– 1 –

 

وسائــط التعـــرف

 

تتحكم الوسيلة بالرسالة ولا شك؛ ولذا فإن معرفتنا بشيء ما تتأثر بالوسيلة التي جرى التعريف عبرها. ولهذا اجتهد علماء الحديث في وضع علم مصطلح الحديث وعلم الرجال وعلم العلل. والأخير هو علم يدقق في وسائط توصيل الحديث ، ويدقق في العلل التي قد تصيب الوسيلة إما لعلة في المتن أو علة في السند أو علة فيهما معا،  وهذا يدل على وعي نظري متطور لدى أسلافنا من أهل الحديث، حيث أدركوا مدى خطورة الوسيلة على الرسالة، فأدركوا أن الرسالة تخضع لسلطة الوسيلة ، ومن ثم فإن المرسل إليه يظل متأثراً بالوسيلة وخاضعاً لها.

من هنا فإننا نحن جيل الثقافة المعاصرة لا نعرف (عبد العزيز بن سعود) إلا عبر وسائط. وبما أن معرفتنا به ترتبط بواحدة من هذه الوسائط – أو أكثر من واحدة – فإن هذه المعرفة ستظل خاضعة للوسيط وللطريقة التي يجري فيها تقديم المعلومة وإحداث التعريف.

وانطلاقاً من هذه المبدأ فإنني اخترت أمين الريحاني ليكون وسيلة للتعرف؛ وذلك لأسباب ، أذكر منها :

أ – أن الريحاني أديب ومبدع، وهو صاحب عقلية ثقافية منفتحة، فهو عربي هاجر إلى الغرب، واكتسب معرفة وذائقة وذهنية تضاف إلى ما لديه من أصول ثقافية عربية؛ ولذا فهو أول من أبدع نصوصاً شعرية في (الشعر المنثور)، وألقى نصوصاً منه في العراق عام 1905م([1]).

ب – إن الريحاني نفسه قد مر بتجربة التعريف عبر الوسائط، وكانت هذه الوسائط متضاربة ومتناقضة في حكمها على (عبد العزيز  بن سعود) ما بين قادح ومادح، وقد سجل الريحاني هذه التعريفات في كتابه([2]). وهذه وسائل تعريف، كانت تسعى كل واحدة منها إلى التأثير على الريحاني في حكمه على ابن سعود ، وفي تصوره له.

ثم تلا ذلك أن تعرف الريحاني على عبد العزيز  بن سعود مباشرة، وسجل وقائع هذا التعرف. وهو هنا يكون قد مر في تعرفه الذهني والنفسي على الملك عبر عدد من الوسائط التي جرى امتحانها وفحصها حقاً، وكأنما قد مارس عملياً مقتضيات (علم العلل) كما وضعه علماء الحديث.

جـ – يضاف إلى ذلك أن عدداً من الأدباء العرب قد ذكروا أنهم تعرفوا على شخصية الملك عبد العزيز  عبر كتاب الريحاني عنه([3]). مما يعني أن الريحاني قد صار واسطة ثقافية ذات تأثير فعال في جيل الأدباء والمثقفين. وأذكر من هؤلاء الشاعر سعيد عقل([4]).

وهذا كله يفيدنا من حيث إن رحلة التعرف والتعريف ما بين الرجلين مرت في امتحان حقيقي، وهو امتحان تديره عقلية ثقافية، تملك الحس الإبداعي من جهة بوصف الريحاني شاعراً وأديباً، وتملك خبرة وتجربة في الترحل والتعرف من جهة ثانية، حيث إن الريحاني دار على ملوك العرب كلهم ممن هم في تلك الحقبة مثلما أنه قد وعى التاريخ ورجالاته.

ويضاف إلى ذلك أن الريحاني – وقد عرف الغرب وثقافة الحكم والشعوب – كان يملك مقدرة على الموازنة والقياس.

ولذا فإن الريحاني ليس مؤرخاً أو راوية فحسب، ولكنه – أيضاً – ذواقة ومبدع وذو ثقافة تعي ما ترى وتحاكم المنظور وتفحصه فحصاً إبداعياً ومقارناً.

