المقدمـــة:
منذ فترة ليست بقليلة ، فكرت في إعداد
مؤلف تاريخي لسيرة الملك سعود بن عبدالعزيز – يرحمه الله – ، لقد تداعت لي الفكرة
لأنه وإن توارى تحت التراب ، إلا أن معطياته
مازالت باقية فخلودها واستمراريتها إلى اليوم أكدت حسن إعدادها وتنفيذها. فدوره
ومساهمته في تأسيس ووحدة البلاد بجانب والده يعد محور حديثنا في هذا البحث.
ورأيت أن من الإنصاف أن نكرم الملك
سعود بما يستحقه من تكريم ، فما أجمل أن نكرم من قدم لبلده الكثير وعمل على نمائها
، والأجمل أن تكون ترجمتنا لما يستحقه بسرد الأحداث وتدوينها دون نقص أو زيادة ،
وحين الإعلان عن مؤتمر"المملكة العربية السعودية في مائة عام" سنحت لي
الفرصة لأتقدم ببحث عن والدي – رحمه الله – مستعينة بعد الله بما لدي من مراجع
علمية ووثائق محلية وأجنبية ، جمعتها بنفسي بمدة ليست بقصيرة ، إضافة إلى تزويد الأصدقاء لي ببعض المراجع .
لقد كان سعود من أبرز شركاء أبيه
ومساعديه في إنشاء وأعمار المملكة ، إلى أن وصلت إلى شكلها الحالي كنموذج لدولة
حديثة وعصرية وفي فترة زمنية قياسية .
لقد حاولت جاهدة سرد الأحداث وتدوينها
بعيداً عن تداخلات ومؤثرات عاطفة الابنة تجاه أبيها، تناولتها بتجرد ، واتبعت فيها أسلوب البحث
التاريخي ، معتمدة أسلوب الحيطة والحذر
وأنا استعرض معطياته وإنجازاته ، باعتبار أن ما يُبحثُ ويدونُ رصيدٌ يجب أن نحافظ
على سلامته دون أخطاء.
لم أتعمد رفض أي حقيقة ورد ذكرها في
الوثائق والمراجع ؛ لأن من حقه أن نتعامل مع ما قدمه من أعمال بالدراسة والبحث
والنقد والتقييم .
لقد سبقت أدوار وأعمال الملك سعود فترة
حكمه ، بل أن أعماله كانت سابقة لمرحلة توحيد الجزيرة ، فهو ابن موحد الجزيرة
الأكبر بعد وفاة شقيقه الأمير تركي ، كما
أنه الفتى الذي تزامن يوم مولده استعادة والده مدينة الرياض ، ورافق والده في
حروبه بعد أن شب وقاد الجيش في العديد من فتوحات والده ، وساهم في لم شمل القبائل
المتنافرة ، وفي كسب ألد الأعداء بالمودة والحسنى ، وتلك ميزة قدّرها والده له ،
ورأى أن فيها تدعيماً لأهدافه .
وعند تنصيبه ولياً للعهد أدى دوراً
بارزاً بصفته الرجل الثاني في الدولة بعد والده ، وأسندت له العديد من المهام
الداخلية والخارجية ، وانفرد بقرارات وسلطات فوضها له والده لإدارة شؤون البلاد
إدارياً ومالياً وعسكرياً ، ومثّل والده في العديد من الزيارات الخارجية لعقد
الاتفاقيات الدولية في مراحل سياسية عالمية حرجة.
لقد كانت مرحلة حكم الملك سعود بن عبد
العزيز كملك للبلاد بعد والده من أصعب المراحل التي يمر فيها ملك ، فسعود الابن
الأكبر بصفته خليفة والده في الحكم ، جعله في موقع مقارنة الخليفة بالمؤسس طوال
فترة حكمه ، كما أنه بدأ عهداً اختلفت فيه السياسة الدولية اختلافا جذرياً عن سابق
عهدها ، وأصبحت القوة الاقتصادية تفوق القوة السياسية والعسكرية ، وتطلع إلى
التنمية، وأصبحت بالنسبة له مطمحاً وغاية تستلزم إحداث تغييرات في الأنظمة السابقة
، وتطلبت أيضاً الانفتاح على العالم الخارجي وبصورة أوسع لاستيراد ما تحتاجه
التنمية الاقتصادية في المملكة ، والتي كانت تُعامَل بحذر في عهد الملك عبدا لعزيز
، ووجد ذلك الانفتاح مؤيدين ، ومنهم من استنكر التعامل معها خاصة من المتحفظين في
إقامة جسور من التعاون مع الدول الغربية.
كما أن العالم الخارجي كان ينظر إليه
كزعيم إسلامي ، خليفة لوالده الملك عبدالعزيز الذي وحد قبائل متنافرة متقاتلة
يعتمد معظمها على السلب والنهب ، وقطع الطرق ، وانتهاك حرمة الحجاج وسلبهم،
وحَّولها إلى مجتمع إسلامي متآخٍ ، وكانت العقيدة طريقه وأسلوبه في التوحيد ،
وجمعهم تحت كلمة لا إله إلا الله محمد رسول الله.
ولعل خلافته للزعامة الإسلامية بعد والده أضافت إلى مسؤولياته المحلية
مسؤوليات إقليمية وإسلامية أكبر ، فكان يفكر مرة بأسلوب والده ، ومرةً أخرى تفرض
عليه الظروف المتلاحقة والسريعة في التطورات قرارات تختلف عن ما سبقها في عهد
والده، في عصر شهد ظهور التكتلات ، والتي قـد تتعـارض أو تتفـق في الأهــداف
والاتجاهات والعقائد والمصالح ، وأصبح يُنظر له كزعيم إسلامي وزعيم لأكبر قوة
اقتصادية عربية وإسلامية ، كل تلك الظروف واجهها الملك سعود – رحمه الله – في حكمه
بعد أبيه، إلا أنه كان يعمل وبجهد بالغ لمصلحة بلده وأمته العربية والإسلامية،وكان
حريصاً على عدم التخلي عن المبادئ التي نشأ عليها وآمن بها طوال فترة حياته ،
بدءاً بالمساعدة لوالده في توحيد وتأسيس المملكة
، مروراً بولايته للعهد ، وانتهاء بحكمه للبلاد حتى وفاته .
لقد كان الإخلاص والتفاني والإنجاز
المتواصل والسريع منهجه في العمل ، ولم تنطفئ في وجدانه شعلة العطاء لمصلحة بلده
تأكيداً لما وعد شعبه به عند تولي الحكم. ولم يكن التفاني في العمل ميزته البارزة
فقط ، بل أن الإنسانية كانت سمته ، وكانت كلمة الخير ومدلولها المنفذ والطريق
للعبور إلى أعماق قلوب الشعب، واستشعرها فيه الملك عبد العزيز طيب الله ثراه
مراراً وفي مواقف كثيرة قبل و بعد التوحيد ، فقد رأى أن النوايا الطيبة هي أحد
أساليب ابنه سعود لمد جسور التعاون مع الناس في سياسته الرامية للم شمل القبائل
وتوثيقها ، ورأى فيه منفذاً إنسانياً عرف من خلاله كيف يحتويهم بالحب والعطاء ،
واندفع بما في نفسه من إنسانية رائعة مستشعراً بحبه واقع الضعفاء ، وتلمس
احتياجاتهم ورغباتهم ومواطن شكواهم في كل زياراته للمناطق في فترة حكم والده ، ثم
في فترة حكمه .
إن مساهمتي المتواضعة في تقديم هذا
البحث وفي هذه الفترة القصيرة واجهتها بعض الصعاب في جمع المعلومات من المراجع
المحلية ، إلا أنه وبحصولي على العديد من المراجع الأجنبية والعربية ، وجدت أن في
تاريخ الملك سعود إنجازات لم تُدوّن ومساهمات قل ماكُتب عنها ، فتسجيلها خلال فترة
حكمه وما سبقها لم تكن من همومه ، حيث كان يرى نفسه خادماً لدينه ثم لأبيه ووطنه .
ويحدوني الأمل في أن تكون بدايتي في
هذا البحث الشامل والمختصر تشجيع للمؤرخين والباحثين من أبناء الوطن لتناول
الجوانب المتعددة في مرحلة حكم الملك سعود ، وإنجازاته على الأصعدة المحلية والعربية
والإسلامية ، فمن الواجب أن ننصفه ونعطيه حقه في التدوين والتوثيق لإنجازاته لوطنه
ولخدمة المواطنين ، مستخدمين المعايير المتلائمة والمتطابقة مع قيم وسلوكيات ذلك
العصر ، وإذا وفقنا في مساعينا هذه نكون قد أدينا جزء من واجبنا تجاه بلادنا
وتاريخها .
