جذور الثقافة والفكر لدى الملك عبدالعزيز :
ولد الملك عبدالعزيز في الرياض ، ليلة العاشر من شهر ذي
الحجة عام 1293هـ / 1876م على الراجح من الأقوال ، ونشأ وترعرع بين ظهراني أسرة
عريقة في المجد والسؤدد ، ومتسنمة لذرى الشرف والنبل ، ومشرئبة صعداً في سماء
القيم والمثل العليا، ولها الحظ الوافر من الدين والعلم والفضل والكرم ، والالتزام
بأحكام الشريعة الغراء ، ومؤازرة للدعوة إلى العقيدة الصحيحة التي جدد الدعوة
إليها العالم الجليل الإمام الشيخ محمد بن عبدالوهاب رحمه الله، ولا غرو في ذلك
فأبوه الإمام عبدالرحمن بن فيصل آل سعود([1]) ، وأمه من خيرة النساء ديناً
وعقلاً وأصلاً([2])، وقد فتح الملك
عبدالعزيز عينيه في هذه البيئة التي يفوح أريجها بالأمجاد ، والصور الرائعة من
البطولة والفروسية ، والقيم الإسلامية ، والشيم العربية الأصيلة ، وكان لهذه
البيئة الأثر الواضح في مسيرة صقر الجزيرة ، حيث عني به والده منذ نعومة أظفاره ،
وكذلك والدته كان لها فضل كبير في توجيهه إلى أن توفيت عام 1327هـ رحمها الله([3])، وفي وقت مبكر عهد
به والده إلى من يتولى تعليمه، إذ تتلمذ وهو في السادسة من عمره على شيخ من أهل
الخرج، كان مقيماً في الرياض، وهو القاضي الشيخ عبدالله الخرجي، فدرس عليه مبادئ
القراءة والكتابة ، وواصل معه قراءة القرآن، وحفظ بعض سوره ، غير أنه أراد أن ينهل
من معين القرآن ما يروي عطشه ، وحصل له ذلك حين تيسر له قراءة القرآن، وختمه على
الشيخ محمد بن مرحوم المعروف بابن مصيبيح([4]) .
وقد اضطرته ظروف نشأته إلى أن يعيش " حياة البادية
ويجاري أبناءها في احتمال مكـاره العيش والصبر على الظمأ والجوع والتعب، وافترش
الأرض، والتحف السماء"([5])، كما اتجه إلى
الفروسية ، ومشاركة والده في شؤون الحكم؛ إذ وجد " نفسه في مقتبل عمره يدخل
في المفاوضات ، ويقوم بالسفارات ، ويألف خشونة الحياة، ويختبر تقلبات الزمن وطباع
الناس "([6])، وقد تطلع في ريعان
شبابه إلى إعادة ملك آبائه وأجداده، واقتضاه هذا الأمر حروباً عديدة ، انتهت
بالنصر المؤزر، وقيام الكيان الكبير المملكة العربية السعودية دولة فتية قوية
البنيان راسخة الأركان .
وعلى الرغم من ظروف النشأة التي صاحبت كفاح الملك
عبدالعزيز ونضاله في إرساء دعائم الدولة ، إلا أن هاجس التزود من المعرفة والثقافة
ظل شغله الشاغل ، ويمكن للباحث المتأمل أدراك أن مسيرة التجربة الثقافيــة
والفكرية لدى الملك عبدالعزيز – رحمه الله – كانت ذات صلة وشيجة بالبيئة التي نشأ
فيها حيث أمضى مدة من عمره يستنير بتوجيهات والده الإمام عبدالرحمن بن فيصل الذي
يعد شخصية مرموقة في الأسرة يتمتع بصفات قيادية وخبرة ، ومزاولة بصيرة بشؤون الحكم
والقيادة ، إلى جانب الفقه والعلم بأحوال العرب وتاريخهم ، وقد عركته تقلبات
الأحوال والفتن ، وظل في خضمها شامخ الرأس ، صلب العود ، قوي البأس ، معتزاً بدينه
وعروبته ، وما يتمتع به من قيم ومثل عليا ، جعلته في أحلك الظروف يأبى عرض الدولة
العثمانية في مدِّ يد المساعدة ، كما رفض اللجوء إلى الحماية البريطانية ، وفي
معترك الأحداث وتقلباتها اتجه الأب الرائد المصلح إلى العناية بأبنائه وتوجيههم
التوجيه السديد ، وأذكى فيهم عبق تاريخ أبائهم وأجدادهم ، وما يحفل به من أمجاد ،
وبرز منهم ابنه البار عبدالعزيز الذي لمح فيه والده مخايل النجابة ، وحب المغامرة
، وروح الفداء ، والاعتزاز بدينه وعقيدته ، وماضيه التليد مع التطلع إلى المستقبل
المجيد ، فسلمه دفة القيادة ، واستطاع – بتوفيق الله – أن يقود السفينة ويرسو بها
في بر الأمان والرقي والحضارة، وقد درج آباؤه على بث الوعي بين أبنائهم ، كما
حرصوا على التزود من المعرفة والثقافة والفكر عن طريق مجالسة العلماء ، والإفادة
من علمهم ، والقراءة الراتبة في كتب العقيدة والعلوم الشرعية من خلال المجالس
اليومية التي تعقد خصيصاً لذلك ، وهذا المنهج توارثه الآباء عن الأجداد في الأسرة
السعودية الحاكمة، وكان من بينهم من جمع بين العلم والمعرفة، والسلطان والحكم من
مثل الإمام سعود بن عبدالعزيز – رحمه الله – (1218–1229هـ) " الذي كان من
العلماء العاملين ، وعالماً في التوحيد والفقه وأصوله ، والحديث والتفسير ،
وبصيراً بحل المسائل الشرعية ، وله ذكاء غريب نادر ، لم تصرفه الغزوات المتتابعة
عن طلب العلم وتحصيل الثقافة ، بل كان يعطي كلاً من العلم والجهاد ما يستحق من
الاهتمام "([7])، وقد وضع الملك
عبدالعزيز هذا النهج القويم نصب عينيه ، فحرص على أن يثقف نفسه بنفسه ، وينهل من
موارد العلم والمعرفة والثقافة على اختلاف صنوفها ، جالس العلماء ، وأفاد من علمهم
، وقرأ الكتب المفيدة ، واتخذ مجالس راتبة يومية للقراءة ، وخالط أهل الرأي
والحنكة والمشورة والفكر النير ، والدهاء والحكمة ، واجتمع في شخصه صفوة ما في ذلك
كله ، وتظافرت عوامل عديدة على تكوين شخصيته الثقافية والفكرية ، ولم يقتصر في ذلك
على منبع واحد ، أو مدرسة بعينها ، ولكنه فتح لنفسه مجالاً رحباً للتلقي من منابع
عديدة ، تتلاءم مع حبه الطبعي للاستطلاع ، وميله الفطري إلى المعرفة، مما جعله
يتخذ نهجاً خاصاً منظماً يتفق مع وقته وأعبائه الجسام ، والتزم به ، على الرغم مما
يثقل كاهله من مهام بناء كيان الدولة ومسؤولياتها، ويمكن أن نلقي الضوء على أهم
معالم الثقافة والفكر وأسسها ومنابعها لدى الملك عبدالعزيز – رحمه الله – فيما
يأتي :
أولاً : أسس الثقافة والفكر ومنابعها :
تعددت الأسس والمنابع التي كان لها تأثير واضح في تكوين
شخصية الملك عبدالعزيز الثقافية والفكرية كما مر معنا، ويمكن أن نتبينها فيما يأتي
:
أ– القرآن الكريم والعناية به :
نشأ الملك عبدالعزيز في بيت يحرص على تلاوة القرآن
وحفظه وتدبره ، والالتزام بهديه وتوجيهاته وأحكامه ، فلا غرابة إذن أن يتجه في
مقتبل العمر وهو لم يتجاوز الخامسة عشرة إلى بعض المشايخ المؤهلين لتعليم
المتعطشين إلى قراءة كتاب الله وحفظه على الوجه الصحيح ، وتشير بعض المصادر إلى
شيخين توليا مهمة تعليمه القرآن، وهما الشيخ عبدالله بن محمد الخرجي من أهل الخرج
، ويبدو أنه من العلماء المعروفين في زمنه، فقد تردد اسمه في كتاب مشاهير علماء
نجد وغيرهم ، وعده المؤلف من تلاميذ الشيخ عبداللطيف بن الشيخ عبدالرحمن بن حسن بن
شيخ الإسلام محمد بن عبدالوهاب([8]) ، وأشار في موضع آخر
إلى أن الشيخ حسين بن الشيخ حسن آل الشيخ تتلمذ عليه ، وكذلك الشيخ صالح بن
عبدالعزيز بن الشيخ عبدالرحمن بن الشيخ حسن ابن شيخ الإسلام الذي تولى قضاء الرياض
عام 1337هـ([9]). أما الشيخ الآخر
فهو محمد ابن مصيبيح، وقد قرأ عليه القرآن كاملاً ، وبقي على صلة دائمة بكتاب الله
قراءة وتدبراً طول حياته ، بل كان يخصص وقتاً محدداً كل يوم لتلاوة القرآن([10])، وفي جوف الليل ،
حيث صفاء المناجاة لله ، كان الملك عبدالعزيز قد درج على أن يستيقظ كل ليلة قبل
الفجر بنحو ساعة يتهجد ، ويتلو كتاب الله بخشوع وتدبر ، ويتفاعل مع ما يتلوه ، ويتأثر
به إلى حالة يسمع له فيها بكاء ونشيج ، لما يمر به من آيات الترغيب والترهيب ،
ويستمر على ذلك إلى أن يؤذن الفجر([11]) .
وله ورد معروف طبع مراراً ، ويشتمل على أدعية من الكتاب
والسنة ، وهذه الصلة الوثيقة بكتاب الله لم تنقطع مع ما يكتنفه من مشاغل، ومن كثرة
أسفار وترحال؛ إذ في غمرة ذلك يضع العناية بكتاب الله نصب عينيه ، فقد درج على أن
يصطحب معه في أسفاره بعض القراء لتلاوة القرآن في الحل وفي أثناء السير لتوثيق
الصلة بكتاب الله ، وتدبر معانيه، والاستئناس به في وحشة السفر ، والتحصن بآياته
من وعثاء السفر وأهواله ، ويشير إلى ذلك بوضوح ما حكاه الأستاذ يوسف ياسين في
الرحلة الملكية حين وصف نظام يوم كامل من أيام الملك عبدالعزيز في رحلته من الرياض
إلى مكة عام 1342هـ . حين قال متحدثاً من بداية الرحيل في الليل: ( وما هي إلا نصف
ساعة حتى تسير حملة المؤن وأمامها العلم وبجانبه راكب يحمل قنديلاً ، يهتدي
المدلجون على نوره، ثم يركب السلطان ومن معه حتى إذا استووا على رواحلهم ينادي
السلطان (العجيري)، فيردد الخدم النداء حتى يسمع المنادي، فيقبل وإذْ ذاك تسمع من
الشيخ العجيري طائفة من الذكر الحكيم بصوته الجهوري ، بترتيل تكاد تعد منه حروفه،
وهو يلاحظ المعنى الذي تفيده الآية ، ويشعر به فإذا كان الكلام وعيداً رجف صوته ،
وإذا كان وعداً برقت أسارير وجه ، ويظل في تلاوته حتى يأتي وقت صلاة الفجر ، فيؤذن
ونحن ركوب ، فإذا انتهى المؤذن من أذانه أنخنا ، حيث انتهى بنا السير فتقام الصلاة
ونصلي جماعة ، فإذا صلى السلطان ، وشرب القهوة ، ركبنا حتى إذا سرنا نادى السلطان
( ابن الشيخ) ، فيجيب ، ويأخذ في تلاوة طائفة من القرآن بصوت يحدث في النفس كثيراً
من الخشوع والخشية ، وإذا وضح الفجر أمر السلطان فسكت القارئ ، وإذ ذاك ينفرد
جلالته بنفسه يتلو حزباً فيه أدعية مأثورة أكثرها مأخوذة من القرآن الكريم ، أو
مروي في الأحاديث الصحيحة) ([12]) .
على أن هذه العناية الفائقة بكتاب الله قراءة وتدبراً
كان لها أثر واضح في حياة الملك عبدالعزيز وتكوينه الثقافي ، فقد أفاد من هذه
الصحبة الدائمة لكتاب الله معاني وتوجيهات سديدة ، استقرت في أعماق نفسه ، وظهرت
آثارها في سلوكه وتعامله ونهجه في الحكم ، وكان له بذلك نبع ثرّ يستقي منه في خطبه
وأحاديثه وتوجيهاته العامة والخاصة .
ب– مجالس العلم والعلماء :
من يتأمل تاريخ الدولة السعودية ابتداء من دعوة الشيخ
محمد بن عبدالوهاب يدرك أن الصلة قوية بين العلماء وحكام الدولة السعودية في
أدوارها التاريخية ، منذ أن استقر الشيخ محمد بن عبدالوهاب في الدرعية ، ووجد
المؤازرة والتأييد في مسيرة الدعوة إلى الله والإصلاح من الأمير محمد بن سعود –
رحمه الله – حيث تبايعا على أن يعملا في سبيل الدعوة الإصلاحية ونشرها بكل ما
يستطيعان من الوسائل ، وكان ذلك سنة 1157هـ/1744م .
وعلى هذا الأساس قامت دولة جديدة في المنطقة هي الدولة
السعودية الأولى([13])، ومنذ ذلك الحين
ومروراً بعهد الملك عبدالعزيز وإلى عصرنا الحاضر درج حكام الدولة السعودية على
توثيق الصلة بالعلم والعلماء والجلوس إليهم، والإفادة من علمهم. ومن هذا المنطلق
نجد الملك عبدالعزيز – رحمه الله – يحرص على مجالسة العلماء ، ويتلقى عنهم العلوم
الشرعية ، وغيرها من العلوم المفيدة ، ويستشيرهم دائماً فيما يصلح شأنه وشأن رعيته
، ويرجع إليهم فيما يستشكله من مسائل وقضايا تتصل بأمور الدين والدنيا بقصد الوقوف
على النهج الصحيح في معالجة تلك الأمور والقضايا على أساس من هدى كتاب الله وسنة
رسوله ، وأقوال السلف الصالح ، انطلاقاً من نهجه القويم في التمسك بهدى الإسلام،
وأفقه الواسع، وسمو أهدافه ، فلا غرابة إذن أن تكون صلته بالعلم والعلماء على أوسع
نطاق ، وأن يحرص على الاستفادة القصوى مما لديهم من علم نافع في مجال التعليم
وتوجيه الناس ، ونشر الدعوة السلفية ، وكان يحرص على توجيهاتهم ، ويدرك ما لهم من
تأثير ومكانة في أداء رسالتهم نحو المجتمع ، ويظهر ذلك واضحاً من خلال رسائله إلى
بعض زعماء القبائل أو إلى طلبة العلم، فقد بعث رسالة إلى فيصل الدويش مؤرخة في 16
شوال 1339هـ جاء فيها قوله: ( وليس هناك من أحد يدعي أنه يطيع الله إلا الذي تظهر
عليه إشارات الحق والخير بتقديم العلم وأهله ، وأنت يا أخي لا تهتم لأحد في هذا
الأمر. الأول : يكون عندك معلوم أن صاحب الحق منصور إن شاء الله، وما قمت به تريد
به النجاة عند ربك ، وامتثال أمر علماء المسلمين. الثاني : اذكر وصاياي لك دائماً
كلما قابلتك ، واعرف أن من أحبك في دين الله تراه ما ينصحك إلا بقوله قدم الشريعة
، واسأل أهل العلم وعاضدهم ... ) إلى أن يقول: ( إذا أردت أن تعرف قلبي وقالبي ،
وما أنا عليه ، وما أنا فاعله ، فمثل ما عرَّفتك سابقاً ولا حقاً ، فأنا خادم لأهل
العلم ، والله بحوله وقوته – إن شاء الله – لأمضي ما قالوا ، وأحب ما أحبوا ، وأبغض ما أبغضوا ،
وأمضي أمرهم على نفسي وعيالي) ([14])، وكان يطلب من العلماء أن يتولوا
رعاية طلاب العلم ، ويقوموا بتبصيرهم للسير على النهج القويم في تحصيل العلم ،
بحيث لا يكون مصدر التحصيل مقتصراً على ما في بطون الكتب بعيداً عن توجيه العلماء
وتسديدهم ، ويتضح ذلك من الرسالة التي بعثها إلى بعض علماء المسلمين في يوم 18/ ذو
القعدة عام 1340هـ/ 1921م ، ونصها: " من عبدالعزيز بن عبدالرحمن الفيصل إلى
من يراه من علماء المسلمين سلمهم الله تعالى آمين .
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته . وبعد ذلك أدام الله
لنا وجودكم ووفقنا وإياكم لما يحبه ويرضاه . بعده سلمكم الله . من قِبَل بعض
الإخوان يذكر لي أنهم يجتمعون ويأخذون لهم بعض كتب الحديث مثل مجموعة الحديث ،
ومثل رسائل المشايخ ، ومثل هذه الكتب حقُّ ، ما فيها شك، ومثل مجموعة التوحيد
وأشباه ذلك ، وفي اجتماعاتهم يقرأونها ولا عندهم طالب علم ، وأحببت أنهم يراجعونكم
في ذلك ، لتفتوهم بما ينفعهم الله به إن شاء الله . نرجو الله أن يوفقنا وإياكم
وإياهم للصواب آمين) ([15]) .
ولا شك أن هذا التوجيه الذي اشتملت عليه الرسالة يعد
لفتة تربوية ، ترسم النهج الأمثل لتحصيل العلم بالنسبة للشداة من الطلاب المبتدئين
الذين يحتاجون إلى إشراف العلماء وتوجيهاتهم إلى جانب القراءة في الكتب ، إذ لو
اقتصر الأمر على الأخذ عن الكتب فقط ربما أدى ذلك إلى خلل في فهم النصوص ، وأقوال
أهل العلم ، وحملها على غير وجهها الصحيح ، مما يؤدي إلى محاذير ومشكلات وأخطاء لا
تحمد عقباها على الطلاب أنفسهم ، وعلى من قد يتطلع إلى ما يتفوهون به بحسب فهمهم.
