لقد كثرت العيون التي رأت بلادنا طوال السنوات القليلة الماضية : سنوات الخير والرفاه ، أو الانتعاش الاقتصادي العظيم ، الذي استقدمنا خلاله الآلاف من الخبراء والمختصين والعمّال للمشاركة في بناء نهضتنا العمرانية الشاملة . تلك الآلاف قدموا من جميع أنحاء الدنيا، ذوو سحْنات ولغات وديانات وعادات متباينة، تجمّعوا للعمل لا للسياحة، ولعل عيونهم لم تر أكثر من الخرائط والتصاميم وأكوام الإسمنت والحديد والدراهم . حاسبنــاهم وانصرفوا، وبقي القليل .

لا أتحدث عن هؤلاء، ولا عن هذه الحقبة العظيمة المزدهرة المتحركة، التي لا نزال نعيشها وننعم بخيراتها : المدن الرائعة، والطرقات الممتدة، والقرى الخضراء والمصايف الجميلة، ودور العلم والمصانع والمدارس والجامعات ... بل أتحدث عن مجموعة من إخواننا العرب الذين قدموا إلى البلاد – أو بعض الأصقاع منها – في عهود  المحل والجفاف منذ مطلع القــرن العشرين، ابتداء برحلة إبراهيم رفعت باشا الأولى سنة 1901م في " مرآة الحرمين "، وانتهاء برحلة بنت الشاطىء في " أرض المعجزات " سنة 1951م . ولا يعني هذا أن العرب لم يقوموا برحلات إلى بلادنا بعد هذا التاريخ (نشر الدكتور محمد بديع شريف رحلته "في مهبط الوحي" سنة 1965م)، ولكن معناه أن الرحلة بعد منتصف القرن الميلادي الحالي قد فقدت وظيفتها القديمة في الكشف والبحث وإيصال المعلومات للعالم الخارجي، حين كانت بلادنا مجزأة إلى دويلات وإمارات صغيرة يخيم عليها الفقر والجهل والمرض، قبل توحيدها على يدي صقر الجزيرة الملهم جلالة الملك عبد العزيز رحمه الله، وإعلانها مملكة واحدة سنة 1351هـ/ 1932م، وحين كانت الحكومة لا تملك من وسائل الإعلام ما يوصل صوتها للعالم خارج الحدود.

لقد قسّمـنا في بحث سابق بعـــنوان :"رحلات العـرب في جزيرة الـعرب البلاد العربية السعودية"([1])  الرحلة العـربية خلال تلك الحقبة إلى ثلاثـة أنواع  :

 

1.   رحلة الحج والزيارة  .

2.   الرحلة السياسية  .

3.   الرحلة الصحفية  .

وذكــرنا ما يغلب على كل نـــوع من هـــذه الرحــلات، كالاهتمـــام بمناســـك الحج والزيارة ووصف الطرق والآثار وحالة الأمن في الأولى، والاهتمام بالحالة السياسية في الثانية، وغلبة الأسلوب الصحفي السريع والاهتمام بوصف الحالة العامة للبلاد، مع التركيز على الجوانب الغـــريبة والمثيرة في الثــــالثة . ولكن جميع هذه الأنواع من الرحلات على اختلافها وتباين منـاهجها وأهدافهـا تشترك في شيء واحد، وهو أنها قد صورت، بطريقة أو بأخرى، جوانب من حياة بلادنا وسكانها، قبل الوحدة وبعدها، وفي تلك الحقبة المبكرة من تاريخنا الحديث . فهي من هذه الناحية تمثل مصدراً من المصادر التاريخيــة المهمة التي لا يستغنـي عنه المؤرخ أو الأديب  .

ونحن سنعرض فيما يأتي ثلاث صور فقط مما وجدناه أو استخلصناه في رحلات إخواننا العرب :

1– صورة البدوي المتخلف .

2 – صورة الحاكم .

3 – صورة الحضري المثقف .

ولا يهمنا هنا تصحيح الأخطاء بقدر ما يهمنا تقديم الصورة نفسها، التي قد لا تعجبنا في الوقت الراهن؛ لأنها تذكرنا بماض قديم، أو لأنها مهزوزة مشوهة، أو لغير ذلك من الأسباب . ولكنها على أي حال، قد لا تخلو من صدق، وقد تمثّل انطباعاً عابراً لا يضر . والأهم من ذلك كله، أن تلك الصورة قد غدت جزءاً من التاريخ لا يمكن إغفاله . وربما يهمّ المؤرخ تصحيح الأخطاء، أما ما يهمنا نحن فهو تقديم الصورة نفسها، ولا سيما الصورة الأدبية بكل ألوانها المضيئة والداكنة .

 

1 – صورة البدوي المتخلف :

للجزيرة العربية في نفوس الرحّالة العرب صورتان متمايزتان : صورة برّاقة متخيّلة موغلة في القدم، وصورة مظلمة محسوسة يجسّمها الواقع . الأولى منتزعة من كتب السير والمغازي والتاريخ والشعر القديم، والثانية مستقاة من التجربة والمشاهدة . ولا تخلو آثار الرحّالة العرب الذين زاروا الأراضي المقدسة وبعض مناطق الجزيرة العربية الأخرى، في أوائل هذا القرن من هاتين الصورتين: الصورة الرومانسية العاطفية الخلابة، والصورة الواقعية المتجهّمة، ومن الطبعي أن يكون التناقض حادًا بين الصورتين، لا سيما في أواخر العهد العثماني والعهد الهاشمي في الحجاز . ولقد ساعد على تعميق هذا التناقض في أذهان الرحّالة العرب عوامل عدة أهمها الجهل بأوضاع الجزيرة العربية في ذلك الوقت، وتأخر بلدان الجزيرة العربية اقتصادياً وثقافياً واجتماعياً عن معظم البلدان العربية الأخرى لأسباب كثيرة لا محل لذكرها هنا . ويكفي أن نذكر أن الحجاز في أواخر العهد التركي حتى أوائل العهد السعودي كان يعتمد في موارده الاقتصاديـــة اعتماداً كلياً على الحج والأوقـــاف والصدقات التي ترده من جميع أنحاء العالم الإسلامي . يقول إبراهيم رفعت : " جـرت العـــادة من قديم أن تصرف الحكومة المصرية مرتبات للأشراف والعربان والأهالي بمكة والمدينة"([2]) . وليست هذه الموارد ثابتة بل كثيراً ما تتغير بتغير الظروف والأحوال السياسية المختلفة . فالحرب العالمية الأولى حرمت الحجــــاز من " الصرّة " العثمــــانية والحجّـــــاج الأتراك، كما حرمته من " الصرّة " المصرية وصدقات الحبوب التي كـــانت ترد إليه من مصر([3])، وتوتّر العلاقات بين الحجاز وكثير من البلدان الإسلامية الأخرى في عهد الشريف الحسين قد حرم الحجازيين من مرتباتهم التي كانوا يقبضونها من تركيا ومصر، كما حرمتهم أيضاً من التبــــرعات التـــي كانت تصلهم من الهند وبخارى([4]) .

لقد ساعدت تلك الظروف – إذن – على اقتران حياة الصحراء غالباً بالهمجية والتخلف . ولم تتغير تلك الصورة كثيراً في أذهان الرحّالة العرب الذين قدموا إلى بلادنا خلال النصف الأول من هذا القرن . ويرجع ذلك أيضاً إلى العزلة التي عاشتها معظم أجزاء الجزيرة العربية في الخوف والفقر والجهل، حتى غدت مفازة يصعب العيش فيها للمقيم، ومهلكة يحسن تجنبها للمسافر الغريب . أما فريضة الحج فقد كانت حقاً رحلة محفوفة بالأهوال والمخاطر .

ومن ثمّ، فقد أصبحت كلمة " بدوي " مرادفة لكلمة اللص أو قاطع الطريق، كما أصبحت تعبّر عن العرق أو الجنس ، ولم تعد حالة من حالات التمدن البشري . وكثيراً ما اختلطت كلمة " عربي " بـ " أعرابي "، ولا يزال بعض إخواننا العرب يطلقون كلمة "عربي " و " عرب " على البدو الرّحّل .

ولعل خير ما يمثل ذلك الخوف المتأصّل في نفوس العرب من " العرب " ما قاله أمين الريحاني في كتابه " ملوك العرب "، مبيّنًا أسباب رحلته إلى الجزيرة العربية، إذ يذكر أنه عندما سافر إلى الولايات المتحدة الأمريكية كان في سن الثانية عشرة من عمره، ولم يكن يعرف شيئاً عن العرب وأخبارهم " غير ما كانت تُسمعه الأمهات في لبنان صغارهن: هُسْ، جا البدوي! والبدوي والأعرابي واحد، إذا رامت الأم " بعبعًا تخوف به أولادها ... " ([5]) .

ويكاد يكون هذا الجهل الذي يعترف به الريحاني – قبل قدومه إلى الجزيرة العربية سنة 1922م – قاسماً مشتركاً لدى جميع الرحّالة العرب الذين زاروا بلادنا في أواخر العهد العثماني في الحجاز وبدايات الحكم السعودي . يقول محمد لبيب البتنوني، في كتابه " الرحلة الحجازية" سنة 1910م ، إن " هذه البلاد غير معروفة للآن كما يجب لذوي البصيرة والعرفان . . ." ([6]) . ويشير محمد حسين هيكل إلى الإهمال الشديد الذي لحق بالجزيرة العربية من قبل الباحثين في العصور المتأخرة ؛ وذلك لتخلفها وضعف شأنها " شأن الناس إذ يرغبون عن كل ما انطفأ بريقه ، وإن حوى في طياته أثمن النفائس"([7]) . وتقول بنت الشاطىء :" إنه طوال الأربعة عشر قرناً الماضية كانت آلاف الحجـــــاج تصل إلى المدينتين المقدستين ، ولكنهم ما كانوا يتخطون حدود الحجاز إلى نجد ، وبقيت الصحراء خـلال تلك القــــرون قائمة هناك بكل صمتها العميق وسرهــــا المرهوب . . ." ([8]). ويقول خيرالدين الزركلي : إن أكثر الرحلات العربية لم تعن بغير المدينتين المقدستين وما بينهما مما له علاقة بفريضة الحج، وهكذا أهمل الطائف وغيره مما لا صلة له بالفريضة([9]) .

ويبدو أن تلك الفكرة المسبقة عن عزلة البلاد وتأخرها قد جعلت الكثيرين من الرحّالة العرب المحدثين يتصيدون الأخبار المثيرة التي تؤكد الهمجية والتوحش . ومن ذلك ما أورده هيكل عن قوم يعيشون في بعض المرتفعات: " لم ينزلوا السهل حياتهم، ويرون في نزوله المعرّة الكبرى، فإذا احتاجوا إلى شيء مما فيه فأتباعهم وضعافهم هم الذين ينزلون" . ويقول هيكل  :إن بعض المسؤولين قد اقتحموا عليهم عزلتهم فرأوا " هؤلاء القــوم يعيشون في الكهوف والمغارات عيش الحيوان المفترس، ورأوا أحــدهم إذا ظفر بغنيمة مما كانوا يذبحون فرّ بها إلى كهفه وأوى إليه ، وانبعث ينهشها كما ينهش الحيوان المفترس فريسته، وجعل يذب عنها من يحاول اقتحام الكهف عليه بأن يدفعه برجله كما يفعل الذئب أو النمر . . ." ([10]) .

أو ليست هذه صورة منافية للإنسانية نفسها، وقد كرّم الله ابن آدم وأجلّه من أن ينحطّ إلى مرتبة البهيمــــة بَلْه الحيوان المفترس؟! ومع ذلك، فإن هيكل يصدق تلك الروايـــة ، ويقول : إنه رأى ما يشبه محتواها في بعض المناطق الأخرى من البلاد! .

ومن المؤكد أن تلك الروايات تحمل الكثير من المبالغة والتزيّد ، ولا نستغرب أن يصدقها هيكل، كما يصدقها زملاؤه القادمون من الحواضر المتمدنة المترفة في مصر والشام . ولم يكن بعضهم على استعداد لفهم الاختلاف بين الشعوب في السلوك والعادات والتقاليد، بقدر ما كانوا على استعداد لجعل ذلك الاختلاف موضوعاً للانتقاد والتهكم . وهيكل نفسه هو الذي سمع شعراً بدوياً، في بعض نواحي الطائف، لم يفهمه، فوصم لغة البدو بـ " الرطانة" "التي لا يصل بينها وبين العربية الأولى نسب"([11]).

