وبالاشتراك بين العرب واليهود للحكم الذاتي يمكن
أن يتطور إلى دولة فلسطينية مستقلة في غضون عشرة أعوام ترتبط ببريطانيا معاهدة([75]) .
وقد اعترض اليهود على الكتاب الأبيض بقوة، ورأوه خيانة للتعهدات
البريطانية لهم وخرقا لشروط الانتداب([76])، ومع أن اللجنة العربية العليا قد رحبت
باعتراف بريطانيا بحقوق العرب من حيث المبدأ ، ولكنها أعربت عن أسفها لتخلف
بريطانيا عن منح الفلسطينيين استقلالهم " الذي هو أقدس حقوق الشعوب وأثمن
مطامحها ، وحتى هذا الاستقلال المؤجل جعل لليهود حق في نقضه ؛ بحيث يتوقف تنفيذه
على تعاونهم([77])"، وهكذا رفضت اللجنة العربية العليا الكتاب
الأبيض ؛ لكونه لا يحقق مطالب العرب التي تتلخص في أن تظفر فلسطين باستقلالها ضمن
اتحاد فدرالي عربي.
وأعلنت حكومات مصر والعراق والسعودية رفضها تقديم النصح لعرب فلسطين
بقبول الكتاب الأبيض([78]) ، ولكن كثيرا من المعتدلين حتى داخل اللجنة
العربية العليا وجدوا الكتاب الأبيض أفضل ما يمكن الحصول عيه في الظروف الراهنة([79]) ، وقد علق الأمير فيصل على الكتاب الأبيض في حديث
مع بولارد الوزير المفوض البريطاني في جدة ، ونقل الوزير عن الأمير([80]) أنه
" لا يمكنه أن ينفي أن الكتاب الأبيض يمثل تقدما كبيرا من وجهة النظر العربية
" ، إلا أن الأمير على الرغم من ثقته بنوايا لحكومة البريطانية لا يستبعد أن
يتساءل العرب عن معنى عبارة الوطن القومي اليهودي ، وماذا يمكن أن يحدث بعد عشر
سنوات ؟ وأن النصوص الخاصة بالهجرة اليهودية تخفي نية خبيثة لاستمرارها بعد خمس
سنوات بموافقة هيئة من العرب لا يمثلون أحدا ، وهذا النوع من الحجج التي استخدمها
الأمير في حديثه يقول الوزير المفوض : " كانت قد ترددت مرارا في مناقشات
لندن" .
ولم يشأ الملك عبدالعزيز أن تنتهي إلى الفشل محاولات الوصول إلى اتفاق
مع الحكومة البريطانيــة، فتقدم باقتراح إليها في 1 جمادى الأولى 1358هـ/ 18
يونيه 1939م([81]) ، خلاصته إرسال مبعوثين سريين إلى فلسطين يتحدثون
باسمه لإقناع أهلها بقبول هدنة مدتها سنة ، يتم خلالها عرض وجهات نظرهم على
الحكومة البريطانية ، وقبل أن ينقل الوزير المفوض البريطاني رأي حكومته أشار إلى
اعتراضين كبيرين لاقتراح الملك عبد العزيز:الأول أن الكتاب الأبيض كان الكلمة
الأخيرة لحكومة جلالته ، والثاني أن حكومة جلالته قد عارضت طويلا عقد أي هدنة ؛
لأنها من المحتمل أن تشجع الانفصاليين ، كما يبدو من المستحيل كما يرى الوزير
المفوض " اقتراح هدنة على العرب بدون إثارة آمال مقضي عليها بالفشل " ،
ومع ذلك عبر الوزير المفوض عن أمله بأن يستمر الملك عبد العزيز في " استخدام
نفوذه من أجل استتباب السلم بكل الوسائل الممكنة".
