المقدمــة :

النظرة لمفهوم الاستشراق في هذه الوقفة قد تختلف عن التعريف الشائع المتعارف عليه ، ومع ذلك فإن تعريف الاستشراق لم يستقرّ بعد ، بسبب عدم استقرار ظاهرة الاستشراق نفسها . ولا يزال هناك خلط بين المستشرقين وعلماء الغرب والكتاب الغربيين الذين كانت لهم كلمة أو اثنتان عن الشرق . وليس كل من قال شيئًا عن الشرق أضحى مستشرقًا . وإني مع الفريق الذي لا يرى الاستشراق علمًا له مقدماته ونتائجه ونظريته وأهدافـــه المحددة ، بل إني ممن يرون أنه مجرد ظاهرة صاحبـــت المد الإسلامي، وبالتالي العربي، منذ " فجر " الإسلام إلى يومنـــا الحاضر ، بما في ذلك التطورات التي طرأت على المنطقـــة العربيـــة، بما فيها جزيرة العرب، وظهــــور عبدالعزيز بن عبدالرحمن بن فيصل آل سعـــود رحمه الله تعالى، وشروعه في تأسيس المملكة العربية السعوديـــة منطلقًا من الرياض في يوم الثلاثاء الخامس من شوّال من سنة 1319هـ الموافق 14/1/1902م .

واسم المملكة العربية السعودية علمًا على هذه البلاد يحتم هنا التحديد المكاني لهذه الوقفة ، فلن تمتد الدراسة إلى أوسع من ذلك لتشمل الجزيرة العربية ، أو شبه جزيرة العرب ، لما نعلمه من اشتراك أكثر من دولة في هذا المكان الأعم . إلا أن تقتضي الدراسة التوسع غير المقصود، مما تفرضه بعض دراسات المستشرقين الذين عمموا دراساتهم لتشمل شبه جزيرة العرب. ولم أجد صعوبة في هذا التحديد ، إذ تضاءلت التداخلات مع الدول العربية الأخرى التي تشترك مع المملكة العربية السعودية في شغل جزيرة العرب ، مثل اليمن ودول الخليج العربية .

 

الاستشــراق :

وفي سبيل اللجوء إلى تعريف إجرائي اصطلاحي  للاستشراق تقتضيه هذه الوقفة يمكن القول إن الاستشراق هنا هو ذلك التوجه الذي نظر إلى جهود الملك عبدالعزيز ، وكتب عنه ، من خلال النظرة الاستشراقية الشائعة القائمة على عوامل ثقافية ومنطلقات فكرية ، تختلف عن العوامل الثقافية والمنطلقات الفكرية التي بنى عليها الملك عبدالعزيز جهوده في توحيد المملكة العربية السعودية ، بل يمكن القول إن هذه العوامل والمنطلقات تتناقض مع تلك العوامل والمنطلقات . وعليه فإن المستشرق هنا هو ذلك " العالِم " الغربي، ثقافةً وفكرًا – وليس بالضرورة تحديدًا جغرافيًا– ([1]) الذي درس حياة الملك عبدالعزيز وجهوده في توحيد البلاد على نهج قويم مقبول من الجميع من قريب أو بعيد ، أي سواء أكانت هذه الدراسة مباشرة بوجود المستشرق في المنطقة ، أم أنه درسها نظريًّا وهو في مكتبته أو مركز بحوثه في بلاده .

 

الإنصـــاف :

والمشكلة التي تصاحب الحديث عن الاستشراق هي ذلك الشعور المبطن لدينا نحن العرب والمسلمين الذين تعرضوا لدراسات المستشرقين أننا لا نظن منهم الإنصاف من حيث المبدأ . وهذه هي انطباعتنا العامة عن الاستشراق والمستشرقين المبنية على استقراء دقيق لدراسات المستشرقين للتاريخ الإسلامي . ولذا فإننا لا نتوقع من هذا المنطلق أن تكون نظرتهم ابتداءً للملك عبدالعزيز –رحمه الله– إيجابية بحتة .

ولست أميل إلى تعميم هذه الانطباعـة إلا بعد الاستقراء العلمي العميق ، وأفترض أن منهم من أنصف الملك عبدالعزيز –رحمه الله– كما أنصف العرب والمسلمين على مرِّ العصور . ولست مستعجلاً في الحكم قبل أن أقف ولو على نماذج من مرئيات المستشرقين عن الملك عبدالعزيز –رحمه الله– من خلال متابعة إسهاماتهم المتوافرة في المكتبات ومراكز المعلومات. والدراسة هذه وغيرها تثبت أن الذين أنصفوا الملك عبدالعزيز –رحمه الله–  من المستشرقين الرحالة غير قليلين، بل القليل منهم من لم ينصف الملك عبدالعزيز رحمه الله ، ولم يُبدِ إعجابه بجهوده في توحيد المملكة العربية السعودية.

