مقدمــــة:
لابد لمن يتصدى لتوحيد أي كيان أن تكون لديه تصورات ورؤى تدفعه للقيام
بمثل هذا العمل، ولكي تكون هذه الرؤى والتصورات عملية لابد لها أن تستجيب لمقتضيات
الواقع ودواعيه، أي: تكون على درجة من المعقولية والقابلية للتطبيق مما يمكنها أن
تبرز في هيئة سياسات وأجهزة تنظيمية وأفعال تفضي إلى تجسيدها في الواقع المعاش بكل
تعقيداته واختلاف مظاهره وظواهره.
كان
الملك عبدالعزيز يحمل من الرؤى والتصورات ما شكل مرتكزاً لسياساته الاقتصادية،
والاجتماعية والسياسية. وقد كانت له منهجية يتبعها في التعرف على الواقع الداخلي
والدولي ودراسته، وبذات المنهجية مضى في تنفيذ برنامج إصلاحي تمثل في ربطه
للاقتصاد بالشريعة الإسلامية، وتحويل الاقتصاد إلى اقتصاد دولة بدلاً عن اقتصاديات
كيانات صغيرة. كذلك تمثلت في إنشاء مؤسسات إدارة الاقتصاد التي ترجمت توجهاته إلى
سياسات عملية قابلة للتطبيق، وشكّلت أساساً للنهضة التي ارتقت سلمها المملكة.
واتبع أبناء الملك عبدالعزيز المنهجية نفسها، تلك التي تدرس عناصر الواقع
ومتغيراته، والمؤثرات عليه، وتتجاوب مع ذلك الواقع حسب جميع مقتضياته. وارتكازاً
على ذلك استمرت نهضة المملكة حتى وقتنا الحاضر في خطها الصاعد نحو مستقبل واعد.
أ – ربط الاقتصاد السعودي بالشريعة الإسلامية:
كانت
أولى رؤى الملك عبدالعزيز وأعمقها أثرا على مستقبل المملكة، هي اعتماده– طيب الله
ثراه– العقيدة الإسلامية منهجاً وأسلوباً، تقوم عليه الحياة بمختلف مناحيها.
فالإسلام كل لا يتجزأ وهو دين ودولة. أي أنه قابل للتطبيق على كل المجتمعات
باختلاف أزمنتها وأمكنتها. يقول الملك عبدالعزيز في الجلسة الافتتاحية لمجلس
الشورى في (7 ربيع الأول 1349هـ/ أغسطس 1930م) "وإنكم تعلمون أن أساس أحكامنا
ونظمنا هو الشرع الإسلامي، وأنتم في تلك الدائرة أحرار في سن كل نظام، وإقرار العمل
الذي ترونه موافقاً لصالح البلاد على شرط ألا يكون مخالفاً للشريعة الإسلامية، لأن
العمل الذي يخالف الشرع لن يكون مفيداً لأحد، والضرر كل الضرر هو السير على غير
الأساس الذي جاء به نبينا محمد e "([1]).
إن
التقيد بإنفاذ أحكام الدين في حياة الناس، لم يمنع الملك عبد العزيز – طيب الله
ثراه – من الأخذ بنتاج الفكر الإنساني في الاقتصاد، واستخدامه لما ينفع الناس ما
لم يكن متعارضاً مع الشرع. وإذا كان الأصل في الأشياء الإباحة، فإن عدم تعارض شيء
أو حكم مع نص من نصوص القرآن أو السنة أو مع الإجماع يعني أنه مباح يمكن الأخذ به،
بل يلزم الأخذ به في بعض الأحيان لتحقيق خير الفرد والجماعة. وقد كان الملك
عبدالعزيز في جميع سياساته يصدر عن الدين الإسلامي، ولا تستثنى من ذلك السياسات
التنموية والمالية والنقدية، وما إليها من سياسات وأفعال كانت هي اللبنات الأولى
في إرساء قواعد هذه الدولة وتهيئتها للتطور والتقدم الذي حدث بعده.
ب – التحول من اقتصاد القبيلة إلى اقتصاد الدولة:
يعد
توحيد المملكة من أقوى الدعائم للبناء والتقدم في سائر المجالات، ولاسيما في
المجال الاقتصادي؛ إذ ترتب على تلك الوحدة تحول كبير من اقتصاديات الكيانات
الصغيرة إلى اقتصاد الدولة الذي يقود إلى قوة وكفاءة أكبر في الأداء الاقتصادي،
وما يترتب عليه من تقدم اجتماعي وسياسي وتنظيمي وأمني وثقافي، والذي يؤدي بدوره
إلى مزيد من التطور في الأداء الاقتصادي في توالٍ يقود – في النهاية – إلى مراحل
أعلى من التطور.
عندما
تم توحيد المملكة لم تكن هناك مؤسسات بالمعنى الحديث لإدارة النشاط الاقتصادي،
فأقام الملك عبدالعزيز عدة أجهزة لها بعض الاختصاصات الاقتصادية حيث لم يتم إنشاء
مؤسسات ذات صلاحيات اقتصادية بحتة، ولكن هذه المؤسسات كانت نواة للمؤسسات
المتخصصة.
من
الجهات التي كانت لها صلاحيات اقتصادية، الديوان الملكي الذي كانت به بعض الشعب
ذات الصلاحيات الاقتصادية، مثل شعبة الخزينة الخاصة، وشعبة المخازن الخاصة، وشعبة
المحاسبة والأعطيات. وهذا يعكس أن المرحلة التي تم فيها تكوين هذا الجسم الإداري
كانت مرحلة الحروب من أجل التوحيد. وبعد ضم الحجاز "أنشئت في مطلع العهد
السعودي بالحجاز مصلحة سميت (دائرة المرافئ) انحصر عملها في نطاق محدود، كإصدار
رخص الغواصين والحواتين (صيادي السمك) وللسنابيك (القوارب) السفرية، واستقبال
البواخر القادمة إلى الميناء والمسافرة منه، وإجراء معاملاتها واستيفاء الرسوم
المقررة عليها"([2]).
وفي
1350هـ/ 1931م أُحدثت مديرية عامة باسم خفر السواحل، ربطت بها دائرة المرافئ
والدوريات البرية والبحرية، ومن اختصاصاتها استيفاء الرسوم المقررة على السفن
بمقتضى التعرفة. وكانت البلديات أيضاً تشرف على مراقبة أسعار السلع، ومنع
احتكارها، ومراقبة الموازين والمكاييل والمقاييس([3]).
