لقد انبهر المستشرقون بشخصية الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن بن سعود ،
وقد دفعهم هذا إلى إطلاق عدة ألقاب على الملك عبد العزيز، من أهمها وصف المستشرق
الفرنسي جان بول بونيه له بأنه "نابليون الجزيرة العربية "، ومنها
تلقيبه بـ " فهد الصحراء" و " شبل الصحراء " و " سيد
الجزيرة العربية " ، و " ملك الصحراء " .
وقـد وصـف بعض المستشرقين أعمــال
الملـك عبد العزيز بأنهــا " أعمال أسطورية " لا يمكن أن يتصورها العقل
؛ فقد قال عنها المستشرق السياسي " أنتوني ناتنج": " إنها من أكبر
المعجزات بكل المقايس العلمية " ، وتم وصف عملية توطين البدو بأنها "
أكبر عملية " توطين في التاريخ ،
ووصف المستشرق موريس جورنو الاستقرار والأمن الذي أنجزه الملك عبد العزيز بأنه
"جعل الجزيرة العربية البلد الأكثر أمنا في
العالم"، ويقول فيليب حتى : " إن الملك عبد العزيز حقق مستوى
عاليا من الأمان "، كما وصف المستشرق جورج أنطونيوس الملك عبد العزيز بأنه
الملك الذي تمكن من القضاء على النزعة القبلية، وجعل الانتماء للوطن بدلا من
القبيلة .
هذه الدراسة تسعى إلى تكوين صورة الملك
عبد العزيز في الاستشراق الأمريكي، وذلك من خلال مراجعة أحد الأعمال الاستشراقية
المهمة التي تناولت تاريخ المملكة العربية السعودية في دورها الثالث بزعامة الملك
عبد العزيز، وبعض الأعمال الاستشراقية الأخرى التي تناولت سيرة الملك عبد العزيز
وشخصيته بالتحليل والدراسة.
والّلافت للنظر أن هذه الدراسات على
اختلاف منابعها وخلفيات المستشرقين الذين ألّفوها تتفق حول عظمة شخصية الملك عبد
العزيز وحكمته وقدراته السياسية والاجتماعية التي تمثلت في بناء دولة عظيمة تقترب مساحتها من نصف مساحة
القارة الأوربية ، حيث نجح الملك عبد العزيز في
توحيد أركانها وبناء دولة عصرية تحافظ على التقاليد الدينية والأخلاقية ،
وتربط بين الماضي والحاضر بنجاح كبير . أما القدرات الاجتماعية فتتمثل في سياسة
الملك عبدالعزيز التي سعت إلى تغيير الأوضاع الاجتماعية لسكان شبه الجزيرة العربية
وتغيير نمط الحياة داخل شبه الجزيرة ، والقيام بأكبر عملية توطين في التاريخ
البشري يتحقق على أثرها الاستقرار السياسي والاجتماعي ، ويتم القضاء على النزعة
القبلية وتحويل المجتمع القبلي إلى مجتمع زراعي مستقر .
وهناك العديد من الأعمال الاستشراقية
عن الملك عبد العزيز وإنجازاته العظيمة والتي التزم مؤلفوها بموقف علمي موضوعي في
دراساتهم ، بل إن بعضهم لم يخف إعجابه الشديد بهذه الشخصية العربية الإسلامية
الفذة . وعلى غير عهدنا بالاستشراق وشبهاته فإن هذه الدراسات الاستشراقية عن الملك
عبد العزيز وقفت مبهورة أمام الأعمال العظيمة للملك عبد العزيز ، فتناولتها بكثير
من الموضوعية ، ولم تأت الألقاب التي أطلقت على الملك عبد العزيز من فراغ ، ولكنها
تعبر عن حقيقة الرجل ، وعن عظمة عمله ، وعن قيمته الحقيقية في تاريخ شبه الجزيرة
العربية وفي التاريخ الإسلامي الحديث على وجه العموم .
والمستشرق كارل تويتشل أمريكي الجنسية
تخصص في علم المناجم ، وعمل بالمملكة العربية السعودية مهندس جيولوجيا خلال عصر
الملك عبد العزيز ، وعمل في البحث عن المياه الجوفية في الحجاز وأجزاء أخرى من شبه
الجزيرة العربية ، وقد زار المملكة لأول مرة عام 1932م، واستمر على صلة وثيقة
بالمملكة حتى عام 1964م، وخلال هذه المدة الطويلة اكتسب خبرة جيدة في أوضاع
المملكة ، وقام بالعديد من الرحلات للبحث عن المعادن والمياه في شمال المملكة
وجنوبها ووسطها ، واتصل بالعديد من الشخصيات العربية المهمة مثل الأستاذ حافظ وهبة
والشيخ خليل الــرواف وغيرهما ، وقـد ألف تويتشل كتابه المعروف المترجم إلى
العربية تحت عنوان : " المملكة العربية السعودية وتطورات مصادرها الطبيعية "، وعلى الرغم من أن تويتشل لم يبدأ حياته
مستشرقاً متخصصاً في المجتمعات الإسلامية فإن عمله هذا من الأعمال الجيدة التي
درست أوضاع المملكة العربية السعودية خلال عصر الملك عبد العزيز . ومن المعروف أن
كثيراً من المستشرقين بدأوا حياتهم بعيداً عن الاستشراق ، وتحولوا بعد مدة من
العمل والحياة في إحدى البلاد الإسلامية أو الشرقية إلى مستشرقين مهتمين بالدراسات
المرتبطة بالبلاد التي عملوا فيها ، وتعبّر دراساتهم غالباً عن خبرة جيدة مكتسبة
من المعايشة قد لا نجدها في كتابات بعض المستشرقين المتخصصين الذين لم يزوروا
بلداً إسلامياً في حياتهم ، واعتمدوا على الدراسات الاستشراقية النظرية بدون خبرة
عملية، أو زيارات ميدانية .
يصف المستشرق ك.س. تويتشلK.S.Twitchell الملك عبد
العزيز بأنه " من أشهر رجالات العصر ، ولم يجتمع للعرب في الجزيرة العربية تحت رجل واحد ما اجتمع لابن
سعود منذ زمان طويل " .(1) ويتضح إعجاب المستشرق تويتشل
بشخصية الملك عبد العزيز حيث يتتبع إعداده وتربيته منذ صباه وخبرته السياسية
وشبابه، فيقول : " إن عبد العزيز السياسي المجد والمهندس المقبل على بناء
البلاد العربية السعودية – كان منذ
نشأته الأولى وهو منخرط في شؤون الجزيرة
وأتونها الفائر ، منهمك في تنظيم صراع
محكم مع ابن الرشيد في حائل ومع الأتراك العثمانيين . وبتعبير دولي نقول إن البلاد
اندفعت بصورة مماثلة لما اندفعت به ألمانيا في عهد القيصر وليم الثاني وبريطانيا
في العهد الفيكتوري ؛ ففي المرحلة الأولى من سيرته برهن على تمهيد عبقري محكم
لاستعادة مجد البيت السعودي "(2).