وحول هذا المفهوم عن الاستشراق والمستشرقين، ومدى إنصافهم فيما يكتبون عنه عمومًا ، وعن تاريخ الجزيرة العربية وعادات أهلها بخاصة يقول الشيخ "حمد الجاسر" في مقدمته لكتاب "أ. موزل" أخلاق الرولة وعاداتهم ، وهو العلامة الضليع في دراسة جهود المستشرقين الرحالة إلى الجزيرة العربية ، وله باع سابق وطويل فيها :  (لست أجهل كثيرًا من البواعث والدوافع لأكثر من اتجهوا لدراسات أمتنا من الغربيين ، منذ محاولاتهم الأولى في ارتياد مختلف أنحاء الجزيرة في خلال القرون الثلاثة الماضية . ولست ممن ينظر إلى ما قاموا به من دراسات وأبحاث ، وما قدموه وما توصلوا إليه من نتائج نظر من لا يدرك ما ينطوي عليه كل ذلك من مقاصد ما كان يراد بها كلها وجه العلم وحده، وخاصة من عني منهم بالمباحث الدينية قبل موزل وفلبي . ثم ما توخاه هذان المغامران الغربيّان أول ما توخياه من اتجاههما نحو هذه البلاد في زمن كانت أعاصير الفتن الداخلية والتيارات السياسية الخارجية تعصف بأهلها ذات اليمين وذات الشمال بعنف وقوة ، فيسارع الأعداء لبسط نفوذهم حول هذه البلاد ، بتتبع مكامن الضعف من أهلها ، واهتبال الفرص المواتية للسيطرة عليهم ، والاستحواذ على خيرات بلادهم ، وتمزيق وحدتهم ، وتفريقهم إلى دويلات وشعوب ؛ ليسهل التغلب عليها وتوجيهها الوجهة التي يريد أولئك الأعداء المسيطرون ).([2])

ومع ذلك فإن تجنُّب التعميم مطلوب في هذه الوقفة، وغيرها من الوقفات التي تحرص على النقاش العلمي الهادئ الذي يسعى إلى الوصول إلى حكم قريب جدًا إلى الواقع ، بل إن الباحث ليبتهج إذا وقع على معلومة فيها إنصاف من مستشرق أو غيره من دارسي مجتمعنا الماضي والحاضر ، دون أن يجرَّ ذلك إلى اجتزاء معلومة إيجابيتها بعينها بمعزل عن السياق الكلي لدواعي هذه المعلومة التي يبدو من ظاهرها الإنصاف ، ودون أن يلجأ الباحث إلى الأسلوب التسويغي الاعتذاري للمستشرقين في "تصيُّد" الإيجابية من إسهاماتهم، ودون في الوقت نفسه أن يتجاهل تلك الوقفات الإيجابية التي قد يجدها مبثوثة في إسهامات تتضح فيها الإيجابية، ويبرز فيها الإعجاب بفارس عربي استعاد ملك آبائه وأجداده، ورسم لهذا الحكم المنهج ذاته الذي قام عليه ملك آبائه وأجداده . كل ذلك بتوفيق من الله تعالى أولاً، ثم بمؤازرة إخوان له من أبناء المنطقة نفسها ، كانت لهم القناعات نفسها التي كانت لعبدالعزيز ، وبقناعات أولئك الذين شملهم حكم عبدالعزيز –رحمه الله– وثقتهم بما يُتوقّع منه من لمِّ شمل البلاد تحت راية مشتركة مقبولة .

 

حـدود الدراســة :

وهذا التحديد لمفهوم الاستشراق والمستشرق يدعو إلى إغفال بعض الذين قدموا للمنطقة لأغراض سياسية أو تجارية أو صحفية، ثم "تحدثوا" عن مشاهداتهم خلال مدة وجودهم، دون الاستناد على "قاعدة علمية" صلبة تضع المقدمات وتبني عليها النتائج. ويخرج من هذا التحديد بعض منشورات لعاملين أو عاملات في المستشفيات أو في بعض البيوت، أو غيرها من مجمعات سكنية أقام فيها "الوافدون" وصنعوا فيها بيئة لهم مصغّرة، ثم خرج بعضهم أو بعضهن من ذلك بكتاب واحد ٍ يبيّن فيه وجهة نظرٍ لا تقوم على تلك القاعدة العلمية. وإنما تُعَدُّ هذه الكتابات من الإسهامات السطحية المتعددة التي يقبل عليها مع الأسف الشديد بعض ممن تستهويهم المعلومة غير الدقيقة ذات الطابع الهجائي التهكمي عن المجتمع السعودي، أو المجتمعات الخليجية، أو العربية الأخرى.([3])

ودراسة هذه الإسهامات السريعة قد تتوصل إلى بواعثها التي لا أستبعد أن يكون منها شعور بالنقمة على الوضع الاقتصادي الصاعد الذي آلت إليه المنطقة بعد اكتشاف النفط. وهذا جانب يطول البسط فيه، وليس هو من صلب هذه الدراسة التي تسعى إلى أعمق من مجرد نشر انطباعات، ليست بالضرورة صحيحة كلها. وتزخر المكتبة الغربية بهذه النوعية من الإسهامات، حتى ليكاد المرء يخرج منها بحصر وراقي "ببليوجرافي"، لو كانت لهذا النوع من الحصر جدوى أو فائدة. ([4]) ولست أرى لها جدوىً أو فائدة؛ لأنها لا تعتمد على العلمية والموضوعية في تحليلها، ولها أغراض تشهيرية أجزم بأنها "رخيصة" جاءت لتعبّر عن مكنونات في النفوس. وأذكر من هذه النوعية على سبيل التمثيل السريع العنوانات الآتية:

كارل الرضوان: الخيام السود في بلاد العرب: قصة ضابط ألماني عاش ربع قرن مع عشائر الشام والحجاز. وتعد رحلته التي استمرت اثنتين وعشرين سنة نموذجًا لرحلات المستشرقين الذين أغفلوا ذكر الملك عبدالعزيز –رحمه الله– رغم معاصرتهم له، إلا ما كان منه في مقدمة الكتاب من معلومات غير دقيقة، مع الثناء على الملك عبدالعزيز –رحمه الله–([5]) إذ يقول: "والجميع يعرف جهود ابن سعود لدمج كل القبائل في وحدة وطنيـة وإخضاعــه – في الحملة تلو الحملة – جميع الشيـوخ الذين قاوموه".([6])