وفي
بعض المناطق التي كانت فيها إدارات مالية عند فتحها، فإن الملك عبدالعزيز تركها
قائمة، وأقام عليها مسؤوليها السابقين تحت رعاية الأمراء مثلما حدث في الأحساء
والقطيف. يقول العثيمين "ولما دخلت منطقة الأحساء والقطيف تحت حكمه (أي الملك
عبدالعزيز) وجد فيها تنظيمات مالية سنها العثمانيون الذين كانوا يحكمونها. فرأى
الاستفادة منها، وعين موظفاً من موظفيهم السابقين للإشراف على مالية تلك المنطقة
برعاية أميرها([4]).
وبالنسبة لبقية الأقاليم([5])
فقد أنشئت في كل بلدة إدارة لجباية الزكوات ومرجعها الحاكم الإداري للبلدة.
في
عام 1346هـ/ 1927م ربطت تلك الإدارات بالحجاز عن طريق إدارة واحدة بمكة هي
"مديرية المالية العامة"، وقد حولت في 1348هـ/1929م إلى وكالة ألحقت بها
مالية الأحساء. وفي عام 1351هـ/ 1932م أنشئت وزارة المالية التي تولاها عبدالله
السليمان الحمدان، وقد ألحقت بها إدارات التموين والحج والزراعة والأشغال العامة
والسيارات، ولاحقا إدارة المعادن عندما تم اكتشاف البترول، بالإضافة إلى كثير من
الإدارات بمختلف الأقاليم.
يقول
إبراهيم العساف في حديثه عن وزارة المالية "ثم توالت التنظيمات المالية التي
كان من أبرز مراحلها إنشاء مديرية الأمور المالية 1344هـ/1925م، ثم وكالة المالية
1347هـ/1928م، ثم وزارة المالية 11/4/1351هـ/14/8/1932م، ولعل من حسن طالعها أن
يأتي إنشاؤها بوصفها وزارة قبل أسابيع قليلة من صدور المرسوم الملكي بتوحيد البلاد
تحت اسم المملكة العربية السعودية. وقد انحصرت مهمة وزارة المالية عند إنشائها في
القيام بدور بيت المال، وتنظيم إيرادات الدولة ومصاريفها الجارية. ثم أنيطت بها
فيما بعد بعض المهام المتعددة: الحج، والدفاع، والزراعة، والأشغال العامة، والطرق،
والتعدين، وذلك قبل أن تسمى كل منها وزارة مستقلة"([6]).
مما تقدم يتضح أن وزارة المالية – بالتشكيل آنف الذكر – كانت تقريبا
تسيطر على كل نواحي الحياة الاقتصادية بالمملكة، فبالإضافة إلى الأعباء المالية
والنقدية، كانت تضطلع بأعمال كثيرة تخرج عن الإطار المباشر لأعمال وزارات المال.
وعند
إنشاء مجلس الشورى في 1345هـ/ 1926م([7]) جعلت له مهام
تشريعية تتعلق بالاقتصاد، وتتمثل بالنظر في ميزانيات الدوائر الحكومية والإضافات
عليها، كذلك الترخيص للشروع في عمل مشاريع اقتصادية وعمرانية، ومنح الامتيازات والمشاريع
المالية والاقتصادية، وإجراء العقود مع الشركات والتجار لمشترى أو بيع لوازم
الحكومة إذا زاد عن مائتي جنيه. هكذا نرى النواة الأولى لكل مؤسسات إدارة الاقتصاد
قد وضعت في الفترة من 1344هـ/ 1925م إلى 1368هـ/ 1950م. وكانت تلك المؤسسات تفي –
إلى حد كبير – بالحاجة إليها في إدارة الاقتصاد. وقد
تطورت كثيراً مع تطور الاقتصاد الوطني بحيث تتناغم من حيث الحجم والصلاحيات مع
مراحل النمو المختلفة.
جـ – التخطيط والسياسة التنموية للملك
عبدالعزيز:
أدرك المنظمون والقادة على حد سواء أهمية التخطيط ودوره في الوصول إلى
غايات أو أهداف بعينها، وذلك مقابل العشوائية والتخبط في وضع الأهداف ووسائل
تحقيقها. فعدم التخطيط يعني تشتيت الجهود وربما تضاربها، وارتباك إيقاع العمل، مما
يقود – في أحسن الأحوال – إلى إهدار كثير من الموارد والجهود بدلاً عن توظيفها
كاملة للوصول للهدف، هذا إذا لم تكن النتيجة هي الفشل التام.
بدأ
التخطيط بالمملكة العربية السعودية حديثاً في 1390هـ ذلك أن التخطيط بوصفه علماً
تطبيقياً بمفاهيمه ونماذجه لم يكن معروفا في معظم الدول النامية. إضافة إلى أن
المملكة العربية السعودية في مراحل تكوينها الأولى لم تأخذ شكل الدولة بقدر ما
كانت في وضع مجتمع انتقالي من مجموعة كيانات قبلية إلى دولة تضم تلك الكيانات، مما
يجعل الهدف الأول هو التوحيد لهذه الكيانات. وفي هذا السياق يورد السلوم التالي:
"يعرف د. رقز المجتمع الانتقالي بأنه المجتمع الذي يرى قادته أنهم نماذج
لنهضة شعوبهم دعاة للتحديث، ومبتدرين لحركة التصنيع بوصفهم بناة حاملين لتصورات
التقدم وعاملين من أجله"([8]).
رغم
أنه لم تكن هناك خطط اقتصادية في عهد الملك عبدالعزيز بالمعنى المتعارف عليه
اليوم، إلا أننا نستطيع أن نقف على الأهداف ووسائل تحقيقها وكيفيتها، مما حمل بعض
ملامح التخطيط التنموي، الذي نتجت عنه نتائج مهمة كان لها أثر كبير في التطور
اللاحق للمملكة العربية السعودية. ومن هذه الملامح أن الملك عبدالعزيز وضع إطاراً
فلسفياً للتخطيط، وهو التقيد بالتعاليم الإسلامية في مختلف مجالات الحياة، بما
فيها مجال الاقتصاد، وذلك ضمن حدود دولة انتقلت من عهد الكيانات القبلية إلى دولة
الأمة. من هذه الملامح أيضاً وضع أولويات متراتبة ومسايرة لمتطلبات تلك المرحلة،
مثل توطيد الأمن وإنشاء المؤسسات اللازمة لإدارة الاقتصاد والخدمات. وفي تلك
المرحلة أيضا بدأ الملك عبدالعزيز بإنشاء بعض البنيات الأساسية كالطرق والموانئ
والاتصالات ونحوها، كما بدأ مشروع توطين للبدو الرحل بالهجر. كل هذا يعتبر إنجازات
تنم عن سياسة تنموية تستند إلى مبادئ التخطيط التي ترى الهدف، وتحدد وسائل الوصول
إليه، الشيء الذي سنتعرض له فيما يلي:
توطيد الأمن:
كانت شبه الجزيرة العربية قبل التوحيد،
تعيش حالة من الفوضى وانفراط الأمن، أثرت سلباً على كل أوجه الحياة. فالأمن يعد من
أولى مقومات أي مجتمع أو دولة، وله أكبر الأثر على مختلف عناصر حياتها.