ويصف المستشرق نفسه التربية العسكرية
والتنشئة البدوية للملك عبد العزيز ليؤكد على المزج بين التدريب في النشأة الأولى على الخبرة السياسية والتدريب
على الخبرة العسكرية ، فيقول : " في هذه البيئة الخشنة حطت أسرة سعود رحالها
، وهنا أخذ عبدالعزيز مصحوبا بابن عمه عبد الله بن جلوي يتلقيان الدروس القاسية
الصارمة في فنون البداوة من قتال وتحمل لشظف العيش ومغالبة ظروف الحياة وقهر
الصحراء ، وقد تعلم أكثر من مرة قيمة السرعة في الحركة والهجوم المباغت ، كما تمرن
على الغارات والغزوات في مسافات وميادين واسعة شاسعة " . (3)
وبعد سنوات من القتال والصراع تمكن الملك عبد العزيز آل سعـــود في عام 1907 من
توطيــد دعائم السلم والطمأنينــــة . ويصف تويتشل هذا الإنجاز بقوله : " إن
عبد العزيز آل سعود في سنة 1907م كان قد وطد دعائم السلم والطمأنينة للبيت السعودي
، وبذلك خطت العناية الإلهية يوما من أيام العرب الفريدة الزاهية في سجلها
المحفوظ".(4)
ولاشك في أن أهم المنجزات السياسية للملك عبد العزيز هو
تأسيس دولة قوية تم فيها توحيد شبه الجزيرة العربية ، كما وضع لهذه الدولة منهجاً
سياسياً ودينياً واضحاً أثبت من خلاله أن الإسلام دين ودولة ،(5)
وهو أمر لم يتحقق بشكل قوي من بعد عصور الإسلام الأولى .
وقد تمكن الملك عبد العزيز من إقامة
علاقات متوازنة للمملكة العربية السعودية مع القوى العالمية المختلفة، حافظ من
خلالها على استقلال مملكته، وقد قوى علاقاته بالدول العربية والإسلامية، واحتضن
التفاهم في الشؤون العربية على أسس دينية وثقافية وتجارية ، وليس على أسس سياسية
فقط. (6)
وفيما يأتي عرض لبعض مواقف الملك عبد العزيز وسياسته تجاه
عدد من القضايا المهمة ؛ منها قضية الوحدة العربية ، وقضية فلسطين ، وموقفه من
العلاقات الدولية :
1 – قضية الوحدة العربية :
أكد تويتشل على التأثير الكبير للملك
عبد العزيز في العالم العربي والإسلامي
بقولـــه :" إن تأثير ابن سعود في
العالم الإسلامي فريد ولا مثيل له ، وسلطانه ليس مستمداً فقط من حكمه الحجاز قلب الإسلام النابض بما فيه
من مدن مقدسة (مكة والمدينة) ولكن من سجل تاريخه الحافل بالبطولة والمروءات
والنجدات وما يملك من شخصية فذة آسرة قوية ". (7)
وفي العالم العربي سارت سياسة الملك
عبد العزيز على أساس من تكوين رابطة عربية قوية مبنية على أساس من الصداقات
المتينة مع الدول العربية جميعها، وقد درات مشاورات عديدة لمناقشة قضية الوحدة
العربية ، وقد اعتمدت سياسة الملك عبد العزيز في
مسألة الوحدة على مبادئ عامة بهدف الوصول
إلى تقارب فعلي وعملي بين الدول العربية ، حيث انتهت المفاوضات المتعددة إلى عقد
حلف صداقة مع العديد من الدول العربية ، ويقول تويتشل : " لقد احتضن ابن سعود
وغذّى التفاهم في الشؤون العربية على أسس دينية وثقافية وتجارية
لا على أسس سياسية".(8)
ولا شك في أن هذه مثلت سياسة صائبة
وحكيمة من الملك عبد العزيز ، فإن أساس الاتحاد بين الشعوب المتقاربة يجب أن يكون الأساس الديني حيث تدين الشعوب
العربية كلها بالإسلام ، والأساس الثقافي حيث توجد قاعدة ثقافية مشتركة نابعة من
الإسلام ومستمدة منه ، وكفيلة بتأسيس وحدة ثقافية قوية بين الشعوب العربية ،
وأخيراً الأساس الاقتصادي من خلال السياسات الاقتصادية والتجارية التي تكوّن قاعدة
اقتصادية تسمح بالاتحاد في هذا المجال .
وقد أثبتت تجارب التاريخ العربي الحديث
أن محاولات الوحدة التي قامت على أسس سياسية لم تنجح في جمع الشمل العربي ، ولنفس
الأسباب التي تمسك بها الملك عبد العزيز.
ويشرح جلال يحيى موقف الوفد السعودي
في المشاورات التي بدأت عام 1943م بشأن
الوحدة العربية بقوله : " لقد أوضح الوفد السعودي في مشاوراته التي عقدها مع مصطفى النحاس في
القاهرة المبادئ العامة التي يجب الاستئناس بها للوصول إلى أي وحدة أو اتحاد ، أو
حتى للوصول إلى تقارب فعلي وعملي بين الدول العربية . وتتلخص هذه المبادئ أولاً في
تأييد العلاقات وتوثيق الصلات بين المملكة العربية السعودية ومصر بصفة خاصة ،
واتخاذ ذلك أساساً للبحث في كل ما من شأنه
أن يؤدي إلى خير الأمة العربية كلها . ووضح من هذا المبدأ الاتجاه السعودي إلى دعم
الصلات بمصر وبخاصة لأن القوى الهاشمية تحاول خلق كتلة داخل التجمع الجديد ."
(9)
ويحدد الدكتور جلال يحيي المبدأ الثاني
في " ضرورة الاتفاق على هدف معين هو العمل من أجل مصلحة الأمة العربية جمعاء
دون نظر لمغنم ، أو دون أن يكون العمل على حساب الغير ، وأن هذا الاتجاه الذي ينشد
الصالح العام من أجل العروبة ولوجه الله كان يمثل في نفس الوقت مخاوف القيادة السعودية من تكتلات
الهاشميين".(10)
ويذكر بقية المبادئ على النحو الآتي :
" ضرورة اتقاء المخاطر والمشكلات التي تضر بالأمة العربية، وضرورة توحيد
الخطى حتى يسير المجموع في توافق وانسجام. ولاشك في أن دراسة الأوضاع الخاصة
بأقاليم الأمة العربية هي أساس لشرح أي علاج وللابتعاد عن كل اصطدام قد يقع .
