التعريف بالموضوع :

الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده ، وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا ، وبعد

تفخر المملكة العربية السعودية بأنها من الدول القلائل إن لم تكن الدولة الوحيدة في العالم هذا اليوم التي تطبق شرع الله وتتحاكم إليه في جميع شؤون الحياة .

وقد ورد في النظام الأساسي للحكم في المملكة العربية السعودية الصادر في عام 1412هـ ما يأتي :

 " المادة السابعة : يستمد الحكم في المملكة العربية السعودية سلطته من كتاب الله تعالى وسنة رسوله، وهما الحاكمان على هذا النظام وجميع أنظمة الدولة .

المادة الثامنة : يقوم الحكم في المملكة العربية السعودية على أساس العدل والشورى والمساواة وفق الشريعة الإسلامية([1]).

 المادة السادسة والأربعون : القضاء سـلطة مستقلـة ، ولاسلطان على القضاة في قضائهم لغير سلطان الشريعة الإسلامية([2]).

 المادة الثامنة والأربعون : تطبق المحاكم على القضايا المعروضة أمامها أحكام الشريعة الإسلامية وفقا لما دل عليه الكتاب والسنة وما يصدره ولي الأمر من أنظمة لا تتعارض مع الكتاب والسنة"([3]).

وفي الحقيقة فإن من يتتبع تاريخ المملكة العربية السعودية منذ بداية عهد مؤسسها الملك عبدالعزيز لا يستغرب مثل هذا التأكيد الذي تضمنه النظام الأساسي للحكم على قضية احترام الشريعة وتحكيمها، فإن ما وصلت إليه المملكة العربية السعودية من نموذج فريد فــــي نظام الحكم بين بلدان العالم الإسلامي لم يكن وليد عمل اليوم أو الأمس فحسب ، بل هو نتاج عمل طويل ومتواصل من ملاحم البناء والعطاء ، ابتدأت باحتضان آل سعود دعوة الشيخ محمد بن عبدالوهاب الإصلاحية وتأسيس الدولة السعودية وانطلاقتها في حمل راية التوحيد وتطبيق شرع الله في أرضه خلال عهود قادة البلاد من آل سعود في العهدين التاريخيين المعروفين ؛ عهد الدولة السعودية الأولى ، وعهد الدولة السعودية الثانية .

وبانتهاء عهد الثانية للدولة السعودية عادت البلاد إلى ما كانت تعانيه من حالة الفوضى والاضطراب الديني والسياسي التي عصفت بتلك المكتسبات القيمة التي تحققت على يد الأسلاف من آل سعود ، إلا أن تلك الراية الشرعية والإصلاحية لم تلبث طويلاً حتى أعليت من جديد على يد الملك عبدالعزيز آل سعود قبل حوالي مائة عام حين انطلق في مسيرة التأسيس والتوحيد والبناء ، ثم سلم دفة القيادة لأبنائه البررة من بعده من ملوك البلاد الذين واصلوا المسيرة ؛ سعود ثم فيصل ثم خالد ، رحمهم الله جميعا ، وحتى يومنا الحاضر في عهد خادم الحرمين الشريفين.

وهذه الدراسة التاريخية عن احترام الشرع والتحاكم إليه عند الملك عبدالعزيز تهدف إلى إيضاح احترام الملك عبدالعزيز للشرع الإسلامي وتمسكه بأصوله ، وبيان أن هذا المبدأ الإسلامي كان هو الأصل المقدم عنده على كل المبادئ والأعراف الأخرى السائدة ، وأنه الركن الشديد الذي كان الملك عبدالعزيز يستند إليه ولا يرضى بالتنازل عنه في حال التحاكم بينه وبين أي فريق أو شخص آخر من رعيته ، أو فيما بين أفراد أو جماعات من الرعية ذاتها ، كما أن ذلك المبدأ كان هو المتبع في الوقت نفسه عند الملك عبدالعزيز في إدارة شؤون الدولة وفي تنظيمها منذ أن أسس بنيانها ووحد صفوفها ، وهو المطبق في تسيير شؤون الرعية فيها في مختلف مراحل حياته ، رحمه الله .

 

أهميــة الموضــوع :

تنبعث أهميـــة هذه الدراسة في نظري من عدة منطلقات مختلفة ، لعل أهمها ما يأتي :

أولاً : أهمية الشخصية التي تتحدث هذه الدراسة عنها وعن تاريخها ، وهي شخصية مؤسس المملكة العربية السعودية وباني وحدتها ومجدها جلالة المغفور له الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود رحمه الله .

فالكتابة عن بعض سمات هذه الشخصية وعن جوانب من تاريخها ومراحل حياتها أمر في غاية الأهمية نظراً لما لهذه الشخصية من دور فاعل في صناعة التاريخ الحديث عامة ، وتاريخ المملكة العربية السعودية خاصة .

