كانت أواخر العشرينات الفترة التي حقق ابن سعود أثناءها المنجزات الأساسية في بناء دولة موحدة في الجزيرة العربية ، ولم يكن ضم الحجاز ليعني بحد ذاته دمجاً ناجحاً للمناطق المختلفة عن بعضها البعض من الناحيتين الاقتصادية والسياسية في كلٍ موحد، لأن ضمان الوحدة الاقتصادية ، وضم عشائر شتى في نظام الدولة وإنشاء جهاز إداري فعال، كل هذا كان قد تطلب من الملك بذل جهود كبرى تواجه عوارض داخلية وخارجية قوية .

وقد تحولت القنصلية العامة السوفيتية التي كانت قائمة سابقاً في المملكة إلى بعثة قدم موظفوها – لكونهم ذوي صلات متطورة في المجتمع السعودي وبين الدبلوماسيين الأجانب – إلى موسكو – بانتظام – معلومات عن الوضع الداخلي والخارجي لجزيرة العرب.

والبحث الحالي قائم على أساس من الوثائق التي رفعت عنها السرية في أرشيف سياسة روسيا الخارجية أواخر العقد الثالث من القرن العشرين . كان على رأس البعثة السوفيتية آنذاك تيورياكولوف الذي خلف أول قنصل عام للاتحاد السوفيتي في شبه الجزيرة العربية المنقول إلى منظومة التجارة الخارجية كريم حكيموف. والوثائق المعتمدة في البحث تمثل التقارير المرفوعة إلى المركز من طرف تيورياكولوف ، وقبله بقليل القائم بأعمال القنصل العام تويمينوف ، والرسائل الإدارية الموجهة إلى البعثة السوفيتية من مفوضية الشعب للشؤون الأجنبية ، كما كانت تسمى حينئذ دائرة السياسة الخارجية السوفيتية .

 

الوضع الداخلي :

لقد سبقت وقررت انضمام كل من نجد والحجاز والأحساء وجبل شمر إلى كيان المملكة ، أعمال الملك بصدد تنظيم إدارة هذا الأقاليم وتكاملها الاقتصادي والسياسي . وقد انطلق الملك بإبدائه منتهى الحزم والعزم المتضافرين مع الاحتراس والحذر من ضرورة اتخاذ الموقف المتفاوت حيال الأقاليم انطلاقاً من خواص الأوضاع في كل إقليم منها .

ومنذ شهر آب ( أغسطس ) من سنة 1926م أصدرت ( التعليمات الأساسية للمملكة الحجازية ) ، وبموجبها أعلن الحجاز : ( دولة ملكية ذات مؤسسات قائمة على مبدأ الشورى )،ومنح اقليم الحجاز حقوقاً خاصة للحكم الذاتي، وعين الأمير فيصل نائباً عن الملك في الأقليم .

وفي تلك السنة نفسها بدأت في الحجاز إعادة ترتيب النظام القضائي ، وشكلت محكمة تجارية على الأساس الانتخابي وبعد مضي عام واحد استبدلت المحاكم العشائرية بمحاكم شرعية ، واستعيض عن شيوخ العشائر فيها بقضاة يعينهم الملك .

وتحليلاً للحالة في شتى أقاليم المملكة أعارت البعثة الدبلوماسية السوفيتية عناية خاصة إلى التطورات الاقتصادية والاجتماعية في كل أقليم مشددة على أهمية التغيرات الطارئة بالنسبة إلى مستقبل المملكة ، ونظر إلى تطوير الزراعة في نجد باعتباره التطور الأهم .

وذكر الممثل السياسي تيورياكولوف – بالتفصيل – الوضع في نجد ضمن تقرير رفعه عام 1927م أن تلك التطورات ( كانت نتيجة انتقال جماعة رعاة القطعان من بين سكان البلاد إلى مزاولة فلاحة الأرض وزراعتها ) [ وثيقة برقم 3 ، ص 6 ] ، ولاحظ هذا الدبلوماسي الروسي أن نجد كان منذ القديم " البلاد التي حاولت أن تعيش معتمدة على عملها، ولم تفسدها المداخيل الأخرى الأيسر والأسهل منالاً "، وأشار تيورياكولوف لدى تحليله الانتقال إلى الزراعة إلى أنه قد كان – حتى ذلك الوقت – في نجد إلى حد مائتي مستوطنة جديدة ، كان يقطنها ثلاثون ألف نسمة .

وأفاد الممثل السياسي بأن هذه التغيرات الجارية في نجد قد ربطها الملك على نحو موفق للغاية بخططه العسكرية السياسية ، وفي رأي تيورياكولوف أن خبرة الحروب الموضعية الصغيرة التي شنها في نجد قبل انتقاله إلى خارج الحدود النجدية جعلته يقتنع بأن القبائل الرحالة الواقعة تحت التأثير المطلق وغير المحدد لشيوخها كانت بمثابة ( كعب أخيل ) أي نقطة الضعف في جيشه القوي .

وحاول الدبلوماسيون تفهم خواص المجتمع النجدي، على الرغم من أنه كان ينقصهم عموماً معرفة الوضع الواقع له ، وأشاروا ضمناً إلى الوزن النوعي العالي للقبائل في الحياة الاجتماعية – السياسية ، وذكر تيورياكولوف أن كيان الدولة لم يرتفع بعد إلى ذلك المستوى بحيث يمكنه أن يملي على القبائل إرادته ويفرضها .

"وأعلم موسكو بواقع أن جيش ابن سعود يتألف في معظمه من البدو ، وأن الصراع عند خط الحدود مع العراق وشرق الأردن تدعمه بصورة استثنائية القبائل ، وهذا الوضع يعني بدرجة كافية تعقد الوضع بالنسبة إلى ابن سعود ، [ وثيقة برقم 2، ص 9  ] .

وذكر الممثل السياسي الروسي متناولاً مواقف البدو حيال السلطة الجديدة أن "شيوخ القبائل الحجازية لا يتلقون حالياً تلك المكافآت السخية التي كان يتحفهم بها سنوياً السلاطين العثمانيون " [ وثيقة برقم 3 ، ص 2  ] .

