جذور الثقافة والفكر لدى الملك عبدالعزيز :
ولد الملك عبدالعزيز في الرياض ، ليلة العاشر من شهر ذي
الحجة عام 1293هـ / 1876م على الراجح من الأقوال ، ونشأ وترعرع بين ظهراني أسرة
عريقة في المجد والسؤدد ، ومتسنمة لذرى الشرف والنبل ، ومشرئبة صعداً في سماء
القيم والمثل العليا، ولها الحظ الوافر من الدين والعلم والفضل والكرم ، والالتزام
بأحكام الشريعة الغراء ، ومؤازرة للدعوة إلى العقيدة الصحيحة التي جدد الدعوة
إليها العالم الجليل الإمام الشيخ محمد بن عبدالوهاب رحمه الله، ولا غرو في ذلك
فأبوه الإمام عبدالرحمن بن فيصل آل سعود([1]) ، وأمه من خيرة النساء ديناً
وعقلاً وأصلاً([2])، وقد فتح الملك
عبدالعزيز عينيه في هذه البيئة التي يفوح أريجها بالأمجاد ، والصور الرائعة من
البطولة والفروسية ، والقيم الإسلامية ، والشيم العربية الأصيلة ، وكان لهذه
البيئة الأثر الواضح في مسيرة صقر الجزيرة ، حيث عني به والده منذ نعومة أظفاره ،
وكذلك والدته كان لها فضل كبير في توجيهه إلى أن توفيت عام 1327هـ رحمها الله([3])، وفي وقت مبكر عهد
به والده إلى من يتولى تعليمه، إذ تتلمذ وهو في السادسة من عمره على شيخ من أهل
الخرج، كان مقيماً في الرياض، وهو القاضي الشيخ عبدالله الخرجي، فدرس عليه مبادئ
القراءة والكتابة ، وواصل معه قراءة القرآن، وحفظ بعض سوره ، غير أنه أراد أن ينهل
من معين القرآن ما يروي عطشه ، وحصل له ذلك حين تيسر له قراءة القرآن، وختمه على
الشيخ محمد بن مرحوم المعروف بابن مصيبيح([4]) .
وقد اضطرته ظروف نشأته إلى أن يعيش " حياة البادية
ويجاري أبناءها في احتمال مكـاره العيش والصبر على الظمأ والجوع والتعب، وافترش
الأرض، والتحف السماء"([5])، كما اتجه إلى
الفروسية ، ومشاركة والده في شؤون الحكم؛ إذ وجد " نفسه في مقتبل عمره يدخل
في المفاوضات ، ويقوم بالسفارات ، ويألف خشونة الحياة، ويختبر تقلبات الزمن وطباع
الناس "([6])، وقد تطلع في ريعان
شبابه إلى إعادة ملك آبائه وأجداده، واقتضاه هذا الأمر حروباً عديدة ، انتهت
بالنصر المؤزر، وقيام الكيان الكبير المملكة العربية السعودية دولة فتية قوية
البنيان راسخة الأركان .
وعلى الرغم من ظروف النشأة التي صاحبت كفاح الملك
عبدالعزيز ونضاله في إرساء دعائم الدولة ، إلا أن هاجس التزود من المعرفة والثقافة
ظل شغله الشاغل ، ويمكن للباحث المتأمل أدراك أن مسيرة التجربة الثقافيــة
والفكرية لدى الملك عبدالعزيز – رحمه الله – كانت ذات صلة وشيجة بالبيئة التي نشأ
فيها حيث أمضى مدة من عمره يستنير بتوجيهات والده الإمام عبدالرحمن بن فيصل الذي
يعد شخصية مرموقة في الأسرة يتمتع بصفات قيادية وخبرة ، ومزاولة بصيرة بشؤون الحكم
والقيادة ، إلى جانب الفقه والعلم بأحوال العرب وتاريخهم ، وقد عركته تقلبات
الأحوال والفتن ، وظل في خضمها شامخ الرأس ، صلب العود ، قوي البأس ، معتزاً بدينه
وعروبته ، وما يتمتع به من قيم ومثل عليا ، جعلته في أحلك الظروف يأبى عرض الدولة
العثمانية في مدِّ يد المساعدة ، كما رفض اللجوء إلى الحماية البريطانية ، وفي
معترك الأحداث وتقلباتها اتجه الأب الرائد المصلح إلى العناية بأبنائه وتوجيههم
التوجيه السديد ، وأذكى فيهم عبق تاريخ أبائهم وأجدادهم ، وما يحفل به من أمجاد ،
وبرز منهم ابنه البار عبدالعزيز الذي لمح فيه والده مخايل النجابة ، وحب المغامرة
، وروح الفداء ، والاعتزاز بدينه وعقيدته ، وماضيه التليد مع التطلع إلى المستقبل
المجيد ، فسلمه دفة القيادة ، واستطاع – بتوفيق الله – أن يقود السفينة ويرسو بها
في بر الأمان والرقي والحضارة، وقد درج آباؤه على بث الوعي بين أبنائهم ، كما
حرصوا على التزود من المعرفة والثقافة والفكر عن طريق مجالسة العلماء ، والإفادة
من علمهم ، والقراءة الراتبة في كتب العقيدة والعلوم الشرعية من خلال المجالس
اليومية التي تعقد خصيصاً لذلك ، وهذا المنهج توارثه الآباء عن الأجداد في الأسرة
السعودية الحاكمة، وكان من بينهم من جمع بين العلم والمعرفة، والسلطان والحكم من
مثل الإمام سعود بن عبدالعزيز – رحمه الله – (1218–1229هـ) " الذي كان من
العلماء العاملين ، وعالماً في التوحيد والفقه وأصوله ، والحديث والتفسير ،
وبصيراً بحل المسائل الشرعية ، وله ذكاء غريب نادر ، لم تصرفه الغزوات المتتابعة
عن طلب العلم وتحصيل الثقافة ، بل كان يعطي كلاً من العلم والجهاد ما يستحق من
الاهتمام "([7])، وقد وضع الملك
عبدالعزيز هذا النهج القويم نصب عينيه ، فحرص على أن يثقف نفسه بنفسه ، وينهل من
موارد العلم والمعرفة والثقافة على اختلاف صنوفها ، جالس العلماء ، وأفاد من علمهم
، وقرأ الكتب المفيدة ، واتخذ مجالس راتبة يومية للقراءة ، وخالط أهل الرأي
والحنكة والمشورة والفكر النير ، والدهاء والحكمة ، واجتمع في شخصه صفوة ما في ذلك
كله ، وتظافرت عوامل عديدة على تكوين شخصيته الثقافية والفكرية ، ولم يقتصر في ذلك