بل إن المؤرخين يصيبون كبد الحقيقة حين يؤكدون مراراً وتكراراً بأن تاريخ المملكة العربية السعودية لا يمكن أن يكتب فيه سطر واحد دون التطرق إلى تاريخ مؤسسها جلالة الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود ، رحمه الله ، فكيف بنا والموضوع في مجمله يتناول جانبا مهما من الجوانب التطبيقية في تاريخ هذه الشخصية التاريخية البارزة .

ثانياً : أهمية الجوانب التي ستتناولها الدراسة ؛ فموضوع احترام الشرع والتحاكم إليه كان ولا يزال بفضل الله سمة سار عليها الحكام السعوديون منذ انطلاقتها الميمونة التي بدأت بمناصرة قادة الدولة السعودية الأولى للدعوة والحركة الإصلاحية التي قام بها الشيخ المجدد محمد بن عبدالوهاب إلى يومنا الحاضر.

ولذلك فإن الكتابة عن مثل هذا الموضوع علاوة على أنها ستلقي الضوء على سمة بارزة في شخصية الملك عبدالعزيز وحياته ، وتعطيه شيئاً من حقه الشخصي من خلال إبراز مدى فاعليته بهذا الجانب الذي أبدع فيه أيما إبداع ، فإنها تصب في الوقت نفسه في ميزان الدولة السعودية وتاريخها المجيد .

ثالثاً : لعل مما يزيد من أهمية هذه الدراسة ويؤكد على ذلك أهمية المناسبة التاريخية التي سيكتب وينشر فيها هذا البحث ، وهي المناسبة التاريخية الوطنية بالاحتفال بمرور مائة عام على تأسيس المملكة العربية السعودية ، وهي في رأيي مناسبة تاريخية مهمة قد لا يعرف قدرها ولا يثمن قيمتها إلا من يستشعر أهمية الوحدة الوطنية الكبيرة التي حصلت في البلاد المترامية الأطراف والتي كانت في يوم ما مجموعات متباينة من القبائل والشعوب المتناحرة والمتفرقة التي ساد بينها الخصام ، والتناحر ، والتنافر ، والجهل ، والانحرافات العقدية ، والأعراف القبلية ، وغير ذلك من سمات الفوضى التي كانت ضاربة أطنابها في مختلف الجوانب السياسية والاجتماعية والدينية التي ظلت جاثمة على صدور البلاد والعباد إلى أن أنعم الله عليها وعلى أهلها ، فبدل الله خوفها أمنا ونعمة ، ورزقها بالشخصية القيادية الماهرة ، ووفق الله هذه البلاد حين تمكن ذلك الربان الماهر الملك عبدالعزيز بما حباه الله من همة وشجاعة وطموح وإصرار وبما تميز به من جوانب إنسانية نبيلة أن يجمع الشمل ويلم الشتات ويوحد الصف من جديد تحت ظل دولة واحدة ، تطورت رويداً رويداً حتى عرفت بالمملكة العربية السعودية ؛ الدولة التي تفيأ الجميع وافر ظلالها ، وكان ذلك بفضل من الله ومنته ، ثم بجهود المؤسس الملك عبدالعزيز ومن حوله من الرجالات السابقين واللاحقين من أفراد الأسرة السعودية وغيرهم من رجالات هذا البلد الذين التفوا حول قائد مسيرتهم الملك عبدالعزيز ومن سار خلفه من أبنائه ، ووضعوا أيديهم بأيدي القادة على مر السنين ؛ لتنطلق بذلك المملكة العربية السعودية في تجربة وحدية مثيرة استطاعت فيها أن تتخطى الصعاب ، وتتجاوز العقبات ، ولتقف في النهاية في طليعة الدول الآمنة والمستقرة على مستوى العالم أجمع .

رابعاً : ولعل مما يزيد من أهمية هذه الورقة قلة الدراسات التاريخية المتصلة بهذا الجانب من جوانب التاريخ ، حيث اعتاد المؤرخون على تسليط الأضواء على الجوانب السياسية في التاريخ للشخصيات السياسية والقيادية بشكل يطغى على غيره من الجوانب التاريخية الأخرى ، ومبعث ذلك عند المؤرخين في الغالب صلة أولئك القادة بالأحداث السياسية ودورهم الفاعل في صناعـــة التاريخ وتغيير مجراه .

خامساً : وأخيراً فإن مما يعطي الدراسة أهمية إلى ما ذكر سابقاً توفر قدر جيد من المصادر التاريخية ( الأولية ) ، ولا سيما الوثائق التاريخية التي تدلل على هذه السمة العالية من سمات الحكم والإدارة عند الملك عبدالعزيز ، والتي ربما لا تزال حبيسة الأدراج في أماكن الحفظ على الرغم مما تحويه من كنوز من المعلومات كبيرة .