وقد ارتفع غلاء الأسعار قياساً إلى الأوقات السابقة ، ولم يعد أيضاً من الممكن العيش على ما يتم الحصول عليه من حجاج البيت الحرام، وصارت اللوازم الاستهلاكية المجلوبة من الخارج خاضعة للرسوم الجمركية والمكوس ، وفضلاً عن هذا أرسل إلى القبائل ممثلو الحكومة الذين كلفوا بمراقبة الأوضاع والإشراف والسيطرة عليها [ وثيقة برقم 3 ، ص 3  ] . وانتزع من بين القبائل الأشخاص المعروف عنهم الولاء للهاشميين واحتجزوا في الرياض .

ووصف تيورياكولوف عملية التوحيد المركزي الجارية في الجزيرة العربية بكونها متوافقة بانسجام مع متطلبات التطور، وأنها الدرب الممهد نحو التحديث مع الاعتماد في الوقت نفسه على القيم الروحية المتأصلة عبر العديد من القرون، وأشار في تعاطف مفقود بوضوح إلى محاولات عرقلة التطور الحثيث في جزيرة العرب .

وهكذا فإن البدو الذين كانوا يتمتعون في السابق بوضع المحتكرين لوسائط النقل والمواصلات ( أرباب القوافل ) أصبحوا الآن مع بدء استخدام السيارات المعدة لنقل الحجاج والتي تراوح تعدادها بيت التسعمائة والألف سيارة فاقدين جميع الفوائد العائدة من هذا الوضع، وقد عبروا عن سخطهم ونقمتهم كما ذكر المبعوث الدبلوماسي " بإلقائهم الألواح الخشبية المسمرة في دروب نقل الحجاج " [ المصدر نفسه ]. ولكن الحكومة التي لم تكن راغبة في هضم مصالح البدو الناقلين " فرضت على جمعيات أصحاب السيارات حداً معلوما من الأسعار لا يحق لهم استيفاء سعر أقل منه مقابل نقل الركاب " .

ولدى تحليل الحياة الاقتصادية لدولة ابن سعود استنتج الممثل السياسي أن الصلات بين الحجاز ونجد كانت لا تزال على ضعف بالغ ، ولم تكن تصل إلى الحجاز سوى كمية ضئيلة من سلع المناطق المجاورة في نجد مثل لحوم الضأن والصوف والدهن وما شاكلها. ومن جهة أخرى كانت نجد تحصل على كل ما يلزمها من البضائع عن طريق الكويت وميناء الأحساء ، الأمر الذي لم يكن يمت بأية صلة إلى الاستيراد عبر موانيء البحر الأحمر ، وساعد على التشتت بين الأقليمين في ذلك الزمن الذي سبق العهد البترولي غياب طريق السكك الحديد بينهما ، أما قوافل الجمال فكانت كما ذكر الممثل السياسي تستغرق في الطرق ما بين مكة والرياض مدة عشرة أيام إلى اثني عشر يوماً . وكان توحيد الأقليمين لا يزال مهمة أعسر للغاية على الملك .

 

مواقف التجار الحجازيين :

يحلل تيورياكولوف أيضاً موقف الحضريين في الحجاز حيال السلطات . وطبقاً لتقديره فإن مجمل الحياة في المدن كانت خاضعة لسيطرة كبار التجار المرتبطة مصالحهم ارتباطاً وثيقاً بالسوق البريطانية – الهندية ، وقد أملت تبعية النخبة التجارية الحجازية إلى العالم البريطاني – الهندي عليها " نفس ذلك الاتجاه السياسي الذي كان يرسمه لذلك الوقت الإنجليز ، الذين لم يقتصروا على أساليب الضغط السياسي والاقتصادي واستخدموا على نطاق طرق التأثير الثقافي " [ 3 ص : 4 ] .

 

ويصعب القول إلى أي حد ودرجة طرح تيورياكولوف تلك الاستنتاجات التي استنبطها من مراقباته وملاحظاته ، واستمدها واستقاها من المعلومات المتواترة والمتواردة على الدبلوماسيين ، وما إذا كان قد سعى إلى إفادة موسكو بما كان من فيها يميلون إلى سماعه ، ومثل هذه الممارسات كانت واسعة الانتشار ليس بين الدبلوماسيين السوفيتيين وحدهم . أما موسكو فقد كانت قد وضعت مجابهة البريطانيين على رأس الحربة في سياستها الشرق أوسطية ، وكان بودها رؤية أثر دسائس الأمبرياليين البريطانيين ومكائدهم ، حيثما كانت تلك بل وأيضاً حيثما لم يكن لها من أثر وما كان ليمكن أن يكون .

وطبقاً للتقارير المماثلة التي بعثها تيورياكولوف إلى المركز نرى أن الملك ابن سعود كان محصوراً بين حجرين ، وواقفاً عند مفترق طريقين ، فهو من جهة كان عرضة لضغوط الإرادة الحرة للقبائل الرحل ، الميالة إلى الخضوع لأوامر شيوخ القبائل أكثر من إطاعتها للسلطة المركزية ، ومن الجهة الأخرى تعرض لتأثير مزاج الميول البريطانية لدى كبار تجار الحجاز، وكان تيورياكولوف يعتقد بأن الاعتماد على النظرية الإسلامية والاستناد إليها هو وحده السبيل الكفيل بأن يؤمن للملك ابن سعود ويضمن توحيد المجتمع المفرق إلى فئات متواجهة . وكتب الممثل السياسي للاتحاد السوفيتي يقول : " أن المبدأ الديني الثيوقراطي ( نظام الحكم القائم على أساس من الدين ) لبناء المجتمع والدولة والذي يجمع الملك ابن سعود في ظله بشخصه ما بين تمام السلطة الدنيوية والإمامة الدينية ، فهو الملك الحاكم والإمام القائم ، هو وحده الذي يضع في يده أوسع الإمكانات لتحقيق نواياه " [ 3 ، ص : 7 ] .