ولا تسعى هذه الوقفة إلى التوسع في حياة الملك عبدالعزيز رحمه الله ، ولا تسعى كذلك إلى استعــراض جهـوده – رحمه الله – في توحيـد المملكـة العربيــة السعوديـة، وعلاقته في سبيل تحقيق ذلك مع الإدارات القائمة في المنطقة بشتى جهاتها كالتنظيمات القائمة محليًا، والدولة العثمانية والأشراف والكويتيين واليمنيين، وكذلك الإدارات والدول البعيدة عن المنطقة التي كانت تبسط نفوذها الاحتلالي على معظم المناطق العربية، كالبريطانيين والإيطاليين. فهذه الجوانب كلها مغطاة في البحوث التي تعرضت لحياة الملك عبدالعزيز –رحمه الله– في الإنتاج العلمي الذي ناقش حياته –رحمه الله– وجهوده من جوانب متعددة، بعضها تعرض في هذه المناسبة المباركة، وهي مرور مئة عام على تأسيس المملكة العربية السعودية، وهي الجهود العلمية التي تصدر عن متخصصين في المجالات التي قامت عليها الدولة السعودية الثالثة، كالسياسة والتاريخ والاجتماع. ولست مؤهلاً للخوض في أيٍّ من هذه التخصصات.

ولا تهدف هذه الوقفة كذلك إلى قصر النقاش على المدة العملية لجهود الملك عبدالعزيز– رحمه الله– الفعلية في توحيد البلاد، بل إن النظرة لهذه الجهود تمتد بامتداد حياة الملك عبدالعزيز – رحمه الله– حتى بعد أن استقر الحكم، وتوحد الناس تحت الراية، وشملهم الاسم الرسمي؛ المملكة العربية السعودية، إذ إن من المعلوم أن الجهود لم تتوقف باكتمال حركة التأسيس التي قادها الملك عبدالعزيز رحمه الله ، بل إن الاستشراق قد يكون قد تكثّف في نظرته للملك عبدالعزيز – رحمه الله – بعد أن قام الكيان، وأخذ الطابع الرسمي للدولة الحديثة. ولذا فإن هذه الوقفات قد تتخطى الحدود الزمنية لحياة الملك عبدالعزيز رحمه الله.

 

دوافــع المستشرقــين :

والحق أن دوافع المستشرقين في دراسة حياة الملك عبدالعزيز –رحمه الله– تختلف بحسب الأهداف المتوخاة من الدراسة نفسها، إذ تستشف منها الدوافع، على أنه يمكن أن تنطبق على هذه الدراسات التي عنيت بالملك عبدالعزيز –رحمه الله– دوافع المستشرقين المبسوطة في الإنتاج العلمي عن الاستشراق والمستشرقين،([7]) فمنهم من درسه لأهداف علمية بحتة، على أنه ظاهرة متميّزة في زمان لم يكن ينبئ عن وجود ظاهرات متميّزة في المجال السياسي، أو ما يسمى "بالمعترك" السياسي، وإن لم تخل الساحة من الظواهر العلمية والفكرية والثقافية التي يمكن أن يجمعها مصطلح "الإصلاح"، في زمان كان بحاجة إلى الإصلاح.

ومن المستشرقين من درس حياة الملك عبدالعزيز –رحمه الله– لأهداف استعمارية، في وقت كان الاحتلال "الاستعمار" فيه يجثم على المنطقة كلها، خلا تلك المنطقة التي بدأ الملك عبدالعزيز –رحمه الله– بها مشروع التوحيد، ولا سيما أن الاستشراق قد آزر الاستعمار، فلقي المستشرقون الدعم من الحكومات الغربية، هذا الدعم الذي تمثل في تشجيع قيام مراكز للاستشراق في هذه الدول، ويأتي على رأس هذه الدول بريطانيا التي ( تأتي في الدرجة الأولى من حيث تدخُّل الحكومة في دعم بناء وتوجيه تلك المراكز من أجل تحقيق مصالحها الخاصة بها... ). ([8])

 ومنهم من درس حياته لأهداف تنصيرية، وسعوا إلى أن يتيح لهم الملك عبدالعزيز –رحمه الله– مجالاً للإرساليات التنصيرية التي بسطت نفوذها التنصيري على منطقة الخليج العربية في الكويت والبحرين وعمان على وجه الخصوص. ([9])

ومن هؤلاء المستشرقين المنصرين "بول هاريسون"([10]) الذي سعى إلى إقامة إرسالية تنصيرية في الجزيرة العربية لو أتيح له المجال لذلك، وكانت له مساعٍ لاستغلال الدولة الحديثة في التأثير على قيادتها التي بدأت في بناء دولة فتية لا تملك في بداياتها من المقومات إلا الإصرار والعزم وتأييد مواطنيها. ([11])

ومثله في هذا الجنرال "هيج" الذي جال الجزيرة العربية ، ووصفها جغرافيًا واقتصاديًا وتجاريًا ودينيًا، وتحدث عن القبائل المختلفة التي زارها، وخرج من جولاته هذه بانطباع مؤداه ( أن كل الجزيرة العربية بدرجات متفاوتة مهيأة لاستقبال الكتاب المقدس بذراعين مفتوحتين). ([12])

ومثله "القس ج. بنينجس" الذي زار القطيف مرافقًا لبول هاريسون في محاولة لإقامة إرسالية في المنطقة الشرقية. والدكتور "ديم" الذي تلقى دعوة من الملك عبدالعزيز –رحمه الله– لعلاج بعض أفراد العائلة، فخرج "ديم" بانطباع مؤداه ( أن شبه الجزيرة العربية أصبحت مفتوحة لاستقبال الرسالة المسيحية ). ([13])