وقد أدرك خطورة هذا المسلك علماؤنا الأوائل ، إذْ أثر عن الإمام الشافعي أنه قال
:" من تفقه من بطون الكتب ضيّع الأحكام"، وكان بعضهم يقول : ( من أعظم
البلية تشيّخ الصحيفة ... أي: الذين تعلموا من الصحف) ([16])، ومن المؤكد أن هذا
المسلك في تقدير العلم والعلماء ، والعناية بهم كان نصب عيني الملك عبدالعزيز
دائماً ، مما جعله يحرص في وقت مبكر من سني حياته ، وإلى آخر لحظة على مجالسة
العلماء ، والإفادة من علمهم ، وبدأ مشواره هذا منذ أن تلمذ على عدد من علماء أسرة
عريقة في العلم والفضل، وهي أسرة آل الشيخ ، التي ارتبط تاريخها بتاريخ أسرة آل
سعود ، تآزراً وتكاتفاً وتعاوناً ومصاهرة منذ معاهدة الدرعية التاريخية بين الإمام
محمد بن سعود وشيخ الإسلام والداعية المجدد الشيخ محمد بن عبدالوهاب ، واستمرت هذه
الصلة المباركة تؤتي ثمارها بين أحفاده وبين من تولى الحكم من أبناء أسرة المجد
والحكم في الدولة السعودية ، ومنهم الملك عبدالعزيز الذي تشير بعض المصادر إلى أن
أباه قد وضعه منذ طفولته تحت رعاية الشيخ عبدالله بن عبداللطيف([17]) ، الذي أعد كراسة
صغيرة خصيصاً للأمير ، فيها معلومات موجزة وميسرة في أصول الفقه والتوحيد([18]) ، وقد توثقت الصلة
بينه وبين الشيخ بعد استعادة الرياض في الخامس من شهر شوال عام 1319هـ ، حيث بايعه
الشيخ عبدالله وهو جد الملك فيصل رحمهم الله جميعاً وكان الملك عبدالعزيز يأتي
إليه في داره ويحضر دروسه ، ولا يخرج عن رأيه ومشورته في جميع مسائل العلم والدين([19]) ، وظل يحتفظ لهذا
الشيخ الجليل بمنزلة كبيرة في نفسه ، إبان حياته، وبعد أن توفي الشيخ سنة ألف
وثلاثمائة وتسع وثلاثين ، ولا غرو فالشيخ عبدالله يعد واحداً من أشهر علماء نجد ،
وله أثر واضح في نشر العلم بين طلابه في الرياض ، منذ أن عاد إليها عام 1309هـ ،
حيث كان منزله ملتقى أفئدة طلاب العلم ومحبيه ، إذ يجدون من علمه الغزير في مجال
العلوم الشرعية ما يشبع نهمهم . كما يجدون في مكتبته العامرة ما يلبي حاجتهم من
المصادر والكتب القيمة في العلوم الشرعية وغيرها، وتعد مكتبته من أبرز المكتبات
الشخصية في مدينة الرياض ، وهي أشبه ما تكون بمكتبة عامة ، يستفيد منها طلاب العلم
والمعرفة ، ويلتقي فيها العلماء ، وكانت داره عامرة بالضيوف الذين يفدون إليه من
نواحي الرياض ونجد والخليج العربي ، وكان الملك عبدالعزيز يشهد هذه اللقاءات ويفيد
منها ، وقد تحدث عن هذه المناقب وغيرها الشيخ عبدالرحمن آل الشيخ في كتابه مشاهير
علماء نجد ، ومما جاء عنده ، ندرك أن الشيخ عبدالله كان مدرسة تشع العلم والمعرفة
، وتربي الأجيال ، فحين ترجم له قال : (فاستمر في نشر العلم وبث الدعوة ، وإكرام
العاني والوافد ، فكانت داره الواسعة المعروفة في حي دخنة بالرياض عامرة بقراءة
كتب الحديث والفقه والتوحيد والتفسير ، فتخرج به أفواج من العلماء شغلوا مناصب
القضاء ، وقاموا بواجب الدعوة إلى الله ، والإرشاد وتدريس العلم) ([20]) .
وشارك الشيخ مع الملك عبدالعزيز في أعمال مهمة وجليلة
في تكوين الهجر ، واختيار الدعاة والمرشدين لها ، ومن ثم تأسست حركة الإخوان التي
كانت عماد الملك عبدالعزيز في تأسيس مملكته([21]) ، ويؤكد ذلك ما أشار إليه الشيخ
عبدالرحمن في ترجمة الشيخ عبدالله حين قال : (وقد أقبلت بوادي الأعراب من أهل نجد
في زمنه – رحمه الله– على الدين ، وقراءة القرآن وتعلم واجبات الإسلام ، وسكنوا
الهجر وسموا بالأخوان، والفضل بعد الله في هدايتهم وجمع كلمتهم يرجع إلى اهتمام
الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود بأمور الدين ، ثم إلى إخلاص الشيخ عبدالله ،
وحسن اختياره للدعاة والمرشدين من أهل العلم الذين وكل إليهم جلالة الملك
عبدالعزيز آل سعود – رحمه الله – أمر اختيارهم وابتعاثهم إلى بوادي الأعراب) ([22]) .
وثم مجموعة كبيرة من العلماء الأفاضل الذين عرفوا
بغزارة علمهم ، ونقاء سريرتهم وصفاء عقيدتهم من أسرة آل الشيخ وغيرهم ، كان الملك
عبدالعزيز يجلس إليهم ، ويعدهم مرجعاً له في الأمور الشرعية ، ويستشيرهم ، ويتبادل
معهم الأفكار والرسائل فيما يعود عليه وعلى مجتمعه ورعيته بالخير والفلاح . وكان
من عادته أن يلتقيهم كل خميس من كل أسبوع في جلسة عامة مفتوحة في قصره لهذا الغرض
، أو يجتمع ببعضهم على انفراد ، أو يقصدهم في دورهم للإفادة من علمهم ، فيما يعن
له من أمور ومسائل تحتاج إلى بيان وإيضاح من أهل العلم والفقه ، والرأي السديد .
وكان العلماء الذين يحضرون مجلسه يستعدون لهذا المجلس
بالمطالعة والقراءة في المصادر قبل حضوره ، وذلك لمواجهة ما قد يطرح فيه من مسائل
فقهية وشرعية ، يطرحها بعض الحاضرين ، أو يطرحها الملك عبدالعزيز نفسه لمعرفة موقف
الإسلام والشرع منها([23]) ، ولم يتردد الملك
عبدالعزيز في استشارة العلماء ، والاسترشاد بما عندهم في جل ما يعرض له ، وتجلى
ذلك بشكل واضح في مجلس الشورى ، الذي وضع قواعده ، وكان يضم نخبة من فضلاء أهل
العلم والعلماء والرأي السديد ، وقد أورد الأستاذ عبدالرحمن الرويشد أسماء عدد من
هؤلاء العلماء ، وهم :
الشيخ عبدالله بن عبداللطيف آل الشيخ ، والشيخ إبراهيم
بن عبداللطيف آل الشيخ، والشيخ عمر بن عبداللطيف آل الشيخ ، والشيخ محمد بن
عبداللطيف آل الشيخ ، والشيخ عبدالرحمن بن عبداللطيف آل الشيخ ، والشيخ محمد بن
إبراهيم آل الشيخ، والشيخ عبدالله بن حسن آل الشيخ ، والشيخ عمر بن حسن آل الشيخ ،
والشيخ حمد بن فارس ، والشيخ سعد بن عتيق ، والشيخ عبدالله العنقري ، والشيخ
سليمان بن سحمان ، والشيخ عمر بن سليم ، والشيخ محمد حجازي ، والشيخ عبدالعزيز
الشقري ، والشيخ فيصل بن مبارك ، والشيخ عبدالله بن زاحم ، والشيخ محمد نصيف ،
والشيخ عبدالرحمن بن داود ، والشيخ عبدالعزيز بن عبداللطيف والشيخ عيسى بن عكاس ،
والشيخ محمد بن عبدالقادر ، والشيخ محمد الملا ، والشيخ علي بن عيسى ، والشيخ صالح
العثمان ، وغيرهم من العلماء([24]).
وقد وجد هؤلاء العلماء التشجيع والمؤازرة من الملك عبدالعزيز
لأداء رسالتهم في تنوير الناس، وتبصيرهم بأمور دينهم ودنياهم ، وهو أمر ليس بغريب
، إذ يعد ذلك امتداداً لما سار عليه آباؤه وأجداده من دعم وتأييد لدعوة التوحيد
التي رفع لواءها الشيخ محمد بن عبدالوهاب، واستمرت هذه الصلة وثيقة من الأجداد إلى
الأحفاد ، ولها أثر واضح في الإسهام بقدر كبير في بناء كيان الدولة ، ونشر رايات
العلم والمعرفة في أرجائها ، بفضل الله ، ثم بفضل علو همة الملك عبدالعزيز وإخلاصه
في تحقيق أهدافه السامية لبناء دولة عصرية ، وكان من أبرزها التوجيه السديد لقضايا
الإصلاح والتجديد التي اضطر بعضها الملك عبدالعزيز إلى أن يدخل في نقاش هادئ حكيم
مع بعض الأطراف المعنيـــة من الإخـــوان والمشايخ بشــأن استعمال بعض الآلات
الحديثــة كـ (اللاسلكي) و (التلفون) والسيارات ، واستعمال الخبراء الأجانب في
أعمال التنقيب عن النفط، وكان نهجه في تناول مثل هذه القضايا وغيرها يتمثل في
مدارستها ، والتباحث بشأنها ، والتشاور مع العلماء بقصد الوصول فيها إلى وجه
الصواب ، وإقناع من يتطلب الأمر إقناعه على أساس من العلم الصحيح المبني على كتاب
الله وسنة رسوله .
والملك عبدالعزيز – كما قال الأستاذ/ عبدالعزيز
التويجري –: (قادر على أن يحاور مصدر كل اجتهاد له موقف منه ، ولا يملي عليه مجتهد
رأياً وإن كان من أحد العلماء إذا كان رأياً واجتهاداً خالصاً لا يستند إلى أصل في
الشريعة ، فهو لم يكن أمعة ، بل رجل دين ودولة، والثقة بينه وبين علماء البلاد
ثابتة على قواعد صلبة من الولاء والدين) ([25]).
ويبرز الأستاذ الزركلي تلك المكانة والمنزلة العالية
للعلماء عند الملك عبدالعزيز إلى جانب الإفصاح عن نهجه في التعامل معهم ، وذلك حين
قال : ( كان لعلماء الدين المقام الأول عند الملك عبدالعزيز يقدمهم على إخوانه
وأبنائه ، وكبار جلسائه ، ويصغى إلى آرائهم ، ويبالغ في إكرامهم ، وقل أن يجادلهم
في أمر يرون فيه ما لا يرى قبل أن يفسح المجال لهم للمناقشة فيه فيما بينهم ، فإن
انفرد بعضهم أو أحدهم بما يوافق رأيه ، لم يعمل في الأخذ بما قال ، وتريث إلى أن
يَقْتَنع الآخرون ...) ([26]) .
ولا بد من الإشارة إلى أن الملك عبدالعزيز قد وسع دائرة
صلته بالعلماء داخل بلاده وخارجها ، وذكر الأستاذ عبدالرحمن الرويشد أسماء مجموعة
من علماء المسلمين ينتمون إلى أقطار إسلامية عديدة ، وكانوا محل التقدير يفيد من
علمهم ، ويتداول معهم في بعض القضايا التي تهم الإسلام والمسلمين ، كما اختار بعضهم
مستشارين له ومن أشهرهم الشيخ عبدالمجيد سليم شيخ الأزهر ، والشيخ علال الفاسي في
المغرب، والشيخ رشيد رضا صاحب مجلة المنار في مصر ، والشيخ بهجت البيطار من الشام
، والشيخ حامد الفقي من مصر ، والشيخ عبدالعزيز بن راشد من الكويت، والشيخ عبدالله
بن محمود من الشارقة ، والأمير شكيب أرسلان من لبنان ، والشيخ حافظ وهبة من مصر ،
والشيخ يوسف ياسين من سوريا ، والشيخ فؤاد حمزة من لبنان، وغيرهم([27])، وقد أدرك الملك
عبدالعزيز – رحمه الله – مكانة هؤلاء العلماء من داخل بلاده وخارجها ، ومالهم من
تأثير فعال في التوجيه السليم المبني على أساس من توجيهات الإسلام وتعاليمه السمحة
، انطلاقاً من إحساسه العميق بروح الإسلام وتمثله لهذه الروح قولاً وعملاً ، وهذا
الوعي جعله يقرب منه العلماء ، والطبقة المثقفة من أبناء شعبه، ويسند إلى بعضهم
مهام التعليم والدعوة والإرشاد ، بل كان بعضهم يرافقه في الحملات الحربية إبان
حقبة تأسيس الدولة ، ولم الشمل ، واستعادة ملك آبائه وأجداده .
وقد اصطفى الملك عبدالعزيز له مجموعة من المستشارين من
جنسيات متعددة ، وهم من ذوي العلم والخبرة والحنكة ، كان يرجع إليهم ويتحاور معهم
، ويشاورهم في بعض ما يشكل عليه من الأمور ، بقصد أن يعطيها حقها من الرأي الصائب
من جهة ، ولكي يبرئ ذمته فيما يتوصل إليه من آراء وحلول ، جاءت نتيجة المشاورة مع
أهل الخبرة والرأي الحصيف، ووجد هؤلاء المستشارون في شخصية الملك عبد العزيز
وتعامله معهم بكل تقدير وإجلال ، وحرصه على الوصول إلى الحق ما جعلهم يتفاعلون مع
ما يطرحه عليهم من قضايا ، ويعملون معه بارتياح وإخلاص ساعات طويلة دون ضجر،
ويتحملون معه عناء السفر والترحال كلما اقتضى الأمر ذلك ، واسترشد بهم في أمور
عديدة تتعلق بشؤون الدولة الداخلية والخارجية ، وحسبك أن منهم مثل أخيه سمو الأمير
عبد الله بن عبد الرحمن ، وحافظ وهبة ، وخير الدين الزركلي ، وفؤاد حمزة ، ويوسف
ياسين، وغيرهم([28])، وقد كان التعامل
بينه وبين مستشاريه يقوم على أساس من التعامل الأخوي ، والمصارحة بعيداً عن التملق
، وهذا النهج محبب إلى نفس الملك عبدالعزيز، كما يبدو في موقفه من الشيخ حافظ وهبة
، الذي عمل عنده مستشاراً خاصاً في هذا إلاطار من روح المحبة والإخلاص والصدق
المتبادل ، وذلك حينما طلب منه حافظ وهبة أن يقوم التعامل بينهما على أساس
المصارحة والتعامل الأخوي فبادره الملك عبدالعزيز قائلاً: ( سأعاملك كأخ ، وإني في
حاجة إلى من يصارحني ، فإن من يطريني ويتملقني كثيرون وكثيرون جداً ، وطالما ضاق
صدري من سماع قولهم: "الشيوخ أبخص "... ) ([29]).
الثقافة الذاتية في مجالس القراءة والاطلاع العام :
التعلق بقراءة الكتب ، والاطلاع عليها مسلك حضاري ، إذ هي
معين ثر للثقافة وتحصيل المعرفة على تعدد أنواعها وصنوفها ، وتاريخ الحضارة
الإسلامية حافل بأمثلة لعلمائنا الأوائل تعطي صوراً مشرقة لوعيهم بقيمة الكتب
والعكوف على قراءتها والتهام محتوياتها ، والتسابق على اقتنائها ، والإفادة منها ،
والمبادرة في تكوين المكتبات الخاصة والعامة في حواضر الدولة الإسلامية ، وذلك
نابع من إدراكهم التام بأهمية ذلك كله في بناء صرح الحضارة، وإرساء دعائم العلم
والمعرفة .
وقد وعى ذلك أجداد الملك عبدالعزيز وآباؤه منذ قيام
الدولة السعودية الأولى؛ إذ كان الإمام محمد بن سعود وأبناؤه يحضرون حلقات درس
إمام الدعوة الشيخ محمد بن عبدالوهاب، وكان لابنه الإمام سعود مجلس قراءة مشهود ،
تقرأ فيه أمهات الكتب في التفسير ، مثل تفسير الحافظ محمد بن جرير الطبري ، وتفسير
ابن كثير ، وحضر هذا المجلس مؤرخ نجد المشهور ابن بشر ووصفه في تاريخه ، كما تحدث
عن الإمام فيصل بن تركي وحرصه هو وأبناؤه على تحصيل العلم ، واقتناء الكتب حين
قال:" وبالجملة فخوارق العادات لهذا الإمام كثيرة معلومة شهيرة بين الناس
مفهومة، وأصلح الله ذريته، وأعطاه فيهم أمنيته ، فحفظوا القرآن على صدورهم ،
ودأبوا في تحصيل التعلم في أصائلهم وبكورهم ، ولهم معرفة في العلوم الشرعية
والآثار السلفية ، وجمعوا كتاباً كثيرة بالشراء والاستكتاب من كتب الحديث والتفسير
، وكتب الأصحاب "([30]). وعلى هذا النهج سار
الملك عبدالعزيز فقد كان شغوفاً بالعلم وتحصيل المعرفة والثقافة على أيدي العلماء
كما مر معنا في فقرة سابقة ، ومن خلال الكتب وقراءتها في مجالس منتظمة يداوم على
حضورها ، ولا ينقطع عنها في حله وترحاله ، وقد تحدثت المصادر المعنية بسيرة الملك
عبدالعزيز عن هذه المجالس ، وأفاضت في وصفها([31]).
ويمكن أن نخرج من استعراضها بما يأتي :
أ– أن الملك عبدالعزيز كان مولعاً بحب القراءة والاطلاع ، ويحرص على تخصيص
جزء من وقته في حله وترحاله للقراءة في أمهات الكتب ، بل يأنس بها ولا تفارقه في
أسفاره ، ويؤكد ذلك ما حدثنا به الشيخ يوسف ياسين في الرحلة الملكية حين أشار إلى
أن السلطان كان ينادي – إذا أغذَّ الركب في السير – أحد طلاب العلم من أبناء الشيخ
ليقرأ في صحيح مسلم ، ثم يقرأ من تاريخ ابن الأثير ما يتعلق بالسيرة النبوية،
ويتكرر هذا الموقف في أثناء الرحلة بقراءة كتاب الترغيب والترهيب ، وكتاب الآداب
الشرعية لابن مفلح) ([32])، وهذا يعني أن الملك عبدالعزيز
كان يصطحب معه في سفره مجموعة من الكتب بقصد قراءتها ، والإفادة منها في قراءة
جماعية ، وأحياناً قد يختلي بنفسه للقراءة الفردية ، ويمضي الحال على هذا المنوال
طوال مدة المسير .