على منبع واحد ، أو مدرسة بعينها ، ولكنه فتح لنفسه مجالاً رحباً للتلقي من منابع
عديدة ، تتلاءم مع حبه الطبعي للاستطلاع ، وميله الفطري إلى المعرفة، مما جعله
يتخذ نهجاً خاصاً منظماً يتفق مع وقته وأعبائه الجسام ، والتزم به ، على الرغم مما
يثقل كاهله من مهام بناء كيان الدولة ومسؤولياتها، ويمكن أن نلقي الضوء على أهم
معالم الثقافة والفكر وأسسها ومنابعها لدى الملك عبدالعزيز – رحمه الله – فيما
يأتي :
أولاً : أسس الثقافة والفكر ومنابعها :
تعددت الأسس والمنابع التي كان لها تأثير واضح في تكوين
شخصية الملك عبدالعزيز الثقافية والفكرية كما مر معنا، ويمكن أن نتبينها فيما يأتي
:
أ– القرآن الكريم والعناية به :
نشأ الملك عبدالعزيز في بيت يحرص على تلاوة القرآن
وحفظه وتدبره ، والالتزام بهديه وتوجيهاته وأحكامه ، فلا غرابة إذن أن يتجه في
مقتبل العمر وهو لم يتجاوز الخامسة عشرة إلى بعض المشايخ المؤهلين لتعليم
المتعطشين إلى قراءة كتاب الله وحفظه على الوجه الصحيح ، وتشير بعض المصادر إلى
شيخين توليا مهمة تعليمه القرآن، وهما الشيخ عبدالله بن محمد الخرجي من أهل الخرج
، ويبدو أنه من العلماء المعروفين في زمنه، فقد تردد اسمه في كتاب مشاهير علماء
نجد وغيرهم ، وعده المؤلف من تلاميذ الشيخ عبداللطيف بن الشيخ عبدالرحمن بن حسن بن
شيخ الإسلام محمد بن عبدالوهاب([8]) ، وأشار في موضع آخر
إلى أن الشيخ حسين بن الشيخ حسن آل الشيخ تتلمذ عليه ، وكذلك الشيخ صالح بن
عبدالعزيز بن الشيخ عبدالرحمن بن الشيخ حسن ابن شيخ الإسلام الذي تولى قضاء الرياض
عام 1337هـ([9]). أما الشيخ الآخر
فهو محمد ابن مصيبيح، وقد قرأ عليه القرآن كاملاً ، وبقي على صلة دائمة بكتاب الله
قراءة وتدبراً طول حياته ، بل كان يخصص وقتاً محدداً كل يوم لتلاوة القرآن([10])، وفي جوف الليل ،
حيث صفاء المناجاة لله ، كان الملك عبدالعزيز قد درج على أن يستيقظ كل ليلة قبل
الفجر بنحو ساعة يتهجد ، ويتلو كتاب الله بخشوع وتدبر ، ويتفاعل مع ما يتلوه ، ويتأثر
به إلى حالة يسمع له فيها بكاء ونشيج ، لما يمر به من آيات الترغيب والترهيب ،
ويستمر على ذلك إلى أن يؤذن الفجر([11]) .
وله ورد معروف طبع مراراً ، ويشتمل على أدعية من الكتاب
والسنة ، وهذه الصلة الوثيقة بكتاب الله لم تنقطع مع ما يكتنفه من مشاغل، ومن كثرة
أسفار وترحال؛ إذ في غمرة ذلك يضع العناية بكتاب الله نصب عينيه ، فقد درج على أن
يصطحب معه في أسفاره بعض القراء لتلاوة القرآن في الحل وفي أثناء السير لتوثيق
الصلة بكتاب الله ، وتدبر معانيه، والاستئناس به في وحشة السفر ، والتحصن بآياته
من وعثاء السفر وأهواله ، ويشير إلى ذلك بوضوح ما حكاه الأستاذ يوسف ياسين في
الرحلة الملكية حين وصف نظام يوم كامل من أيام الملك عبدالعزيز في رحلته من الرياض
إلى مكة عام 1342هـ . حين قال متحدثاً من بداية الرحيل في الليل: ( وما هي إلا نصف
ساعة حتى تسير حملة المؤن وأمامها العلم وبجانبه راكب يحمل قنديلاً ، يهتدي
المدلجون على نوره، ثم يركب السلطان ومن معه حتى إذا استووا على رواحلهم ينادي
السلطان (العجيري)، فيردد الخدم النداء حتى يسمع المنادي، فيقبل وإذْ ذاك تسمع من
الشيخ العجيري طائفة من الذكر الحكيم بصوته الجهوري ، بترتيل تكاد تعد منه حروفه،
وهو يلاحظ المعنى الذي تفيده الآية ، ويشعر به فإذا كان الكلام وعيداً رجف صوته ،
وإذا كان وعداً برقت أسارير وجه ، ويظل في تلاوته حتى يأتي وقت صلاة الفجر ، فيؤذن
ونحن ركوب ، فإذا انتهى المؤذن من أذانه أنخنا ، حيث انتهى بنا السير فتقام الصلاة
ونصلي جماعة ، فإذا صلى السلطان ، وشرب القهوة ، ركبنا حتى إذا سرنا نادى السلطان
( ابن الشيخ) ، فيجيب ، ويأخذ في تلاوة طائفة من القرآن بصوت يحدث في النفس كثيراً
من الخشوع والخشية ، وإذا وضح الفجر أمر السلطان فسكت القارئ ، وإذ ذاك ينفرد
جلالته بنفسه يتلو حزباً فيه أدعية مأثورة أكثرها مأخوذة من القرآن الكريم ، أو
مروي في الأحاديث الصحيحة) ([12]) .
على أن هذه العناية الفائقة بكتاب الله قراءة وتدبراً
كان لها أثر واضح في حياة الملك عبدالعزيز وتكوينه الثقافي ، فقد أفاد من هذه
الصحبة الدائمة لكتاب الله معاني وتوجيهات سديدة ، استقرت في أعماق نفسه ، وظهرت
آثارها في سلوكه وتعامله ونهجه في الحكم ، وكان له بذلك نبع ثرّ يستقي منه في خطبه
وأحاديثه وتوجيهاته العامة والخاصة .
ب– مجالس العلم والعلماء :
من يتأمل تاريخ الدولة السعودية ابتداء من دعوة الشيخ
محمد بن عبدالوهاب يدرك أن الصلة قوية بين العلماء وحكام الدولة السعودية في
أدوارها التاريخية ، منذ أن استقر الشيخ محمد بن عبدالوهاب في الدرعية ، ووجد
المؤازرة والتأييد في مسيرة الدعوة إلى الله والإصلاح من الأمير محمد بن سعود –
رحمه الله – حيث تبايعا على أن يعملا في سبيل الدعوة الإصلاحية ونشرها بكل ما
يستطيعان من الوسائل ، وكان ذلك سنة 1157هـ/1744م .