وأخيرا فإن العربية السعودية كانت تفضل أن يكون اشتراك الأقطار العربية على قدم
المساواة مع بعضها ، أي على أساس الاستناد إلى الوحدات الدولية الإقليمية الموجودة
قبل غيرها من العوامل".(11)
ويتفق تحليل جلال يحيى هنا مع تحليل
المستشرق تويتشل في أن سياسة الملك عبدالعزيز في سبيل الوحدة ركزت على الوحدة في
المجالين الاقتصادي والثقافي، وتأجيل المجال السياسي لصعوبته في ذلك الوقت. يقول
جلال يحيى:" أما بالنسبة للتعاون مع البلاد العربية فإن المملكة السعودية
كانت مستعدة للتعاون مع الجميع ، وعلى طول الخط
في الميدانين الاقتصادي والثقافي، وأما بالنسبة للميدان السياسي فإنها ترى
ضرورة تأجيله مؤقتاً إلى أن تتغير بعض الظروف الموجودة في هذا الإقليم أو
ذاك"(12) ، ويشرح جلال يحيى هذا الموقف بأن الملك عبد
العزيز " لم يكن في هذا الوقت يتفاءل بالوصول إلى اتفاق الدول العربية على
نظام اتحادي " ، وذلك لاختلاف أوضاع الدول العربية ؛ فهو كان يعتز باستقلاله
وبعدم وجود نفوذ سياسي أجنبي في بلاده ، كما كان يرى من حوله أقاليم تخضع للنفوذ
الأجنبي ، أو عجزت عن الوصول إلى استقلالها التام . وأخيرا فقد كان من الصعب على
الملك عبد العزيز أن يلقي بنفسه في هذه
المعمعة ، وباسم العروبة،على الرغم من أنه عربي ، مادامت لأقاليمه أوضاع خاصة
نظراً لاشتمالها على الأراضي المقدسة ورعايتها للإسلام ، ولم يكن من السهل على
الملك عبد العزيز أن يلقي بأقاليمه مع بقية الأقاليم العربية الأخرى ، ولم تكن قد
مرت ثلاثون عاما على محاولة توطين البدو في
الصحراء ، وتحويلهم من مجتمع يعتمد على الرعي إلى مجتمع يعتمد على الزراعة
"،(13) ولم يكن
من السهل أيضا أن يزيد الملك عبد العزيز من قوات الدفع والجذب الشديد حول أقاليمه
وفي مدة لا تتجاوز عمر جيل واحد ، إذ لم يكن من السهل إدماج عرب الجزيرة في دولة واحدة مع بقية إخوانهم العرب. (14) ويختم تحليلـــه بأن الملك عبد العزيز لم يكن
في ذلك الوقــت من أنصار قيام اتحاد سياسي
بين البــــلاد العربية بسبب اختلاف الأوضـــاع الدولية والارتباطات الخاصة بكل
إقليم عربي ، وإن كان مستعــداً تمام الاستعداد للتعاون في الميدانين الثقـــافي والاقتصـــادي ".(15)
ولا شك في أن رؤية الملك عبد العزيز في
مسألة الاتحاد اتفقت مع الرؤية المصرية والسورية لمشروع الوحدة ، وفي هذا يقول
جلال يحيى : " وأمام تعدد الاتجاهات العربية في شأن مشروع الوحدة، سارت
القافلة صوب وجهات النظر المصرية والسعودية ، وهي وجهات النظر التي كانت تحاول ألا
تصل إلى مغنم خاص ، بل تسعى إلى تمهيد الطريق إلى وحدة فعلية تقوم بين الدول
العربية على قدم المساواة " . (16)
2 – القضية الفلسطينية :
وبالنسبة لقضية فلسطين فقد كان موقف
الملك عبد العزيز موقفاً واضحاً وحاسماً منذ البداية ؛ فمن الناحية التاريخية أقر
بأنه لا توجد مسوغات تاريخية للادعاءات اليهودية حول فلسطين بأنها وطن لليهود ؛
ففلسطين بلد عربي مسلم منذ أكثر من ثلاثة عشر قرناً ، وليس لليهود حكم فيها منــذ
عهــد الرومــان . وقد رأى أن اليهــود الذيــن لا يريدون الحياة في سلام في
فلسطين عليهم أن يبحثوا لهم عن أماكن أخرى للحياة في أمريكا وفي أوربــا مع ضمان
المحافظــة على مصــالح الحلفــاء واليهــود الوطنيين في فلسطــين .(17)
وقد أثبت المستشرق تويتشل في أكثر من موقع الخبرة السياسية للملك عبد العزيز
سواء فيما يتعلق بالقضية الفلسطينية، أو ما يخص موقفه من العلاقات الدولية في
عصره. وبشأن القضية الفلسطينية يقول تويتشل : " كان الملك عبد العزيز بن سعود
دائما شديد الاهتمام بالمشكلة الفلسطينية، وقد أصدر –
رحمه الله – تصريحه وأذاع رأيه في هذا الموضوع، وطبع ذلك في 31 مايو 1943م بمجلة " لايف "، وقال
في تصريحه إنه على وجه التحقيق لا يعلم أن
هناك ما يسوغ ادعاءات اليهود بفلسطين بأنها وطن قومي لهم، ذلك أن اليهود لم
يحكموها منذ عهد الرومان ، في حين أن العرب يحكمون فلسطين منذ أكثر من 1300 سنة .
ويرى أن اليهود إذا كانوا مكرهين على أن يفتشوا عن مكان ليعيشوا فيه فهنالك أماكن
كثيرة في أمريكا وفي أوربا أخصب وأرحب ، يمكنهم أن يستقروا فيها دونما حرب أو نضال
. وقد عرض كذلك أنه يضمن محافظة العرب على مصالح الحلفاء واليهود الوطنيين في فلسطين".(18)
هذا التحليل الذي قدمه المستشرق تويتشل
لموقف الملك عبد العزيز من القضية الفلسطينية يتفق في معظمه مع العديد من الدراسات العربية في هذا
الشأن ، ففي أحدث كتاب صدر عن سيرة الملك عبدالعزيز تحليل واف لهذا الموقف يؤكد
مدى اهتمام الملك عبد العزيز بمشكلة فلسطين ، والذي عبّر عنه من خلال كلمته
الشهيرة :" إن قضيتي الأولى هي قضية فلسطين " (19) ،
ويؤثر عن الملك عبد العزيز أيضا قوله للإنجليز : " لو قلت لكم إن هناك ذرة
في جسدي لا تدعوني إلى قتال اليهود لكنت
أكذب ، لو ذهبت كل أملاكي وتوقف نسلي لكان أسهل عليّ من أن أرى موطئ قدم لليهود
في فلسطين".(20)
ويشير كتاب التويجري إلى مواقف الملك
عبد العزيز الحاسمة في شأن القضية
الفلسطينية ؛ ومن أهمها رفضه لطلب روزفلت بأن يكون الملك أكثر تساهلا في السماح لهجرة اليهود إلى فلسطين بدعوى معاناتهم
من الألمان قائلا لروزفلت: " أعطوا اليهود وأحفادهم من بيوت الألمان الذين
اضطهدوهم "، ومن ذلك أيضا رفضه الدخول في
أية مفاوضات مع وايزمان واصفا إياه بأنه "عدو ديني ووطني "،(21)
ومن ذلك أيضا إشارة بعض الوثائق البريطانية إلى أن الملك عبد العزيز كان يخطط
لمقاطعة بريطانيا وإرسال أسلحة للفلسطينيين إذا لم تصغ بريطانيا إلى مطالبه
في فلسطين،(22)
وكذلك رد الملك عبد العزيز على البعثة البريطانية الأمريكية في عام 1946م والتي أثارت مسألة اليهود ، فقد قال
لأعضاء البعثة : "اليهود أعدائي
أينما كانوا وفي كل بقعة دخلوها أدخلوا معهم فسادهم وعملوا ضد مصالحنا "،(23)
ويؤثر عن الملك عبد العزيز أنه طلب من عبد الرحمن عزام أثناء بحث إنشاء الجامعة
العربية ضرورة إقامة تحالف عسكري من الدول العربية ، وضرورة الدفاع عن عرب فلسطين
ضد الصهيونية.(24)
وقد أعلن في لقاء مع بعض الضباط
الأمريكيين أن أمام أمريكا وبريطانيا حرية الاختيار بين عالم عربي هادئ ومسالم ،