ومن هنا فإن الشخصية التي نجدها في كتاب الريحاني هي الشخصية التي ينشدها هذا المؤلف الذي يجب ألا ننسى أبداً صفته بوصفه أديباً ومبدعاً، وبوصفه عربياًّ مغترباً، وبوصفه أنساناً ينشد عز العرب ، ويتطلب وحدتهم ، ويتطلع إلى مقارنتهم بالغرب والغربيين، كما عرفهم الريحاني وخبرهم في مهجره في أمريكا.

لهذا فإن عبد العزيز بن سعود الذي في كتاب الريحاني ليس الملك الحاكم ولكن الرجل المبدع. لقد كان خيال الريحاني مرآة تعكس صورة الشخصية المطلوبة، وهي شخصية القائد المبدع الإنساني. وهذا ما نجده في كتاب الريحاني كما سنوضح في هذه المقاربة. حيث سنرى هذه الشخصية الإبداعية التي تنشد التأصيل والتأسيس الإبداعي، مما جعل الريحاني يشعر بالمحبة العميقة تجاه عبد العزيز؛ لأنه وجد فيه بطله النصوصي الإبداعي المنشود.

 

– 2 –

 

لقد كانت رحلة الريحاني طويلة جداً، وكأنه قد اكتشف أنه كلما أوغل في الابتعاد أوغل في الاقتراب، فهو قد فر من لبنان مهاجراً إلى أمريكا لا لكي يهجر ويقطع، ولكن لكي يجد نفسه أكثر شوقاً وحنيناً للعودة، وحينما عاد لم يعد إلى لبنان وحده ولكنه عاد إلى بلاد العرب كلها، وراح يطوف عليها واحدة واحدة. ولم يك بد له من زيارة نجد. نجد التي هي الأقصى في ذلك الزمن والأبعد.

ولكن ... كيف يصل إلى نجد وبينه وبينها الإنجليز والبيداء. وكان وقتها في عدن على مشارف حدود نجد الجنوبية، ولو سار على جمله لبلغ نجداً. غير أن قدره أنه – وهو المبدع – لا يمكن له أن يقترب إلا بعد أن يبتعد. إنه الشاعر الذي لا ينال مراده سهلاً وهيناً، ومن قدر الشاعر أن تكون طريقه إلى الحبيب بعيدة وبعيدة.

لذا فإنه لكي ينتقل من عدن إلى نجد لا بد أن يذهب إلى الهند ، ومنها إلى العراق ، ثم إلى البحرين لكي يصل بعد ذلك إلى نجد. هذه هي الطريق من عدن إلى نجد (ملوك العرب ص 492). وكلما أوغل في البعد أوغل في القرب.

ومثلما هي حال المسافات هي أيضاً حال النفوس، وها هو ذا يسمع عن عبد العزيز  ابن سعود ما يخيف وما يشوه من أمور، قالها أناس مبغضون، مثلما سمع عن مخاطر نجد وصحرائها ووحشة الزمن فيها([5]). وكل ذلك من أقدار المبدع الذي لا ينال مراده إلا بعد عناء ونصب. يوغل في البعد لكي يوغل في القرب.

 

– 3 –

 

هذا المبدع المترحل كيف رأى وكيف روى بعد أن صار في القرب...؟

هناك ثلاث حكايات تحدث كل واحدة منها أمام عيني الريحاني، فلا تقع في نفسه موقع الراوي المؤرخ، ولكنها تقع عليه موقع المبدع الذواقة بحسه الإنساني والثقافي. وهذه الحكايات الثلاث هي – في زعمي – ما يمكن أن نستقرئ عبرها كتاب الريحاني من جهة وسر محبة الريحاني لعبدالعزيز بن سعود من جهة ثانية. وسأعيد ترتيبها وتبويبها في علاقات ثلاث :

§       علاقته مع الحيوان.

§       علاقته مع الأعداء.

§       علاقته مع الذاكرة.