الخلفية التاريخيــة لآل سعود قبل فترة استعادة الملك عبد
العزيز للرياض (1308 – 1319هـ الموافق
1891 – 1902م ):
إن بداية البحث التاريخي عن الدولة
السعودية يتطلب منّا الحديث عن الإمام عبدالرحمن بن فيصل بن تركي آل سعود أحد
الأقطاب المؤسسة لها .
لقد نشأ الإمام عبد الرحمن في نجد ،
التي نشأ فيها آباؤه وأجداده وتحديداً في مدينة الرياض قلب نجد ورمزها ، كما أن
حياة الإمام عبد الرحمن تمثل حلقة وصل بين الدولة السعودية الثانية والتي انتهت
عام 1308هـ / 1891م ، والدولة السعودية الثالثة والتي بدأت عام 1319هـ /1902م ،
وعاصر فترتين وجدت كل منهما في ظل ظروف محلية وإقليمية وعالمية متوترة.
وخلال هذه الفترة كانت الجزيرة العربية
مقسمة ، يحكمها شيوخ ، وتضم قبائل متنافرة في تنافس وحروب مستمرة، ومحاولة للسيطرة
وبسط النفوذ من الدولة العثمانية والتي حكمت مدة تنيف عن الأربعة قرون، في الوقت
الذي بدأت تظهر عليها علامات الضعف والهوان بسبب محاولات الإمبراطورية البريطانية
استغلال الظروف والتحضير لمزيد من التوسع
والهيمنة على أهم المناطق الإستراتيجية في العالم وهو العالم العربي الذي
يربط بين مصالحها في الشرق والغرب .
وكانت بعض مناطق الجزيرة العربية كحائل
والقصيم والحجاز لا تزال تحت النفوذ العثماني، كما وأن بعض مشيخات الخليج تحت
السيادة البريطانية ، أما قلب الجزيرة العربية فكان لا يزال بعيداً عن الأطماع
السياسية لتلك القوى في المنطقة لفقره ، وبعده عن مسرح الأحداث ومراكز القوى
المتصارعة .
ووجد الإمام عبد الرحمن نفسه – وهو
أصغر إخوته ، وكان سنه آنذاك أربعين عاماً – صاحب الزعامة للعائلة في الرياض بعد
وفاة أخيه الإمام عبد الله بن فيصل سنة 1307هـ / 1889م ، وكتب الإمام عبد الرحمن
للأمير محمد بن رشيد ( زعيم قبيلة شمر وأمير حائل ) رسالة يطلب منه سحب ممثله فهاد
بن رخيّص لسوء أسلوبه في التعامل مع الأهالي دون أن يشير إلى وضع بديل عنه ، وقام
محمد بن رشيد بتعيين سالم السبهان والذي عُرف بشراسته ، وقد توجس الإمام عبد
الرحمن شراً من هذه البادرة غير المتوقعة و حاول أن يستبق الأحداث ويلقي القبض على
سالم السبهان في مناسبة عيد الأضحى ، ولكنه لم يتمكن من ذلك بسبب فراره ، وفي
مصادر أخرى ذُكر بأنه تم إلقاء القبض عليه ثم الإفراج عنه بعد مفاوضات لاحقة. (1)
كما ثار أهالي القصيم وطلبوا من الإمام
عبد الرحمن الإمدادات العسكرية مقابل
الاعتراف بالولاء له ، إلا أن محمد بن رشيد حاصر الرياض لمدة أربعين يوماً ،
وانتهت المحاصرة بالصلح ليعود الوضع كسابق عهده ، وكانت مساعي التسوية هذه هي أول
محاولة يشارك فيها عبدالعزيز بن الإمام عبد الرحمن ، ولعب عبد العزيز أول دور
سياسي له في عقد هذا الصلح ، ولم يدم الصلح طويلاً ، وقام الإمام عبد الرحمن بعدة
محاولات لتجميع القوى وواجه مصاعباً لم تمكنه من مواجهة ابن رشيد ، خاصة بعد أن
سمع نبأ فشل أهالي القصيم بتمردهم على آل رشيد وهزيمتهم في معركة المليداء 1308هـ / 1891م ، والذي لم يتمكن من المشاركة
فيها ، فأضطر إلى مغادرة الرياض مع عائلته ، ومعه
ابنه عبد العزيز ، وكان حينذاك في الخامسة عشرة من عمره ، تاركاً أخاه محمد
في الرياض. ثم عاد الإمام عبدالرحمن ودخل الرياض ثم واجه ابن رشيد عند حريملاء ،
وانهزم وغادر المنطقة بأسرته إلى نواحي الأحساء .
وبينما هو في انتظار الرد من الشيخ عيسى
بن سلمان آل خليفة حاكم البحرين للسماح له
بترك أسرته لديه مكث في صحراء
شرق الجزيرة العربية يترقب الأحداث ثم أتته الموافقة بناء على شفاعة حافظ
باشا المتصرف العثماني للأحساء على
الإقامة حيثما يشاء في المناطق الخاضعة للنفوذ العثماني ، عندها استقر رأيه على
الإقامة في الكويت ، بعد أن رُفِضَ طلبه الأول ، وحددت له مساعدة شهرية من
العثمانيين ، وقد كان اختيار الإمام عبد الرحمن للكويت لكونها المكان الأنسب
لمراقبة الأحداث والتطورات السياسية في نجد والمناطق المجاروة لها ، وكانت الكويت
في ذلك الوقت تحت إمارة الشيخ محمد الصــــباح الذي قُتل فيما بعد مع أخيه جراح
على يدي أخيهما مبــارك سنة (1312هـ /1894م) (2).
ثم توفي محمد بن رشيد في (1316هـ /
أواخر 1897م) وتولى مكانه ابن أخيه عبدالعزيز بن متعب بن رشيد .
وفي ظل تلك الظروف القاسية التي كانت
تواجه أسرة آل سعود في الكويت، ترعرع عبدالعزيز بن عبد الرحمن الذي ولد في الرياض
سنة 1293هـ / 1876م ، ونشـأ مرافقاً والده في تنقلاته في المنفى ، يعاني من العيشة
الضنكه ، بدءًا من إقامته مع قبائل بني مُرّة في الصحراء حتى استقراره في الكويت ،
والتي كانت منفتحةً على العالم الخارجي – نسبياً – في ذلك الحين ، إلا أن استقراره في الكويت أبعده عن نجد موطن
عائلته وأرض أسلافه ومنطقة مجدهم .
وخلال تلك الفترة لم تتغير الظروف ، بل
ازدادت تعقيداً ، وزادت معها الخلافات بسبب الرغبة في السيطرة على قلب الجزيرة من
قبل آل رشيد والدولة العثمانية ، وأطماع الدول المجاورة ، ومحاولات بريطانيا للتحالف مع الأقوى بهدف
تحقيق أهدافها السياسية .
وكان عبد العزيز مراقباً لكل تلك
الأحداث ، ولكنه عاجزٌ هو وأبوه عن العودة إلى الوطن، وقد باءت محاولاتهما
لاستعادة السلطة بالفشل نتيجة قلة الإمكانيات المادية ونفوذ آل رشيد في المنطقة،
وذلك في عام 1318هـ/1901م.
إلا أن عزمه على استرداد الرياض وإحياء
مجد آبائه حفزه للقيام بمحاولة أخرى مع نخبة من أقربائه من آل سعود ومن والاهم
رجالٌ حلموا معه بالعودة ، وتبعوه حتى تيسر لهم هدفهم وتحقق حلمهم في استعادة
الرياض عام 1319هـ / 1902م.
استعادة الرياض
وولادة الملك سعود (1319هـ / 1902م):
تمكن عبد العزيز بن عبد الرحمن من
استعادة مدينة الرياض ، وبسط حكمه عليها بالرغم من قلة الإمكانيات المادية
والبشرية وما عاناه ورجاله من مشقة في الصحراء .
وفي وقت كانت فيه الجزيرة العربية وعلى
وجه الخصوص الخليج العربي مقسماً بين مصالح ونفوذ بريطانيا والدولة العثمانية ،
ووجد الأمير الشاب نفسه محاطاً بين قوتين عظيمتين ، تريد كل منهما السيطرة وبسط
النفوذ ، ولكن أي منهما لم يعط اهتماماً خاصاً لآل سعود بسبب وضعهم في ذلك الحين .