 

الحدود الزمانية والمكانية للموضوع :

بحكم أن هذا الموضوع سيتناول جانبا مهما من جوانب شخصية جلالة الملك عبدالعزيز ومنهجا من مناهج الحكم والإدارة عنده فسوف تكون الحدود الزمانية للموضوع هي المدة التاريخية التي حكم خلالها الملك عبدالعزيز والتي تبدأ بتأسيس المملكة العربية السعودية باسترداده الرياض إلى نهاية عهده بوفاته يرحمه الله ، أي المدة الزمنية من شوال 1319هـ إلى ربيع الأول من عام 1373هـ .

ولا يمنع ذلك من تناول بعض الموضوعات المتقدمة لهذه المدة المذكورة تمهيداً لبعض الموضوعات ، أو المدة اللاحقة لها استكمالاً لبعض جوانب الموضوعات الأخرى ، وسيكون ذلك بحدود قليلة جداً ، وبحسب الحاجة الماسة لذلك .

أما الحدود المكانية للموضوع فهي الحدود الجغرافية للمملكة العربية السعودية بعد استقرار الأوضاع السياسية والاجتماعية فيها في أعقاب انتهاء الملك عبدالعزيز من ملحمة التوحيد ، ومن ثم إعلان المملكة العربية السعودية بحدودها الجغرافية المتعارف عليها التي شكلت الدولة الموحدة تحت حكمه .

 

محاور الدراســة :

قد يتطلب البحث في تاريخ شخصية مرموقة مثل شخصية الملك عبدالعزيز التطرق للكثير من المحاور والجوانب المختلفة التي تتصل بتاريخ مثل هذه الشخصيات، وحيث إن كثيراً من تلك الجوانب ستدخل ضمن دراسات أخرى متوقعة في هذا المؤتمر وفي غيره من المناشط الثقافية الأخرى التي ستظهر من خلال هذه المناسبة الوطنية فإن هذه الدراسة سوف تحاول أن تلتزم المنهج العلمي وأن تضيق الدائرة قدر الإمكان بحيث تلزم المحاور التي تتصل فقط بموضوع الدراسة ، ولا تتجاوزها إلى سواها من المحاور الأخرى إلا بحدود ما تقتضي طبيعة هذه الدراسة وتحقق أهدافها .

ولذلك سوف تقتصر هذه الدراسة على المحاور الاتية :

أولا : محور تاريخي ، تمهد به الدراسة بشكل موجز لمكانة العلم والعلماء عند الملك عبدالعزيز ، والهدف من ذلك بيان صلة تاريخ الملك عبدالعزيز بالعلم والعلماء ، وبسط الصورة أمام القارئ ليتعرف على أثر هذه السمة في صناعة شخصية الملك عبدالعزيز ، ومن ثم أثرها في التزام الملك عبدالعزيز بمبدأ احترام الشرع والتحاكم إليه .

ثانياً : محور تاريخي يتم من خلاله استعراض عدد من النماذج التاريخية الوثائقية التي توضح وتدلل على مدى التزام الملك عبدالعزيز ذلك المبدأ وتطبيقه على نفسه قبل غيره من الرعية ، وكذلك بيان مدى التزامه بالشرع والتحاكم إليه فيما بينه وبين رعيته أو فيما بين الرعية بعضهم مع بعضهم ، أو في وضع أطر الإدارة والحكم في المملكة العربية السعودية .

كما ستختم الدراسة بخاتمة موجزة تجمع المحاور التي وردت في البحث ، وتبرز الملامح العامة التي توصلت إليها الدراسة عن احترام الشرع والتحاكم إليه عند الملك عبدالعزيز.

 

مصادر الدراســة :

نظراً لما تمثله الوثائق من أهمية بالغة لكونها أبرز المصادر الأولية للدراسات التاريخية فإن هذه الدراسة ستعتمد على الرصد الوثائقي بدرجة كبيرة .

واستطاع الباحث بفضل الله ثم بتعاون بعض دور الوثائق الرسمية وغيرها أن يحصل على قدر لا بأس به من المصادر الوثائقية المحفوظة في دور الوثائق الآتية :

(1) قسم الوثائق في دارة الملك عبدالعزيز إحدى الجهات الكبرى المعنية بالرصد الوثائقي عن الملك عبدالعزيز بصفة خاصة والمملكة العربية السعودية بشكل عام .

(2) قسم الوثائق في المهرجان الوطني للتراث والثقافة المعروف بـ ( الجنادرية ) ، وفيه عدد من الوثائق التي جمعها المهرجان من خلال مقابلاته مع بعض الرجالات الذين كانوا على صلة بالملك عبدالعزيز ، والتي صدر جزء كبير منها من خلال سلسلة ( من وثائقنا الوطنية ) و ( من وثائق الملك عبدالعزيز ) وسلسلة ( كنت مع عبدالعزيز ).