أما إبراهيم عبد القادر المازني فلم يترك شيئاً لم يمدّ له لسانه ويسخر منه . وقد تحوّل ذلك البدوي النجدي البريء الضامر الجسم الذي يضفّر شعره ويسدله على كتفيه ويكحّل عينيه إلى حسناء تسبيه بجمالها وفتنتها : " . . . وثنيت عيني إلى جارتي الرشيقة وشعرها الوحف المضفّر الذي يفترق فوق جبينها الوضاء ، ويلمع في ضوء الشمس كأنه مدهون " بالبرينتين " وإلى حور عينيها الواسعتين اللتين يزينهما الكحل، وإلى ديباجة وجهها الضافية وماء الشباب الذي يترقرق في وجنتيها، والابتسامة الخفيفة المغرية التي تفتّر عنها شفتاها الرقيقتان . وأحسب عيني لم تتحول عنها..." ([12]) . وتظن حين تقرأ هذا الوصف أن المازني إنما يتغزّل بغجرية جميلة رآها في بعض شوارع القاهرة، لا ببدوي يتسوق في بعض شوارع ينبع . وتكاد تتطابق صورة ذلك البدوي الرقيق مع الصورة المألوفة في الأفلام الأمريكية عن الهندي الأحمر، إذ يكتشف المازني الحقيقة في آخــر الأمر ويعجب " إن هذا الرجل الذي يكاد يسيل من اللين يحسن أن يركب جواداً أو يضرب بسيف أو يقوى على حمل رمح، وقد رأينــــاه يفعل ذلك كله، فكأنما ركب الجواد ألف عفريت، ولا أكتم أنَّا خفناه"([13]) .

ومن الطبعي أن يتقزز أولئك الحضر المترفون من رثاثة البدو وخشونتهم . وقد صور لنا علي الطنطاوي شيئاً من ذلك في رحلته التي قام بها مع الوفد السوري إلى الحجاز سنة 1935م، بمناسبة افتتاح طريق الحج البرّي للسيارات، وقد نشرت الرحلة سنة 1940م . يقول في وصف ما سماه " وليمة بدوية "  : " . . . جاءوا بالدقيق فعجنوه بهذه الأيدي القذرة، ذات الأظافر السود، وصبّوا عليه السمن النيء ومزجوه به، ثم جاءوا بالعجوة فعجنوها معه، فكانت الأكلة من ثلاثة أجزاء متساوية : جزء من الدقيق، وجزء من العجوة، وانضم إليها جزء مثل ذلك من الرمل الذي طار إليها، وجزء من الشعر الذي نزل من رؤوسهم ومن لحاهم فيهـــا . وكنا نريد أن نفطر الصبح فقالوا : لا، بل تصبرون حتى تأكلوا الحنيّنة فصبرنــا وصبرنـــا حتى اقترب الظهـــر ولم تنته الحنيّنة . ثم جاءت، فأقبلوا عليهــا بأيديهم يكبكبون ويرمون في حلوقهم، وجئت لآكل فلم استطع . . ." ([14]) .

أما منظر " الخروف برأسه " على المائدة فقد كان في ذلك الوقت مستغرباً عند معظم إخواننا العرب، إذ رأوا فيه، فيما يبدو، مثالاً صارخاً على الغلظة والتوحش . فإذا أضيف إلى " الرأس " الذي ينظر إلى الآكل بعينين حزينتين مطفأتين، تلك الأكف الخشنــة ذوات الأصابع الحادة المدرّبة التي تقطع وتنهش وتدحو وتعصر وسط الحرارة اللاهبـــة، تأكدت لنا صـــورة ذلك الإنسان الأول الذي رآه  هيكـــل أو سمع عنه في بعض الكهـــوف والمغارات . يصف الطنطاوي ذلك الوضع – غير الحضـــاري –على النحو التالي، ونجتزىء منه هذه الفقـــرة :

" . . . وكان الخروف مفتوح العينين، ناعس الطرف، فأخذتني الشفقة عليه، وتوهمت أنه ينظر إلينا وأنه ... ثم رأيت أنه لا مجال للوهم ولا للخيال، وأن الوقت لا يتسع للأدب؛ لأن القوم أحدقوا بالقصعة وشمروا عن سواعدهم، ونظروا شزراً فعل من يقدم على معركـــة، فخشيت أن يذهبوا بالرز واللحم، ويبقى لي الخيال والوهم، ومتى أفاد الخيال جائعاً أو أجدى الأدب على إنسان . وكان أصحابنا ( رفاق الطنطاوي) يفتشون عن ملعقة أو سكين أو شوكة، فما وجدوا شيئاً من ذلك ، وأبصروا القوم يأخذ أحدهم قبضة الرز فيديرها في كفه ويعصرها حتى يقطر منها السمن ويحركها كما يحرك اللاعــــب الكرة قبل قذفهــــا ، حتى إذا اطمأن إلى أنها صارت كالقنبلة قذف بها في حلقــــه، فما استقرت– بإذن الله– إلا في معدتـــه، لا تقف في الفم ولا تمسّها الأسنــان ..."([15]) .

قد لا تعني هذه القطع الأدبية الجميلة – التي نصادفها أحيانا في رحلات الأدباء العرب – نقداً حقيقيّاً لأوضاعنا المحلية، إذ كثيراً ما يجنح فيها الأديب إلى الظرف والتظرف وعرض مهارته اللغوية أو قدرته على دقة الوصف وإصابة الهدف، مع خلط الجد بالهزل وإشاعة جو غامر من التبسّط والمرح، مما يذكرنا بالجاحظ والهمذاني ونحوهما من أئمة البيان العربي في القديم والحديث . ولكن ذلك النقد، مع ما فيه من بلاغة وظرف، لا يخلو من قصد وشعور بالاستعلاء والتميّز، وقد يبلغ أحيانا حدّ السخف كما هو الحال في رحلة محمد شفيق مصطفى التي سماها:" في قلب نجد والحجاز "، فهي رحلة تافهة جداً، مملوءة بالأخطاء، وليس فيها فن ولا علم ولا أدب، وقد نشرت سنة 1927م([16]) .

فإذا ما تركنا هذا الجانب الشكلي في شخصية البدوي، والتفتنا إلى الجوانب الأخرى التي استرعت انتباه الرحالة العرب، ولا سيما في أواخر العهد العثماني، وجدنا أن مشكلة الأمن هي القضية الرئيسة، وأن البدوي هو المحور الأساس فيها ؛ لأنه مصدر الخطر على الحجّاج والوافدين . وقد كان طريق الحاج من أكثر مناطق الجزيرة العربية تعرضاً للغزو وأعمال العنف . يقول إبراهيم رفعت  : إن أول من أقام للمدينة المنورة سوراً كان محمد بن إسحاق الجعدي سنة 263هـ ، وذلك لكي يحميها من هجمات الأعراب وغزوات البدو([17]). ويقول هيكل  : بل إن عضد الدولة " أبو شجاع " وزير الطائع لله هو أول من أنشأ سوراً للمدينة المنورة سنة 360هـ، وكـان الأمراء يجدّدونه كلما تداعـت أركانه اتقاء لغزو الأعراب([18]). ومدينة ينبع البحر محاطة كذلك بسور بناه دولة المشير عثمان باشا نوري، وقد منع الأعراب من دخول هذه البلدة مسلّحين، بل يضعون سلاحهم في المخفر ويأخذونه بعد الخروج([19]). وكثيرة هي الأخبار التي تدل على الفوضى وتدهور الأمن في الحجاز منذ أقدم الأزمان . وفي رحلة إبراهيم رفعت والبتنوني ما يؤكد استمرار هذه الحالة حتى أوائل القرن الميلادي الحالي . يقول رفعت عن الجمّالة :" . . . هؤلاء العربان يحافظون على الحجاج وعلى أمتعتهم متى غمروهم بالخيرات من مأكولات ولحوم ومشروب الشاي، وتزداد عنايتهم بالحجاج إذا وعدوا بكسوة يعطونها في المحطة الختامية . وكسوتهم يسيرة الكلفة فهي ثوب قطني من البفتة السمراء وعقال وكوفية لا تتجاوز قيمتها عشرة قروش مصرية، أما من بخل عليهم بماله فيرونه العذاب ألواناً، فتارة يقطعون حزام الجمل فيقع راكبه ويتأخر عن القافلة حتى يصلح الحزام . وربما انتهزوا فرصة الانفــــراد به وقتلوه إذا لم يبرز لهم الريــــالات ويتعهد بالغذاء، وتـــارة يؤخرون الجمـــل عن القافلـــة بحجة أن الرحلة في حاجة إلى إصلاح، وما يريدون بذلك إلا فرصـــة للفتك به . . ." ([20]). ويشير إبراهيم رفعت إلى أن الطريق بين جدة ومكة كان مملوءاً بالقلاع التي يرابط فيها بعض الجنود الأتراك وجنود الشريف لرد الغارات والضرب على أيدي اللصوص وقطّاع الطريق([21]). ويقول  : إن الطريق من المدينة المنورة إلى قباء مخوف لكثرة النخيل به على الجانبين " فالواجب اتخاذ الرفيق وحمل السلاح، إذ هناك أعراب أشقيـــاء يترصدون من ينفـــرد عن ركبه فيسلبونـــه ماله وربما قتلوه... "([22]) . وقد بلغ أذى العربان  المشاعر المقدسة نفسها، فقد كان بعض أشرارهم يتربص ببعض الحجاج الذين يبتعدون عن منى لإحضار المياه فيسلبونهم أموالهم . وقد كانت الآبار تبعد عن منى بأكثر من ثلاثة أميال([23]).

والحقيقة أن مشكلات الأمن لم تكن مقصورة على طريق الحاج بين مكة والمدينة، بل كانت تشمل أنحاء الجزيرة العربية كافة . يقول الريحاني الذي طوّف معظم مناطق جزيرة العرب في أوائل هذا القرن : "كانت الطرق في الأحساء في عهد الأتراك لا تعبر إلا بقوة عسكرية، أو بدفع " الخوّة " . وكانت الطريق بين العقير والحسا، وهي طريق التجارة إلى نجد الأسفل، أكثرها وأشدها أخطاراً . فكان التاجر العربي المسلم الذي يروم الوصول إلى الهفوف – مسافة أربعين ميلاً – يضطر أن يدفع " الخوّة " كلما اجتاز خمسة أميال أو عشرة من هذه الطريق المخيفة، طريق التجار والأموال " . ويقول لقد جاءها الأعراب من كل مكان : من الجنوب ومن الربع الخالي ومن قطر ، وما دونها ، ومن الشمال من نواحي القطيف ، والكويت ، ومن داخل البلاد من وراء الدهناء " فحاموا على هذه الطريق وربطوها وقطعوها، وتقاسموا أموال قوافلها"([24]) . ولم تكن الجنوب ونواحي تهامة أسعد حالاً، فقد كانت تعاني من هجمات بعض القبائل الشرسة التي كانت لا تخضع لسيد أو إمام ولا تخشى أساطيل الإنجليز . فكانوا يقطعون الطريق ، ويعملون بالقرصنة ، ويهرِّبون السلاح ، ويتاجرون بالرقيق([25]) .

لقد توزّع الأعراب – إذن – على الطرق الرئيسة المهمة في الجزيرة العربية في أواخر العهد العثماني، طرق التجارة أو طرق الحجيج، وكانوا قوة حقيقية يرهبها الأتراك ويداهنها الحكّام . كانوا قوة بأعدادهم وعصبيتهم ومواضعهم الحصينة وجرأتهم، وكانوا مسلحين بالأسلحة الحديثة . يقول إبراهيم رفعت : " شاهدت مع الأعراب جميع أنواع البنادق الحديثة من سمة " ماركة " مارتيني وفورد وليمتفورد الإنجليزية، وسمات أخرى فرنسية وطليانية وغيرها . وشاهدت بندقية رصاص دمدم الخ . وهذه الأسلحة تحضرها إليهم المراكب الشراعية – السنابيك – من الثغور البحرية مثل جيبوتي ومصوع وغيرهما ، وتباع لهم بأثمان غالية "([26]) .

ويقــــول الريحــــاني: إن القوة الحربية لإحدى قبائل تهامة تدنو من عشرة آلاف بندقية([27]) .

لقد كان البدو دولة داخل دولة . بل هم دول صغيرة في دول صغيرة ضعيفة متفرقة مفككة . لم يكونوا يخشون الشريف أو الإدريسي أو ابن رشيد أو الأتراك . بل كثيراً ما تحدوا السلطة ، وخرجوا على الحكومة الشرعية القائمة . وربما خشي الحاكم سطوتهم فتحالف أو تواطأ معهم . يقول إبراهيم رفعت  : " إن من ضمن ما يحتويه " فرمان " الباب العالي لأمير مكة حضّه على مساعدة الحجاج ، وكف أذى العربان عنهم . وفي الفرمان كثير من الآيات القرآنية والأحاديث النبوية التي تأخذ بمجامع القلوب . ولكنها مواعظ لم تصادف الأذن المصغية والقلوب الواعية، فإنك تسمع عقب تلاوته دوي الرصاص يرمي به الأعراب حجاج البيت الحرام ، وترى دولة الشريف يقول : "سيبوهم "، فما أرق الموعظة وما أقسى القلوب! "([28]). والحقيقة أن الشريف لم يكن قادراً على حماية ضيوف بيت الله الحرام من بطش الأعراب وجبروتهم، فقد حج أمير الشحر والمكلا هو وأسرته فلم يجد من يحميه في الطريق من مكة إلى المدينة سوى جنود المحمل المصري، ولكنه عندما أراد العودة إلى ينبع البحر أو إلى جدة تكاثر عليه الأعراب يساومونه، ولم يستطع الشريف حمايته على الرغم مما بذله الأمير له وللوالي من الأمــوال والهدايا، ولم يجد مفراً في آخر الأمر سوى العودة مع المحمل([29]). ويقول إبراهيم رفعت عن جنود الولاية الأتراك المنتشرين في القلاع بين جدة ومكة : إنهم " لا يفارقون أماكنهم لرد الغارات والضــــرب على أيدي اللصــوص وقطّاع الطريــــق، ولو كــان ذلك بمرأى منهم ومسمع إلا إذا أمرهم الوالي وأين هو منهم ؟ وكثيراً ما سلب الحجاج أمتعتهم إذا تأخروا عن القافلة لإصلاح الأحمال أو قضاء بعض الضرورات . وإذا ما سئل هؤلاء الحراس لماذا لا تقومون بالواجب؟ قالوا : " أمر يوك " أي ليس عندنا أمر ... فما أقبح العـــــذر"([30])  .