وكتب تيورياكولوف : أن المذهب الذي أيده ونشره ابن سعود ينسجم متوافقاً مع نمط حياة السكان ، وأنه هو بالذات يبدو له الدعامة " في الصراع من أجل الشكل الأرفع للنشاط الإداري – الاقتصادي " . وابن سعود كما ورد عنه في الرسالة السياسية "عاكف على العمل على زيادة وتقوية العناصر الزراعية "، التي لا تزال لحد الآن واقعياً شبه زراعية " وفي الوقت عينه مع إضعاف نفوذ شيوخ القبائل التقليديين عن طريق استمالتهم إلى صفوف المذهب الديني " [ المصدر نفسه ] .

ويفيد الممثل السياسي بقوله : " أنه تحت راية السلم الديماغوجية في البلاد " زعماً يدفع تجار الحجاز المتنفذون ابن سعود نحو تقديم التنازلات السياسية ، وبصفة مثال ساطع على ذلك يورد خطبة ممثل جدة المتنفذ محمد ناصر أثناء مفاوضات ابن سعود مع كليتون، والتي تضمنت النصيحــة لــه بالتنازل لصالح الإنجليز. وصــور الدبلوماسي السوفيتي عمداً ابن سعود باعتباره حامل فكرة الدولة والحكومة الموحدة المركزية والقوية، الذي يذود عن مصالحة في مواجهة بريطانيا الاستعمارية وطبقة التجار الحجازية معاً وفي الوقت عينه ، والتي هي كما يراها موالية لبريطانيا على طول الخط، وكان الرأسمال التجاري عموماً قليل الجاذبية في عيون الممثلين السوفيتين ، أما في هذه الحالة بالذات فإن الموقف السلبي حياله من قبل هؤلاء الممثلين قد زاده قوة وشدة ، أيضاً أن الممثل السياسي رأى في ممثليه بالذات المذنبين في الاخفاقات يوجه تحرك البضائع السوفيتية ودخولها وتغلغلها إلى السوق المحلية هناك .

وكتب الممثل السياسي في تقاريره إلى المركز : " أن العديد من أسر التجار كانت تربي أولادها في المدارس الإنجليزية – الهندية أو تستدعي لتعليمهم وتثقيفهم مدرسين ومربين من بين المستخدمين في القنصلية البريطانية " . وفي محاولة لوصف الاتجاه العام لطبقة التجار يضعها تيورياكولوف في صف " الحماية المستمرة أكثر أو أقل للمصالح البريطانية والدفاع عنها " [ 3 ، ص : 5 – 15 ] .

وكتب تيورياكولوف :" أن العلية القيادية من رئاسة البرجوازية التجارية في المدن الحجازية سوف تسير ( سوية وعلى قدم ) مع ابن سعود ، ولكن ذلك سوف يستمر ما دام الأخير لم يجد نفسه بعد مضطراً وفق مصالح البلاد العامة ، أن يضع تحت طائلة الخطر ، ويجازف بمصالحها الأساسية في الاستمرار المتواصل بدون انقطاع للصلات مع الأسواق الخارجية الحرة أي الاحتكارية داخل البلاد " [ 3 ، ص : 5 ] .

وتناول الممثل السياسي ضمن مكاتبته مع المركز أمزجة أخرى من فئات سكان المدن في الحجاز ، وهي فئة المطوفين التي تخدم ضيوف الرحمن القادمين لأداء فريضة الحج أو العمرة ، ولها تأثير مهم على قسم كبير من " صغار سكان المدن ومجموعاتهم"، وكتب الممثل السياسي أن " تنظيم شؤون الحج والعمرة ومناسكها والذي أولاه ابن سعود اهتمامه البالغ يوجه الضربة القاصمة إلى مصالح هذه الطائفة " [ الموضع نفسه من المصدر ] . وهذا المجال من أنشطة ابن سعود على قول الممثل السياسي كان موجهاً ضد تحكم المطوفين الذي أصبح تقليداً جارياً ومرعياً .

وقد استطــاع تيورياكولــــوف على الرغم من المعوقــات والمثبطـــات التي عرقلت جوهرياً حرية إجراء التحليل في الوثائق الدبلوماسية السوفيتية أن يعطي التقييم والتثمين بدقة لقوة وجاذبية كيان الدولة الجديد وقاعدته الروحية .

 

سياسة المملكة الخارجية : ابن سعود وبريطانيا :

من الطبيعي أن البعثة السوفيتية قد أعارت العناية البالغة إلى السياسة الخارجية للبلاد التي تعمل فيها ، ويعرض تيورياكولوف في مكاتبته مع المركز موقف التعاطف والمشاركة الوجدانية إزاء الوضع المعقد من اضطراب واختلال الانتظام الذي نشأ لدى المملكة مع العديد من الدول . " وهذا الوضع ترك طابعه الخطر والثقيل على بلاد مثل دولة ابن سعــود ، التي كانت تجتاز فترى نشـــوءها وترابطها ورص صفوفها " [ 3 ، ص : 11] .

وكما توقعت البعثة كان ابن سعود خلال المرحلة الأولى مهتماً بتحسين العلاقات مع بريطانيا التي أبدت حكومتها بدورها ومن جانبها اهتمامها بهذا .

وطبقاً لتقديرات المفوضية الشعبية للشؤون الأجنبية (وهي وزارة الخارجية السوفيتية لذلك العهد) كان الحدث الأساسي لسياسة المملكة الخارجية هو الإبرام بتاريخ 17 أيلول (سبتمبر) من سنة 1927م للمعاهدة التي عقدها ابن سعود مع بريطانيا في أيار (مايو) من ذلك العالم نفسه. وقد أفيد ضمن الاستعراض المتعلق بالعلاقات مع البلدان العربية بهذا الصدد أن :" بريطانيا قد أخرت إبرام هذه المعاهدة عن طريق الضغط على ابن سعود للتوصل إلى حلول أكثر نفعاً لنفسها للقضايا الخلافية المتنازع عليها بين بريطانيا والحجاز، والظاهر أن ابن سعود لم يقدم على إعطاء تنازلات ووطن الإنجليز أنفسهم وقتياً مطمئنين إياها للاكتفاء بما تم لهم الحصول عليه من ابن سعود، وأبرموا تلك المعاهدة التي تؤمن من حيث الجوهر لبريطانيا الأهمية الاستعراضية فحسب ، من ناحية التأكيد على الصداقة مع ابن سعود كممثل للإسلام والمسلمين ، والبنود الملائمة والنافعة للإنجليز من هذه المعاهدة هي تلك التي ورد فيها أن الحجاز لن يسمح بأن تجري في أراضيه أعمال معادية لبريطانيا ، وإخفاق الدبلوماسية البريطانية يتجلى في ذلك البند من المعاهدة حيث يوافق ابن سعود على خط الحدود الذي يُبقي العقبة ضمن الأراضي التابعة إلى شرق الأردن ، بيد أنه يعلن أنه لا يعتبر ذلك هو الحل النهائي للقضية ، ويحتفظ لنفسه بالحق في إعادة النظر في ترسيم الحدود " [ 2 ، ص : 14 ] .