كما أفادت الدراسة من المصادر التاريخية الأخرى مثل قسم الوثائق في معهد الإدارة العامة ، والوثائق المنشورة في الكتاب الوثائقي القيم للشيخ عبدالعزيز التويجري " لسراة الليل هتف الصباح ؛ الملك عبدالعزيز " ، وغيره من المؤلفات التي كتبت في حياة الملك عبدالعزيز أو التي كتبت في الحقب القريبة من عهده أو الدراسات التاريخية الحديثة ، وهي في مجملها لا تقل أهمية عن الوثائق في هذا الموضوع ، بل تأتي مكملة لها ، حيث تسجل كثيراً من الأحداث التي تتناول تاريخ تلك المدة ، والتي توضح مدى التزام الملك عبدالعزيز بالشرع واحترامه له والتحاكم إليه .

 

المبحث الأول: الملك عبدالعزيز بين العلم والعلماء

عرف عن الملك عبدالعزيز ارتباطه وتعلقه والاحترام المتبادل بينه وبين العلماء منذ نشأته حتى وفاته ، رحمه الله، وكان مبعث ذلك إيمان الملك عبدالعزيز التام بقيمة العلم والعلماء وأثرهم في الحياة ، وأن احترامهم وحسن العلاقة بهم والاستئناس بآرائهم واجب تمليه العقيدة الإسلامية التي اشتهر عن الملك عبدالعزيز التزامه بها .

وقد أورد الزركلي في مؤلفه القيم " شبه الجزيرة في عهد الملك عبدالعزيز " مبحثاً جيداً عن علاقة الملك عبدالعزيز بالعلماء وإكباره لهم .

وتتلخص تلك العلاقة كما أوردها الزركلي بالآتي :

أولاً : كان للعلماء المقام الأول عند الملك عبدالعزيز؛ حيث يقدمهم على إخوانه وأبنائه وكبار جلسائه ، ويصغي إلى آرائهم ، ويبالغ في إكرامهم .

ثانياً : قلَّ أن يجادل الملك عبدالعزيز العلماء في أمر يرون فيه ما لا يرى قبل أن يفسح المجال لهم للمناقشة فيه فيما بينهم ، فإن انفرد بعضهم أو أحدهم بما يوافق رأيه لم يعجل في الأخذ بما قال وتريث حتى يقنع الآخرين .

ثالثاً : جرى العرف بين الملك عبدالعزيز وبين العلماء أن يجتمعوا فيما بينهم ، ويقدموا له نصيحة مكتوبة بخطاب مذيل بتوقيعاتهم مع مقابلته فيما يحتاج إلى نصيحة ، أو توكيل واحد منهم أو أكثر لشرح وجهة نظرهم في القضية التي يرغبون في مناقشتها مع الملك .

رابعاً : علاوة على الاحترام العام المتبادل بين الملك عبدالعزيز والعلماء كافة على مختلف المستويات فقد " كان لكبارهم هيبة في نفسه ، لا يصطنعها ولا يتعمَّلها ، ولاسيما آل الشيخ حفدة من قامت على دعوته دعائم المملكة في سابق عهدها " .

سمع مرة يقول : " ما لقيت الشيخ ــ يعني عبدالله بن عبداللطيف ــ إلا تصبب العرق من إبطي "([4]).    

ومن خلال هذا المبحـــث سنورد عدداً من الشواهـــد التاريخيـــة للتدليل على الاحترام المتبــادل بين الملك عبدالعزيـــز وبين العلماء والتي تصب في النهاية في صلب موضوع هذه الدراسة ، وهي احترام الملك عبدالعزيز للشرع والتحاكم إليه.

ويأتي على طليعة تلك الشواهد ما يعرف عن الملك عبدالعزيز من الرجوع إلى العلماء في كثير من القضايا والأمور التي تحتاج إلى بيان أو رأي شرعي معتبر منذ شبابه إلى وفاته ، يرحمه الله ، ومثال ذلك كتابته إلى الشيخ محمد بن مانع في محرم من عام 1322هـ يطلب منه الرأي الشرعي في بعض الأمور التي أشكلت عليه آنذاك([5]).

ومن ذلك أيضاً كتابته – رحمه الله – في عام 1328هـ إلى شلهوب أحد الرجال الذين كان يعتمد عليهم ، يطلب منه أخذ رأي الشيخ ابن فوزان في حكم الصلاة على سجادة أهديت إليه ، وقيل له إنها من الديباج أو الحرير([6]).

ومن نماذج الاستشارات الشرعية حول بعض الأمور المهمة الأخرى المراسلات العديدة التي دارت بين الملك عبدالعزيز وبين عدد من كبار العلماء مجتمعين أو منفردين لتبادل الرأي حول بعض المتمردين من الرعايا والإخوان ، وقد استطاع الملك عبدالعزيز بفضل الله ثم باعتماده على رأي العلماء المبني على حكم الشرع أن يقطع دابرها وأن يقود البلاد والعباد إلى بر الأمان .

