إذا كان تقدم الأمم يقاس بإنجازاتها
الحضارية ، فإن تاريخ هذه الأمم لا يسطره سوى رجالاتها. وإذا كان الملك عبدالعزيز بن
سعود (يرحمه الله) هو الباني والموحد للمملكة العربية السعودية، فقد ضرب المثل
العظيم في الكفاح والجهاد والوطنية من أجل تحقيق أمل الدولة السعودية الموحدة،
وإذا كان تاريخنا قد سجل سطور هذا العمل الكبير، فإنه قد ضم أيضاً إسهامات رجالات
عملوا مع الملك عبدالعزيز ، وتأثروا به ، وتخرجوا في مدرسة الكفاح والجهاد
والوطنية التي رواها بحياته وبدمه مع صحبة من أبناء هذه الأمة. ومن الواجب علينا
إبراز دور هؤلاء الرجالات الذين ساهموا بدورهم الوطني مع القائد العظيم، حتى يعلم
أبناء هذه الأمة كيف بنيت هذه الدولة على سواعد هؤلاء الرجال، وحتى لا يفقد هؤلاء
الأبناء القدوة الحسنة التي أفرزتها التجربة التاريخية لمملكتنا الحبيبة.
وقد أسهم رجال منطقة عسير في أداء هذا
الدور الوطني ، على مدار فترة البناء والتوحيد التي بدأها الملك عبدالعزيز،
واستمرت من بعده على يد أبنائه الكرام، وكانت إسهامات هؤلاء الرجال كل في مكانه
وحسب إمكاناته دليلاً على العطاء الوطني من أجل عزة هذه الأمة. ونحسب أن (ابن
إلياس) أحد هؤلاء الرجال الذين ساهموا قدر الاستطاعة في إضافة بعض السطور في صفحات
التاريخ الوطني للمملكة العربية السعودية، وحسبي أن يكون هذا الموضوع مقدمة
لموضوعات أخرى مشابهة تلقي الضوء على مثل هذه الشخصيات التي أدت دورها في صمت ،
برغم أهميته ، ومن ثم حق على التاريخ كتابة أسمائهم، وتسجيل أدوارهم، وقد قامت
الدولة بتكريمهم إحقاقا لحقهم واعترافا بدورهم.
(ابن إليـاس) ورسالته في تاريخ
عسير في عهد الملك عبدالعزيز:
أفرزت منطقة عسير الكثير من الرجالات
الذين ساهموا في تسطير صفحات مجيدة في تاريخها الحديث. وفي عهد الملك عبدالعزيز–
رحمة الله عليه– تزايد أعداد رجالات عسير،بل وتزايد دورهم الوطني في صناعة تاريخ
المنطقة على وجه الخصوص.
ولأن منطقة عسير – أحد أجزاء شبه
الجزيرة العربية – فقيرة فيما دُوِّن عنها في المصادر، لذا كان التعطش دائما لدى
الباحثين في تاريخها.
ومن هنا تظهر أهمية هذه الدراسة التي نقدمها من خلال أوراقٍ أملاها
رجل عمل في صمت وساهم في صنع تاريخ المنطقة وعاش أكثر من قرن من الزمان في حاضرة
أبها([1])،
وتقلب في العديد من المسؤوليات المتنوعة، وشاهد بعينه كثيراً من الأحداث التي وقعت
في منطقة عسير خلال القرن الرابع عشر الهجري (التاسع عشر والعشرين الميلادي). إن
هذا الرجل هو عبدالله الملقب بـ (ابن إلياس) بن عبدالرحمن بن أحمد([2]) .
أما المنهج الذي نتبعه في هذه الدراسة فهو على النحو الآتي
:
أولاً:
التعريف بـ (ابن إلياس) .
ثانياً: عرض لبعض الأوراق ، وهي عبارة عن مخطوط لابن
إلياس. ونظرا لأهميته فسوف نورد نصه كما وصلنا من إملاء صاحبه– ابن إلياس– مع
إجراء التحقيقات اللازمة له ، وقد أرفقنا مع النص المحقق صورتين لأول صفحة وآخر
صفحة من هذا المخطوط في صورته الأصلية.