وقد جاء رد وزير الخارجية هاليفاكس إلى الوزير المفوض بعد بضعة أيام([82]) يحوي خطوطا عامة للإجابة عن تساؤلات الملك عبد
العزيز : "إظهار الامتنان لاقتراح الملك باستخدام نفوذه مع العرب الفلسطينيين
بهدف استعادة السلام والنظام ، إلا أن حكومة جلالته تخشى من أن محاولة إقناع العرب
الفلسطينيين لعمل هدنة مدتها سنة لا يحتمل أن تؤدي إلى النتيجة المرضية التي يأمل
الملك وحكومة جلالته تحقيقها ؛ إذ ربما تثير انطباعا خادعاً بأن (حكومة
جلالته) على استعداد للدخول في مفاوضات
جديدة مع العرب الفلسطينيين ، وإلى أن السياسة التي رسمتها في الكتاب الأبيض يمكن
أن تتغير " ، إلا أن وزير الخارجية يرى أن الملك عبد العزيز بإمكانه أن يتقدم
بالنصح إلى العرب الفلسطينيين بطريق مختلفة نوعا ما ، وتكون ذات فائدة قيمة :
" يمكن للملك عبد العزيز أن يقول بأنه يدرك تماما بأن الكتاب الأبيض لا يحقق
كل آمال العرب الفلسطينيين ، ولكنهم يحسنون صنعا بأن يأخذوا أحسن ما فيه ، وأن
الكتاب الأبيض ، قد قطع شوطا طويلا في الاستجابة لشكاويهم ، وأنه لا ضرورة لعرب
فلسطين أن يعلنوا قبولهم الرسمي بالكتاب الأبيض ، أو إلزام أنفسهم بالعبارات التي
يحتويها الكتاب، إلا أن النقطة الأساسية هي أنه لا مسوغ لمحاولة ضمان الأهداف
السياسية بالأساليب العنيفة، فقد حان الوقت للأساليب الدستورية العادية ؛ كي تحل
مكان العنف .
ومضى وزير الخارجية في رسالته إلى شرح ما يمكن أن يقوله الملك عبد
العزيز بالإضافة إلى ذلك للعرب الفلسطينيين ؛ كأن يقول مثلا : إنه مقتنع بأنه
حكومة جلالته عازمة أن تنصفهم ، وإنهم لو تعانوا معها فسوف يستفيدون من المزايا
المعروضة عليهم في التصريح المعلن مؤخرا ، وليس من المعقول أن يعبر عرب فلسطين عن
عدم ثقتهم بحكومة جلالته، ويعلنوا خشيتهم من أن الضغط اليهودي سوف يقضي على الخطة
البريطانية بكاملها . إن أقل ما يمكن لعرب فلسطين أن يقوموا به هو أن يمنحوا
النظام الجديد تجربة".
رأي أخير طرحه وزير الخارجية حول ما يمكن أن يقوم به الملك عبدالعزيز
لدى عرب فلسطين هو بشأن تعيين فلسطينيين ؛ ليتولوا مسؤولية دوائر الحكومة
المختلفة، هو أن يقول لهم : بأن حكومة جلالته والسلطات البريطانية في فلسطين على
أهبة الاستعداد لوضع الخطة الجديدة موضع العمل عند عودة السلام والنظام بشكل مرض،
وأنه لا ضرورة للانتظار إلى حين عرض مسألة فلسطين للمناقشة في جنيف (عصبة الأمم )
في شعبان 1358هـ/ سبتمبر 1939م، فحكومة جلالته ترغب بوضع النظام الجديد في مرحلة
التنفيذ قبل حلول شعبان 1358هـ / سبتمبر 1939م لو تم استعادة السلم والأمن بشكل
واف قبل ذلك الحين.
هذه الخطوط العامة التي رسمها وزير الخارجية البريطانية ظلت أمورا
نظرية ، فقد بدأت رائحة البارود تملأ أنوف الساسة والعسكريين على الساحة الدولية ،
هذا في حين لم يحدث تغيير مطلق على ساحة السياسات الفلسطينية، وظلت أحجام الثورة
مستمرة على الرغم من فتورها، وبقيت اللجنة العربية العليا ملتزمة ببيانها المعارض
لسياسة الحكومة (الكتاب الأبيض)، في حين لم تظهر أي دلائل على أن أي تنازلات أخرى
للعرب قد أخذت في الحسبان.