ب– أن الملك عبدالعزيز يتمتع
بالفطنة والذكاء ، وقوة الحافظة لاستيعاب ما يقرأه أو يسمعه ، يذكر الشيخ
عبدالعزيز بن فوزان أحد رجاله:" أن لجلالته ذاكرة عجيبة ذات مقدرة كبرى في
استيعاب الحوادث وتسجيلها ، بحيث تظل منقوشة في طياتها ، خالدة في تضاعيفها، فإذا
ما عرضت مناسبة من المناسبات لحديث يتصل بالماضي ، ويحتاج إلى استشهاد أفاض جلالته
في الحديث كأنما يقرأ من كتاب ، أو كأنه يتدفق من نهر"([33])، كما عرف عنه حسن
الإنصات والتجاوب مع ما يقرأ عليه ، والتفاعل معه بالتعليق إن لزم الأمر، أو
التباحث مع الحاضرين بشأن ما تمت قراءته في المجلس الذي كان يفتتح بالقرآن ،
وتتعدد مسارات القراءة فيه بالتنقل بين أكثر من علم في الجلسة الواحدة ، فمن قراءة
في التفسير إلى أخرى في الحديث، ثم التاريخ ، ثم الأدب والشعر، ويشير إلى ذلك وصف
الأستاذ عبدالغفور عطار لواحد من المجالس التي حضرها حين قال :" وقد حضرت هذا
المجلس العام ، كما حضرت مجلسه الآخر الذي خصص ليتعلم هو وموعده بعد صلاة المغرب ،
وهو مباح لكل راغب في حضوره، ولا يرد عنه أي قاصد ، ويقع المجلس في بهو رحيب –
ومجلسه العام الآخر مثله – وفي وسطه كرسي ومنضدة بقرب أحد الأعمدة عليها بعض
المجلدات الضخمة، وفي الدقيقة المحددة يأخذ عالم مكانه من ذلك الكرسي وظّفه الملك
ليقرأ، فيبدأ بكتاب الله عز وجل ، ويتناول أحد المجلدات فإذا هو تفسيره ، ثم يقف
القارئ ويتحدث الملك ، أو أي أحد يريد ، ويدهشك من ابن سعود قوة واعية وإدراكه
وحسن ذوقه للتفسير ، ثم ينتقل منه القارئ إلى مجلد آخر، فإذا هو في الحديث النبوي
الشريف ، ثم ينتقل إلى التاريخ ، ثم إلى الأدب والشعر، ثم يختم المجلس بدعاء موجز
يتلوه القارئ ، وإذا لم يتيسر لابن سعود الدراسة في مراحلها المعروفة فليس معنى
ذلك أنه قليل المحصول من العلوم والآداب والفنون والمعارف الإنسانية ، بل لديه
منها ذخيرة وافية نمتها عبقريته ، ومع أنّه مَلِك كثير التكاليف والتبعات فدائم
القراءة أو الاستماع، ويتصف بذاكرة قوية، وحافظة قل أن تنسى، ولهذا كان من
المثقفين، وأثر ثقافته لا يخطئه من يعرفه، أو يحضر مجلسه"([34])، ويؤكد هذا النهج
الأستاذ الزركلي في وصفه لمجلس القراءة من حيث تعدد أنواع المعارف فيما يقرأ من
كتب ، ومشاركة الملك وتفاعله معها([35]) .
جـ– أن للملك عبدالعزيز مجالس
قراءة يومية يداوم على حضورها ، وخصص لها موظفاً مهمته القراءة([36]) ، ويتم اختباره
بعناية ، لكي يقوم بهذه المهمة على الوجه المطلوب، ولابد أن تتوافر فيه أمور من
أبرزها أن يكون من حفاظ القرآن الكريم ، والعارفين باللغة العربية ، ومن ذوي
الأصوات الحسنة ، والاطلاع الجيد([37])، وكان الملك
عبدالعزيز ينصت في مثل هذه المجالس بكل عناية واهتمام وتركيز ، بل كان يستوعب ما
يقرأ عليه ، ويختزن في ذاكرته الشيء الكثير منه ، ويتلقاه بذهن واعٍ مدرك ، إذ كان
– كما يقول الأستاذ عبدالرحمن الرويشد – :" من دأبه عندما يبدأ القارئ في سرد
موضوعات الكتاب أن ينصت ويتأثر ، وربما استعاد بعض المقاطع، وقد ذكر لي أحد الذين
يحضرون مجالس الملك عبدالعزيز عندما يستحسن مقطعاً في موضوع، أو تلذ له أبيات من
الشعر ، أو يرتاح إلى حكمة تمر عليه أثناء القراءة كان يستوقف القارئ ، ويأمره بأن
يعلمّ على ذلك المقطع ، وبعد الفراغ من القراءة يأمر أحد الكتبة أن ينقل ذلك
المقطع الذي علّم عليه ، ثم يستعيده فيما بعد ، وربما حفظه شعراً كان أو نثراً ،
وكانت مكتبة الملك عبدالعزيز الخاصة تحوي مجلداً ضخماً من تلك المختارات"([38]) .
د – أن مجالس القراءة كانت تنبض
بالحيوية والمدارسة والمذاكرة ، لما يقرأ ترسيخاً له في الأذهان ، واستيضاحاً لما
يحتاج إلى بيان عن طريق تدارسه والتعليق عليه من قبل أهل العلم والمعرفة من
الحاضرين ، ويؤكد ذلك ما ذكره الزركلي في وصفه لمجلس القراءة حين قال :" وليس
من عمل القارئ أن يشرح ، أو يزيد شيئاً على تلاوة المتن ، وفي أكثر الأيام تعلق في
ذهن الملك آية يستشكل تفسيرها ، أو حديث نبوي أو موعظة أو حادثة من التاريخ تستحق
التعليق عليها ، فيتساءل أو يتحدث بما يخطر بباله في الموضوع ، ويتناول أهل
المعرفة وسواهم من الجالسين الآية ، أو الخبر تاريخياً أو أدبياً ، وربما كان
بيتاً من الشعر بتعليقاتهم ، بل كان عبدالعزيز في أعوامه الأخيرة إذا انقضى الدرس
أخرج الجلوس عن صمتهم بخبر سمعه ، وترك لهم مجال التعليق ، وقد يناقشهم ويناقشونه
"([39]) .
هـ– أن اطلاع الملك عبدالعزيز
واسع في معارف وعلوم عديدة ، شملت التفسير والحديث والتوحيد والسير والمغازي
والتاريخ والسياسة الشرعية ، والمواعظ والرقائق . والأدب والشعر ، وكان يحرض على
اختيار الكتب المفيــدة في هذه المجالات بنفسه أحياناً ، أو يسند هذا الأمر إلى
أحد العلماء المشهورين من ذوي الخبرة بالكتب ، ومنهم العالم الفقيه الشيخ حمد بن
فارس ، والعالم الأديب والحافظ الراوية الشيخ عبدالله بن أحمد العجيري ، وقد قام
الأستاذ عبدالرحمن الرويشد بإعداد ثبت يحتوي على أسماء الكتب التي كان ينتقيها
الملك عبدالعزيز ، التي كانت تتلى بين يديه مصنفة على حسب تخصصاتها ومجالاتها([40]).
ومن المفيد أن نذكرها فيما يأتي :
في التفسير : تفسير ابن جرير الطبري ، وتفسير ابن كثير ، وتفسير القرطبي .
وفي الحديث : مسند الإمام أحمد، تجريد البخاري للزبيدي، رياض الصالحين،
فضائل الإسلام، الترغيب والترهيب، سنن أبي داود .
وفي كتب التوحيد والعقائد : كتاب قرة عيون الموحدين ، كتاب فتح المجيد شرح كتاب
التوحيد ، كتاب اقتضاء الصراط المستقيم لشيخ الإسلام ابن تيمية .
كتب السير والمغازي والتاريخ : سيرة ابن هشام ، البداية والنهاية لابن كثير ، سراج
الملوك ، كتاب الكامل لابن الأثير، كتاب الروضتين لأبي شامة ، تاريخ ابن غنام،
عنوان المجد لتاريخ نجد لابن بشر ، تاريخ الخلفاء للسيوطي ، مروج الذهب في أخبار
من ذهب للمسعودي .
الكتب المتعلقة بسياسة المجتمع والسياسة الشرعية :
الأحكام
السلطانية لأبي يعلى ، السياسة الشرعية لابن تيمية ، الطرق الحكمية لابن قيم
الجوزية ، الهدي النبوي المسمى بزاد المعاد ، سياسة الملك لابن الوردي المقدمة
لابن خلدون .
في الأدب والطرائف :
روضة المحبين لابن قيم الجوزية ، الأغاني لأبي الفرج
الأصفهاني ، الإمتاع والمؤانسة ، ديوان ابن المقرب ، ديوان الحماسة لأبي تمام ،
ديوان المتنبي ، ديوان ابن مشرف، روضة العقلاء وبلغة الأدباء .
ومن كتب الوعظ والرقائق :
أهوال القبور لابن رجب ، الجواب الكافي لمن سأل عن
الدواء الشافي لابن القيم ، التخويف من النار لابن رجب ، وظائف رمضان لابن رجب ،
التذكرة لابن الجوزي .
وهذه الكتب – كما يقول الأستاذ / الرويشد – تمثل ينبوعاً فكرياً لأسس ثقافة
عبدالعزيز التي تجسدت عملياً في إدارته لشؤون الحكم والتعامل مع شعبه ومع الناس
الآخرين.
وإلى جانب ما يقرأ عليه في مجلسه من كتب كان يعنى أيضاً
بقراءة الصحف على اختلاف لغاتها ، وما كان منها بغير اللغة العربية تترجم
محتوياتها من العلوم والأخبار والأحداث ، ويتعرف من خلالها على أحوال العالم ،
ليكون على دراية بما يجري حوله، والنظر فيما يحتاج منها إلى رأي أو حكم([41]) .
وثم شاهد ما مثل للعيان على هذا التوجه الحميد الذي
ذكرته عن الملك عبدالعزيز نحو الكتب والعناية بها وقراءتها ، وجمعها والإفادة منها
، وهو يتمثل في تلك المكتبة الخاصة القيمة التي كونها الملك عبدالعزيز لنفسه،
وتحتوي على (1551) مجلداً في شتى صنوف العلم والمعرفة التي تشمل القرآن وعلومه ،
والتفسير ، والحديث وعلومه ، وأصول الدين والعقيدة ، والفقه وأصوله ، وفقه المذاهب
، والأخلاق الإسلامية ، والسيرة النبوية ، والعلوم العسكرية ، والإدارة العامة ،
والاقتصاد ، واللغة العربية وآدابها، والطب، والأدب والشعر، والتاريخ ، والتراجم ،
والجغرافيا، وآداب اللغات الأخرى ، والفلسفة ، والموسوعات ، والدوريات العربية
العامة ، والمؤلفات المجموعة والدراسات
النفسية، والمنطق، والأخلاق، وغير ذلك من العلوم والمعارف، وتشكل كتب العلوم
الشرعية والإسلامية أكبر نسبة من محتويات المكتبة؛ إذ تبلغ 53 %، وتليها كتب
التاريخ والجغرافيا والتراجم التي تبلغ نسبتها 25 %، ثم كتب اللغة العربية، وتبلغ
نسبتها 20 % ، كما تحتوي على كتب نادرة مطبوعة قبل مائة عام([42])، ولا شك أن هذا
التنوع المعرفي في محتويات هذه المكتبة يعكس مدى سعة ثقافة الملك عبدالعزيز ،
واتساع دائرتها لتشمل علوماً ومعارف متنوعة ، تسهم بشكل فعّال في بناء قاعدة
ثقافية واسعة وراسخة البنيان ، وتفاوت النسب في المحتويات يعكس مدى اهتمامه ببعض
العلوم ، وعنايته الفائقة بها ، وتركيزه عليها ، ويأتي في طليعتها العلوم الشرعية
والإسلامية ، ثم التاريخ ، ثم علوم اللغة العربية ، ثم ما سواها من العلوم
والمعارف الأخرى ، ولا بد من الإشارة إلى أن مكتبة الملك عبدالعزيز قد آلت إلى
دارة الملك عبدالعزيز بعد وفاته رحمه الله ، وهي محفوظة فيها بجميع محتوياتها ،
وتلقى العناية اللائقة بها حفظاً وصيانة وتنظيماً وفهرسة .
ثانياً : آفاق ثقافة الملك عبدالعزيز وفكره :
اتسعت آفاق الفكر ، وتنوعت صنوف المعرفة والثقافة عند الملك
عبدالعزيز كما عرفنا في الحديث عن صلته بالكتب ، وساعده في ذلك ما يتمتع به من
فطنة وذكاء ، وإدراك لماح ، يجعله يختزن بالنظرة العابرة أشياء كثيرة ، لا يدركها
غيره إلا بإدامة النظر، وكد الذهن ، وذلك شأن العبقري الموهوب الذي يتمكن من إدراك
المعارف والعلوم وتحصيلهما بيسر وسهولة لما وهبه الله من خصائص عقلية تحقق له
الإدراك السريع ، وكما يقول الأستاذ محمد المانع :" كانت ذاكرة جلالته أعظم
إثارة بالإعجاب من ذاكرة أي رجل عرفته في حياتي ، فقد كان يحمل في رأسه من
المعلومات ما يكفي لملء مكتبة ، وكانت لديه موهبة التذكر الفوري"([43]) .
ولا عجب إذن أن تتسع آفاق الفكر والثقافة في شخصيته
الفريدة ، ومن يقرأ بعض رسائله الموجهة لبعض العلماء يجدها تؤكد إيمانه وإحساسه
العميق بالعلم الشامل الذي منحه الله للإنسان([44]) ، مما جعله يتقبل الاكتشافات
العلمية الحديثة التي لا تتنافى مع دينه وعقيدته ، وتعمل على رقي دولته ونهضتها،
ويظهر ذلك مما جرى على لسانه حين قال :" لا مانع من أن نأخذ من غيرنا المفيد
، فالحكمة ضالة المؤمن يلتقطهـــا حيث وجدهـــا"([45]). ويدرك جليسه ومن يتحدث إليه في
شؤون الثقافة والفكر سعة أفقه ، فمن فاتحه في العلوم الشرعية والإسلامية يجد عنده
منها رصيداً وافراً ، وإذا اتجه الحديث إلى التاريخ فلديه عن الماضي المجيد
والخاضر التليد ما يملأ مجلدات ، أما في علوم الأدب والسياسة والاجتماع والإدارة
والاقتصاد فلديه من الخبرة والدراية ما يدهش ذوي الاختصاص بتلك المجالات ، وفي هذه
العجالة يمكن أن أرصد ملامح من آفاق الفكر والثقافة لدى الملك عبدالعزيز على النحو
الآتي :
أ– الثقافة الإسلامية :
ثقافة الملك عبدالعزيز الإسلامية واسعة الآفاق ، عميقة
الجذور ، تملك عليه جميع أقطار نفسه ، وتهيمن على كل حواسه ، ويحكمها في كل شؤون
حياته الخاصة والعامة، وتلازمه في كل نفس صاعد من أعماق نفسه ، يصحو وينام على
هديها ، ويصرف أموره ، وأمور أسرته ودولته وشعبه على بصيرة من نورها الذي يشرق في
نفسه ، وهذه الثقافة أساسها وعمادها كتاب الله وسنة رسوله ، ونهج السلف الصالح ،
وقد سانده في ذلك نشأته الصالحة في بيت تعمقت فيه جذور الإسلام ومناصرة الداعين له
، واتخاذه منهج حياة أبًا عن جد إلى جانب ما ناله في مقتبل عمره من حظ وافر في
قراءة كتاب الله وملازمته ، وحفظ سور منه ، ومجالسة العلماء المتبحرين في علوم
الشريعة الإسلامية ، والإفادة من علمهم وتقديرهم ، والتشاور معهم فيما يعرض له من
أمور ، وكذلك المداومة على قراءة كتب العلوم الشرعية قراءة واعية مدركة، ثم الحرص
على نشر تلك الكتب وطباعتها كما مر معنا ، كل ذلك كان له الأثر الواضح في تعميق
أصول الثقافة الإسلامية في نفسه مما جعله " ذا ثقافة إسلامية عريقة وعميقة ،
ومتنوعة ، وكان على علم بالأمهات والأصول والمقاصد"([46])، وآثار هذه الثقافة تجرى على
لسانه في كل حين وآن ، وفي كل حديث أو لقاء، أو خطبة . فمن ذلك قوله:" إني
أدعو المسلمين جميعاً إلى عبادة الله وحده ، والرجوع للعمل بما كان عليه السلف
الصالح ؛ لأنه لا نجاة للمسلمين إلابهذا "([47]) .
وقوله :" والله ثم والله إني لأفضل أن أكون على
رأس جبل آكل من عشب الأرض وأعبد الله وحده ، من أن أكون ملكاً على سائر الدنيا ومن
فيها" ، وقوله :" دستوري وقانوني ونظامي وشعاري دين محمد e ، فإما حياة سعيدة على ذلك ، وإما موتة سعيدة"([48]). وهذه الروح المشبعة
بالإيمان ، والاعتزاز بالإسلام كانت من أقوى الدوافع للنهضة الشاملة والبناء
الشامخ لدولته الفتية المملكة العربية السعودية التي قامت على أساس من روح الإسلام
وهديه ، وهو النهج القويم الذي أيقن الملك عبدالعزيز بفاعليته في نهوض المسلمين
وتقدمهم حين قال: ( إن تقدم المسلمين ونهوضهم هو من الأمور التي ما برحنا ندعو
إليها إن شاء الله ، ولا نهوض للمسلمين بغير الرجوع إلى دينهم ، والتمسك بعقيدتهم
الصحيحة، والاعتصام بحبل الله ، والطريق إلى ذلك معبد لمن أراد سلوكه، وهو إفراد
الله – سبحانه وتعالى – بالتوحيد الخالي من
الشرك والبدع، والعمل بما يأمرنا به الدين ؛ لأنه لا فائدة من قول بلا عمل ) ([49]) .
ومثل هذه الكلمات لا يزال صداها يتردد في نفوس أبنائه
من بعده أصغوا إليها ووعوها وساروا على نهجها ، والتزموا بها منذ أن تولى الملك
سعود – رحمه الله – إلى عهد خادم الحرمين
الشريفين الملك فهد بن عبدالعزيز ، وسيبقى صداها – إن شاء الله – على مدى الحياة، وقد
أكد هــذا النهج خادم الحرمين الشريفين الملك فهد في حديثه إلى منسوبي جامعة
الإمام محمد بن سعود الإسلامية حين أشار إلى نهج الملك عبدالعزيز فقال : ( الشرف
الأكبر هو قيام هذه الدولة كياناً وتكويناً على القاعدة الإسلامية ؛ لقد جَمع هذا
الكيان بعد أن كان متفرقاً ، ووحده بعد أن كان مشتتاً ، وأشاع الأمان والاطمئنان
بفضل الله سبحانه ، ثم بفضل تمسكه بأحكام الشريعة الإسلامية ، وتطبيقه لها تطبيقاً
عادلاً ، التي تمثلت في بناء هذا الكيان الكبير المملكة العربية السعودية ، ولقد
حمل أبناؤه الراية من بعده يعملون لهذه الأمة في إرساء قواعد المجد والتقدم
والرقي)([50]). وفي مناسبة أخرى
يبلور خادم الحرمين الملك فهد هذا النهج ويؤكده، وذلك في الكلمة التي ألقاها
بمناسبة افتتاح المؤتمر العالمي عن تاريخ الملك عبدالعزيز حين قال: ( ومن هذا
المنطلق يشهد التاريخ أن تطبيق الشريعة الإسلامية كان مبدأ أساسياً في حياته رحمه
الله، وكانت كلمة " شرع الله " تهزه عندما يطلبها خصم من خصم، أو يقولها
شاكٍ في شكواه، أو يطرحها شخص للاحتكام في أمر من الأمور، وبذلك عرفت هذه البلاد
تحكيم الشريعة الإسلامية الخالدة في الدقيق والجليل، وأصبحت مثالاً صادقاً في
استتباب الأمن والاستقرار، فأمن الإنسان على نفسه وماله وعرضه ، وأصبح المواطنون
وغيرهم سواسية أمام شرع الله وحكمه ، فالقوي هو الضعيف حتى يؤخذ الحق منه ،
والضعيف هو القوي حتى يؤخذ الحق له ، وصاحب الحق هو القوي دائماً، ومغتصب الحق هو
الضعيف مهما كان مركزه ومكانه، وبهذه النية الصادقة والالتزام المطلق بمنهاج
الشريعة نظرية وتطبيقاً توحدت المشاعر وسادت الطمأنينة ، وتحققت آمال هذه البلاد
في كيان حقيقي صلب قام على وحدة القلوب والمشاعر بكل ما تحمله هذه الكلمة من قيم
ومعانى) ([51]) .