ثالثاً: الاعتماد على بعض الوثائق وهي عبارة عن مراسلات
من جهات حكومية إلى ابن إلياس إبان توليه للعديد من المناصب الرسمية في الدولة،
وأثناء قيامه بأدوار مختلفة في خدمة الوطن، علاوة على مراسلات أخرى تخص ابن إلياس
وتكشف عن اهتمام الدولة بتكريمه تقديرا منها لجهوده في خدمة الوطن، في عهد
الملك عبدالعزيز (يرحمه الله).
أولاً : التعريف بـ ( ابن
إلياس) :
يذكر أحد الرواة الذين عرفوا ابن إلياس
لمدة تزيد عن سبعين سنة تفصيلات فيقول: "لقد وفد جدّ عبدالله (ابن إلياس) بن
عبدالرحمن بن أحمــد من العراق للعمل في أبها([3])، وقد تزوج من
كبار الأسر فرزق بعبدالرحمن والد عبدالله، وعندما كبر عبدالرحمن بن أحمد استوطن قرية مشيع في مدينة أبها([4])،
واقتنى من المزارع أغلاها، ومن الدور أفخرها، ومن المواشي والأنعام أكثرها، وهي
مصدر الرزق آنذاك. وفي أوائل القرن الرابع عشر الهجري، رزق بمولود عام 1315هـ([5])،
سماه عبدالله، الذي اكتسب لقب ابن إلياس. وربما كلمة ابن إلياس هذه جاءته من
أخواله، وهم بيت علم في مرتفعات بلاد عسير، بقرية (آل ويمن) ([6]).
وترعرع عبدالله في جو تغمره سعة العيش
والرخاء، وقد أدخله والده المدرسـة الرشدية، التي كانت في مدينة أبها خلال العهد
التركي([7])،
وبعد أن نال قسطاً وافرا من التعليم، وُظِّف كاتباً في محكمة أبها الشرعية ، في
أثناء الحكم العثماني([8]).
وكان القاضي آنذاك السيد / عبدالله بشاوري أفندي، الذي ذكر عنه ابن إلياس أنه علامة،
وقد رشح لرئاسة القضاء والإفتاء في عاصمة الدولة العثمانية (إستانبول) ([9]).
وقد مات والد عبدالله (ابن إلياس) في
عصر النفوذ التركي على عسير (1289–1337هـ)، فعاش في جو عائلي مشبع بالحنان بين
والدته وخالاته الثلاث اللاتي كن من فضليات النساء. وعاصر ابن إلياس فترة زوال
الحكم العثماني ، ثم ظهور الحكم السعودي ، بل انخرط وساهم في أعمال كثيرة آنئذ في
ظل إمرة الأمراء الخمسة الذين توالوا على إمارة عسير منذ دخولها تحت الحكم السعودي([10])،
فأسهم معهم في أعمال إدارية واستشارية عديدة ، كما عاصر عهد إمارة عبدالله بن
عسكـر([11])، فعمل
فـي أعمال استشاريــة عديدة ، وأخيراً كلف بالعديد مـن المسؤوليات التي أشارت
إليها عشرات الوثائق([12])،
ويمكن تلخيص الأعمال التي تولاها ابن إلياس في عهد الدولة السعودية على النحو
التالي:
1-
عمل مديراً لمالية أبها من عام
1342هـ حتى عام 1355هـ.
2-
كلف بأعمال في الشعبة السياسية
في الديوان الملكي في الرياض، وذلك ما بين عامي 1357 و 1358هـ. وزامنت هذه الفترة
وجود كبار المستشارين عند الملك عبدالعزيز مثل: مدحت شيخ الأرض ، وفؤاد حمزة ،
وخالد القرقني، ويوسف ياسين([13]).
3-
عمل في وزارة المالية مع وزير المالية
آنذاك ، الشيخ/عبدالله السليمان، وذلك في الفترة الممتدة من عام 1359–1361هـ ، ثم
طلب حينئذ إعفاءه من العمل وعاد إلى مدينة أبها، فعمل في إمارة أبها من عام 1361هـ
حتى أحيل للتقاعد عام 1386هـ.
قضى نهاية حياته في منزله الكائن بحي
الخالدية في مدينة أبها، ويتحدث عنه كثير ممن عرفه فيصفه بحسن الخلق، وطيبة النفس
إلى جانب أنه كان أميناً مجتهداً مخلصاً في عمله، كما ذكر عنه أنه كان كريماً ذا
شهامة ومروءة ، يعطف على الأيتام والمساكين ، ويساعـد المحتاجين ويقضي حاجاتهم.