وعلى هذا الأساس قامت دولة جديدة في المنطقة هي الدولة
السعودية الأولى([13])، ومنذ ذلك الحين
ومروراً بعهد الملك عبدالعزيز وإلى عصرنا الحاضر درج حكام الدولة السعودية على
توثيق الصلة بالعلم والعلماء والجلوس إليهم، والإفادة من علمهم. ومن هذا المنطلق
نجد الملك عبدالعزيز – رحمه الله – يحرص على مجالسة العلماء ، ويتلقى عنهم العلوم
الشرعية ، وغيرها من العلوم المفيدة ، ويستشيرهم دائماً فيما يصلح شأنه وشأن رعيته
، ويرجع إليهم فيما يستشكله من مسائل وقضايا تتصل بأمور الدين والدنيا بقصد الوقوف
على النهج الصحيح في معالجة تلك الأمور والقضايا على أساس من هدى كتاب الله وسنة
رسوله ، وأقوال السلف الصالح ، انطلاقاً من نهجه القويم في التمسك بهدى الإسلام،
وأفقه الواسع، وسمو أهدافه ، فلا غرابة إذن أن تكون صلته بالعلم والعلماء على أوسع
نطاق ، وأن يحرص على الاستفادة القصوى مما لديهم من علم نافع في مجال التعليم
وتوجيه الناس ، ونشر الدعوة السلفية ، وكان يحرص على توجيهاتهم ، ويدرك ما لهم من
تأثير ومكانة في أداء رسالتهم نحو المجتمع ، ويظهر ذلك واضحاً من خلال رسائله إلى
بعض زعماء القبائل أو إلى طلبة العلم، فقد بعث رسالة إلى فيصل الدويش مؤرخة في 16
شوال 1339هـ جاء فيها قوله: ( وليس هناك من أحد يدعي أنه يطيع الله إلا الذي تظهر
عليه إشارات الحق والخير بتقديم العلم وأهله ، وأنت يا أخي لا تهتم لأحد في هذا
الأمر. الأول : يكون عندك معلوم أن صاحب الحق منصور إن شاء الله، وما قمت به تريد
به النجاة عند ربك ، وامتثال أمر علماء المسلمين. الثاني : اذكر وصاياي لك دائماً
كلما قابلتك ، واعرف أن من أحبك في دين الله تراه ما ينصحك إلا بقوله قدم الشريعة
، واسأل أهل العلم وعاضدهم ... ) إلى أن يقول: ( إذا أردت أن تعرف قلبي وقالبي ،
وما أنا عليه ، وما أنا فاعله ، فمثل ما عرَّفتك سابقاً ولا حقاً ، فأنا خادم لأهل
العلم ، والله بحوله وقوته – إن شاء الله – لأمضي ما قالوا ، وأحب ما أحبوا ، وأبغض ما أبغضوا ،
وأمضي أمرهم على نفسي وعيالي) ([14])، وكان يطلب من العلماء أن يتولوا
رعاية طلاب العلم ، ويقوموا بتبصيرهم للسير على النهج القويم في تحصيل العلم ،
بحيث لا يكون مصدر التحصيل مقتصراً على ما في بطون الكتب بعيداً عن توجيه العلماء
وتسديدهم ، ويتضح ذلك من الرسالة التي بعثها إلى بعض علماء المسلمين في يوم 18/ ذو
القعدة عام 1340هـ/ 1921م ، ونصها: " من عبدالعزيز بن عبدالرحمن الفيصل إلى
من يراه من علماء المسلمين سلمهم الله تعالى آمين .
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته . وبعد ذلك أدام الله
لنا وجودكم ووفقنا وإياكم لما يحبه ويرضاه . بعده سلمكم الله . من قِبَل بعض
الإخوان يذكر لي أنهم يجتمعون ويأخذون لهم بعض كتب الحديث مثل مجموعة الحديث ،
ومثل رسائل المشايخ ، ومثل هذه الكتب حقُّ ، ما فيها شك، ومثل مجموعة التوحيد
وأشباه ذلك ، وفي اجتماعاتهم يقرأونها ولا عندهم طالب علم ، وأحببت أنهم يراجعونكم
في ذلك ، لتفتوهم بما ينفعهم الله به إن شاء الله . نرجو الله أن يوفقنا وإياكم
وإياهم للصواب آمين) ([15]) .
ولا شك أن هذا التوجيه الذي اشتملت عليه الرسالة يعد
لفتة تربوية ، ترسم النهج الأمثل لتحصيل العلم بالنسبة للشداة من الطلاب المبتدئين
الذين يحتاجون إلى إشراف العلماء وتوجيهاتهم إلى جانب القراءة في الكتب ، إذ لو
اقتصر الأمر على الأخذ عن الكتب فقط ربما أدى ذلك إلى خلل في فهم النصوص ، وأقوال
أهل العلم ، وحملها على غير وجهها الصحيح ، مما يؤدي إلى محاذير ومشكلات وأخطاء لا
تحمد عقباها على الطلاب أنفسهم ، وعلى من قد يتطلع إلى ما يتفوهون به بحسب فهمهم.
وقد أدرك خطورة هذا المسلك علماؤنا الأوائل ، إذْ أثر عن الإمام الشافعي أنه قال
:" من تفقه من بطون الكتب ضيّع الأحكام"، وكان بعضهم يقول : ( من أعظم
البلية تشيّخ الصحيفة ... أي: الذين تعلموا من الصحف) ([16])، ومن المؤكد أن هذا
المسلك في تقدير العلم والعلماء ، والعناية بهم كان نصب عيني الملك عبدالعزيز
دائماً ، مما جعله يحرص في وقت مبكر من سني حياته ، وإلى آخر لحظة على مجالسة
العلماء ، والإفادة من علمهم ، وبدأ مشواره هذا منذ أن تلمذ على عدد من علماء أسرة
عريقة في العلم والفضل، وهي أسرة آل الشيخ ، التي ارتبط تاريخها بتاريخ أسرة آل
سعود ، تآزراً وتكاتفاً وتعاوناً ومصاهرة منذ معاهدة الدرعية التاريخية بين الإمام
محمد بن سعود وشيخ الإسلام والداعية المجدد الشيخ محمد بن عبدالوهاب ، واستمرت هذه
الصلة المباركة تؤتي ثمارها بين أحفاده وبين من تولى الحكم من أبناء أسرة المجد
والحكم في الدولة السعودية ، ومنهم الملك عبدالعزيز الذي تشير بعض المصادر إلى أن
أباه قد وضعه منذ طفولته تحت رعاية الشيخ عبدالله بن عبداللطيف([17]) ، الذي أعد كراسة
صغيرة خصيصاً للأمير ، فيها معلومات موجزة وميسرة في أصول الفقه والتوحيد([18]) ، وقد توثقت الصلة
بينه وبين الشيخ بعد استعادة الرياض في الخامس من شهر شوال عام 1319هـ ، حيث بايعه
الشيخ عبدالله وهو جد الملك فيصل رحمهم الله جميعاً وكان الملك عبدالعزيز يأتي
إليه في داره ويحضر دروسه ، ولا يخرج عن رأيه ومشورته في جميع مسائل العلم والدين([19]) ، وظل يحتفظ لهذا
الشيخ الجليل بمنزلة كبيرة في نفسه ، إبان حياته، وبعد أن توفي الشيخ سنة ألف
وثلاثمائة وتسع وثلاثين ، ولا غرو فالشيخ عبدالله يعد واحداً من أشهر علماء نجد ،
وله أثر واضح في نشر العلم بين طلابه في الرياض ، منذ أن عاد إليها عام 1309هـ ،
حيث كان منزله ملتقى أفئدة طلاب العلم ومحبيه ، إذ يجدون من علمه الغزير في مجال
العلوم الشرعية ما يشبع نهمهم . كما يجدون في مكتبته العامرة ما يلبي حاجتهم من
المصادر والكتب القيمة في العلوم الشرعية وغيرها، وتعد مكتبته من أبرز المكتبات
الشخصية في مدينة الرياض ، وهي أشبه ما تكون بمكتبة عامة ، يستفيد منها طلاب العلم
والمعرفة ، ويلتقي فيها العلماء ، وكانت داره عامرة بالضيوف الذين يفدون إليه من
نواحي الرياض ونجد والخليج العربي ، وكان الملك عبدالعزيز يشهد هذه اللقاءات ويفيد
منها ، وقد تحدث عن هذه المناقب وغيرها الشيخ عبدالرحمن آل الشيخ في كتابه مشاهير
علماء نجد ، ومما جاء عنده ، ندرك أن الشيخ عبدالله كان مدرسة تشع العلم والمعرفة
، وتربي الأجيال ، فحين ترجم له قال : (فاستمر في نشر العلم وبث الدعوة ، وإكرام
العاني والوافد ، فكانت داره الواسعة المعروفة في حي دخنة بالرياض عامرة بقراءة
كتب الحديث والفقه والتوحيد والتفسير ، فتخرج به أفواج من العلماء شغلوا مناصب
القضاء ، وقاموا بواجب الدعوة إلى الله ، والإرشاد وتدريس العلم) ([20]) .