والمنصر الدكتور "ستورم" الذي كتب يقول: "لقد أقيمت خدمة مسيحية هامة في الرياض عاصمة المملكة العربية السعودية ، حيث التقى فريقان من مبشري الإرسالية العربية في العاصمة الصحراوية". ([14])وكان الفريق الأول يتكون من الدكتور ديم والقــس ج. فان ديرسيــوم وزوجتــه وروبرت فان ديرسيوم ([15]) والمنصرة الدكتورة "ي. بارني"، وكذا القس "صموئيل زويمر" وهو منصر مستشرق، له ذكره في منطقة الخليج العربية، وله جهوده المشهورة في مجالات التنصير من حملات وكتابات، وإصدار مجلات، زار القطيف كذلك متأثرًا بكتابات "بول هاريسون".([16])

وحتى لا تختلط الأمور هنا فإن معظم من ورد ذكرهم هنا من المنصرين فحسب، وليسوا بالضرورة مستشرقين. والمؤكد عندي أن "صمؤيل زويمر" يعد نموذجًا واضحًا للمنصر المستشرق، إذ جمع بين النشاطين، وإن غلَّب جانب التنصير واشتهر به.

ويستطيع الباحث في هذا المجال أن يقارن بين موقف الملك عبدالعزيز – رحمه الله– من التنصير، ومن الإرساليات نفسها التي تعَدُّ عندي شكلاً من أشكال الاستشراق، وموقف بعض أمراء الخليج السابقين في تلك المدة نفسها. وينقل عن الملك عبدالعزيز –رحمه الله– عبارة مشهورة في هذا المقام تتناقلها الدراسات التي تعنى بالإرساليات التنصيرية في المنطقة نفسها، وهذه العبارة قالها الملك عبدالعزيز –رحمه الله– للدكتور "مايلريا" الذي بعثه الشيخ "مبارك الصباح" أمير الكويت إلى نجد سنة 1332هـ/1914م، وهذه العبارة بعد دخول الترجمات عليها كانت كالآتي: ( إن رجال وسط الجزيرة ليسوا فقط من دين واحد، بل إنهم من مذهب واحد من هذا الدين. وأنا أعرف جيدًا بأن المنصرين إذا دخلوا أرضي واستقرّوا فيها فإنكم ستأتون برسالتكم الخاصة وكتبكم، وسوف يحدث قلق لدى رجالي. وهذا سوف يسبب لي المتاعب. لا، لن أقدم حتى ذبابة لأي دين آخر. عندما أحتاجكم سأبعث بطلبكم، ولكني لن أستطيع دعوتكم لتعيشوا بصورة دائمة في بلادي ). ([17]) وهو – رحمه الله– بهذه العبارة ينطلق من الحديث المشهور: ( لا يجتمع دينان في جزيرة العرب). ([18])

ومثل هذا ما يؤثر عنه قولته القوية: ( لنا ديننا، ولكم آلياتكم ) ، وذلك عندما ناقشـه السفير الأمريكي للمملكة العربية السعودية "وليم إدي " حول عدم إمكانيـة التطور التقني مع التشـدد الديني ، فرد عليه الملك عبدالعزيز –رحمه الله– بأن التطوُّر الآلي والتقني لا ينافي التمسك بالدين ، ويمكن الجمع بينهما، على خلاف ما هو متبع في الثقافة الغربية من أن الدين والعلم لا يجتمعان.

وتتناقل هذه الدراسات نفسها عبارات عن بعض حكام الخليج الذين بهرتهم جهود المنصرين في مجالات الخدمات الاجتماعية كالتطبيب، فأذنوا بقيام المستشفيات التنصيرية التي لا تزال قائمة على ما أعلم إلى اليوم.([19]) هذا في الوقت الذي آثر فيه الملك عبدالعزيز –رحمه الله– سلامة العقيدة لمن ائتمنه الله عليهم، ولو كان ذلك على حساب العلة الجسديـة. ولذا نجد أن المنطقــة التي كانت تحــت ناظــري الملك عبدالعزيز –رحمه الله– سلمت من هذه الإرساليات، وبشكل واضح إلى اليوم والحمد لله.

ويدخل في الدافع الديني لدراسـة المستشرقين لحياة الملك عبدالعزيز –رحمه الله– شعور المستشرقين المنصرين([20]) بأن هذا القادم إلى المنطقة سوف يسعى إلى ترسيخ الدعوة الإسلامية، وبالتالي مواصلة نشر الإسلام، ليس في الجزيرة العربية فحسب، بل يتوقع لجهوده الدعوية أن تمتد وتشمل العالم الإسلامي، والأقليات المسلمة، والجاليات المسلمة في بلاد أخرى، وهذا ما حدث، وهو ما يحدث الآن. في الوقت الذي نجد فيه أن من أهداف الاستشراق المتكئ على التنصير هو الحد من انتشار الإسلام. ([21])

وكان من دوافع بعض دارسي جهود الملك عبدالعزيز –رحمه الله– في توحيد البلاد الدافع السياسي، في الوقت الذي كان الغرب فيه يمهد للنفوذ السياسي الذي أريد له أن يخلف الاستعمار، فكان التسابق على الملك عبدالعزيز –رحمه الله– لكسب وده، ومحاولة احتوائه في ظل التحالفات التي شاعت إبان الحربين العالميتين الأوليين 14–1919م و 39–1945م. وكان لبعض المستشرقين جهود في ذلك، مؤازرين للقيادات السياسية التي كانت جهودها ظاهرة ومسوغة في هذا الصدد.