 

3 – 1 علاقته مع الحيوان : (من لا ينصف بعيره لا ينصف الناس)

إذا كنا نسعى إلى استقراء ثقافة الخبر لدى أمين الريحاني، فإن هذا ينطلق من أساس تصورنا للكاتب نفسه، من حيث إن ثقافته وذائقته هما المحركان لاختياراته. والوضع يأتي من كون أمين الريحاني عايش الملك عبد العزيز  وعاش معه وتنقل مع تنقلاته، قاصداً من وراء ذلك التعرف على شخصية الملك أولاً ، والتعريف به ثانياً، وهذا فعل يقتضي الملاحظة بداية ثم التدوين بعد ذلك. ومن هنا فإن الملك في هذه الحالة سيكون كتاباً مفتوحاً، ويكون الريحاني قارئاً لهذا الكتاب. ولكنه ليس قارئاً عادياً؛ ذلك لأن ثقافة الريحاني من جهة، وإحساسه الحضاري من جهة ثانية يجعلان منه قارئاً ناقداً تقوده بصيرته النقدية إلى اختيار الحكايات. وعملية الاختيار هذه سوف تكون دليلاً على المقروء وعلى القارئ  أيضاً ، وحكايات الملك عبد العزيز  متعددة ومتنوعة، ومن هنا فإن الاختيار من بين هذه الحكايات سوف يخضع لقوانين داخلية توجه الاختيار، ومن ثم فإنها ستدل على ذائقة المؤرخ والكاتب، وستكشف عن بواطن اهتماماته، وعن فهمه وتصوره عن الرجل المكتوب عنه.

هنا وعبر هذا الاختيار يتحول عبد العزيز  بن سعود إلى بطل نصوصي يقدمه لنا الريحاني بوصفه نموذجاً بشرياً غير عادي. وإليك هذه الحكاية التي تكشف عن حساسية ذوقية إبداعية من الريحاني تجاه بطل كتابه.

يحكي الريحاني عن عبد العزيز  بن سعود وكيف وضع هموم الناس وشؤونهم في كامل همه ونظره، ويقول عنه: إنه (يحمل ناظوراً كبيراً لا غنى له عنه. فهو دائماً يراقب من مجلسه حركات رجاله وخدامه حتى إنه لا تمر غيمه في الأفق إلا رفع إليها الناظور متيقناً متثبتاً) ([6]).

هنا يشير الريحاني إلى علاقة مباشرة ما بين الذات والموضوع عبر (الناظور)،فالناظور هنا هو الوسيلة التي يحدث بها تداخل تام ما بين الذات وموضوعها. والذات هنا هي عبد العزيز  بن سعود، أما الموضوع فهو ما يشير إليه هذا الاقتباس مما ينقله الريحاني عن بطله حيث يقول السلطان للريحاني:(أمرنا مشكل يا حضرة الأستاذ، علينا الكبيرة والصغيرة. فإذا كنا لا نداوم المراقبة لا نكون عالمين بكل ما يتعلق بشؤوننا ... العبد والأمير، عيننا على الاثنين، حتى ننصف دائماً الاثنين ، ونعدل بينهما ). ص 536.

هذا كلام ينطوي على عنصرين مهمين هما المراقبة والمتابعة من جهة، ثم تحديد الغرض من هذه المتابعة. والغرض هنا هو العدل، ولكن العدل لا يقوم إلا على برهان. والبرهان هو المعلومة الدقيقة، وهي معلومة لا تتحقق إلا بالمتابعة التي يؤديها هذا (الناظور)، ومن هنا فإن الناظور يصبح جهازاً للعدالة، وليس جهازاً للرقابة، فهو ليس أداة شك وريبة، ولكنه أداة ضرورية للحكم، والحكم لا يقوم إلا بالعدل.

هذا هو منطق هذا الاقتباس بدليل الحكاية التالية التي ساقها الريحاني، من أجل إحداث إحساس بهذا المعنى لدى قارئ الكتاب، ولو ترك الأمر من دون استطراد يوضح المعنى لذهب ذهن القارئ إلى تصورات سلبية عن وظيفة (الناظور).