وهكذا نرى صورة البدوي في أواخر العهد العثماني، صورة الفاتك المجرم قاطع الطريق، وشخصيته هي شخصية البدوي المستقل المعتدّ بنفسه، الذي لا يدين للدولة بقدر ما يدين للقبيلة . ومن هنا نستطيع أن نقدّر تلك الجهود العظيمة التي بذلها جلالة الملك عبد العزيز رحمه الله، للتغلب على مشكلات البدو وإخضاعهم للسلطة، وقد عانى منهم الأمرّين في بداية فتوحاته وإصلاحاته في قلب الجزيرة العربية وما جاورها من مناطق . وقد دهش الريحاني الذي زار الملك عبد العزيز سنة 1922م، أي قبل فتحه الحجاز، عندما رأى استتباب الأمن والعدل في جميع المناطق الخاضعة له، فقد استطاع الملك عبد العزيز منذ ذلك الوقت أن يغير من تلك الصورة المنفرة للبدوي الشرس الخارج على السلطة، وأن يجعله مواطناً صالحاً يدين للدولة ويحترم النظام . وقد سار الملك عبد العزيز خطوات طويلة ومراحل كثيرة في سبيل الوصول إلى هذه الغاية العزيزة المنال . ومن أهم هذه الخطوات ما قاله عبد العزيز للمندوب السامـــي البريطاني في مؤتمر العقير عن العشائر في العراق : " . . . العشائر يا حضرة المندوب لا يفهمون إلا بالسيف، وإلا فهم يركبون على ظهــــر الحكومة ، ويسوقونها والبلاد إلى مهاوي الخراب ... أشهروا السيف يرتعدوا، يتأدبوا، اغمدوا السيف ينهبوا ويقتتلوا، ويتقاضوكم مع ذلك الخوة "([31]). ولكن عبد العزيز لم يعتمد في الحقيقة على السيف وحده في تغيير شخصية البدوي واستمالته واستئناسه، بل اعتمد كذلك على وسائل أخرى، أهمها زرع العقيدة في نفسه ، وجعله جندياً مخلصاً للذب عنها ونشرها وترسيخها (أخو من طاع الله)، وربطه بالأرض يفلحها ويتعيش منها، وإشاعة الأمن والعدل وتطبيق الشريعة الإسلامية .

 

2 – صــورة الحاكم :

إن الرحلة الوحيدة التي يغلب عليها الطابع السياسي خلال هذه الحقبة هي رحلة أمين الريحاني " ملوك العرب " التي قام بها بعد الثورة العربية بحوالي سبع سنوات، وقبيل ضم الملك عبد العزيز للحجاز بحوالي سنتين فقط . فالريحاني– كما يدل عنوان كتابه– معني في الدرجة الأولى بمقابلة الزعماء العرب، واستقصاء الحالة السياسية العامة في الجزيرة العربية، ومصير المشرق العربي وشعوبه بعد الحرب العالمية الأولى، وبعد الثورة على الأتراك وانهيار الخلافة العثمانية .

ومع ذلك، فإن الرحلات الأخرى لا تخلو من إشارات إلى النواحي السياسية، كما نرى في كتاب "مرآة الحرمين " الذي حمل فيه مؤلفه – إبراهيم رفعت – حملة شديدة على فساد الحكم في أواخر العهد العثماني في الحجاز ، ولا سيما عون الرفيق الذي يقول عنه : " يلقب شريف مكة بسيد الجميع تمييزاً له عن بقية الأشراف، وهو الحاكم الذي لا ينازع في أمر ولا يرد له قول، ينفي من شاء ، ويحبس من شاء ، ويعاقب من شاء، بيده عقد الأمور وحلها، وكل الحكام بمكة طوع إشارته من كبيرهم  أحمد راتب باشا المشير إلى صغيرهم، فإن عارضه واحد منهم عزل في الحال؛ لأن الشريف له يد قوية في الدولة، فأي الأمور طلب أجيب إليه، بل غالب الشكايات منه ترد إليه ليفصل فيها بما شاء من شرع أو هوى، ولا معقب لحكمه . فالويل كل الويل لمن شكا . نعم هذه اليد المستبدة تناسب حال الأعراب الأشرار الذين  لا ترغمهم إلا القوة ولا يقومهم إلا البطش بهم . ولكن لو ضمت إلى القوة العدالة لكبح الأشرار عن سيئاتهم، والتف الناس حوله بأجسامهم وقلوبهم؛ لأن للعدل من السلطان على النفوس ما ليـــس للقوة الغاشمة "([32]) .

وفي الوقت الذي يحمل فيه إبراهيم رفعت على الشريف عون الرفيق هذه الحملة الشديدة، فإنه يثني ثناءًا عاطراً على الشريف علي باشا ؛ إذ يقول عنه : " أما الشريف علي باشـــا فله سلطة على الأعــراب ، وله في نفوسهم مكانة واحتـرام ؛ ولذلك لا يردّون له قولاً، وهو الذي يقابلهم إذا حضروا ، ويفاوضهم إذا عملوا ما لا يرضاه الشريف ، وود إقلاعهم عنه ..." ([33]).

ويتحدث إبراهيم رفعت في موضع آخر من كتابه عن فداحة الظلم الذي لحق بالناس من استبداد عون الرفيق وجوره، ويشير إلى ثلاث رسائل كتبت عنه في ذلك العهد، الأولى بعنوان : " ضجيج الكون من فظائع عون " ، كتبها السيد محمد الباقر بن عبد الرحيم العلوي، في 29 ذي الحجة سنة 1316هـ، يستنجد فيها بالسلطان عبدالحميـد، والثانية بعنـــوان  :" خبيئة الكون فيما لحق ابن مهني من عون " للشريف محمد بن مهني العبدلي، وكيل الإمارة بجدة وأمير عربانها . أمـــا الثالثة فهي قصيدة أمير الشعراء أحمد شوقي التي نشرت بجريدة " اللواء " سنة 1322هـ/ 1904م . وقد أورد إبراهيم رفعت نصوص هذه الرسائل . وقصيدة شوقي هي القصيدة المعروفة بـ " صدى الحجيج " التي يقول في مطلعها :

                                      ضجّ الحجـــــاز وضجّ البيت والحـــــرم

                                                                                 واستصرخت ربّها في مكة الأمم

                                         قد مسّها في حماك الضرّ فاقض لها

                                                                                   خليفــــة اللـه أنـت السيّد الحكـم

                                         تلك الربــوع التـي ريع الحجيــج بهـا

                                                                               أللشــريف عليهــا أم لك العـلم؟

                                       أهين فيهـا ضيوف الله واضطهدوا

                                                                               إن أنت لـم تنتقــم فاللـه منتقم

والقصيدة جميعها تصوير للمآسي التي تحدث في الحجاز وللحجّاج من جراء انعدام الأمن واستبداد الحكومة . وفيها تحريض للخليفة العثماني على تأديب الشريف أو خلعه من الإمارة . ويقول إبراهيم رفعت : إن عون الرفيق كان يتقاضى من الحجـــاج سنويــــاً مائة وخمسين ألفاً " يأخذهــــا ظلماً وعدواناً "([34]). والحقيقة أن حملة المؤلف لا تقتصر على عون الرفيق وحده ، بل تمتد لتشمل كذلك أسلافه في الماضي حيث التنافس على أشده بين أفراد الأسرة الواحدة، وقد ترتكب أشنع الجرائم في سبيل الفوز بالحكم([35]).

لقد تولى عون الرفيق إمارة مكة في سنـــة 1299هـ حتى وفاته بالطائـــف سنة 1323هـ، حيث تولى الإمارة بعده علي باشا ابن عبد الله، ثم عبد الإله باشا ابن محمد ابن عون سنة 1327هـ، وكان مقيماً بالآستانة ، وتوفي بها قبل أن يصل إلى مكة، فانتقلت الإمارة بعده في العام نفسه إلى الشريف حسين باشا ابن علي بن محمد بن عون . وكان هو الآخر مقيماً في الآستانة منذ سبع وعشرين سنة([36]).

لقد قام البتنوني برحلته – مرافقاً للخديوي عباس حلمي – سنة 1329هـ، أي : بعد أكثر من عامين على تولي الشريف الحسين بن علي إمارة مكة . وقد أثنى المؤلف علي الحسين ، وقــــال : إنه " قام بالأمر حق قيام بهمـــــة لا تعرف الملل، وضــرب على أيدي قبائـل العـرب الذين كانـــوا يتحفـــزون للخروج على الدولة ..." ([37]). ويقول أيضاً :" ولقد تشرّفت بمعرفته (الحسين) مدة وجودنا بمعية الجناب العالي بمكة ، فوجدته أنيساً وديعاً كريم الأخلاق، حسن السجايا، قد جمل الوقار رؤياه، وكمل الأدب جلال محياه ..." ([38]).

أما الإمام محمد رشيد رضا فقد قدم إلى الحجاز في الأيام الأولى من الثورة العربية التي قام بها الشريف الحسين ضد الأتراك سنة 1334هـ/ 1916م، وشاهد الأسرى من جنود الأتراك بعد سقوط الطائف مخفورين في طريقهم إلى جــــدة . ولكن المدينة المنورة ما زالت في ذلك الوقت محاصرة في أيدي العثمانيين . وعلى الرغم من تأكيد الإمام على أنه إنما شدّ الرحال إلى الأراضي المقدسة لأداء فريضة الحج فحسب، فإنه في الواقع لا يخفي كراهيته لرجال الاتحاد والترقي ، وتأييده للثورة ، وإعجابه بشخصية الحسين، وإن كان إعجاباً يشوبه التحفظ لعدم وضوح الرؤية في تلك المرحلة المبكرة والغامضة من الثورة . وقد أورد المؤلف نص الخطبة السياسية التي ألقاها في منى بين يدي الشريف ورجال دولته وبقية الوفود من العرب والمسلمين . وفي هذه الخطبة يبيّن الإمام موقفه واضحاً من رجال الاتحاد والترقي، فهم – في نظره – " أوباش من الملاحدة المارقين ، قد وصلوا إلى ما وصلوا إليه بكيد يهود سلانيك ، وشركائهم في النمسة وألمانيا أقوى أنصارهم؛ ولذلك نرى أكبر همهم جمع المال، فلا هم على دين هذه الدولة فيغاروا عليه، بل هم يقاومونه ويهدمونه، ولا هم من أصل راسخ فيها فيكونوا أحرص من (هكذا) حياتها من أبناء سلاطينها وأساطينها ..." ([39]).

والحقيقة أن محمد رشيد رضا في خطبته هذه يحاول أن يبرّر انتفاضة الحسين على الأتراك العثمانيين بعد أن لمس انقسام الناس بين مؤيد ومعارض . وهو يبني مبرراته على شواهد من التاريخ، وشواهد أخرى من الأحداث المعاصرة. فالتاريخ يقول:إن الضعف قد دبّ في جسد الدولة العثمانية منذ ما يقرب من ثلاثة قرون، والدليل على ضعفها تجرؤ محمد علي باشا – وهو لا يعدو أن يكون والياً على مصر – على فتح سوريا والتوغل بجيوشه إلى حدود الأناضول . وكان باستطاعته أن يستولي على الآستانة لولا معارضة الدولة البريطانية . ومن دلائل ضعفها تلاعب أركان الدولة بسلاطينها يخلعون من يشاؤون . فقد خلعوا السلطان عبد العزيز – الذي خلف أخاه السلطان عبدالمجيد سنة 1277هـ ، وقتلوه . وولوا بعده السلطان مراداً ، ثم خلعوه ونصّبوا السلطان عبدالحميد ؛ لأنه " كان عاهدهم على العمل بالقانون الأساسي الذي قلدوا فيه الدول الأوربية ظناً منهم بأنهم لا يعتزون إلا بما اعتزت به من الحكم النيابي " . أما الأحداث المعاصرة فقد أشرنا إلى موقف الإمام من جمعية الاتحاد والترقي واتهامه لزعمائها بالإلحاد والتواطؤ مع اليهود، وقد اتهمهم أيضاً بنهب أموال الدولة والتسبّب في هزيمتها وإضاعة الكثير من ولاياتها مثل بلغاريا والبوسنة والهرسك وطرابلس الغرب ومكدونية وألبانية . ويخلص الشيخ محمد رشيد رضا إلى القول بأن الشريف الحسين هو الرجل الوحيد بين زعماء المسلمين الذي نهض لتدارك الخطب ، وعمل ما يمكن عمله في هذه الظروف الصعبة ، وهو " إنقاذ الحجاز، مهد الإسلام ومشرق نوره، مما نزل به من البلاء والشقاء، ثم إنقاذ غيره مما يمكن إنقاذه من البلاد العربية، ليكون ذلك بيئة لحفظ الاستقلال الإسلامي، وعدم زواله بما يخشى ، ويتوقع أن يحل بالدولة العثمانية والعياذ بالله تعالى ..." ([40]).