ولست أرى الدافع التجاري الاقتصادي من وراء دراسة المستشرقين لحياة الملك عبدالعزيز –رحمه الله– مع أن الدافع التجاري يعدُّ من الدوافع المهمة، ذلك أن المنطقة التي بسط نفوذه عليها تدريجياً لم تكن ذات بال اقتصادي، فكانت صحاريَ قاحلةً، يقطنها "بدو رحّل، أو فلاحون بدائيون" في مزارع صغيرة، ورعاة إبلٍ يقطنون الخيام السود. ولم يكن "الذهب الأسود" وقتذاك قد فاض على ظاهر الأرض من باطنها. وعليه فإن المنطقة لم تكن ذات بعد اقتصادي في ذلك الوقت، حتى اكتشف النفط بكميات تجارية فيما بعد، فأُدخِل هذا الدافع متأخرًا عن الدوافع الدينية والسياسية والاستعمارية.

 

النظرة إلى عبدالعزيز:

والبحث في هذا الموضوع يقتضي تقسيم المستشرقين فيما يتعلق بنظرتهم للملك عبدالعزيز –رحمه الله– إلى فئتين رئيستين؛ الفئة الأولى والمهمة هي تلك التي كان لها اتصال مباشر بالملك عبدالعزيز –رحمه الله– بوجودها الحسي في المملكـة العربية السعودية في وقت من أوقات حكم الملك عبدالعزيز رحمه الله ، ونطلق على هذه الفئة من المستشرقين المستشرقين الرحالة، وهم الذين يؤخذ منهم وعنهم في تصوير الحالة التي يتعرضون لها من منطلقاتهم هم وانطباعاتهم، التي قد لا تقوم على نظرة علمية موضوعية،  كما سبق نقاشه في وقفة خاصة بالمستشرقين الرحّالة. ([22])

والفئة الثانية هي تلك التي سمعت عن عبدالعزيز –رحمه الله– من بُعد، فقاست "حركته" التوحيدية في ضوء المصالح لبلادها هي، فحكمت عليه من هذا المنظور، والمتوقّع ألا تكون انطباعات هذه الفئة بالضرورة إيجابية.

على أن هناك فئة ثالثة كانت لها في كل أنحاء الجزيرة العربية صولات وجولات، ولم يسلم منها الربع الخالي الذي شكّل تحديًا سافرًا لكل عشاق المغامرات من الرحالة الغربيين، فجعلوا من "قَطْع" الربع الخالي هدفًا رئيسًا من أهداف رحلاتهم. وكما توجه غيرهم إلى مكة المكرمة متنكرين بأسماء عربية وبلباس عربي، بل ربما بالإحرام، سعى بعض الرحالة المستشرقين إلى اللباس العربي والعادات العربية في الأكل والشرب من أجل تحقيق هذه الأهداف التي جاؤوا من أجلها. ومع هذا ومع معاصرتهم للملك عبدالعزيز –رحمه الله– فإنهم لم يهتموا باللقاء به أو القرب منه؛ لأنهم كما يبدو كانوا بعيدين عن السياسة والخوض فيها. وكان يكفيهم أن يأذن لهم الملك عبدالعزيز –رحمه الله– بهذه الرحلات، لا سيما تلك التي لم تتوجه إلى مكة المكرمة؛ ولذا لا تكاد تجد في مذكراتهم أي إشارة من قريب أو بعيد للملك عبدالعزيز –رحمه الله– يمكن أن يستأنس بها الباحث في هذا المجال. ولعل من أبرز رموز هذه الفئة المستشرق الإنجليزي "برترام توماس"([23]) والمستشرق الإنجليزي الآخر "ويلفرد ثيسغر".([24])

 

حصــر المواقــف:

ولا تستطيع هذه الوقفة حصر مواقف المستشرقين من جهود الملك عبدالعزيز رحمه الله؛ لأنها لن تتمكن من ذلك، فقد كتب الكثير عن الملك عبدالعزيز –رحمه الله– كتابات مختلفة في ثقلها وفي مواقفها. وأزعم أنها ليست محصورة إلى الآن في عمل يدوي أو آلي، على الرغم وجود جهود فردية ومؤسسية في هذا الصدد، ولكنها جهود فردية محدودة، ومتوقفة، وجهود مؤسسية في بداياتها، ومن هذه الجهود الفردية –على سبيل التمثيل فقط– ما قام به "محمد بن عبدالله الأطرم"،([25]) العزّام لاحقاً، والجهد الحصري الذي قام به "فهد بن عبدالله السماري"،([26]) والعمل الذي قام به "ساعد العرابي الحارثي"،([27]) وغيرهم.

ومن الجهود المؤسسية ما تقوم به دارة الملك عبدالعزيز من حصر لتاريخ الملك عبدالعزيز –رحمه الله– من جوانب مختلفة من مصادر المعلومات كموسوعة الأعلام والتاريخ الشفوي، وكذلك ما تقوم به مكتبة الملك عبدالعزيز العامة بالرياض من إنشاء قاعدة معلومات الملك عبدالعزيز، حيث زادت الوثائق في هذه القاعدة على سبعين ألف (70.000) وثيقة. ([28]) وقد تحدّث عن جزء من هذه الوثائق بالتحليل عبدالعزيز بن عبدالمحسن التويجري في كتابه لسراة الليل هتف الصباح. ([29])

وجميع هذه الجهود ستتعرّض بالضرورة لما كتبه الغربيون من مستشرقين وعلماء وساسة وغيرهم عن مسيرة الملك عبدالعزيز – رحمه الله– في توحيد البلاد.

وحيث لا يمكن الحصر، بل يتعذَّر الرصد – وهو دون الحصر – في هذه الوقفة، فإنها ستقتصر على نماذج من مواقف المستشرقين من الملك عبدالعزيز –رحمه الله– وجهوده في توحيد المملكة العربية السعودية. وربما أجمل الباحث أن معظم إسهامات المستشرقين في الحديث عن عبدالعزيز –رحمه الله– قد جاءت إيجابية، ولكنها الإيجابية من وجهة نظر غربية عهدناها من المستشرقين عندما يتحدثون عن الرموز أو القضايا "الشرقية"؛ كأن يتحدثوا عن جانب من الجوانب، ويغفلوا جوانب أخرى قد تكون أهم من الجوانب التي ركّزوا عليها. وأزعم أن هذا المنهج يصدر عن عمد ، ومع هذا فهو منهج ليس شائعًا بين المستشرقين جميعًا.