ويمكن لنا أن نتعرف على المزيد من معالم الثقافة
الإسلامية عند الملك عبدالعزيز فيما يأتي :
أ– الاستشهاد بالآيات القرآنية وشرحها وتفسيرها :
عني الملك عبدالعزيز بقراءة كتاب الله وحفظه منذ الصغر
، ثم خصص مجالس للقراءة تتلى فيها أمهات كتب التفسير – كما مر معنا – وكان لذلك
أثره الواضح في استحضاره آيات القرآن ، والاستشهاد بها في بعض أحاديثه وخطبه ،
واستقى من القرآن " فيضاً لا ينضب من الحكمة والإلهام"، ولم يتقضر الأمر
عند هذا الحد ، بل كان يفسر بعض الآيات ويشرحها " بطريقة تخلب أفئدة جلسائه"،
ولديه مقدرة على عرض التفسير بشكل " ميسر يفهمه أبسط رجال البادية"([52])، ودرج في بعض خطبه
على تفسير الفاتحة ، وأركان الإسلام تفسيراً موجزاً في غاية من اختصار اللفظ مع
وضوح المعنى([53]).
ب– الإلمام بالاحكام الشرعية :
ويظهر ذلك من خلال بعض الأحكام التي أصدرها الملك
عبدالعزيز في مجلس الحكم ، وقد أورد الزركلي بعضها في كتابه شبه الجزيرة ، ومنها
ما أورده أرمسترونج في كتابه سيد الجزيرة([54]) ، ويفهم مما ذكراه أن الملك
عبدالعزيز كان يعقد مجلساً للقضاء ، يفصل فيه بين الخصوم ، ويصدر في ذلك عن خبرة
واسعة في شؤون المتنازعين من أبناء القبائل والبادية ، إلى جانب الدراية بالأحكام
الفقهية، ويلتزم فيما يصدره من أحكام بهدى كتاب الله وسنة رسوله، ومن الشواهد على
ذلك تلك الحداثة التي يذكرها الزركلي عن الشيخ محمد بن مانع مدير المعارف ، وهي
تبرز عمق الوعي القضائي المبني على أساس علمي عند الملك عبدالعزيز ، وملخص الحادثة
( أن المحكمة الشرعية العليا رفعت إلى الملك عبدالعزيز حكماً أصدرته بإعدام جندي
قتل زوجته وجندياً آخر . وأن تنفيذ الحكم معلق على موافقة الملك ، وتأمل عبدالعزيز
في القضية ، فظهر له أن الزوجة كانت قد غابت عن بيتها أياماً ، وبحث عنها زوجها ،
فوجدها عند أحد الجنود، فأطلق عليها الرصاص فقتلها .
وسألته المحكمة ، فأقر بالقتل ، ولم يحسن الدفاع عن
نفسه ، فحكمت بإعدامه ، ولم يكد عبدالعزيز يتبين القضية ، حتى ألقى ورقة الحكم من
يده ، وصاح بحاملها : كيف يكون هذا ؟ أطلقوه واكسوه وأكرموه ، ودعا رئيس المحكمة
إليه ، فقال له : ألم تقرأ الحديث الذي فيه إنني أغيركم ، والله أغير مني ؟ .
قلت : هذا الحديث في صحيحي البخاري ومسلم ، ويعرف بحديث
سعد ، وهذا نصه – كما رواه مسلم –: قال سعد بن عبادة : يا رسول الله ، لو وجدت مع
أهلي رجلاً لم أمسه حتى آتي بأربعة شهداء ؟ قال رسول الله e : نعم . قال : كلا والذي بعثك بالحق إن كنت لأعاجله
بالسيف قبل ذلك . قال رسول الله e: "
اسمعوا إلى ما يقول سيدكم . إنه لغيور ، وأنا أغير منه ، والله أغير مني " .
قال الشيخ ابن مانع بعد رواية الواقعة : ( ورأيت القاضي
بعد ذلك فسألته : ما فعل الله بالقاتل ؟ فقال : عفا عنه الملك . فأجبته : كلا إن
الملك لم يعف عنه، ولكنه أعلم منكم . وقد حماه من جهلكم) ([55])، وعن هذا الوعي
والإدراك للأحكام الشرعية والفقهية انبعثت عناية الملك عبدالعزيز بترسيخ دعائم
النظام القضائي ، وتوحيد نظامه، والمصادر التي يمكن أن يستقي منها القضاة أحكامهم
، ومنها كتاب الإقناع للشيخ موسى الحجاوي ، والمغني للشيخ عبدالله بن أحمد بن
قدامة ، والشرح الكبير للشيخ عبدالرحمن بن أبي عمر بن قدامة ، وأقيمت المحاكم
الشرعية في شتى أنحاء البلاد([56])، وعمادها في الحكم
ما جاء في كتاب الله وسنة رسوله .
جـ– نشر الثقافة الإسلامية على أسس صحيحة :
عمل الملك عبدالعزيز على نشر الثقافة الإسلامية ،
وإرساء دعائم الفكر الإسلامي الصحيح على قاعدة صلبة قوية ، بعيداً عن كل ما يثير الاختلافات
، والبلبلة والتعصب المذهبي الذي لا ينطلق من أساس ، أو يستند على دليل ، والركيزة
الأساسية لهذه الانطلاقة تعتمد على استلهام كتاب الله وسنة رسوله ، وما عليه السلف
الصالح ، وهذا النهج ينبض بوضوح وجلاء من خلال سطور تلك الرسالة التي بعث بها
الملك عبدالعزيز إلى فضيلة الشيخ عبد الطاهر أبو السمح الذي أراد أن ينشئ داراً
للحديث بمكة ، ونص الرسالة :
" بسم الله الرحمن
الرحيم
من عبدالعزيز بن
عبدالرحمن الفصيل
إلى جناب المكرم عبدالطاهر أبو
السمح سلمه الله
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد :
فقد وصل إلينا كتابكم بشأن المدرسة ، وأحطنا علماً بما
ذكرتم، ومن قبل المدرسة وفتحها فهذا أبرك ما يصير ، ولكن – بارك الله فيك – تعرف حالة الناس
اليوم ، وتخالفهم وتعاطيهم أموراً ليست من الشرع ، وإنما هي بعضها عن تعنت وبعضها
عن جهل ، والقصد من ذلك تعرفون أئمة الإسلام أنهم الأئمة الأربعة ، وأن لهم ما
بينوه من الأمور الفقهية التي من الكتاب والسنة ومذهب السلف الصالح اليد الطولي
بذلك ، ولا يعترض عليهم إلا كل إنسان ما له معرفة بالدين الحقيقي ، ولا شك أن
المرجع كتاب الله وسنة رسوله e ، وكل أمر
يخرج منه باطل ، فإذا وجد الدليل من كتاب الله وسنة رسوله وما عليه السلف الصالح ؛
فهو البرهان والدليل . فإذا وجد المرجع من المذاهب الأربعة ، فهو أولى من الجهل
والاجتهاد الذي ما تحمد عقباه؛ لأنه ثابت عند الأمة ولا يشك في ذلك إلا ناقص عقل .
إن الأئمة الأربعة ما خالفوا الكتاب والسنة ولا تبعوا ما
يخالفها ، إلا اللهم أن يكون أحدهم يشك في الحديث المنقول عن حِبّهِ ولعدم صحته
لديه ويختار غيره ، أو أحد ما اطلع على الحديث ، ومعلومك قول الرسول e، ولو أن كل قول روي عنه يوافق ما كان عليه ، وما
أرسل به فهو أحق به ، وكل قول مخالف لذلك إنه باطل ، والأئمة اجتهدوا فيما يلزم
عليهم جزاهم الله عن الإسلام والمسلمين خيراً ، فإذا كانت المدرسة التي تريدون
فتحها أن يُعَلَّم فيها الحديث والفقه وبالأخص فقه الإمام أحمد وعدم الإعابة على
أحد من الأئمة ، فهذا نحن ممنونون فيه ونوافق عليه ، فإن كان تخشى أن يصير اعتراض
أو كلام يشوش على الأمة كلها ، لهذا لا فائدة فيه فأنت يجب عليك تراجع مع الشيخ
عبدالله بن حسن في ذلك – وتنظرون في الأصلح – وتقررون قراراً أعتمد عليه فبهذا
نفتح المدرسة ونحن نساعد في كل شيء .
نسأل الله أن يوفق الجميع لما فيه الخير والسداد في
الأقوال والأفعال ، هذا ما يلزم بيانه، والله يحفظكم ، والسلام . التوقيع
(1/صفر/1352هـ) "([57]) .
ومن خلال ما جاء في هذه الرسالة تبين لنا حرص الملك
عبدالعزيز على نشر الثقافة الإسلامية ، ومدى وعيه وبصيرته بأهميته بناء التعليم
والتوجيه على أساس سليم ، إذ يقتضي المقام هنا أن يفي الحريصون على ذلك بإسناد هذه
المهمة الجليلة إلى من ينهض بها من أهل العلم والخبرة بما جاء في كتاب الله وسنة
رسوله من هدى وتوجيهات ، على أن نشر الثقافة الإسلامية ، وغرسها في نفوس الناس على
أساس صحيح كان من أهم ما عني به الملك عبدالعزيز ، وتجلت هذه العناية في مظاهر عديدة،
من أبرزها الحث على تحصيل العلم الشرعي من خلال تخصيص معاهد ودور علم تهتم بتدريس
العلوم الشرعية ، إلى جانب تخصيص جهة تقوم بالتوجيه والدعوة والإرشاد والأمر
بالمعروف والنهي عن المنكر، ثم العمل على نشر أهم مصادر الثقافة الإسلامية
وطباعتها من تفسير وحديث وفقه وعقيدة ، وغير ذلك من العلوم والمعارف ، وهذا الحرص
على تبصير الناس بأمور دينهم جذوره عميقة في نفس الملك عبدالعزيز ، يلح على تأكيده
كثيراً في خطبه ، وفي واحدة منها نجده يقول: ( أنا مبشر أدعو لدين الإسلام ،
ولنشره بين الأقوام ، وأنا داعية لعقيدة السلف الصالح ، وعقيدة السلف الصالح هي
التمسك بكتاب الله وسنة رسوله ، وما جاء عن الخلفاء الراشدين ، أما ما كان غير
موجود فيها فأرجع بشأنه إلى أقوال الأئمة الأربعة ، فآخذ منها ما فيه صلاح
المسلمين ، وأنا مسلم وأحب جمع كلمة الإسلام والمسلمين) ([58]) .
وليس هذا بغريب فالملك عبدالعزيز – كما مر معنا – التزم بالإسلام عقيدة
وشريعة ومنهج حياة ، وضرب للناس في شخصه مثالاً رائعاً لتمثل روح الإسلام في كل
شؤون حياته ، وكان لهذا المسلك أثره الواضح في استقطاب الناس من حوله ، وجذبهم
إليه ، والتجاوب معه فيما يوجههم إليه ، لرغبتهم في الخير، ولاعتقادهم بسلامة قصده
، ونقاء أهدافه ، وثقتهم بما يتمثل في شخصه من ورع وتقوى وصلاح ، وإيمان وثقة
بالله في تحقيق تلك الأهداف الخيرة .
د– نشر كتب السلف وطباعتها :
حرص الملك عبدالعزيز على طباعة مجموعة من كتب السلف
المتخصصة في العلوم الشرعية، وبيان أصول العقيدة الإسلامية ونشرها، انطلاقاً من
حرصه على بث الوعي الإسلامي، وإرساء دعائم العلم الشرعي بين الناس وطلاب العلم
والعلماء ، ليتسنى لهم الارتواء من المنابع الصافية، والمصادر المعتمدة ، وقد كانت
للملك عبدالعزيز جهود كبيرة في هذا المجال ، إذ أمر بنشر مجموعات كثيرة من أمهات
الكتب في العلوم الشرعية وطباعتها، وكذلك والثقافة الإسلامية ، والتاريخية
والأدبية علي نفقته الخاصة، وكانت هذه الكتب تطبع في الهند ومصر والشام في وقت
مبكر ، وقبل توحيد أجزاء المملكة العربية السعودية في كيانها الكبير([59]) .
وقد تولت مطبعة المنار بمصر لصاحبها محمد رشيد رضا
طباعة عدد من الكتب التي أمر الملك عبدالعزيز بنشرها على نفقته الخاصة في مجال
العقيدة والفقه الحنبلي ، ومن أهمها كتاب المغني والشرح الكبير ، وهو من أثرى كتب
الفقه بعامة ، والفقه الحنبلي بخاصة ، وكان الشيخ محمد رشيد رضا يتمنى أن يرزق هذا
الكتاب بمن يتولى نشره لكبر حجمه حيث يصل إلى أثنى عشر مجلداً ، وتحقق له ذلك
حينما تجاوب معه السلطان عبدالعزيز، ووافق على طبعه إلى جانب كتب أخرى في التفسير
، والسنة ، والفقه ، وكان ذلك عام 1341 هـ ، وقد أشاد الشيخ محمد رشيد رضا بهذه
المكرمة السنية حين قال: ( ولا يسعنا إلا أن نعود في هذه الخاتمة إلى الثناء على
مسدي الخير العظيم إلى الأمة الإسلامية بالأمر بطبعه والإنفاق عليه من ماله الخاص
به ، إمام السنة ومحيي عدل الخلفاء وعلوم الأئمة مؤسس المملكتين ، وخادم الحرمين
الشريفين عبدالعزيز بن عبدالرحمن الفيصل آل سعود ملك الحجاز، ونجد ، وعاهل العرب
في كل غور ونجد أعزه الله تعالى ، وأعز به العرب والإسلام ، ونفع به الأنام "([60]) .
وقد أعد الأستاذ عبدالعزيز الرفاعي – رحمه الله – دراسة
مفيدة عن عناية الملك عبدالعزيز بنشر الكتب([61])، تحدث فيها عن تاريخ نشر الكتب ،
وأماكن طباعتها ، وخطة النشر ، وختم ذلك بثبت يحتوي على أسماء الكتب التي طبعت على
نفقه الملك عبد العزيز مرتبة على حروف الهجاء .
وقد وصل بها إلى ثمانية وتسعين كتاباً كلها في التفسير
، والحديث ، والفقه ، والعقيدة ، والتاريخ الإسلامي ، والأخلاق والآداب الشرعية ،
ومن أشهرها :
- الآداب الشرعية والمنح المرعية : لشمس الدين أبي عبدالله محمد بن مفلح
المقدسي الحنبلي . القاهرة – مطبعة المنار ، 1348هـ ، 3 مجلدات ، طبعة هندية (عن
جريدة أم القرى 27 رمضان 1347هـ) .
- إقامة الحجة والدليل وإيضاح الحجة والسبيل على ماموّه به أهل الكذب والمين
لسليمان بن سحمان ، طبعة هندية ( عن جريدة أم القرى 30 رمضان 1347هـ) .
- الإقناع في فقه الإمام أحمد بن حنبل لأبي النجار شرف الدين موسى الحجاوي
المقدسي. ( عن دليل المؤلفات السعودية) .
- الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف على مذهب الإمام المبجل أحمد بن حنبل
للمرداوي ، 20 مجلداً . ( عن دليل المؤلفات السعودية) .
- أوضح البرهان في تفسير أم القرآن للمعصومي . ( عن الوجيز في سيرة الملك
عبدالعزيز لخير الدين الزركلي ص 1029) .
- البداية والنهاية للحافظ ابن كثير الدمشقي ، يقع في أجزاء عدة .
- تأسيــس التقديس في كشف تلبيس داود بن جرجيس لعبدالله بن عبدالرحمن
أبابطين – طبع بمصر . ( عن جريدة أم القرى 27 رمضان 1347هـ) .
- تبرئة الشيخــين الإمامين من تزوير أهل الكــذب والمين لسليمان بن سحمان .
القاهرة – مطبعة المنار – ط1 – 1343 هـ .
- تنبيه ذوي الألباب السليمة عن الوقوع في الألفاظ المبتدعة الوخيمة لسليمان
بن سحمان. القاهرة – مطبعة المنار – ط1 – 1343هـ .
- التوحيد الذي هو حق الله على العبيد لمحمد بن عبدالوهاب – طبعة هندية. (عن
جريدة أم القرى 30 رمضان 1347هـ ).
- التوحيـــد وإثبات صفـــات الرّب عز وجل للحافظ أبي بكر محمد بن إسحق بن
خزيمة بن المغيرة بن صالح بن بكر السلمي النيسابوري . القاهرة – إدارة الطباعة
المنيرية 1354هـ.
- التوضيح في الجمع بين المقنع والتنقيح . جمع شهاب الدين أحمد بن أحمد
العلوي الشويكي المقدسي على مذهب الإمام المبجل أحمد بن حنبل . ط1 – 1371هـ /
1952م – مطبعة السنة المحمدية – القاهرة ص 498 .
- جامع الأصول من أحاديث الرسول e لأبي السعادات مبارك بن محمد بن الأثير الجزري .
القاهرة – مطبعة السنة المحمدية – ط1 – 1368هـ ، 12 مجلداً.
- جامع المسالك في أحكام المناسك لعبدالله بن بلهيد . مكة المكرمة – مطبعة أم
القرى. ( عن جريدة أم القرى 30 رمضان 1347هـ ).
- الجواب الصحيح لمن بدّل دين المسيــــح لابن تيميــــة. القاهرة – مطبعة
المدني– 1379هـ، 4 أجزاء .
- الجواب الكافي لمن سأل عن الجواب الشافي . طبعة مصرية . ( عن جريدة أم
القرى 30 رمضان 1347هـ، ودليل المؤلفات السعودية) .
- الدرر السنية في الأجوبة النجدية ( مجموع رسائل ومسائل علماء نجد الأعلام)
من عصر الشيخ محمد بن عبدالوهاب إلى وقتنا هذا–1352هـ جمعها : عبدالرحمن بن محمد
بن قاسم العاصمي القحطاني النجدي ، مكة المكرمة – مطبعة أم القرى – ط1 – 1352هـ،
يقع في أربعة أجزاء .
- الردّ على المنطقيين لابن تيمية . بومباي – المطبعة القيمة – 1368هـ .