يمكننا القول إذن : إن إعجاب محمد رشيد رضا بالشريف الحسين، في مبتدأ قيامه بالثورة ضــد الأتراك، كان نابعاً في الدرجــة الأولى من عاطفتـــه الدينية، وكان متفائلاً – كالحسين نفسه – بوعود بريطانيا العظمى، وما كان ليعلم، بطبيعة الحال، ما يحاك من دسائس ومؤامرات للإسلام والأمة العربية . وقد خص المؤلف جزءاً صغيراً من رحلته لبيان "صفات الأمير وشمائله " . ومما قاله عنه : إنه كريم مضياف عزيز النفس، شديد الاعتداد برأيه، ولكنه يقول عنه أيضاً : إنه شديد الحذر، سيء الظن " ، ولذلك، تراه ينظر في كل شيء من شؤونه الخاصة وشؤون البلاد العامة، حتى أمور المنزل وشؤون الضيوف والوفــود ونفقاتهم، ومصالح البدو وصلاتهم، وقد أعطاه الله – تعالى – قوة غريبة ، فهو يشتغل بالنظر في ذلك كله عامة النهار ، ولا يشكو مللا ولا تعبا  . . "([41])  . ويقول عنه أيضاً إنه شديد اليأس من الدولة العثمانية ، وإن " له ثقة بالدولة البريطانية وتقديراً لقوتها وعظمتها لاحد لهما ولا سلطان لشيء عليهما " . ويشير إلى ناحية مهمة في شخصية الحسين تؤكد ما ذكره سابقاً عن سوء ظنه وشدة حذره، إذ يقول : " إن ما شاهده (الحسين) من التطور والتحول في سياسة الدولة العثمانية وإفضاء ذلك إلى جعلها كالكرة في أيدي جمعية الاتحاد والترقي قد ضاعف ما في فطرته وتربيته من كراهة الآراء والأفكار التي نشأ عنها ذلك الفساد وشدة الحذر من أصحاب أمثال هذه الآراء والأفكار ... "([42]).

وحين نصل إلى سنة 1920م – تاريخ الرحلة التي قام بها خير الدين الزركلي إلى الحجاز – نجد أن الأمور قد تكشفت بما فيه الكفاية في معاهدة " سايس بيكو " التي اقتسمت فيها بريطانيا وفرنسا تركة الرجل المريض منذ مطلع هذا القرن، وفي وعد بلفور سنة 1917م الذي منح اليهود وطناً قوميّاً في فلسطين . وقد ثبت الآن، بما لا يدع مجالاً للشك، سراب ذلك الوهم الكبير الذي كان يعيشه الشريف الحسين والمتحمسون لثورته من أمثال محمد رشيد رضا، أو كما قال الزركلي : " عاهدوه على سورية واستعمروها، وعلى العــراق واحتلوها، وعلى فلســـطين وهودوها، وعلى الجزيرة وقسّموها ... " ([43]). لقد أخرج الفرنسيون ابنه فيصل من سوريا، ولم يدم حكمه فيها سوى أشهر معدودات، فبادر إلى إرسال ابنه عبد الله إلى الأراضي التي حول سوريا والتي لم يحتلها الفرنسيون، وأعلن الحسين أن ابنه سيكون أميراً على معان، آخر الحدود الحجازية من ناحية الشمال([44]). أما فيصل فقد فرّ من الشام إلى إيطاليا ، ثم إلى لندن لمفاوضة الإنجليز في ملك العراق([45]).

والزركلي نفسه جــاء فاراً من الفرنسيين، لاجئاً إلى الحجاز بجواز سفر هاشمي . يصف أول دخــــــوله على الحســــــــين في قصره بمكة، وكان لا يزال بملابس الإحرام  : " دخلت على جلالة الملك فنهض قائماً فأقبلت على يده لأقبلها، فبسط يديه قابضاً بهما وجهي فقبلتهما من باطنهما، وما كنت عالماً بشيء من أسرار تقبيل اليد في ذلك القصر . وكان أول ما كلمني به جلالته قوله : بلادكم يا ابني! هذه بلادكم يا ابني! فدعوت له . وأمرني بالجلوس فجلست"([46]).

لقد أقام الزركلي أكثر من ثلاثة أشهر في قصر الحسين – يراه – كما يقول، كل ليلة أكثر من ساعتين، يستمع إليه مع المستمعين في مجلسه، ويكلمه مع المتكلمين " فعرفته في سروره ورضـــاه، كما عرفته في كدره وغضبه .  ورأيته في جد الأمر ، وقل أن رأيته في لعبه"([47]). وعقد المؤلف فصلاً مهمّاً في رحلته بعنوان " في ضيافة الملك "، تحدث فيه بما رآه وسمعه، بادئاً بوصف دار الحكم – مقره أثناء إقامته – ثم جاء بنبذة عن مولد الحسين ونسبه ونشأته وتعليمه وأساتذته وزواجه وأولاده وهواياته . ويقول عن صلابته وعناده وعلاقته بالاتحاديين قبل الثورة  :" في نفس الملك حسين قوة وصلابة ليس من السهل التغلب عليهما، وهو عنيد شديد لا ينقاد بالعنف ، ويصعب أن ينقاد باللين . وقد ظهرت صفاته هذه بارزة مجسّمة منذ ولي إمارة مكة وحطّ في أم القرى رحاله . فإنه طارد خصومه ، وتسلّم مقاليد الأمور بسهر دائم ويقظة وتحفظ، وأبى أن يمشي مع جماعة الاتحاديين على العميـــاء، فضـــاق به ذرعهم ، وأخذوا يتحينون له الفرص للقضاء على نفوذه ... ويلوح لي أن اختلافـــه مع الاتحاديين بدأ منـــذ خلعوا السلطان عبدالحميد، وقد كان الشريف – وما زال – يثني عليه . ويعد في مقدمة مثالب القوم وثوبهم بسلطانهم، وقد حاولوا كثيراً أن ينشئوا فروعاً لحزبهم في مكة وجدة فناوأهم الشريف فأخفقوا..." ([48]).

وتحدّث الزركلي عن معاناة الحجاز ومجاعته أثناء الحرب العالمية الأولى، وعن ضغوط الاتحاديين على الشريف وأعوانه، وعن استغلال الإنجليز لهذه الظروف الصعبة التي كانت تعيشها البلاد، إضافة إلى حالة القمع التي كانت تمارسها الحكومة التركية في كل من سوريا والعراق ،" فمدّ الإنجليز أيديهم إليهم من بعد، يوهمونهم العطف والإشفاق ويمنّونهم بالإنقاذ والتحرير ..." . وأشار المؤلف إلى الرسائل المتبادلة بين الشريف والسير هنري مكماهون، النائب البريطاني الأكبر بمصر، وبعضها ما يزال مطوياً آنذاك، ولكنه أورد نص إحداها، وهي موجهة من مكماهون إلى الشريف، بصفتها نموذجاً لأسلوب المداهنة والخداع الذي كان يستعمله الإنجليز مع الزعماء العرب([49]).

وعرض الزركلي أحداث الثورة العربية منذ انطلاق رصاصتها الأولى " الساعة 9 والدقيقة 12 عربية قبيل فجر السبت 9 شعبان سنة 1334هـ " حتى انعقاد الهدنة بين الحلفاء وخصومهم يوم 5 صفر سنة 1337هـ / 11 نوفمبر 1918م . ونرى الزركلي غاضباً لنقض الحلفاء عهودهم ومواثيقهم ، ولمحاولاتهم ترضية الحسين بإمارات وممالك لبنيه، وكأن الثورة العربية التي شارك فيها الزعماء العرب إنما قامت لهذه الغاية. يقول:"هم (الإنجليز) يعملون أو سيعملون على إرضائه أو إسكاته، فيؤولون ما لا مناص لهم من الاعتراف به من عهودهم، ويتقدمون إليه يحملون تيجاناً خيالية وإمارات وهمية لبعض بنيه، كأن مصلحة العرب هي أن ينصب بنوه ملوكاً وأمراء . وكأن العرب، وفي جملتهم الملك حسين وأبناؤه، ما ثاروا ولا قاتلوا إلا لتتحول ألقاب أفراد  فيهم من شريف إلى أمير، أو من أمير إلى جلالة فلان"([50]) .

أما أمين الريحاني الذي قابل الملك حسين في أواخر أيامه، سنة 1922م، فإنه يعطي عنه صورة لا تختلف كثيراً عن تلك التي رأيناها عند كلّ من الإمام محمد رشيد رضا وخير الدين الزركلي، ولا سيما في وثوق الحسين بنفسه واعتداده برأيه وشدة حذره وسوء ظنه بالآخرين . غير أن الريحاني، وهو المسيحي المتعصّب لقوميته وعروبته، لا يؤمن أصلاً بثورة الحسين القائمة في أساسها على الدين، كما جاء في منشور الاستقلال الذي أصدره الحسين في 5 رمضان سنة 1334هـ / 27 حزيران سنة 1916م، والذي حمل فيه على الدستور العثماني المخالف للكثير مما جاء في نصوص الشريعة الإسلامية . ويتساءل الريحاني في مرارة وتهكم عن جدوى تلك الوحدة العربية بالنسبة للعرب غير المسلمين ، ويقول  :" أفما حان لنا، أولا يحق لنا أن نتساءل نحن العرب غير المسلمين ماذا يهمنا من نهضة أساسها (الدين) ، وأي دخل لنا في ثورة أعلنت في ذاك السبيل ، ولتيك الأسباب الدينية؟" ([51]).

لكن الريحاني يقدّم صورة مختلفة تماماً لـ " السلطان " عبد العزيز آل سعود حين التقاه لأول مرة في النفود – بين العقير  والأحساء – صورة تمتزج فيها ملامح الصحراء الأخاذة بملامح البطل الفارس، وفي جوّ من الشاعرية والبساطة المتناهية : " . . . وكان الليل صافي الجبين، رقيق الجلباب، شأنه في البادية، تدنو النجوم في سمائه من الأرض بريقاً، وتسمع فيه الأصوات كأنها على طول المسافــات الأبواق في الغابات، لها دوي لطيف ينجد ويغور وصدى يتموج كالنور ..." ([52]). ويصف قدوم السلطان وما تخلله من رغاء الإبل وأصوات الخيزران ونصب الخيام .

لقد دهش الريحاني في هذا اللقاء الأول بالملك عبد العزيز بتواضعه الجم وبساطته وكرم ضيافته . ويتساءل مستغرباً، بعد أن مرّ بتجارب سابقة مع الحسين والإدريسي والإمام يحيى  :" أين أبهة الملك وفخفخة السلاطين؟ إنك لا تجدهــــا في نجد وسلطانها . وإن أول ما يملكك منه ابتسامة هي مغناطيس القلوب . لست أدري كيف حييته وأنا في دهش وابتهاج من تلك المفاجأة الكبــيرة، ولكني أذكر أنه حيّاني باسماً بالسلام عليكم . وظـــل قابضاً على يدي حتى دخلنا الخيمة، فجلس والكور إلى يمينه يستند إليه، والنار قبالته تنير وجهه "([53]).