ويعزى انفراط الأمن – فيما يعزى – إلى
الفقر مع عدم وجود وازع ردعي أو اجتماعي أو ضميري ذاتي. وقد أورد الزركلي أنه
"ليس للرحل من البدو مورد رزق… فاللصوصية التي يسمونها الغزو لا تنحصر
بين قبيلة وأخرى، بل تشمل القوافل والعابرين من أصحاب التجاريات والمصالح، وهي
مورد الرزق الوحيد للأعرابي المملق، وقوام حياته وحياة أهله وبنيه وبناته"([9]).
وبلا شك فإن الأمر لم يقتصر على النهب، بل امتد ليشمل الغارات الثأرية بين القبائل
والسرقة المعروفة، والتهريب وكل صور انفراط الأمن، خاصة أن بعض هذه الأفعال –
كالنهب مثلاً – تلقى إقراراً وتشجيعاً من المجتمعات
القبلية، وبالتالي لا يرى فيها الفرد حرجاً، بل بطولة.
كان إعطاء الملك عبدالعزيز أولوية
لتثبيت الأمن من أظهر ملامح سياسته التنموية، وذلك لأن كل الاقتصاد يتأثر سلباً
وإيجاباً بالحالة الأمنية. فانعدام الأمن يؤدي إلى إهدار الموارد وعدم الاستفادة
منها، فهو يقضي على بعض الموارد البشرية عن طريق القتل، والقتل المضاد (الثأر)
خصوصاً في مجتمع قبلي. كما أنه يصرف بعض من كان يمكن
الاستفادة منهم في العملية الإنتاجية، نسبة لأن النهب أو السرقة أو التهريب أو
نحوها يجعلهم يفضلون هذه الأعمال على العمل المنتج، وذلك لسهولتها مقابل العمل
الإنتاجي كالزراعة. بالإضافة إلى الآثار السلبية لعمل كالتهريب على الاقتصاد، الذي
يساهم في إجهاض السياسة الاقتصادية للدولة، ويحرمها موارد مالية عن طريق الجمارك أو أي رسوم أخرى، فضلاً عن
أن ما يصرف على الأمن في حالة انفراطه– وهو كثير – يمكن أن يوجه لأي نشاط آخر. وهكذا
فإن عدم إهدار الموارد يؤدي إلى رفع الإنتاجية وزيادة الإنتاج، وبالتالي زيادة
الناتج المحلي والدخل القومي.
يؤثر سوء الأحوال الأمنية سلباً على
هيبة الدولة، وبالتالي يضعف قدرتها على تطبيق أنظمتها وتنفيذ سياساتها وخططها في
جميع المجالات، بما في ذلك المجال الاقتصادي. وضعف تطبيق الأنظمة وتنفيذ السياسات، يحيد بالدولة عن أهدافها
التي من أجلها وضعت تلك النظم والسياسات. يضاف إلى ما تقدم أن عدم تطبيق الأنظمة
وتنفيذ السياسات والخطط في المجالات الأخرى، من اجتماعية وسياسية.. الخ، يؤثر
سلباً على الناتج المحلي والدخل القومي، وغيرها من العناصر الاقتصادية وذلك لتداخل
هذه المجالات وترابط بعضها مع بعض.
وفي هذا الصدد تشهد وقائع التاريخ بأن
حزم الملك عبدالعزيز في تنفيذ الأنظمة، خاصة بحق من يخترق الأمن، كان له أثر كبير
في استتباب الأمن. يقول الزركلي "كان (يعني الملك عبدالعزيز) يغير على البدو
الباغين... تلك أمثلة قاسية ولكنها كانت درساً
نافعاً فقد قطع (الملك عبدالعزيز) عشرات من رؤوس اللصوص والقتلة، وأنقذ بذلك رؤوس
الألوف. والآن تسير الفتاة من طرف الجزيرة إلى طرفها الآخر، تحمل الذهب فلا يتطلع
إليها أحد"([10]).
اتخذ الملك عبدالعزيز عدة تدابير أثناء
توحيد المملكة وبعده، مستفيداً مما يترتب عليها من آثار في مجال الأمن. وتتمثل تلك
التدابير في تحضير البدو عن طريق توطينهم بالهجر، مما مكن من السيطرة عليهم ونشر
الخدمات، وخصوصا التعليم الذي بدأ نشره بواسطة العلماء، لتعليم البدو علوم الدين واتباع
ما أمروا به، واجتناب ما نهوا عنه مما يقلل من الميل للجريمة. بعث الملك عبدالعزيز
لسكان الهجر أيضا من يعلمهم الزراعة. التي وفر لهم آلاتها وسهل لهم امتلاكها. كما أنه أكثر من حفر الآبار
الارتوازية بوصفها مصدراً للماء، يفيد في
الشرب والزراعة. وهذا التدبير يسعى إلى إيجاد مصدر ثابت
للرزق، يرفع عن السكان الإملاق فيقضي على دافع
الحاجة في ارتكاب جرائم مثل السرقة والنهب ونحوها. وقد عضد هذا التدبير بتدبير آخر
هو إمداد سكان الهجر بالقـــوت الضروري عند شح المحصول الزراعي أو قحط المراعي.
جعل الملك عبدالعزيز– أيضا– شيوخ القبائل
زعماء مسؤولين عن أفراد قبائلهم، وخصهم بمنح عينية ثابتة، وأردف هذا التدبير بجعل
القبيلة كلها مسؤولة تضامنياً عن وقوع أي جريمة فيها أو في جوارها. بمعنى أنه ألقى عليها مهمة القبض على المجرم أو
إظهاره، وإلا أصبحت مسؤولة عن ذلك، وهذا يزيد كفاءة الكشف عن المجرمين والقبض
عليهم، مما يثبطهم عن ارتكاب الجرائم وتهديد الأمن.