(3)
كانت استعادة عبد العزيز للرياض في ظل هذه الظروف وتحقيقه
مبتغاه يوم لا ينسى في تاريخ نجد وهو 5 شوال 1319هـ / 15يناير 1902م ، وبهذا
التاريخ كانت بداية عهد جديد للدولة السعودية الثالثة ، وفي هذه الليلة وُلد له
ابن في الكويت ، وعندما بُشر به بعد استرداده الرياض أسماه سعوداً تيمناً بالنصر
الذي حققه في استعادة مجد آبائه وأجداده وتفاؤلاً بالمستقبل الذي يأمله ، وبقي ابنه سعود مع جده الإمام عبد الرحمن
وأفراد العائلة في الكويت ، ولم يعودوا إلى الرياض إلا بعد أن أستتب الأمن ووضع
عبد العزيز التنظيم اللازم للدفاع عن المدينة .
وأرسل عبد العزيز في طلب والده وعائلته
واستقبلهم استقبالاً حافلاً ، ثم عرض عبدالعزيز على أبيه الإمام عبد الرحمن استلام
مقاليد الحكم على أن يكون جندياً تحت إمرة أبيه ، إلا أن والده الإمام عبد الرحمن
رفض ذلك تقديراً لابنه وثقته في مقوماته الشخصية ، والتي تمكنه من القيام بمهامه
على أكمل وجه لخدمة دينه والرعية وحماية مصالحها ، إلا أنه ونتيجة لإصرار ابنه
عبدالعزيز والوجهاء والأعيان قَبِلَ أن يواصل دوره إماماً عليهم ومشيراً وناصحاً
لابنه ولهم في مداولة وإدارة شؤون البلاد.
لقد قام الإمام عبد الرحمن رحمه الله
بدور إيجابي في أداء واجباته وحماية مصالح ابنه خاصة خلال غياب عبد العزيز عن
الرياض ، واستمر الإمام عبد الرحمن بدوره
ذلك طوال حياته إلى أن وافته المنية في الرياض سنة 1346هـ / 1928م .
نبذة عن والدة وأخوال الملك سعود ( آل عريعر ) :
لسعود بن عبد العزيز أخ أكبر اسمه تركي،( وهو الاسم الذي يكنى به
والده )، وهو من مواليد عام 1318هـ /1900م
، كما أن له أخوين شقيقين توفيا في عمرٍ صغير، وله شقيقة تسمى منيرة .
والدتهم وضحى بنت محمد الحسين آل عريعر
من آل حميد ، وعائلة آل عريعر تنسب إلى قبيلة بني خالد المشهورة والمعروفة بشكيمة
بأسها ، وامتدادها في قلب الجزيرة والخليج العربي ، وآل عريعر شيوخ بني خالد
عدنانيي الأصل بالرغم من تواجد بعض الأقوال التي تشير إلى أصلهم القحطاني ،
وقد قدموا من موطنهم السابق في بلاد الشام
والحجاز إلى الأحساء ، وقطنوا بين المثلث المتكون من وادي مقطع في الشمال ، نحو
نجود الصمان في الغرب ، والبياض في الجنوب ، يُنسبوا إلى قبيلة بني مخزوم القرشية
، والتي منها ذرية سيف الله المسلول ، الصحابي خالد بن الوليد رضي الله عنه . وعندما وصلت قبيلة بني خالد إلى الأحساء ، ملكت
مناطق شاسعة من الخليج في فترات مختلفة من
التاريخ ، بعد أن قضت على النفوذ العثماني في الأحساء في عام 1080هـ /1869م أو
حواليه (4) .
ويذكر بعض الرواة من بني خالد بأن هناك
خلافاً حصل بين آل السرداح وآل عريعر وهم أبناء عم يعودون إلى آل حميد ، وذلك بعد
اندحار بني خالد خلال عصر الدولة السعودية الثانية ، فذهبوا جميعاً إلى البصرة
وقطنوا لدى آل السعدون شيوخ قبيلة المنتفق، وعند وفاة والد وضحى – والدة الملك
سعود – محمد الحسين العريعر انتقلت والدة وضحى (عبطه السرداح) بها وبأختها حصة إلى
القطيف ، ولجأت إلى أخويها نهار وطلمس السرداح ، اللذين أرادوا أن يزوِّجوا بناتها
لآل السرداح ، ولكنها رفضت أن تزوجهم إلا لأبناء عمهم من آل عريعر ، واستنجدت
بحمادة بن عبد الله الحسين آل عريعر ( ابن عم بناتها ) الذي كان في زيارة للأهوار بالعراق قادما من
الكويت ، فعاد حماده وأخذ معه وضحى إلى الكويت حيث زوجها للملك عبدالعزيز، الذي
كانت له علاقة وطيدة معه ، وذلك منذ أن تعرف عليه بواسطة الشيخ مبارك الصباح ،
الذي تزوج بحصة أخت وضحى في فترة لاحقة .
ووضحى العريعر ( والدة الملك سعود ) هي
الزوجة الثانية في حياة الملك عبدالعزيز، علماً
بأن الأولى لم تنجب له أولاداً .
استمرت علاقة الملك عبد العزيز مع
حماده آل عريعر. فكان من أقرب أصدقائه ، وشاركـــــه في العديد من غزواتـــــه
،كما أن ابنه نايف كان صديقاً مقرباً لابني الملك عبد العزيز تركي وسعود ، وشارك
مع سعود في حرب اليمن ، وتوفي بعد وفاة الملك سعود (5) .
لقد اتسمت شخصية الملك عبد العزيز بالدهاء
والحنكة ، فقام بتعزيز علاقته بالقبائل من خلال مصاهرته لهم ، وفعل ذلك أيضاً مع
بعض الأسر المعروفة في الجزيرة. وهذه الخطوة من ضمن العديد من الخطوات ساعدت في
إزالة الخلافات والنزاع بين القبائل ، كما أنه – ولقرب منطقة الخليج من نجد – أراد
توثيق علاقته مع قبائل هذه المنطقة وتم له ذلك بمصاهرته قبيلة بني خالد وهو مقيم
بجوارهم في الكويت ، وحقق ذلك فائدة لبلاده خاصةً ، وأن الخليج هي المنفذ البحري
والتجاري لنجد .
لم تكن وضحى ، والدة الملك سعود ،
الزوجة الوحيدة من بني خالد للملك عبدالعزيز ، بل
تزوج بعدها العنود بنت برغش السرداح ، ثم طلقها ، وتزوج أختها سارة وطلقت
أيضاً . وفي وقت لاحق اقترن بحصة أخت وضحى بعد طلاقها من مبارك الصباح وعودتها
للعيش مع أختها وضحى في الرياض بعد طلاقه لوضحى ، كما تزوج أيضاً من أم دليّل بنت
عبدالعزيز ( وهي من المهاشيل من بني خالد ) وأم شيخه بنت عبد العزيز من آل المنديل
من بني خالد ، ولقد تزوج الإمام عبد الرحمن أيضاً منيرة بنت هتيمي آل ثنيان من
المهاشيل ، وهي والدة عبد الله بن عبد الرحمن ، كما أن جدة الملك عبد العزيز (
والدة أمه سارة بنت أحمد السديري) من آل النويران من المهاشيل (6) ومن المعروف أنه حين استقرار الدولة السعودية
الحديثة وإقرار المخصصات لشيوخ القبائل والأسر ، كل حسب تقديره ومساهمته ودوره في
تأسيس الدولة ، رفض الملك سعود أن يتمتع أخواله بأي امتيازات استثنائية دون سواهم
.
أما والدته وضحى فلقد عايشت وفاة
أولادها الخمسة ، وتوفت بعد وفاة الملك سعود بأربعين يوماً في مدينة الرياض .
وكانت امرأة صالحة طوال حياتها ، تتصف بالكرم والشفقة ، وأوصت بثلث مالها للفقراء
والمساكين كصدقة جارية ، وبنت العديد من المساجد في مدينة الرياض .
أما منيرة بنت عبد العزيز ( شقيقة
الملك سعود ) فتزوجت من تركي بن عبد الله بن سعود بن فيصل ، ثم من ابن عمها خالد
بن محمد بن عبد الرحمن ، وبعد طلاقها منه، تزوجها فهد بن سعد بن عبد الرحمن .