ولكن تلك البساطة التي أعجب بها الريحاني في شخصية الملك عبد العزيز تخفي وراءها ذكاءًا فطرياً لمّاحاً وفراسة نافذة، وها هو ذا يضع النقاط على الحروف فيما يتعلق بمهمة الريحانــــي وما يثــــار بشأنها من تساؤلات، إذ يقول له في صراحة تامة ومواجهــــة مفاجئة  :" قالوا  : إنك أميركي جئت تنشر الدين المسيحي في البلاد العربية، وقالوا  : إنك تمثل بعض الشركات ، وجئت تبغي الامتيازات . وقالوا : إنك قادم من الحجاز / وإنك شريفي تسعى لتحقيق دعوة الشريف . وقالوا : غير ذلك . فقلنا إذا كان في الرجل ما يضر فنحن نعرف كيف نتقيه، وإذا كان فيه ما ينفع فنعرف أيضاً كيف ننتفع. ونحن أعلم يا حضرة الأستاذ بمهمتك، بارك الله فيك"([54]). ولكن هذه المعلومات التي يسردها عبد العزيز على مسامع الريحاني لا تعتمد على الفراسة فقط، بل تعتمد في الدرجة الأولى على النظرة العلمية الدقيقة في جمع المعلومات واستقصاء الأخبار عن هؤلاء الأغراب الذين يفدون إليه من كل صوب وحدب . ويبدو أن الملك عبد العزيز قد توسّم في الريحاني خيراً كثيراً ، أو أنه أراد أن يختبره ويتفحّص سريرته، فأطلعه على بعض الأمور السرية التي كانت تدور بينه وبين الأشراف، ومنها خطاب الشريف حسين الذي يطلب فيه الولاء والصلح، بشرط أن تعاد تربة والخرمة إلى الحجاز، وأن يعاد إلى ابن الرشيد ملكه في حائل . ويطلب عبد العزيز من الريحاني رأيه في هذا الموضوع  :

" ما رأيك يا حضرة الأستاذ؟ لا تقل لي: أن لا دخل لك بالسياسة، وأن سياحتك في بلادنا سياحة علمية فقط " حنّا " نفهم . ومرّ يده على لحيته ، وهو يبسم بسمته الخلاّبة . لا تخدعنا يا أستاذ . لا تغزل عنا في المقاصد والكلام، أصدقنا الخبر . فقد قابلت الشريف وحدثته، وقابلت الإمام يحيى والإدريسي والملك فيصل، وحدثتهم كلهم . فأعطني الآن رأيك . أبغى نصيحتك . تكلّم . ويكفي أن تقول رأيي تسذا " كذا ". ولا جزم فنقبله منك ..." ([55]).

لقد أعجب الريحاني بالملك عبد العزيز إعجاباً لا حدّ له، وقد ساح في نجد ولمس مقدار العدل الذي حققـــه في نطــاق الشريعة الإسلامية التي لا تعرف الانحياز ولا المحاباة  يقول :" أما أحكام الشرع فمعروفة، إلا أنها تنفّذ في نجد بلا تردد ولا محاباة ولا مرافعات لولبيّات طويلات . حكم ابن سعود لا يعرف في سبيل العدل كبيراً أو غنيّاً . كل الأيدي الأثيمة عند الحاكم سواء، وكل الرؤوس سواء عند السيّاف ... "([56]).

ونحن نجد أن هذا الإعجاب بشخصية الملك عبد العزيز وبأعماله وسجاياه لا يقتصر على الريحاني فقط، بل هو شامل لجميع الذين قابلوه وعرفوه عن كثب . وها هو ذا شكيب أرسلان الذي التقى الملك عبد العزيز سنة 1930م أي بعد الريحاني بحوالي ثماني سنوات، يقول عنه : " ... ثم شاهدت جلالة ملك هذه الديار – خادم الحرمين الشريفين عبد العزيز بن عبد الرحمن بن سعود – وكان في جدة ذلك اليوم، فوجدت فيه الملك الأشم الأصيد، الذي تلوح سيماء البطولة على وجهه، والعاهل الصنديد الأنجد الذي كأنما قدّ ثوب استقلال العرب الحقيقي على قدّه، فحمدت الله أنّ عيني رأت فوق ما أذني سمعت، وتفاءلت خيراً في مستقبل هذه الأمة ..." ([57]).

أما محمد حسين هيكل فقد التقى الملك عبد العزيز مرتين خلال رحلته التي سجلها في " منزل الوحي " سنة 1936م، وقد عبّر عن إعجابه به وإعجاب الآخرين، ولا سيما في مسألة الأمن التي كانت من المسائل أو المشكلات الرئيسة والملحّة في الأراضي المقدسة منذ زمن طويل، وقد استطاع عبد العزيز أن يحلها بشكل حاسم ومشرّف . ويروي هيكل إعجــــاب الكثيرين من المفكرين العرب والأجانب بذلك البطل العظيم والزعيم الفذ ؛ إذ يقول : " . . . ولقد لقيت إذ ذاك غير واحد من الصحفيين المشهود لهم بالاتزان وبدقة الحكم على الأشياء والأشخاص، فما كان أشد عجبي حين سمعت من أحدهم " فون فيزل " الألماني المعروف، مبالغته في الثناء على ابن السعود إلى حد نعته إياه بأنه " بسْمرْك الشرق "، هذا وكان فون فيزل قد لقى ابن السعود ، وتحدّث إليه وعرف مرامي سياسته"([58])  .

حقّاً إن الوحدة التي حققها جلالة الملك الراحل عبد العزيز آل سعود، خلال الثلث الأول من هذا القرن، بين أقطار الجزيرة العربية – نجد والحجاز والأحساء وتهامة وعسير – كانت وحدة فريدة وخطوة رائدة، ومبكّرة جدّاً بالنسبة لدعاة الوحدة أو القومية العربية . وقد كانت البلدان العربية الأخرى بين الحربين ترزح تحت الاحتلال البريطاني والفرنسي بل والإسباني والإيطالي، فكان التحرر الوطني هو المطلب الأساسي، أما الوحدة العربية فقد كانت حلماً بعيداً حتى في أذهان الروّاد والمفكرين الأوائل، من أمثال محمد كرد علي وساطع الحصري . لذلك فقد ارتبط اسم عبد العزيز رحمه الله، عند بعض الكتّاب الذين تحدثوا عن سيرته وأعماله بأسماء الأبطال الوحدويين، وقورن بينه وبين أولئك الزعماء الوطنيين والقوميين في أوربا القرن التاسع عشر، أمثال بيسمارك وغاريبالدي .

 

 3 – صورة الحضري المثقف :

لم تكن حال التعليم في مكة والمدينة آخر العهد العثماني مما يساعد على ظهور طبقة متميزة من المتعلمين أو المثقفين . وها هو ذا إبراهيم رفعت، الذي زار الحجاز سنة 1901م يلحظ إهمال التعليم وقلة المدارس في مكة المكرمة، ويعزو ذلك إلى عقلية الشريف عون المتحجّرة واستبداده؛ " لأنه يرى في العلم تنويراً للأفكار ومطالبة بالحقوق وضربا على أيدي الظالمين وجهاداً للتخلص من المستبدّين ، وهو عليم بنفسه خبير بسيرته"([59]). فلم يبق في مكة المكرمة آنذاك سوى ست مدارس أولية وبعض الكتاتيب . وأشهر مدرسة بها هي الصولتية التي أسسهــا الشيخ رحمـة الله الهندي، ويدرّس فيها بعض مواد الديـن واللغة العربية والحساب، وينفق عليها من تبرعات الهنود([60]) ، أما المكتبات فقد كانت هي الأخرى في حالة يرثى لها، إذ لم يبق منها سوى مكتبتين صغيرتين، إحداهما في باب أم هانىء والأخرى في باب الدريبة، ولا تتجاوز محتوياتها بعض الكتب النحوية والفقهية والأدبية([61]) . وبمكة مطبعة الولاية، وتصدر فيها جريدة رسمية بالتركية والعربية اسمها  " حجاز " تعنى بأخبار الحكومة وإعلاناتها([62]).

أما المدينة المنورة فلم تكن أحسن حالاً من مكة المكرمة من حيث عدد المدارس الأولية والكتاتيب، أما من حيث المكتبات فقد كان بها مجموعة لا بأس بها، منها مكتبة شيخ الإسلام عارف حكمت ومكتبة للسلطان محمود ومكتبة للسلطان عبد الحميد ومكتبة بشير أغا . وفي المدينة جريدة اسمها " المدينة المنورة " تصدر بالتركية والعربية ، وتطبع على البالوزة، ولكنها لم تكن منتظمة في صدورها([63]).

أما حلقات الدرس في الحرمين الشريفين فقد اضمحلت وتدنّى مستواها في أواخــر العهد العثماني إلى حد كبير . يقول البتنوني عن التدريس في الحرم المكي: " ويدرس في الحرم الشريف بعض العلوم العربية والتفسير على الطريقة القديمة العقيمة . ويقــدر عدد الطلبة ببضع مئات جلّهم من الجـاوة الذيـن يفـرون إلى هذه البلاد من المظالم التي تتـساقط على رؤوسهم من حكومـة بلادهم "([64]) .

وإذا كانت حالة التعليم قد انتعشت قليلاً بعد الدستور العثماني وبعد الثورة العربية في منطقة الحجاز، فإن الأمور لم تتغير بشكل منتظم وملحوظ إلا بعد الوحدة التي حققها الملك عبد العزيز لهذه المناطق الضعيفة المتناثرة . ومن ثم فإننا لا نستغرب كثيراً حينمــــا نجد أن الرحّــالة العرب الذين زاروا تلك المناطق خلال الثلث الأول من هذا القرن الميلادي، يسخرون من تلك الثقافة المتخلفة ، ويرون فيها امتداداً لعصور الظلام التي لم تخرج منها جزيرة العرب إلا في حقبة متأخرة . يروي إبراهيم رفعت قصيدة طويلة لأحد أئمة المالكية بالمسجد النبوي يندّد فيها بما فعله بعض العربان بالمحمل الشامي سنة 1295هـ . ويقول رفعت : " وإنا لم نذكر هذه القصيدة – إن صح أن تسمى قصيدة – مع كثرة الخطأ فيها إلا لما حوته من تفصيل الحادث، ولنقدم إليــــك نموذجاً من شعــــر الحجـــازييّن الغث في عصرنا الحاضر "([65])  . ويورد رفعت كذلك نصوصاً من خطابات بعض شيوخ القبائل، وذلك لإطلاع القارىء على مستوى لغتها وأسلوبها . وبعد أن يأتي بنص خطاب سليمان باشا ابن رفادة – شيخ مشايخ عربان بلي – يقول: "وإنما ذكرنا لك هذا الكتاب بنصّـــه كما ذكرنا أمثاله لنقفك على لغة العرب وكتابتهم الآن، وأين هما من لغة أسلافهم الأقدمين الذين بلغوا من الفصاحة غايتها..." ([66]).

ولم تكن الثقافة في العهد الهاشمي أفضل كثيراً منها في أواخر العهد العثماني، وإن رأينا فيها شيئاً من التحسّن لوجود نخبة جيدة من الأدباء العرب في صحيفة القبلة من أمثــال محب الدين الخطيب وفؤاد الخطيب والطيب الساسي . وربما استمر هذا الضعف العام في الثقافة المحلية حتى بدايات العهد السعودي في الحجاز، إذ يقول المازني في "رحلة إلى الحجاز " سنة 1930م عن حفلة خطابية حضرها بوادي فاطمة : " . . . ولما جاء الأمير (فيصل) استؤنفت الخطب، ودعي زميلنا خير الدين أفندي الزركلي الشاعر السوري، فأنشد قصيدة حماسية هي كل ما خرجنا به في يومنا – بل في رحلتنا كلها – من الكلام الرصين الجيد"([67]). وكان الريحاني قد قال قبل ذلك شيئاً من هذا عن حال الشعر الفصيح في كل من نجد وتهامة . يقول عن الأولى  : " ولا يزال للشعر مقام في نجد وإن رثت حواشيه وتفاقم اللحن فيه"([68]). ويقول عن الثانية : " . . . واليوم لا تجد في تهامة كلها شاعراً واحداً ينظم باللغة الفصحى" ([69]).

ولكن هذه الحالة العامة من الضعف العلمي والثقافي لم تمنع هؤلاء الرحّالة من الحديث عن بعض المثقفين المحليين والعرب الذين التقوهم صدفة أثناء تجوالهم أو إقامتهم في بعض المدن . ومن ذلك ما قاله إبراهيم رفعت عن الشيخ سليمان بن عبد الله البسام " وكيل أمير نجد " في مدينة جدة الذي أتحفهم بضيافته و " بلذيذ حديثه وشعره"([70]). ويتحدث الزركلي في رحلته عن مجموعة من المثقفين الذين تعرّف عليهم في كل من جــــدة ومكـــة والطائف، ومنهم قسطنطين ينّي ويوسف ياسين، وهما من الأدباء السوريين الذين انضموا إلى الثورة  العربية([71])، وكلٌّ من الشيخين : عثمان بن عبد الرحيم قاضي، وعبد الله بن أبي بكر بن علي كمال. يقول عن القاضي: إنه من أدباء الطائف، وقد قرأ له قصيدة يرحب فيها بالأمير زيد عند عودته من إيطاليا إلى مكة المكرمة([72])، ويقول عن القاضي عبد الله كمال : إنه " أفقه من في هذه المدينة (الطائف) وأعلمهم بالأدب وفنونه " ، ويورد نموذجاً من شعره ؛ إذ يقول :

                                ترفّــــــــق أيهـــــــا الحــادي

                                                                     وعجْ بي نحوهم عـج بي

                                كرام قــــــــــــد عهدنـاهم

                                                                        بــذاك السفـــح والشعب

                                       أريج المســـــــــــك ريّــاهم

                                                                                     وريح المــندل الرطب([73])

ويقول الزركلي عن  الشيخ صبحي الحلبي– وهو أستاذ في المدرسة الخيرية الهاشمية بالطائف– :" والشيخ صبحي يعد اليوم من أدباء الطائف، اطلعت على مجموعة من شعره فكان مما قرأته فيها قوله :

          هذي الديار فقف بها يا حادي       واعطف لحالي فرقتي وبعادي "([74])

ويتحدث الريحاني عما سماه " نادي الصلاة  " في مدينة جدة – خلال العهد الهاشمي – إذ يقول  : " إنه ناد قليل الأعضاء ، ولكنهم كلهم حكماء، صغير الحلقة ولكنها حلقة نور صفي ليس فيه خيط واحد من الظلام .  وهو ناد فريد في بابه لا رئيس له ولا بيت ولا قانون . يجتمع أعضاؤه كل يوم عند الغروب على كثيب رمل قرب البحر خارج البلد، فيصلون المغرب أولاً ، ثم يبادرون إلى كرة من حديد فيتمرّنون ويتبارون في رميها، ثم يجلسون في حلقة على الرمل ، ويتحدثون في الأدب والشعر والتاريخ " .