 

إغفال الدين :

ومن هذه الوجهة الغربية إغفال بعض المستشرقين الجانب الديني الذي سعى إليه الملك عبدالعزيز –رحمه الله– في جهوده لتوحيد المملكة العربية السعودية، ذلك أن هذه الفئة من المستشرقين تقصد إلى إبعاد البعد الديني من أي عمل ناجح، فيركزون على أبعاد أخرى ودوافع قد لا ترقى إلى الدافع الديني، ولا سيما أن الملك عبدالعزيز –رحمه الله– قد أدرك أنه إنما قام حكم آبائه وأجداده في هذه الجزيرة على الدين الذي جمع الناس، وزرع فيهم القابلية للوحدة ، يقول "ساعد العرابي الحارثي": (تحدث الغربيون عن عبدالعزيز بانبهار، إذ وجدوا فيه واحدًا من أهم الشخصيات المعاصرة، بل إن "جاك ميشان " يؤمن بأن بطولة عبدالعزيز من أكثر أحداث قرننا إثارة للدهشة، وميشان يمدح عبدالعزيز بأفضل ما يمدح به أبطال حضارته، منطلقًا في تعبيراته على أساس تجربته الثقافية والفكرية الغربية. ولذا لم يعط الجانب الديني أهمية كبيرة في زعامة الملك عبدالعزيز، ومع ذلك فميشان نموذج لتقويم الأبطال الكبار في الفكر الغربي، إلا أن (كرافيه كلوك) وفق حين ذكر أن عبدالعزيز نجح عن طريقين: الزعامة الحربية والزعامة الدينية ، وهذا هو مفتاح بطولة عبدالعزيز ) . ([30])

وهنـاك أيضًا من أغفل الجانب الديني لدى أعوان الملك عبدالعزيز الذين آزروه في حركة التوحيد . والمعلوم أن " الإخوان " كان لهم أثر في هـذه الجهـود . والمعلوم أيضًا أن " الإخوان "كانوا مدفوعين دينيًا لمـؤازرة الملك عبدالعزيز ، مقتنعين بدوافعه رحمه الله ، ومع هذا يظهر من يغفل هذا الجانـب المهم في هذه الحركة ، مثل ما ظهر به المستشرق "جون حبيب" في كتـاب خصصه للإخـوان ، وأعطاه عنوانًا يوحي بالبعـد الديني "محاربو ابن سعود من أجل الإسلام ، ودورهم في بناء المملكة السعودية 1910–1930م.([31])

ويشـبه موقف "كلوك " في تأكيد البعد الديني موقف " كينيث وليامز " الذي يقول في كتاب له عن الملك عبدالعزيز –رحمه الله– صدر سنة 1933م : ( هل بين ملوك المشرق في الحاضرين من يضارع ابن سعود؟ لا أذكر حاكمًا قويًا يخشى الله قد وصل إلى مكانة هذا المليك، فلا شك أنه لا يعدله ملك في العالم الإسلامي؛ فهو الجندي الباسل والمصلح الكبير، والمخلص لدين الله، والإنسان الكريم الصريح الثابت، الذكي الشجاع المتواضع، فليس كمثله ملك ) . ([32])

ومثل هذا المنطلق من " كلوك " أيضًا ما قاله "عبدالكريم جرمانوس ([33]):(إن الملك عبدالعزيـز الذي جرّد سيفه في سبيل دينه وعقيدته يجمع في طبيعته روح الحرب وروح السلام. لا يقاتل الناس ولا يعتدي عليهم، إنما يـحارب الجهل، ويقاتل الجمود ويكافح التأخر )،([34]) مع أني لا أعدُّ هذا من أقوال المستشرقين ؛ لأن "عبدالكريم جرمانوس" لم يعد مستشرقًا بعد أن أسلم. ولذا فإني لا أتفق مع من قال عنه (المستشرق المجري عبدالكريم جرمانوس) ، وكذلك "ناصر الدين دينيه"([35]) الذي كان مستشرقًا فرنسيًا، فأسلم، وكتب عن الملك عبدالعزيز .([36]) ومثل هؤلاء أيضًا "ليوبولد فايس"([37]) الذي أسلم وتسمى بمحمد أسد، وكتب عن لقاءاته بالملك عبدالعزيز في كتابه الطريق إلى مكة.

 

حسن الظن والسذاجة :

وإني إذ أطرح هذه الفرضية عن المستشرقين لا أقلل من مواقفهم من الملك عبدالعزيز –رحمه الله– التي فرضها هو عليهم، ولكني في الوقت نفسه لا أثق أنهم جميعًا كانوا يرحبون بقيام الملك عبدالعزيز –رحمه الله– أو غيره من القيادات الشرقية بتوحيد الصفوف والالتفات إلى الحياة الهادئة الآمنة القابلة للعيش الكريم، بالتعبير الغربي المترجم حرفيًا "decent life". ومع هذا فإنني قد أذهب إلى أبعد من ذلك حينما أقول إن هناك فئة من المستشرقين لم يرحبوا بالملك عبدالعزيز –رحمه الله– في التاريخ الحديث، ولذا ستجدهم يقللون من شأنه وجهوده، ويتركون لديك الانطباع أن هذه الجهود لم تنتج عن ديمومة راسخة تتكون من خلالها عراقة قيادية حديثة تكون مضرب المثل في الإصرار على الثوابت والمبادئ.