أو دولة يهودية غارقة في الدم ، وأن
أمريكا إذا اختارت أن تمالئ اليهود فستخسر صداقتها مع العرب وتندم على ذلك . وحين
طلبت إنجلترا بعض التنازلات فيما يتعلق بفلسطين كان رد الملك عبد العزيز : "
إن هذا يمثل خيانة لله ورسوله e ، وإن فيه تضييعاً للشرف ودماراً للروح
"، وأعلن عدم موافقته على أي تنازل للصهاينة ، وطلب الملك عبدالعزيز تأكيدات
من تشرشل بوقف الهجرة اليهودية إلى فلسطين. (25)
3 – العلاقات الدولية :
أما فيما يتعلق بالموقف من العلاقات
الدولية المتشابكة والمعقدة خلال مدة الحرب العالمية الثانية فيقول المستشرق
تويتشل: " إن الملك عبد العزيز نجح في الاحتفاظ رسمياً بالحياد الدقيق الصارم
للمملكة العربية السعودية في هذا الصراع الدولي". ويعلن تويتشل أن الملك عبد
العزيز بخبرته السياسية تنبأ بانتصار بريطانيا في الحرب على عكس رأي مستشاريه
الذين اعتقد معظمهم أن النصر سيكون لألمانيا، ويعلق تويتشل على ذلك بقولــه :
" احتفظ ابن سعود رسمياً بحياد دقيق صارم ، وأعلن أنه متيقن بأن بريطانيا سوف
تنتصر، وبالطبع لم يكن مجلسه (المستشارون)
بأجمعه موافقا على ذلك، بل كانوا مقتنعين بأن ألمانيا ستنتصر، إلا أن بُعد نظر
الملك رجح وتحقق في النهاية ، وبذلك ازداد نفوذه العظيم وشهرته الواسعه في حكمته
وبُعد نظره وسداد رأيه".(26)
وتؤكد دراسة التويجري عن الملك عبد
العزيز بعض هذه المعلومات التي قدمها المستشرق تويتشل عن سياسة الملك عبد العزيز ،
وبخاصة خلال الحربين العالميتين الأولى والثانية ، وعن سياسته تجاه بريطانيا مؤكدا
على حكمة الملك عبد العزيز وبُعد نظره حيث أشار إلى خوف بريطانيا من توحيد شبه
الجزيرة العربية على يد الملك عبد العزيز، ولم تكن بريطانيا ترغب أصلا في قيام دولة يشمل نفوذها كل شبه الجزيرة العربية
، وقد أشار الأستاذ التويجري إلى معرفة الملك عبد العزيز لمواطن القوة والضعف
في كل شأن سياسي وتجنبه الدخول في مغامرات
سياسية غير محسوبة تنتج عنها أخطاء سياسية لا يمكن إصلاحها ، ومن حسن سياسته أنه
لم يشارك في الحربين الأولى والثانية بجندي واحد، وأن بريطانيا فشلت في أن تدفعه إلى ارتكاب خطأ سياسي واحد يضعف من
مكانته السياسية أو يجعله مجبراً على تغيير سياسته ، وقد بنيت علاقته بالإنجليز
والروس والأتراك على أساس من فهم عميق لطبيعة العلاقات السياسية خلال هذه المرحلة
المعقدة ، وقد قامت رؤيته السياسية في كل الأحوال على أساس من الاعتقاد المتين في أنه: " لا أهل له غير العرب والمسلمين ،
ولا وطن له إلا وطنهم ، ولا عز إلا بعزهم،
ولا حرية إلا بحريتهم " . (27)
ويقول الأستاذ أمين الحافظ رئيس وزراء
لبنان السابق : " إن صفات الملك عبدالعزيز مكنته من أن يكتسب مكانة سياسية كبيرة
، وذلك بفضل حنكته وذكائه الفطري ومعرفته المكتسبة ، والخبرة الغنية التي اكتسبها
مع الأيام ، ويلخص سياسة الملك عبد العزيز الدولية في إقامته للعلاقات مع الدول
الكبرى والصغرى على أساس من الحاجة المتبادلة بين المملكة وهذه الدول، وجعل
بريطانيا تتفادى الدخول في صراع معه خشية أن يخلق هذا ثغرات في إستراتيجيتها ، أو ينقص من هيبتها ، وأيضاً
تجنب الاشتراك بجنود في الحرب العالمية الثانية.(28)
وقد أكد الأستاذ التويجري من خلال عدد
من الوثائق على حرص بريطانيا على علاقاتها مع الملك عبد العزيز ، ورهبتها منه
وهيبته في نفوس الإنجليز، وخشيتها من بسط
نفوذه على كل شبه الجزيرة العربية.(29) ووصف الأستاذ أمين الحافظ
لقاءات الملك عبدالعزيز مع روزفلت ورسائله مع ترومان بأنها مواقف حازمة ، تشير إلى
صفات قوية في شخصية الملك عبد العزيز تجعله يخاطب ساسة الدول القوية دون خشية،
ويخاطبها مخاطبة الند للند ، وليس من موقف الضعف أو التبعية . (30)
وقد أكد الأستاذ محمد حسنين هيكل على
هذه الصفات والقدرات السياسية للملك عبد العزيز واصفاً إياها بأنها صفات رجال لا
يتكررون بسهولة في التاريخ ؛ فقد أسس دولة ، وأنشأ نظاماً من خلال إرادة تستطيع في
لحظة استثنائية أن تحرك التفاعل الخلاق بين الجغرافيا والتاريخ، وهو يصف عمل الملك
عبد العزيز بأنه يدخل في إطار الحتمية التاريخية ، فقد كان القلب من شبه الجزيرة
العربية في حاجة إلى دولة ونظام بعد قرون طويلة من الإهمال، وهو عمل يعبر عن ضرورة
طبيعية وإنسانية ومن لزوم للأمن والعمران . ويصف مناصرة الملك عبد العزيز لقضايا
الأمة العربية وقضية فلسطين بأنه انحياز تلقائي وفطري . أما دور الملك عبد العزيز
فهو دور متكامل بدأ ببناء الدولة ، وانتهى بقيادة الإقليم والأمة والدخول بهما إلى
العصر الحديث . وفي هذا الدور بكل مراحله وباختلاف ظروفه أثبت الملك عبد العزيز
قدرة عظيمة تشهد بجسارة عقل وقوة أعصاب.(31)
والدليل الثاني الذي يعطيه المستشرق
تويتشل على الخبرة الواسعة بالعلاقات الدولية مستمد من موقف الملك عبد العزيز من
حركة رشيد عالي الكيلاني في العراق وإعلانه عن عدم رضاه عن هذه الثورة ومحاولة
إثناء رشيد الكيلاني عن القيام بها ؛ فقد أدرك الملك عبد العزيز أن ثورة الكيلاني
ستجذب اهتمام الإنجليز، وربما تؤدي إلى زحف قوات ألمانية إلى العراق من تركيا
وروسيا ، وربما يؤثر ذلك على تركيا فتصبح حليفة للألمان ، ويكون في استطاعة هتلر الوصول بقواته إلى منابع بترول
العراق وإيران وتتقدم إلى قناة السويس ، ويستشهد تويتشل على هذا الاستنتاج برسائل
متبادلة بين الملك عبد العزيز ورشيد الكيلاني ، تؤكد على اعتقاد الملك عبد العزيز
الحاسم في انتصار الحلفاء وعدم رضا الملك عن إثارة العراقيين الاضطراب ضد بريطانيا
والتأكيد على الخطأ في محاربة بريطانيا في ظل الظروف الدولية غير المناسبة ،
وضرورة حل مشكلة العراق مع بريطانيا بالطرق السلمية ، والحكم على حركة الكيلاني
بالفشل إذا لم تتفاوض مع بريطانيا وتنهي النزاع معها . (32) وقد أدت هذه السياسة الحكيمة في ظل هذه الأزمة العالمية إلى تقوية المكانة
الدولية للمملكة العربية السعودية في عهد
الملك عبدالعزيز ، وعن هذا يقول تويتشل : " وحين أعلنت البلاد العربية
السعودية الحرب في 1مارس 1945م ضد ألمانيا واليابان أصبح يحق لها أن تدخل عضوا
في منظمة الأمم المتحدة ، وأن تمثل