إضافة لما تقدم فقد بدأ الملك
عبدالعزيز بإنشاء المؤسسات الأمنية مثل مديرية الأمن التي تأسست في 1344هـ/ 1925م([11])
بمكة المكرمة، وبعض المدن الأخرى. وعند صدور التعليمات الأساسية في21 صفر 1345هـ/
13 أغسطس 1926م أصبحت هذه المديرية مرتبطة بالنيابة العامة، وتعمل وفقاً للأوامر
والتعليمات الصادرة منها. وفي
1349هـ/ 1930م شكلت مديرية عامة للشرطة في مكة
المكرمة ترتبط بها جميع إدارات الشرطة. وفي
شعبان 1350هـ/ ديسمبر 1931م تم تحويل النيابة العامة لوزارة الداخلية التي صارت
المديرية العامة للشرطة تتبع لها. وفي 11 محرم 1347هـ/ 29 يونيو 1928م تم إنشاء
هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وبعد ضم الحجاز أنشئت دائـــرة المرافئ،
ومهمتها إصدار تراخيص للغواصين والحواتين وللسنابيك واستقبال البواخر القادمــــة إلى
الميناء والمسافرة منـــه وإجراء
معاملاتهـــا واستيفاء الرسوم المقررة عليها. وفي عام 1350هـ/ 1931م استحدثت
مديرية خفر السواحل ومركزها جدة، وقد ربطت بها مديرية المرافئ والدوريات البحرية
والبرية. وقد كانت هذه المديرية نواة للقوات
البحرية التي ترجع بدايتها لعام 1375هـ، كما تم في عام 1348هـ/1929م– أيضاً –
تكوين إدارة الأمور العسكرية، التي
كانت بمثابة النواة لتكوين الجيش النظامي الحديث.
توطين البدو الرحل:
الترحال هو شأن البدو – المرتبطين بالرعي – في بحثهم
عن الماء والكلأ، وقد تكرست هذه العادة في شبه الجزيرة العربية حتى صارت أسلوب
حياة قامت عليه كثير من القيم والتقاليد. يقول العبيد وعطية "وفيما يتعلق بفئة البدو فكانوا ينقسمون
إلى ثلاثة أقسام، البدو الرحل، فكانوا ينتقلون من مكان إلى آخر وراء الكلأ
والأسواق، وكانت مهنتهم الأساسية هي الرعي، ولذا كانوا يعيشون على لحوم الأغنام
والماعز وأقراص اللبن المجففة، وبالنسبة للبدو شبه الرحل، فإنهم كانوا يستقرون في
بعض المناطق بصفة شبه دائمة ثم يعودون إلى حياة الترحال في أي وقت"([12]).
وحيث إن الترحال يفرز مشكلات كثيرة على
الصعيد الاقتصادي والاجتماعي والسياسي، فقد كان
من سياسات الملك عبدالعزيز التنموية توطين الرحل، بما للاستقرار من إيجابيات كثيرة
تقابل سلبيات الترحال.
يساعد استتباب الأمن على الاستقرار
السياسي، الذي يشكل قاعدة مهمة للتنمية
الاقتصادية، كما أنه يسهل العملية الأمنية نفسها. فمراقبة المستقر أكثر سهولة–
وأقل تكلفة مالية– من مراقبة المرتحل الذي يستطيع الإفلات من الرقابة بيسر، وهكذا
يسهل منع الجريمة قبل وقوعها، والقبض على الجاني بعد وقوعها. وهذا ما ذهب إليه
العثيمين إذ يقول "برهنت الأحداث على
أن استقرار كثير من فئات البادية كان ذا ثمار عظيمة، منها أنه كان عاملاً كبيراً
في استتباب الأمن ورسوخه"([13])
وقد بينا آنفاً دور سيادة الأمن في التنمية.
وفي مجال التخطيط، يمكن الاستقرار الجهات المختصة من الحصول على
معلومات وإحصاءات دقيقة يستفاد منها في وضع الخطط. كما أن الاستقرار يقود إلى درجة
أكبر من الضبط والتحكم عند التنفيذ، للوصول إلى الأهداف موضوع الخطط في المجالات
الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والسياسية والأمنية.
إن توطين الرحل كان من المشروعات
المهمة في عهد الملك عبدالعزيز، خاصة أن الزركلي قدر البدو بحوالي 60% والحضر
بحوالي 40%([14])
من سكان المملكة آنئذ، مما يعني أن أكثر من نصف المجتمع كان في حالة عدم استقرار.
وقد بدأ تنفيذ هذا المشروع في 1330هـ/ 1912م([15]). وفي هذا
الخصوص يقول الفارسي "وضع عبدالعزيز خطة ذكية ذات مرحلتين، تتمثل أولاهما في
إيفاد دعاة إلى القبائل المختلفة لتعليمها مبادئ الإسلام الأساسية، وتشجيعها على
الاشتغال بالأعمال الزراعية، أما المرحلة الثانية فتتمثل في توطين البدو في
مستوطنات زراعية (تعرف بالهجر) أقيمت في نجد، وقد نجح أول هذه المشروعات وتلته
مشروعات أخرى كثيرة (60 مشروعاً)"([16]).
نفذ الملك عبدالعزيز برنامجاً في الهجر
لضمان نجاح مشروع التوطين والتحضير، تمثل في توفير آلات الفلاحة والزراعة لسكان
الهجر، مع تعليمهم طرق الزراعة وأساليبها. كما حفر المزيد من الآبار الارتوازية
زيادة لمصادر المياه، وذلك لاستيعاب البدو المجاورين للهجر في النشاط الزراعي.
وكان يمدهم– أيضاً – بالقوت الضروري عند شح المحصول أو عند القحط بالإضافة إلى
توفير الأمن.
فضلاً عن دوره في تنمية المجتمع، ودعم
القاعدة الإنتاجية في الزراعة، فقد أسهم توطين البدو في وضع الأساس للتصنيع،
والاستفادة من التجهيزات الأساسية، مثل الطرق التي كان من الطبيعي أن يراعى فيها
أن تمر بمصادر المياه، وما عليها من بنيات وما يصاحبها من خدمات، كان لها دورها في
التنمية الاقتصادية والاجتماعية بالمملكة العربية السعودية.