والحكاية كما رواها الريحاني تقول: إن السلطان – ولقب السلطان كان هو لقب الملك عبد العزيز وقت زيارة الريحاني له – إن السلطان كان ينظر عبر الناظور ، ويراقب قافلة أناخت عند خيمة المؤونة تحمل أغذية وماء مجلوبة إلى مخيم الملك ورجاله، وكان الريحاني جالساً بجانب الملك، وكل منهما يراقب، فالملك يرقب القافلة، والريحاني يرقب الملك. وما كان من عبد العزيز  في هذه اللحظة إلا أن استدعى قيم الحملة ، وسأله عن جمل من الجمال ما مشكلته ...، فقال: القيم إنه جمل حرون، فأجابه السلطان : اتركه يرعى في المرعى ولا تأخذه مرة أخرى مع القافلة. ثم التفت إلى الريحاني وقال له : (العدل عندنا يبدأ بالإبل ... ومن لا ينصف بعيره يا حضرة الأستاذ لا ينصف الناس ). ص 536.

هنا يأتي ما سميناه بثقافة الخبر، حيث تتحرك ذائقة الراوي نحو اختيار نوع خاص من القصص تكون فيها دلالة إنسانية وإبداعية وذوقية. تكشف عن شخصية بطل النص، وهي شخصية يجري استدعاؤها وتقديمها من الراوي إلى القارئ، ويتضح هنا أن قيمة الوجود الإنساني وشرف هذا الوجود لا يتحققان إلا بوساطة الحس الدقيق نحو (العدالة). والعدالة ليست مع أهل الوجاهة، ولكنها مع العبد قبل الأمير، ومع البعير والرعية قبل الراعي.

هنا تتحرك حساسية المؤلف بوصفه مبدعاً لكي يقدم لنا بطله بوصف هذا البطل بطلاً إنسانيا ذا حس رفيع ودقيق، وقلبه على الحيوان والكائن الأعجم مثلما هو على البليغ الكبير، وهذه شخصية بطولية يشاهدها الريحاني عيانا، ويحولها إلى نص مدون يبطن الخبر المروي فيها ما يبطن من معانٍ سامية وإنسانية.

 

3 – 2 علاقته مع الأعداء :

يشير الريحاني إلى حكاية أحد شيوخ القبائل ممن كانوا مناوئين لعبدالعزيز بن سعود، وكانوا في حرب لسنين عديدة، ثم دانوا له بعد عنت ومجالدة، وحدث أن زار شيخ القبيلة الرياض، وأقام في ضيافة السلطان أياماً. وعند الوداع قال الشيخ للسلطان : قالوا لي إنك سحار يا عبد العزيز . صدقوا والله لقد سحرتني. (ص 578).

هذه حكاية تشير إلى عقلية الحاكم الواعي. ذلك الإنسان الذي لا يصطنع تقسيماً تعسفياً داخل بيئته الاجتماعية، فهو يتفهم أسباب العداوة، ويعلم أن الأسباب إذا زالت زالت العداوة معها. ومن هنا يتحول العدو إلى حليف وصديق. والسبب في ذلك هو قدرة هذا الحاكم على إدراك مكنونات العلاقات البشرية وطرائق تحولها وتبدلها بحسب الظروف والملابسات. ومن هنا فإن شيخ القبيلة لم يجد تفسيراً لهذا السلوك سوى أن ينسبه إلى السحر. وهنا يلتقي سحر سياسة الرجال مع سحر البيان، ويجد الريحاني حكاية تكشف عن خصائص بطله وتفصح عن تميزه.

ولذا صار مبدأ العمل عند عبد العزيز يقوم على مشروطية الكفاءة العملية ، فيعمل في ديوان الملك أولئك الذين يحسنون العمل، ومبدأ الاختيار يقوم على (من يحسن الخدمة مهما كان مذهبه ). ص 583. حيث يجري تجاوز الفروق الاصطناعية، وتبني قيم العمل بوصفها أساساً للنجاح.

ومن هنا لا ينقسم الناس إلى معسكر للأصدقاء في مواجهة معسكر آخر مرصود للأعداء، ولكن الناس يندمجون في وحدة اجتماعية غايتها بناء وطن واحد ، ومجتمع واحد متنوع ومتعدد في تنوعه ولكنه وطن للجميع، فهو إذن وطن متحد، والاتحاد لا يكون إلا بين أناس كانوا مختلفين في الأصل، فوجدوا من يجعلهم يتجاوزون اختلافاتهم، ويكونون كياناً متحداً من هؤلاء المختلفين. والقائد لا يفرق بينهم بسبب فروق فيما بينهم، ولكنه ينظر إلى من يحسن الخدمة منهم مهما كان مذهبه.