في مجلس الأمن الدولي في سان فرنسسكو ، وهذا يعني دخول المملكة في نطاق دولي أوسع ، مما سمح لابن سعود أن يدخل
بلاده في علاقات جديدة وروابط أوثق مع
باقي العالم الخارجي".(33)
أما الدليل الثالث الذي يقدمه تويتشل
على الحنكة السياسية للملك عبد العزيز فيظهر في المدة السابقة على الحرب العالمية
الثانيــــة ، وتتعلق بمشكلة عسير ، حين حاول حاكم عسير حسن الإدريسي التمرد على
سلطة ابن سعود بتشجيع من الدولة اليمنية من ناحية ، وبإغراء من إيطاليا الفاشستية
من ناحية أخرى ، فقد دعا الملك عبد العزيز الإمام يحيى حاكم اليمن إلى الاجتماع به
في أبهـــا ، وبعد أن فشــل هذا الاجتماع
أرسل الملك عبد العزيـــز بجيشين ؛ أحدهما بقيادة ولي العهد الأمير سعود ، والآخر
بقيادة الأمير فيصل نائب الملك في الحجاز ، وتم القضاء على التمرد اليمني من
ناحية، وعلى الأطماع الإيطالية في اليمن لتأمين مركز لها في البلاد العربية ، ولضم اليمن إلى مستعمرة
أريتريا ، تمهيدا للسيطرة على الطرف الجنوبي من البحر الأحمر ، وذلك لقطع الطريق
بين بريطانيا والهند ، وبعد أن انتهت الحرب عقد الملك عبد العزيز الصلح مع الإمام
يحيى في مكة ، حيث استقبــل الملك رسول
الإمام استقبالاً حافلا، ورفض فرض أيــة تعويضـات على اليمن ، ولم يطالب بما
استولى عليه من أراض وبلاد، الأمر الذي خفـــف من مشاعر اليمنيــين ضد الحكم
السعودي، وحفظـــوا للملك عبد العزيز جميلـــه. (34)
ويعلــق الأســتاذ حافــظ وهبــة علــى
ســياسة الملك عبد العزيز تجاه الإمام يحيى واليمن بقولــه :" وقد ضرب الملك
عبد العزيز بالصلح الذي عقده مع إمام اليمن أفضل الأمثال في التسامح واكتساب صداقة
خصمه ، كما ضرب أفضل الأمثال في حبه للتفاهم مع أمراء العرب ، وسعيه للاتحاد
العربي الذي ينشده أحرار العرب ومفكروهم من نصف قرن؛ فإن مجد العرب لا يسترد إلا
باجتماع كلمة العرب".(35)
وبمثل هذه السياسة والخبرة قوّى الملك
عبدالعزيز علاقات بلاده بالبلاد العربية والإسلامية المجاورة مثل مصر والعراق
واليمن وإيران ، وكما يقول تويتشل : " احتضن ابن سعود وغذّى التفاهم في
الشؤون العربية على أسس دينية وثقافية وتجارية ودينية لا على أسس سياسية ".(36)
ولعل من أهم أسس الفكر السياسي عند
الملك عبد العزيز قيام علاقته مع العرب على أساس من سياسة حسن الجوار ،(37) وهو خط سياسي التزم به الملك عبد العزيز منذ
البداية ، ويتضح في كل تاريخه السياسي ؛
فقد دخل في عدد من المعاهدات مع أعدائه
السابقين ، مستبدلاً بعلاقات الخصومة السابقة الصداقة وتنمية روح التعاون بين
الأطراف ذات الشأن ، وقد أنهى مشكلات الحدود مع السلطات العراقية ، وفي ربيع 1926م
عقد معاهدة تحالف بين المملكة العربية السعودية والعراق ، وفي عام 1933م عقد
معاهدة صداقة وحسن جوار مع شرقي الأردن ، وقبل ذلك في عام 1929م عقد معاهدتي صداقة
مع تركيا ومع إيران ، وتوصف معاهدته مع إيران بأنها خطوة سياسية بارعة "،(38) فقد أحلت التفاهم والعلاقات الودية محل
الخصومات الدينية التقليدية بين السنة والشيعة ، وفي عام 1936م تم عقد معاهدة مع
مصر ، وضعت حدا للنزاع معها، كما عقد معاهدة الطائف مع اليمن لإنهاء مشكلات الحدود
معها ، وقد وصفت هذه المعاهدة التي انعقدت في
مايو 1934م بأنها " وضعت لتنمية وحدة الأمة العربية ، وذلك بالتعاون
الوثيق بين الطرفين المتعاقدين وبإقامة علاقات جوار وروابط صداقة بينهما ، وبدعم
الحياة السلمية الهادئة بين الحكومتين والشعبين " . (39)
ويؤكد زيد بن عبد المحسن الحسين هذه
الخبرة السياسية للملك عبد العزيز في الأمور الخاصة بالعلاقات الدولية،فيقول :
" وكان الملك عبد العزيز عميق التجربة ، مدركا أبعاد ما يدور حوله من أحداث ،
قـــــادراً على استقراء نتائجها قبل حدوثها ، وقد أهّلته هذه الصفات للتعامل
بواقعية مع القوى الدولية التي كانت تطمع في
ولائه ، فاحتفــــظ بعلاقات متوازنــــه معها من غير أن يتـــنازل عن
استقــلال قراره. وكان عليه –
رحمه الله – أن يبني قواعد دولته وسط أمواج
السياسة العاتية التي عصفت بأعظم الإمبراطوريات".(40)
اهتم المستشرق تويتشل بدراسة جهود
الملك عبد العزيز الإدارية على المستويات السياسية والاقتصادية والاجتماعية ،
ويعطي تويتشل التعليل الآتي لهذا الاهتمام الكبير بالنواحي الإدارية :
" يجب أن تنشأ بحكم الضرورة
مشكلات ذات صبغة خاصة في بلاد مساحتها
أكبر من الجزر البريطانية وألمانيا وفرنسا وإيطاليا مجتمعة . وحين نذكر أن البلاد
العربية السعودية لم يكن لها سابقاً إلا اتصـال قليل بالعالم الخارجي، فمن
الطبيـــعي إذاً ألاّ يكون لها المراس في
الإدارة والسياسة الحديثة، ولم يكن لها نظام خاص ذو صبغة تقليدية في
سياستها بالمعنى الوطني الواسع النطاق ، وعلى ذلك فالخطوات الواسعة السريعة التي اتخذها
رجال الإدارة الحكومية للعمل على هذا التنظيم في الإدارة تُعد فائقة الحد " .
(41)
ويصف تويتشل القدرات الإدارية للملك
عبد العزيز، فيقول:" إن الملك عبدالعزيز وطّد أركان الدولة بأعظم ما يكون من
المقدرة والكفاءة والنشاط والخبرات التي تؤول للدولة ، كما وضع أساساً لنظام
اقتصادي محكم " للنهوض بالبلاد اقتصادياً وعمرانياً وعلمياً وزراعيا لتعود
البلاد زاهرة زاهية،وتتقدم بخطى واسعة ثابتة نحو الإصلاح والعمران، وتسابق الأمم
في هذا المضمار، وتسير مع قافلة الزمن
الحثيث". (42)
وقد أكدت المصادر العربية هذا الاهتمام
الإداري لدى الملك عبد العزيز ، ومن مراسلات الملك عبد العزيز تتضح هذه النزعة
الإدارية ، فقد كان "يعطي أهمية قصوى لمعرفة ما يجري في بلاده أولاً بأول، والاطلاع على كل كبيرة
وصغيرة، ويضطر المسؤولون الناؤون أن يقابلوا نشاطــه بنشاط كما أن نشاطــه في المساءلــة والمجاوبة منقطع النظــير، وكان
يكتب لوالده الإمام عبد الرحمن إذا غاب عنه يوميا حتى إذا لم يجد جديد، وكان لا
يعرف الكسل ولا التواني ولا تأخير عمل اليوم إلى الغد ،(43) وقد وضحت المراسلات المختلفة للملك عبد العزيز
إطار العمل الجاد الذي أخذ به نفسه، وهو الإطار الذي أدى إلى التوحيد والبناء
لنظامها السياسي والإداري ومراحل التطور في
الخطط والعمل(44).