إنشاء التجهيزات الأساسية :
من اللبنات المهمة التي وضعها الملك عبدالعزيز لتطور الاقتصاد السعودي
إنشاء البنيات الأساسية، التي تهيئ لمباشرة الأنشطة الإنتاجية، مثل الطرق والجسور
والموانئ والسكك الحديدية والمطارات في مجال النقل، والبريد والبرق والهاتف في
مجال الاتصالات، والكهرباء والوقود في مجال الطاقة، والمياه والمدارس والمستشفيات
وغيرها في مجال الخدمات. وهي بالإضافة لتوفيرها تهيئ ظروفاً أفضل للإنتاج، تساعد
على تسهيل حياة الناس. ولأنها في الغالب لا تهدف إلى الربح، ولأن تكلفتها عالية،
فإن القطاع الخاص – الذي يهدف دوما إلى إحراز الربح – يحجم عن الاستثمار فيها، أو
لا يستطيع ذلك. لذا فإنشاء البنيات الأساسية يعد من صميم اختصاصات الحكومات.
إدراكاً منه لأهمية البنيات الأساسية، أعطى الملك عبدالعزيز هذا القطاع اهتماماً
كبيراً، مما هيأ لتطور كبير في قطاعات الإنتاج الأخرى.
ففي مجال النقل والمواصلات بدأ الملك
عبدالعزيز بربط أجزاء المملكة بعضها ببعض، مما كان له آثار إيجابية جمة، مثل تسهيل
التجارة وتنشيطها، وهذا بدوره ينعكس إيجاباً على الإنتاج الذي يجد مدخلاته بسهولة،
وتتسع سوقه بفعل سهولة المواصلات. وقد كان إنشاء الطرق هو المقدمة المنطقية
لانتشار السيارات، وتقليل تكاليف وقودها وصيانتها. بدأ الملك عبدالعزيز اهتمامه في
مجال الطرق بالأماكن المقدسة، حيث كانت أولى الطرق هي المنشأة بين جدة ومكة، ومكة
والمدينة، ومكة والمشاعر المقدسة. وهذا يعكس الاهتمام بالحج والحجاج، باعتبارهم
ضيوفاً على المملكة، وهذا جزء من الاهتمام بالمسلمين. فعمل الملك عبدالعزيز على
راحتهم وتسهيل أمور حجهم، بالإضافة إلى أن الحج كان أحد المصادر المهمة لإيرادات
الدولة، وأحد العوامل المنشطة للإنتاج والتجارة في منطقة الحجاز. أما السكك
الحديدية فقد نالت اهتمام الملك عبدالعزيز، حيث نشأت فكرة الخط الحديدي في أوائل
عام 1366هـ / 1947م لنقل البضائع المستوردة عن طريق الدمام. وعند عرض المشروع على
الملك عبدالعزيز طلب جلالته من شركة أرامكو أن تدرس إمكانية التوسع في هذا الخط،
ليصــــل إلى مدينة الرياض، وقد وصـــل الخط إلى الرياض، وافتتح في 20 أكتوبر
1951م، ويبلغ طوله 578 كم([17]).
وفي مجال النقل البحري اهتم الملك عبدالعزيز
بإنشاء موانئ جديدة، وتطوير القديمة، وذلك بهدف ربط المملكة بالعالم الخارجي،
فكانت موانئ مثل الدمام والجبيل وينبع. كما تم تطوير ميناء جدة ورابغ والليث…
إلخ.
وتعتبر الموانئ من أهم التجهيزات لدولة
مثل المملكة تعتمد بصفة كبيرة على الاستيراد والتصدير. وقد نظم الملك عبدالعزيز
أعمال تلك الموانئ، فجعل لها إدارات مسؤولة، كما أنشأ مديرية خفر السواحل، التي
تضمنت مسؤولياتها الحفاظ على أمن الموانئ ومكافحة التهريب.
وفي مجال الطيران فقد تم إنشاء إدارة
للطيران ألحقت بوزارة الدفاع، تحت اسم إدارة طائرات الخطوط السعودية. وتم شراء
أربع طائرات، كما تم تدريب عشرة طيارين بإيطاليا عام 1354هـ/ 1935م([18])،
ثم أوفدوا مرة أخرى لمصر للتدريب.
كانت هذه التدريبات نواة للخطوط الجوية
العربية السعودية، التي أدت دورها في ربط مدن المملكة بعضها ببعض، وبالعالم
الخارجي، كما ساهمت في نقل الحجاج.
ولتوسيع فرص التدريب أنشأت وزارة
الدفاع مدرسة للطيران بالطائف. ولحركة الطائرات أنشئ أولاً مطار جدة، ومطار
الحوية، ويبعد 28 كيلومتراً عن الطائف، ومطار الرياض، ومطار الخرج وهو مطار خاص،
ومطار الأحساء، ومطار الظهران، بالإضافة إلى حوالي 5 مطارات داخلية صغيرة تم
تجهيزها بما يلزم لحركة الطائرات.
وفي مجال الاتصالات أنشئت الإدارة
العامة للبرق والبريد عام 1345هـ([19])
وقد تضمنت أعمالها إرسال الرسائل والطرود، والبرقيات، والهاتف. وقد تم تزويدها
بأحدث المعدات في ذلك الوقت.
أما في مجال الطاقة فقد بذل الملك
عبدالعزيز عدة مساعي للتنقيب عن النفط، والذي كان له دور حاسم في الاقتصاد
السعودي. ففي عام 1923م([20])
منح الملك عبدالعزيز امتيازاً لشركة بريطانية، هي شركة التنقيب الشرقية، للتنقيب
عن البترول. ولكن لم توفق هذه الشركة، فتم إلغاء الامتياز في عام 1928م([21]).
وفي عام 1933م كلفت الحكومة السعودية السيد تويتشل أن يسعى للحصول على موافقة بعض
الشركات الأمريكية لمواصلة المساعي لاستخراج النفط. وقد نجح مسعاه في إقناع شركة
كاليفورنيا للزيت "ستاندارد أويل أوف كاليفورنيا" (سوكال) الأمريكية.
وقد تم توقيع الاتفاق مع هذه الشركة في مايو 1933م([22]). وكانت هذه
الشركة تعمل من خلال شركة كاليفورنيا العربية للزيت "كاليفورنيان أرابيان
ستاندرد أويل".
توجت الشركة جهودها بحفر بئر الدمام
رقم (1) في عام 1938م([23]).
