في أول اجتماع لمجلس الوزراء بتشكيلته الجديدة سنة 1395هـ/1975م كان الملك
خالد – رحمه الله – يرأس الجلسة ، لا أزال
– حتى اليوم ، أذكر بوضوح العبارة التي
استهل بها حديثه إلى الوزراء الجدد : " اهتموا بالضعفاء أما الأقوياء فهم
قادرون على الاهتمام بأنفسهم " ، هذه العبارة الموجزة تصلح – في رأيي – مفتاحاً يمكننا من الدخول إلى عالم خالد بن عبدالعزيز الإنسان ، وخالد بن عبدالعزيز
الملك .
صراحة العبارة تعكس الصراحة النادرة التي كانت تميّز خالد الإنسان ، كان لا
يكره شيئاً بقدر مايكره الإجابات الملتوية ، وكان لايرتاح إلى إنسان يعتقد أنه يظهر غير مايبطن
، كم كنت أشعر بالرثاء للذين كانوا يعتقدون أنهم عن طريق المجاملة والتزلف يقتربون
منه ، لم يكونوا يضيعون أوقاتهم فحسب ، كانوا يوجدون لديه إنطباعاً
أبعد مايكون عن الإنطباع
الذي أرادوا إيجاده ، وبساطة العبارة تدل على العفوية الأسرية التي لمسها كل من
تعامل مع خالد الإنسان ، كان أبعد الناس عن التكلّف والتصنع ، وكان المتكلّفون
والمتصنعون – بفئاتهم وأنواعهم – أبعد الناس عن قلبه ، كان يكن نفوراً
شديداً من المغرورين ، إذا قال عن أحد أنه ( نافخ روحه ) كان لك أن تستنتج أنه لايكنّ لهذا الشخص أيّ احترام .
والعبارة الموجزة ذاتها تظهر لنا – بجلاء – فلسفة خالد الإنسان ، أهم مسؤوليات الحاكم – على الإطـــلاق – إقامة العدالة وإنصــاف المظلوم ، من هذا المنطلق نستطيع
– بلا عناء – تفهّم كل تصرفاته في الفترة التي مارس خلالها أعباء
الحكم ، كان حريصاً على أن يلتقي بالمواطنين كل يوم وأن يستمع بنفسه إلى شكاويهم ،
حتى عندما وهنت صحته في العامين الأخيرين من حياته وتعذّر اللقاء اليومي أصرّ على
تخصيص يوم في الأسبوع لمقابلة الناس ، رأيته أكثر من مرة يوقف السيارة عند مدخل
الديوان ليأخذ بيده رسالـــة من إمرأه واقفة عند المدخــل
، أخبرني مرة أن قصره يمتلئ – كل ليلة – بالنساء
المراجعات ، وأنه يحرص على قراءة كل عريضة بنفسه ، في المرات القليلة التي رأيته
فيها غاضباً كان سبب الغضب هو شعوره أن مظلمة وقعت على أحد .
هذا الحسّ العميق بالعدالة يمكّننا من فهم كل القرارات التي اتخذها في
الخارج والداخل ، كانت مناصرته للفسطينيين تنبع من اعتقاد
راسخ أن ظلماً فادحاً وقع بهم ، ظلماً يتعيّن عليه أن يبذل كل جهده لإزالته ، وكان
موقفه من قضية أفغانستان ينبع من نفس المنطق : لابُدّ من دعم شعب مظلوم اجتيحت
أرضه بغياً وعدواناً ، والنظرة نفسها كانت تحكم موقفه من كشمير ، لم تكن هناك
حسابات ربح وخسارة في موقفه من القضايا الإسلامية ، كان أي حيف يقع بالمسلمين في
أي مكان من العالم يمس مشاعره على نحو لايمكن لمن لم
يشاهده أن يتصورّه ، كثيراً مارأيت الدموع تترقرق في
عينيه وهو يستمع إلى أنباء كارثه ألمت بالمسلمين في هذا
الصقع أو ذاك .