ومن نماذج ذلك ما دار بينه وبين الشيخ عمر بن محمد بن سليم، رحمه الله ، ومثال ذلك رسالة الشيخ عمر في محرم من عام 1345هـ التي يعتذر فيها الشيخ للملك عبدالعزيز عن التوجه للأرطاوية في تلك المدة ليأسه من استجابتهم له([7]).

ومن ذلك ما دار بين الملك عبدالعزيز وبين الشيخ عبدالله بن زاحم من كبار العلماء والقضاة في المدينة المنورة ، ومثال ذلك الرسالتان اللتان بعث بهما الشيخ إلى الملك عبدالعزيز في عام 1345هـ لبيان الرأي الشرعي في المخالفين([8]).

ومن نماذج ذلك أيضا المراسلات التي دارت بين الملك عبدالعزيز والشيخ عبدالله بن عبدالعزيز العنقري من كبار العلماء والدعاة المقربين من الملك عبدالعزيز ، ومن ذلك الرسالة التي بعث بها إلى الملك عبدالعزيز في صفر من عام 1347هـ ، أي قبل معركة السبلة الحاسمة بأشهر فقط ، حيث يقول فيها :

" وخطوطكم المكرمة وصلت ، وصلكم الله بحبل رضاه ، وما عرف جنابكم صار عند المحب معلوم خصوصاً من قبل مفاتشتكم في بعض الأمور التي تصدر من بعض الجهال ، نرجو الله أن يقدر لكم الخير أينما يممتم ، وأيضاً ألفى علينا الشيخ عبدالله بن زاحم وعبدالرحمن بن ربيعان ، ومشاري بن بصيص زايرنا هالأيام ، وجرى البحث في هالي شدوا من الداهنة وغيرهم من جهال الإخوان ، واتفق الرأي على أن هالأمر ماينصبر عليه وعندنا معلوم أن كامل نظر الشيوخ وسياستهم فيها كفاية إن شاء الله ، ولكن لابد من عرض بعض الرأي عليهم . . . "([9]) ، وإلى غير ذلك من المراسلات المتعددة المحفوظة في دارة الملك عبدالعزيز ومكتبة الملك فهد الوطنية أو المنشورة في مؤلف الشيخ عبدالعزيز التويجري القيم وغيره ، والتي دارت بين الملك عبدالعزيز وبين كبار العلماء في مختلف مراحل حياة الملك عبدالعزيز مما لا يتسع المقام للدخول في تفصيلاتها والتي كانت في معظمها تظهر للملك عبدالعزيز – رحمه الله – رأي العلماء الشرعي في مختلف الأمور الدينية والسياسية والاجتماعية السائدة .

ومن الشواهد التاريخية للاحترام المتبادل بين الملك عبدالعزيز والعلماء تخصيصه أوقاتاً معينة في برامجه اليومية وفي برامجه الأسبوعية للجلوس إلى العلماء والاستئناس بهم وتبادل الرأي معهم ،([10]) كذلك قيامه – رحمه الله – بزيارة كبارهم في منازلهم ، والسؤال عنهم في حال فقدانهم ، وتفقد أحوالهم ، وقضاء حوائجهم ، وغير ذلك من الأمور التي تدور في فلك التقدير للعلم والعلماء والتي قد لا يتسع المجال لضرب الكثير من شواهدها التاريخية([11]).

ومن الشواهد التاريخية كذلك على احترام العلم والعلماء عند الملك عبدالعزيز قيامه – رحمه الله – على طباعة العديد من المؤلفات العلمية القيمة ونشرها ، وهذه المؤلفات لعدد من علماء هذه البلاد ولغيرهم من العلماء الموثوقين في الخارج أو علماء السلف والتي ترمي إلى خدمة الإسلام والمسلمين وتقديم الصورة الصحيحة عن الدين الإسلامي وفق مصادره الأصيلة من الكتاب والسنة([12]).

وأخيراً نختم الحديث على تقدير الملك عبدالعزيز – رحمه الله – للعلم والعلماء بإحدى الوثائق التاريخية المحفوظة في دارة الملك عبدالعزيز ، وهي الرسالة أو النصيحة العامة التي بعث بها الملك عبدالعزيز إلى الإخوان في الأرطاوية في أواخر ذي الحجة من عام 1340هـ يدعوهم فيها إلى التزام العلم والعلماء واحترام الشريعة والاعتماد على ذلك في شؤون الحياة الدنيا والآخرة، وجاء في رسالته هذه :

" ولا يكون ابن آدم موفقًا راجياً للخير راجياً السلامة من الشر إلا باتباع هذه الشريعة ولا يصير متبعا لهذه الشريعة عاملاً بها حتى يكون له دليل من علماء المسلمين الذين قال الله فيهم :{ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ }، أيضاً مدحهم الله في كتابه العزيز فقال : { إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ }([13]).