وتدفق النفط الذي غادرت أولى شحناته المملكة في عام 1939م، وذلك بحضور الملك
عبدالعزيز. وبعد ذلك توالى اكتشاف آبار النفط. وقد واصلت الشركة العربية الأمريكية
للزيت (أرامكو) أعمالها حتى عام 1988م حيث اشترت الحكومة السعودية حصص الشركات
الأمريكية فيها لتصير شركة أرامكو السعودية. هذه هي قصة اكتشاف النفط الذي أحدث
أثراً كبيراً في اقتصاد المملكة بجميع نواحيه.
بالإضافة إلى ما تقدم، فقد أسس الملك
عبدالعزيز خدمات ذات أثر كبير على حياة الناس، وذات دور هام في رفع الإنتاجية،
وبالتالي زيادة الإنتاج، والارتفاع بمستوى المعيشة. ومن هذه الخدمات ما يمكن
اعتباره من البنيات الأساسية مثل الماء. ففي مجال المياه وسع الملك عبدالعزيز من
مجاري عين زبيدة، وزاد طاقة الخزانات والصهاريج، وقد سعى الملك عبدالعزيز لتوفير
المياه لجدة من عيون وادي فاطمة عن طريق أنابيب، كما مدت كثير من المدن بالمياه
مثل الرياض، والأحساء، والخرج.
وفوق هذا فقد حفر الملك عبدالعزيز آلاف
الآبار الارتوازية بالبادية. وكما أسلفنا فقد وفر الملك عبدالعزيز لسكان الهجر
المياه من أجل الشرب، والاستخدام في الزراعة. وهكذا يكون الملك عبدالعزيز قد
استخدم الماء وسيلة من وسائل تنفيذ برامج توطين الرحل. وقد بذل الملك عبدالعزيز
جهوداً كثيرة من أجل توفير الماء لمواطنيه، حتى أن اكتشاف البترول جاء مصادفة، إذ
إن البحث أصلاً كان عن مصادر الماء، والماء هو العنصر الأهم للزراعة بعد الأرض،
وقد كان توفيره تطويراً للزراعة. وفي هذا الخصوص استقدم الملك عبدالعزيز المهندسين
الزراعيين والجيولوجيين واختصاصيين آخرين من الخارج، لإجراء المسوحات والإعداد لتطوير
الزراعة. وقد توجت هذه المجهودات بإنشاء مديرية الزراعة في أبريل 1948م لتنظيم
الزراعة وتطويرها.
ويعد التعليم من أهم الخدمات، وذلك
لعلاقته المباشرة بتأهيل الفرد ورفع كفاءته، والذي تؤهله للمشاركة بفعالية أكبر في
زيادة الإنتاج بصفة خاصة، وفي التنمية بصفة عامة. وقد قام الملك عبدالعزيز بجهود
كبيرة لنشر التعليم بالمملكة فأنشأ الإدارة العامة للمعارف في 1926م. ونتيجة لهذه
الجهود فقد بلغ عدد المدارس النظامية في عام 1950م، 146 مدرسة، منها: 49 قروية،
و87 ابتدائية، و10 مدارس ثانوية. وتضم تلك المدارس 16029 طالباً، ويعمل بها 634
مدرساً، وقد زادت هذه الأعداد فبلغت في أواخر عهد الملك عبدالعزيز 326 مدرسة.
بالإضافة إلى هذا فقد تم إرسال بعض علماء الدين إلى الهجر لتعليم الناس الدين
الإسلامي، وأصول الكتابة والقراءة، ونحوها مما يحتاجه الإنسان. لقد أنشأ الملك
عبدالعزيز– أيضاً – ما بين عامي 1935م و
1939م عدد 14 كلية ومعهداً في مختلف التخصصات، كما قام بابتعاث عدد من المواطنين
للدراسة بالخارج. يرجع الفضل في قيام التعليم الأهلي إلى عهد الملك عبدالعزيز، حيث
بلغ عدد مدارسه في عام 1936م حوالي 17 مدرسة([24]).
كانت الصحة من المجالات التي اهتم بها
الملك عبدالعزيز، فأنشأ مصلحة الصحة العامة في عام 1925م([25])، كما تم
تقسيم البلاد إلى ست مناطق صحية. وبالإضافة إلى ذلك أنشئت الطبابة السيارة، والتي
تتنقل لتقديم الخدمات الطبية والإسعافية. أيضاً تم إنشاء المحاجر الصحية
"الكرنتينات" للسيطرة على الأمراض المعدية، وخصوصاً في مواسم الحج. كما
اعتنى بالطب الوقائي، ومكافحة الأمراض، بالقضاء على مسبباتها، مثل الملاريا،
والدسنتاريا، وما إليها.
ونتيجة للجهود المبذولة في حقل الصحة،
فقد وصل عدد المنشآت الصحية في عام 1949م إلى اثني عشر مستشفى، و25 مستوصفاً، و34
مركزاً صحياً حكومياً، بالإضافة إلى المنشآت الخاصة. وقد عمل الملك عبدالعزيز على
زيادة المرافق الصحية، كما عني بتطويرها وتنميتها لتخدم أفراد المجتمع تطبيباً
ووقاية، وهذا يؤدي إلى إنسان صحيح معافى وقادر على المشاركة في عملية التنمية.
إلى هذا فقد اهتم الملك عبدالعزيز
بمختلف شؤون الإنسان. فأنشأ البلديات لتنظيم المدن، وتقديم كافة الخدمات لها،
فضلاً عن اهتمامه بالثقافة العامة، حيث أنشأ المكتبات، والصحف، كما اهتم بالطباعة
والنشر، وقدم للكتاب من الدعم ما أسهم في ازدهاره.
هذه هي أهم جهود الملك عبدالعزيز في
مجالات البنيات الأساسية، وإنشاء قاعدة إنتاجية جعلت من الممكن البناء على أساسها
من أجل التطوير والتنمية الشاملة.
السياسة المالية للملك
عبدالعزيز:
بنى الملك عبدالعزيز دولته على أساس من
الشرع الإسلامي، الذي ينظم حياة الناس بكلياتها، ولم تخرج السياسة المالية عن هذه
القاعدة. واعتماده الشرع الإسلامي يعني التزامه بالأحكام المالية الشرعية،
وتطبيقها على هذه الدولة. ففي مجال الإيرادات العامة، نجد أن الزكاة كانت أحد
المصادر الرئيسة لها. وهي إحدى أدوات تحقيق العدالة الاجتماعية، إذ إنها تؤخذ من
الأغنياء لترد على الفقراء والمحتاجين، وفق النص القرآني الكريم. ومن مصادر
الإيراد، ما كان يكسبه من غنائم أثر حروبه من أجل توحيد المملكة، وقد قل هذا
المصدر إلى أن انتهى باكتمال التوحيد. ومصدر آخر من مصادر الإيرادات هو الرسوم
التي أمر الملك عبدالعزيز بإجراء دراسة حولها ضمن دراسة شاملة للإجراءات المالية.