ولست ممن يتوقعون أن تكون انطباعات المستشرقين عن الملك عبدالعزيز –رحمه الله– جميعها إيجابية ، بل إنني من واقع النظرة الشاملة لظاهرة الاستشراق لا أستغرب إذا ما وقفت على عبارات تقلل من إمكانيات الملك عبدالعزيز –رحمه الله– فيما قام به من جهود. وإذا كان هذا قد حصل من بعض العرب والشرقيين، فلا غرابة أن يصدر عن البعيدين ثقافة وفكرًا عن ثقافة الملك عبدالعزيز –رحمه الله– وفكره.

على أن هذا الموقف السلبي من بعض المستشرقين إنما كان حصيلة لتراكمات من سوء الظن الذي فرضه علينا بعض المستشرقين من خلال إسهاماتهم المتنوعة في ديننا وثقافتنا وفكرنا ورموزنا القديمة والحديثة. وبقدر ما نسعى إلى حسن الظن الذي نحن به مطالبون، نجد أنفسنا تنساق إلى العكس، وليتنا نستطيع دائمًا أن نحسن الظن دون الوصول إلى حدِّ السذاجة، وبين المفهومين بون شاسع.

وإذا ذكر المستشرقون في حياة الملك عبدالعزيز –رحمه الله– فإن الحديث لا يكتمل دون ذكر إسهامات المستشرق البريطاني هـ. سانت جون (عبدالله) فلبي ([38]) الذي يعدُّ عندي نموذجًا حيًا لأولئـك المستشرقين الذي تغيّرت وجهتهم بمجرد وصولهم إلى جزيرة العرب، واحتكاكهم بقيادتها وأهلها. وقد عرّضه هذا الموقف إلى مضايقات من بلده الأم، كما عرضه للانتقاد من قبل المتخصصين في كتابة التاريخ الحديث،([39]) وقد كتب كثيرًا عن الملك عبدالعزيز –رحمه الله– باللغة الإنجليزية، وقد ترجمت بعض كتبه إلى اللغة العربية، ومنها:

1– الجزيرة العربية ، وطبع في لندن سنة 1930م في 380 صفحة .

2– أيام عربية ، وطبع كذلك في لندن سنة 1948م في 336 صفحة.

3– جزيرة العرب والوهابيون ، وطبع سنة 1928م في 400 صفحة . ([40])

4– قلب الجزيرة العربية : سجل الرحلات والاستكشافات، وطبع سنة 1922م في 390 صفحة .

5– الربع الخالي ، وطبع سنة 1933م في 430 صفحة .

6– حاج في الجزيرة العربية ، وطبع سنة 1943م في 200 صفحة .

7– أيام في الجزيرة العربية ، وطبع سنة 1948م .

8– الذكرى العربية الذهبية ، وطبع سنة 1951م في 385 صفحة. ([41])

9– مرتفعات الجزيرة العربية ، وطبع سنة 1952م في 800 صفحة.

10– العربية السعودية ، وطبع سنة 1955م .

11– أرض مدين ، وطبع سنة 1957م .

12– أربعون سنة في القفر ، وطبع سنة 1957م . ([42])

 

وغيرها من المقـالات والتقارير المنشورة في الدوريـات مثل دورية المجلة الجغرافيـة ، ومجلة بريطانيا والشرق ، ومجلة الشرق الأوسط ، ومجلة الجمعية الملكية لأفريقيا الوسطى ، ومجلة الشرق الأدنى والهند ، وتزيد على ثلاثـين مقالةً وتقريرًا ،([43]) مما يحتاج إلى بحث مستفيض مستقل عن هذا الرحالة خاصـة .

وهناك من تخصص في إنتاجه العلمي ترجمة وتعليقًا ونقدًا ، مثل الأستاذ المحقق عبدالله الصالح بن عثيمين ، ولن تكون هذه الوقفة في عمق تلك الجهود، ولا تخوض هذه الدراسة في حياة المستشرق "جون فلبي" ومصيره من حيث عقيدته، والذي أعلمه أنه تزوج بامرأة مسلمة عربية سعودية أنجبت له أولادًا. والذي يهمني هنا أن المستشرق إذا أسلم لم يعد مستشرقًا، وينظر له على أنه مسلم من المسلمين ، وهذا يؤثر في النظر إلى إنتاجه العلمي من حيث دوافعه وأهدافه . ([44])

وأفصّل الموقف في هذا فأنظر إلى إنتاج المستشرق قبل أن يسلم، ثم أنظر إليه مسلمًا بعد إسلامه ، وفي الحالين يختلف الموقف والحكم لاختلاف المعيار.

وأمثال "عبدالله فلبي" من الرحالة كثيرون ، ويذكر منهم "أمين الريحاني" الأمريكي الجنسية اللبناني الأصل ، وهو بهذا يعدُّ عندي من المستشرقين، وقد ظهرت له كتابات مؤثرة عن القادة العرب في زمانه، كما أن كتاباته عن وسط جزيرة العرب مشهورة. ([45]) ولا يسمح المقام بالتعرض لها في هذه العجالة، والذي يظهر لي أن كلاً من هؤلاء المستشرقين الرحالة يحتاج إلى وقفة تحليلية مستقلة تتبين فيها دوافعه من الرحلة، وأهدافه، وما توصّل إليه من معلومات، وما أصدره من مؤلفات، وهذا كله يدخل فيما نسميه اليوم بأدب الرحلات.