رؤيــة تقويميـة:
لقد فشل مؤتمر لندن (المائدة المستديرة) في التوصل إلى أي اتفاق ؛ نظرا
لتباعد الآراء بين الطرفين العربي والبريطاني، حتى الحكومة البريطانية التي دعت له
لم يكن لديها كبير أمل في فرص نجاح المؤتمر للتوصل إلى تسوية ، وهذا ما عبر عنه
وزير المستعمرات مالكولم في مذكرته إلى اللجنة الوزارية حول فلسطين في 26
شعبان 1357هـ/ 20 أكتوبر
1938م، ولكن برأيه حتى " ولو انتهى المؤتمر بالفشل فأنا اعتقد أنه سيعمل،
ويقوي مركزنا "([83]) .
وكان رأي الزعماء الصهيونيين أن المحادثات سوف تنتهي بالفشل ، وأن
البريطانيين سيكونون قادرين فيما بعد على تنفيذ سياستهم ، ولذا عارضوا مشاركة
ممثلي الدول العربية المجاورة ، وأدركوا أن العرب قد كسبوا بشكل واضح نصراً ،
وأنهم قد منحوا وضعا رسميا بشكل فعلي في فلسطين ، وأن الوضع العالمي كان يعمل
لصالح العربي([84])، وقد وصف جورج أنطونيوس سكرتير الوفد العربي
الفلسطيني المؤتمر([85]) وكأنه مؤتمر مشاورات بين العرب والبريطانيين أكثر
من مؤتمر مائدة مستديرة"، وأضاف " بأنه لم يكن فشلا تاما ؛نظرا لأنه قدم
الفرصة لمشاورات وثيقة وصريحة" .
وتكمن أهمية المؤتمر على الصعيد العربي في أنه قدم الفرصة لصلات وثيقة
بين الزعماء العرب، وكانت لقاءات الوفود العربية في القاهرة قبل المؤتمر وبعده
أولى اللقاءات ذات المستوى الرسمي الرفيع ، وكان المندوبون العرب في المؤتمر
قادرين على الرغم من شكوكهم وعداواتهم المتبادلة على تمثيل جبهة موحدة تجاه القضية
الفلسطينية([86]).
وفي هذا المجال يمكن تسجيل كلمة الأمير فيصل إلى وفود شباب العرب حين
تشرفوا بمقابلته في فندق كريون في باريس في 4 صفر 1358هـ/ 25 مارس 1939م، وهو في
طريق عودته ، فقد قال : " إن المؤتمر الذي ماتت فيه روح التفاهم قد بعثت فيه
فكرة التضامن والتضافر ، وإنها لنواة الوحدة العربية"([87]).
ولقد كان أفضل تقويم للمؤتمر هو الذي ورد على لسان الملك عبد العزيز([88]) حين استعاد ذكريات المؤتمر في ذي الحجة 1359هـ/
يناير 1941م في مجلسه الملكي الذي حضره عوني عبد الهادي ، ويقول عوني في مذكراته :
إنه حين أخذ يقص على الملك ما جرى من أحداث في مؤتمر سان جيمس " لمح أمارات
التأثير على جلالته ، وأخذ يتكلم بعبارات امتلأت نبراتها بالقوة والصراحة عما كان
يريده هو أن ينتهي إليه هذا المؤتمر، وأنه كان على اتصال مباشر مع نجله فيصل يزوده
بآرائه وتعليماته " ، وأضاف جلالته : " لقد استدعيت القائم بالأعمال
البريطاني في جدة ، وقلت له : أرجو أن تبلغ حكومتك عن أسفي لما انتهت إليه مباحثات
المؤتمر غير المرضية ، وأني آمل أن تعيد الحكومة النظر في هذا الموقف" .
والتفت الملك إلى الحاضرين ، وتلا بلهجة شديدة : "صحيح أن بيني وبين بريطانيا
صلات حسنة جدا ، ولكني أخشى أن هؤلاء الأولاد الواقفين أمامكم يمسكوني من رقبتي ،
ويدفعوني إلى أعمال لا أريدها"([89]).