وقد نتج عن تلك الدراسة صدور قرار يحدد أسعار بيع الطوابع، وقيم الطوابع على
المعاملات الرسمية، ويوحد المعاملات في الرسوم المستوفاة على المبايعات. ومن مصادر
الإيرادات– أيضاً – الضرائب، وكانت الحكومات التي سبقت الملك عبدالعزيز قد فرضت
ضرائب باهظة، أرهقت المواطنين وأضعفت نشاطهم الاقتصادي. مما حدا بالملك عبدالعزيز
لتخفيضها. فخفضت الضرائب على المبيعات من 5% إلى 2%، كما خفضت الرسوم على الوكالات
من 80 قرشاً أميرياً إلى 25 قرشاً أميرياً، والرسوم على الشركات من 5% إلى 2.5%.
بالإضافة إلى ذلك فقد ألغيت الكثير من
الرسوم على المواد الاستهلاكية. ومثل هذه السياســـة على الرغم من أنها تقلل
إيرادات الدولة من هذا المصدر، إلا أنها تضبط استيفاءها– من ناحية– فالضريبة
الباهظة تقود إلى التهرب من دفعها، ومن ناحية أخرى فإن تخفيض الضريبة يساعد على
تنشيط الأعمال التجارية، مما يشجع على زيادة الإنتاج من أجل مزيد من التبادل. وهذا
يرفع من الناتج القومي فتزيد إيرادات الدولة من المصادر الأخرى. ومن المصادر
الإرادية – أيضاً – الخراج الذي كان يأتي من بعض المناطق الغنية كالأحساء، والقصيم…. إلخ.
مع ازدياد الحاجة لزيادة إيرادات
الدولة، أجرى الملك عبدالعزيز مفاوضات مع بعض الحكومات والمؤسسات الأجنبية لتسهم
في الاستثمار بالمملكة، وقد نتج عن تلك المفاوضات عدد من المشروعات. ومن أكبر تلك
المشروعات التي هدفت إلى تنويع مصادر الإيرادات، مشروعات التنقيب عن المعادن،
والبترول. وهذه سياسة تجنب الدولة أخطار الاعتماد على مصدر واحد، أو مصادر قليلة
للإيرادات.
يعتبر الحج من المصادر المهمة
للإيرادات، وذلك عن طريق ما يدفعه الحجاج من رسوم، وعن طريق إنفاقهم كثيراً من
الأموال في مواسم الحج، مما يحرك النشاط الاقتصادي ويزيد بالتالي من إيرادات
الدولة.
هناك مصدر آخر للإيرادات، هو الاقتراض
من التجار، والأثرياء الذين تعاونوا مع سياسات الدولة في هذا المجال. والاقتراض من
التجار بديل للتدابير الاقتراضية التي تلجأ إليها الدولة من النظام المصرفي
مباشرة، أو الاقتراض من الجمهور عن طريق سندات الحكومة. وهذه هي سياسة التمويل
بالعجز التي تلجأ إليها الحكومات في حالة قصور إيراداتها العامة عن تغطية إنفاقها
العام، إلا أن الاقتراض هنا يأخذ بأسلوب القرض الحسن.
أما سياسات الإنفاق العام، فقد كانت
انعكاساً لمتطلبات المجتمع، وضرورات تثبيت أركان الدولة وتقدمها، وفي مقدمتها يأتي
الأمن، الذي خصص له جزء من النفقات العامة، وكذلك للشؤون الداخلية، والدفاع،
والشؤون الدينية والخارجية.
حظي التعليم الداخلي والبعثات
التعليمية بالخارج مثل مصر، وبريطانيا، وفرنسا.. إلخ، بجزء من اعتمادات الإنفاق.
بالإضافة إلى الإنفاق على الاستثمارات العامة. وكل هذه العناصر تؤكد الارتباط
الوثيق بين سياسة الملك عبدالعزيز في شتى المجالات، وبين سياسته المالية، التي
تعبر عن تلك السياسات وتسعى إلى تحقيقها.
أحد عناصر السياسة المالية للملك
عبدالعزيز، هو دعم الدولة لبعض النشاطات. والدعم سياسة إنفاقية لها كثير من
الأهداف، من بينها تمهيد الطريق لتنفيذ سياسات الدولة. يقول الزركلي عن الدعم الذي
قدمه الملك عبدالعزيز للبدو الرحل من أجل توطينهم "وفر لسكان الهجر آلات
الفلاحة والزراعة وسهل عليهم اقتناءها، واستكثر من الآبار الارتوازية فيها
لاستيعاب البدو المجاورين لها وانقطاعهم للزراعة، جعل لقبائل البادية سجلاً في
ديوانه، وسهل لكل منها سبل الاتصال به وبأمراء المقاطعات، وأسعفهم بالضروري من
القوت عند إصابة الغلة في أرضهم ببعض الآفات، وخص شيوخ القبائل بمنح موسمية أو
شهرية ثابتة من أرز وبر أو دقيق، وسكر، وبن، وغير ذلك مما يكفي لسد رمق القبيلة في
حالة قحط المراعي"([26]).
وهذا الدعم يتراوح بين دعم الإنتاج
الزراعي والرعوي، والدعم الغذائي الهادف إلى توطين الرحل، إضافة إلى إعانات
المؤسسات الخيرية، وبدل غلاء المعيشة وغيرها.
اعتمدت السياسة المالية آنذاك تقسيمات
إقليمية للميزانية– بشقيها الإيرادي والإنفاقي– حسب المناطق. فتم تشكيل مجلس بكل
منطقة لإقرار ميزانية المنطقة، وهو ما يعبر عنه بمبدأ تفويض السلطات للأقاليم، وهي
درجة من درجات عدم المركزية في إدارة الميزانية. وعلى منوال غير المركزية هذه تمت
الاستعاضة عن المجالس بلجان استشارية متخصصة تهدف إلى تقليل التدخل المباشر من قبل
الدولة، تسهيلاً لاتخاذ القرار وقضاء على الروتين.