وأعضاء هذا النادي – كما يقول الريحاني – سبعة هم  : الحاج زينل علي رضا، والحاج عبد الله علي رضا – " منشىء المدرسة العمومية في جدة " – والشيخ محمد نصيف، والشيخ سليمان قابل – " رئيس البلدية " – وأخوه عبد القادر، والشيخ محمد الطويل – " ناظر الجمارك في القطر الحجازي " – والملاّ حسين الشيرازي . ويقول الريحاني عن محمد نصيف : إنه أديب جدة الأكبر وأمين الكتب فيها " فإن عنده مكتبـــة حافلة بالقديم والحديث من التآليف لا يقتنيها للعرض فقط ، بل لينتفع وينفع بها . يجيء الأدباء إلى دار الشيخ محمد كأنها دار الكتب العمومية ، فيعيرهم ما يشاؤون منها، ويشتري ما يعرضون من مخطوط أو مطبوع "([75]).

وقد تكرر ذكر بعض أعضاء هذا " النادي " العجيب في رحلات لاحقة، فنجد أن المازني قد نوّه بثلاثة منهم هم : محمد نصـــيف([76])، وعبد اللـــه رضا " الزينلي "([77]) ، ومحمد الطويل([78]). ويقول عن محمد نصيف : إنه " من وجوه جدة وكبار تجّارها، وأصله مصري، وله مكتبة خاصة هي أكبر مثيلاتها في الحجاز . وفي داره ينــزل – على ما سمعــنا – جلالة الملــك عبد العزيز حـين يكون فـــي جدة "([79]). ومن المثقفين الآخرين الذين يذكرهم المازني : السيد عبد الوهاب نائب الحرم ، ويقول عنه: " إنه بلا شك أبــرع محدث ، وأظرف رجل عرفناه في الحجاز، وقد تعلّم في الآستانــة ، وأتقن التركيــة والفرنسية فضلاً عن لغته العربية"([80]) ، وفؤاد حمزة الذي كان مديراً للشؤون الخارجية آنذاك ([81]).

وممن ذكرهم أرسلان في رحلته من المثقفين مجموعة من الشخصيات اللبنانية والسورية والمصرية ، منهم " الدكتور محمود بك حمدي، رئيس الصحية الحجازية، وفؤاد بك حمزة، مستشار الخارجية، وفوزي بك القاوقجي، قائد القوة النظامية الحجازية، والسيد الطيب الهزّار، من رجال المعية الملوكية، ورشدي بك ملحس، محرر جريدة أم القرى"([82]). وقد أشاد أرسلان بالشيخ عبدالقادر شيبي " كبير سدنة البيت الحرام " ، ويقول: إنه التقاه في مدينة الطائف ، وبينهما الكثير من الود والانسجام، ولم تنقطع علاقته به حتى بعد أن غادر المملكة إلى بلاده " بقيت المكاتبة بيني وبين الشيخ المشار إليه متصلة يتخلّلها النظم والنثر ومقابلة الشيء بمثله من القافية والبحر، ولا عجب في فصاحة بني شيبة ، وهم لباب قريش وخلاصة العرب ..." ([83]).

أما هيكل فإنه يمتدح " عالم نجد " الشيخ عبد الله بن بليهد الذي تقدمت به السن وأنهكه السفر بين نجد والحجاز ، ولكنه لا يزال " موضع التبجيل والاحترام من النجديين جميعاً، من مليكــهم عبد العزيز بن ســـعود إلى أصغر صغـــير فيهم"([84]) ، كما يشكر الأستاذ عبد القدوس الأنصاري الذي أعانه على التعرف على بعض معالم المدينة المنورة أثناء زيارته لها . ويقول عن الأنصاري: إنه صاحب كتاب " آثار المدينة المنــورة"، وأستاذ الأدب العربي بمدرســة العلوم الشرعية([85]). ويشير هيكل كذلك إلى مجموعة من الشخصيات الذين التقاهم أثناء زيارته للمملكة العربية السعودية منهم : عبد الله فلبي وعبد الحميد الحديدي ومحمد صالح القزاز ومحمد سرور الصبّان([86]).

ويعجب أحمد حسين في رحلته التي قام بها إلى المملكة سنة 1948م بالأمير سلطان بن عبد العزيز إعجاباً شديداً، ويعده في طليعة الشباب السعودي المثقف، والمتطلع إلى التخلص من الجمود والتخلف، وقد كان الأمير سلطان في ذلك الوقت أميرًا لمنطقة الرياض . يقول عنه : " . . . ولقد أتيح لي بعد ذلك أن اجتمع بالأمير سلطان أكثر من مرة، فإذا به ممن يصح وصفهم بنحلة الكتب أو نحلة العلم التي ترشف كل ما تصادفه منه في طريقها . فقد وجدت لديه كتباً في كل شيء، حتى القوانين المصرية، وجدتها عنده يطالع فيها، ووجدت كتاباً في القانون الدولي لعلي باشا ماهر لا أظن أن كثيرين من أبناء الجيل الجديد في مصر يعرفون من أمره شيئاً، ووجدت كل ما أنتجته المطابع المصرية والسورية والعراقية . . ووجدت فوق ذلك محاولات الأمير لتعلم اللغة الإنجليزية، يتلقى دروسها على يد أمينه السيد عبد الله أبو الخير([87])، ووجدت منه تحرّراً في التفكير إلى حدّ أدهشني وأذهلني ..." ([88]) .

وما قاله أحمد حسين عن الأمير سلطان بن عبد العزيز، في حرصه على اقتناء الكتب ومتابعته للفكر الجديد وتطلعه إلى العلم والمعرفة، هو ما سبق أن توقف عنده هيكل طويلاً سنة 1936م في حديثه عن شباب مكة المكرمة، وما لمسه فيهم من حرص على القراءة الجــادة ، ومتابعة ما تنشره المطابع في البيئات العربية المتقدمة – مصر والشام – وطموحهم إلى تحقيق حياة عصرية حديثة يجارون فيهــا الأمم المتقدمة، ولا يفرطون في الوقت نفسه بما يتميزون به من قيم ومبادىء . ولقد كانت مكة في تلك الأيام هي عاصمة الدولة السعودية الجديدة، وعاصمة العلم والأدب والصحافة، لذلك فإن شبابها يمثلون شباب المملكة المتعلم المتنوّر، وكانــــوا يفـــدون إليهــــا للدراسة من كل مكان . يقـــول هيكل عن أولئك الشباب :" وصبوة شباب مكة للحياة الحديثة قوية آخذة بنفوسهم، تدفعهم إلى تتبع ما يكتب ويقال عن هذه الحياة وإلى التعلق بما يظنونه من صورها وأمثالها ، ويبلغ اندفاع بعضهم في هذا السبيل حدّاً يكاد ينكره ماضي البلد الحرام في العصور القريبة، بل يكاد ينكره حاضره ممثلا في الجيل الذي تخطى الشباب إلى الكهولة . فهذا الجيل ما يزال يفكّر تفكير الآباء ... ولا يرى في غير ما قالـــه السلف شيئاً يحترم أو يعار التفاتة، بل يرى في العلوم والفنون الحديثة أفانين من لهو الخيال لا تتصل بالحق أي اتصال جدير بأن يثير عناية الذهن ..." ([89]). ويستشهد هيكل بحافظ وهبة الذي كان مديراً للتعليم في الحجاز سنة 1930م ، وما لقيه في سبيل إصلاح التعليم من عنت العلماء والمشايخ، لولا تعضيد الملك عبد العزيز له والوقوف معه ضد المتنطّعين . ومع أن هيكلاً لم يذكر أحداً من أولئك الشباب المتنورين، والذين كانوا – كما يقول – يزورونه ويتحدثون إليه طوال إقامته في الحجاز، فإننا نعرف أن منهم، في أغلب الظن، بعضاً من الشباب الذين ضمهم كتاب " وحي الصحراء "، الذي صدرت طبعته الأولى بمكة المكرمة سنة 1356هـ/1937م، وجمع نماذجه كل من الأديبين : محمد سعيد عبدالمقصود وعبد الله عمر بلخير، كما كتب مقدمته صاحب كتاب " منزل الوحي " نفسه "حضرة الكاتب الكبير الدكتور محمد حسين هيكل بك " . ومن أولئك الشباب الذين ضمهم " وحي الصحراء " : أحمد السباعي وأحمد قنديل وحسين سرحان وعبدالقدوس الأنصاري وعزيز ضياء ومحمد سرور الصبّان . إنهم مجموعة الشباب الذين كانوا يكتبون في صحيفتي " أم القرى " و "صوت الحجاز "، الذين يمثلــــون الطلائع الأولى للثقافــة الجديدة وللأدب العربي السعودي الحديث بين الحربين .

وحين زارت بنت الشاطىء منطقة الأحساء سنة 1951م، والتقت أدباء القطيف، واستمعت إليهم، قالت ما قاله هيكل في مقدمة " وحي الصحراء " عن شباب مكة الذين كانوا يقرؤون بنهم لأساتذتهم المصريين ، ويتابعون الجديد من فكرهم وإبداعهم، ولا يجدون منهم سوى الإهمال وعدم الاهتمام . يقول هيكل : " فناشئة الحجاز شديدة الولع بالاطلاع على جميع الآثار الأدبية التي تظهر في البلاد العربية في العصر الأخير، ولقد أتيح لي أثناء مقامي بالحجاز واتصالي بالمثقفين من أبنائه أن هذه الظاهرة أشد وضوحاً فيهم منها في أبنـــاء مصر ..." ([90]). وتقول بنت الشاطىء عن أدباء القطيف : " وهي (القطيف) على الهجر الأليم  . . لا تكف عن ذكر مصر وتتبع نهضتها العلمية والأدبية . إنها في معزلها النائي المهجور على ساحل الخليج، تستورد البضاعة الأدبية من ضفاف النيل ، وتعرف عن سير الفن والحياة بها، وأعلام الأدب والفكر فيها ما يجهلــه المصريون أنفسهم، لا أكاد أستثني منهم سوى قلة من خاصة المتعلمين"([91]). ومن أدباء القطيف الذين تذكرهم بنت الشاطىء في رحلتها  : عبد رب الرسول الجشي ومحمد سعيد الشيخ الخنيزي ومحمد سعيد الجشي([92]).

ونلحظ أخيراً أن ثقافتنا المحلية في أواخر العهد العثماني والعهد الهاشمي، وكما صورتها الرحلات العربية، كانت ثقافة تقليدية يغلب عليها الضعف وسمات العصور المتأخرة، وإن بدأت تنتعش قليلاً بما كان يكتبه الأدباء العرب الوافدون في صحيفة "القبلة" أثناء العهد الهاشمي . ولعل ذلك الضعف العام في ثقافتنا الفصيحة هو الذي حوّل بعض أولئك الرحّالة إلى ثقافتنا الشعبية ، فكتبوا عنها كتابات أكثر تعاطفاً وصدقاً، كما فعل الزركلي في " ما رأيت وما سمعت "، وما فعله الريحاني في " ملوك العرب " . وقد استمر هذا الاهتمام باللغة واللهجة المحلية والشعر البدوي عند أرسلان وعبد الوهاب عزام . أما الثقافة في العهد السعودي فلم تجد من الرحّالة العرب من يهتم بها الاهتمام الكافي . وقد رأينا أن معظم الأسماء التي ذكروها في أعمالهم كانت أسماء لبعض الأدباء العرب، ولم يذكروا سوى النزر القليل من الأدباء المحليين، مع أن تلك الحقبة كانت تعج بأسماء الأدباء والشعراء السعوديين من أمثال : ابن عثيمين وابن بليهد والغزاوي والعواد وحمزة شحاتة... والغريب أن أحداً من أولئك الرحّالة لم يذكر شيئاً عن صحافة تلك الحقبة، وقد كانت الوعاء الوحيد للأدب والثقافة، لعدم تيسّر طباعة الكتب . وقد كانت صحيفة " أم القرى " في أوج تألقها عند وصول أرسلان والمازني، وأضيفت إليها " صوت الحجاز " أثناء رحلة هيكل . أما في أثناء رحلات عبد الوهاب عزام وبنت الشاطىء فقد كانت البلاد تعيش نهضة صحفية رائعة،وذلك بتلاحق صدور الصحف والمجلات من أمثال " المنهل " و " البلاد السعودية " .