بذا تقوم اللحمة التكوينية كما نشأت في رأس عبد العزيز ، فهم يعطوننا في الحرب، ونحن نعطيهم في السلم . (ص 575)، حتى صار العدو صديقاً مخلصاً ، ومتفانياً في خدمة السلطان . (ص 576 الهامش).

وعبر هذه الحكايات يكتشف الريحاني أنه أمام رجل مبدع سياسيًا، ويقول عنه كلمة دالة وعميقة حيث تقرأ هذه الكلمة للريحاني : (إن السلطان عبد العزيز  مثل كل رجل كبير لا يخشى أن يقال فيه : إن عمله اليوم يناقض عمله بالأمس  ). ص 585.

هذه ملاحظة دقيقة يستنبطها الريحاني مما شاهد من أحداث تجري أمام عينيه، وعبر هذه الأحداث استطاع الريحاني أن يقرأ شخصية عبد العزيز ، وأن يكشف أسراره الإبداعية، وينقلها إلينا عبر مروياته من الأخبار المختارة، وعبر تفسيره للأحداث وتعليقه عليها.

 

3 – 3 علاقته مع الذاكرة : (شخصية قصر الرياض) :

حينما تلتقي عقليتان مبدعتان فإن الذاكرة الإبداعية لا بد أن تكون هي المضمار المشترك بينهما.

وفي لقاء الريحاني بالسلطان عبد العزيز  كان الحاضر المشترك هو ذاكرة الشعر بمعناه العملي الفاعل وبمعناه الدال والمعبر. وبين أيدينا بعض أخبار أبطالها أبيات شعرية. وفيها ما في حكايات الريحاني عن عبد العزيز  من حيث إنها ذات دلالة تكشف عن أسرار شخصية الملك عبد العزيز وعن الباطن الإبداعي فيه بوصفه حاكماً مبدعاً وسياسيًا فطناً وواعياً. وسنذكر هذه الحكايات لما لها من دلالةً ولكون الشعر بطلاً فعلياً فيها مثلما أن عبد العزيز  بطل إبداعي عملي. ومثلما أن الريحاني مثقف واع، يعرف كيف يقدم بطله عبر نصه وعبر مختاراته.

ولم يفت على ملاحظة الريحاني وهو الشاعر والأديب المبدع أن يدير بصره على ما هو مكتوب على جدران القصر. ولحظ أن أبياتاً شعرية قد حضرت هنا وهناك في قصر الملك، وراح الريحاني يقرأ هذه الأبيات بوصفها مفاتيح تكشف عن ذاكرة، وتكشف عن حالة تاريخية لرجل عملي، يصنع، ويفعل، ويعزز قوله فعله. ومن هنا فإن الريحاني ينظر إلى الأبيات الشعرية بوصفها دلائل على شخصية الرجل وشخصية الظرف، وهي – تحديداً – شخصية (قصر الرياض) ، وهو المكان الذي احتوى هذه الأبيات.

وأولها ما هو مكتوب على صدر رواق المجلس العام ، وهو هذا البيت([7]):

إذا خانك الأدنى الذي أنت حزبه

فوا عجباً أن سالمتك الأباعد

ويقف الريحاني هنا أمام البيت مستدعياً صوراً عن الخيانات والغدر، وعن كون الرجل الذي يصنع الفعل يقع في شبكه من العلاقات المعقدة، التي يجد نفسه مضطراً للإفصاح عنها عبر وسائل غير مباشرة، ويكون البيت على مدخل الرواق في هذه الحالة رسالة دالة لهؤلاء الداخلين الذين سيجدون رنين كلمات البيت في رؤوسهم تذكرهم بأنهم في قصر رجل لا يجهل أفعال الرجال، ولا يجهل موقع قدمه بين الناس.