لا أبالغ إذا قلتُ أنه لم يكن هناك فرق يذكر – في نظره – بين المواطنين وبقية المسلمين : السعوديون مسلمون ، والمسلمون يجب أن
يعاملوا معاملة السعوديين ، لم أر الملك خالد سعيداً كما رأيته بوم انعقدت القمّة
الإسلامية برعايته في مكة المكرمة ، ولم أره شقياً كما رأيته يوم احتلت مجموعة من
الغلاة الحرم المكيّ الشريف ، لم يكن للسياسة – بمعناها التقليدي – أي علاقة بالفرح أو بالتعاسة ، كانت سعادته نابعة من
شعور المسلم الفطري بالفرح ، وهو يرى شمل المسلمين يلتئم ، وكأن ألمه نابعاً من
نفور المسلم الفطري من أيّ عمل ينتهك حرمة المسجد الحرام .
الإسلام – في نظر الملك
خالد – يمثل نقطة البداية ونقطة النهاية ، كان
يؤمن إيماناً راسخاً أن الدولة السعودية تستمد شرعيتها من الإسلام ، وتستمدها من
الإسلام وحده، وكان يعتقد أن هذه الشرعية ستبقى مابقيت
الدولة متمسكة بالإسلام ، وأذكر في الصــدد
حواراً دار بينـــه وبين جلالة إمبراطور اليابــان الحالي – وكان وقتها ولياً للعهد – يزور رسمية . قال ولي عهد اليابان : "
أرجو أن يحدثني جلالتكم عن تاريخ أسرتكم المقدسة ". ورد الملك خالد على الفور
: " أسرتي ليست مقدسة ، أسرتي لاتختلف عن بقية
الأسر وقد أعزّها الله عندما تبنت دعوة الإسلام " . وأذكر حواراً مماثلاً
بينه وبين الرئيس الفرنسي ديستانج الذي سأله عن تاريخ
المملكة السياسي . قال الملك : " لم نحقق شيئاً بالسياسة ، كل ماتحقق بفضل الإسلام ، بدون الإسلام نحن لاشيء " .
هذا الحرص على الشريعة الإسلامية يقودنا إلى فهم الأولوية الكبيرة التي كان
يعلقها على موضوع الأمن ، لايمكن للإستقرار
أن يدوم إلا إذا أمن الضعفاء شر الأشرار . كان يتابع – شخصياً – أخبار كل جناية قتل ترتكب ، ولا يهدأ له بال إلا إذا عرف أن المجرمين قد
تم القبض عليهم ، لم آره يثور في وجه مراجعين إلا مرّة
واحدة : كان المراجعون يطلبون منه العفو عن مجرم أدانته المحكمة ، كان الملك خالد – بطبعه – رجلاً عطوفاً رحيماً إلا أن إنفاذ الحدود الشرعية
كان عنده فريضه دينية تعلو على أيّ اعتبار آخر .
وإذا كان الحس الإسلامي يمثل المنطلق الأساسي لقرارات الملك خالد الخارجية
والداخلية ، فإن العروبة كانت – بالنسبة له – جزأ لايتجزأ من وجوده ، شيئاً لصيقاً بالهوية ، لايحتاج إلى تنظير أو تفسير أو تبرير ، لم تكن نظرته إلى
العروبة تختلف عن نظرة القائد الموحد جلالة الملك عبدالعزيز
رحمه الله . يروي أمين الريحاني أنه كان يكلم الملك عبدالعزيز
عن العرب . عندما كرر الريحاني كلمة العرب قاطعه الملك عبدالعزيز
: " العرب ؟ حنا العرب ! " . في لقاء للملك خالد مع مسؤول عربي أخذ هذا
المسؤول يتحدث عن الواجبات القومية العربية على نحو كاد يتخذ شكل المحاضرة ؛ قاطعه
الملك خالد وقال : " نحن لا نحتاج إلى دروس في العروبة من أحد . نحن العرب
الحقيقيون " .
من هذا الحس العربي الغريزيّ انبثق سعية الدائب
إلى لم الشمل العربي ، وإلى بذل المساعي الخيّرة لتحقيق الوئام بين العرب . أذكر – هنا – المؤتمر الذي انعقد برعايته في الرياض
لتنقية الأجواء بين مصر وسوريا في منتصف التسعينات الهجرية ، استغنى الملك عن كل
الشكليات والمراسم واصطحب الرئيس أنور السادات والرئيس حافظ الأسد إلى غرفة في قصر
الضيافة وقال لهما : " ادخلا هنا بمفردكما ، وأغلقا الباب ، ولا تخرجا إلا
متفقين " ، بعد ساعات خرج الرئيسان يبشران الملك أنهما توصلا بالفعل إلى
اتفاق .