وكانت ذكريات مؤتمر لندن موضوع حديث متبادل بين الأمير فيصل وعوني
عبدالهادي ، وقد أسر الأمير إلى عوني بأنه كان قد تلقى كتابا من جلالة الملك خلال مباحثات
لندن يطلب منه أن يحصر البحث السياسي في مسألة فلسطين بين ممثلي الحكومات العربية
وبين الحكومة البريطانية، وأنه على الفلسطينيين أن يثقوا بملوك العرب، ولكن الأمير
لم يطلع وقتئذٍ أحداً على هذا الكتاب ، وإن كان قد نوّه لعوني بذلك ؛ لأن الأمير :
" رأى الجو المحيط بالفلسطينيين مكهربا ، وأن اقتراحاً مثل هذا ما كان ليقبله
الفلسطينيون" ، واستذكر الأمير فيصل ألاعيب نوري السعيد في لندن ؛ " إذ
إنه في الوقت الذي كان يشتد في بحوثه في المؤتمر ، كان يدير لسانا آخر في جلساته
الخاصة مع الإنكليز ، وإن المذكرة التي قدمها للمستر مكدونالد حين مغادرته لندن
كانت تحتوي على قبوله لما جاء في الكتاب الأبيض ([90])".
وعاد الملك عبد العزيز في لقاء تال مع عوني عبد الهادي يذكر بما جرى في
مؤتمر لندن قائلا : " لم يسمعوا إلى نصائحي ، كنت كتبت لابني فيصل ألاّ يستمع
لأقوال الحسيني وعوني عبدالهادي ، وأن يعمل مع الإنكليز للاتفاق على أمرين: العفو
العام، وتوقيف الهجرة. أما الاستقلال فيكون البحث فيه بعد الوصول لهاتين الغايتين
، ولكن فيصل أجابني بأن الفلسطينيين لا يرضون بهذا ، وهو لا يرى أن يفاتحهم في
الأمر لاستحالة الطلب ، وهو مستعد لترك المؤتمر والعودة إذا رأى جلالته ذلك"
، وأضاف الملك : " إني لم أطلب منه أن يترك المؤتمر ويعود خشية أن يقال إني
عرقلت المؤتمر "، وأضاف الملك : " إن الإنكليز كانوا وعدوني بتأمين
هاتين النقطتين على أن يكون ممثلو العرب مسالمين في المؤتمر، غير أن نوري السعيد
أراد أن يظهر عنتريته ، وأبى إلا أن يخطب في المؤتمر الخطب النارية بالرغم من
نصيحة وزارة الخارجية له ألا يفعل ، ولكنه لم يشأ إلا أن يخطب بالرغم من وعوده
السابقة([91])، الأمر الذي أقام اليهود على الحكومة البريطانية ،
ودفعهم إلى وضع العراقيل في سبيل نجاح المؤتمر".
وأخيرا يمكن القول : إن مؤتمر المائدة المستدير في لندن لا يمثل سوى
لحظة واحدة فقط من شواغل الملك عبد العزيز بالقضية الفلسطينية التي أعطاها الملك
عبد العزيز أولوية في سياسة المملكة الخارجية وعلاقاتها الدولية.
الهوامـــش
([3]) دروزة ، محمد عزة ، القضية الفلسطينية في مختلف
مراحلها. جـ1 المطبعة العصرية ، صيدا بيروت 1959، ص166.
في نوفمبر 1363 وصلت لجنة ملكية (بيل) للتحقيق إلى فلسطين ،
وبعد إجراء التحريات انتهت اللجنة إلى قرارها في يوليو 1937 بتقسيم فلسطين إلى
ثلاث مناطق عربية ويهودية ومنتدبة (الأماكن المقدسة).
([4]) الزركلي، خير الدين ، شبه الجزيرة في عهد الملك
عبدالعزيز جـ3 ، دار العلم للملايين ، بيروت ، الطبعة الخامسة 1992.
([5]) المرجع السابق ، ص 1097، مذكرة من الوزير المفوض
البريطاني في جدة إلى الخارجية السعودية في 10 يونيو 1938.
([6]) المرجع السابق ، ص 1098–1102، بيان من الملك إلى
الحكومة البريطانية عن طريق الوزير المفوض البريطاني في جدة 20 يونيو 1938.