وفي سنة 1928م استند إنجاز مهمة تحسين العلاقات مع بريطانيا على رأي البعثة السوفيتية في المشروع البريطاني لإنشاء طريق السكة الحديد بين حيفا والكويت، وأسمح لنفسي أن أورد لاحقاً بالتفصيل رأي الممثل السياسي بشأن هذا الموضوع :

" يخال لي أن القضية حول هذه الطريقة من الضروري النظر إليها باعتبارها المهمة الأساسية التي وضعتها الإمبريالية البريطانية نصب عينيها ، وبالنسبة إليها تمتلك القضايا الأخرى مجرد أهمية تبعية ؛ وهكذا مثلاً في حالة اعتبار أن التعزيزات العسكرية عند المناطق الحدودية العراقية مع نجد قد أنيطت بها مهمة حراسة الأمن والسلامة في قطاع طريق السكك الحديد المستقبلي ، وأبعاد عشيرتي مطير والعجمان نحو الجنوب إلى ما وراء الحدود النجدية ، فإن الهجمات والغزوات من عشائر شرق الأردن على أراضي المملكة كان ينبغي النظر إليها باعتبارها إحدى الوسائل للضغط على ابن سعود في الاتجاه المطلوب، وبالطبع كان هذا النوع من غزوات القبائل معهوداً دوماً في هذه البلدان ، وتستدعيها أسباب وظروف محلية خاصة ، ولكن أخذاً بعين الاعتبار لظرف أن الإنجليز يشجعون ويساعدون وينظمون هذه الغزوات وفقاً لغاياتهم ، فإن التقدير السياسي للأحداث ينبغي أن يعطي تبعاً للمذكور في أعلاه . ومن وجهة ذلك المفعول السياسي الذي يهيئه الخلاف المصري – السعودي ( امتناع مصر عن الاعتراف بالدولة السعودية وخطط الملك فؤاد بشأن الخلافة الإسلامية، والنزاع حول موكب المحمل الذي ينقل كسوة الكعبة المشرفة، وأخيراً خلاف المنازعة الناشيء مؤخراً حول الجزر في خليج العقبة ) وأطماع مصر المتعاظمة يصح النظر إليها كذلك كواحد من الجوانب والعوامل الإيجابية بالنسبة إلى السياسة البريطانية ، وبالإيجاز فإن الإنجليز ليسوا في عيون العالم الإسلامي والعربي منفردين في خلافاتهم ضد " آخر معاقل الاستقلال العربي " وهو الوصف الذي اطلقته جريدة ( أم القرى ) على نجد ، إذ هم يتحالفون مع جيران نجد من العرب .

ولدى وصف التكتيك البريطاني تجاه ابن سعود خلال الأعوام الخمسة الأخيرة يمكن التأكيد على أن بريطانيا في سنة 1928م تخلت عن خط الموافقات والحلول الوسط الذي اتبعته الحكومة البريطانية قبل هذا أثناء الفترة من عام 1925م إلى عام 1927م ، وأخذت الآن تنتهج تدريجياً أسلوب الضغط وإقامة كافة أنواع التعقيدات في وضع ابن سعود الخارجي ، إن التغيرات الحاصلة في السياسة البريطانية قد وعاها واستوعبها أيضاً الساسة السعوديون الذين رسموا ارتباطاً بهذا ، كذلك خطا جديداً لتصرفهم . ورأت شخصيات عربية مثل الشريف توفيق أن حكومة المحافظين في إنجلترا ستأخذ الآن وهي على أبواب الانتخابات النيابية العامة بعين الاعتبار احتمال أن تتولى السلطة حكومة جديدة أقل نشاطاً في السياسة الخارجية ، ولهذا سوف تزيد بكل السبل والوسائل حدة الأهمية لطريق السكك الحديد حيفا – الكويت . ومن هنا في رأي هذه الأوساط تغدو مفهومة رغبة الإنجليز إما في التوصل إلى الحل العاجل في إقرار هذه القضية، وإما اتخاذ مثل هذا الطرح لها ( أي الحرب ) لكي يجد وارثوها المحافظون أنفسهم يواجهون الأمر الواقع، فهم مضطرون على هذا النحو أو ذاك إلى مواصلة عمل الحكومة الحالية . وانطلاقاً بالذات من هذا التحليل للنوايا البريطانية تخشى الأوساط السياسة المحلية من زيادة أخرى في حدة العلاقات الأنجلو – نجدية في غضون الفترة القريبة القادمة . وهذا هو رأي الأشخاص المقربين إلى البلاط الملكي والمطلعين على أمزجة العلية القيادية والذين يعبرون جزئياً عن آراء وخطط هذه الأخيرة ( أي ابن سعود ومستشاريه ) ويرسمون بصورة غير مباشرة معالم سياسة ابن سعود الجديدة كسياسة الحفاظ على البقاء بالاعتماد على كسب الوقت ، وأملا ربما ولعل وعسى في طروء بعض التغيرات في السياسة الشرقية البريطانية عقب الانتخابات أو حتى حلول هذه ( التغيرات ) كان ينبغي على ابن سعود التهرب تذرعاً بشتى أنواع المعاذير من المناقشة الحازمة للقضايا النزاعية، والتملص بحذق في الوقت عينه من اتخاذ تلك الخطوات التي من شأنها أن تصلح للاستخدام من قبل الخصوم في استفزاز المنافرة .