هذا الحس الديني العميق الممتزج بالروح العربية النقيّة هو الذي جعله يتخذ
الموقف المتصلّب الذي اتخذه من الرئيس أنور السادات على إثر زيارة القدس المحتلة ،
كان الزعيم المصري من أقرب الزعماء العرب إلى قلب الملك خالد حتّى قام بخطوته
المنفردة ، شعر الملك خالد بخيبة أمل عميقة إزاء رئيس مسلم عربي يزور أرضاً مسلمة
عربية واقعة تحت الاحتلال ، ويفعل ذلك في ( عيد المسلمين)، حتى بعد اغتيال الرئيس
السادات لم يغفر له الملك تلك الفعلة التي كان الملك يرى أنها : " جرحت مشاعر
المسلمين في كل مكان " .
وإذا كانت للملك خالد – كما رأينا – فلسفة واضحة
للحكم جوهرها الانتصاف للمظلوم ، فقد كانت له فلسفة إدارية واضحة مدارها التفويض
وتجنب الدخول في الجزئيات، بمجرد توليه الملك أصدر أمراً فوّض بموجبه ولي عهد
الأمير فهد ابن عبدالعزيز بإدارة كل شؤون الدولة ، كانت
العلاقة بين الملك وولي العهد نموذجية مشوبة بكثير من الحب والاحترام المتبادلين ،
كان ولي العهد حريصاً على أن لايتم شيء ذو بال إلا بعلم
الملك وموافقته ، وكان حريصاً على أن ينسب إلى الملك وحده الفضل في كل إنجاز تنموي
يتحقق ، وكان في الوقت نفسه يسعى إلى تجنيب الملك أعباء الإدارة اليومية ، من
جانبه ، لم يتخذ الملك أي قرار هام إلا بعد استشارة ولي العهد .
كانت توجيهات الأمير فهد للوزراء واضحة : أبلغوا الملك بكل الأمور الأساسية
ولكن لاتثقلوا عليه بالتفاصيل . وكان الملك خالد – بطبعه – لايميل إلى التعامل مع
قرارات يومية ، خصوصاً عندما تكون ذات طبيعة فنية ، كان يردد دائماً : "
الوزراء أدرى بعملهم " ، خلال اجتماعه مع رؤساء الدول الأجنبية – ضيفاً أو مضيفاً – كان يتجنب اتخاذ قرارات فورية في أي
موضوع يطرح للبحث . كان يقول : " ليجتمع الوزراء المعنيون أولا ، ثم نرى ماينتهون إليه " .
كان للبيروقراطيين نصيب وافر من تعليقات الملك خالد العفوية الصريحة . قال
مرة: " الوزراء يرفضون – على الفور – أي دعوة تجيئهم
من الحبشة أو الصومال أو بنجلاديش ، أما إذا وصلت الدعوة
من أمريكا أو بريطانيا أو فرنسا فما أسرع ما يبرقون مقترحين قبول الدعوة ".
وقال مرة : " المسؤولون يرددون في كل مناسبة : تعبنا من العمل ونريد الراحة ،
حتى إذا أعفى الواحد منهم من منصبه أن أنين الناقة التي فقدت صغارها " .
وكثيراً ماسمعته يتندر من العقلية البروقراطية
التي تصرّ أن تكتب ( سري جداً ) على أشياء أبعد ماتكون
عن السرية . قال مرة :" لم أر أعجب من هؤلاء الناس؛ يجمعون أشياء سبق أن نشرت
في الصحف وأذيعت من الإذاعات ويعتبرونها أسراراً " . ولم أخل أنا من نصيبي من
هذه التعليقات ، في بداية تكليفي بوزارة الصناعة والكهرباء أدليت بتصريح قلت فيه :
إن إصلاح الخدمات الكهربائية على نحو جذري شامل يحتاج إلى مدة زمنية لاتقل عن خمس سنوات . عندما رأيت الملك بادرني : " اعرف
الهدف الحقيقي من التصريح ، تريد أن تضمن لنفسك خمس سنوات في الوزارة " .