- روضة الأفكار ( تاريخ ابن غنام) لحسين غنام . طبعة هندية – مجلدان. ( عن
جريدة أم القرى 27 رمضان 1347هـ، والوجيز في سيرة الملك عبدالعزيز ص 1029) .
- روضة المحبين ونزهة المشتاقين لابن قيّم الجوزية . دمشق – تصحيح وتعليق
أحمد عبيد. ( عن مجلة الدارة العدد 4 السنة 3 – 1398هـ ، مقال : حركة إحياء التراث
بعد توحيد الجزيرة . أحمد الضبيب) .
- روضة الناظر وجنة المناظر في أصول الفقه على مذهب الإمام أحمد بن حنبل
لابن قدامة المقدسي ، ومعها شرحها نزهة الخاطر العاطر لعبد القادر أحمد بن مصطفى
بدران الرومي ثم الدمشقي . القاهرة – المطبعة السلفية ، 1342هـ .
- زاد المعاد في هدي خير العباد لابن قيم الجوزية ، 4 مجلدات. (عن دليل
المؤلفات السعودية).
- الزهد للإمام أحمد بن حنبل. ( عن دليل المؤلفات السعودية).
- السنّة للإمام أحمد بن حنبل، عني بتصحيحه والإشراف على طبعة لجنة من
المشايخ والعلماء تحت رئاسة عبدالله بن
حسن بن حسين آل الشيخ . مكة المكرمة – المطبعة السلفية، 1349هـ ، 3 أجزاء .
- شرح تهذيب سنن أبي داود لابن القيم
، ومعالم السنن للخطابي ، ومختصر السنة للمنذري ، في (8) مجلدات. ( عن
الوجيز في سيرة الملك عبدالعزيز ص 1030) .
- شرح الطحاوية في العقيدة السلفية لصدر الدين علي بن علي بن محمد بن أبي
العّز الحنفي، عني بتصحيحها والإشراف على طبعها لجنة من المشايخ والعلماء تحت
رئاسة عبدالله بن حســن بن حسين آل الشيخ . مكة المكرمة– المطبعـــة السلفية
1349هـ .
- شفاء الغرام بأخبار البلد الحرام لأبي الطيب تقيّ الدين محمد بن أحمد بن
علي الفاسي المكي المالكي ، مجلدان . ( عن دليل المؤلفات السعودية).
- الصواعق المرسلة لابن القيم ، مجلدان . (عن الوجيز في سيرة الملك
عبدالعزيز ص 1030).
- الصواعق المرسلة الشهابية على الشبه المدحضة الشامية لسليمان بن سحمان .
طبعت بالهند. ( عن جريدة أم القرى 27 رمضان 1347هـ) .
- الضياء الشارق في رد شبهات المازق المارق لسليمان بن سحمان . القاهرة –
مطبعة المنار – ط1 – 1344هـ .
- طبقات الحنابلة لأبي الحسين محمد بن أبي يعلى ، اختصار شمس الدين أبي
عبدالله محمــد بن عبد القادر بن عثمان النابلسي ، صححها وعلق عليها أحمد عبيد .
دمشق – مطبعة الاعتدال – 1350هـ .
- الطرق الحكمية في السياسة الشرعية أو الفراسة المرضية في أحكام السياسة
الشرعية لابن قيم الجوزية. ( عن دليل المؤلفات السعودية) .
- عقود الجواهر المنضدة الحسان ، ديوان شعر لسليمان بن سحمان . الهند –
بومباي – المطبعة المصطفوية .
- فتاوي ابن تيمية – طبعت بمصر. ( عن جريدة أم القرى 27 رمضان 1347هـ).
- الفتح الرباني شرح مسند الإمام أحمد ، 20 مجلداً. ( عن دليل المؤلفات
السعودية).
- فتح المجيد في شرح كتاب التوحيد لعبد الرحمن بن حسن. ( عن الوجيز في سيرة
الملك عبدالعزيز ص 1030).
- كشاف القناع عن متن الإقناع للشيخ منصور بن يونس البهوتي ، 6 مجلدات. ( عن
دليل المؤلفات السعودية ).
- كشف الشبهات لمحمد بن عبد الوهاب. ( عن الوجيز ص 1031) .
- كشف غياهب الظلام عن أوهام جلاء الأوهام براءة الشيخ محمد بن عبدالوهاب عن
مفتريات هذا الملحد الكذاّب ، لسليمان بن سحمان – طبعة هندية . ( عن جريدة أم
القرى 30 رمضان 1347هـ) .
- لطائف المعارف فيما لمواسم العام من الوظائف لعبدالرحمن بن رجب ، طبعة
مصرية. ( عن جريدة أم القرى 27 رمضان 1347هـ) .
- مجموعة التوحيد النجدية . القاهرة – مطبعة المنار – ط1 – 1346هـ .
- مجموعة الحديث النجدية تصحيح وتعليق محمد رشيد رضا . القاهرة – مطبعة
المنار – 1342هـ .
- مجموعة خطب ابن عبدالوهاب ، طبع بمطبعة أم القرى بمكة المكرمة . ( عن
جريدة أم القرى 30 رمضان 1347هـ ) .
- مجموعة رسائل وفتاوى في مسائل مهمة تمس إليها حاجة العصر لعلماء نجد
الأعلام. القاهرة – مطبعة المنار – ط1 –
1346هـ .
- وفي جريدة أم القرى 30 رمضان 1347هـ ( مجموعة رسائل وفتاوي)، هي: الأولى:
للشيخ عبد الله بن عبد اللطيف ، الثانية: للشيخ سعد بن عتيق ، الثالثة: لمحمد بن
عبد اللطيف وللشيخ عبد الله العنقري ، الرابعة: للشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن ،
الخامسة : للشيخ سليمان بن سحمان .
- مجموعة الرسائل والمسائل النجدية . ( فتاوى ورسائل ) لعلماء نجد الأعلام ،
ط1 – 1346هـ – القاهرة – مطبعة المنار ، 3 أجزاء .
- مختصر سيرة الرسول e ، لمحمد بن
عبدالوهاب. ( عن دليل المؤلفات السعودية).
- مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة لابن قيم الجوزية . مكة المكرمة – المطبعة
السلفية 8431هـ . جزءان .
- مختصر المقنع في فقه الإمام أحمد بن حنبل . اختصره أبو النجا ، طبع بمصر.
( عن جريدة أم القرى 72 مضان 7431 ) .
- مدارج السالكين شرح منازل السائرين. ( عن دليل المؤلفات السعودية) .
- مصباح الظلام في الرد على من كذب على الشيخ الإمام لعبد اللطيف بن
عبدالرحمن بن حسن – طبعة مصرية . ( عن جريدة أم القرى 27 رمضان 1347هـ وعن الوجيز ص 1030 ، ودليل المؤلفات السعودية
).
- المغني لابن قدامة ، القاهرة –دار المنار – ط3 – 1367هـ ، 9 مجلدات .
- المغني ، ويليه الشرح الكبير ، لابن قدامة المقدسي . القاهرة – مطبعة
المنار – 1346هـ، 12 مجلداً .
- مناسك الحج على المذاهب الأربعة لابن حسن وابن مانع. ( عن الوجيز ص 1031).
- منتهى الإرادات في جمع المقنع مع التنقيح وزيادات لتقي الدين محمد بن أحمد
الفتوحي الحنبلي المصري الشهير بابن النجار ، 6 مجلدات. ( عن دليل المؤلفات
السعودية) .
- منهاج السنة النبوية في نقض كلام الشيعة والقدرية ، وعلى هامشه موافقة صريح
المعقول لصحيح المنقول لابن تيمية . طبعة مصرية . (عن جريدة أم القرى 30 رمضان
1347هـ ، ودليل المؤلفات السعودية).
- النفحة القدسية والتحفة الأنسية لأحمد بن عبدالقادر الحفظي النجدي .
القاهرة – مطبعة المنار – ط1 – 1346هـ .
- نقض المنطق لابن تيمية. ( عن دليل المؤلفات السعودية).
- الهدية السنية والتحفة الوهابية النجدية مجموعة خمس رسائل لكبار أئمة نجد
وعلمائها. القاهرة – مطبعة المنار – ط2 – 1344هـ.
- الأولى : للإمام عبدالعزيز الأول ابن الإمام محمد بن سعود .
- الثانية : للشيخ عبدالله ابن الشيخ محمد بن عبدالوهاب .
- الثالثة : للشيخ أحمد بن ناصر بن معمر .
- الرابعة : للشيخ عبداللطيف ابن الشيخ عبدالرحمن آل عبدالوهاب .
- الخامسة : للشيخ محمد ابن الشيخ عبداللطيف آل عبدالوهاب .
- وملحق بها قصيدة دالية لجامع الكتاب الشيخ سليمان بن سحمان ، وقصيدة للشيخ
ملا عمران بن رضوان .
- وأرجوزة للشيخ محمد ابن الشيخ أحمد الحفظي .
هـ – اقتران العلم بالعمل :
اقتران العلم بالعمل نهج سلكه الملك عبدالعزيز ، وأعطى
به مثلاً رائعاً في التطبيق العملي لما وعاه من علم وثقافة إسلامية ، وتجسد ذلك في
سلوكه وتصرفاته ، وإدارته وتوجيهاته وحكمه ، وكثيراً ما كان يؤكد – كما مر معنا –
التزامه بتوجيهات أهل العلم، كما حرص كل الحرص على تطبيقه للشريعة الإسلامية في
بلاده تطبيقاً كاملاً يشمل جميع مناحي الحياة ، ومن هذا المنطلق كان – رحمه الله – رجل عمل، وليس رجل
قول فقط ، ويؤكد ذلك هو نفسه حين قـال: ( أنا لست من رجال القول الذين يرمون اللفظ
بغير حساب ، فأنا رجل عملي إذا قلت فعلت ، وعيب عليّ في ديني وشرفي أن أقول قولاً
لا أتبعه بالعمل؛ لأن هذا شيء ما اعتدت عليه ، ولا أحب أن أتعوده أبداً) ([62]). ولا ريب أن هذا
الوعي نابع من توجيهات القرآن وهديه في قوله تعالى: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ
آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ ، كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللَّهِ
أَنْ تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ }([63]) .
وانطلاقاً من هذا النهج دعا إلى ضرورة إتباع العلم
بالعمل ؛ لأن ثمرة العلم تكمن في تطبيقه ، إذ العلم الذي لا يصدر فيه صاحبه عن هذا
المسلك الواقعي العملي قد يكون عديم الفائدة ، بل ربما كان وبالاً وحجة على صاحبه
، ويظهر هذا التوجه عند الملك عبدالعزيز من خلال خطبته التي ألقيت في حفل خريجي
المعهد العلمي السعودي بمكة حين قال مخاطباً الطلاب : ( أيها الأبناء : إنكم أول
ثمرة من غرسنا الذي غرسناه في المعهد ، فاعرفوا قدر ما تلقيتموه فيه من العلم ،
واعلموا أن العلم بلا عمل كشجرة بلا ثمر ، وأن العلم كما يكون عوناً لصاحبه يكون
عونًا عليه ، وليس من يعلم كمن لا يعلم ، وقليل من العلم يبارك فيه خير من كثير لا
يبارك فيه والبركة في العمل) ([64]) .
على أن ما تحقق على يديه من انجازات عظيمة شملت كل
الميادين الدينية والحضارية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية في بناء كيان
الدولة الكبير لهو خير شاهد على أن الأفعال تسبق لديه الأقوال ، وتلك الانجازات
التي تمت وتحققت في زمن قياسي بكل المقاييس الحضارية كانت مثار إعجاب ودهشة قادة
العالم ومفكريه ، إذ حيرتهم تلك النقلة الواسعة البعيدة المدى في زمن قصير من حياة
بدائية إلى حياة الحضارة والرقي والتقدم ، في ظل دولة ذات كيان قوي ، وحضور عالمي مشهود بفضل الله ، ثم بفضل قائد مسيرتها
الملك عبدالعزيز – رحمه الله – الذي جسد العلوم والأقوال لتصبح حقيقة وأفعالاً .
و – البعد عن التعصب المذهبي ، ونبذ كل ما يدعو إلى الاختلاف والفرقة :
حرص الملك عبدالعزيز على البعد عن التعصب المذهبي ،
ونبذ كل ما يدعو إلى الاختلاف والفرقة بين أبناء الأمة الإسلامية ، ويستند في ذلك
على أساس متين ، عماده الأخــذ بما جاء عن الأئمة الأربعة من أقوال تساندها الأدلة
القوية من كتاب الله وسنة رسوله ، وجاء تأكيد هذا النهج في خطابه الموجه إلى الشيخ
عبد الطاهر أبي السمح، حينما طلب إذنًا بفتح دار للحديث بمكة إذ مما أجابه به
قوله: (والمقصود من ذلك تعرفون أن أئمة الإسلام أنهم الأئمة الأربعة ، وأن لهم مما
بينوه من الأمور الفقهية التي من الكتاب والسنة ، ومذهب السلف الصالح اليد الطولى
بذلك ، ولا يعترض على علمهم إلا كل إنسان ماله معرفة بالدين الحقيقي ، ولا شك أنّ
المرجع كتاب الله وسنة رسول الله e ، وكل أمر
يخرج عنه باطل ، فإذا وجد الدليل من كتاب الله وسنة رسوله ، وما عليه السلف الصالح
فهو البرهان والدليل ، فإذا ما وجد المرجع من المذاهب الأربعة أولى من الجهل ،
والاجتهاد الذي ما تحمد عقباه) ([65]). وإذا كانت قناعة
الملك عبدالعزيز اتجهت إلى اعتماد المذهب الحنبلي في بلاده ، فإن ذلك لا يعني بحال
من الأحوال التقليل من شأن المذاهب الأخرى ، بل كما يبدو من خطابه السابق نجده
يفصح عن فضلها ومكانتها في تبصير الناس بأمور دينهم ، فهو يحبذ الأخذ بما جاء عن
أئمتها من أقوال لها ما يساندها من كتاب الله وسنة رسوله ، وما عليه السلف الصالح،
ولهذه المذاهب جميعاً في نفسه كل تقدير واحترام ، وتأكيد ذلك جاء على لسانه في
خطبة له بمكة حين قال : (نحن نحترم الأئمة الأربعة ، ولا فرق عندنا بين الأئمة
مالك والشافعي وأحمد وأبي حنيفة كلهم محترمون في نظرنا) ([66]). وفي ذلك دليل واضح
على حرص الملك عبدالعزيز على البعد عن التعصب لمذهب بعينه ، وإنما يأخذ من أي مذهب
ما دام ما جاء عنه مبنياً على أساس من كتاب الله وسنة رسوله وما عليه السلف الصالح
، ويفصح عن نهجه هذا في مناسبات عديدة ، منها ما صدر عنه عام 1352هـ في مؤتمر
للحجاج بمكة حين قال: ( وقد جعلنا الله – أنا وآبائي وأجدادي – مبشرين ومعلمين
بالكتاب والسنة ، وما كان عليه السلف لا نتقيد بمذهب دون آخر... ومتى وجدنا الدليل
القوي في أي مذهب من المذاهب الأربعة رجعنا إليه وتمسكنا به ، وأما إذا لم نجد
دليلاً قوياً أخذنا بقول الإمام أحمد رحمه الله ، فهذا كتاب ( الطحاوية )
والطحاوية من الكتب العميقة التي لا يقرؤها إلا عالم متبحر وهي في التوحيد، وفي
العقيدة التي نقرؤها، وشرحه الأحناف، وهذا تفسير ابن كثير وهو شافعي ... وما كان
مخالفاً لهذا القول فهو كذب وافتراء علينا) ([67]) .
ومن يقرأ هذا القول يدرك رغبة الملك عبدالعزيز في
الوصول إلى الحق من خلال المصادر المعتمدة لأئمة الفقه والعلم الذين طبقت شهرتهم
الآفاق ، وانتشرت علومهم ومؤلفاتهم في أرجاء الدولة الإسلامية ، وحازت على القبول
عند أهل العلم لما تتسم به من نهج صحيح ، وأساس سليم يقوم على أساس من الكتاب
والسنة ، وتوجيهات السلف الصالح ، ولهذا لم تقف به الإفادة من العلماء والفقهاء عند صاحب مذهب بعينه، فقد
كان شرح الطحاوية في العقيدة يقرأ في مجلسه ومؤلفه حنفي ، وكذلك تفسير ابن كثير
ومؤلفه شافعي ، وهذا هو ديدن الملك عبدالعزيز ، لم يكن متعصباً لرأيه ، وقوله، إن
وجد الصواب والحق عند غيره ، فقد كان ( عنيداً مع الأقوياء متواضعاً مع الضعفاء،
ولكنه مع عناده كان يسمع الرأي الآخر ، فإذا اقتنع به رجع إليه ؛ لأنه اتخذ من
الحق والشريعة أماماً وحكماً ، وكان يؤمن أن الأقوياء هم الذين يرجعون عن أخطائهم،
والضعفاء هم الذين يتمسكون بها) ([68]) .
ثالثاً : موهبــة الخطابــة :
لدى الملك عبدالعزيز موهبة خطابية تمكنه من التعبير عما
يجيش في نفسه بقول بليغ يتميز بالبيان والفصاحة ، وتبرز خلاله القدرة في التأثير
على السامعين وإقناعهم ، وقد استطاع ببراعة تامة أن يخاطب طبقات الناس، وفئات
المجتمع على اختلاف مستوياتهم، ونزعاتهم وتوجهاتهم، وذلك غاية ما يتوخاه واضعو
أصول الخطابة والخطيب الناجح، وقد وصف الزركلي هذه الموهبة وصفاً دقيقاً عن حضور
ومشاهدة([69])، ويمكن أن نستنتج من
كلامه أبعاد هذه الموهبة وطبيعتها، ومدى تأصلها وتألقها لدى الملك عبدالعزيز على
النحو الآتي :
أ – أن الملك عبدالعزيز في مواقف كثيرة لم يكن يعمد
إلى إعداد الخطبة إعداداً مسبقاً، وإنما لديه مقدرة على أن يخطب بداهة وعلى سجيته
، ويفيض في ذلك دون تكلف أو تلعثم أو تردد ، وله مقدرة على التحليل والتفصيل مع
شيء كثير من الذكاء والفطنة ، واللياقة ، ومراعاة مقتضى الحال والمقام ،وهو بذلك
يملك من المواهب الخطابية ما يجعله يشد السامعين إليه ويدهشهم ، ويصل إلى قلوبهم
بكلامه الذي يخرج من القلب بكل صدق وإخلاص ، بعيداً عن التصنع والتملق وقد نوّه
بهذه الموهبة أحد من استمع إليه من الأجانب، وهو ( كنت وليمز) حين قال: ( مواهب
ابن سعود الخطابية عظيمة ، بل هي من عوامل احتفاظه بعرشه . يُظهر مقدرة عجيبة في
أحاديثه الخاصة والعامة ، وهو إذا تكلم تدفق كالسيل ، يحب التحليل ورد الشيء إلى
أصله ، شديد الولع بتشريح المواضيع تشريحاً يدل على ذكاء وفطنة ولياقة . يخاطب
البدوي بلهجة البدوي ، والحضري بلهجة الحضري . وما استمع إليه أجنبي إلا خرج
مفتوناً بحديثة) ([70]) .