ومرة أخرى يؤكد على هذه المعاني بقوله :

" لن تحصل النجـــــاة والسلامة والرجا إلا بالله ثم بالأخـــذ عن علمـــاء المسلمين"([14]).

ويعود الملك عبدالعزيز – رحمه الله – مرة أخرى إلى التأكيد على أهمية احترام العلم والعلماء والتزام أقوالهم والأخذ بالشريعة ، ويختم رسالته العامة تلك بقوله :

"فالآن أخواني أوصيكم ونفسي بتقوى الله وطاعته وترك جميع أمر يخل عليكم في دينكم ودنياكم ، واسألوا أهل العلم ، وأحسنوا الظن بالله ثم بهم ، واتركوا مخالفتهم، فمن استرشد بنصيحــتي هذه فهو الواجب عليه ، وأسأل الله لي ولــه التوفيق ، ومن خالفها بأمر يخالف علماء المسلمين سوى أنه مترئس للمخالفة أو تابع مرؤوس بغير ما أنزل الله ولا ما جاءت به سنة رسوله e أو ما أخذ من علماء المسلمين فلا يأمن العتب ولا يلومن إلا نفسه ، والله أسأل لي ولكم الهداية والتوفيــق ، وأنه تعالى ينصر دينه، ويعلي كلمته، ويجعلنا وإياكم من أنصار دينه"([15]).

 

المبحث الثاني: احترام الشرع والتحاكم إليه

يقول الزركلي في مؤلفه القيم عن (شبه الجزيرة في عهد الملك عبدالعزيز) عن دستور البلاد في عهد الملك عبدالعزيز :

" كان عبدالعزيز كلما سئل عن دستور بلاده أجاب : "دستورنا القرآن" ، وهو يعني تقيُّده هو ومملكته بأحكام الشرع الإسلامي المستمدة من معاني القرآن، وما لم يكن فيه فمن حديث رسوله وعمله ، وما لم يكن فيهما فمن قضاء أصحابه وسيرتهم، وما لم يكن فمن منهج أهل العدل والعقل والسيرة الحسنة من سلف الأمة ، وما لم يكن ففي النظم ما قد يقوم مقام التشريع "([16]).

وجاء في بنود البيان الرسمي الذي ألقاه الملك عبدالعزيز بعد دخوله مكة المكرمة عام 1343هـ :

" إن مصدر التشريع والأحكام لا يكون إلا من كتاب الله ، ومما جاء عن رسول الله e أو ما أقره المسلمون الأعلام بطريق القياس ، أو أجمعوا عليه مما ليس في الكتاب أو السنة ، فلا يحل في هذه الديار غير ما أحله الله ، ولا يحرم فيها غير ما حرمه الله"([17]).

وحين تم للملك عبدالعزيز – رحمه الله – ضم الحجاز وتوحيدها أصدر في الثامن من جمادى الثانية من عام 1344هـ بلاغاً عاماً أعلن فيه العفو العام عن جميع الجرائم السياسية في البلاد "([18]).

وحفظاً للحقوق الشرعية فقد تضمن البلاغ بأن الجرائم الأخرى سيحال " أمرها للقضاء الشرعي لينظر فيها بما تقتضيه المصلحة الشرعية في العفو "([19]) .

وفي البلاغ نفسه قال الملك عبدالعزيز حاثاً الرعية على التقوى ومؤكداً على احترام الشريعة وأنها المرجع في التحاكم :

" لقد مضى يوم القول ، ووصلنا إلى يوم البدء في العمل ، فأوصيكم ونفسي بتقوى الله واتباع مرضاته والحث على طاعته ؛ فإنه من تمسك بالله كفاه ، ومن عاداه – والعياذ بالله – باء بالخيبة والخسران .

إن لكم علينا حقوقا ، ولنا عليكم حقوقا ؛ فمن حقكم علينا النصح لكم في الباطن والظاهر واحترام دمائكم وأعراضكم وأموالكم إلا بحق الشريعة ، وحقنا عليكم المناصحة والمسلم مرآة أخيه ؛ فمن رأى منكم منكراً في أمر دينه أو دنياه فليناصحه فيه، فإن كان في الدين فالمرجع إلى كتاب الله وسنة رسوله e ، وإن كان في أمر الدنيا فالعدل مبذول إن شاء الله للجميع على السواء" ([20]).

كما جاء في " التعليمات الأساسية للمملكة الحجازية " الصادرة بجريدة أم القرى في صفر من عام 1345هـ أن " جميع أحكام المملكة تكون منطبقة على كتاب الله وسنة رسوله ، وما كان عليه السلف الصالح . "([21]). 