وأنجبت له عبد الله وموضي ، ولم يعيشا طويلاً، وتوفيت هي أثناء ولادتها لطفل لها
في قصر المربع(7) ، ومما يذكر بأنها كانت تتمتع بشخصية قوية
،ومُقربة لشقيقها الذي كان يستشيرها تقديراً لقدراتها.
أما شقيقه تركي بن عبد العزيز فقد تزوج
من ابنة عبيد بن رشيد قبل معركة جراب وأنجب فيصل ، وتزوج بعدها من طرفه آل مهنا من
القصيم وأنجبت له حصة (8) ،
وقد وصفت المصادر المدونة الأمير تركي بأنه كان محارباً مقداماً ومرافقاً لوالده
منذ طفولته ، الذي دربه مع شقيقه سعود على فنون الحرب ، وقد رافق تركي والده وهو
لم يتجاوز عشر سنوات إلى الكويت ، وذلك في عام
1328هـ / 1910م لمشاركة الشيخ مبارك الصباح في قيادة حملة لتأديب شيوخ ظافر
والشيخ سعدون ، ورافقه أيضا في غزوات أخرى ،منها غزوة أبو ليلى ضد شيوخ بني هاجر
بقرب الأحساء.(9)
وعندما استعاد الملك عبد العزيز القصيم
، عينه أميراً عليها للتصدي لابن رشيد ، وبقي عامين في بريدة قبل أن ينضم إلى جيش
والده مع أخيه سعود في ياطب لمواجهة ابن رشيد(10) ،
وقد عُرِفَ – رحمه الله – بالشجاعة والمهارة المتفوقة في فنون الفروسية وبالمقدرة
الإدارية ، وكان شبيهاً لوالده في الهيئة والسيرة (11) ،
إلا أن المنية وافته وهو في ريعان الشباب عام 1337هـ / 1919م ، عندما عمت البلاد
الوافدة الاسبانيولية ، وتوفي فيها أيضاً أخيه الأصغر فهد ، الذي ربته والدة الملك
سعود وضحى بعد وفاة أمه وهي من آل الدخيل (12) ،
وقد سُميت هذه السنة " بعام الرحمة " لكثرة أعداد الموتى الذين توفوا بسبب المرض ، وأحدثت وفاته حزناً كبيراً
لوالده الملك عبد العزيز وأمه وشقيقه سعود والعائلة ، وقيل أنه قل ما شوهد الملك
عبد العزيز دون عينٍ دامعة عند ذكر اسم ابنه الأكبر.
الملك سعود: طفولته،
نشأته ، وتربيته ، ومشاركته في هذه الفترة في المعارك
(1319–1334هـ / 1902–1915م) :
ولد الملك سعود وتربى في الكويت في
منزل جده الإمام عبد الرحمن بن فيصل ، وجدته سارة بنت أحمد السديري التي كانت تحبه
كثيراً وترى في أحفادها ابنها الغائب عبد
العزيز والذي كان يواجه المخاطر ويخوض غمار المعارك لاستعادة أمجاد آبائه وتوحيد
البلاد ، وكان لقرب سعود وأخيه تركي من جدهما وجدتهما في طفولتهما أكبر الأثر في
تربيتهما ، وكما يروي كبار السن من ذوي
القرب أن جدتهما كانت تعاملهما من سن مبكرة كرجلين لا كأطفال .
وعندما استرد الملك عبد العزيز الرياض
طلب من والده وعائلته الحضور إليها عام
1319هـ/ 1902م ولم يتم العثور على أية دلائل وإثباتات تشير إلى ظروف وتاريخ التحاق تركي وسعود بوالدهما وجدهما
في الرياض ، ولكن الروايات المسموعة من بعض أفراد أسرة آل الصباح ذكرت أن
مغادرتهما إلى الرياض كانت عام 1323هـ/
1905م بمعية جدهما عند عودته من زيارةٍ لمقابلة والي البصرة العثماني في الكويت .
وحين بلوغ سعود سن الخامسة سلمه والده
عبد العزيز إلى الشيخ عبد الرحمن بن مفيريج ، وهو أكبر مقرئ ومجود للقرآن الكريم
في ذلك الحين ، كما كانت له مدرسة تعرف بمدرسة
المفيريج وهي أكبر مدرسة في مدينة الرياض لتعليم القرآن(13) ،
ليفقهه في الدين والفقه والحديث والتفسير ، وخَتَمَ القرآن على يديه وهو في
الحادية عشر من عمره .
جعله والده يحضر مجالسه ومجالس جده
الإمام عبدالرحمن مع أخيه تركي، وأولاهما كل الرعاية والحنان ، وعندما كبر الابن
سعود بدأ يكسب ثقة والده ، وبدأ في ممارسة بعض المهام العسكرية والسياسية والإدارية بصفة مستقلة ،
وفوض له الملك عبدالعزيز المهام التي تكسبه الحنكة في السياسة الخارجية ، بعد أن تتلمذ
في العلوم السياسية والدبلوماسية على يدي عبد الله الدملوجي والشيخ حافظ وهبه ،
وهما من أبرز العاملين مع والده خلال تلك
الفترة.(14)
كما أن ملازمة سعود لوالده وجده أكسبته
عادات وتقاليد القبائل والبادية والتعامل معها، وأتقن الرماية والقنص والفروسية ،
وقد كان ميالاً لحياة البادية من سنٍ مبكرة ، ورافــق والده وغيره من كبار القادة
في الغزوات وشهد فنون المعارك والتخطيط لها حتى أصبح في وقت يسير من كبار أعوان
والده الملك عبد العزيز في ظروف سياسية هامة كان الملك عبد العزيز بأشد الحاجة إلى
أمثاله فيها .
وتَذْكُرُ العديد من المصادر –
العائلية والمحلية والأجنبية بما فيها الدبلوماسية – بأن الملك سعود عندما شب كان
من أشبه الناس بوالده في طوله وبنيته وبسمته والعديد من سجاياه ومزاياه الحميدة ،
واستقامته وشهامته ، إضافة إلى كرمه المشهور وحب الصدق، كما كان ميالاً للعفو، إلا
أنه كان حازماً وشديداً في مواضع الشدة ، وكان قوي البنية قليل الكلام ، ينصت لمحدثيه أكثر مما
يتكلم .
كان الملك عبد العزيز – يرحمه الله –
يختبر مقدرات سعود على الصبر والاحتمال وينمي قدراته القيادية وسياسة التعامل مع
القبائل ، ومعرفة أنسابهم ، وكان لذلك أكبر الأثر في كسب ثقتهم وقبول قيادته
وتوجيهاته لهم ، وكانت من عادة الملك عبد العزيز أن يصطحب أولاده ابتداءً بتركي
وسعود في غزواته عند بلوغهم السن المناسب في تقديره.
وأول معركة شارك فيها سعود مع أخيه
تركي هي معركة جراب والتي كانت على مقربة من الزلفي ضد أمير حائل متعب بن رشيد
الذي نزل معتدياً عام 1333هـ /1915م ، وكان عمر سعود آنذاك 13عاماً ، ولم نتمكن من
العثور على معلومات إضافية تفيد عن دوره في هذه المعركة، سوى أنه عندما عاد الملك
عبد العزيز إلى القصيـــم، أمر ولديه بالعودة إلى الرياض مع أخيهم محمد، ( ولد عام 1328هـ/1910م(15).
ولقد اشتهرت هذه المعركة بسبب مقتل الكابتن شيكسبير ( الممثل السياسي البريطاني في
الكويت ) والذي كان من مؤيدي الملك عبدالعزيز ، وتربطه به صداقــــة ، ووقعت معركـــة جراب بعد استعـــادة الملك عبد
العزيـــز للأحســــاء في عـام 1333هـ/1914م .
وقد كان تواجد الكابتن شيكسبير في
معركة جراب بسبب قدومه لزيارة الملك عبدالعزيز ، والتفاوض معه على شروط معاهدة بين
بريطانيا وإمارته . واقترح الملك عبدالعزيز عليه البقاء في الزلفي حتى انتهاء
المعركة ، ولكن شكسبير قرر المشاركة، ولقد انتهت المعركة دون نصر لأحد ، وكان هدف
الملك عبد العزيز في توقيع المعاهدة مع بريطانيا حصوله على الحصانة من الاعتداءات
المتكررة من الدولة العثمانية وممثليها، والحصول على المساعدة المالية والحربية
لمواجهة آل رشيد ، إلا أن مقتل شكسبير أجّل توقيع المعاهدة إلى أواخر عام 1334هـ
/1915م أي لمدة تقارب السنة ، وبعد
المعاهدة تسلم الملك عبد العزيز من السلطات البريطانية مساعدة قدرها عشرون آلف
جنيه إسترليني و ألف بندقية مع كمية من الرصاص ، وسُمح له بتسهيل استيراد كميات
إضافية عند الضرورة عَبْر البحرين (16).