عاش قرناً مـن الزمان، ووافاه أجلـه يوم الأربعاء الموافق 10 من شهر جمادى الأولى
عام 1416هـ (1996م) ([14]).
ومن
الاطلاع على الوثائق والمراسلات التي كتبها ودونها عبدالله(ابن إلياس)
بنفسه([15])،
ومن الاطلاع على هذا المخطوط الذي وصلنا من ابن إلياس نفسه ، اتضح لنا عدة أمور،
مثل :
1-
أن المخطوط الذي وصلنا، لا يشبه
خط ابن إلياس الذي عرف عنه بالجمال ، وإنما الظاهر على هذا المخطوط أنه من إملاء
ابن إلياس، وليس بخط يده ، ويؤكد لنا ذلك كثير من أصدقائه ومن المقربين إليه في
حياته. ومن المؤكد أن ابن إلياس فقد بصره في آخر عمره، فكان ضريراً حتى وفاته،
وبرغم هذا فـإنه كان قد وصل إلى ذروة نضجه الفكري، وخلاصة خبرته العملية، ومن ثم
يعد هذا المخطوط ، في ظل هذه الظروف شهادة صدق على العصر الذي عايشه.
2-
تميز مخطوطه بالقيمة التاريخية
الجيدة، حيث يوجد به معلومات قيمة ذكرها
شاهد عيان للأحداث التي وقعت في منطقة عسير خلال القرن الرابع عشر الهجري (العشرين
الميلادي)، إلى جانب أن مصدر هذه المعلومات كان رجلاً صاحب مسؤوليات في كثير من
المجالات السياسية، والإدارية، والمالية في بلاد عسير وغيرها من أجزاء البلاد
السعودية. ومن يدقق النظر في التفصيلات التي وردت بالمخطوط يجدها دقيقة إذ يذكر
اليوم والشهر والسنة للكثير من الأحداث، وهذا أمر يصعب أن نجده في أي مصدر آخر.
3-
أما عن المصاعب التي صادفت
الباحث في أثناء هذه الدراسة، فتمثلت في محاولة إصلاح ما بدا في المخطوط من ركاكة
الأسلوب أو أخطاء إملائية ونحوية وأسلوبية، وكذلك طريقة رسم الحروف ووضع النقط
وغيرها. ويتضح من شكل الكتابة أنها ربما دونت في أواخر القرن الرابع عشر، أو أوائل
القرن الخامس عشر الهجري.
ثانياً: نص مخطوط ابن إلياس كما أملاه هو:

صورة الصفحة الأولى من المخطوط
بسم
الله الرحمن الرحيم
وعلى الله الذي لا إله إلا هو نتوكل،
خالقِ الكائنات، وخالق المخلوقات، مُفَرِّقِ الألوان والأجناس واللغات، الذي كلَّ
يومٍ هو في شأن، يُعِزُّ من يرى فيه السداد في كل أمة تؤمن بالله ورسوله.
وعلى [ ذلك ] ([16])ما
حصل فيما قدّر الله بقدرته الإلهية، وجعل ولايته الأولى في محمد بن سعود– رحمه
الله– فكان العضيد([17])المباشر
لنشره([18])دعوة
الشيخ محمد بن عبدالوهاب– رحمه الله– وكان ذلك عام 1157هـ ، ثم أسترسل([19])بقيامه
كراعٍ– عادلاً– ومن عقب عقبه لمدة 135 عاماً ، ثم حصل على فيصل ما حصل من أسباب
وفاته؛ فتوجه([20])الإمام
عبدالرحمن بن فيصل بأهله وذويه إلى الكويت، ومكث هناك 27 عاماً ، ثم أراد الله
العلي القدير بـإعادة([21])مجد
آل سعود على يد الإمام المظفر، والمؤسس الكبير عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل فيصل– طيب
الله ثراه– فَغَزَا الرياض بغزوته المظفرة([22])، والرجالِ
المخلصين معه (.............)([23])المعركة
التي حصلت بينه وبين عجلان ، استولى([24])على الرياض ،
وذلك في عام 1319هـ ، ومن يومها وهو يجاهد في إخراج كل دخيل في نجد ، وفي إزالة
درن التناحر والخوف من كل قبيلة بعضها على الآخر ، وقد استغرق([25])جهاده([26])المظفر
لمدة 19 عاماً.