ولكن السياسة المحترسة من ابن سعود الذي يدرك مجمل الخطر والمجازفة وكافة العواقب المتوقعة لهذا الصراع الذي لا يقوى على خوضه كانت على أي حال محدودة بحدود معروفة ، وقد اتضح كامل التعقيد في وضع ابن سعود كقائد مسؤول للبلاد بجلاء خاص خلال الآونة الأخيرة أثناء مؤتمر الرياض ، وقد بين استطلاع الرأي العام الذي مارسه ابن سعود بفاعليه قبل الافتتاح الرسمي لهذا المؤتمر على مدى أسبوعين أن إرادة الملك في العديد من قضايا العلاقات الخارجية على أن الملك يجرب أساليب شتى لبلوغ الاتفاقيات مع الإنجليز بالطرق السلمية . وإذا كانت خطوات الملك تبدو ضعيفة في الظاهر فإن القبائل تكتسب حق المبادرة وحرية التصرفات المستقلة، ومن الضروري التنويه بأن الملك الذي يتصرف في هذه القضية ( التعزيزات العراقية ) بصفة وسيط سلمي وكنصير للسلم يحتفظ لنفسه بهذا الدور نفسه كداعية للسلام أيضاً لدى مناقشة قضايا السياسية الداخلية " [ 3 ، ص : 12 – 14 ] .

ويستنبط تيورياكولوف الاستنتاج التالي : على غرار أن الملك كثيراً ما يتصرف في الشؤون الداخلية بدور ( الوسيط السلمي ) متفادياً اتخاذ المواقف الجدية فإنه في السياسة الخارجية كذلك يستخدم ( التكتيك المراوغ ) ، ونعود من جديد إلى النص :

( أما العناد الذي ظل ابن سعود يصارع به في غضون كل هذه الأعوام العديدة من أجل إزالة التعزيزات والتحشيدات الحدودية العراقية ، فتفسيره بالدرجة الرئيسية هو الاهتمام الصميمي لدى القبائل والملك معاً بهذه القضية ، ولهذا فإن الخلاف النزاعي في الطرح الإنجليزي المعاصر ( مطلب إبقاء التعزيزات والمطالبة بإلحاق وادي السرحان من الوسط المركزي لصحراء الجوف وما إلى ذلك ) من المستبعد أن يمكن حله بطريق الحل الوسط ، ومن هنا يبزغ ذلك التكتيك الذي ينتهجه ابن سعود لكي يتفادى إجراء المناقشة الحاسمة للنزاع ضد خصومة الأساسيين . وأفادت بعض الجرائد العربية بأن اللقاء الذي كان متوقعاً مؤخراً بين ابن سعود والإنجليز في الأحساء ( على ساحل الخليج ) لم ينعقد لأسباب غير معروفة ، والآن تدور بإلحاح شائعات عن استئناف المفاوضات في جدة بقدوم الملك إلى هذا اللقاء الذي تجري له حالياً في مكة استعدادات كثيرة ، ولكن بغض النظر عما إذا كانت ستستأنف المفاوضات بين الطرفين أم لا ، فإن التقييم العام للوضع والموقف في البلاد يدل لصالح أن ابن سعود لدى ظروف كهذه سوف يتهرب من خوض معركة حاسمة ويفضل اتجاه الترقب ، والاتجاه الآخر سيدفع في رأيي لا محالة ابن سعود إلى توهين وتحطيم ذلك الحلف الذي يستند إليه الملك داخل البلاد ، وهذا الطرف يضع في أيدي الخصم مزيداً من الأوراق الرابحة لخوض الصراع الناجح ضد خطط ابن سعود الواسعة ، تلك هي في رأيي آفاق العلاقات الأنجلو – سعودية في غضون نصف السنة القادم إن لم يتغير الوضع العام .

وفي ختام استعراض العلاقات الأنجلو – سعودية بودي الإشارة إلى أحد العوامل الذي ينبغي أن يحمل الإنجليز أيضاً على التوصل إلى حلول لقضاياهم في الجزيرة العربية مهما كان من أمر ، واعني بذلك تعقيد الوضع السياسي الناشيء في العراق . ويتسم الوضع السياسي الداخلي في هذه البلاد باشتداد واحتداد صراع الأحزاب السياسية (وبضمنها الأحزاب اليمينية أيضاً ) ضد الإنجليز بصدد القضايا العسكرية ( التجنيد الإجباري وقيادة الجيش العليا وغير ذلك ) والمالية ( إخضاع جميع مصادر الدخل بما فيها إدارة ميناء البصرة إلى الإشراف العراقي ) ، وفضلاً عن هذا تمثل لوحة لا تخلو من الطرافة والأهمية للعلاقات المناقشة التي جرت مؤخراً بين جريدتي " العراق " الصادرة في بغداد ، و " أم القرى " الصادرة في مكة المكرمة . وتوجه الجريدة الأولى افتتاحيتها المكتوبة في نبرة حادة جداً والمفعمة بأوصاف غير مناسبة للسعوديين وما أشبه إلى زعمائهم تهمة كونهم يديرون المفاوضات بشأن القضايا التي تهم العراق وتخصه لا مع الحكومة العراقية وإنما مع (شخصيات ثالثة)، وأن السعوديين ليست لديهم رغبة صميمية صادقة في الاتفاق مع العراق ، وتشير جريدة " أم القرى " ومعها الحق ضمن جوابها المتحفظ والمتزن بشكل كاف إلى وضع العراق كبلد خاضع للانتداب . وتعتبر هذه الجريدة أن السعوديين مضطرون إلى بحث القضايا المومى إليها مع أولئك الذين وضع العراقيون أنفسهم في أيديهم عهدة إدارة شؤونهم الخارجية ، وتقول أم القرى:" إنه بناءً على ذلك فإن المسؤولية عن الترتيب الذي تشكو منه جريدة العراق تقع لا على عواتق السعوديين . ( وهذا الجواب كما تدل كافة الدلائل قد وضعه يوسف ياسين وبالتالي فهو معروف لدى ابن سعود . وليس من ريب في أن العراق يحتاج في العلاقات الخارجية إلى تسوية علاقاته مع أقرب جارين له وهما نجد وتركيا) ( اطماع تركيا ومطالبتها بمدينة الموصل وأقليمها ) . وقد أبلغني بعض الأوساط في مكة أن الهجمات من جانب تركيا ونجد على العراق حتى كثيراً ما تطابقت من حيث الزمن وخلقت الانطباع بأنها أعمال منسقة ، وعند استبعاد التواطؤ بين تركيا ونجد في الوقت الراهن لا يجوز رغم ذلك إهمال الإشارة إلى وضع العراق غير الطبيعي في وقوعه بين نارين ، ومن هنا يبدو لي صدق أنباء الصحف العربية بأن كليتون المعين مندوباً سامياً في العراق سافر إلى مقر عمله عبر أنقره . وإذا ما ثبت هذا النبأ بعد التحقيق فإن رحلة كليتون إلى أنقرة تكتسب أهمية خاصة ، وترتبط بخطط الإنجليز العربية . ومن شأن إبعاد الأطماع التركية في شمال العراق أن تقوي مواقع الإنجليز في جنوب العراق في نزاعهم ضد ابن سعود، وتهيىء الفرصة السانحة للنضال ضد الأخير دون خشية المخاوف على مؤخرتهم ، وهذه الدلالة الهامة بالذات هي التي بودي إسباغها على الرحلة المحتملة للمندوب السامي في العراق إلى أنقرة في اللحظة الراهنة " [ 3 ، ص : 15 – 17] .