كانت معركة جراب نقطة حاسمة في حياة
سعود ، حيث رأى عن قرب – ولأول مرة – كيف تدار المعارك الحربية ، وكيف تتم المفاوضات وتبرم
الاتفاقيات السياسية ، وتقديراً من الملك عبد العزيز لما شاهده في ابنه سعود من
جلد وصبر وقوة تحمل وجرأة – إضافة إلى
الاستعداد والقابلية لاستيعاب دروس الحرب والتجاوب معها في تلك السن المبكرة ، بدأ
– يرحمه الله –
في الاعتماد عليه شيئاً فشيئاً ، وجعله ملازماً له في مهماته وحمّله بعض
المسؤوليات بهدف تعليمه ، وإضافة خبراته في العديد من المجالات التي تعد ضرورية
لشاب في وضعه ، كمرافقته له في غزوة أبو ليلى على مقربة من الأحساء ضد شيوخ بني
هاجر. (17)
توالت الأحداث والحروب مع قبائل
العجمان بما فيها معركة كنزان التي قتل فيها سعد بن عبدالرحمن وجُرح فيها الملك
عبدالعزيز ، كما توترت العلاقة بين الملك عبدالعزيز والشيخ مبارك الصباح ( الذي
توفي في 1334هـ / 1915م ) وتولى مكان الشيخ مبارك ابنه جابر الذي كان يكن
لعبدالعزيز شيء من المودة ، إلا أنه توفي بعد سنة من تسلمه الحكم، واستلم الحكم
بعده أخوه سالم مبارك الصباح والذي لم يتراجع عن تشهير مشاعره السلبية وممارسة
سياسة مضادة تجاه عبدالعزيز ، فأصبح الملك عبدالعزيز يواجه الأخطار من جميع الجهات
، فبالإضافة إلى حاكم الكويت الجديد كان هناك ابن رشيد من الشمال ، والأشراف من
الغرب وبعض القبائل المحيطة، وكان الإحساس بالخطر أهم عامل جعل عبدالعزيز يبادر
بالتفاهم مع دولة عظمى لها علاقة بالقوى المحيطة بها وتشكل خطراً أيضاً عليه هي
بريطانيا.
زيارة سعود لقطر ممثلاً والده في مهمة سياسية (1333هـ /
1915م):
بعد إحساس الملك عبد العزيز بالمخاطر
المحيطة به وإحاطة أبنائه له كمساندين أوفد في العام ذاته ابنه سعود إلى أمير قطر
الجديد عبد الله بن قاسم بن ثاني ، والذي استلم الحكم بعد وفاة أبيه ، الذي لم يرى
بعين من الرضى استعادة عبد العزيز
للأحساء. وكانت هذه الزيارة لتصفية الخواطر، ورحب الشيخ عبد الله بن ثاني بزيارة
سعود على رأس وفد ممثلاً والده ، ونجح الوفد في تأدية الغرض الذي أرسل من أجله،
ولقد كانت رئاسة الوفد أول مهمة " دبلوماسية " فوضها الملك عبد العزيز
لابنه سعود لتأكيد العلاقة مع حاكم قطر الجديد ، وكان من أهم أهداف هذه الزيارة
أيضاً المصالحة مع سلمان بن محمد بن سعود
بن فيصل ، (ابن عم الملك عبد العزيز) والمقيم في قطر بعد مشاركته العجمان في حربهم
ضد الملك عبد العزيز .(18)
ظهور سعود في حملات والده العسكرية (1336هـ / 1917م):
كان من الواضح لعبد العزيز ازدياد
سياسات المنطقة تعقيداً خاصةً عندما قررت الدولة العثمانية الانضمام إلى صف
ألمانيا في الحرب العالمية الأولى ، ومن ثم
محاولة بريطانيا إدخال العرب بجانبها مع الحلفاء منذ توقيع الاتفاقية السابقة
مع عبد العزيز ، فبعثت حكومة الهند (البريطانية) المستر فيلبي والكولونيل أوين
لتقييم الوضع ، والتفاوض مع الملك عبد العزيز ، والمصالحة بينه وبين الشريف حسين
عام 1336هـ –1917م)(19) .
وما أن تيسر لعبدالعزيز فرصة الهجوم من
خلال طلبه المساعدة من بعض العناصر المتمردة على ابن رشيد تقدم إلى حائل ، واستطاع
أن يصل إلى مشارفها ، ولكنه لم يبق طويلاً أمامها نظراً لعدم تواجد المدفعية
الملائمة لديه لدك حصونها ، وكان ذلك في أواخر سنة 1336هـ / أغسطس 1918م ، وكان من
ضمن هذه العمليات معركة ياطب ( وسميت نسبة إلى عين ماء وقع القتال بجوارها ). وأظهر فيها سعود –
الذي شارك فيها مع أخيه تركي – شجاعة فائقة
رغم صغر سنه.(20)
وعندما وصلت أخبار انتصار الحلفاء
والعرب في فلسطين وسوريا على الدولة العثمانية اضطر ابن رشيد لإبرام صلح لم يدم
طويلاً مع الملك عبد العزيز . وخلال هذه الفترة توفي تركي بن عبد العزيز وعليه
أصبحت مسؤولية الابن الأكبر تقع على عاتق سعود (21).
تفويض سعود في قيادة الجيوش وحسن إدارته لشؤون القبائل
(1337–1343هـ / 1918–1924م):
إن نشأة وتربية وتدريب سعود سياسياً –
فيما سبق ذكره وما سيذكر لاحقاً – تُمثل جزء من تاريخ والده عبد العزيز ،والذي كان
يهتـــم بها ويشــرف عليها بنفســـه، فكان يطلعه على مجريات الأحداث المعقدة
والمتعددة الأطراف ، والتي تمكن والده بحنكته وقدرته بالتغلب عليها، وفي الوقت
نفسه تأكد عبد العزيز من قدرات ابنه سعود الحربية ودبلوماسيته مع القبائـــل ،
فولاه قيــــادة جيش مستقل – للمرة الأولى – بعد وقعة تربه عام 1337هـ /1918م
،والتي كانت ضد قوات الأشراف .
أثبت سعود قيادته الحربية ، وبرزت
مواهبه العسكرية وهو في السادسة عشر من عمره، عازماً على بداية مرحلة جديدة من
حياته يثِّبتُ فيها قدراته لوالده ، وأنه أهلُُ لثقته وجدير بالمسؤوليات الملقاة
على عاتقه ، ومما يزيد من أهمية وقعة تربة كونها فتحت الطريق لعبد العزيز إلى
الحجاز .
وعن دور سعود في هذه الأحداث –
وبعد وقعة تربة– قام بتأديب المتمردين من قبائل عتيبة تحت زعامة
الخراص من مشايخ عتيبة الموالين لشريف مكة الملك حسين بن علي ، وذلك في مكان يسمى
شرمة قرب مناهل الدفينة ، ورافقه في هذه الغزوة ابن ربيعان وابن محيا وآخرون من
كبار قبيلة عتيبة ، كما رافقه الشريف منصور بن غالب بن لؤي ، والأميران سلمان
وسعود بن عبدالله من آل سعود،وانتصر سعود عليهم في موقع مناهل الدفينة في أواخر
رمضان عام 1338هـ/1919م، وبعد تشتتهم لاحقهم للمرة الثانية بين الحجاز ونجد وأسر
الكثير من زعمائهم قبل العودة إلى الرياض ، وقد سبقته أخبار انتصاراته . (22)
وخلال تلك الفترة بدأت الأحداث تتطور
سريعاً ، ومن أهمها عزم بريطانيا عقد مؤتمر في القاهرة برئاسة المستر تشرشل وزير
المستعمرات والمسؤول عن هذه الأمور ، وتم
في المؤتمر وضع تصور للشكل المستقبلي والسياسي للشرق الأوسط ، مع رسم الخطط
التنفيذية لتحقيقه ، ومن ضمن قراراتها التي أزعجت الملك عبد العزيز سياسياً القرار
الخاص بتنصيب الشريف فيصل بن الحسين ملكاً على العراق .