هذا البعد عن القرارات اليومية لم يكن يقطعه إلا شعوره أن الضعفاء – الذين كان يعتبر نفسه نصيرهم الأول – في حاجة إلى تدخله ، في هذه الحالات – وحدها – كان يحرص على أن يتلقى من الوزير المعني كل التفاصيل
، وكانت هذه الحالات – في مجملها – تتعلق بحقوق من نوع أو آخر في ذمة
الدولة للمواطنين، سواء كانت معونات أو قروضاً أو تعويضات ، كان إيصال الخدمات
العامة إلى المناطق النائية المحرومة منها أمراً من الأمور التي تستأثر باهتمامه ،
كان سروره بالغاً عندما يخبره الوزير المختصّ أن الهاتف وصل إلى تلك القرية ، أو
أن الكهرباء دخلت هذه الهجرة ، أو أن مستشفى افتتح في هذه المدينة .
الذين عرفوا خالد بن عبدالعزيز قبل الملك وعرفوه
بعده يجمعون على أنه لم يتغير بعد الملك على الإطلاق ، ويجمعون على أنه تغيّر بعده
تغيّراً كبيراً ، هذه الإشكالية تتضح عندما نذكر أن الإنسان لم يتغير قيد شعرة ،
إلا أن المُلك ألقى على كاهل الإنسان مسؤوليات ضخمة تقبّلها بجديّة مطلقة ، لم
يتغير شيء في الإنسان العفوي البسيط الصريح المتواضع ، إلا أن هذا الإنسان تقبل
أعباء الملك الكثيرة ، وتقبّلها على علاّتها ، الرجل
الذي لم يقم بزيارة رسمية واحدة خلال عقد من الزمان تولى أثناءها ولاية العهد وجد
نفسه بعد الملك مشغولاً بزيارة رسمية بعد أخرى ، ضيفاً ومضيفاً ، الرجل الذي كان
قليل الجلد على الأوراق والتقارير وجد نفسه بعد الملك يقضي الكثير من الوقت مع
الأوراق والتقارير ، الرجل الذي لم تستهوه المباحثات والمفاوضات وجد نفسه بعد
الملك في غمار المباحثات والمفاوضات ، حتى عندما أخذت صحته تتدهور ظل حريصاً على
أن يقوم بكل الواجبات الرسمية التي يفرضها منصب رئيس الدولة ، سمعته مرة يقول : "
لاينبغي لإنسان عاقل أن يطلب الحكم ، ولاينبغي لإنسان عاقل يجيئه الحكم أن يفرط في تبعاته " .
كان خلال قيامه بالواجبات الرسمية حريصاً على أن يقوم بها على نحو لايزعج الآخريـــن ، ( الناس
، حسب تعبيره ) كان قبــل كل زيارة رسميــة يقوم بها يطلب من المراسم
الملكية أن ترتبها على نحو يتلائم مع ظروف المضيفين قبل
ظروفه هو ، وكان عندما يعود إلى المملكة يحرص على العودة في وقــت يريح ( الناس )
المستقبلين ، حتى إذا تطلب هذا موعداً غير مريح للإقلاع .
أخبرني طبيب الملك خالد الخاص مرة أنه لم ير في حياته كلّها إنساناً أكثر
جلداً على الألم وأقل إظهاراً له من الملك ، كان إيمانه
العميق يقود إلى تقبل كل ما قدرّه الله عليه برحابه صدر ، لم يشعر قبل أي عمليه من
العمليات الجراحية الدقيقة الثلاث التي أجراها بأي قلق أو توجس . كان يقول : "
لايموت الإنسان إلا في يومه ، ولاداعي
للخوف من المقدور". أذكر أنني زرته
في لندن قبل العملية التي كانت ستجري في مفصل الساق في اليوم التالي ، عندما استأذنت
في الخروج قال ببساطة متناهية : " اقترب لأودعك . قد لا أراك بعد العملية " ، في مرضه الأخير نصحه أطباؤه بالبقاء في الرياض إلا
أنه أصرّ على السفر في الموعد الذي حُدّد من قبل لانتقاله إلى المنطقة الغربية ،
عندما وصلت الطائرة إلى مطار الطائف نظر إلى الأطباء وقال : " أرأيتم ؟ سافرت
ولم يحدث شيء ". وأضاف يمازح الحاضرين : " الذين يستمعون إلى أوامر
الأطباء لايقلون جبناً عن الذين يستمعون إلى تعليمات
زوجاتهم ". شاءت إرادة الله عز وجل أن يموت صبيحة اليوم التالي لوصوله ،
استقبل الموت كما استقبل كل حدث في حياته باطمئنان عميق وإيمان أعمق .