 

العلاقات مع العالم الإسلامي :

ومن قضايا السياسة الخارجية الأخرى التي وصفها الممثل السياسي الدبلوماسي نذكر علاقات المملكة مع اليمن . ومرة أخرى نقتبس من نص التقرير " في الوقت الحاضر كثيراً ما تطرح وجهة النظر القائلة بأنه ليست بين ابن سعود والإمام يحيى تلك المواضيع الخلافية الكبرى التي من شأنها الحيلولة دون تسوية علاقاتهما ، زد على ذلك أن ابن سعود آخذا بعين الاعتبار والحسبان احتمال تردي علاقاته مع الإنجليز ومهيئا لكل ظروف الدفاع عن بلاده يتوجب عليه تسوية علاقاته مع الإمام يحيى، وضمان صلاته بالعالم الخارجي في حالة الضرورة عن طريق اليمن ، ومن هنا يتوقعون ( مثلاً ليوبولد فايس ) أنه في غضون الآونة القريبة القادمة يجب أن تحصل تسوية علاقات نجد مع اليمن ، وإقامة العلاقات الودية بينهما ، غير أن هذا الواقع الذي يمكن أن يتحقق في المستقبل لدى توفر ظروف معينة ( النزاع الأنجلو – سعودي مثلاً ) مما يبرر هذه التوقعات ، أما حتى الوقت الحاضر فإنه لا يزال حتى الآن يدفع هذه التوقعات النظرية عن إمكان التحقق ، وعلى الرغم من وجود الظروف الملائمة المساعدة على الاتفاق والتوافق ، فإننا نقف لحد الوقت الحاضر أمام حقيقة العلاقات غير المنتظمة ما بين السعودية واليمن ، ويبدو لي أن سبب هذه الظاهرة ينبغي البحث عنه بالضرورة لا في تكتيك الاحتراس لدى ابن سعود الحذر فحسب ، وإنما أيضاً في تأثير الأوساط الموالية لبريطانيا التي تعرقله . وتوجه شخصيات مثل الشريف توفيق إلى الإمام يحيى الانتقاد بأنه حذر ومحترس ومتردد أكثر من اللازم وتشير بالدرجة الأولى إلى الخطأ ، والعبث في محاولاته للانعزال عن التمدن الأوروبي بحاجز كأنه " سور الصين " .

إن هذا الرأي بحق الإمام الذي استدعته استفساراتي عن مستوى التطور الثقافي في اليمن لم يثر أية اعتراضات عن مستوى التطور الثقافي في اليمن ، لم يثر أية اعتراضات أو مؤاخذات من جانب عبدالله فضل وسواه الذين كانوا حاضرين ، وكل ما في الأمر أن فؤاد حمزة وحده أبدى الملاحظة بأنه " لا ينبغي إعطاء الرأي بهذه اللهجة الحادة عن الإنسان الذي هو على أية حال رئيس لبلد بحاله " ( كان ذلك في تشرين الأول ( أكتوبر) من سنة 1928م بمكة المكرمة ) .

 

وأنا أعتبر أن قضايا العلاقات السعودية – اليمنية من وجهة نظر تعزيز وتوطيد الدول العربية القومية في شبه الجزيرة العربية ، والإبعاد الحتمي لمصالحها عن خطط الإمبريالية البريطانية لها أهمية كبرى ، ويجب على الوكالة في جدة أن تضع نصب عينيها مهمة الدرس الشامل للقضية عن العلاقات السعودية – اليمنية وظروف تطويرها [ 3 ، ص : 17 – 18] .

ويستدعى الاهتمام كذلك استنتاج الممثل السياسي بصدد علاقات المملكة مع تركيا وأفغانستان وإيران . وقد استنبط الدبلوماسيون السوفيتيون الاستنتاج بأن تركيا كانت الأولى في عداد البلدان التي عُدَّ التقارب معها بالنسبة إلى المملكة "قضية ذات أهمية بالغة ، " ولكن لحد هذه اللحظة لا تزال لم تقم ما بين الرياض وأنقرة علاقات تعاقدية تعاهدية ، وأشير إلى أن الممثل التركي صاني بيه حاول في سنة 1928م عقد معاهدة حمل مودتها من أنقرة ، ولكن محاولته اخفقت نظراً لأن تلك المسودة لم تأخذ بعين الاعتبار مصالح الطرفين كليهما .