([7]) وثائق وزارة الخارجية البريطانية f.o.371/21/21880/e5141 كتاب وزير الخارجية البريطاني هاليفاكس
إلى القائم بالأعمال البريطاني في جدة في 5 سبتمبر 1938.
([9]) يعيد عوني إلى الذاكرة أن هذا ما سمعه هو ومحمد
عزة دروزة من الملك عبدالعزيز في رحلتهما إلى الرياض أواخر 1936 لأخذ مشورته بشأن
لجنة التحقيق الملكية البريطانية (لجنة بيل).
([14]) وكانت لجنة وود هود البريطانية قد قدمت إلى
فلسطين 1938 للتحقق من إمكان تنفيذ مشرع التقسيم ، وأثبتت نتائج دراستها استحالة
تنفيذه ، وكان مكدونالد قد ألح في ذلك اللقاء على ضرورة حمل الملك عبد العزيز على
تقبل فكرة الوطن القومي اليهودي، واقترح على الزعيمين الصهيونيين ضرورة التوصل إلى
اتفاق مع الملك شبيه باتفاق فيصل – وايزمان
في عام 1919.
([21]) F.O371/23219/E239 رسالـــة
من الوزير المفـــوض البريطاني في جدة في 19 ديسمبر 1938م، وينقل فيها رسالتي
الملك في 13و 16 ديسمبر وجواب وزارة الخارجية.
([24]) وثائق وزارة المستعمرات البريطانية C.O/733/408/15/167059 مذكرة مرسلة من
القنصلية البريطانية في دمشق تنقل بعض ما جرى خلال الاجتماع .
([25]) C.O/733/408/15/1317135 تقرير المندوب السامي البريطاني في
فلسطين عن الوضع السياسي ، ويحوي التقرير ترجمة إنكليزية للبيان ، وقد ورد نص
البيان كما أذاعه المكتب العربي في دمشق في كتاب : أكرم زعيتر ، وثائق الحركة
الوطنية الفلسطينية 1918–1939، إعداد بيان نويهض الحوت ، مؤسسة الدراسات
الفلسطينية ببيروت 1979، وثيقة رقم 409 ص 571–572.
([26]) تدعي مذكرة القنصل البريطاني في دمشق المشار لها
في هامش (24) أن آراء الوفد لم تكن موحدة ، كما توحي القرارات التي نشرها المكتب
العربي القومي باسم اللجنة العربية العليا، وأن هذه القرارات في الحقيقة لم يتم
التوصل إليها خلال الاجتماع ، بل صاغها فيما بعد المفتي ودروزة وزعيتر من أجل
إعطاء الانطباع الفعلي بتقييد أسس المناقشات المفتوحة.
([28]) تشكل وفد المملكة العربية السعودية إضافة إلى
رئيسه سمو الأمير فيصل كل من فؤاد حمزة (وزارة الخارجية)، وإبراهيم السلمان
(سكرتير الوفد) ، وحافظ وهبة (الوزير المفوض للمملكة في لندن). وكانت الحكومة
البريطانية قد أبدت بعض الاعتراض لمشاركة فؤاد حمزة في مؤتمر لندن بدعوى أنه يتلقى
أموالا من الإيطاليين ، وإزاء اعتراضات الملك عبدالعزيز على هذه الاتهامات التي لا
تسندها الأدلة سحبت الحكومة البريطانية اعتراضها ، وأبدت تقديرها للجهود التي
يبذلها الملك بشأن الترتيبات التمهيدية لمباحثات لندن، وتقديرها على وجه الخصوص
لقرار جلالته بإرسال ابنه فيصل . وورد ذلك في برقية الوزير المفوض البريطاني في
جدة FO371/23268/E396 .
([30]) قاسمية ، خيرية ، فلسطين في سياسات البلاد
العربية 1920–1948، مجلة المستقبل العربي، مركز دراسات الوحدة العربية ببيروت ،
السنة الثالثة عدد 21، نوفمبر 1980ص 33.