وشارك الشيخ مع الملك عبدالعزيز في أعمال مهمة وجليلة
في تكوين الهجر ، واختيار الدعاة والمرشدين لها ، ومن ثم تأسست حركة الإخوان التي
كانت عماد الملك عبدالعزيز في تأسيس مملكته([21]) ، ويؤكد ذلك ما أشار إليه الشيخ
عبدالرحمن في ترجمة الشيخ عبدالله حين قال : (وقد أقبلت بوادي الأعراب من أهل نجد
في زمنه – رحمه الله– على الدين ، وقراءة القرآن وتعلم واجبات الإسلام ، وسكنوا
الهجر وسموا بالأخوان، والفضل بعد الله في هدايتهم وجمع كلمتهم يرجع إلى اهتمام
الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود بأمور الدين ، ثم إلى إخلاص الشيخ عبدالله ،
وحسن اختياره للدعاة والمرشدين من أهل العلم الذين وكل إليهم جلالة الملك
عبدالعزيز آل سعود – رحمه الله – أمر اختيارهم وابتعاثهم إلى بوادي الأعراب) ([22]) .
وثم مجموعة كبيرة من العلماء الأفاضل الذين عرفوا
بغزارة علمهم ، ونقاء سريرتهم وصفاء عقيدتهم من أسرة آل الشيخ وغيرهم ، كان الملك
عبدالعزيز يجلس إليهم ، ويعدهم مرجعاً له في الأمور الشرعية ، ويستشيرهم ، ويتبادل
معهم الأفكار والرسائل فيما يعود عليه وعلى مجتمعه ورعيته بالخير والفلاح . وكان
من عادته أن يلتقيهم كل خميس من كل أسبوع في جلسة عامة مفتوحة في قصره لهذا الغرض
، أو يجتمع ببعضهم على انفراد ، أو يقصدهم في دورهم للإفادة من علمهم ، فيما يعن
له من أمور ومسائل تحتاج إلى بيان وإيضاح من أهل العلم والفقه ، والرأي السديد .
وكان العلماء الذين يحضرون مجلسه يستعدون لهذا المجلس
بالمطالعة والقراءة في المصادر قبل حضوره ، وذلك لمواجهة ما قد يطرح فيه من مسائل
فقهية وشرعية ، يطرحها بعض الحاضرين ، أو يطرحها الملك عبدالعزيز نفسه لمعرفة موقف
الإسلام والشرع منها([23]) ، ولم يتردد الملك
عبدالعزيز في استشارة العلماء ، والاسترشاد بما عندهم في جل ما يعرض له ، وتجلى
ذلك بشكل واضح في مجلس الشورى ، الذي وضع قواعده ، وكان يضم نخبة من فضلاء أهل
العلم والعلماء والرأي السديد ، وقد أورد الأستاذ عبدالرحمن الرويشد أسماء عدد من
هؤلاء العلماء ، وهم :
الشيخ عبدالله بن عبداللطيف آل الشيخ ، والشيخ إبراهيم
بن عبداللطيف آل الشيخ، والشيخ عمر بن عبداللطيف آل الشيخ ، والشيخ محمد بن
عبداللطيف آل الشيخ ، والشيخ عبدالرحمن بن عبداللطيف آل الشيخ ، والشيخ محمد بن
إبراهيم آل الشيخ، والشيخ عبدالله بن حسن آل الشيخ ، والشيخ عمر بن حسن آل الشيخ ،
والشيخ حمد بن فارس ، والشيخ سعد بن عتيق ، والشيخ عبدالله العنقري ، والشيخ
سليمان بن سحمان ، والشيخ عمر بن سليم ، والشيخ محمد حجازي ، والشيخ عبدالعزيز
الشقري ، والشيخ فيصل بن مبارك ، والشيخ عبدالله بن زاحم ، والشيخ محمد نصيف ،
والشيخ عبدالرحمن بن داود ، والشيخ عبدالعزيز بن عبداللطيف والشيخ عيسى بن عكاس ،
والشيخ محمد بن عبدالقادر ، والشيخ محمد الملا ، والشيخ علي بن عيسى ، والشيخ صالح
العثمان ، وغيرهم من العلماء([24]).
وقد وجد هؤلاء العلماء التشجيع والمؤازرة من الملك عبدالعزيز
لأداء رسالتهم في تنوير الناس، وتبصيرهم بأمور دينهم ودنياهم ، وهو أمر ليس بغريب
، إذ يعد ذلك امتداداً لما سار عليه آباؤه وأجداده من دعم وتأييد لدعوة التوحيد
التي رفع لواءها الشيخ محمد بن عبدالوهاب، واستمرت هذه الصلة وثيقة من الأجداد إلى
الأحفاد ، ولها أثر واضح في الإسهام بقدر كبير في بناء كيان الدولة ، ونشر رايات
العلم والمعرفة في أرجائها ، بفضل الله ، ثم بفضل علو همة الملك عبدالعزيز وإخلاصه
في تحقيق أهدافه السامية لبناء دولة عصرية ، وكان من أبرزها التوجيه السديد لقضايا
الإصلاح والتجديد التي اضطر بعضها الملك عبدالعزيز إلى أن يدخل في نقاش هادئ حكيم
مع بعض الأطراف المعنيـــة من الإخـــوان والمشايخ بشــأن استعمال بعض الآلات
الحديثــة كـ (اللاسلكي) و (التلفون) والسيارات ، واستعمال الخبراء الأجانب في
أعمال التنقيب عن النفط، وكان نهجه في تناول مثل هذه القضايا وغيرها يتمثل في
مدارستها ، والتباحث بشأنها ، والتشاور مع العلماء بقصد الوصول فيها إلى وجه
الصواب ، وإقناع من يتطلب الأمر إقناعه على أساس من العلم الصحيح المبني على كتاب
الله وسنة رسوله .
والملك عبدالعزيز – كما قال الأستاذ/ عبدالعزيز
التويجري –: (قادر على أن يحاور مصدر كل اجتهاد له موقف منه ، ولا يملي عليه مجتهد
رأياً وإن كان من أحد العلماء إذا كان رأياً واجتهاداً خالصاً لا يستند إلى أصل في
الشريعة ، فهو لم يكن أمعة ، بل رجل دين ودولة، والثقة بينه وبين علماء البلاد
ثابتة على قواعد صلبة من الولاء والدين) ([25]).
ويبرز الأستاذ الزركلي تلك المكانة والمنزلة العالية
للعلماء عند الملك عبدالعزيز إلى جانب الإفصاح عن نهجه في التعامل معهم ، وذلك حين
قال : ( كان لعلماء الدين المقام الأول عند الملك عبدالعزيز يقدمهم على إخوانه
وأبنائه ، وكبار جلسائه ، ويصغى إلى آرائهم ، ويبالغ في إكرامهم ، وقل أن يجادلهم
في أمر يرون فيه ما لا يرى قبل أن يفسح المجال لهم للمناقشة فيه فيما بينهم ، فإن
انفرد بعضهم أو أحدهم بما يوافق رأيه ، لم يعمل في الأخذ بما قال ، وتريث إلى أن
يَقْتَنع الآخرون ...) ([26]) .