وفي موقع آخر على أحد أبواب القصر يقرأ لنا الريحاني هذين البيتين([8]):

   فإما حياة لا تذم حميــــدة       يحــدث عنها من أغار وأنجــــدا

   تنال المنى فيها وإمـــا منية       تريح فؤاداً خار من علة الصدا

وفيها خيار بطولي يجعل المجد هو الورقة الوحيدة المتاحة للبطل، وهو بطل يملك ذاكرة من نوع يتوافق مع روحه الكامنة في أعماق ذاته فإذا ما رأى نصاً يتطابق مع رغبات هذه الروح بادر إلى كتابته على رؤوس الأبواب ومداخل القصر لكي يتكلم القصر بلسان صاحبه، ولكي يحمل المكان صورة معبرة عن صاحب المكان، وتكون شخصية القصر مطابقة لشخصية رجل القصر.

وهذا بالضبط ما نجده في الحكاية التي جرى فيها إخراج بيتين آخرين هما :

لسنا وإن كرمت أوائلنا      يوماً على الأنســاب نتكل

نبني كما كانت أوائلنــا     تبني ونفعل مثل ما فعلـــوا

هذا هو الأصل ، ولكن عبد العزيز  يأمر بتعديل البيت الأخير ليكون:

نبني كما كانت أوائلنا   تبني ونفعل فوق ما فعلوا([9])

هنا يأخذ الفعل دوره، وينتقل العمل من أن يكون مجرد تكرار للسالفين إلى أن يكون رياديًا وإبداعيًا ، ويفعل لا مثل ما فعلوا ولكن فوق ما فعلوا.

ولو فعل مثل ما فعلوا لكان مجرد رقم عددي في خانة أسماء ممتدة والمجد فيها للأول حيث يكون التالي مجرد مقلد يحاكي سالفه، غير أن أفعال المبدعين تأخذ أصحابها بمبدأ البناء كما بنى الأوائل، ومن فعل ذلك أو أراده فلا بد أن يكون لديه من الهمة والطموح ما يجعله يتطلع إلى ما هو (فوق) وإلى ما هو (أعلى).

هكذا يفعل الريحاني حينما تلتقط عينه ذات البصيرة الأدبية الذواقة هذه المنتخبات، ويتخذ منها وسيلة لتعريف قارئ الكتاب ببطل الكتاب.

ومن هنا فإن ثقافة الخبر تأخذ شروطها بوصفها شروطاً إبداعية لكي تجعل من الخبر مادة حيوية تؤسس في ذهن القارئ تصوراً عن بطل النص ، وتصنع الصورة التي تغرس ملامحها عبر أساليب انتقاء الخبر وطرائق عرضه ومهارة تفسيره. ولقد فعل الريحاني ذلك؛ لأنه أديب وشاعر مبدع، ولأنه رجل ثقافة عرف العصر وحضارته ودوله ، وعاد من المهجر بروح عربية مخلصة ، وكان يبحث عن مجد عربي، لكي يفرح هو شخصيًا بهذا المجد ، ثم لكي يزف خبر هذا المجد لجمهرة القراء الذين يعرفون الريحاني، ويعرفون مكانته، وعبر معرفتهم لهذا الأديب سوف يكون تعرفهم على بطل النص. وهو بطل أتقن الريحاني تقديمه بحساسية أدبية وبثقافة راقية في ذائقتها وفي حكمها.

 

 

الهوامـــش

 



([1])  عن الريحاني والشعر المنثور، انظر عبدالله الغذامي: الصوت القديم الجديد. ص 15، الهيئة المصرية العامة للكتاب. القاهرة 1997م، وانظر يوسف عزالدين: في الأدب العربي الحديث. الهيئة المصرية العامة للكتاب القاهرة 1973م.

([2])  أمين الريحاني : ملوك العرب - 507  522  584 وقارن 524  538. دار الجيل. بيروت د.ت.

([3])   السابق 19.

([4])  ورد ذلك في لقاء مع سعيد عقل أجراه معه محمد رضا نصر الله وبث من محطة تلفزيون الشرق الأوسط - لندن.

([5])   أمين الريحاني : ملوك العرب 505 507.

([6])   السابق 536.

([7])   الريحاني : ملوك العرب 573.

([8])   السابق 574.

([9])   السابق 582.