([31]) زعيتر ، أكرم، الحركة الوطنية الفلسطينية
1935–1939 (يوميات) ، مؤسسة الدراسات الفلسطينية، بيروت 1980، ص 556.
([32]) عين المفتي اثنين من حزب الدفاع (من المعارضة ) ،
هما يعقوب فراج ونمر النابلس ، ورفض راغب النشاشيبي رئيس الحزب قبول تعيين المفتي
لممثليه ، وأصدر بيانا في 28 يناير 1939يطلب تمثيل حزبه على شكل متساو مع جماعة
المفتي ، وأن يكون رئيس الوفد الفلسطيني مستقلا . جاء ذلك في تقرير المندوب السامي
البريطاني في فلسطين إلى وزارة المستعمرات في فبراير 1939 CO
733/3982/16503
وقد تركزت جهود الوفود العربية في لندن بعد ذلك للحصول على
تمثيل حزب الدفاع في الوفد الفلسطيني ، وحرص نوري السعيد على ضم راغب النشاشيبي
رئيس الحزب إلى الوفد ، وأبرق من لندن في 3 فبراير 1939 إلى مقر القيادة
البريطانية لسلاح الطيران الملكي في القاهرة بضرورة نقل رسالة شخصية إلى راغب
النشاشيبى من نوري السعيد وعلي ماهر وفؤاد حمزة " بأن المصلحة العامة ومصلحته
الشخصية تقتضيان قبول المشاركة في وفد فلسطيني موحد على أساس عضوية اللجنة ، الرفض
سيكون مضراً للقضية ولمركزه شخصيا". عبدالهادي ، أوراق خاصة . ص111 حاشية 9 .
وقد ورد النص مع تغيير طفيف في كتاب مؤتمر فلسطين العربي البريطاني المنعقد في
مدينة لندن في 18 ذي الحجة 1357 الموافق 7 فبراير 1939. محاضر جلساته وتقارير
لجانه مترجمة عن الإنكليزية (ترجم إلى العربية وطبع بأمر حضرة صاحب السمو الملكي
الأمير فيصل بن عبدالعزيز آل سعود ، مكة المكرمة 1359هـ /1940م، ترجمه عن
الإنكليزية إبراهيم عبدالقادر المازني ، أشرف على طبعه وتصحيحه خير الدين الزركلي)
، ص 385.
([33]) Fo371/23268/E396 برقية
الوزير المفوض البريطاني في جدة إلى وزارة الخارجية في 15 يناير 1939 ، وقد تشكلت
الوفود العربية (إضافة إلى الوفد السعودي) على النحو التالي:
مصر : الأمير محمد عبد المنعم ، علي ماهر باشا ، حسن نشأت
باشا (الوزير المفوض ) عبدالرحمن عزام باشا.
شرق الأردن : توفيق أبو الهدى ، نجيب علم الدين.
العراق:
نوري السعيد ، رؤوف الجادرجي .
فلسطين : جمال الحسيني ، عوني عبدالهادي ، راغب النشاشيبي ،
ألفرد روك ، أمين التميمي، موسى العلمي ، جورج أنطونيوس ، يعقوب الغصين ، فؤاد
سابا .
واستثني وفدا سورية ولبنان اللذن أوقفتهما الحكومة الفرنسية
في باريس ، ومنعتهما من المضي إلى المؤتمر.
أحمد عطية ، القاموس
السياسي ، دار النهضة العربية، القاهرة، طبعة (4) 1980ص 133.
([37]) يقول عوني عبدالهادي المرجع السابق ، ص 112 :
" إن وزارة الخارجية البريطانية هي التي حلت الأشكال حينما استشرناها في
الموضوع ، فكان رأيها بأن رئيس الوفد الذي يرد على خطاب رئيس الوزراء هو ممثل
الحكومة التي لها سفير وسفير أقدم في لندن ، واليمن ليس له ممثل على
الإطلاق".