ويصف الأستاذ حافظ وهبة جهود الملك عبد
العزيز الإدارية والصعوبات التي اعترضت طريق الإصلاح الإداري قائلا: "لا يقدر
مجهودات الملك عبد العزيز حق قدرها إلا الواقفون على أحوال البلاد العربية
الخابرون لشؤونها الملمون بأحوال سكانها وطرق معيشتهم، إن الذي يعرف بلاد العرب
قبل ثلاثين سنة عن خبرة شخصية، أو يقرأ كتب الجوّابين من الإنجليز، يعرف ما لهذا
الرجل من فضل في استتباب الأمن، والذي يعرف بلاد العرب وما كانت عليه من تشاحن بين
أمرائها وحروب مستمرة بين حكامها يقدر مجهود هذا الرجل في قطع دابر الخصومات
بتوحيد بعض الإمارات المتخاصمة." (45) ويقول أيضاً:
" إن شخصية الملك عبد العزيز وحبه للعدل ، وحرصه على صالح شعبه ، وسهره
الدائم على مصالح رعيته ، ومواصلة الليل بالنهار في مراقبة صغار الأمور وجليلها
جعل أكثر الأعمال تسير في طريق مُرْضٍ بفضل شخصيته وشخصية أنجاله المباشرين
للأعمال ". (46)
وقد اتسم الأسلوب الإصلاحي للملك عبد
العزيز بالتأني واستعداد الشعب لما يريد من الإصلاح ، وقد مر بالكثير من الصعوبات
التي اعترضت طريق الإصلاح والعقبات التي وقفت في
سبيل ما يريد من مشروعات ، وأعماله في
هذا المقام توضح على حسب قول الأستاذ حافظ وهبة : " ناحية من نواحي
عظمة ابن سعود ومقدار ما يعانيه من الصعوبـــات في طريــق الإصلاح، وترينـــا ناحيــة من نواحي
الكفاح بين القديم والجديـــــد". (47)
وتعطي نجلاء عز الدين وصفا مطولا
للصفات القيادية التي مكنت الملك عبد العزيز من إدارة الأحداث في عصره إدارة غاية في النجاح والتوفيق، فتقول: " خلق ابن سعود
وصفات القيادة متمثلة فيه، وقد وضعت هذه الصفات على محك التجربة مرات عديدة
طـــوال حياته التي كانت مليئة بالأحداث، متألقة بالنجاح . وفي مجتمع تقـــل فيه
القوانين المكتوبة قلة ظاهرة ، ولا يعتد فيه بالعلوم المودعة في الكتب ، ينبغي للزعيم أن يفهم نفسية الشعب ،
وطبيعة البيئة التي يعيش فيها، وقد توافر هذا الفهم لابن سعود على أتم صورة ، فكان
على وعي تام بطبيعة بيئته ؛ لأنه نتاج هذه البيئة في أحسن حالاتها، وتتجلى فيه صفات الرئيس التقليدي
في المجتمع الذي يسوده النظام الأبوي من
حنــــكة في تقدير الرجال ومعالــجة
الأحداث ، وصبر في معاملة الناس، وعطف على
الجميع ، حتى على أحط رجال القبائل شأنا ، وعدل سريع، نزيه لا يحابي، وشجاعة
وكرم".(48)
وتواصل الكاتبة وصفها قائلة : "
ونتيجة لتيقظ ابن سعود وعدله وحزمه توقفت غارات القبائل ، وعاشت بلاد العرب
في أمن يفوق الأمن السائد في بعض مدن الغرب الكبيرة ، ويضرب المثل بكرمه،
فهو يجود على كل إنسان ، ويعطي دائما... وأعظم دليل على شجاعته تلك المملكة التي
حازها بقوة ساعده ، وفي جسمه ندوب الجروح التي أصيب بها في المعارك الكثيرة التي
خاض غمارها لدعم دولته... ولم يستسلم أبدا للهزيمة ولم تخنه شجاعته ، ولاضعفت
عزيمته... ولم يكن يصرفه شيء عن الهدف الذي يسعى إليه ... ، وكانت شجاعته ثابتة
سواء في المعارك التي يخوضها ، أو في إمضاء بعض القرارات في أوقات ليست أقل حرجا من أوقات المعارك، وكان
يستشير زعماء القبائل تمشيا مع العرف القبلي العريق، ولكنه إذا اعتزم أمراً لا
يتردد في تنفيذه ، ولا يثنيه عنه سبب من الأسباب".(49) وكان ابن سعود يحكم البلاد بطريقة أبوية ، فهو
يستمع إلى الشكاوى بنفسه ، ويشرف بنفسه على تنفيذ تعليماته شأنه شأن رب الأسرة
المدرك لمسؤوليته ، ولم يكن من اليسير أن يصبح ابن سعود حاكما مستبدا في تلك البيئة، ذلك أن الشريعة تحول دون قيام
الحكم الفردي ، وكذلك نزعة الحرية المتأصلة في
نفوس أبناء الصحراء ".(50)
يصف المستشرق تويتشل جهود الملك
عبدالعزيز في مجال الإصلاح الاجتماعي
وتغيير حياة البدو على النحو الآتي :
" لقد أظهر الملك ابن سعود كعادته
حكمة كبيرة بشروعه وتشجيعه حركة استقرار البدو في
أراض مختارة في نجد والأحساء ، كما
بث الدعاة لتحسين قبول الحياة الزراعية، والاستقرار في قرى حديثة منظمة ؛ ذلك أن الحياة في بيوت ثابتة وفلاحة الأرض وزراعتها لا تتمشى وما
اعتاده البدوي، وانطبع عليه ودرج في أحضانه ، ومع ذلك فجلالــــة المليك قد يسر
إقامة مستقرة لحوالي ثلث البدو الرحـــل بتدبيره وتسهيلاتــه، وكان ممن نجح في مثل
هذا الاستقرار بدو منطقة حليت شمال غربي الدوادمي ، وفي منطقة فوارة جنوب شرقي
حائل ، وعقلة الصقور في وادي الرمة إلى شرقي الطريق بين المدينة وحائل ، ومع أن
الكثير من البدو لايزالون يحتقرون مهنة الزراعة إلا أن المستقبل المرموق لنجاح
الزراعة واستغلال الأرض وتقدم البلاد لا بد أن يكون عن هذا السبيل".(51)
ويعــد الأستاذ حافظ وهبة مشروع توطين
البدو أحد أهم مشروعات الملك عبدالعزيز حيث يقول : "ومن أعظم المشروعات الإصلاحية
التي قام بها الملك عبدالعزيز مشروع تحضير البادية ، وإقطاعهم الأراضي للسكنى
والزراعة " . (52)
ومن المستشرقين الذين
اهتموا بمتابعة الإصلاح الذي قام به الملك عبدالعزيز المستشرق الإنجليزي أنتوني
ناتنج الذي وصف عمل الملك عبدالعزيز في هذا المجال على النحو الآتي :
" إن الملك عبدالعزيز نجح في
تحويل مجتمع شبه الجزيرة العربية من قبائل مقتتلة إلى شعب يعي معنى المواطنة
والاستقرار ، والتحول من طور البداوة والرعي والارتحال إلى الزراعة والأسرة ، كما
نشر روح المعرفة وطلب العلم ، بل تطوير مفاهيم مجتمع برمته، والانتقال به من
التخلف إلى مرحلة جديدة تماما من الحضارة البشرية رقيا وتقدما ، وهو يعد بكل
المقاييس العلمية من أكثر المعجزات ، نظرا للظروف التي مرت بها شبه الجزيرة في
القرون السابقة " . (53)
ويؤكد المستشـــرق فيليب حتى Philip Hitti هذه الجهـــود الإصلاحيـــة بقوله :
"استطاع الملك عبدالعزيز – بالإضافة إلى توحيد الجزيرة العربية – أن يضع