ولا بد من الإشارة إلى أن الملك عبدالعزيز قد وسع دائرة
صلته بالعلماء داخل بلاده وخارجها ، وذكر الأستاذ عبدالرحمن الرويشد أسماء مجموعة
من علماء المسلمين ينتمون إلى أقطار إسلامية عديدة ، وكانوا محل التقدير يفيد من
علمهم ، ويتداول معهم في بعض القضايا التي تهم الإسلام والمسلمين ، كما اختار بعضهم
مستشارين له ومن أشهرهم الشيخ عبدالمجيد سليم شيخ الأزهر ، والشيخ علال الفاسي في
المغرب، والشيخ رشيد رضا صاحب مجلة المنار في مصر ، والشيخ بهجت البيطار من الشام
، والشيخ حامد الفقي من مصر ، والشيخ عبدالعزيز بن راشد من الكويت، والشيخ عبدالله
بن محمود من الشارقة ، والأمير شكيب أرسلان من لبنان ، والشيخ حافظ وهبة من مصر ،
والشيخ يوسف ياسين من سوريا ، والشيخ فؤاد حمزة من لبنان، وغيرهم([27])، وقد أدرك الملك
عبدالعزيز – رحمه الله – مكانة هؤلاء العلماء من داخل بلاده وخارجها ، ومالهم من
تأثير فعال في التوجيه السليم المبني على أساس من توجيهات الإسلام وتعاليمه السمحة
، انطلاقاً من إحساسه العميق بروح الإسلام وتمثله لهذه الروح قولاً وعملاً ، وهذا
الوعي جعله يقرب منه العلماء ، والطبقة المثقفة من أبناء شعبه، ويسند إلى بعضهم
مهام التعليم والدعوة والإرشاد ، بل كان بعضهم يرافقه في الحملات الحربية إبان
حقبة تأسيس الدولة ، ولم الشمل ، واستعادة ملك آبائه وأجداده .
وقد اصطفى الملك عبدالعزيز له مجموعة من المستشارين من
جنسيات متعددة ، وهم من ذوي العلم والخبرة والحنكة ، كان يرجع إليهم ويتحاور معهم
، ويشاورهم في بعض ما يشكل عليه من الأمور ، بقصد أن يعطيها حقها من الرأي الصائب
من جهة ، ولكي يبرئ ذمته فيما يتوصل إليه من آراء وحلول ، جاءت نتيجة المشاورة مع
أهل الخبرة والرأي الحصيف، ووجد هؤلاء المستشارون في شخصية الملك عبد العزيز
وتعامله معهم بكل تقدير وإجلال ، وحرصه على الوصول إلى الحق ما جعلهم يتفاعلون مع
ما يطرحه عليهم من قضايا ، ويعملون معه بارتياح وإخلاص ساعات طويلة دون ضجر،
ويتحملون معه عناء السفر والترحال كلما اقتضى الأمر ذلك ، واسترشد بهم في أمور
عديدة تتعلق بشؤون الدولة الداخلية والخارجية ، وحسبك أن منهم مثل أخيه سمو الأمير
عبد الله بن عبد الرحمن ، وحافظ وهبة ، وخير الدين الزركلي ، وفؤاد حمزة ، ويوسف
ياسين، وغيرهم([28])، وقد كان التعامل
بينه وبين مستشاريه يقوم على أساس من التعامل الأخوي ، والمصارحة بعيداً عن التملق
، وهذا النهج محبب إلى نفس الملك عبدالعزيز، كما يبدو في موقفه من الشيخ حافظ وهبة
، الذي عمل عنده مستشاراً خاصاً في هذا إلاطار من روح المحبة والإخلاص والصدق
المتبادل ، وذلك حينما طلب منه حافظ وهبة أن يقوم التعامل بينهما على أساس
المصارحة والتعامل الأخوي فبادره الملك عبدالعزيز قائلاً: ( سأعاملك كأخ ، وإني في
حاجة إلى من يصارحني ، فإن من يطريني ويتملقني كثيرون وكثيرون جداً ، وطالما ضاق
صدري من سماع قولهم: "الشيوخ أبخص "... ) ([29]).
الثقافة الذاتية في مجالس القراءة والاطلاع العام :
التعلق بقراءة الكتب ، والاطلاع عليها مسلك حضاري ، إذ هي
معين ثر للثقافة وتحصيل المعرفة على تعدد أنواعها وصنوفها ، وتاريخ الحضارة
الإسلامية حافل بأمثلة لعلمائنا الأوائل تعطي صوراً مشرقة لوعيهم بقيمة الكتب
والعكوف على قراءتها والتهام محتوياتها ، والتسابق على اقتنائها ، والإفادة منها ،
والمبادرة في تكوين المكتبات الخاصة والعامة في حواضر الدولة الإسلامية ، وذلك
نابع من إدراكهم التام بأهمية ذلك كله في بناء صرح الحضارة، وإرساء دعائم العلم
والمعرفة .
وقد وعى ذلك أجداد الملك عبدالعزيز وآباؤه منذ قيام
الدولة السعودية الأولى؛ إذ كان الإمام محمد بن سعود وأبناؤه يحضرون حلقات درس
إمام الدعوة الشيخ محمد بن عبدالوهاب، وكان لابنه الإمام سعود مجلس قراءة مشهود ،
تقرأ فيه أمهات الكتب في التفسير ، مثل تفسير الحافظ محمد بن جرير الطبري ، وتفسير
ابن كثير ، وحضر هذا المجلس مؤرخ نجد المشهور ابن بشر ووصفه في تاريخه ، كما تحدث
عن الإمام فيصل بن تركي وحرصه هو وأبناؤه على تحصيل العلم ، واقتناء الكتب حين
قال:" وبالجملة فخوارق العادات لهذا الإمام كثيرة معلومة شهيرة بين الناس
مفهومة، وأصلح الله ذريته، وأعطاه فيهم أمنيته ، فحفظوا القرآن على صدورهم ،
ودأبوا في تحصيل التعلم في أصائلهم وبكورهم ، ولهم معرفة في العلوم الشرعية
والآثار السلفية ، وجمعوا كتاباً كثيرة بالشراء والاستكتاب من كتب الحديث والتفسير
، وكتب الأصحاب "([30]). وعلى هذا النهج سار
الملك عبدالعزيز فقد كان شغوفاً بالعلم وتحصيل المعرفة والثقافة على أيدي العلماء
كما مر معنا في فقرة سابقة ، ومن خلال الكتب وقراءتها في مجالس منتظمة يداوم على
حضورها ، ولا ينقطع عنها في حله وترحاله ، وقد تحدثت المصادر المعنية بسيرة الملك
عبدالعزيز عن هذه المجالس ، وأفاضت في وصفها([31]).