([38]) نظرا لرفض العرب الاجتماع في مؤتمر واحد مع الوفد
الصهيوني الذي اشتمل على مندوبين عن الوكالة اليهودية (وايزمان ، بن غوريون ، شاريت)
وعدد من الشخصيات العالمية غير الصهيونية (بردفسكي ، جولدمان)، وتفاديا لأي لقاء
محرج دخل كل وفد إلى القاعة المخصصة له من مدخل مختلف ، وألقى رئيس الوزراء
البريطاني نيفيل تشمبرلن خطابه الترحيبي أمام الوفد العربي أولا ثم الوفد اليهودي،
وجرت المباحثات التي كان يقوم بها الوفد البريطاني مع كل جانب على حدة.
نويهض الحوت ، بيان ، القيادات والمؤسسات السياسية في فلسطين
1917–1948، مؤسسة الدراسات الفلسطينية ، بيروت 1981 ص 390–391.
([45]) كان الجدول قد أثير في الجلسة الثالثة، 11 فبراير
1939.
حول رسائل حسين مكماهون بعد أن قطع مكدونالد (وزير المستعمرات
) بأن فلسطين ليست داخلة في عهود مكماهن ، وكانت الحكومة البريطانية تدعي
المراسلات سرية ، وأنه لابد من إذن بنشرها ، وقد أدلى فؤاد حمزة (الوفد السعودي)
بملاحظة أن هناك فرقا بين نشر الوثائق وتوزيعها على المؤتمر ، وقال إنه قد تقرر أن
يكون ما يجري في المؤتمر سريا ، فلا مانع من توزيع الوثائق على أعضاء المؤتمر بصفة
سرية ، وأضاف حمزة :" إن الشريف حسين كان يتكلم باسم العرب ، وبعد موته وجدت
نسخ من المكاتبات في حوزة ثلاث حكومات ، والمسألة هل هذه النسخ صحيحة أو غير صحيحة
"؟. مؤتمر فلسطين العربي البريطاني، ص52.
([46]) نقلا عن : العجلاني ، منير ، تاريخ مملكة في سيرة
زعيم ، فيصل ملك المملكة العربية السعودية وأمام المسلمين (دون مكان الطبع) 1968،
ص 436–437.
([49]) المرجع السابق ، تقرير لجنة مكماهون ص 326–342.
وجاء في تقرير سري بعض به المفوض السامي البريطاني في فلسطين
إلى وزارة المستعمرات في 4 مارس 1939 أن الرأي العام في فلسطين " يرى أن
العرب في المؤتمر ارتكبوا خطأ تكتيكيا في الإلحاح على نشر المراسلات في حين كان
عليهم تكريس جهودهم إلى مسائل أكثر حيوية.
([57]) تناول البيان الختامي لوفد فلسطين ردا على
المقترحات البريطانية ثلاث مسائل رئيسية : التغيرات الدستورية والهجرة والأراضي ،
أما الأولى فالاعتراض أن الحكومات لم تحدد مدة الانتقال من نظام الانتداب إلى
إقامة دولة مستقلة ، وتركتها مرهونة بنجاح المراحل الدستورية المختلفة ، وإمكان
التعاون الفعال في الحكومة بين أهل فلسطين . وأما عن الهجرة فاقتراحات الحكومة على
الرغم من اعترافها بوجوب إنهاء الهجرة لا
تقبل الرأي الفلسطيني بأن عدد السكان الحالي أكثر مما تستطيع البلاد احتماله ،
وأما عن الأراضي فالوفد لاحظ بأسف أن اقتراحات الحكومة لا تدخل في حسابها الحالة
الحاضرة الناشئة عن قلة كفاية الأرض. مؤتمر فلسطين العربي البريطاني ، ص 228.
([60]) نقلا عن محسن محمد ، فيصل من خلال وثائق بريطانية
تنشر لأول مرة ، مجلة الدارة ، عدد 3 شعبان 1395 سنة أول سبتمبر 1975، ص 260–263.
([61]) نقل هاليفاكس وزير الخارجية وقائع اللقاء في
كتابه إلى الوزير المفوض البريطاني في جدة يوم 29 مارس 1939. FO 371/23269/E2313 .