وفي سنة 1338هـ وجّه غزوة تحت قيادة
سمو الأمير عبدالعزيز بن مساعد – وذلك في
18 من شهر شوال– إلى أبها– عاصمة عسير– في اليوم الثامن عشر من شهر شوال من عام
1338هـ ، وبعد المعركة التي حصلت في حجلاء يوم الخميس من الشهر نفسه، وقد ألقى
القبض على أسرة آل عائض ، وفي المقدمة حسن بن علي وإخوتـــه، فانكفش([27])الجنود
المذكوره ، وبقي محمد بن سلطان لمدة([28])وجيزة ثم وكّل
بالنيابة عبدالله بن أحمد بن مفرح ، وتوجه إلى الرياض، وذلك في يوم 18 [من ذي]
القعدة من نفس العام.
ثم وصل محمد بن عبدالله الحجازي
ومرافقوه ، كل([29]) من: محمد آل محيا آل راشد، وصالح بن عبدالواحد،
وسلمان بن محمد، وإبراهيم بن حيزان، ومفرح العتيبي، ونوار العتيبي؛ حيث قام محمد
الحجازي بتعديل قصر شدا ليصبح ملائماً لسكنى الأمير القادم.
وفي يوم 3 [ من ] محرم عام 1339هـ
التحقت بالخدمة بأمر محمد الحجازي كاتبا([30])براتب 15
ريالاً شهريا([31])
ً.
ثم صار قدوم الأمير المعين لإمارة أبها
عبدالله شويش الوضيحي([32])يرافقه
المرحوم الشيخ محمد بن عبداللطيف، [ و ] يرافق الشيخ كل([33])من ابن أخيه ،
وفهد الصميــت، وعبدالله بن عمار للقضاء والإرشاد، وذلك في يوم 13 [ من ] صفر عام
1339هـ، وكان يرافقهم آل عائض جميعهم، ومن ضمنهم محمد بن عبدالرحمن الذي راحمه([34]) الأمير
المذكور([35]).
ثم استمر الأمير شويش في إمارته حتى
يوم 12 [ من ] جمادى الآخرة([36])؛
حيث عُزل عن إمارته، وتعيَّن بدلاً عنه للقيام بـإمارة أبها عبدالله بن سويلم –
اعتباراً من 12 [من] جمادى الآخرة([37])عام
1339هـ، واستمر هذا الأمير حتى آخر شهر ذي القعدة من عام 1339هـ، ثم عُزل ووصل بدلاً منه فهد العقيلي ، يرافقه الشيخ
ناصر بن عبدالعزيز آل حسن – خلفاً عن الشيخ محمد بن عبداللطيف– للقيام بالقضاء،
حيث استمر العقيلي في الإمارة حتى يوم 18 [ من ] ربيع الأول من سنة 1340هـ ، وقد
حوصر ومن معه في قصر شدا من قبل قبائل عسير.
وكنت أنا – عبدالله بن إلياس – من ضمن([38])المحصورين
في هذا الحصار.
وفي نهاية الشهر حصل الصلح بين الأمير
سالف الذكر وحسن بن علي بن عائض على أن يخرج العقيلي ومن معه من (أخوياه) بسلاحهم
، وكل مالهم في وجوه القبائل، على شرط أن يتوجه([39])الأمير هو
(وأخوياه ) إلى الرياض دون أن يبقوا في الخميس أو في بيشة آنذاك ؛ إلا أنه مع وصول
فهد العقيلي وأخوياه إلى الخميس وردت([40])رسائل كل من
سعد بن عفيصان أمير الدواسر آنذاك، وأمير بيشة ابن ثنيان يطلبان([41]) تأخره في الخميس، وهم و (غزوانهم) ([42])سيصلون
لنصرته و(أخوياه ) في الوقت المعين.
ثم غزت قبائل عسير الخميس ، وبعد معركة
دارت هناك ألقى العسيريون القبض على العقيلي ، والشيخ ناصر سالف الذكر ، وسعد بن
سعيدان المطوع.
وقد منع العقيليَّ ومرافقيه المذكورين
الشيخُ محمد بن زايد شيخُ القصير من قبيلة علكم – على أن لا يُمَسُّوا بأذى.
ثم استمرت الأمور، واستمرت قبائل عسير
حتى وصلت قرية آل عابس في بلاد عبيدة([43])آل الصقر، ثم
عاد إلى أبها ، واستمر الوضع حتى نهاية جمادى الأولى عام 1340هـ.