ب– أن بعض الخطب كان الملك
عبدالعزيز يضع أفكارها وعناصرها ، ويمليها على بعض كتابه ، ثم تصاغ صياغة أدبية
وخطابية ، ويتولى إلقاءها مكتوبة أحد مستشاريه أو وزرائه بالنيابة عنه .
جـ – يستلهم خطبه من واقع مجتمعه
، وما تقتضيه بعض الأحداث والأمور، ويعطي ذلك كله ما يستحقه من القول في ثنايا
الخطبة ، ولا سيما ( إذا استفزه في خلالها أو قبل شروعه فيها قول أو حدث يستثيره ،
وإذا كان في الخطباء من يدركه العثار حين يستثار ، فالملك عبدالعزيز كان أبين ما
تراه حين يجد الجد ويقدح الزند) ([71]) .
د – درج
على أن يطعم خطبه بنصوص وشواهد مستمدة من القرآن الكريم ، والحديث النبوي الشريف ،
أو بما يرد في خاطره من معاني يستفيدها من هدى الكتاب والسنة ، وقد يتمثل بشيء من
الشعر " وينطلق في فسيح من مجال القول بشواهد حية من أحداث عرفها وحجج
وبراهين"([72]) . وتدور خطبه في
الغالب بشأن بيان منهجه في الحكم من حيث الالتزام بالإسلام عقيدة وشريعة ومنهج
حياة ، وشرح بعض الأمور التي تتصل بالعقيدة الإسلامية، وبيان محاسنها، والإلحاح
على التمسك التام بها ، وبيان منهجه ومنهج الدولة في إدارة دفة الحكم، ورسم معالم
سياسة الدولة الداخلية والخارجية ، إلى جانب إلقاء الضوء على بعض ما يجد من أمور
وقضايا وأحداث ومناسبات تظهر على الساحة، وتستوجب الحديث والتوجيه والنصح، وبيان
النهج الأمثل في معالجتها، وإيضاح معالمها([73]). وأشار الأستاذ عثمان الصالح إلى
أن بعض خطبه تشتمل على تفسير الفاتحة ، وأركان الإسلام تفسيراً موجزاً في غاية
من اختصار اللفظ مع وضوح المعنى([74]) .
رابعاً – الموهبـة الأدبيـة :
يتمتع الملك عبدالعزيز بموهبة أدبية تمثلت في قوله
الشعر النبطي إلى جانب تذوقه للشعر العربي الفصيح ، ولديه موهبة واضحة في الصياغة
النثرية لبعض ما يكتبه ، وأثرت عنه مواقف نقدية ، وآثار شعرية ونثرية تدل دلالة
واضحة على تنامي الموهبة الأدبية لديه ،
ويمكن أن نعرض لآثار هذه الموهبة ومعالمها فيما يأتي :
أ– يأنس الملك عبدالعزيز بالأدب شعراً ونثراً ، ويتذوقه
، ويتطلع إلى قراءة المزيد منه وحفظه، ويظهر هذا من خلال مجالس القراءة التي تحدثت
عنها سابقاً ، فهي تشمل القراءة في كتب الأدب شعراً ونثراً ، وأكثر من ذلك نجد
التعلق بالأدب، والاطلاع على كنوزه لا تغيب عن الملك في حله وترحاله ، إذ تراه في
بعض رحلاته وأسفاره يصطحب معــه أحد العلماء والرواة الضليعين في الأدب وفنونه
وروايته حفظاً واطلاعاً، وهو الشيخ الجعبري ، ويطلب منه في أثناء الرحلة ، أن يفيض
مما عنده من مخزونه في فنون الأدب والشعر ، فيسوق من ذلك الشيء الكثير الذي يدعو
للعجب ، ويوحي بسعة اطلاع العجيري ، وحفظه لقدر كبير من تراث العرب الأدبي ، وقد
تحدث عن صنيعه هذا الشيخ يوسف ياسين في الرحلة الملكية حيث قال: ( فإذا بدأ في
روايته رأيته كالسيل المنحدر يغرف من بحر ، ولا يتلعثم ولا يتلكأ ، يصل القول
بالقول ، ويعزو كل قول لقائله ، ثم نراه يغرّب ويشرّق ، ويجوب حدائق الأدب العربي
، يقتطف من كل غصن زهرة ، وينثر علينا من زهور اجتناها وأودعها ذاكرة ما رأيتها
خانته في ليلة ، ولا عزت عليه على طول الإدلاج ، وتكرر الأيام ) ([75]). وفي مكان آخر يقول
عنه : ( ولقد أقام لنا الشيخ الدليل على أن ما رُوِيَ لنا عن أخبار الرواة الأولين
وما كانوا يحفظونه من الشعر والنثر أمثال حماد والأصمعي وأبي عبيد حقائق واقعة .
وكان الملك عبدالعزيز إذا استقر به المقام في منزل من
منازل الرحلة يحضر الشيخ العجيري مجلسه ، فيسأله الملك عن أحسن ما قالته العرب في
الوصف ، أو في الحماسة، أو في الكرم ، أو في غير ذلك من فنون الكلام ، فلا تلقى
الشيخ إلا حاضر البديهة ، سريع الخاطر ، يجيب كأنه استعد للجواب من قبل واستحضر له
، وأمره لم يكن كذلك بل هو وحي الخاطر وسرعة ذاكرته) ([76]) .
وكان الملك عبدالعزيز يتغنى بالشعر الشعبي في بعض
المناسبات ، ويطرب له كما أشار الزركلي عن ابن بليهد أنه كان في صحبة الملك
عبدالعزيز ، ونزلوا على بئر الخُريزة في وادي بِرْك قال : فعرض علينا الملك . وقال
: غنوا يا أهل شقرا فتجاذبنا الأصوات بأبيات منها :
حنا رجعـــــنا من الأفلاج
كـــــل اللـوازم قضـينــاهــا
والهجن فوق الخُريزة داج
ضامي وعطـن على ماهــا([77])
ب – القدرة على تذوق الشعر العربي، وإدراك دقائق معانيه
، وتقويم بعضها ، وتشهد له بذلك بعض المواقف منها ، ما أورده الزركلي عن الريحاني
أنه رأى على باب القصر الملكي بيتًا
معروفاً من الشعر وهو :
لسنا
وإن أحسابنا كرمت يـوماً على
الأحساب نتكل
فقال للملك : هذا مبدأ شريف يا مولاي ، لكن البيت
الثاني :
نبني
كما كانت أوائلنــــا تبني ونفعل
مثل ما فعلوا
فقال الملك : نحن نبني يا أستاذ كما كانت أوائلنا تبنى ، ونفعل – إن شاء الله –فوق
ما فعلوا([78])، وكأن الملك عبدالعزيز
يشير بذلك إلى أن القراءة السليمة لعجز البيت في تقديره هي (تبني ونفعل فوق ما
فعلوا)، ويصف ذلك الأستاذ عثمان الصالح بأنه منتهى الوعي والذوق الأدبي([79])، ومثل هذا الموقف ما
ذكره الزركلي عن يوسف ياسين، قال:" كنت مع الملك في رحلة بالبر قبل أيام السيارات ، وأظلم الليل
فجال في خاطري أن أتمثل بقول الشاعر :
لمعت
نارهم وقد عسعس الليل وضلّ الهادي
وحار الدليل
فقال الملك : كفانا الله الشر … العرب تتشاءم من هذا البيت يا
يوسف"([80]) .
وإلى جانب ذلك نجده يستحضر الشواهد من الشعر العربي عند
الحاجة ، وفي بعض المناسبات ، وثَمّ مواقف عديدة تشهد لذلك منها : أنه تحدث مرة مع
عبدالوهاب كاتب الحرم ، وأحد وزراء الشريف حسين السابقين ، ولدى مصافحة عبدالوهاب
له علّق على نعومة يدي جلالته معبراً عن دهشته أن تكونا يدي محارب مثله ، ولم
ينزعج الملك، أو يحرج ، بل ابتسم واستشهد ببيت الشعر المشهور :
إن الأفاعي
وإن لانت ملامسها عند التقلّب في
أنيابها العطب([81])
وأورد الزركلي عدداً من النصوص الشعرية التي يستشهد بها
الملك عبدالعزيز ويرددها في المناسبات، وهي([82]) قول الأفوه الأودي :
تهدي
الأمور بأهل الرأي ما صلحت وإن
تولّـــــت فبالأشـــــرار تنقــــــاد
لا
يصلح الناس فوضى لا سراة لهم ولا
ســـــراة إذا جهالهـــــم ســـادوا
وقول علي بن المقرب الأحسائي :
تجاف
عن العتبى فما الذنب واحــد وهب
لصروف الدهر ما أنت واجد
إذا
خانك الأدنى الذي أنت حزبــه
فواعجبــــــاً إن سالمتك الأباعــــــــد
وسُمِعَ يتمثل بقول الفرزدق :
لا
نقتل الأسرى ولكن نفكـــــــــهم
إذا أثقــــــــل الأعناق حمل المغارم
وهذه الشواهد لها دلالتها ، فهي من الأبيات السائرة
التي تجري مجرى الحكمة ، وتعبر عن قيم ومعاني إنسانية ، وتوجيهات سديدة ، صدرت عن
تجارب ووعي بواقع الحياة والناس ، ومن يرددها يدرك ويعي مضمونها ، ويسوقها للغرض
المناسب الذي ترمي إليه ، وهذه المواقف والشواهد تبرز بكل وضوح مدى ما يتمتع به
الملك عبدالعزيز من تذوق للشعر العربي، وسرعة بديهة في استحضار بعض الشواهد منه
إلى جانب الوعي بمعانيها ومضمونها .
جـ – أن لدى الملك عبدالعزيز موهبة الشعر النبطي الشعبي
، فقد أثرت عنه أبيات ومقطوعات عديدة قالها في بعض المناسبات، وقد أورد أمثلة من
شعره الأستاذ فهد المارك، والأستاذ حمد الحقيل([83])، وأشار الأستاذ فهد المارك إلى
مصدره الذي استقى منه ما أورده الأديب محمد السديري الذي يقوم برصد هذه القصائد في
كتاب خاص بها، ويذكر الزركلي أن رشدي ملحس كان أخبره بعرفه على تدوين ما ينسب
للملك عبدالعزيز من شعر نبطي([84]) .
د – أن لدى الملك عبدالعزيز موهبة أدبية في مجال النثر
، برزت في الخطابة كما عرفنا سابقاً ، وفيما يتحدث به كما سيأتي، وإلى جانب ذلك
لديه موهبة واضحة فيما يكتبه أو يمليه من رسائل ، وقد نوّه بذلك الأستاذ فهد
المارك حين قال : ( أما ما يتمتع به عبدالعزيز من موهبة النثر فإن من يقرأ الرسائل
والبرقيات التي يمليها على كتاب ديوانه يبدو له الأمر واضحاً أن لديه ملكة قوية
ذات قدرة على صياغة المعاني الجيدة العارية عن التنميق والتزويق) ([85]) .
خامساً : الفـكر السياسـي :
يتمتع الملك عبدالعزيز – رحمه الله – بفكر سياسيّ نير رحب
الآفاق بعيد الأغوار في شؤون السياسية الداخلية والخارجية ، وله في هذا المجال
نظرات صائبة يسددها عقل يخطط ويدبر بحكمة واتزان ، وفكر واعٍ بأحوال القبائل
والرجال الذين تعامل معهم ، فيما هو محيط به من قرى وهجر إبان تأسيس الدولة
وتوحيدها، ولم شملها، وبأحوال العالم من حوله ، وما يعج به من مشكلات وتيارات
سياسية .
وتاريخه المجيد حافل بمواقف كثيرة في نهجه السياسي
وتعامله مع القضايا ، والسياسة الداخلية ، وكذلك السياسة الخارجية مع الدول
العربية والإسلامية ، والغربية ، ذلك النهج الذي كان مثار إعجاب خصومه قبل أصدقائه
ومناصريه وهو حافل بصور رائعة وحية من الحنكة والخبرة والدراية السياسية ، ولا
يتسع المقام لبسط القول في جميع جوانب الفكر السياسي لدى الملك عبدالعزيز؛ إذ
الحديث في هذا الجانب واسع، ويحتاج إلى دراسة خاصة به ، وقد تناولته بعض الدراسات
والبحوث([86]) ، وتحدث الكثيرون عن
عمــق فكره السياسي ، وأشادوا به ، يقول حافظ وهبة مستشاره الخاص: (لقد كان
عبدالعزيز سياسياً بارعاً ، وكان واقعياً لا يخدعه الخيال ، ولا يتمسك بالأوهام ) ([87]). ويقول عبدالله
فلبي: ( وجدت ابن سعود رجل عمل لا يكل ولا يمل
… وهو رجل ذو مواهب عملية وذو إلمام طيب بشؤون العالم ، وعلى علم تام
بمشاكل السياسات العربية التي يقف منها موقف المشاهد بالغ الاهتمام) ([88]). ومن المفيد أن
نتلمس بعض معالم فكر الملك عبدالعزيز ونهجه السياسي فيما يأتي :
أ– يصدر الملك عبدالعزيز في فكره السياسي عن أساس من
الثقافة والاطلاع على أحوال الناس والعالم من حوله للتعرف على أحداثه ومجرياتها،
ويشير إلى ذلك الأستاذ عبدالعزيز التويجري في حواره الشيق الذي جاء فيه " قيل
لي: إنه – رحمه الله – في أيامه مع الصراع ومع سوء الفهم بينه وبين الإخوان الذين
كانوا يقومون بغارات على حدود البلاد العربية : الكويت ، العراق ، الأردن ،
بنيّة الاقتحام ، أن بعض من حوله قال له :
لماذا لا تتركهم على ما هم عليه ، لتسلم من سوء فهمهم لك ولتطورات العصر ؟ فغضب
رحمه الله، وقال : – ما معناه– كيف تجرؤ على قول هذا الكلام عندي ؟! أتريد مني أن
أرميهم في التهلكة، وأعرض وحدة هذا الشعب إلى الأخطــار والتبدد والتوزع ؟ إنهم
لحم وعظم، سلاحنا بندقية، وسلاح بريطانيا وفرنسا بل والغرب أجمع قلاع من الحديد في
الأرض وفي السماء وقنابل الموت والدمار ، أتريد مني أن أضحي بإخواني وفئة من شعبي
لا تدرك حقائق العصر ومخترعاته ؟ أعوذ بالله منك ومما قلته … !! ليكن في علمك
وعلم سواك أنني قبل أن أخرج من الكويت أفرغتُ نفسي لقراءة ما أمكنني قراءته من
التاريخ ، وخصوصاً تاريخ دولتنا الأولى والثانية، وكيف قامتا؟ وكيف صانهما رجل؟
وكيف سقطتا على يد آخــر؟ تكونت لدي آنذاك صور عن جزء من التاريخ في قيام الدول
وسقوطها ، وسيرى من يأخذ علي وقوفي عند هذه الحدود أني بذلك على صواب ، هذه الحدود
يقف عليها في الجهة المقابلة في العراق، في الأردن، في فلسطين، في دمشق ، في مصر ،
في عدن والخليج العربي إلى ما وراء ذلك ، استعمار بغيض. شعوبنا العربية في هذه
البلاد لستُ أقوى منها ، ولا تملك بلادي قدراتها المادية والبشرية ، وليس شعبنا
أكثر منها وعياً ، هي شعوب أملت على التاريخ حضارات عظمى وفتوحات في عالم واسع ،
وقد جئتُ إلى بلادي بحسابات دقيقة أملاها عليّ التاريخ وأرسلتها إليّ الأحداث
والعبر خصوصاً من دولتنا الأولى والثانية"([89]) .
وكان يسعى للتعرف على ما يجري في العالم من تيارات
ومذاهب سياسية وفكرية ، وقد يستفسر عن ذلك من بعض المثقفين والمفكرين الذين يحضرون
بعض مجالسه ، يذكر الأستاذ أحمد عبدالغفور عطار أنه ( كان في سنة 1359هـ/ 1939م
بمجلس الملك عبدالعزيز العامر بمكة المكرمة ، في أيام الحج ... وكان في المجلس
كثير من أقطاب العرب والمسلمـين، وسأل سؤال من يريد أن يتعلم، وقال : يا إخوان
أريد أن أفهم ما الشيوعيــة ؟
فقلت – يا طويل العمر –: إن الشيوعية أخطر مذهب وألأمه
– من اللؤم– في هذه الأرض ، فهو ينكر وجود الله، ويجحد رسالات الرسل جميعاً ، وبنوا
مذهبهم على زعمهم أن لا إله إلا المادة … إلى آخر حديثه ) ([90]) .
وكان يتطلع إلى معرفة أحوال العالم من خلال قراءة الصحف
العربية والأجنبية التي يترجم له ما تحتوي عليه من أخبار العالم لتدارسها ،
والتفكير فيها ومناقشتها للخلوص فيها إلى
رأي أو موقف ، وشهد بسعة أفق فكره السياسي بعض المؤلفين الإنجليز مثل الكاتب
الإنجليزي (بلارد) الذي وازن بين الملك عبد العزيز وسياسيين آخرين ، وخرج بنتيجة
هي ( أن ميزة ابن سعود الأكثر وقعاً في حكمته السياسية ، وقد تطورت هذه الميزة مع
تنامي مسؤولياته حتى بات في مستوى كل وضع محتمل أو مستجد، ملم بالشؤون الدولية ،
وما لديه يفوق ما عند كثير من المثقفين الأوربيين) ([91]). ويرجع ذلك كما أشار
الأستاذ عبدالعزيز التويجري إلى رصيده الضخم من المعلومات عن مسرح السياسة الدولية
، ولديه قسم كبير في قصره خصص لرصد المعلومات المهمة ونشرات الأخبار وقراءة
التاريخ([92]) .
ب– يقوم الفكر السياسي عند الملك عبدالعزيز على ثوابت من
المبادئ والقيم الإسلامية بخصائص فريدة ، أفصح عنها خادم الحرمين الشريفين الملك
فهد في كلمته التي أفتتح بها المؤتمر العالمي لتاريخ الملك عبدالعزيز حين قال
:" ولقد كانت السياسة بالنسبة له – رحمه الله – ثوابت تقوم على المبادئ
والأخلاق، وتلتزم التزاماً مطلقاً بالمنهج الإسلامي إطاراً وسلوكاً ، قولاً
وعملاً، كما تلتزم التزاماً مطلقاً بالحفاظ على المقدسات الإسلامية، واعتبار عقيدة
المملكة وكرامتها وأمنها ومصالحها فوق كل اعتبار،
والحفاظ المطلق على حقوق العرب والمسلمين، وتغليب هذه الحقوق وتعهدها
ورعايتها بالحكمة والتشاور مع إخوانه زعماء العرب والمسلمين ، والاهتمام كذلك
بالسعي إلى ترسيخ دعائم السلم والأمن الدوليين.