اقتضت ظروف العمل الوزاري ومتطلباته أن احتك بالملك خالد احتكاكاً يومياً
على مدى سبع سنوات ، إلا أنني عندما أفكر فيه الآن ، بعد مرور هذه السنين على
وفاته ، لا أفكر في العمل وظروفه ومتطلباته ، أجد أفكاري كلها منصبّه على تلك
اللمسات الإنسانيـــة الثريـــة التي لاحظها كل من تعامـــل شخصياً مع الملك خالد
، هذه اللمسات التي جعلت منه رجلاً يسهل على من يراه أن يحبّه ويصعب – أن لم يستحــل – أن يكرهه .
كان من المُقرر أن أرافق الملك خالد في زيارة رسمية إلى دول الخليج إلا أن
إرادة الله شاءت أن يموت أبي – رحمه الله – قبل بدء
الزيارة . بدلاً من مرافقة الملك إلى الكويت التي استهل بها الزيارة اضطررت إلى
السفر – مباشرة – إلى البحرين حيث توفى أبي لحضور الدفن والعزاء ، كنت
في مطار البحرين ضمن مستقبلي الملك القادم من الكويت ، رغم الازدحام والمراسم كان
عزاؤه أكثر من مؤثر ، قال : " كنت أعد مفاجأة ، كنت أنوي الانتقال من المطار
إلى بيت والدك مباشرة ، كنت أنوي أن أزوره قبل أي عمل آخر أقوم به في البحرين ،
ولكن لا راد لقضاء الله " .
تركت لفتة الوفاء الحانية هذه نحو أبي في نفسي أثراً لايُمحى
على الأيام . من ناحـية أخرى ، كان تعامله الأبوي مع ابني سهيل تجربة لاتنسى ، أصر سهيل – وكان وقتها في الثامنة – أن اصطحبه لزيارة الملك ، كان الملك في جدة وذهبت إليه في قصره أهنئه
بالعيد ، وأخذت سهيل معي ، كان الملك خالد يحب الأطفال حباً جماً ، ويعرف كيف
يتعامل معهم كان يقصّ علينا كل يوم قصة طريفة جديدة عن أحفاده ، عندما سلّم عليه
سهيل قبله ثم تجاهله نهائياً بضع دقائق عندما شعر أن سهيل تمكن من استرداد روعه
والشعور بالاطمئنان ، بدأ يحاوره عن المدرسة والدروس ، ثم قال له : " ماذا
تريد أن تشرب ؟ . قال سهيل على الفور : بيبسي ! ، كنا في الصباح ، وسأله الملك :
ألا تريد شايا ؟ قال سهيل : لا . عاد الملك يسأل : ألا
تحب الشاي ؟ ، ورد سهيل : أحب الشاي ولكني أريد بيبسي الآن ، أمر الملك خالد
بإحضار البيبسي ، سرعان ماتبين أن القصر يحتوي على عدة
أنواع من المرطبات ليس من بينها البيبسي ، عاد الملك يسأل سهيل : هل تريد سفن أب؟ ،
ورد سهيل : أريد بيبسي ! ، سأله الملك : ألا تريد عصير البرتقال ؟ ، وأجاب سهيل :
أريد بيبسي ، فشلت كل نظراتي وحركاتي في جعل سهيل يغيّر موقفه ، ضحك الملك وأمر
بإحضار البيبسي من خارج القصر ، ذهبت سيارة وعادت بعد حين بالبيبسي من صندقة في
الحيّ ، كان سرور الملك بحضور البيبسي أعظم بكثير من سرور ضيفه الصغير ، عندما
غادرنا القصر كنت أوشك أن أوبّخ سهيل عندما تذكرت الحكمة التي تقول : " لاتكن ملكياً أكثر من الملك " ، لم يشعر الملك بأي حرج ،
حقيقة الأمر أنه كان معجباً بثبات ضيفه الصغير على موقفه ، فلا مُبرّر لأن أشعر
أنا بالحرج ".