وصلت الجيوش في يوم 22 [ من ] جمادى
الآخرة([44])
إلى بيشة ، ثم أبها تحت قيادة صاحب السمو الملكي الأمير فيصل بن عبدالعزيز آل سعود
– ومنها توجهت إلى الخميس ، ومن الخميس إلى أبها – يرافقه في تلك الحملة الشيخ عبدالله بن حســـــن – يرحمه الله –
وسلطان بن بجاد ، والدويش ، والدهينة ، وخليل بن عمر بن قرملة، وغيرهم من الحضر
والبدو.
وقد هرب كل([45]) من حسن بن
علي بن عائض وبعض أسرته ، والتجؤوا بالشريف الحسين شريف مكة ، وكانت إقامتهم عند
أمير القنفذة عبدالله بن حمزة.
وفي [ تلك ] الأثناء ، وصلتني رسالة من
محمد الحجازي الذي لازال يبحث عن موقع إقامتي وطلب حضوري لديه في دار أرحامه آل
ابن عبشان([46])–
وصلت إلى المذكـــــور و (أنها أنا وياه) ([47])وفي صلاة فجر
تلك الليلة (تواجدنا) في مسجد برزان الذي كان فضيلة الشيخ عبدالله بن حسن (طيب
الله ثراه) يصلي في ذلك المسجد، ثم سبقناه في منزله الذي يسكن فيه.
وبعد وصوله ذكر له محمد بن عبدالله
الحجازي عن موضوع ( تواجدي ) في القصر إبان ثورة عسير على الأمير فهد العقيلي
و(أخوياه ).
وبعد ذلك مشينا (الجميع) مع فضيلة
الشيخ ، حتى حظيتُ بالمثول بين أيادي قائد السرايا التي وصلت لإخماد ثورة عسير تحت
قيادة الملك فيصل بن عبدالعزيز – تغمده الله برحمته ورضوانه – وبعد قناعته (رحمه
الله) أمر بأن أكون عند أمير البيارق المدعو إبراهيم بن ودعان ؛ وذلك لقيام
إبراهيم بن ودعان المذكور بحلّ مشاكل الغزوان – كشبه كاتب عنده.
ومن ضمنها [ما] حصل بين غزوان آل عسيلة
وغزوان آل جميح في شأن بكرة ضلت، وذهبت من إبل آل جميح.
وفي تلك اللحظة أظهروا من السجن كلاً
من عبيد الحريقي ومحمد العبسي من عبيد المذنب، وكان صدور الأمر بـ (طق ) هؤلاء
الاثنين السالف ذكرهما حتى الموت ؛ وذلك بسبب بقائهما في الخميس بعد غزو عسير إلى
الخميس.
أما عبدالعزيز الطبقا القحطاني وحمران
الشدى ، فهؤلاء هربوا بعد اختفائهما مع عبيد الحريقي، ومحمد العبسى ، وهذا([48])مما
يثبت لكل من يعرف الغزو آنذاك ، ومنهم جراب ابن حسن، على مطاردة آل عائض .
مشت بعض (الغزوان ) التي تحت قيادة
سلطان بن بجاد ، والدويش ، والدهينة ، وخليل ابن عمر بن قرمله شيخ بادية قحطان
نجد.
وقد صدر أمر قائد الحملة صاحب السمو
الملكي الأمير فيصل بن عبدالعزيز بعدم احتكاك الجيوش السعودية بحدود الشريف الحسين
، وأمرهم بالعودة إلى أبها. وقد مكث الأمير فيصل مع جيشه في أبها حتى 18 [من] شوال
من العام 1340هـ، ثم تعين بأمره لإمارة أبها سعد بن سليمان بن عفيصان ، وللقضاء
ناصر بن عبدالعزيز آل حسن ، وشيّخ الأمير فيصل على قبيلة بني مغيد الشيخ علي بن
محمد بن مشيبة ، وتعيّنت أنا – عبدالله بن إلياس – بأمره الكريم وكيلاً للمالية ؛
وذلك بعد (قناعة) سموه التامة (بتواجدي) ضمن من حوصر في القصر مع العقيلي([49]) .