 

أساليب التصوير :

للرحلة قيمة أدبية ومذاق جمالي ممتع إلى جانب ما يمكن أن تحتفظ به من قيمة تاريخية أو توثيقية ؛ ذلك لأن الرحلة تختلف عن الكتاب التاريخي الذي يعنى بالحقائق فقط، أو يحاول تقديم صورة موضوعية مجردة عن الميول الذاتية . ومع أن في الرحلة الكثير من الحقائق، إلا أنها لا تخلو من الانطباعات الشخصية والانفعالات التي تمليها الظروف والمواقف المتباينة . والفرق – في تقديري– بين المؤرخ والرحّالة أن الأول يستقي معلوماته في غالب الأمر من المستندات والوثائق والكتب، على حين يستقيها الثاني من التجوال والتأمّل والاستماع والمشاهدة . بل إن في الرحـلات القديمة الكثير من آثار الخيال والأسطورة والأسلوب القصصي مما جعل بعض الباحثين المحدثين يؤكد " أنها خير ردّ على التهمة التي طالما اتهم بها هذا الأدب (العربي)، ونقصد تهمـــــة قصوره في فن القصة "([93]). ويقول اغناطيوس كراتشكوفسكي عن الأدب الجغرافي العربي: إنـــه فريـــد في غناه وتنوعـه ، ولا يضاهيــــه أدب أي شعب من الشعوب، فإلى جـانب جدّيته وصرامته " نلتقي فيه بنمــــاذج فنيـــة رائعة صيغت بالسجع أحيانــــاً في المصنفـات الموضوعية من أجل جمهرة القراء، يتراوح فيها العرض بين الجفاف والصرامة من جهة والإمتاع والحيوية من جهة أخرى ..." ([94]).

ونحن نجد في الرحلات العربية الحديثة شيئاً من هذا التنوع والغنى الذي تحدث عنده الباحثـــون في الرحلات القديمة، مع التسليم بطبيعة الحال بفارق العصر والظروف والمزاج . كما أن الرحلات تختلف باختلاف كتّابها وأهدافهم، كما ذكرنا،  فنجد أن رحلات الحج والزيارة تهتم بالطرق والأمن والمناسك والآثار الإسلامية، على حين تهتم الرحلات السياسية بالحكام والمسؤولين والقضايا العامة، أما الرحلات الصحفية فتهتم بالمناسبات والغرائب والإثارة . على أن معظم أصحاب الرحلات التي ذكرناها هم من الأدباء المشهورين والمعروفين بآثارهم في الشعر والقصة والمقال، فلا غرو أن تحمل رحلاتهم الكثير من سمات الإبداع والجمال، وأن تعكس أيضاً بعض ما نعرفه من ملامح أعمالهم السابقة . ومع أن الأسلوب التقريري المباشر لا تكاد تخلو منه أي رحلة من الرحلات – وهو الأسلوب الذي يستعمل غالباً في سرد الأرقام والحقائق المجردة – إلا أننا نستطيع أن نقول : إنه الأسلوب السائد في الرحلات العلمية، مثل رحلة هيكل، وكذلك في الرحلات الرسمية، كرحلتي رفعت والبتنوني، وقد كتبها الأول بصفته أميراً للمحمل المصـري، وكتبهـا الثـاني بصفته مرافقاً للخديوي .

أما رحلات الريحاني والمازني والزركلي وبنت الشاطىء وأرسلان، فكثيراً ما تمتزج فيها الطريقة التقريرية المحايدة بالطريقة الأدبية التي تعتمد على التأنق في اللغة والوصف، وإطــــلاق العنان للعاطفة والخيــــال . وهذه الطريـــقة الأدبية هي في الحقيقة ما يعطي رحلاتهم الكثير من عناصر الحيوية والمتعة . وسنقتصر هنا على عرض بعض النمـــاذج لكل من الريحـــاني والمازني، وقد لحـــظت غلــــبة الأسلوب الدرامي عند الريحاني، وغلبة الأسلوب القصصي الساخر عند المازني .

 

الريحاني والأسلوب الدرامي  :

ونقصد بالأسلوب الدرامي هنا تمثيل المشهد وملأه بالحركة والفعل، وعدم الاقتصار على مجرد السرد أو الوصف . وللريحاني قدرة خارقة على استبطان الشخصيات، وتمثّل أقوالها وأفعالها، وملاحظة ما تكرره من ألفاظ أو عبارات، ثم تجسيدهــــا أمامنا بكل ما حولها من مناظر ومؤثرات، وكأننا أمام مسرح صغير . ولنتأمّل النص التالي الذي يمثّل أول مقابلة للريحاني مع " السلطان " عبد العزيز في النفود بين العقير والأحساء، يقول : " راح الرّبع يجمعون الحطب للنار . وفرشنا أنا والسيد هاشم البيت! مددنا السّجادة ، ثم وضعنا الكور في الصدر مسنداً على عادة العرب ، وهذا كل ما هناك تأهباً لاستقبال مليك من ملوك العرب .

وكان الليل صافي الجبين، رقيق الجلباب، شأنه في البادية تدنو النجوم في سمائه من الأرض بريقاً، وتسمع فيه الأصوات، كأنها على طول المسافات الأبواق في الغابات، لها دويّ لطيف ينجد ويغور، وصدى يتموّج كالنور . وما أرهب وما أجمل صوتاً سمعناه آنئذٍ وراء الآكام في مروج الليل ينادي : يا سعيّد – يسْعايدْ! مبشّراً بقدوم السلطان أو بمروره في ذاك المكان . إن المنادي ليتقدم الموكب السلطاني حتى إذا سمعه أحد في البادية أو الحضر يروم من سيّد البلاد أمراً أو يحمل إليه شكاية، أو يبغى الركوب في موكبه، فهو يقصد مسرعاً إلى مكان الصوت فيفوز ببغيته – يا سعيّدْ – يسْعايّدْ " .

هكذا إذن، يمهد الريحاني لدخول البطل، يبدأ المكان صامتاً لا حركة فيه سوى الفعل العضوي العادي، من جمع الحطب وشبّ النار ومدّ السّجاد ووضع الكور والاسترخاء . وفي غياب الفعل البشري تبرز الطبيعة ، وتملأ الصمت برقتها وجمالها وغموضهـــا ورهبتهـا، فتدنـــو النجــوم ، ويمتلىء الفضاء بالأصوات، أما الصـــوت البشـــري الذي يرتفـــع وينطلـــق أخـــيراً : يا سعيّدْ – يسْعايّدْ ، فهو الصوت الذي اعتادته العرب مخبراً ومبشراً بدنو البطل – الملك. ولنلحظ محاكاة الصوت بنبرته النجدية: " يسْعايّد " حيث تسقط الألف من ياء النداء وتأتي بعد حرف العين مباشرة محتفظة في الوقت نفسه بمهمة المد والتصويت .

وبعد هذا المشهد التمهيدي من الصمت والترقب والنداء، يدخل الملك، فتزداد الضوضاء ، ويضج المكان بالحركة ، وتختلط الأصوات بما فيها رغاء الإبل وأصوات الخيزران وفحيح النيران ورنين المداق على هذا النحو : " وبعد هنيهة ضج المكان بموكب السلطان، فأناخ عندنا، على أكمتنا، حول شراعنا الصغير، مئتان من الركائب، وهي تزبد وترغى . إخْ – إخْ، وصوت الخيزران على رقاب البعارين كصوت المطر على النخيل . ثم نصبت الخيام ، وشبت عشرات من النيران، وسمعت على الفور المداق في الأجران ...".

ولنلحظ هنا مبلغ الدهشة التي أصابت الكاتب من جراء هذا التواضع السلطاني الذي لم يتوقعه، فعبّر عن ذلك بجملة من الأفعال والأوصاف التي تؤكد حدوث الفعل المرة تلو المرة، وكأنه في حلم، أو أن ما يشاهده أمامه لا يعدو أن يكون من صنع الخيال: " أناخ عندنا " ، " على أكمتنا "، " حـــــول شراعنا الصغير " . وتكرار ضمير المتكلم في " عندنا " . و " أكمتنا " و " شراعنا " توحي للقارىء بعدم التصديق . ولكن هذا الموكب السلطاني الذي أمامه كان حقيقة لا حلماً، وبدليل هذه الركائب الكثيرة التي ترغي وتزبد، وما تلاها من أفعال سريعة تدل على الدقة والانضباط .

وكانت المفاجأة الكبرى أن يخف السلطان إلى استقبال الزائر لا أن يخف الزائر إلى استقبال السلطان، لا سيما وأن هذا الزائر لا يتمتع بأية صفة رسمية أو حيثيّات "بروتوكولية " . ثم يلتقي الرجلان أخيراً وجهاً لوجه ، وتدور بينهما الأحاديث : "خرجنا نبــادر إلى استقبال الزائر الكبير، فإذا هو قد خفّ إلينا، وفي معيته اثنان فقط من حاشيته . قلت الزائر وهو الذي شاء تلّطفاً وتنازلاً أن يعكس الآية . وكانت المشاهدة الأولى على الرمل، تحت السماء والنجوم، وفي نور النيران المتقدة حولنا . ألفيته رجلاً لا يمتاز ظاهراً بغير طوله، وكان يلبس ثوباً أبيض وعباءة بنّية، وعقالاً مقصَّباً فوق كوفية من القطن حمراء ..." ([95]).

إن مثل هذا التصوير الدرامي الذي يعتمد على الحركة والفعل ومسرحة الصور والمشاهــد، هو تصوير نادر في الرحلات العربية، ويكاد الريحاني ينفرد بهذه الموهبة المتميزة . ونلحظ أن الريحاني هو الوحيد الذي قام بمقابلة معظم ملوك الجزيرة العربية وأمرائها بعد الحرب العالمية الأولى . وكان في مقابلاته جميعها لمّاحاً، جريئاً، حاد البصر، نافذ البصيرة .

ولكن التصوير الدرامي عند الريحاني لا يقتصر على الشخصيّات، بل يمتد ليشمل كذلك المدن والقرى وجميع مظاهر الطبيعة، كوصفة الرائع لعنيزة وبريدة والنفود وجازن . ويتحول الجماد في هذا التصوير إلى حركة وحياة، حتى لنكاد نحس بنبض المدن، وتنفس الأشجار ، وتحرك الصحاري والقفار . يقول عن عنيزة : " مليكة القصيم . عنيزة حصن الحرية ، ومحط رحال أبناء الأمصار . عنيزة قطب الذوق والأدب، باريس نجد . وهي أجمل من باريس إذا أشرفت عليها من الصفرا ؛ لأن ليس في باريس نخيل ، وليس لباريس منطقة من ذهب النفود، بل هي أجمل من باريس حين إشرافك عليها؛ لأنها صغيرة وديعة خلاّبة بألوانها، كأنها صورة صوّرها مانه لقصة من قصص ألف ليلة وليلة، وكأنها لؤلؤة في صحن من الذهب مطوق باللازورد، بل قل : إنها السكينة مجسدة ، وقد بنت لها معبداً بين النخيل، زانته بإفريز من ذهب الرمال، وكلّلته بأكاليل من الأثل، فهي في مجوف من الأرض يحيط بها غاب من هذه الأشجار ليرد عنها رمال النفود التي تهددها من الجهات الثلاث "([96]).

لقد تحولت " عنيزة " في هذا النص إلى إنسان، بل إلى فتاة جميلة تشعر وتحس وتتزين بالحلـي والجواهر . وتحولت الرمال إلى ذهب برّاق، وأشجار الأثل إلى أكاليل خضراء يانعة . ومن المعروف هيام الرومانسيين بالطبيعة وتجسيدهم لها، ولكن هذه الطبيعة قد تجلّت في رحلة الريحاني – على الرغم من المحل والجفاف – إلى لوحات فنية رائعة .

 

المازني والأسلوب الساخر :

للسخرية في كتابات المازني وكتابات غيره من المحدثين، من أمثال الشدياق والبشْرى ، وأحمد السباعي، مكانة بارزة في نقد الحياة والمجتمع ، وتناول القضايا المهمة الجادة بطريقة هزلية تستثير الضحك ، وتروّح عن النفس ، وتتجاوز الشكل الظاهر السهل إلى العمق . وقد كان الجاحظ أستاذاً في هذا الباب . ويبدو أن المازني قد تأثر بقراءاته الواسعة في التراث، وباطلاعه على آثار أساطين السخرية في الأدب الإنجليزي من أمثال بوب ومارك توين وبرناردشو .