كما إن المتتبع لتاريخ الملك عبدالعزيز يلحظ أن هناك سمة بارزة يكررها ويؤكد عليها في مراسلاته المتبادلة مع رعيته وأوامره للحكام والعاملين معه ، ولم يكن يحيد عنها أو يتساهل بها ، تلك السمة كانت احترام الشريعة وتطبيق أحكامها على الخاصة وعلى العامة على حد سواء وجعلها المرجع في كل الاحوال .

وكان التزام الملك عبدالعزيز بالشرع والتحاكم إليه مبعث إعجاب وتقدير عند العلماء ، ومما يدل على ذلك بعض الرسائل المتبادلة بين كبار العلماء آنذاك([22]).

ومن نماذج ذلك الرسالة التي بعث بها الشيخ محمد بن عبدالعزيز بن مانع إلى العلامة الشيخ سليمان بن سحمان يبادله الأخبار العلمية، ثم يقول له :

" ثم أذكر لجنابكم أن الناس في المدن والأمصار في اختلاط واختلاف في كثير من مسائل الدين بسبب إعلان الأتراك ما كانوا يضمرونه من الكفر والإلحاد ، ولم يبق على الحق سوى هذه الدولة الإسلامية النجدية السعودية ، أعلى الله شأنها ، وأيد بنصره إمامها الفخم عبدالعزيز بن عبدالرحمن "([23]). 

ويتضح احترام الشرع والتحاكم إليه عند الملك عبدالعزيز في جانبين ؛ الأول تنظيم القضاء والعناية بشؤونه ، والأمر الثاني الإصرار على التطبيقات الشرعية عند التحاكم في القضايا التي ترفع إليه وعدم التنازل عن ذلك .

 

القضاء والقضـاة :

وأما الاهتمام بالقضاء وتنظيم شؤونه والاهتمام بأحوال القضاة وغير ذلك مما يدخل في هذا الجانب فإن المصادر التاريخية على مختلف أنواعها تحتفظ بالكثير من الدلائل التي تدل على عمق جذور هذه الخصلة من حب الخير وفعله عند الملك عبدالعزيز .

وبالرغم من تراكمات الأوضاع السياسية والاجتماعية التي كانت سائدة في نواحي البلاد قبل توحيدها والتي تركت ظلالها وآثارها على الوضع القضائي فإن الملك عبدالعزيز قد استطاع بتوفيق من الله وبما حباه الله من حنكة وحكمة أن يسير في وضع القضاء سيراً حسناً وأن يوازن فيه بين المصالح وبين المفاسد وأن يصل بهذا الجانب إلى بر الأمان ، حتى أضحت المملكة العربية السعودية صاحبة تجربة ريادية بل فريدة في هذا المقام في وقت تخلت فيه الكثير من البلدان عن النظام الإسلامي في القضاء .

ومن خلال تتبع تاريخ تطور النظام القضائي في المملكة العربية السعودية يلحظ أن الملك عبدالعزيز قد اختط خطين متوازيين في ميدانين مختلفين تبعاً لاختلاف الاوضاع التي كانت سائدة فيهما ، وهما ميدان القضاء في نجد وتوابعها، وميدان القضاء في الحجاز وعسير وتوابعهما .

أما ميدان القضاء في نجد فمن المعروف أن القضاء في هذه المنطقة كان يعتمد بشكل كبير على القاضي الذي يتخذ من عتبة بيته أو المسجد أو ربما في الطريق مكاناً للنظر في القضايا ، وكان القاضي الذي يقوم إلى جانب القضاء بالإمامة في الصلوات والخطابة في الجمع والأعياد والإرشاد وعقد الأنكحة والفتوى والتعليم وغير ذلك من الواجبات الشرعية والاجتماعية كان ينظر في جميع القضايا وعموم الأحداث التي تحصل في البلاد التي يقيم فيها أو القضايا في البلاد القريبة من مقر إقامته .

فالقضاء في نجد في تلك المدة بإيجاز كما وصفه الدكتور سعود الدريب في كتاب "التطور القضائي في المملكة " كان يتسم بالسهولة في الإجراءات ، وعدم التعدد في الدرجات ، فلا محاكم ذات درجات ، ولا محامين ولا مذكرات بالدفوع والمرافعات ، وكل شيء يتم شفوياً حتى الأحكام لا تكتب بخلاصتها إعلامات (صكوك) إلا فيما ندر وقل ، وكانت الأحكام تصدر في نفس اليوم ، بل في نفس اللحظة التي يجلس فيها القاضي والمتقاضي فلا مواعيد مؤجلة ، ولاجلسات متكررة إلا في النادر القليل ([24]).