ويمكن أن نخرج من استعراضها بما يأتي :
أ– أن الملك عبدالعزيز كان مولعاً بحب القراءة والاطلاع ، ويحرص على تخصيص
جزء من وقته في حله وترحاله للقراءة في أمهات الكتب ، بل يأنس بها ولا تفارقه في
أسفاره ، ويؤكد ذلك ما حدثنا به الشيخ يوسف ياسين في الرحلة الملكية حين أشار إلى
أن السلطان كان ينادي – إذا أغذَّ الركب في السير – أحد طلاب العلم من أبناء الشيخ
ليقرأ في صحيح مسلم ، ثم يقرأ من تاريخ ابن الأثير ما يتعلق بالسيرة النبوية،
ويتكرر هذا الموقف في أثناء الرحلة بقراءة كتاب الترغيب والترهيب ، وكتاب الآداب
الشرعية لابن مفلح) ([32])، وهذا يعني أن الملك عبدالعزيز
كان يصطحب معه في سفره مجموعة من الكتب بقصد قراءتها ، والإفادة منها في قراءة
جماعية ، وأحياناً قد يختلي بنفسه للقراءة الفردية ، ويمضي الحال على هذا المنوال
طوال مدة المسير .
ب– أن الملك عبدالعزيز يتمتع
بالفطنة والذكاء ، وقوة الحافظة لاستيعاب ما يقرأه أو يسمعه ، يذكر الشيخ
عبدالعزيز بن فوزان أحد رجاله:" أن لجلالته ذاكرة عجيبة ذات مقدرة كبرى في
استيعاب الحوادث وتسجيلها ، بحيث تظل منقوشة في طياتها ، خالدة في تضاعيفها، فإذا
ما عرضت مناسبة من المناسبات لحديث يتصل بالماضي ، ويحتاج إلى استشهاد أفاض جلالته
في الحديث كأنما يقرأ من كتاب ، أو كأنه يتدفق من نهر"([33])، كما عرف عنه حسن
الإنصات والتجاوب مع ما يقرأ عليه ، والتفاعل معه بالتعليق إن لزم الأمر، أو
التباحث مع الحاضرين بشأن ما تمت قراءته في المجلس الذي كان يفتتح بالقرآن ،
وتتعدد مسارات القراءة فيه بالتنقل بين أكثر من علم في الجلسة الواحدة ، فمن قراءة
في التفسير إلى أخرى في الحديث، ثم التاريخ ، ثم الأدب والشعر، ويشير إلى ذلك وصف
الأستاذ عبدالغفور عطار لواحد من المجالس التي حضرها حين قال :" وقد حضرت هذا
المجلس العام ، كما حضرت مجلسه الآخر الذي خصص ليتعلم هو وموعده بعد صلاة المغرب ،
وهو مباح لكل راغب في حضوره، ولا يرد عنه أي قاصد ، ويقع المجلس في بهو رحيب –
ومجلسه العام الآخر مثله – وفي وسطه كرسي ومنضدة بقرب أحد الأعمدة عليها بعض
المجلدات الضخمة، وفي الدقيقة المحددة يأخذ عالم مكانه من ذلك الكرسي وظّفه الملك
ليقرأ، فيبدأ بكتاب الله عز وجل ، ويتناول أحد المجلدات فإذا هو تفسيره ، ثم يقف
القارئ ويتحدث الملك ، أو أي أحد يريد ، ويدهشك من ابن سعود قوة واعية وإدراكه
وحسن ذوقه للتفسير ، ثم ينتقل منه القارئ إلى مجلد آخر، فإذا هو في الحديث النبوي
الشريف ، ثم ينتقل إلى التاريخ ، ثم إلى الأدب والشعر، ثم يختم المجلس بدعاء موجز
يتلوه القارئ ، وإذا لم يتيسر لابن سعود الدراسة في مراحلها المعروفة فليس معنى
ذلك أنه قليل المحصول من العلوم والآداب والفنون والمعارف الإنسانية ، بل لديه
منها ذخيرة وافية نمتها عبقريته ، ومع أنّه مَلِك كثير التكاليف والتبعات فدائم
القراءة أو الاستماع، ويتصف بذاكرة قوية، وحافظة قل أن تنسى، ولهذا كان من
المثقفين، وأثر ثقافته لا يخطئه من يعرفه، أو يحضر مجلسه"([34])، ويؤكد هذا النهج
الأستاذ الزركلي في وصفه لمجلس القراءة من حيث تعدد أنواع المعارف فيما يقرأ من
كتب ، ومشاركة الملك وتفاعله معها([35]) .
جـ– أن للملك عبدالعزيز مجالس
قراءة يومية يداوم على حضورها ، وخصص لها موظفاً مهمته القراءة([36]) ، ويتم اختباره
بعناية ، لكي يقوم بهذه المهمة على الوجه المطلوب، ولابد أن تتوافر فيه أمور من
أبرزها أن يكون من حفاظ القرآن الكريم ، والعارفين باللغة العربية ، ومن ذوي
الأصوات الحسنة ، والاطلاع الجيد([37])، وكان الملك
عبدالعزيز ينصت في مثل هذه المجالس بكل عناية واهتمام وتركيز ، بل كان يستوعب ما
يقرأ عليه ، ويختزن في ذاكرته الشيء الكثير منه ، ويتلقاه بذهن واعٍ مدرك ، إذ كان
– كما يقول الأستاذ عبدالرحمن الرويشد – :" من دأبه عندما يبدأ القارئ في سرد
موضوعات الكتاب أن ينصت ويتأثر ، وربما استعاد بعض المقاطع، وقد ذكر لي أحد الذين
يحضرون مجالس الملك عبدالعزيز عندما يستحسن مقطعاً في موضوع، أو تلذ له أبيات من
الشعر ، أو يرتاح إلى حكمة تمر عليه أثناء القراءة كان يستوقف القارئ ، ويأمره بأن
يعلمّ على ذلك المقطع ، وبعد الفراغ من القراءة يأمر أحد الكتبة أن ينقل ذلك
المقطع الذي علّم عليه ، ثم يستعيده فيما بعد ، وربما حفظه شعراً كان أو نثراً ،
وكانت مكتبة الملك عبدالعزيز الخاصة تحوي مجلداً ضخماً من تلك المختارات"([38]) .
د – أن مجالس القراءة كانت تنبض
بالحيوية والمدارسة والمذاكرة ، لما يقرأ ترسيخاً له في الأذهان ، واستيضاحاً لما
يحتاج إلى بيان عن طريق تدارسه والتعليق عليه من قبل أهل العلم والمعرفة من
الحاضرين ، ويؤكد ذلك ما ذكره الزركلي في وصفه لمجلس القراءة حين قال :" وليس
من عمل القارئ أن يشرح ، أو يزيد شيئاً على تلاوة المتن ، وفي أكثر الأيام تعلق في
ذهن الملك آية يستشكل تفسيرها ، أو حديث نبوي أو موعظة أو حادثة من التاريخ تستحق
التعليق عليها ، فيتساءل أو يتحدث بما يخطر بباله في الموضوع ، ويتناول أهل
المعرفة وسواهم من الجالسين الآية ، أو الخبر تاريخياً أو أدبياً ، وربما كان
بيتاً من الشعر بتعليقاتهم ، بل كان عبدالعزيز في أعوامه الأخيرة إذا انقضى الدرس
أخرج الجلوس عن صمتهم بخبر سمعه ، وترك لهم مجال التعليق ، وقد يناقشهم ويناقشونه
"([39]) .