ولكي يكون عبد العزيز متزامناً مع
التطورات والأحداث – بعد علمه بأهداف المؤتمر– قام بعقد مؤتمرٍ عامٍ في الرياض دعى
إليه العلماء والأعيان ورؤساء العشائر للنظر في أمر اللقب الرسمي الذي يجب عليه أن
يلقب نفسه به ويخُاَطَبُ به في المحافل الدولية ، فوقع اختيار الجميع بأن يطلق
عليه " سلطان نجد" . وعندَما علمت السلطات البريطانية في العراق بذلك ،
أتتهُ التهاني الرسمية والاعتراف بلقبه الجديد ، وذلك بتاريخ 22/12/1339هـ /
2/8/1921م، ومنذ تلك اللحظة أصبح الملك عبدالعزيز يخاطب رسمياً بلقب " سلطان
نجد" .
وبعد إقامة مؤتمر القاهرة وإعلان
نتائجه ، ومنح تاج العراق للشريف فيصل ، وإمارة ما وراء الأردن ( شرق الأردن )
لأخيه الأكبر الشريف عبدالله ، شعر عبد العزيز بالخطر وهو يحدق به من جهات متعددة
، فقرر تقوية مركزه في الداخل ، والقضاء على إمارة آل رشيد ، فشرع في إعداد العدة
، ولم تطل المدة حتى وجد المبررات لشن هجومه على هذه الإمارة بعد نقض الصلح معها .
وعند إتمام وضع التخطيط اللازم وبدء
العمليات بعث عبدالعزيز بابنه سعود على رأس قوة كبيرة من الإخوان إلى الشعيبة ،
جنوب جبل ( أجا ) في جبال شمر ، فهجم على
آل رشيد وكسب مغانم كثيرة ، ولكنه وجد صعوبة في المزيد من التقدم إلى حائل بسبب
جفاف المنطقة الشديد في تلك السنة ، ثم أمر الملك عبد العزيز بإرسال سرية إلى قرب
بقيق، بينما تقدم بنفسه إلى الأجفر ، ولكن بما أنه لم يحدث هناك قتالُُ انسحبت
القوات عائدةً إلى الرياض عام 1338هـ /1919م (23)
.
لم يتوقف السلطان عبد العزيز عن إعداد
المزيد من العدة والتخطيط والاستعداد لاستعادة حائل ، ففي صيف 1340هـ/ 1921م– وبرفقة ما يقارب عشرة آلاف
مقاتل – رسم خطة لتطويق شمر من ثلاثة جهات ، وسلم
قيادة إحدى الفرق لأخيه محمد لمحاصرة حائل ، والثانية لولده سعود لمهاجمة
شمر عبر الخط المباشر ، بينما احتفظ بالفرقة الثالثة تحت إمرته في القصيم كقوة
احتياطية ، وكانت ثقة عبد العزيز حينذاك بقدرة ابنه سعود على تحمل الأعباء وحده لا
يرقى لها الشك ، وبدأ سعود ومن معه من الإخوان في مهاجمة بادية شمر ، ونزل معهم
قرية الخاصرة شرقي حائل ، وانتصر عليهم وجمع منهم أموالاً جمه ، بينما توجه عمه
محمد إلى أطراف حائل ، في الوقت الذي كُلف فيه شيخ قبيلة مطير فيصل الدويش بالقيام
بهجوم تضليلي من جهة الجنوب. وعندما بدأت
العمليات قرر الملك عبد العزيز استدعاء أخيه محمد ، وتسليم القيادة العليا لسعود ،
واستمر حصار حائل ومضايقة الخناق عليها لمدة شهرين ولم تخف شدته، وعندما لاحظ
عبدالله بن متعب رشيد ذلك فكر في المصالحة وقرر الاستسلام لمعسكر سعود ، خاصة وأنه
عرف عنه الشهامة والمروءة وكرم الأخلاق ،
ورحب سعود بذلك ، واستقبله بالتقدير الذي يتلاءم مع وضعه كحاكم وضيف، وقرر مرافقته
شخصياً لتقديمه لأبيه ، وترك ذلك أبلغ
الأثر في نفس ابن رشيد ، وشعر بالراحة هو والآخرين الراغبين بالمصالحة والسلم
خوفاً من إراقة المزيد من الدماء وصعوبة العيش(24) .
رأى الملك عبد العزيز في ابنه سعود
أيضاً سمات فن التعامل مع الناس ، ودماثة الخلق ، والتي مكنته من كسب ألد أعدائه كأصدقاء
مخلصين له كما فعل مع ابن رشيد، مما جعله يستعين به طوال حياته – فيما بعد – في معالجة
أصعب الأمور خاصة منها ما يخص شؤون القبائل ، وبالرغم من رغبة أميرهم بالمصالحة
وإقدامه على تسليم نفسه لسعود إلا أن البعض من قبائل شمر لم ترض بخطوة أميرها
عبدالله بن متعب رشيد فاختارت لها أميراً آخر وهو محمد طلال بن رشيد للتصدي لقوات
عبد العزيز ، عندها أمر الملك عبد العزيز أن يعود سعود إلى حائل لقيادة الجيش فيها
، والتصدي للمتمردين، كذلك عندما أشتد القتال بين قوة آل رشيد مع قوات فيصل الدويش
، أمر عبد العزيز سعود بمساندة قوات الدويش ، فقام بذلك حتى تحقق لهذه القوة النصر وتقهقر محمد طلال بن رشيد إلى حائل ، هذا
في الوقت الذي واصلت فيه القوات السعودية الضغط عبر الهجوم من الشمال والشمال
الشرقي تحت قيادة الملك عبدالعزيز، بينما بقيت القوات التي يقودها سعود على مشارف
جبل أجا. وعندما لم يجد طلال بُداً من الاستسلام ، قرر قبول الأمر الواقع . وقيل
أنه عندما قام المستسلمون بالسلام على الملك عبد العزيز ، وجههم الملك لخيمة ابنه
سعود أيضاً لأداء نفس الواجب،ولقد تلت نهاية هذه العمليات الاستيلاء على الجوف
أيضاً (25).
إن الدور الكبير الذي قام به سعود في
استسلام حائل رفع مكانته عند والده ، خاصة وأنه رأى فيه العديد من سماته الشخصية
وهو في مثل سنه .
وبعد تلك الأحداث – والتي انتهت
باستسلام عاصمة ابن رشيد – تزوج الملك عبدالعزيز من أرملة ابن رشيد ، وتبنى أولادها
واقترن سعود بزوجة من آل رشيد، وقد هدف الملك عبدالعزيز من زواجه وزواج ابنه سعود
إنهاء النـزاع بين الأسرتين وتصفية الخواطر .
ضم الحجاز واعتماد الملك عبد العزيز على سعود في إدارة شؤون
البلاد
(1343–1348هـ / 1924–1929م) :
بعد هذه الأحداث ، أمر الملك عبد العزيز بتوسيع عمليات قواته ، وكان
سعود بجواره يساعده في التخطيط ومراقبة التطورات ، والإشراف على تنفيذها فضم الملك
عبدالعزيز عسير والطائف ، كما تحقق له – في عام 1343هـ/1924م – أكبر أحلامه وهو ضم قلب العالم الإسلامي النابض وقبلته ومهبط الوحي ومحط أنظار
المسلمين مكة المكرمة(26) ، وجاء الملك عبد العزيز للمرة الأولى
في حياته محرماً تاركاً ابنه سعود في الرياض لإدارة الحكم ، تحت إشراف جده الإمام
عبد الرحمن ، والذي كان موضع احترامه وحبه وتقديره (27) .
استمر سعود نائباً لوالده في الرياض حتى دخول الملك عبدالعزيز جدة، بعد ذلك استسلمت المدينة المنورة ، وبعد
مبايعته ملكاً على الحجاز أصبح لقبه الرسمي" سلطان نجد وملحقاتها وملك الحجاز
" ، وكانت مبايعته مبايعة إسلامية خالصة في الحرم المكي الشريف ، وتم تقليدها
في جميع أنحاء البلاد ، حيث أخذ أمراء المناطق المبايعة له نيابة عنه .