وقد شهدت الجزيرة العربية هذه الظاهرة بشكل واضح إبان الدولة السعودية الأولى والثانية والثالثة، وتعدُّ مصدرًا من مصادر تاريخ الجزيرة العربية، وقد أحسنت جامعة الملك سعود بعقدها ندوات عن تاريخ الجزيرة العربية، نتجت عنها مؤلفات قيمة، وحبذا لو استمرت هذه الندوات، واستمرت معها المؤلفات التي تخدم تاريخ هذه المنطقة من شتى الجوانب على مختلف العصور. ([46])



أمثلة من وقفات المستشرقين  :

وحيث يتعذر حصر إسهامات المستشـرقين حول حياة الملك عبدالعزيز –رحمه الله– وبالتالي استقراء نظرتهم عنه ومواقفهم منه ، فلا أقل من ذكر بعض النماذج التي يمكن أن تعطي صورة عن هذه النظرة والمواقف ، ولا سيما تلك النماذج التي تهيأ لها أن تقابل الملك عبدالعزيز رحمه الله، وتتحدث معه ، وربما بقيت في ضيافته أيامًا.

وليست هذه النماذج من الرحالة المستشرقين هي من أوائل من وصل إلى جزيرة العرب من جهتها الغربية ، حيث الحرمان الشريفان ، ووسطها ، حيث نجد، وشرقها حيث الأحساء، وجنوبها حيث اليمن وعدن وحضرموت. والذي ظهر لي حتى الآن أن الرحلة إلى الجزيرة العربية ، ولا سيما الرحلة إلى الأماكن المقدسة منها ثم منطقة نجد كانت أملاً قبل أن تتم، ثم إنجازًا إذا ما تمَّت. وممن سبق هذه المرحلة مدار الدراسة رحالة أمثال الرحالة الدانيمركي "نيبهر"([47]) الذي يعده بعض المؤرخين أول غربي يتحدث عن نجد،([48]) والكولونيل "لويس بيلي"،([49]) والرحالة الفرنسي "شارل هوبير"،([50]) و"جوليوس أنتنج" و"البارون نولدي"، والرحالة الإنجليزي "تشارلز داوتي"، والرحالة السويسري "لويس بوركهارت"،([51]) والرحالة الهولندي "سنوك هورخرونيه"،([52]) و"يفيم ريزفان"،([53]) والرحالة الإنجليزي "ولفريد س. بلنت"،([54]) وزوجته "الليدي آن بلنت"،([55]) و"وليم بالغريف"([56]) الرحالة الإنجليزي. ([57]) وهذه بعض الوقفات: 

يثني الرحالة الإنجليزي "وليام شكسبير" على الملك عبدالعزيز –رحمه الله– ثناء المعجب به، وجاء ذلك في أكثر موضع من تقاريره التي كتبها، ومنها قوله عن الملك عبدالعزيز – رحمه الله – إنه : ( ذو وجه وضاح وصريح ذو أفق متّسع صادق القول، يشتهر بين العرب بالنبل والكرم والعدل، ولا ينحدر للأساليب الخسيسة في أفعاله وخصاله).([58]) ويقول عنه أيضًا: إنه (صادق صريح كريم، طبقت شهرته آفاق القبائل، ناقشني بكل الصراحة والوضوح فيما يخص بلاده وعاداتها وتقاليدها، ولم أجد فيه أثرًا للتعصب ). ([59]) ويقول: ( لقد وجدت في عبدالعزيز رجلاً نبيلاً كريمًا لا يمكن إطلاقًا أن يسمح لخاطره بالانشغال بسفاسف الأمور ). ([60]) وهو الذي رأى من الخير لبلاده بريطانيا أن يكون تفاهمها مع الملك عبدالعزيز –رحمه الله– دون سائر زعماء الجزيرة . ([61])

وفي رسالة من هذا الرحالة "شكسبير" إلى "كوكس" يبدو أكثر وضوحًا عند وصفه للملك عبدالعزيز –رحمه الله– إذ يقول عنه: ( يولّد الانطباع بأنه ذو شخصية مستقيمة ، صريحة وكريمة ، لقد عاملني بأقصى درجات الضيافة والصداقة ، ولم يُبدِ لا هو ولا أشقاؤه أي روح تعصبية مثل ما هو متوقع من عائلة وهابية حاكمة، كما أن مستشاريه وقادة قواته عاملوني أنا ورجالي بمنتهى اللطف والصداقة . وأراني مقتنعًا بصدق انطباعاتي، خصوصًا بعد نقاشنا في مسائل مثل العقيدة والدين التي هي في أولويات العقيدة الوهابية، وكنت دائمًا أحظى بإجابات هادئة تنم عن ذكاء ومنطق).([62]) وليس لدينا في الواقع " عقيدة وهابية " ؛ لأن الشيخ محمد بن عبدالوهاب الذي تنسب إليه الوهابية لم يأتِ بشيء جديد ، فعقيدته هي ما قرره الكتاب الكريم والسنة المطهرة .

ويقول أيضًا في موضع آخر: ( تحرك عبدالعزيز وطنية صادقة ، وولاء لوطنه ، وتقديس عميق مؤصل لدينه ، ورغبة أكيدة لا يخامرها ظل شكٍّ أبدًا في العمل على خدمة مواطنيه والوصول بهم إلى السلم والأمن)([63])، ويبدي كذلك مكانة الملك عبدالعزيز –رحمه الله– بين الزعماء العرب من معاصريه؛ إذ يقول: ( لقد وجد العرب الآن قائدًا تعلو هامته هامة أي زعيم آخر، وهم يمحضونه إيمانًا عميقًا، وبات المشايخ الآخرون من الحلفاء العرب يحيلون إلى ابن سعود قضاياهم كافة، يطلبون فيها نصحه، وبخاصة ما ارتبط منها بعلاقتهم بالتاج)([64])؛ أي ما ارتبط منها بالعلاقة بالخلافة العثمانية التي كانت تشهد في ذلك الوقت ضعفًا عامًا في شتى الميادين.

ويقول "أنتوني ناتنج":(