([63]) كانت بريطانيا تتخوف من أن يضطر الملك عبد العزيز
إلى إثارة القبائل ، وهذا ما ذكره السفير البريطاني في روما إلى وزارة الخارجية في
28 ابريل 1939 FO 371/23269/E3187 حول تقارير صحفية مفادها أن الملك عبد العزيز يهيئ
القبائل العربية لحمل السلاح ومهاجمة أراض يقطنها مليون يهودي وإبادتهم ، وأن
الملك عبد العزيز ينتظر الفرصة المواتية لوضع القرارات موضع التنفيذ.
([72]) المرجع السابق ، ص118–119. رسالة دروزة من دمشق
14 مايو 1939 ، وفيها ينقل وجهة نظر اللجنة العربية العليا ، ويعتب على الميالين
للمسايرة بناء على الإلحاح والضغط بدلا من أن تستغل الوفود العربية الأزمة الدولية
لصالح القضية الفلسطينية والعربية.
([73]) FO 371/23235/E3549 نقلت
رسالة الملك مترجمة إلى الإنكليزية عبر الوكيل السياسي البريطاني في البحرين.
([77]) نويهض الحوت ، القيادات والمؤسسات، وثيقة 33 صفحة
766–774، بيان اللجنة العربية العليا لفلسطين ردا على الكتاب الأبيض البريطاني
الصادر في 17 مايو 1939.
([78]) في لقاء جرى في القاهرة بين عوني عبد الهادي وأحد
موظفي دائرة المندوب السامي في القدس في 9 يوليو 1939، ذكر عوني أن سبب رفض
المسؤولين العرب المقترحات هو أنهم وعدوا بالالتزام بموقف عرب فلسطين ، وشعروا
بأنهم لا يمكن أن يتخلوا عن هذا القرار علنا. Co
733/408/15/167059 .
([79]) Gomaa, he foundation P.10
. .
وأيضا تقرير المندوب السامي في فلسطين عن الوضع السياسي في 7
يوليو 1939.
Co 732/84/15
ويرى التقرير أن العناصر المعتدلة أظهرت ميلا متزايدا إلى
التوصل إلى اتفاق مع الحكومة ، وأنها تجري بعض اتصالات غير رسمية تهدف إلى الحصول
على تنازلات تحفظ ماء الوجه ؛ لتمكين هؤلاء الأفراد من التعاون مع الحكومة في
تنفيذ سياسة الكتاب الأبيض، وتعتمد هذه التقارير أن هذه التطورات تحظى بمشاركة
المفتي بطريقة غير مباشرة؛ بمعنى أن المفتي يشجع الرأي المعتدل الذي يمكن أن يعود
إليه ؛ لكونه يمثل رأي الأغلبية.
([81]) نقل الاقتراح الوزير المفوض في برقيته إلى
الخارجية في 18 يونيو 1939.
FO 371/23237/E4377 والتي يسجل فيها وقائع حديث جرى مع سمو
الأمير.
([91]) كان نوري السعيد قد تقدم حين كان في لندن باقتراح
إلى تسوية قضية فلسطين من خلال إنشاء اتحاد عربي ، وكان هدف نوري بنظر الملك عبد
العزيز في إضافة مناطق أخر للعراق الحصول على الهيمنة على البلدان العربية الأخرى
، وهو ما كان يرفضه الملك ؛ نظراً لأنه سيخل بالتوازن الحالي للقوى في العالم
العربي . إن تصور الملك للعالم العربي كما يتحتم أن يكون عليه في النهاية هو
مجموعة من الدول المستقلة موحدة بنوع من التحالف على شاكلة ما كان في ذلك الحين
بين العراق والسعودية ، وكان هاليفاكس وزير الخارجية البريطاني في محاولة لإعادة
طمأنة الأمير فيصل حتى التقى به في 18 فبراير 1939، قد مضى إلى حد القول إن حكومة
جلالته لم ترحب إطلاقا بمثل هذه الفكرة ؛ بسبب أنهم يعدون تسوية مسألة فلسطين أمرا
ملحا ، وأن إيجاد اتحاد فدرالي في مسألة للمستقبل البعيد غير المنظور
FO 371/23224/E1253
خلاصة حديث الأمير فيصل مع هاليفاكس وزير الخارجية.