ذات يوم في مجلس الملك خالد بالرياض تطرق الحديث إلى الضبّ ، قلت : "
لا أعرف كيف يستطيع أحد أن يأكل حيوناً ينتمي إلى فصيلة الزواحف ولايكاد شكله يختلف عن التمساح " . استمع الملك باستغراب
ولم يقل شيئاً ، بعد هذه الحادثة بعدة أسابيع كنت أزوره في مخيمه – وهو في المقناص
– على مائدة العشاء ، وجدت أمامي طبقاً
حرص الملك على أن أتذوقه ، كان الطعام الذي يحتويه الطبق لذيذاً وسرعان ما أتيت
عليه ، سألني الملك : هل أعجبك ؟ ، قلت : جداً ! ، قال : هل تعرف ماهو ؟ قلت : طعام
بحري . أعتقد أنه لوبستر ، ضحك الملك وقال : لوبستر في البر ؟! هذا لحم الضب الذي يشبه التمساح
، والذي كنت تستغرب كيف يمكن لأحد أن يأكله . بعدها كنت أرجو الملك قبل كل
زيارة أن يكون طبق الضب ضمن أطباق المائدة ، في النهاية
قال لي : " ليتني لم أدلك على لحم الضب ، أنت تتمتع به وأنا أعاني في الحصول
عليه من أجلك " . أهم من الوجبات اللذيذة كان الدرس الذي لاينسى:
لاتذمّ شيئاً تجهله ".
لم يكن الملك خالد يشعر بالسعادة الحقيقية إلا أثناء المقناص
، في أعماق الصحراء ، بعيداً عن الهموم والرسميات ، كان يصحو قبيل الفجر ، ويقطع
النهار كله في القنص ، ولايعود إلا مع الغروب . كان
يقطع في اليوم الواحد – أحياناً – أكثر من مائتي
كيلو متر ، في مناطق صعبة مليئة بالتلال والرمال ، ومع ذلك لم يكن يحس بأي عناء .
في المخيّم – ونيران الموقد تبدد برد الليل وفناجين
القهوة تدار – كان خالد الإنسان ينطلق على سجيته مع
إخوانه وخاصته في مسامرات رائعة ، لايمكن لمن حضرها أن
ينساها مهما امتد به العمر .
والحديث عن المقناص يقودي
إلى الحديث عن هوايات الملك الأخرى . أدت هذه الهوايات ، دون قصد منه أو تخطيط – إلى نتائج تنموية غاية في الإيجابية .
الناس – في كل زمان ومكان – على دين ملوكهم ، وسرعان ما أصبحت
هوايات الملك هوايات مجموعات متزايدة من المواطنين ؛ اهتمام الملك بتربية الإبل
أدى إلى انتشار اقتناء الإبل في كل زمان ، ولعه بالخيل ماجعل
من الفروسية هواية الكثيرين المفضّلة ، اهتمامه بالزراعة – وبالنخيل بالذات – حول إعداداً كبيرة من الناس إلى مزارعين ، والجهود
التي بذلها لجمع قطيع من المهاة العربية المنقرضة ( الوضيحي ) كانت نواة الجهد المنظم الذي بدأته الدولة لحماية
الحماية الفطرية .
تولى الملك خالد أعباء الحكم سبع سنوات شهدت تنفيذ الخطة الخمسية الثانية
وبداية الخطة الخمسية الثالثة ، حققت المملكة في هذه الفترة منجزات تنموية مذهلة
غيرت وجه الحياة ، هذه الثورة التنموية حوّلت المملكة من مجتمع الأغلبية الفقيرة
إلى مجتمع تمثل الطبقة الوسطى أغلبيته ، وشهدت المنطقة العربية في هذه الفترة احداثاً جساماً منها مامضى بخيره
وشره ، ومنها ما لاتزال آثاره معنا حتى الآن ، عبر هذه
التطورات الهائلة – في الداخل
والخارج – ظل الملك خالد ، في الداخل والخارج ،
يمثل – بملامحه الرضية وابتسامته المشرقة – الرمز القريب إلى القلوب ، الرمز
الإسلامي ، الرمز العربي، الرمز الإنساني .
رحمه الله رحمة واسعة وجزاه عن الإسلام – الذي اتخذه منهجاً ودستوراً ،
وعن المسلمين الذين أحبهم وأحبوه – خير الجزاء .