وفي رحلته الحجازية نرى المازني كثيراً ما يتوقف عند بعض المظاهر أو العادات المحلية التي لم يألفها أو لم تعجبه، فيمدّ لها لسانه ويشبعها تهكماً وسخرية . ومن تلك المظاهر والعادات  : صورة البدوي الفارس الذي يطلق شعره ويضفّره ويكحّل عينيه، وصورة البدوي الطفل الذي يصعد على ظهر الجمل من الخلف وهو سائر متعلقاً بذيلــه، زاحفاً على فخذيه، وصورة بعض الناس وهم يجذبون كتفي الأمير ويقبّلون أنفه . ومن العادات الاجتماعية التي لم يألفها المازني كذلك طريقة صب القهوة العربية وارتشافها دفعة واحدة، وطريقة أداء العرضة النجدية وما يصاحبها أحياناً من طلقات نارية ... .

وتعتمد سخرية المازني على وصف المشهد الذي أمامه وصفاً دقيقاً، مع التركيز على الجانب الذي يريد السخرية منه ولفت الأنظار إليه، كما نرى في النص الآتي الذي يسخر فيه من عادة تقبيل الأنف : "... وبعد لأي ما بلغنا غرفة الاستقبال، وكان الأمير واقفاً في الصدر وحوله الكبراء والجند، والناس يتقدمون إليه ويصافحونه . فإذا كان من بينهم عظيم أو وجيه، وضع – أي الوجيه – يده على كتفي الأمير وجذبه وقبّل أنفه؛ لأن الأنف أبرز شيء في الوجه . وقد وقف الأمير كما رأيناه، مقدّماً أنفه لمن شاء ومتلقياً عليها قبل المهنئين ولثمات الداعين " .

فنحن نلحظ في هذا النص أسلوب المبالغة في تضخيم قيمة الأنف، فالعظماء والوجهاء هم الذين يقومون بتقبيله؛ لأن الأنف – كما يقول – يحتل مكاناً بارزاً في الوجه، فكأنما العظيم إنما ينجذب إلى ما يشاكله أو ما يساويه في البروز والأهمية . ولكن المازني لا يسخر من الآخرين فحسب، بل يسخر كذلك من نفسه، فهو يقول : إنه كان يود أن يفعل ما يفعله أولئك العظماء إلا أن قصر قامته قد حال دون ذلك، فاضطر أن يكتفي بالمصافحة فقط، مع التنويه في الوقت نفسه  بمواضع العظمة فيه يقول : " فلما جاء دورنا، وددت لو أنه كان أمامه (الأمير) كرسيّ، إذا لفزت أنا أيضاً بتقبيل أنفه ولجرّبت ذلك وعرفت سببه وتقصيّت سره، ولكني كمـــا تعرف، فاكتفيت بــــأن تقدمت إليه في تؤدة ووقار، ويسراي تمسح لحيتي تنبيهاً إليها ولفتاً لشيبها، ويمناي تمتد إلى يده وتقبض عليها ..." ([97]).

 

وقد سخر  المازني من نفسه أيضاً في وصفه للعرضة النجدية وما كان يصاحبها آنذاك من طلق ناري . فقد خاف على نفسه فتوارى خلف ممثل إنجلترا الذي ظن أن المازني إنما يقف وراءه تأدّباً ... يقول : " ... ولا أكتم القارىء أن الخوف لم يفارقني لحظة، وأني لم أذهل عن نفسي ثانية واحدة . وأعترف أني كنت أخشى أن يصيبني سوء – أعنــي رصاصة – وأشهد لنفسي بالأدب، فقد كنت لا أزال كلما تنحّى ممثل إنجلترا ليفسح لي مكاناً إلى جانبه في الصف الأول، أؤكد له أني أستطيع أن أرى من تحت إبطه، وأني لا أقبل في حال من الأحوال أن أحاذيه أو أرفع نفسي إلى مقامه، فكان يشكر لي تواضعي ويؤكد لي أنه سعيد بجيرتي ، وأنه معجب بذلاقة لساني وقدرتي على الرطانة، فكنت أقول له : يا سيدي الوزير، إني عربي الأصل في الحقيقة، وهذه البلاد بلادي في الواقع، فأنا لست هنا ضيفاً، ولا يجوز لابن البلاد أن يسبق الضيف أو يتقدم عليه ..." ([98]).

وهكذا نرى أن الرحلة عند المازني قد تحولت إلى مجموعة من المواقف الطريفة والمشاهد الشائقة المتنوعة . وهي قد توحي في مجموعها بالغربة في مجتمع بدوي متخلف في ذلك الوقت، ولكن سخرية المازني، فيما أظن، لم تكن للتصغير أو التّشفّي من الآخرين، بقدر ما كانت تنمّ عن نظرة إنسانية أوسع وأشمل، وكانت عيوبه الشخصية كذلك موضع تندره وسخريته، وهي على أي حال ليست عيوباً خاصة، بل عيوب النفس البشرية والضعف الإنساني على نحو أعم .

 

الهوامــش



([1]) مجلة الدارة، ع3، س5، 1400هـ/1980م، ص 28-53 .

([2]) مرآة الحرمين - أو الرحلات الحجازية والحج ومشاعره الدينية (مطبعة دار الكتب المصرية، ط1، القاهرة 1344هـ/ 1925م)، جـ 1، ص 73 . 

([3]) انظر : الأمير شكيب أرسلان : الارتسامات اللطاف في خاطر الحاج إلى أقدس مطاف (مطبعة المنار، ط 1، القاهرة 1350هـ)، ص 78 . 

([4]) مرآة الحرمين، ط 1 ص 439، هامش .

([5]) ملوك العرب - أو رحلة في البلاد العربية ( مطابع دار صادر، ط 3، بيروت 1951م)، جـ 1  ص 9 .

([6]) الرحلة الحجازية (مطبعة الجمالية، ط2، القاهرة 1329م)، المقدمة، ص5 . 

([7]) في منزل الوحي (مطبعة دار الكتب المصرية، ط 1، القاهرة 1356هـ)، ص 9-10 .

([8]) أرض المعجزات - رحلة في جزيرة العرب (سلسلة اقرأ رقم 104، دار المعارف، ط 3، القاهرة 1969م)، ص 26.

([9]) ما رأيت وما سمعت (المطبعة العربية ومكتبتها بمصر، 1342هـ/ 1923م)، ص 47-48 .

([10]) في منزل الوحي، ص 407 .

([11]) المرجع السابق، ص 356 . 

([12]) إبراهيم عبد القادر المازني : رحلة إلى الحجاز (مطبوعات الجديد، الهيئة المصرية العامة للكتاب، ط 2 القاهرة 1973م) ص 31 . 

([13]) المرجع السابق، ص 33 . 

([14]) علي الطنطاوي : من نفحات الحرم (مطابع دار الفكر، ط 1 دمشق، سنة 1960م) ص 200-201 .

([15]) المرجع السابق، ص 45-47، وانظر أيضا : المازني : رحلة إلى الحجاز، ص 150-151، أحمد حسين : مشاهداتي في جزيرة العرب (مطبعة مصر، القاهرة 1950م)، ص 303-304 . 

([16]) محمد شفيق مصطفى: في قلب نجد والحجاز (مكتبة المنار، القاهرة 1346هـ/ 1927م) . وانظر ما قلناه عن هذه الرحلة في بحثنــــا : "رحلات العرب في جزيرة العرب"، مجلة الدارة، ع3 س5، ربيع الآخر 1400هـ / 1980م، ص 48 .

([17]) مرآة الحرمين، جـ 1، ص 410 . 

([18]) في منزل الوحي، ص 485 . 

([19]) مرآة الحرمين، جـ 2، ص 13 .

([20]) المرجع السابق، جـ 1، ص 68 .

([21]) المرجع السابق، جـ 1، ص 25 .

([22]) المرجع السابق، جـ 1، ص 399 .

([23]) المرجع السابق، جـ 1، ص 37 .

([24]) ملوك العرب، جـ 2، ص 76-77 . 

([25]) المرجع السابق، جـ 1، ص 263 . 

([26]) مرآة الحرمين، جـ 1، ص 401 .

([27]) ملوك العرب، جـ 1، ص 293 .

([28]) مرآة الحرمين، جـ 1، ص 51 .

([29]) المرجع السابق، جـ 1، ص 403-405 .

([30]) المرجع السابق، جـ 1، ص 25 . 

([31]) ملوك العرب، جـ 1، ص 70 . 

([32]) مرآة الحرمين، جـ 1، ص 64-65 . 

([33]) المرجع السابق، جـ 1، ص 64-65 .

([34]) المرجع السابق، جـ 2، ص 276 ، 295 . 

([35]) المرجع السابق، جـ 1، ص 354 . 

([36]) البتنوني : الرحلة الحجازية، ص 80-81 . يقول الزركلي : إن وفاة عبد الإله باشا كانت في الثالث من شوال سنة 1326هـ، وإن الشريف الحسين قد تولى الإمارة بعد وفاة عمه في السادس من شوال من السنة نفسها، وإنه بلغ جدة قادماً من الآستانة في 9 ذي القعدة سنة 1326هـ، وكان ذلك بداية إمارته بمكة المكرمة . انظر : ما رأيت وما سمعت، ص 113 . 

([37]) الرحلة الحجازية، ص 11 . 

([38]) المرجع السابق، الصفحة نفسها .

([39]) رحلات الإمام محمد رشيد رضا (المؤسسة العربية للدراسات والنشر، ط 1، بيروت 1971م)، ص 179-180 . 

([40]) المرجع السابق، ص 181، وانظر: الخطبة كاملة ص 178-182 .

([41]) المرجع السابق، ص 203 . 

([42]) المرجع السابق، ص 204 .

([43]) ما رأيت وما سمعت، ص 123 .

([44]) المرجع السابق، ص 25 .

([45]) المرجع السابق، ص 125 . 

([46]) المرجع السابق، ص 23 . 

([47]) المرجع السابق، ص 111 . 

([48]) المرجع السابق، ص 113-114 . 

([49]) المرجع السابق، ص 114-115 .

([50]) المرجع السابق، ص 123-124 . 

([51]) ملوك العرب، جـ 1، ص 64 . 

([52]) المرجع السابق، جـ 2، ص 40-41 .

([53]) المرجع السابق، جـ 2، ص 41 . 

([54]) المرجع السابق، جـ 2، ص 42 .

([55]) المرجع السابق، جـ 2، ص 63 . 

([56]) المرجع السابق، جـ 2، ص 74-75 . 

([57]) الارتسامات اللطاف، ص 12 . 

([58]) في منزل الوحي، ص 144 . 

([59]) مرآة الحرمين، جـ 1، ص 38 . 

([60]) المصدر السابق، جـ 1، ص 183-183 . 

([61]) مرآة الحرمين، جـ 1، ص 183، وانظر أيضاً: البتنوني : الرحلة الحجازية، ص 58-59 . 

([62]) الرحلة الحجازية، ص 59 . 

([63]) المرجع السابق، ص 255 .

([64]) المرجع السابق، ص 60 . 

([65]) مرآة الحرمين، جـ 2، ص 268 . 

([66]) المرجع السابق، جـ 2، ص 321 .

([67]) رحلة إلى الحجاز، ص 153 .

([68]) ملوك العرب، جـ 2، ص 89 .

([69]) المرجع السابق، جـ 1، ص 287 .  

([70]) مرآة الحرمين، جـ 1، ص 20 . 

([71]) ما رأيت وما سمعت، ص 20-23 . 

([72]) المرجع السابق، ص 77 . 

([73]) المرجع السابق، ص 78 . 

([74]) المرجع السابق، ص 77 . 

([75]) ملوك العرب، جـ 1، ص 50-51 . 

([76]) رحلة إلى الحجاز، ص 44 .

([77]) المرجع السابق، ص 48 .  

([78]) المرجع السابق، ص 68 . 

([79]) المرجع السابق، ص 44 .

([80]) المرجع السابق، ص 154 . 

([81]) المرجع السابق، ص 159 .  

([82]) الارتسامات اللطاف، ص 262 . 

([83]) المرجع السابق، ص 199 . 

([84]) في منزل الوحي، ص 106 . 

([85]) المرجع السابق، ص 440 . 

([86]) المرجع السابق، ص 292-294 .

([87]) مشاهداتي في جزيرة العرب، ولعل الصحيح " بلخير " وليس " أبو الخير ".

([88]) المرجع السابق، ص 237 .

([89]) في منزل الوحي، ص 122 .

([90]) وحي الصحراء (تهامة، ط 2، جدة 1403هـ/1983م)، المقدمة، ص22 .

([91]) أرض المعجزات .

([92]) المرجع السابق، ص 119 ومابعدها . 

([93]) شوقي ضيف : الرحلات، المقدمة، ص 6 . 

([94]) تاريخ الأدب الجغرافي العربي - تعريب صلاح الدين عثمان (لجنة التأليف والترجمة والنشر، القاهرة 1963م)، القسم الأول، ص 24-25 . 

([95]) ملوك العرب، جـ 2، ص 40-41 . 

([96]) المرجع السابق، جـ 2، ص 120 .

([97]) رحلة إلى الحجاز، ص 110-111 .

([98]) المرجع السابق، ص 156-157 .