ثم توجه صاحب السمو الملكي الأمير فيصل
بن عبدالعزيز مع جيشه إلى الرياض، وقد تعين من
الغزو مع ابن عفيصان([50])،
وهم من الدواسر والحوطة والخرج. واستمرت
الأمور على ما ذكر حتى([51])
يوم 22 من شهر صفر عام 1341هـ، حيث وصلت السرية التي كانت بأمر الشريف الحسين ؛
وذلك لمناصرة آل عائض – السرية التي قابلتها في الدرجة([52]) تحت قيادة
سليمان بن سعد بن عفيصان، وصلت إلى الدرجة، وهناك كانت المعركة.
وقد قُتل القائد سليمان بن سعد بن
عفيصان ، وولد محمد بن دليم المسمى علي ، ومحفر عبد آل عائض ، وغيرهم.
ثم تراجعت السرية السعودية ، وتفرق
الكثير ، ومنهم القليل من دخل القصر مع كل من جعفر بن عبود، وجراب بن حسن مع
(أخويا) الإمارة ، ثم وصل محمد بن دليم أبو لعثه على أساس ما بلغه من خبر مقتل([53])
ولده وهو ملازم القصر مع ابن عفيصان([54]).
أما شيخ علكم أحمد بن حامد ، فقد انضم
إلى من كان بالقصر يرافقه محمد بن زايد من قصير علكم([55])، ومحمد بن
أحمد بن يحيى .
أما شيخ بني مغيد المدعو علي بن محمد
بن مشيبه يرافقه أحد عشر نائباً من نواب قبيلة بني مغيد، وانضم مع من كان بالقصر ،
ومن ضمنهم الشيخ عبدالله بن أحمد بن مفرح. وقد تواجدت أنا – عبدالله بن إلياس – من
ضمنهم بالقصر ، وأغلق القصر على من فيه ، وصار المدفع بعد كل عصر يرمي شدا من جبل
شمسان، والرشاش يرمي من بيت دابدة زوجة علي الصنعاني،والأخرى ترمي من منزل محمد
الراقدي في الربوع.
واستمر الحصار من 25 [ من ] صفر حتى 12
[ من ] ربيع الأول ، ثم قدمت السرية من
الرياض تحت قيادة مترك بن عشق بن شفلوت يرافقه في تلك الحملة محمد بن سعد ابن
جيفان ، ولدى وصولها إلى الخميس هربت سرية الشريف الحسين تحت قيادة الشريف راجح ،
وعبدالمعين السالف الذكر منهما ومن معهما ليلاً ، ومن ضمنهم أسرة آل عائض بدون
قتال ، ودخلت السرية أبها ، وفتح القصر بنصر من الله تعالى ؛ وذلك بحسن نوايا
الملك عبدالعزيز يرحمه الله تعالى.
وفي أواخر شهر ربيع الأول عام 1341هـ
توفي سعد بن عفيصان – رحمه الله – وبعد دفنه ليلا قام كل([56]) من محمد بن
دليم ، وعلي بن محمد بن مشيبه ، وأحمد بن حامد، وعبدالله بن أحمد ، وأنا – عبدالله
بن إلياس – واتفقنا على تكليف محمد بن سعد بن جيفان بالقيام بأعمال الإمارة ،
وبالفعل حضرنا في قصر شدا، فاعتذر المذكور
بقوله : إنه كان [ في ] مجيئه مرافقاً([57]) للسرية ، ولا
يمكن أن يقبل القيام بأعمال الإمارة إلا بأمر من الإمام عبدالعزيز– طيب الله ثراه–
وفي تلك اللحظة قام محمد بن دليم وطلب منه أن يقوم بأعمال الإمارة ، والتزم([58])له
محمد بأنه المسؤول فيما ذكر قائلا له: إن قصدنا نرفع للإمام التعزية في سعد بن عفيصان
، ونخبره بما حصل ، وعلى كلِّ حال فالأمر لله، ثم لإمام المسلمين.
وعند ذلك ، وبعد إعطائه تعهداً([59])
من ابن دليم ، وشهادتنا – [نحن] الحاضرين –وافق على القيام بأعمال الإمارة حتى
يصدر الأمر الأخير ، وطلبنا منه قيام أحد (أخوياه) بحمل رسالتنا إلى الملك عبدالعزيز.
وقد قام بأعمال الإمارة حتى آخر جمادى
الآخرة([60]) ،
حيث وصل عبدالعزيز بن إبراهيم أميراً معيناً لإمارة عسير في أول يوم [ من ] شهر
رجب عام 1341هـ.