هناك تقسيم آخر للميزانية الموحدة
للدولة، يقسم النفقات على جميع المصالح الحكومية وفق تقسيم إداري، يخصص فيه كل فصل
لمصلحة حكومية بعينها، وتقسم الفصول إلى مواد، والمواد إلى فقرات حسب نوع النفقة.
لتأكيد أن السياسة المالية للملك عبدالعزيز لم تكن جامدة، نجد أنه عند
استفحال الركود الاقتصادي العالمي في 1929م – والذي تأثرت به المملكة ضمن بقية دول
العالم – صدرت تعليمات بشأن الميزانية لتواكب ذلك الواقع، تمثلت في عدم جواز المناقلة
بين بنود الاعتمادات المالية، بالإضافة إلى تخفيض الاعتمادات بما يعادل 50% من
النفقات العامة، كما منع الملك عبدالعزيز خروج المعادن النفيسة من المملكة.
بناء على ما تقدم نصل إلى أن السياسة
المالية للملك عبدالعزيز كانت إحدى الركائز والأدوات المهمة للتنمية في البلاد،
وأساساً لما طرأ عليها من تطور مستقبلي، في محتواها وإجراءاتها.
تعتبر ميزانية الدولة من أعمدة السياسة
المالية. وهي خطة سنوية، تتحدد بموجبها إيرادات الدولة ونفقاتها بناء على أولويات
تحددها السياسة المالية. وعن طريق الميزانية تستطيع الدولة التنبؤ بإيراداتها،
ومصادر تلك الإيرادات حصراً وتفصيلاً،
وتخصيص نفقاتها بالتفصيل المضبوط، على
أساس السياسة المالية وما يتبعها من دراسات، وتضع أولويات للإنفاق الحكومي بما
يحقق المصلحة العامة. ويتم ذلك ضمن تبويب متواضع عليه، بما يحقق التوازن بين
الإيرادات والنفقات، أو تحديد ما إذا كان هناك فائض أو عجز بالميزانية، وكيفية
التصرف فيه ومعالجته.
في عام 1350هـ/ 1931م أصدر الملك
عبدالعزيز منشوراً، أمر بمقتضاه بوضع أول ميزانية للدولة، وذلك بعد الأزمة المالية
العالمية التي تأثرت بها المملكة وينص المنشور على الموجهات التالية:
1-
ضبط مصروفات الدولة، لتتوازن
والإيرادات الثابتة للدولة، ويكون ذلك وفق مصادقة جلالة الملك. وقد شملت المصروفات
رواتب الموظفين، وسداد الديون، والاحتياطي، والمصاريف غير المقررة "فوق
العادة".
2-
صرف الدخل غير الثابت في
موضوعه، مثل دخل الحج.
3-
تطبيق الشرع ومبادئ العدل
والإنصاف في جميع أعمال الميزانية.
كانت هناك محاولة لعمل ميزانية للدولة
في عام 1348هـ، ولكن الميزانية تقررت عام 1353هـ([27])، على حد قول
الزركلي ، ولكن تشير بعض المصادر إلى أن تاريخ أول ميزانية هو الأول من شعبان عام
1350هـ . وبلغت النفقات في تلك
الموازنة حوالي 14 مليون ريال، وقدرت الواردات بمثل ذلك. وكانت
"أولى مصادر إيرادات الدولة ما يؤخذ من الزكاة كزكاة الإبل والغنم من
البادية، وزكاة التمر والحبوب من الحاضرة. وثانيهما ما كان يغنم في المعارك مع
الخصوم، أو الغارات على من رفضوا الدخول في الطاعة"([28]) أضيفت إلى
المصدرين السابقين ضريبة "سميت ضريبة الجهاد أو الجهاد فقط"، وعندما لا
تكفي هذه الضريبة لسد تلك الاحتياجات كان يلجأ للاقتراض من أغنياء البلاد([29]).
ولما دخلت منطقة الأحساء والقطيف تحت
حكم الملك عبدالعزيز " استجد بدخولها مصدر آخر من مصادر الدخل؛ وهو جمارك
البضائع الواردة إلى موانئها… وبكمال دخول الحجاز تحت حكم الملك
عبدالعزيز سنة 1344هـ، انتهى، أو كاد ينتهي، المصدر الثاني من مصادر دخل دولته؛
وهو غنائم المعارك. ولكن حل محله مصدر آخر؛ وهو دخل الحج، إضافة إلى زكوات المنطقة
وجماركها"([30]).
بالنظر إلى بنود الميزانية الأولى، أول
شعبان 1350هـ إلى 30 رجب 1351هـ نجد أن ما يقارب 38% من نفقاتها خصصت للأمن، وما
يتعلق به من قضاء ونيابة. كما نجد أن 24% تقريباً خصصت للأجهزة الإدارية
والتنظيمية والتشريعية، بما فيها وزارة الخارجية التي حظيت بحوالي 1.5% من إجمالي
النفقات. وتقارب النسبة المخصصة للخدمات والرواتب المتنوعة 20% و1% على الترتيب.
كما بلغت النسبة المخصصة للحرمين الشريفين ولسداد الديون 2% و15% على التوالي.
توجيه أكبر حصة من النفقات – 38% خصصت
للأمن ومتعلقاته، يعني أن قطاع الأمن حظي بأولوية أولى في تلك المرحلة، لأهميته
البالغة للاستقرار والنمو الاجتماعي والاقتصادي.
يلي ذلك الأجهزة الإدارية والتنظيمية
والتشريعية، التي خصص لها نسبة 24% من النفقات العامة. وهذه نسبة كبيرة على الرغم
من أن تلك المؤسسات لم تكتمل، لكن هذه النسبة تجد مبررها في أن إيرادات الدولة
كانت قليلة، وأن اقتصادها كان ناشئاً، الأمر الذي تعكسه أيضاً نسبة النفقات
المخصصة للخدمات 20%. لذا فقد كانت الميزانية دالة على واقع الحال، بمعنى أنها
واقعية، وتتضح من خلالها أولويات الصرف التي تشير إلى محاولة ترقية هذا الواقع.
جدول (1–1): ميزانية الحكومة عن السنة المالية
من أول شعبان 1350 إلى 30 رجب 1351هـ(*)
|
قرش
أميري |
أبواب
الإنفاق |
|
000ر600ر6 |
المخصصات الملكية |
|
000ر500ر16 |
أقساط الدين |
|
000ر950ر12 |
الديوان الملكي والقصور وديوان
الخزينة |
|
000ر850ر3 |
قوات الحدود
|
|
000ر000ر22 |
حصة الحجاز في مصالح الدفاع |