وفي مجال العلاقات الإسلامية ، وعندما كانت بعض البلاد الإسلامية تقع تحت الوصاية
الأجنبية يشهد التاريخ أنه – رحمه الله – قد طالب بإصرار بأن تحترم الدول العالمية
تعهداتها تجاه تلك البلاد ، وأن تحافظ على حقوق الأقليات المسلمة التي تعيش بينها
قائلاً بالحرف الواحد : " إن لنا في الديار النائية إخواناً من المسلمين
والعرب نطلب مراعاتهم وحفظ حقوقهم ، فإن المسلم أخو المسلم يحن عليه كما يحن على
نفسه في أي مكان كان ... "([93]) .
ومن هنا يتجلى لنا أصالة الفكر السياسي عند الملك
عبدالعزيز فهو ( مبني على صفاء ونقاء الفكر الإسلامي الصحيح بعيداً عن النظريات
والمذاهب السياسية السائدة التي لا تستند على جذور تسدد خطاها ، وتوجهها الوجهة
الصحيحة إحساساً منه بالعلاقة القوية بين العقيدة الإسلامية والفكر السياسي السليم
في العمل على جمع كلمة الناس وتوحيد صفوف أبناء دولته تحت راية التوحيد لا إله إلا الله محمد رسول
الله ، وما تقتضيه هذه الكلمة من القول والفعل، وانطلاقاً من تحقيق مقتضيات هذا
التوجه سعى الملك عبدالعزيز للأخذ بمبدأ الشورى الذي يعد من أسس الفكر السياسي في
الإسلام) ([94]) .
ج– لدى الملك عبدالعزيز مقدرة على بسط القضايا السياسية ،
وشرحها بأسلوب واضح لا غموض فيه ، وفي وقت قصير بحيث يعيها سامعه بكل يسر وسهولة ،
وتلك مزية نادرة اعترف بها رئيس أمريكا (روزفلت)، وأذاعها البرق بعد مقابلته للملك
عبدالعزيز ، والحديــث معه في شؤون سياسية، ومنها قضية فلسطين، وذلك حين قال: (
لقد فهمت من الملك ابن سعود في عشر دقائق
عن قضية فلسطين ما تعذر عليّ فهمه في عشر سنين) ([95]) .
د– الالتزام بنهج الحكمة والتروي والأناة في معالجة
الأمور، ويعطي كل موقف بحسب ما يحتاج من اللين والحلم والتسامح أو الشدة والحزم ،
وأشار ابنه البار الملك فيصل – رحمه الله– إلى هذا النهج في حديث قديم له عام
1367هـ حين تحدث عن مزايا والده فقال : ( وثالثة هذه المزايا حكمته وأناته في
معالجته لأمور دولته ، وهو يتوخى حل المشاكل بالسلم أولاً ، كما أنه متسامح مع
خصومه ، واسع الصدر لا يدخر وسعاً في استخدام المرونة ووسائل اللين ، ولا يلجأ إلى
الشدة حتى يستنفد هذه الوسائل ، وأذكر أنه لما وقع الخلاف بينه وبين الإمام يحيى إمام
اليمن السابق لم يتعجل الشدة ، وجعل يحاول حل ما وقع بينهما من خلاف باللين والحلم
، حتى كدنا نحن أبناؤه ورجال دولته أن نرميه بالضعف . فلم يعبأ بنا ، وسار في
طريقه إلى الحد الذي لا ملام عنده للائم ، ثم اضطر إلى السيف اضطراراً ، وعندما
توسط سادة من العرب بين الملكين كان سريعاً إلى الكف عن القتال .
وقد تم بفضل سياسة الحكمة والحزم التي يسير عليها في إدارة بلاده الواسعة
إقرار الأمن فيها على منوال غير معروف في أكثر البلاد حضارة ومدنية ، فاطمأن الناس
على أرواحهم وأموالهم حتى ندر وقوع الحوادث العادية ) ([96]) .
هـ – أدرك بنظره الثاقب ، وفكره السياسي الواعي أموراً كثيرة كان الصواب حليفاً
له في تقديرها ، والتعامل معها على ضوء ما لديه من خبرة اكتسبها بالمراس الطويل ،
والتعامل المبكر مع الأحداث حيث كان أبوه قد أسند إليه مهاماً سياسية وقيادية وهو
في ريعان شبابه كما مر معنا.
ومن معترك الأحداث التي واجهت آباءه وأجداده ، ثم
واجهته هو عبر مسيرته الطويلة في تأسيس كيان الدولة خرج بحصيلة وافرة من التجارب
والمران والخبرة الواسعة بشؤون السياسة الداخلية والخارجية ، ومع ذلك لم يكن
مغتراً بنفسه ، بل كان من نهجه الاستشارة في كثير من الأمور ، فقد كان يستشير
والده وأهل الخبرة من العلماء ، واتخذ له مستشارين من ذوي الرأي السديد – كما
عرفنا سابقاً – ومن شواهد هذا الإدراك والنظرة الثاقبة أن الملك عبدالعزيز – رحمه
الله – استطاع وسط الدائرة الخانقة التي تئن تحت يد الاستعمار البغيض أن يَخْلُص ببلاد
حرة تملك كل معنى للحرية في أرضها وبحارها وسمائها ، لم يضع الاستعمار قدماً واحدة
على شبر من أرض المملكة في أيام سلم أو حرب ([97]) .
ومن خلال هذا الفكر السياسي الواعي كان للملك عبدالعزيز
بعض التوقعات السياسية والعسكرية الصائبة بشأن ما حدث في عهده ، مثل توقعه انتصار
الحلفاء في الحرب العالمية الثانية على هتلر زعيم ألمانيا ، وكان يحذر من هتلر
وسياسته نحو العرب والمسلمين ، وكانت له آراء سياسية صائبة في عدد من القضايا
العربية والإسلامية، ومنها رأيه في مشكلة فلسطين، ورأيه في مشكلة السودان مع مصر
وبريطانيا حيث رأى أن يترك للسودانيين حق تقرير مصيرهم بأنفسهم([98]) .
و – انتهج الملك عبد العزيز في تعامله مع مواطنيه سياسة
قائمة على الشورى والتناصح مسترشداً بما جاء به ديننا الإسلامي الحنيف ، وكان من
أبرز معالم نهجه التواصل بين الراعي والرعية ، وسياسة الباب المفتوح؛ إذ هي في
تقديره أيسر طريق وسبيل للتعرف على هموم المواطنين ، وتقديم ما يلزمهم من خدمات،
وحل ما يعرض لهم من مشكلات وأزمات ، وتأكيداً لهذا النهج نجده في الكلمة التي
وجهها إلى الناس بمناسبــة انتهــاء موسم الحج عام 1355هـ يقول: ( المقصد من
اجتماعنا الليلة أن نتناصح، ونتعاضد ، ويطلع كل منا على ما عند الآخر ... ، أنا لا
أحب أن أشق على الناس، ولكن الواجب يقضي بأن
أصارحكم أننا في أشد الحاجة إلى الاجتماع والاتصال بكم لتكونوا على علم تام
بما عندنا ، ونكون على علم تامّ بما عندكم، وأود أن يكون هــذا الاتصال مباشرة وفي
مجلس لتحملوا إلينا مطالب شعبنا ورغباته، وتحملوا إلى الشعب أعمالنـــا
ونوايانـــا، إني أود أن يكون اتصالي بالشعب وثيقـــاً دائماً؛ لأن هذا أدعى
لتنفيــــذ رغبات الشـــعب، لذلك سيكون مجلسي مفتوحاً لحضـــور من يريد الحضور)([99]). وقد كان لهذا النهج
الذي سار عليه الملك عبدالعزيز ، وتبعه في ذلك أبناؤه من بعده الأثر الكبير فيما
تعيشه المملكة من تطور كبير قائم على روح التعاون والتفاهم والتلاحم بين الدولة
والمواطنين([100]) .
سادساً : أحاديثه الخاصة والعامة :
الملك عبدالعزيز متحدث بارع الحديث يطلق نفسه على
سجيتها، دون تكلف أو تصنع ومداهنة ، ( وكان عجباً في سرعة الخاطر إذا تحدث ، وفي
قوة الحجة إذا أراد الإقناع) ([101]) .
وتتناول أحاديثه جوانب، منها ما هو خاص بأحوال الناس ،
وشؤون الدولة ، ومنها ما هو عام يُعنى بشأن الذكريات التاريخية ، والمسائل الشرعية
، والتوجيهات الإسلامية، أو التعقيب على بعض الأحداث والمسائل الداخلية والعالمية،
وقد ألقى عدد من الباحثين الضوء على أحاديث الملك في مجالسه ، ومن خلال تأمل ما
ذكروه ، أو تأمل أحاديث الملك نفسها يمكن أن نخرج بالتصور الآتي بشأنها :
أ – يراعي أحوال من يتحدث إليهم، ويعطي كل فئة من الحديث
بحسب ما يتطلبه حالهم ، كما أشار الأستاذ حافظ وهبة حين قال : ( كان عبدالعزيز
محدثاً بارعاً يخاطب كل جماعة بما يناسبها لأهل الأمصار لغة ، ولأهل البادية لغة ،
ولشيوخ العلم لغة ، وكان يحفظ كثيراً من آيات القرآن ، وقسطاً وافراً من أحاديث
الرسول e ، يستشهد
بها في أحاديثه)([102]). ومن هنا فهي أحاديث
مفيده يجني منها الحاضرون على اختلاف مستوياتهم علماً ومعرفة تنفعهم في أمور دينهم
ودنياهم .
ب – اليقظة التامة لما هو بصدده من الحديث ، والقدرة على مواصلة الحديث والربط
بين أجزائه عوداً على بدء مع ما قد يعترض مواصلة الحديث من بعض الأمور التي تستدعي
التوقف قليلاً ، وقد أدرك ذلك بعض معاصريه ممن عنوا بكتابة تاريخه ، ومنهم أمين
الريحاني الذي وصف هذا المنحى عنده بقوله : ( كثيراً ما يقف في حديث مهم لينظر في
أمر ظاهره طفيف، ثم يدخل عليه أحد الخدم ، أو الكتاب فيقطع عليه الحديث ثانية ،
فينظر في الأمر الثاني ، ثم يعود – وهذا ما أدهشني جداً – إلى الكلمة الأخيرة من
حديثه الأول دون أن يسأل كما هي العادة في مثل هذه الحال عند أكثر الناس، ماذا كنت
أقول ؟ ... فهو شديد الحافظة، ومتيقظ دائماً) ([103]) .
ج – يحب أن يكون الحديث في مجلسه متسماً بالصراحة التامة ،
وبما هو نافع من القول الصادر عن اجتهاد وتمحيص ، لكي تكون له ثمرة وفائدة ، وقد
عبر هو نفسه عن هذا النهج حين قال : ( يجب على كل إنسان أن يقول ما في ضميره
بصراحة تامة ، وأن لا يخشى في الحق لومة لائم، ويجب أن يصرح كل فرد بما يعتقد فيه المنفعة ؛ لأن مجال البحث
والتدقيق والتمحيص يوصل إلى خير النتائج وأحسنها على الإنسان الاجتهاد، ومن الله
التوفيق) ([104]) .
د– أن أحاديث الملك عبدالعزيز وراءها عقل ناضج مفكر يملك
من المواهب والمعلومات والبراهين ما يمكنه من إقناع المستمع ، واستيعاب ما يريد
إيصاله له من خلال حديثه معه ، ومن الشواهد على ذلك ما ذكره العقاد لرواد ندوته في
أسوان حين أشار إلى موقف الملك عبدالعزيز لمن تحدث معهم من بعض منكري المذياع (
الراديو ) والهاتف لظنهم أن بها شياطين
تنقل الحديث يقول : ( فسألهم جلالته يومذاك : هل الشيطان ينطق كلام الله ؟ فأجابوا
بالنفي ، قال : فاسمعوا .. فإذا المذياع يذاع منه القرآن الكريم بصوت عذب رخيم تعد
حروفه، وأمر أحد أتباعه بأن يُسمع المعترضين في الهاتف بعض آي الذكر الحكيم ،
فدهشوا وأيقنوا أنه لا شيطان ولا سحر ، ولكن ذلك سر العلم ، ومحصول الدأب على
الاستنباط ، ونتائج القرائح) ([105]) .
وسر القوة في حجج الملك عبدالعزيز ، وإقناعه يكمن – كما
يقول الزركلي – في "أن عقله كان يسبق لسانه، وأنه ينسى العاطفة أمام المنطق،
ولا يقول إلا ما يعتقد"([106]).
هـ – أن ما يتحدث به الملك عبدالعزيز لا يخرج عن حدود ما يريده، إذ يأتي حديثه
موزونا يصدر فيه عن روية تجعل حديثه في محله ، وفي مأمن من مزالق القول وهفوات
اللسان ، ويبلور الأستاذ محمد المانع هذا المنحى حين قال : (كان ابن سعود متحدثاً
ومجادلاً بارعاً ، كما كان بليغاً في كل خطبة ، وكانت سيطرته على نفسه من القوة
بحيث لا أذكر أبداً أنه تكلم بكلمة في غير محلها ، أو زائدة عن المقصود ، ولم أعرف
أنه قال شيئاً ندم على قوله فيما بعد، أو وَدّ لو لم يقله، وكان كلامه العادي
مليئاً بالمجازات الذكية ، والحكم والأمثال التي تجعل سامعه يود لو أنه لا يتوقف
عن الحديث) ([107]) .
و – إذا تحدث الملك عبدالعزيز في أمر مهم عرض له من جميع
جوانبه ، وتطرق فيه لوجهات النظر المتعددة كي تتضح الصورة لمن يستمع إليه ، ومن
الشواهد على ذلك أن شكري القوتلي– وهو رئيس سابق لسوريا – كان قد زار الملك
عبدالعزيز وقابله وتحدث إليه فأعجب بحديثه وحضور ذهنه وإلمامه بأطراف القضية التي
يتحدث عنها ، وعبّر عن ذلك حين أشار إلى أن الملك عبدالعزيز ( يَعُدّ وجهات النظر
في الموضوع وهو يتكلم ، فيقول مثلاً : أمامنا طريقان، أو ثلاثة بل أربعة … قال
القوتلي : واسترسل مرة فقال: ستة ، بل سبعة ، بل ثمانية أوردها جميعاً واحدة فأخرى
يعدها على أصابعه)([108]) .
لمحة عن الحركة
الثقافية والفكرية في عهد الملك عبدالعزيز :
من خلال هذه المسيرة الثقافية والفكرية المتألقة في
شخصية الملك عبدالعزيز بكل جوانبها وأبعادها ومعالمها التي وقفنا عليها ، من خلال
ذلك كله ليس غريباً ما شهدته الحركة الثقافية والفكرية في عهد الملك عبدالعزيز من
تطور كبير ، ووثبات متتابعة ، ما دام أن راعيها على النحو الذي عرفنا من الثقافة
والفكر ، فلا بد إذن أن يجد هذا الجانب كل رعاية وعناية ، وهذا الذي حصل بعد أن
توحدت أجزاء المملكة واستقرت أحوالها، وبدأ قطار الإصلاحات والإنجازات الحضارية
ينهب الأرض نهباً نحو الرقي والتقدم في مختلــف المياديـــن، من إدارات حكومية
وخدمـــات صحية، وتعليم، ومواصلات، وزراعة، وإعلام، وصناعة، واستثمار واعٍ للوسائل
الحضارية الحديثة، وغير ذلك من المنجزات والأعمال الجليلة التي قفزت بدولته لتكون
دولة عصرية تسابق الزمن للوصول إلى أعلى مستويات التقدم والحضارة . وكان لميدان
الثقافة والفكر نصيب وافر من ذلك ، فمن يتأمل مسيرة الثقافة في عهده يجد أنها
تتقدم بخطى وثّابة وسريعة في ميادينها وجوانبها المتعددة ، ابتداء من التعليم
المتمثل في المدارس الحكومية النظامية، والأهلية التي انتشرت في أنحاء المملكة،
وشملت الهجر والبوادي حيث وصلت إلى 326 مدرسة إلى سنة 1373هـ، ويدرس فيها (43734)
من الطلاب، ومنها المعهد العلمي السعودي بمكة، والمعهد العلمي بالرياض ، ودار
التوحيد بالطائف([109]).
وبدأ التعليم الجامعي حين أمر الملك عبدالعزيز بإنشاء
كلية الشريعة في مكة المكرمة أوائل عام 1369هـ، وكلية المعلمين عام
1372هـ، وأُنشئت مدرسة لتحضير البعثات عام 1355هـ بقصد إعداد مجموعة من الطلاب لابتعاثهم إلى مصر للدراسة في
جامعاتها، وكان لهذه المدارس والمعاهد والكليات دور واضح في إيجاد طبقة مثقفة
ثقافة واسعة، أسهمت بشكل واضح في تطور المسيرة الثقافية والفكرية والتعليمية ،
وأُنشئت مكتبات خاصة وعامة زاخرة بأمهات الكتب في مختلف فنون المعرفة، وتوجهت
العناية بمكتبات قيمة موقوفة في بلاد الحرمين مكة والمدينة ، تزخر بنفائس التراث
الإسلامي المخطوط ، ومن أشهرها مكتبة الحرم المكي ، ومكتبة مكة ، ومكتبة شيخ
الإسلام عارف حكمت بالمدينة المنورة ، وبرزت العناية بالطباعة حيث تحسنت في العهد
السعودي تحسناً ملموساً ، حين أخذت مطبعة الحكومة
تتجه إلى تدريب عدد من المواطنين على فن الطباعة مما أدى إلى تطورها ،
ومضاعفة نشاطها، كما شُجِّعت المطابع الأهلية، وكان لذلك أثره الواضح في تقدم
طباعة الصحف والكتب النافعة في مختلف العلوم والمعارف وازدهارها، وشجع الملك
عبدالعزيز على إصدار صحف محلية كان من أشهرها صحيفة ( أم القرى)، وهي الصحيفة
الرسمية للدولة ، وصدر أول أعدادها بمكة المكرمة في 15 / جمادى الأولى سنة
1343هـ/1924م([110]) .