ومن نفس العام ، وصلت السرية تحت قيادة
عبدالرحمن بن سعيد ، ورابطت في حجلاء بهدف الاستطلاع عن بعض الأشياء بموجب
التعليمات الخفية التي كان يحملها القائد المذكور، وذلك في عهد إمارة عبدالعزيز بن
إبراهيم.
وفي شهر محرم عام 1342هـ ، وعلى ما حصل
من كسيرة راجح بن عرفج وعبدالمعين ومن معهم من السرية ، ووصول آل عائض إلى القنفذة
، لم يعد الشريف الحسين يصرف لهم شيئا([61]) يقوم بتأمين
معيشتهم ، على ذلك طلبوا في وصول أحمد ابن محيي من سكان السقى ، وقد وصل المذكور
إلى القنفذة ، ثم كتب حسن بن علي ابن عائض معه رسائل إلى كلٍ([62])
من ابن دليم ، وسعيد بن مشيط ، والثالثة للأمير عبـدالعزيز بن إبراهيم يطلبون
عودتهم إلى بلاد عسير([63]) .
وقد وصل أحمد بن محيي برسائل لآل عائض
إلى المذكورين ، فلبوا الطلب ، ورافقوا المذكور ، وقابلوا الأمير عبدالعزيز بن
إبراهيم ، فرحب بطلبهم على أن يكون وصولهم إلى بلدهم آمنين ، وفي حالة ما يطلبهم
الملك عبدالعزيز – رحمه الله – فـإنه يجب عليهم السمع والطاعة ؛ حيث يكون وفودهم إلى إمام عادل ،
وقد وافقوا على ذلك([64]).
وعند وصولهم قام الأمير عبدالعزيز بما
يجب اتخاذه من إكرامهم.
وبعد تداول الآراء اتفقوا على أن
يذهبوا([65])
بدون طلب ، وعلى أن يرافقهم كلُُّ([66])
من محمد بن دليم ، وعلي بن مشيبه ، وعبدالله بن أحمد بن مفرح ، ومرافق مندوب من الإمارة ، وهو صالح آل جبر.
وقد توجهوا إلى الرياض ، وهذه هي الحقيقة.
وفي شهر رجب من نفس العام عُزِل الأمير
عبدالعزيز بن إبراهيم ، ووصل خلفاً عنه الأمير عبدالله بن إبراهيم بن عسكر أميراً
للمنطقة ، وكان يحمل معه الأمر الكريم بتعيين الشيخ عبدالوهاب أبو ملحة وكيلاً
للمالية ، من أجل ما ارتآه جلالة مولاي الملك عبدالعزيز من المصلحة ، والأمر الآخر
باسمي أنا – عبدالله بن إلياس – بأن أكون مديراً مسؤولاً في أعمال مالية أبها ،
وما يتبعها من المراكز.
وفي أثناء إمارته ، وفي شهر جمادى
الأولى عام 1343هـ وصل الأمر بتوجه (غزوان عسير) كلٍّ([67])من قبائل عسير
الأربع ، وقحطان الحاضرة ، ورجال الحجر – إلى حدود بني عمرو [و] غزو قبائل شهران ، الذي يبلغ عدد الكل 2500
غاز([68])،
ثم جهزت الغزوان المذكورة بما يلزم لهم من (التزهيب) ([69])
اللازم. وقد تلقيت أنا– عبدالله بن إلياس – الأوامر في إرسال الطلبات من القهوة، والغنم ، والدهن ، والحبوب
كالشعير على ما قدم من الأوامر، وعلى أن يكون إرسال الطلبات مع مستنداتها إلى
عبدالله الشبيلي (أبو حماد) وحيث لم يكن آنذاك من الأشياء المطلوبة([70])
طبع الأوامر ، مما أوجب الحال إرسال كل أمر مع بيانات أنواع الإرسالية ، وذلك إلى
عبدالله الشبيلي.
وفي شهر ربيع الأول 1343هـ وقع زحف
الجيوش السعودية المنصورة لغزو الطائف. وقد سقطت الطائف ، واستمرت الجيوش حتى وصلت
إلى الرغامة. وفي أثناء ذلك توجه الشيخ عبدالوهاب أبو ملحة يرافقه محمد آل أحمد
العسكر، ومن معهما من الأخويا، إلى محايل وبارق لاستحصال الجهاز النقدي.
وفي عام 1344هـ : وفي هذا العام ، مشيت أنا –