هـ– أن اطلاع الملك عبدالعزيز
واسع في معارف وعلوم عديدة ، شملت التفسير والحديث والتوحيد والسير والمغازي
والتاريخ والسياسة الشرعية ، والمواعظ والرقائق . والأدب والشعر ، وكان يحرض على
اختيار الكتب المفيــدة في هذه المجالات بنفسه أحياناً ، أو يسند هذا الأمر إلى
أحد العلماء المشهورين من ذوي الخبرة بالكتب ، ومنهم العالم الفقيه الشيخ حمد بن
فارس ، والعالم الأديب والحافظ الراوية الشيخ عبدالله بن أحمد العجيري ، وقد قام
الأستاذ عبدالرحمن الرويشد بإعداد ثبت يحتوي على أسماء الكتب التي كان ينتقيها
الملك عبدالعزيز ، التي كانت تتلى بين يديه مصنفة على حسب تخصصاتها ومجالاتها([40]).
ومن المفيد أن نذكرها فيما يأتي :
في التفسير : تفسير ابن جرير الطبري ، وتفسير ابن كثير ، وتفسير القرطبي .
وفي الحديث : مسند الإمام أحمد، تجريد البخاري للزبيدي، رياض الصالحين،
فضائل الإسلام، الترغيب والترهيب، سنن أبي داود .
وفي كتب التوحيد والعقائد : كتاب قرة عيون الموحدين ، كتاب فتح المجيد شرح كتاب
التوحيد ، كتاب اقتضاء الصراط المستقيم لشيخ الإسلام ابن تيمية .
كتب السير والمغازي والتاريخ : سيرة ابن هشام ، البداية والنهاية لابن كثير ، سراج
الملوك ، كتاب الكامل لابن الأثير، كتاب الروضتين لأبي شامة ، تاريخ ابن غنام،
عنوان المجد لتاريخ نجد لابن بشر ، تاريخ الخلفاء للسيوطي ، مروج الذهب في أخبار
من ذهب للمسعودي .
الكتب المتعلقة بسياسة المجتمع والسياسة الشرعية :
الأحكام
السلطانية لأبي يعلى ، السياسة الشرعية لابن تيمية ، الطرق الحكمية لابن قيم
الجوزية ، الهدي النبوي المسمى بزاد المعاد ، سياسة الملك لابن الوردي المقدمة
لابن خلدون .
في الأدب والطرائف :
روضة المحبين لابن قيم الجوزية ، الأغاني لأبي الفرج
الأصفهاني ، الإمتاع والمؤانسة ، ديوان ابن المقرب ، ديوان الحماسة لأبي تمام ،
ديوان المتنبي ، ديوان ابن مشرف، روضة العقلاء وبلغة الأدباء .
ومن كتب الوعظ والرقائق :
أهوال القبور لابن رجب ، الجواب الكافي لمن سأل عن
الدواء الشافي لابن القيم ، التخويف من النار لابن رجب ، وظائف رمضان لابن رجب ،
التذكرة لابن الجوزي .
وهذه الكتب – كما يقول الأستاذ / الرويشد – تمثل ينبوعاً فكرياً لأسس ثقافة
عبدالعزيز التي تجسدت عملياً في إدارته لشؤون الحكم والتعامل مع شعبه ومع الناس
الآخرين.
وإلى جانب ما يقرأ عليه في مجلسه من كتب كان يعنى أيضاً
بقراءة الصحف على اختلاف لغاتها ، وما كان منها بغير اللغة العربية تترجم
محتوياتها من العلوم والأخبار والأحداث ، ويتعرف من خلالها على أحوال العالم ،
ليكون على دراية بما يجري حوله، والنظر فيما يحتاج منها إلى رأي أو حكم([41]) .
وثم شاهد ما مثل للعيان على هذا التوجه الحميد الذي
ذكرته عن الملك عبدالعزيز نحو الكتب والعناية بها وقراءتها ، وجمعها والإفادة منها
، وهو يتمثل في تلك المكتبة الخاصة القيمة التي كونها الملك عبدالعزيز لنفسه،
وتحتوي على (1551) مجلداً في شتى صنوف العلم والمعرفة التي تشمل القرآن وعلومه ،
والتفسير ، والحديث وعلومه ، وأصول الدين والعقيدة ، والفقه وأصوله ، وفقه المذاهب
، والأخلاق الإسلامية ، والسيرة النبوية ، والعلوم العسكرية ، والإدارة العامة ،
والاقتصاد ، واللغة العربية وآدابها، والطب، والأدب والشعر، والتاريخ ، والتراجم ،
والجغرافيا، وآداب اللغات الأخرى ، والفلسفة ، والموسوعات ، والدوريات العربية
العامة ، والمؤلفات المجموعة والدراسات
النفسية، والمنطق، والأخلاق، وغير ذلك من العلوم والمعارف، وتشكل كتب العلوم
الشرعية والإسلامية أكبر نسبة من محتويات المكتبة؛ إذ تبلغ 53 %، وتليها كتب
التاريخ والجغرافيا والتراجم التي تبلغ نسبتها 25 %، ثم كتب اللغة العربية، وتبلغ
نسبتها 20 % ، كما تحتوي على كتب نادرة مطبوعة قبل مائة عام([42])، ولا شك أن هذا
التنوع المعرفي في محتويات هذه المكتبة يعكس مدى سعة ثقافة الملك عبدالعزيز ،
واتساع دائرتها لتشمل علوماً ومعارف متنوعة ، تسهم بشكل فعّال في بناء قاعدة
ثقافية واسعة وراسخة البنيان ، وتفاوت النسب في المحتويات يعكس مدى اهتمامه ببعض
العلوم ، وعنايته الفائقة بها ، وتركيزه عليها ، ويأتي في طليعتها العلوم الشرعية
والإسلامية ، ثم التاريخ ، ثم علوم اللغة العربية ، ثم ما سواها من العلوم
والمعارف الأخرى ، ولا بد من الإشارة إلى أن مكتبة الملك عبدالعزيز قد آلت إلى
دارة الملك عبدالعزيز بعد وفاته رحمه الله ، وهي محفوظة فيها بجميع محتوياتها ،
وتلقى العناية اللائقة بها حفظاً وصيانة وتنظيماً وفهرسة .
ثانياً : آفاق ثقافة الملك عبدالعزيز وفكره :
اتسعت آفاق الفكر ، وتنوعت صنوف المعرفة والثقافة عند الملك
عبدالعزيز كما عرفنا في الحديث عن صلته بالكتب ، وساعده في ذلك ما يتمتع به من
فطنة وذكاء ، وإدراك لماح ، يجعله يختزن بالنظرة العابرة أشياء كثيرة ، لا يدركها
غيره إلا بإدامة النظر، وكد الذهن ، وذلك شأن العبقري الموهوب الذي يتمكن من إدراك
المعارف والعلوم وتحصيلهما بيسر وسهولة لما وهبه الله من خصائص عقلية تحقق له
الإدراك السريع ، وكما يقول الأستاذ محمد المانع :" كانت ذاكرة جلالته أعظم
إثارة بالإعجاب من ذاكرة أي رجل عرفته في حياتي ، فقد كان يحمل في رأسه من
المعلومات ما يكفي لملء مكتبة ، وكانت لديه موهبة التذكر الفوري"([43]) .