 ويرى تيورياكولوف أسباب الوضع القائم سواء في الخطط السياسية العامة لدى ابن سعود واعتباراته أو مصالح الحجاز المادية في تركيا . وبصفة الأسباب الأولى ذكرت عدم رغبة ابن سعود في الإسراع بعقد معاهــــدة قبل حل الخلاف النزاعي الأنجلو – سعودي ، والخشية من أطماع الأتراك في منطقة الموصل ، وعدم رغبة الملك في إثارة الامتعاض في نفوس علماء الدين ، الذين يتخذون الموقف السلبي حيال تلك البلاد التي تخلت عن الإسلام كدين للدولة . ولدى التحدث عن المصالح المادية قصد الممثل السياسي ممتلكات الوقوف والحبوس ( الأوقاف ) العائدة إلى الديار المقدسة حتى بعد نقل ملكية الأراضي والعقارات إلى رصيد الدولة في تركيا ، وأفاد تيورياكولوف بأن:" وضع ابن سعود يتعقد أكثر بسبب ظرف أن أي تنازل سوف يراد به استمالة الأتراك في هذه القضية يمكنه أن يشكل سابقة غير نافعة للحجاز في نزاعاته ضد مصر وسواها من البلدان ، إن العلاقات التركية – الحجازية التي تحمل على كواهلها ثقلاً كهذا من الجوانب غير المستوضحة لم تكن لتستطيع اكتساب الحركة في شكل معاهد معقودة . وبعد هذا كله فإن تركيا التي تواجه واقع تسويف كهذا في صياغة العلاقات حولت اهتمامها حالياً نحو اليمن " [ 3 ، ص : 19] .

ويشبه الموقف حيال تركيا موقف الرأي العام في المملكة إزاء الإصلاحات الأفغانية، وكما أفادت الممثلية السوفيتية فإنه كان سلبياً كذلك . وكتب تيورياكولوف أن الأمزجة السلبية لدى الأوساط الاجتماعية في المملكة تجاه تركيا قد اشتدت بتأثير (الأشخاص ذوي الأصل السوري ) والتناحر العربي – التركي الأمر الذي اضطر ابن سعود إليها أخذه بعين الاعتبار .

وقد وصف الدبلوماسيون الروس العلاقات الحجازية – الإيرانية بأنها " غير محددة" . وذهب تيورياكولوف إلى القول بأن القضية كانت في أن الملك حتى ذلك الحين لم يتجاوب بعد مع رسالة الشاه ، وفي رأيه أن هذين البلدين قد منعهما من الدخول في علاقات تعاقدية تعاهدية ظرفان فقط هما غياب الاهتمام المتبادل والتناحر السني – الشيعي [ 3 ، ص : 21 ] .

 

العلاقات السعودية – السوفيتية :

أما بخصوص العلاقات السعودية – السوفيتية في تلك الفترة فإنه على سبيل المثال بشأن حالتها حتى سنة 1927م قيمتها مفوضية الشعب للشؤون الأجنبية ( وزارة الخارجية ) بكونها طبيعية ، وأشير ضمنها إلى أنه في سنة 1927م " عقدت لأول مرة صفقات تجارية سوفيتية مع الجزيرة العربية " وقد استدعت الاهتمام بالسلع الروسية من جانب طبقة التجار الحجازية واستخدمت في نقل البضائع وإيصالها الرحلات التي صارت تنقل وأيضاً لأول مرة عقب فترة انقطاع دامت عشرة أعوام مواكب الحجاج عن طريق ميناء أوديسا البحري . ونظم في مدينة جدة معرض للسلع السوفيتية [ 2 ، ص : 14 ] .

غير أنه أواخر عام 1927م تردى الوضع وساء ، فقد ظلت البضائع التي أنزلت بصعوبة من السفينة المسماة " يان تومب " الواصلة إلى جدة ، وكانت هذه البضائع عائدة إلى جمعية " روسوتورك " فترة طويلة غير مباعة من قبل تويميتوف المكلف من قبل " روسوتورك " بتسويقها ، وذلك بسبب غياب الممثلين التجاريين المتخصصين، وكما اعتبر الدبلوماسيون فإن القضية كانت في موقف التجار المحليين المدعومين من طرف بعض الموظفين واستنتجت المفوضية ( الوزارة ) أن محاولات تويميتوف لتسوية الحادث بمساعدة وزارة الخارجية الحجازية لم تتكلل بالنجاح ، وأفاد الرفيق تويميتوف بأن نائب الملك أمير الحجاز فيصل محاط بأشخاص ينظرون إلينا بعين العداوة ويضمرون لنا الشر، وقد بلغ علم تويميتوف أنه تهيأ لإصدار أمر يفضي إلى أن "المسلمين"  السوفيت سوف يمنعون من الدخول إلى الحرم المكي . وفي الوقت عينه تدبر حملة ضد الرفيــق تويميتـــوف الذي توجـــه إليه التهمة بأنه يمارس " التجـــارة " شخصياً وهو موظـــف ، ويرى تويميتوف أنه من الممكن حتى أن تطرح القضية حول إبعاده ، وينبغي التنويه بأنه هذا كله جرى في غياب ابن سعود ، ومن وراء ظهره وقد كان خلال هذه الآونة في نجــــد .

وارتباطاً بالوضع الناجم في الحجاز استدعي إلى موسكو حكيموف الذي كان يستشفي في ألمانيا ، وطلب منه التوجه على عجل إلى الحجاز بغية استيضاح الموقف وتسوية المصاعب القائمة ، وبدأت المفاوضات بشأن المعاهدة التي من شأنها تأمين عملنا اللاحق في الحجاز ، و " المساعدة " في " التمرير " إلى الحجاز لممثلنا السياسي الجديد الرفيـــق تيورياكولوف الذي يمكنه الرحيل إلى الحجاز في ظرف شهر إلى شهرين . [ 2 ، ص : 17] .

وبصفة المهمة الأساسية لتلك الفترة اعتبرت المفوضية – الوزارة عقد المعاهدة التي ( من شأنها إقامة قاعدة قانونية أوطد وأثبت ) تحكم العلاقات مع العربية السعودية . وطبقاً لتقديرات المفوضية – الوزارة فإن ما قام به حكيموف من سبر التربة وجس النبض بهذا الصدد قد بين أن ابن سعود اعتبر ممكناً عقد معاهدة مع الاتحاد السوفيتي، ولكن كما ورد في الاستعراض عن سنة 1927م لم يقدم بعد حتى ذلك الوقت إلى ابن سعود اقتراح مباشر حول عقد هذه المعاهدة .

ولكن إما أن حكيموف لم يتبين على النحو الصحيح حقيقة الوضع ، وإما أن رأي ابن سعود قد تغير ، غير أنه سواء أكان الأمر كذلك أم سواه لم تستطع موسكو التوصل إلى عقد المعاهدة عندما عرضت على الملك فيما بعد اتخاذ القرار بعقدها .