وتعاقب على رئاسة تحريرها عدد من رجال الفكر والأدب
والمعرفة منهم يوسف ياسين، ورشدي ملحس، ومحمد سعيد عبدالمقصود، وعبدالقدوس
الأنصاري، والطيب الساسي([111]). وكانت عامرة بأخبار المملكة
وأحوالها داخلياً وخارجياً، إلى جانب ما تحفل به من إنتاج أدبي وفكري وثقافي ثرٍّ
لبعض أعلام الفكر والأدب في المملكة العربية السعودية ، وكانت صحيفة ( صوت الحجاز) قد صدرت بمكة ابتداء من ذي
القعدة 1350هـ /1932م، واستمرت إلى سنة 1378هـ/1958م، ونال امتيازها محمد صالح
نصيف، كما رأس تحريرها كل من عبدالوهاب آشي، وأحمد إبراهيم الغزاوي، ومحمد حسن
فقي، ومحمد سعيد العامودي، ومحمد حسن عــواد، ثم اندمجت مع جريدة عرفات، وصارتا
تصدران باسم صحيفة البلاد، وهي صحيفة يومية لا تزال تصدر إلى يومنا هذا، وقد أنشأ
عبدالقدوس الأنصاري أول مجلة ثقافية أدبية شهرية وهي مجلة المنهل ، وفي المدينة
المنورة أنشأ الأخوان علي وعثمان حافظ جريدة المدينة المنورة، وصدر العدد الأول
منها يوم26/المحرم سنة 1356هـ/ آذار– 1937هـ([112]). وفي سنة 1366هـ
/1946م صدرت بمكة المكرمة مجلة الحج الشهرية ، وهي حكومية تتبع مديرية شؤون الحج
سابقاً . وإلى جانب العناية بالثقافة المقروءة اتجهت العناية بالثقافة المسموعة من
خلال إنشاء أول محطة سعودية للإذاعة، وكان ذلك سنة 1367هـ/1949م ، وكانت تبث أحاديث وبرامج ثقافية وأدبية مثل ركن عالم الأدب، ويشارك
في إعداد هذه البرامج والأحاديث نخبة من أدباء المملكة العربية السعودية ومثقفيها،
مثل الأستاذ أحمد السباعي، ومحمد حسن عواد، وأحمد محمد جمال، وعبدالله عبدالجبار،
وعبدالسلام هاشم حافظ، وأحمد عبد الغفور عطار... وغيرهم([113]) .
وقامت نهضة أدبية شاملة تعددت مناحيها وفنونها
وتياراتها واتجاهاتها ، وواكبت النهضات الأدبية في البلاد العربية الأخرى ، مثل
مصر والشام شعراً ونثراً بما في ذلك الفنون الحديثة كالقصة والرواية والمقالة ،
ولمعت أسماء أعلام بارزين في مجال الشعر في الحجاز ونجد وغيرها من المدن ، أمثال
الشيخ العلامة سليمان بن سحمان (1266/1349هـ)، وله ديوان مطبوع على نفقة صاحب
السمو الملكي الأمير سلطان، وشاعر نجد المشهور محمد بن عبدالله بن عثيمين (1270هـ/1853م) وتوفي (1363هـ/1943م) وجمع ديوانه بعناية
الأستاذ سعد بن عبدالعزيز بن رويشد([114])، وعبدالله بن خميس ، وعبدالله بن
إدريس ، ومحمد حسن فقي، وضياء الدين رجب ، وإبراهيم فودة ، وحسين عرب ، وحسن
عبدالله القرشي ، وطاهر زمخشري ، وأحمد قنديل ، وعبدالسلام هاشم حافظ، ومحمد علي
السنوسي ، وغيرهم ، وفي مجال النثر قصة ، ورواية ، ومقالاً، وتأليفاً نجد أمثال
علامة الجزيرة الشيخ حمد الجاسر، وأحمد عبدالغفور عطار، وعبدالقدوس الأنصاري ،
ومحمد حسن عواد، وأحمد السباعي ، وعبدالعزيز الرفاعي ، وعبدالله عبدالجبار ، وحامد
دمنهوري، وعزيز ضياء ، وعبدالله بالخير ، ومحمد أحمد باشميل ، ومحمد حسن زيدان ،
وعلي حافظ ، ومحمد علي مغربي ، وعبدالكريم الجهيمان ، ومحمد سعيد عبدالمقصود ،
ومحمد سعيد العامودي ، وإبراهيم هاشم فلالي، ومحمد حسن كتبي ، وأحمد محمد جمال ،
وغيرهم ممن أثروا الحركة الثقافية والفكرية والأدبية بأعمالهم الأدبية والثقافية ،
ومؤلفاتهم في عهد الملك عبدالعزيز ، وقد نشرت آثارهم من شعر وقصة ، ومقالات وبحوث
ودراسات في مؤلفات ، وفي أشهر الصحف والمجلات ، ونشطت حركة التأليف بشكل ملحوظ في
مجال العلوم الشرعية ، والتاريخ والجغرافيا والأدب ، والاجتماع ، والاقتصاد، وغير
ذلك من العلوم والمعارف([115]) .
واستمرت الحركة الثقافية والفكرية مواصلة مسيرة التقدم
والتطور ، بعد عهد الملك عبدالعزيز رحمه الله، وهو العهد الزاخر بالمنجزات العظيمة
في مختلف الميادين ، وذلك حين تولى أبناؤه البررة الحكم من بعده فساروا على نهجه ،
واقتفوا أثره ابتداء من عهد الملك سعود – رحمه الله – إلى عهد خادم الحرمين
الشريفين الملك فهد ، وقد شهدت المملكة العربية السعودية في هذه الحقبة الميمونة ،
ولا تزال تشهد منجزات حضارية وتعليمية وثقافية في جميع المجالات ، مما جعلها تنافس
أكثر دول العالم رقياً وتقدماً وحضارة ، وكان ذلك كله في إطار المحافظة على هويتها
وقيمها ومثلها الإسلامية، والله ولي التوفيق والهادي إلى سواء السبيل .
الهوامــش
([1]) انظر:
تاريخ المملكة العربية السعودية للدكتور عبدالله العثيمين (2/45)، الطبعة الثالثة،
عام 1418هـ/1997م .
([2]) انظر
بشأنه: كتاب المتوكل على الودود عبدالعزيز آل سعود لمحمد منير البديوي ص68 ،
الطبعة الأولى عام 1397هـ/1977م ، وكتاب تاريخ المملكة العربية السعودية للدكتور
عبدالله العثيمين (2/29) .
([3]) انظر
: معلومات عنها في كتاب الزركلي شبه الجزيرة في عهد الملك عبدالعزيز (1/61) ،
الطبعة الثانية ، بيروت ، عام 1397هـ/1977م .
([4]) الوجيز
في سيرة الملك عبدالعزيز للزركلي ص 17 ، الطبعة الرابعة 1384هـ، دار العلم
للملايين ، بيروت .
([8]) مشاهير
علماء نجد وغيرهم للشيخ عبد الرحمن بن عبداللطيف آل الشيخ ص 97 ، الطبعة الثانية
1394هـ ، دار اليمامة بالرياض .
([11]) توحيد
المملكة العربية السعودية لمحمد المانع ص 314 ، ترجمة الدكتور عبدالله العثيمين ،
الطبعة الأولى 1402 / 1982م .
([14]) انظر
: كتاب لسراة الليل هتف الصباح " الملك عبدالعزيز دراسة وثائقية للأستاذ
عبدالعزيز التويجري ، ص 400 ، 401 ، 403 ، 404 ، 405 ، الطبعة الأولى 1997م، بيروت
.
([16]) تذكرة
السامع والمتعلم في آداب العالم والمتعلم لابن جماعة ص 87 ، الطبعة المصورة عن
الطبعة الأولى بحيدر آباد، الهند، وإلى جانب ما ذكرت هناك عبارة تتردد على ألسنة
العلماء، وهي قولهم : " من كان علمه من كتابه كان خطؤه أكثر من صوابه "
.
([23]) انظر
: اللقاء الذي أجري مع الأستاذ / عبدالله بن إبراهيم السليم في 8/5/1407هـ بريدة
ضمن كتاب ( كنت مع الملك عبدالعزيز) ص 257 ، 258 – نقلاً عن كتاب توحيد المملكة
للدكتور محمد السلمان ص 158 .
([24]) بحث
الجهاد الفكري للملك عبدالعزيز للأستاذ عبدالرحمن الرويشد ص 14 ، من بحوث المؤتمر
العالمي عن تاريخ الملك عبدالعزيز المقام في رحاب جامعة الإمام محمد بن سعود
الإسلامية بالرياض 19/23 – ربيع الأول عام 1406هـ .
([27]) انظر
: مجلة الحرس الوطني ص 28، 29 ، السنة الثانية ، العدد التاسع، رجب 1402هـ ، مقال
للأستاذ عبدالرحمن الرويشد عن التجربة الفكرية للملك عبدالعزيز .
([28]) انظر
بشأنهم : كتاب شبه الجزيرة في عهد الملك عبدالعزيز للزركلي (3/1011 ، 1012 ، 1013،
1014)، وكتاب السعوديون والحل الإسلامي لمحمد جلال كشك 24 ، 25 .
([29]) خمسون
عاماً في جزيرة العرب لحافظ وهبة 84 ، مطبعة مصطفى الحلبي بمصر الطبعة الأولى 380
، 1960م .
([31]) انظر
في ذلك : الرحلة الملكية ليوسف ياسين 92–93 ، شبه الجزيرة في عهد الملك عبدالعزيز
للزركلي (2/815 ، 915) وصقر الجزيرة للعطار ، 1414هـ ، وبحث الأستاذ عبدالعزيز
الرويشد ( الجهاد الفكري للملك عبدالعزيز)، ضمن بحوث المؤتمر العالمي عن تاريخ
الملك عبدالعزيز ، عام 1406هـ .
([38]) بحث
الجهاد الفكري للملك عبدالعزيز للأستاذ عبدالرحمن الرويشد ، ضمن بحوث المؤتمر
العالمي لتاريخ الملك عبدالعزيز ( ص8 ، 9) .
([41]) الملك
الراشد لعبد المنعم الغلامي (331) ، الطبعة الثانية ، دار اللواء بالرياض 1400هـ /
1980م .
([42]) انظر
: التعريف بالمكتبة في مجلة الدارة ص 233 ، العدد الثالث ، السنة التاسعة عشرة ،
ربيع الآخر والجمادان عام 1414هـ .
([46]) الملك
عبدالعزيز والمملكة العربية السعودية المنهج القويم في الفكر والعمل للدكتور
عبدالله التركي ص 37 ، الطبعة الأولى، صدرت عن جامعة الإمام محمد بن سعود
الإسلامية .
([50]) توحيد
المملكة العربية السعودية وأثره في النهضة العلمية والاجتماعية للأستاذ عبدالله بن
حمد الحقيل ص 165 ، مكتبة العبيكان بالرياض 1418هـ/1997م ، الطبعة الأولى .
([59]) انظر
: عناية الملك عبد العزيز بنشر الكتب للأستاذ عبدالعزيز الرفاعي ص 12 ، صدر عن
مكتبة الملك فهد 1408هـ .
([61]) صدرت
هذه الدراسة بعنوان عناية الملك عبدالعزيز بنشر الكتب ، الطبعة الأولى مكتبة الملك
فهد الوطنية 1408 / 1987م .
([65]) انظر
: نص الخطاب في توحيد المملكة العربية السعودية وأثره في النهضة العلمية والاجتماعية
لعبدالله الحقيل ص 61،62 .
([73]) أورد الزركلي في شبه الجزيرة مقتطفات من خطبه
(2/783–790) .
وهناك
خطب منشورة في جريدة أم القرى (6/12/1352هـ)، (11/12/1355هـ)، (22 صفر 1356هـ)،
(11 ذي الحجة 1356هـ)، (12ذي الحجة 1359هـ)، وقد جمعت في كتاب المصحف والسيف .
([83]) انظر:
نماذج لهذا الشعر في كتاب ( من شيم الملك عبدالعزيز ) لفهد المارك (3/12–116) ،
وكتاب ( عبدالعزيز في التاريخ) لحمد
الحقيل ص 83 ، 84 .
([86]) انظر
في ذلك : شبه الجزيرة في عهد الملك عبدالعزيز ، وصقر الجزيرة لعبد الغفور عطار ،
ومن شيم الملك عبدالعزيز تعهد المارك ، والسعوديون والحل الإسلامي لمحمد جلال كشك
، ولسراه الليل هتف الصباح لعبدالعزيز التويجري .
([88]) الذكرى
العربية الذهبية لعبدالله فلبي ص 78 ، ترجمة مصطفى كمال فايد ، الطبعة الأولى
مطبعة الاعتماد بمصر.
([94]) انظر
: مقومات ومنطلقات الفكر السياسي عند الملك عبدالعزيز في كتاب ( الملك عبدالعزيز
والمملكة العربية السعودية المنهج القويم في الفكر والعمل) ، للدكتور عبدالله بن
عبدالمحسن التركي (49–61) .
([96]) شبه
الجزيرة في عهد الملك عبدالعزيز (1/22، 23) من حديث للأمير فيصل بن عبدالعزيز لمجلة المصور المصرية العدد رقم 125، عام
1367هـ/ 1984م .
([97]) لسراة
الليل هتف الصباح ص 538 ، وانظر : بحث قوة وإرادة الملك عبدالعزيز في تكوين
المملكة للأستاذ عبدالرحيم عبدالرحمن ص 22 . ضمن بحوث المؤتمر العالمي عن تاريخ
الملك عبدالعزيز عام 1406هـ .
([98]) انظر:
التفصيل في موقفه من هذه القضايا في كتاب شبه الجزيرة في عهد الملك عبدالعزيز
للزركلي 1079، 1071، والسعوديون والحل الإسلامي لمحمد جلال كشك ص 49 –53، وتوحيد
المملكة العربية السعودية للدكتور محمد السلمان ص 226 .
([110]) فترة
تأسيس الدولة السعودية المعاصرة للأستاذ عبدالله الشهيل ص 250 ، 251 ، الطبعة
الأولى ،دار الوطن بالرياض .
([115]) انظر
بشأن هذه المؤلفات : معجم المطبوعات السعودية حتى نهاية عام 1393هـ ، جمع شكري
العناني ، صدر عن وزارة المعارف بالرياض في طبعة الأولى .
المصادر والمراجع
§
تاريخ المملكة العربية السعودية، للدكتور
عبدالله العثيمين، الطبعة الثالثة 1418هـ/ 1997م .
§
تذكرة السامع والمتعلم في آداب العالم والمتعلم لابن جماعة ، الطبعة
المصورة عن طبعة حيدر آباد الهند .
§
توحيد المملكة العربية السعودية للأستاذ محمد المانع ، ترجمة الدكتور /
عبدالله العثيمين ، الطبعة الأولى ، 1402هـ / 1982م .
§
توحيد المملكة العربية السعودية وأثره في الاستقرار الفكري والسياسي
والاجتماعي للدكتور محمد بن عبدالله السلمان ، الطبعة الأولى، صدرت عن جائزة
المدينة المنورة ، 1416هـ /1996م .
§
توحيد المملكة العربية السعودية وأثره في النهضة العلمية والاجتماعية
للأستاذ / عبدالله بن حمد الحقيل ، الطبعة الأولى ، 1418هـ/1997م ، مطبعة العبيكان
بالرياض .
§
الجهاد الفكري للملك عبدالعزيز للأستاذ عبدالرحمن الرويشد ، بحث من بحوث
المؤتمر العالمي عن تاريخ الملك عبدالعزيز في رحاب جامعة الإمام محمد بن سعود
الإسلامية 1406هـ .
§
جوانب من عبقرية الملك عبدالعزيز للأستاذ عثمان الصالح ، من منشورات جامعة
الإمام محمد ابن سعود الإسلامية ، من بحوث المؤتمر العالمي عن تاريخ الملك
عبدالعزيز .
§
الحركة الأدبية في المملكة العربية السعوديـة للدكتور بكري شيخ أمين ،
الطبعة الثانية 1398هـ/ 1978م .
§
خمسون عاماً في جزيرة العرب للشيخ حافظ وهبة ، الطبعة الأولى ،
1380هـ/1960م ، مطبعة مصطفى الحلبي بمصر .
§
الذكرى العربية الذهبية عبد الله فلبي ، ترجمة مصطفى كمال فايد ، الطبعة
الأولى ، مطبعة الاعتماد بمصر .
§
رحلة الربيع للأستاذ فؤاد شاكر ، الطبعة الأولى 1365هـ/ 1946م ، مطبعة
عيسى الحلبي .
§
الرحلة الملكية للشيخ يوسف ياسين ، الطبعة الأولى ، 1416هـ / 1996م.
§
السعوديون والحل الإسلامي للأستاذ محمد جلال كشك ، الطبعة الثالثة، 1402هـ/1982م.
§
شبه الجزيرة في عهد الملك عبدالعزيز للأستاذ خير الدين الزركلي ، الطبعة
الثانية بيروت ، 1397هـ/ 1977م .
§
صقر الجزيرة للأستاذ أحمد عبد الغفور عطار ، الطبعة الخامسة ، 1399هـ/
1979م .
§
عبدالعزيز والتاريخ للأستاذ حمد الحقيل ، الطبعة الثانية ، بيروت ،
1393هـ/ 1973م .
§
عناية الملك عبدالعزيز بنشر الكتب للأستاذ / عبدالعزيز الرفاعي ، صدر عن
مكتبة الملك فهد الوطنية بالرياض ، 1408هـ/ 1987م .
§
عنوان المجد في تاريخ نجد لابن بشر ، دار المعارف بمصر 1391هـ .
§
فترة تأسيس الدولة السعودية المعاصرة للأستاذ عبدالله
الشهيل ، الطبعة الأولى، دار الوطن بالرياض .
§
لسراة الليل هتف الصباح – الملك عبدالعزيز دراسة وثائقية – للأستاذ
عبدالعزيز بن عبدالمحسن التويجري ، الطبعة الأولى 1997م ، بيروت .
§
المتوكل على الـــــودود عبدالعزيز آل سعـــود لمحمد منير البديـــوي،
الطبعة الأولى،1397هـ/ 1977م .
§
مشاهير علماء نجد وغيرهم للشيخ عبد الرحمن بن عبداللطيف آل الشيخ – الطبعة
الثانية 1394هـ ، دار اليمامة بالرياض .
§
مع عاهل الجزيرة للأستاذ / عباس محمود العقاد ، الطبعة الأولى ، بيروت ،
المكتبة العصرية.
§
معجم المطبوعات السعودية حتى نهاية عام 1393هـ ، جمع شكري العناني ، صدر
عن وزارة المعارف بالرياض .
§
الملك الراشد لعبد المنعم الغلامي ، الطبعة الثانية /1980م ، دار اللواء
بالرياض .
§
الملك عبدالعزيز والمملكة العربية السعودية ، المنهج القويم في الفكر
والعمل لمعالي الدكتور عبدالله بن عبدالمحسن التركي ، الطبعة الأولى ، صدرت عن
جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية .
§
ملوك العرب للأستاذ أمين الريحاني ، الطبعة الثانية ، بيروت ، 1929م.
§
من شيم الملك عبدالعزيز للأستاذ فهد المارك ، الطبعة الأولى ، 1398هـ/
1978م .
§
الوجيز في سيرة الملك عبدالعزيز للأستاذ خير الدين الزركلي ، الطبعة
الرابعة ، 1384هـ ، دار العلم للملايين بيروت .
الدوريـــات :
§
مجلة الحرس الوطني ، السنة الثانية ، العدد التاسع رجب
1402هـ .
§
مجلة الدارة ، تصدر عن دارة الملك عبدالعزيز بالرياض ،
العدد الثالث ، السنة التاسعة عشرة ربيع الآخر ، والجمادان 1414هـ ، وكذلك العدد الرابع
السنة الحادية عشرة، عام 1406هـ .