نهاية لأعمال السلب والنهب ، ويضع قواعد تنظيم فريضة الحج ، ويحقق قدرا عظيما من
الأمن العام ، ويدخل الأجهزة الحديثة مثل الراديو والتلغراف والتليفون والسيارات
ويعمم استخدامها ، واستطاع أن يوطن البدو ويوجههم إلى العمل الزراعي، ويوسع من
مصادر الدولة وبخاصة في مجال البترول الذي
جعل منه أكبر مصدر للدخل للدولة ، واستطاع تحديث المملكة والدخول بها في العصر الحديث " . (54)
ومن الأمور التي ساعدت الملك عبدالعزيز
على توطين البدو معيشته في البادية مدة من
الزمن من بعد عام 1309هـ/1891م وحتى نجاحه في إقامة الدولة وتوحيد شبه الجزيرة ؛
فقد كان على معرفة تامة بمشكلات الحياة البدوية، فعمل على جمع القبائل تحت سلطة
سياسية واحدة ومباشرة خطوة أساسية في سبيل تحقيق الإصلاح الاجتماعي المنشود من
خلال مشروع توطين البدو الذي يُعد بحق من الأفكار الجديدة غير المسبوقة في تاريخ
المملكة (55)، ويشرح الدكتور السلمان أسلوب الملك عبدالعزيز في
تنفيذ هذه الفكرة بقوله :
" لقد كانت حماسة الملك عبدالعزيز
عظيمة لإنجاح هذا المشروع ؛ فقد أمر بحفر الآبار وبناء المساجد بجانبها ، وأعلن
دعوته للقبائل المرتحلة للإقامة في هذه الهجر المعدة لهم ، وترك حياة الترحال
المتعبة إلى حياة الزراعة والاستقرار ، وأخذ يقوي فيهم روح بيع إبلهم ؛ لأن الإبل
رمز البداوة ، وبواسطتها يمكنهم أن يعودوا إلى حياة الترحال مرة أخرى ، كما حثهم
على العمل بالزراعة وترك حياة الكسل ، وأخذ يجذب رؤساء القبائل للتأثير في أتباعهم
، وذلك بمنح العطايا والهدايا لهم ، بل أمر بإعطائهم بيوتا خاصة في الرياض ، وشكل
من هؤلاء الرؤساء القيادة العسكرية للجيش السعودي غير النظامي ، كما أخذ يوزع
الأراضي المجاورة للهجر على أفراد القبائل؛ ليزيد من ارتباطهم بتلك الهجر
أكثر".(56)
أما النظام الخاص لإنشاء الهجر مجتمعاً
عمرانياً فقد اعتمد كما رأينا على البئر والمسجد والمسكن، حيث كان البئر
مصدراً للماء اللازم للزراعة والحياة
عموما ، وكان المسجد مركز الحياة الدينية والثقافية ومقرا للاجتماع والتشاور ، أما
المسكن فهو المحقق للاستقرار الحقيقي.(57)
وقد تعددت أهداف مشروع
الهجر ؛ وكان من أولها تحقيق الإصلاح الاجتماعي العام بتغيير حياة البدو والعمل
على استقرارهم ، وتحويلهم بالتدريج إلى العمل الزراعي ، وقد نتج عن هذا الهدف
الرئيس عدة أهداف فرعية مهمة ؛ ومن أهمها الاستقرار والأمن الداخلي الذي حدث نتيجة
مباشرة لعملية التوطين ، وذلك لأن ربط البدو بالأرض من خلال إنشاء الهجر أدى إلى
حدوث تغيير جذري في عادات البدو؛ فقد وفر لهم العمل الزراعي الرزق ، فأصبحوا
مطمئنين آمنين، فتحقق الأمن لهم ولغيرهم.
ويذكر السلمان عدة آثار اجتماعية
إيجابية نتجت عن توطين البادية ؛ منها القضاء على النزعة القبلية، وإعلان الانتماء
للوطن ، والولاء للسلطة بعد أن كان الانتماء للقبيلة ، كما أدت النزعة الدينية
القوية إلى تعميق مبدأ الأخوة الإسلامية بين القبائل المتصارعة ، وقد تعددت
الأعمال الزراعية والصناعية والتجارية والرعي والوظائف الحكومية الأمر الذي أدى
إلى انخفاض نسبة البداوة انخفاضا شديدا من 68 % عام 1351هـ/1932م إلى 27 % عام
1394هـ/1974م . (58)
وتصف نجلاء عز الدين هذا المشروع الخاص
بتوطين البدو وآثاره على النحو الآتي: " وإذا أخذنا بعين الاعتبار طبيعة
المجتمع العربي في الصحراء وجدنا أن التغيرات التي طرأت على البلاد في عهد ابن سعود وتوجيهه كانت صعبة وجذرية . ومن
أقدم التطورات التي حدثت وأهمها توطين القبائل الرحل في مستعمرات سميت
"هجر" منذ 1912م ؛ فقد أدرك ابن سعود أنه لايستطيع توحيد مملكته مادامت
الولاءات القبلية سائدة ، والمنازعات القبلية تمزق السكان شر ممزق ، وقد كانت
"الهجر" جماعات تربط بينها ولاءات تعلو على الولاء للقبيلة ، وكان يربط
بين الإخوان الإيمان بالدعوة الإصلاحية، والاستقرار في بيوت ثابتة تقوم في أراض
يمكن استغلالها . وقد غزت الصحراء بفضل النشاط الزراعي أراض زراعية ، وكانت الهجر
مراكز لنشر الدعوة الإسلامية، حيث أرسل الإخوان إلى القبائل لتعليمها وإرشادها
والعمل على استقرارها كما كان الإخوان القوة المحاربة في الدولة ".(59)
من العرض السريع السابق لرؤية المستشرق
الأمريكي تويتشل لسيرة الملك عبد العزيز وأعماله نخرج بنتيجة أساسية، وهي التشابه
الكبير في رؤية المستشرق تويتشل مع الرؤية
العربية للملك عبدالعزيز كما عبرت عنها أهم المصادر العربية التي تناولت مسيرته
وتاريخه ، وبخاصة أعمال كل من حافظ وهبة وأمين الريحاني والتويجري . والصورة التي
قدمها تويتشل تختلف بلا شك عن الصورة التي قدمها بعض المستشرقين المتعصبين من
أصحاب الأيديولوجيات السياسية والفكرية المضادة للعرب والمسلمين على وجه العموم .
ولا بد من البحث عن أسباب لهذا الوصف
الموضوعي الذي عبر في معظمه عن حقيقة
شخصية الملك عبد العزيز، واتفق في كثير من
جوانبه مع معظم المصادر العربية في هذا
الشأن . ولعل من أهم هذه الأسباب حياة المستشرق تويتشل لمدة من الزمن في المملكة العربية السعودية، وفي عصر الملك عبد
العزيز حيث كان يعمل مهندساً متخصصاً في
علم المناجم ، وقد اختاره تشارلز كرين في
1931م للبحث عن المياه في الحجاز
وجزيرة العرب ، وكما قال الأستاذ حافظ وهبة : " فكان هذا الاختيار فاتحة خير
للبحث عن كنوز الجزيرة المجهولة ، فظهر البترول في بعض المناطق ، ولا يستبعد أن
يظهر غيرهما في البلاد والجهات التي لم يطرقها أي خبير بالمعادن". (60)
وقد اكتسب تويتشل خبرة عظيمة بأوضاع الجزيرة العربية حيث
قام بعدد من الرحلات في الشمال والجنوب ،
وفي وسط الجزيرة بحثاً عن المعادن والمياه لدعم التحول الزراعي في المملكة، ولم
تنقطع صلة تويتشل بالمملكة منذ أن زارها لأول مرة عام 1932م ولمدة طويلة خلال عصر
الملك عبدالعزيز.