وعلى الرغم من الفروق العميقة ما بين الدولتين فإن موسكو وبخاصة قيادة المفوضية الشعبية للشؤون الأجنبية (وزارة الخارجية) ذات الأمزجة البراغماتية (الذرائعية) أي العملية في شخص رأسها غيورغي تشتيرين كانت في حالة إعجاب متبادل وميل مشترك مع الملك ابن سعود ، وتشتشيرين الذي وجه حكيموف منذ توليه منصب القنصل العام للاتحاد السوفيتي كتب له يقول:" أنه لمن الصحيح تماماً أن المهمة الأساسية في الحجاز خلال الآونة الراهنة إنما هي تقوية ابن سعود بالدعم والتأييد ، أما بخصوص البنود الخمسة بصياغتكم للمهام العملية بصدد تعزيز ابن سعود : المساعدة في إقامة علاقات الود بين ابن سعود والإمام يحيى، وإمساك ابن سعود عن الأقدام على إعلان نفسه خليفة للمسلمين ، وحقه على انتهاج السياسة السلمية في الموقف من العلاقات مع جميع البلدان المجاورة ، والكف والامتناع عن نظام التنازلات ومساعدة ابن سعود في إلغاء هذا النظام تجاه البلدان الأخرى ، ودعم ابن سعود عن طريق إبداء التأييد له من قبل طائفتنا الإسلامية ، أفلا ينبغي أن نكملها ببعض الإضافات ؟!. يجب علينا أولاً إمساك ابن سعود عن المشورة والنصيحة في صيغة شديدة الاحتراس ومن الزاوية السياسية حصراً إلى ابن سعود لكي يتخذ موقفاً أخف وأقل ذرائعية في القضية حول الاختلافات الدينية بين الوهابين والمسلمين من المذاهب الأخرى" [1، ص: 5 ] .

 

هذا وقد حوفظ لاحقاً كذلك على موقف الدعم والتأييد حيال الملك عبدالعزيز آل سعود .

ولقد عرض ابن سعود مهارة دبلوماسية مدهشة إذ توصل في وضع معقد للسياستين الداخلية والخارجية ومواجهاً المقاومة لتصرفاته في وقت واحد معاً على عدة جبهات إلى إنجاز التعزيز الحاسم لمواقفه الدولية . وتبين المكاتبات الدبلوماسية السوفيتية أن ابن سعود استغل ببراعة لتنفيذ هذه المهمة التناقضات بين مختلف الدول الأوروبية والأقليمية ، وحاول بنجاح تحويل مصالحها ومساعيها لتوهين تأثير هذه الجهة أو تلك، أو الحيلولة دون تشديد نفوذها وتقويته بحيث يعمل ذلك لصالحه ، ويحول الماء والريح بالاتجاه الملائم لطاحونته . وهذا ينطبق ضمناً على لعبته الدبلوماسية المزدوجة مع كل من بريطانيا والاتحاد السوفيتي وقد استغل الملك ما بينهما من التناقضات فأتاحت له الحصول على ما يلزمه لحل المشاكل الداخلية وهيأت له الفرصة لالتقاط الأنفاس والسعي إلى تأمين أقصى ما يمكن من ضمان مصالحه في العلاقات الثنائية مع هاتين الدولتين .

وفي الوقت عينه لا يجوز النظر إلى موقف ابن سعود إزاء روسيا إبان تلك الآونة كمجرد جزء من لعبته الدولة ، وعلى الرغم من النفرة التي كان يحسها ابن سعود تجاه الإيديولوجيا التي كانت سائدة آنذاك في الدولة السوفيتية شعر بصورة صحيحة وصائبة بميل التعاطف الذي كانت تكنه هذه الدولة نحو مسعاه لتشكيل دولة مركزية موحدة وقوية في جزيرة العرب ، وإتباع نهج مستقل عن الدول الاستعمارية، ونظر إليها باعتبارها مصدراً للدعم والتأييد .

ولوحظت المناورة الدبلوماسية المرسومة بدقة أيضاً في تطور علاقات ابن سعود مع الدول الأجنبية الأخرى في الغرب وفي الشرق ، وقد جمع ابن سعود في نفسه ما بين القدرة على ممارسة الضغط السياسي والاستعداد للمضي على درب الحلول الوسط الذي تمليه عليه وتفرضه إمكاناته المحدودة ، وكانت إحدى المعوقات والمثبطات الرئيسية لتصرفاته على صعيد السياسة الخارجية وحلبة المضمار الدولي خلال النصف الثاني من العقد الثالث للقرن العشرين ( منتصف العشرينات الثاني ) حالة الوضع غير المنتظمة بعد داخل الدولة ، والمقاومة التي جوبهت وقوبلت بها أنشطة الملك التنظيمية من قبل عدد من الفئات والجماعات التي حاولت التصرف بروح انفصالية أو استقلالية ذاتية ، وفي بعض الأحايين أيضاً تحت تأثير قوى خارجية . بيد أنه هنا أيضاً كما تبين المواد المستقاة من الأرشيف الدبلوماسي الروسي استطاع الملك ابن سعود في الظروف الاقتصادية الضاغطة والثقيلة لفترة ما قبل العهد النفطي إحراز النجاحات الانطباعية الكبيرة في ضم البلاد وتوحيدها ضمن كلٍ موحد متلاحم .

 

 

المصــــادر

 

1-      تشتشيرين : رسالة إلى حكيموف ، مؤرخة بيوم 31 أكتوبر ( تشرين الأول ) من سنة 1927م ، أرشيف سياسة روسيا الاتحادية ، تحت رقم الرمزي 0127/1/2/18 .

2-      استعراض عن البلدان العربية لسنة 1927م ( الأرشيف المذكور آنفاً ) تحت الرقم الرمزي 0127/1/4/47 .

3-      تيورياكولوف : تقرير عن سلطنة نجد ومملكة الحجاز وملحقاتها إلى المفوضية الشعبية للشــــؤون الأجنبية ( وزارة الخارجية حالياً )، شباط ( فبراير ) سنة 1928م ( الأرشيف نفسه )، تحت الرقم الرمزي 0127/1/2/18 .