وفي صيف 1344هـ /1925م، استأذن سعود
والده الملك عبد العزيز في الحج معه، وكانت هذه حجته الأولى، وقد كانت من العادات
المتبعة في موسم الحج أن يأتي المحمل الشريف من مصر مُرافقاً بعسكر وفرقة موسيقية
عسكرية مصرية ، وعندما دخل الموكب مكة
المكرمة ، عارضه مجموعة من الحجاج "الإخوان " ، وقذفوه بالحجارة محتجين
على وجود الفرقة الموسيقية وبدلاً من الاستعانة بالحلم فتح الضابط المصري النار عليهم ، وأسفر ذلك عن وقوع
قتلى وجرحى،وعلم الملك عبدالعزيز بذلك ، ففوض ابنيه سعوداً وفيصلاً على الفور
لتهدئة الوضع قبل أن يتفاقم الأمر، واستطاع سعود وفيصل احتواء الموقف بعد أن عرّضا
نفسها للرصاص (28) ، أخذت مصر موقفاً من هذا الحادث، وقطعت علاقاتها
مع الملك عبد العزيز ، وأوقفت " الميرة " ( وهي المساعدات والصدقات
المقررة التي كانت تبعث سنوياً من مصر مع المحمل ) ، واستمر التوتر في العلاقات
بين البلدين حتى وفاة الملك فؤاد واعتلاء الملك فاروق على عرش مصر سنة 1355هـ
/1935م ، حينها تحسنت العلاقة إلى حدٍ ما.
وبعد عودة سعود إلى الرياض ، أرسله
والده إلى مصر لمعالجة عينيه وإجراء عملية جراحية فيهما ، وأعتبر ذلك مبادرة غير
رسمية من الملك عبد العزيز لتلطيف الجو وتحسين
العلاقات مع مصر بعد حادثة المحمل ، وكانت هذه الزيارة أول رحلة لسعود خارج
البلاد وذلك في عام 1344هـ /1925م، وعلى ظهر باخرة مصرية تسمى " المنصورة
"، وفي القاهرة اجتمع سعود برئيس الوزراء المصري سعد باشا زغلول ، وكانت
نتيجة هذا الاجتماع تحقيق نتائج سياسية إيجابية لتوطيد العلاقات الودية بين
السعودية ومصر .(29)
إن اعتماد الملك عبد العزيز على سعود
وتعيينه نائباً عاماً له في نجد – مقر الحكم – وهو في الرابعة
والعشرين من عمره كان مبنياً على تقديراته السياسية الثاقبة لمؤهلات ابنه. فلم يكن
الملك عبد العزيز ليعين ابنه نائباً له لمجرد حبه له ، بل لأنه اقتنع أن سعود أهل
لتحمل هذه المسؤولية الكبيرة .
أزمــة الإخــوان :
إن من أهم وأخطر الأدوار التي
لعبها سعود بجانب والده في تعزيز جذور
ودعائم الدولة السعودية هي مساهمته البارزة في معالجة المشاكل التي اعترضت أبيه
تجاه نشاط بعض الإخوان المبني على اعتقادات خاطئة ومطالب غير منطقية .
وسبق أن حاول الملك عبدالعزيز أن يجعل
من الإخوان بصفة عامة مجموعة صالحة لتنسجم مع تطلعاته الحضارية ؛ فأسس لهم ( الهجر
) لاستقرارهم وترك حياة البادية القاسية (1330هـ/ 1912م ، والابتعاد عن بعض
التقاليد السلبية ، إلا أن بعض عناصرهم كانت تكن بعض التحفظات على هذه التطورات
لسوء الفهم.
وبعد انضمام الحجاز بدأ بعض الإخوان في
التمرد ومهاجمة الحدود مع العراق والكويت حتى أن الحكومة البريطانية اعتقدت بأن
عبدالعزيز وراء هذه الحملات على جيرانه 0(30).
عاد عبدالعزيز إلى نجد آتيا من الحجاز
، وقد سبقه إليها والده الإمام عبدالرحمن وابنه سعود. ( الموكلان بإدارة نجد أثناء
غياب الملك عنها ) ودعوة رؤساء القبائل والعلماء إلى الاجتماع بالملك في الرياض
لحل هذه الأزمة ، عبر الحوار الصريح في ضوء الشريعــة وتعاليم الدين. فعقــــدت
مجموعة الإخوان اجتماعــــاً خاصاً بها في الأرطاوية – وهي من أكبر الهجر للإخوان
– وصممت على التمسك بموقفها تجاه عبدالعزيز ، ورفض فيصل الدويش وبعض زعماء هذه
الحركة الحضور شخصياً للاجتماع بالملك عبدالعزيز ، وأوفدوا ببعض الممثلين لإطلاع
الحضور على انتقاداتهم وشكاويهم .
وانتهى الاجتماع بحل النزاع بين
الطرفين ، وقدم سعود إلى والده ممثلي الحضور من رؤساء القبائل لمبايعته مرة ثانية.
وبالرغم من هذه المصالحة الظاهرة فإن
قلوب بعض زعمائهم استمرت على ما كانت عليه من الاعتقادات السلبية كما هو ظاهر من
الرسائل التي تبادلها بينهم وبين الأمير سعود .(31)
ولقد لعب سعود دوراً مهماً في هذه
الأزمة بحكم مركزه الإداري بنجد ، وغياب والده عنها أثناء إقامته في الحجاز لفترة
طويلة دامت سنتين ، فكان في الواجهة خلال
معظم هذه الأحداث والتطورات ، والمتحدث الأول في أكثر هذه المحادثات ، وكان لثقة
القبائل بشخصيته المستقيمة الصادقة ، وتعامله معهم ومعالجته لأمورهم بالتفهم
والحزم دوراً إيجابياً كبيراً خلال هذه الأزمة .
تابع الإخوان بعد المؤتمر غزواتهم خارج
الحدود وداخلها ، فقرر الملك عبد العزيز مجابهتهم وردعهم بعد أن نَفَذَتْ كل
الأساليب السلمية في التعامل معهم، فأعد جيشاً وتقدم من الرياض إلى بريده مكملاً
طريقه إلى النبقية ، منتظراً وصول ولديه سعود ومحمد، وكان الإخوان يعلمون بخطة
وتحركات عبد العزيز ، وخططوا بمفاجأة سعود قبل خروجه لملاقاة والده ، وقتله وعائلته
في الرياض، ولكن لسبب غير واضح لم تنفذ الخطة (32)،
وعند وصول سعود ومحمد إلى معسكر والدهم ، أمرهم بالتقدم إلى الزلفي، ثم إلى السبله
لمواجهة الإخوان ، وهناك وبعد اجتماع بين الملك عبد العزيز والدويش، ومشاورات
مطولة غير مثمرة تواجه الجيشان في 1347هـ/ 29/3/1929م وانهزم الإخوان واضطروا إلى التراجع أمام زحف
قوات أبناء عبد العزيز سعود ومحمد ، وانتهت المعركة بهزيمتهم الكاملة خلال نصف
ساعة، ومن بعدها لجأ فيصل بن شبلان ابن عم فيصل الدويش لسعود ودخل خيمته طالباً
العفو والأمان والتشفع لدى الملك عبد العزيز ، الذي عفا عنه وعن فيصل الدويش الذي
أصيب إصابة بالغة (33) . ولكن هذه الإصابة لم تخمد فتنة
الإخوان التي تأججت من جديد أثناء وجود
الملك عبدالعزيز في الحجاز . عاد الملك عبد العزيز وجهز جيشاً جديداً
لملاقاتهم ، وزحف عليهم من مكة . وبدأ سعود يجمع جيشاً من أهالي الرياض لملاقاة
والده في الأحساء ، الذي أمره أن يتخذها قاعدة له ليمنع الإخوان من الهجوم عليها ،
وذلك لمرض عبدالله بن جلوي أمير الهفوف بعد سماعه بوفاة ابنه فهد في أحداث معركة
عونية كنهر، وفي طريقه إلى الأحساء فاجأ العجمانُ سعودَ في صحراء الدهناء ، وقتلوا
كثيراً من مرافقيه ، ولكن تمكن سعود من الإفلات منهم لوجود سيارة والده المصفحة
تحت تصرفه ، وتابع سيره إلى الهفوف منفذاً لأوامر والده ، حيث بقي عدة أشهر تسلم
فيها مسؤوليات جسام ، حتى أتته الأوامر بالرجوع إلى الرياض ، وذلك بعد انتهاء حركة
تمرد الإخوان واستسلام الدويش وحبسه في الرياض(34) .