وبالإضافة إلى الخبرة العامة والمتخصصة
في أوضاع المملكة كان تويتشل على صلة وثيقة بالملك عبد العزيز ، حيث يقول عن هذه
الصلة : " وقد أتاحت لي ظروف عدة مبينة في هذا الجزء من الكتاب... أن أكون
أكثر من أي أمريكي آخر حتى سنة 1946م على أوثق صلة لأطول مدة بالملك ابن سعود. (61)
وبالإضافة إلى صلته الشخصية بالملك عبد العزيز فقد أتيح لتويتشل أن يزور أماكن
عديدة بالمملكة ، وفي هذا يقول الأستاذ حافظ وهبة : " إني أعتقد أنه لم يتح
لأمريكي ولا لبريطاني إذا استثنينا مستر فليبي –
ما أتيح لمستر تويتشل من التجوال والبحث . وتجد هذا مفصلاً في كتابه : المملكة العربية السعودية " . (62) ويقر تويتشل نفسه بهذه الحقيقة، فيقول : "
وهنالك الكثير من بقاع البلاد العربية السعودية لم يسبق أن زارها سواي من غير
المسلمين ، وكنت أستطيع التجول فيها بحكم عملي مع الحكومة العربية السعودية "
. (63)
وبالإضافة إلى هذه المعرفة المباشرة
التي اكتسبها تويتشل من خلال الرحلة والتجوال داخل المملكة كانت له بعض الصلات
الجيدة بعدد من المستشرقين الذين يمكن أن نصف بعضهم بأنهم معتدلون أو متعاطفون . ويلاحظ
أن عدداً من هؤلاء المستشرقين كانوا من ذوي الأصول العربية مثل المستشرق الأمريكي
العربي الأصل فيليب حتى أستاذ اللغات الشرقية بجامعة برنستون ، والمستشرق شكري
خوري ، وفرحات زيادة ، وكلاهما من دائرة اللغات الشرقية في جامعة برنستون ، والمستشرق إدوارد جورجي أستاذ
التاريخ الإسلامي في مدرسة اللاهوت
في برنستون ، ونضيف إلى هذه المعرفة
بالمستشرقين من أصول عربية الصلة القوية للمستشرق تويتشل ببعض الشخصيات العربية
المهمة التي ساعدته في تكوين هذه الصورة
الجيدة الموضوعية عن الملك عبد العزيز ، ومن أهم هذه الشخصيات الأستاذ حافظ وهبة
سفير المملكة العربية السعودية في لندن
خلال عهد الملك عبد العزيز والشيخ خليل الرّواف والسيد شاكر ضاهر اللذان أمداه
بالكثير من البيانات الصحيحة ، وكذلك السيد أحمد عمر فخري الذي يصفه تويتشل بأنه
كان رفيقه وكاتم سره وترجمانه في معظم سياحته في
البلاد العربية السعودية(64)، ومن الشخصيات المهمة أيضاً
السفير السعودي الشيخ أسعد الفقيه الممثل الدائم للمملكة في هيئة الأمم المتحدة ، وقد ساعدت هذه الشخصيات
المهمة في حصول تويتشل على المعلومات
المباشرة والصحيحة التي جعلت كتابه يتميز بالصحة والموضوعية ، وقد نال تويتشل ثقة
العديد من الشخصيات الدبلوماسية وبخاصة السفير الأمريكي بالمملكة " جي ريفز
تشيلدز " الذي وصف الملك عبد العزيز بأنه " ذلك العبقري العظيم والأب
الرحيم لشعبه " . (65) كما وصف تويتشل على النحو
الآتي : " ويقيناً لايوجد أجنبي في مركز أحسن من مؤلف هذا الكتاب يستطيع أن
يقدر حالة البلاد العربية السعودية ذلك لأن له معرفة بالبلاد أكثر من أي أمريكي
آخر... ولا أعرف أقدر من المؤلف على أن يقص نبأ هذا التحول الذي يجري الآن ، وقد
كان للمدة الطويلة التي قضاها في اختبارات كثيرة في مملكة ابن السعود العظيم بالإضافة إلى معرفته
الفنية الفائقة ما يؤهله لأن يكون مرجعاً عن التطورات الأخيرة هنا".(66)
لقد جاءت دراسة تويتشل موضوعية في اتجاهها وذلك لأنه قد توفرت للمؤلف ظروف
المعايشة والمشاهدة ، وقامت تحليلاته على أساس من الواقع المعيش، فكانت دراسته
واقعية ورؤيته معبرة عن الواقع والحقيقة ، وذلك بخلاف الكثير من الدراسات
الاستشراقية التي اعتمدت على الخيال ، ولم تتوفر لمؤلفيها فرصة الاتصال بأهل
البلاد والشخصيات التي يدرسونها، فأتت تصوراتهم في شكل خيالي بعيد عن الحقيقة .
لقد اعتمد تويتشل على الوصف المباشر
لما شاهده على الطبيعة بدون تدخل منه ، كما استمد مادته من مصادرها الحقيقية
المباشرة، وخرج بنتائج تتفق تماماً مع المعطيات، ولم يجنح إلى الخيال في تصوراته
وتحليلاته ، ونعطي مثلاً على هذا الوصف المباشر الواقعي من خلال حديث تويتشل عن
الملك عبد العزيز وحكومته حيث يقول :
" إن الحكومة القائمة على الشعب العربي السعودي ذات خصائص ديموقراطية معينة ،
ففي ساعة معينة من النهار يأنس جلالة الملك برعاياه فيجلس في هيئة محكمة عليا
للفصل ، ويستمع إلى الشكاوى التي تعرض عليه حتى ولو من أقل رعاياه، وأقل بدوي
شأناً يمكن أن يخاصم أشد السادات سطوة ونفوذاً في
المملكة ، ويطلب إجراء العدالة في قضيته ، وحين يصدر قرار جلالة الملك في
قضية ما فلا استئناف فيها ... ولا يقيم جلالة الملك وزناً لاعتبارات اللون أو
النسب والأصل عندما يجري أحكامه ، وهو في العادة إنساني وذو رقة وتسامح في بعض الأحيان حين يستدعي الأمر ، وحين يغضب فهو
حاد وعنيف وحازم ، ويُعـد ابن سعود بإجماع آراء الناس جميعاً أنه حكيم وعادل ، وأن
ما يتمتع به كذلك من صفات الإنصاف والكرم وإعزاز الضيف لما يسبغ عليه شهرة فوق شهرته
وعظمته وتعلق شعبه به وكل من عرفه من قريب أو بعيد " . (67)
لقد أعطى تويتشل نموذجاً للكتابة الاستشراقية الموضوعية القائمة على
أسس منهجية سليمة الأمر الذي أدى إلى خلو عمله تقريباً من الشبهات والأخطاء
والتأويلات الشخصية غير العلمية والتصورات الخيالية التي كثرت في كتابات
المستشرقين في الموضوعات العربية والإسلامية.
الهوامـــش
(1) كارل تويتشل . المملكة العربية السعودية ترجمة شكيب الأموي
. دار إحياء الكتب العربية القاهرة 1955 م
، ص 112 .
(2)
المرجع
السابق ، ص 115.
(3)
نفس
المرجع ، ص 116.
(4)
نفس
المرجع ، ص 118.
(5)
زيد
بن عبد المحسن الحسين ، عبد العزيز في
ذاكرة الوطن ، مجلة الفيصل ، العدد 252 جمادى الآخرة 1418هـ أكتوبر 1997 م
ص 7 .
(6)
كارل
تويتشل ، ص 128.
(7)
كارل
تويتشل ، ص 133.
(8)
المرجع
السابق ، ص 128.
(9)
د.
جلال يحيى . العالم العربي الحديث منذ الحرب العالمية الثانيــة ، دار المعارف ،
القاهرة 1985م، 95 .
(10)
المرجع
السابق ، ص 95.
(11)
نفس
المرجع ، ص 95 .
(12)
ص 95
، 96.
(13)
ص
98.
(14)
ص
98.
(15)
ص98.
(16)
نفس
المرجع ، ص 111.
(17)
كارل
تويتشل ، ص 132.
(18)
المرجع
السابق ، ص 132.
(19)
عبد
العزيز بن عبد المحسن التويجري . لسراة الليل هتف الصباح : الملك عبد العزيز :
دراسة وثائقية . دار رياض الريس . بيروت 1997م ، ص 582.
(20)
المرجع
السابق ، ص 584.