ولا عجب إذن أن تتسع آفاق الفكر والثقافة في شخصيته
الفريدة ، ومن يقرأ بعض رسائله الموجهة لبعض العلماء يجدها تؤكد إيمانه وإحساسه
العميق بالعلم الشامل الذي منحه الله للإنسان([44]) ، مما جعله يتقبل الاكتشافات
العلمية الحديثة التي لا تتنافى مع دينه وعقيدته ، وتعمل على رقي دولته ونهضتها،
ويظهر ذلك مما جرى على لسانه حين قال :" لا مانع من أن نأخذ من غيرنا المفيد
، فالحكمة ضالة المؤمن يلتقطهـــا حيث وجدهـــا"([45]). ويدرك جليسه ومن يتحدث إليه في
شؤون الثقافة والفكر سعة أفقه ، فمن فاتحه في العلوم الشرعية والإسلامية يجد عنده
منها رصيداً وافراً ، وإذا اتجه الحديث إلى التاريخ فلديه عن الماضي المجيد
والخاضر التليد ما يملأ مجلدات ، أما في علوم الأدب والسياسة والاجتماع والإدارة
والاقتصاد فلديه من الخبرة والدراية ما يدهش ذوي الاختصاص بتلك المجالات ، وفي هذه
العجالة يمكن أن أرصد ملامح من آفاق الفكر والثقافة لدى الملك عبدالعزيز على النحو
الآتي :
أ– الثقافة الإسلامية :
ثقافة الملك عبدالعزيز الإسلامية واسعة الآفاق ، عميقة
الجذور ، تملك عليه جميع أقطار نفسه ، وتهيمن على كل حواسه ، ويحكمها في كل شؤون
حياته الخاصة والعامة، وتلازمه في كل نفس صاعد من أعماق نفسه ، يصحو وينام على
هديها ، ويصرف أموره ، وأمور أسرته ودولته وشعبه على بصيرة من نورها الذي يشرق في
نفسه ، وهذه الثقافة أساسها وعمادها كتاب الله وسنة رسوله ، ونهج السلف الصالح ،
وقد سانده في ذلك نشأته الصالحة في بيت تعمقت فيه جذور الإسلام ومناصرة الداعين له
، واتخاذه منهج حياة أبًا عن جد إلى جانب ما ناله في مقتبل عمره من حظ وافر في
قراءة كتاب الله وملازمته ، وحفظ سور منه ، ومجالسة العلماء المتبحرين في علوم
الشريعة الإسلامية ، والإفادة من علمهم وتقديرهم ، والتشاور معهم فيما يعرض له من
أمور ، وكذلك المداومة على قراءة كتب العلوم الشرعية قراءة واعية مدركة، ثم الحرص
على نشر تلك الكتب وطباعتها كما مر معنا ، كل ذلك كان له الأثر الواضح في تعميق
أصول الثقافة الإسلامية في نفسه مما جعله " ذا ثقافة إسلامية عريقة وعميقة ،
ومتنوعة ، وكان على علم بالأمهات والأصول والمقاصد"([46])، وآثار هذه الثقافة تجرى على
لسانه في كل حين وآن ، وفي كل حديث أو لقاء، أو خطبة . فمن ذلك قوله:" إني
أدعو المسلمين جميعاً إلى عبادة الله وحده ، والرجوع للعمل بما كان عليه السلف
الصالح ؛ لأنه لا نجاة للمسلمين إلابهذا "([47]) .
وقوله :" والله ثم والله إني لأفضل أن أكون على
رأس جبل آكل من عشب الأرض وأعبد الله وحده ، من أن أكون ملكاً على سائر الدنيا ومن
فيها" ، وقوله :" دستوري وقانوني ونظامي وشعاري دين محمد e ، فإما حياة سعيدة على ذلك ، وإما موتة سعيدة"([48]). وهذه الروح المشبعة
بالإيمان ، والاعتزاز بالإسلام كانت من أقوى الدوافع للنهضة الشاملة والبناء
الشامخ لدولته الفتية المملكة العربية السعودية التي قامت على أساس من روح الإسلام
وهديه ، وهو النهج القويم الذي أيقن الملك عبدالعزيز بفاعليته في نهوض المسلمين
وتقدمهم حين قال: ( إن تقدم المسلمين ونهوضهم هو من الأمور التي ما برحنا ندعو
إليها إن شاء الله ، ولا نهوض للمسلمين بغير الرجوع إلى دينهم ، والتمسك بعقيدتهم
الصحيحة، والاعتصام بحبل الله ، والطريق إلى ذلك معبد لمن أراد سلوكه، وهو إفراد
الله – سبحانه وتعالى – بالتوحيد الخالي من
الشرك والبدع، والعمل بما يأمرنا به الدين ؛ لأنه لا فائدة من قول بلا عمل ) ([49]) .
ومثل هذه الكلمات لا يزال صداها يتردد في نفوس أبنائه
من بعده أصغوا إليها ووعوها وساروا على نهجها ، والتزموا بها منذ أن تولى الملك
سعود – رحمه الله – إلى عهد خادم الحرمين
الشريفين الملك فهد بن عبدالعزيز ، وسيبقى صداها – إن شاء الله – على مدى الحياة، وقد
أكد هــذا النهج خادم الحرمين الشريفين الملك فهد في حديثه إلى منسوبي جامعة
الإمام محمد بن سعود الإسلامية حين أشار إلى نهج الملك عبدالعزيز فقال : ( الشرف
الأكبر هو قيام هذه الدولة كياناً وتكويناً على القاعدة الإسلامية ؛ لقد جَمع هذا
الكيان بعد أن كان متفرقاً ، ووحده بعد أن كان مشتتاً ، وأشاع الأمان والاطمئنان
بفضل الله سبحانه ، ثم بفضل تمسكه بأحكام الشريعة الإسلامية ، وتطبيقه لها تطبيقاً
عادلاً ، التي تمثلت في بناء هذا الكيان الكبير المملكة العربية السعودية ، ولقد
حمل أبناؤه الراية من بعده يعملون لهذه الأمة في إرساء قواعد المجد والتقدم
والرقي)([50]). وفي مناسبة أخرى
يبلور خادم الحرمين الملك فهد هذا النهج ويؤكده، وذلك في الكلمة التي ألقاها
بمناسبة افتتاح المؤتمر العالمي عن تاريخ الملك عبدالعزيز حين قال: ( ومن هذا
المنطلق يشهد التاريخ أن تطبيق الشريعة الإسلامية كان مبدأ أساسياً في حياته رحمه
الله، وكانت كلمة " شرع الله " تهزه عندما يطلبها خصم من خصم، أو يقولها
شاكٍ في شكواه، أو يطرحها شخص للاحتكام في أمر من الأمور، وبذلك عرفت هذه البلاد
تحكيم الشريعة الإسلامية الخالدة في الدقيق والجليل، وأصبحت مثالاً صادقاً في
استتباب الأمن والاستقرار، فأمن الإنسان على نفسه وماله وعرضه ، وأصبح المواطنون
وغيرهم سواسية أمام شرع الله وحكمه ، فالقوي هو الضعيف حتى يؤخذ الحق منه ،
والضعيف هو القوي حتى يؤخذ الحق له ، وصاحب الحق هو القوي دائماً، ومغتصب الحق هو
الضعيف مهما كان مركزه ومكانه، وبهذه النية الصادقة والالتزام المطلق بمنهاج
الشريعة نظرية وتطبيقاً توحدت المشاعر وسادت الطمأنينة ، وتحققت آمال هذه البلاد
في كيان حقيقي صلب قام على وحدة القلوب والمشاعر بكل ما تحمله هذه الكلمة من قيم
ومعانى) ([51]) .