تأسيس المملكة العربية السعودية وولاية العهد :
وبانتهاء حركة الإخوان والقضاء على
مقاومتهم ، قرر الملك عبد العزيز
التحضير لإعطاء صفة شرعية لبلاده وحكمه، فبدأ بتوحيد اسم البلاد تحت اسم
"المملكة العربية السعودية "لكل الأجزاء التي وحدها وإعلان ذلك في
17جمادى الأولى عام 1351هـ / أيلول 1932م ) ، ثم تبع هذه الخطوة الموافقة على قرار
مجلس الشورى والوكلاء بولاية العهد لابنه سعود بعد أن أثبتت الأحداث دوره القيادي
فيها ، ومعالجته الحكيمة والشُجَاعة للأحداث ، فأصبح جديراً بأن يكون خليفته
الرسمي لاستلام زمام الأمر من يديه عند اللزوم ، ومواصلة جهاده وكفاحه
لتحقيق وحدة صف الأمة والنهوض بها على المنهج والخطة التي رسمها، فرشحه لولاية
العهد ، وتم الإقرار عليها بالإجماع من أفراد العائلة والمشائخ والعلماء وأبناء
الشعب ، ونَشَرَتْ أم القرى – في
25/5/1931م– مقالاً عن الاستعدادات التي بدأت
لإتمام مراسم البيعة للأمير سعود ، والدور البارز الذي قام به الأمير محمد بن عبد
الرحمن في الإعداد لهذه المراسم، تلاها إصدار الملك عبد العزيز – رحمه الله – مرسوماً
ملكياً من مجلس الشورى بجده بمبايعة الأمير سعود ولياً للعهد ، وذلك في16محرم
1352هـ، وطلب من جميع أفراد الأسرة وأعيان مناطق المملكة وشيوخ القبائل بمبايعة
الأمير سعود ولياً للعهد، وكان الأمير سعود حينذاك في الرياض ، وتمت المبايعة في
مكة في الحرم الشريف(35) .
إن المسؤولية الجديدة على عاتق الأمير
سعود كولي للعهد والتي حملها لمدة 20 عاماً حدثت في وقت تزامنت فيه مرحلة توحيد
المملكة وبداية مرحلة جديدة تأسيسية واقتصادية واجتماعية ، خاصة بظهور النفط في
عام 1351هـ /1932م ، و اعتماد المملكة عليه في اقتصادها الذي كان يمر في فترة صعبة
، حيث كانت الموارد شحيحة ، وتعتمد على
المساعدات الخارجية وموارد الحج ، فكانت النقلة الجديدة قد مكنت الدولة البدء في
التنظيمات الإدارية والمالية ، والتحول التدريجي من دولة قبلية إلى دولة حضرية،
مما فرض واقعاً جديداً على سكان الجزيرة ، ويعد هذا التحول أصعب المراحل التي طرأت
على المجتمع والدولة السعودية ، فتحمل أعباءها الأمير سعود وأدى دوراً مهماً فيها
تحت إشراف والده .
حرب اليمــن :
واجهت الملك عبد العزيز مشاكل في
العلاقات الخارجية وبرزت مشاكل جديدة ، وهي قضية الحدود مع اليمن ، التي لم تكن قد
حُدِدت من جانب البلدين ، مما أدى إلى قيام الإمام اليمني يحيى من التوغل في
الأراضي السعودية، وفي عام 1352هـ/ 1934م أرسل الملك عبدالعزيز حملتين قاد أحدهما
الأمير سعود الذي خطط للهجوم على نجران ، والزحف متسللاً عبر الجبال الوعرة في
الشمال الغربي من اليمن ، والأخرى باتجاه الحديدة سالكة الطريق الساحلي.
لقد أخذ الأمير سعود في حملته الطريق
الصعب ، حيث عرفت هذه الجبال بصعوبة الوصول إليها وتسلقها وتجاوزها ، كما لم يكن
لدى الجيش فكرة وافيه عن تضاريسها، وكانت تُلَقب بجبال القهر. وجرى العبور بين
موقع وآخر في كثير من الأحيان عبر التسلق بالحبال (36) .
وقلّت الإمدادات لصعوبة الوصول لهم
فشحت مواردهم من الغذاء ،خاصة بعد هجوم
اليمنيين على مخيمات الأمير سعود، وسرقة المؤن منه وإحراق خيامهم حتى وصــل الأمر بهم إلى أكل " الحدأة "
(وهي من الطيــور التي تحلق فوق الجيفـــة فلا تؤكــل)(37) .
وكانت القبائل اليمنية مدركة بمداخل
ومخارج وتضاريس الجبال، وأصبحت غاراتها تزداد يوماً بعد يوم ، بينما كان الأمير
سعود وجنوده معتادين على حروب الصحراء وفنونها التي تختلف تماماً عن حرب الجبال .
وفي هذه الحملة قسم سعود جيشه إلى
أربعة فرق : الأولى بقيادة فيصل بن سعد بن
عبدالرحمن ووجهه إلى باقم، والثانية بقيادة خالد بن محمد بن عبد الرحمن الذي كان
عليه أن يتقدم بين نجران يساراً وباقم يميناً ليصل إلى حدود صعده، والثالثة تحت
قيادته ويتقدم من الجهات الواقعة شرق المنطقة التي يسير فيها القسم الأول على أن
يتجهوا جميعاً للجبهة (38) ، أما القسم الرابع من الجيش
فقد استولى على بعض أجزاء نجران بمساعدة أهلها ثم أرسل سعود قوة للاستيلاء على
عقبة ، عند ذلك تراجعت بعض القوات اليمنية المتبقية باتجاه بلاد وائله ، وتعقبتها
القوات السعودية لإخراجها من المنطقة . (39)
ولقد انتصر ولي العهد الأمير سعود على
اليمنيين في موقعة حرض ، وتوغل وراءهم حتى اقترب من غمدان ، كما سيطر على المنطقة
الواقعة بين صعدة ونجران ، بالرغم من أن صعدة لا يصلها إلا القليل من الناس حتى
يومنا هذا لصعوبة مداخلها، كما أن أهل هذه المناطق هم من قبائل زيدية وهم رجال حرب
، ويقال: إنهم من أشرس المقاتلين اليمنيين إلى يومنا هذا ، وإضافة إلى هذا فلقد
واجهت هذه القوة والتي كانت أساس الحملة على اليمن مقاومة الجيش والقبائل اليمنية
الرئيسية .
كما أن تواجد الأمير سعود ( القائد
العام لهذه الحملة ) جذب لمواجهته أعداداً كبيرة من القبائل وأقوى فصائل المقاتلين
اليمنيين، وكان من أكبر فوائد هذه الاستراتيجية اجتذاب القوى الرئيسية من الجيش
اليمني ، وبالتالي تسهيل مهمة القوة السعودية الأخرى الزاحفة على امتداد الطريق
الساحلي والمجهزة بسيارات وناقلات ، والتي لم تواجه مقاومة تذكر إلى أن وصلت إلى
الحديده (40) ، وانتهت هذه الحرب بانعقاد معاهدة الطائف في
عام1353هـ /1934م .
تنوه المصادر البريطانية السرية بأن
هذا الحدث قد ساهم في لفت أنظار العالم إلى ولي العهد الأمير سعود. (41)
محاولة اغتيال الملك عبد العزيز :
بعد هذا الاتفاق بسنة – وخلال الحج– تعرض الملك
عبد العزيز لمحاولة اغتيال قام بها أربعة يمنيين بينما هو يطوف طواف الإفاضة في 10
ذو الحجة 1353هـ/ 16ديسمبر1935م ، وكان ابنه سعود خلفه في ذلك الوقت ، وقام
بافتداء نفسه لإنقاذ حياة أبيه، وعرّض نفسه للموت بدلاً عنه، وتعد هذه التضحية
مضرباً للمثل في الحب والتفاني من ابن لأبيه، وقد ذكر شهود العيان بأن سعود قد رمى
بنفسه فوق أبيه حمايةً له ، وتلقى الطعنات في كتفه وظهره.
رحلات الأمير سعود الرسمية وغير الرسمية إلى دول عربية
وأجنبية :
( 1354–1358هـ / 1935–1939م ):
عند تعيين الأمير سعود ولياً للعهد – وبعد نجاح زيارته لمصر – رأى الملك عبدالعزيز إعطاء ابنه سعود الفرصة للسفر إلى الخارج ، والتعرف على أحوال الدول الصديقة التي تتعامل معه، إلا أن حرب اليمن قد حالت دون تحقيق هذه الرغبة في حينها، وبعد نتائج حرب اليمن – والدور الذي لعبه سعود فيها ، ومن ثم قراره بعد حادثة الحرم بتزويد سعود بالمزيد من المسؤوليات