أما ميدان القضاء في الحجاز وفي عسير فإن الدراسات التاريخية تشير إلى أن تلك المناطق قد شهدت قبل انضمامهما إلى الحكم السعودي شيئاً من التنظيم والترتيب في وضع القضاة وسير القضايا ، حيث كانت توجد في مكة المكرمة مثلا محكمة رئيسة (كبرى) تضم رئيساً وثلاثة أعضاء ، كل واحد منهم يمثل مذهبا من المذاهب الأربعة ، ينظر في القضايا وفق ما يراه المذهب الذي يتبناه ، وإلى جانب ذلك كان هناك نوع من القضاء العشائري القائم على النظام القبلي عند بادية الحجاز .

ومما يلاحظ على تلك المحاكم ونظمها وقضاتها أنها كانت تعاني كثيراً من سوء في الاختيار ورتابة في التنفيذ ، " وكان على الملك عبدالعزيز أن يسعى جاهداً لتحقيق التوافق بين هذه الأنظمة لما يجب أن يكون عليه نظام العدالة في المملكة التي أخذت على عاتقها منذ إنشائها تحكيم الشريعة الإسلامية في جميع شؤون الحياة بصورة عامة ، وفي القضاء بصورة خاصة "([25]).

ولذلك فإن الملك عبدالعزيز حينما ضم تلك المناطق إلى الحكم السعودي حرص على استخدام الحكمة في معالجة الأمور إلى الأصلح ، وذلك من خلال الحرص التام على الإفادة من إيجابيات تلك النظم كحرصه في الوقت نفسه على القضاء على سلبياتها أو وضع حد للممارسات الخاطئة في النظم الصالحة منها .

ومما قام به الملك عبدالعزيز لتسيير نواحي القضاء إلى الأفضل أن أوكل مهمة النظر في نظام المحاكم وترتيبها إلى المجلس الأهلي بموجب نظامه التأسيسي عند إنشائه في عام 1344هـ.

ثم تلا ذلك صدور عدد من القرارات والنظم التي هذبت النظم السابقة ، وسارت بالقضاء في تلك النواحي إلى الأفضل ، ومن ذلك المرسوم الملكي الصادر في شهر صفر من عام 1346هـ  الذي نظم أوضاع المحاكم ووظائفها ، حيث احتوى على خمسة فصول ؛ هي على التوالي تتعلق بتشكيل المحاكم ووظائفها ، وبهيئة المراقبة أو التمييز القضائي ووظائفها ، والتعليمات الخاصة بإنجاز النظر في القضايا ، والنظام الخاص بكتّاب العدل وتشكيلات محاكمه ووظائفها ، ودوائر بيوت المال واختصاصاتها .

ويرى الدكتور سعود الدريب في دراسته عن الملك عبدالعزيز ووضع قواعد التنظيم القضائي في المملكة أن ذلك النظام " يعتبر وثيقة من أهم الوثائق في تاريخ التنظيم القضائي وأصول المحاكمات في المملكة ، فبالإضافة إلى كونه أول خطوة في طريق توحيد القضاء في الجزيرة العربية – بعد توحيد أجزائها – فقد بقي وما لحقه من تعديلات كثيرة أساساً للتنظيم اللاحق لما قبل صدور نظام القضاء الجديد لسنة 1395هـ"([26]).

 وقد حرص الملك عبدالعزيز منذ وقت مبكر على تعيين القضاة في كل بلد ، وأن يكون القاضي في البلد هو المرجع في القضايا التي تدور في بلده ، وألا يتقاضى الناس خارج بلدانهم([27]).

كما كان الملك عبدالعزيز يحرص على أخذ رأي كبارالعلماء أو أعيان البلد عند تعيين القضاة واختيارهم لمختلف البلدان في المملكة العربية السعودية على مر السنين ؛ حيث كان في كل منطقة من المناطق عالم أو أكثر من كبار العلماء الذين يستأنس الملك بآرائهم في هذا الباب .

ففي منطقة الرياض كان الملك عبدالعزيز يستشير علامة زمانه الشيخ عبدالله بن عبداللطيف بن عبدالرحمن بن حسن آل الشيخ عند تعيين القضاة في مناطق نجد عامة والرياض بشكل خاص ، وظل الشيخ على مكانته تلك طيلة مدة حياته التي امتدت إلى عشرين عاما من حكم الملك عبدالعزيز([28]).

وحين توفي الشيخ عبدالله بن عبداللطيف عام 1339هـ كان الشيخ محمد بن إبراهيم خليفة له في كثير من الأمور التي كان يقوم بها ، ولذلك " جعله الملك عبدالعزيز مستشاراً شرعياً له في تولية القضاة وإبداء الرأي في الأمور الشرعية ، ولقد كان –رحمه الله – يقوم بتمييز الأحكام التي تحتاج إلى نظر ، وينظر فيما أحيل إليه من ولاة الأمور، ثم كان رئيس قضاة نجد في أعمالهم القضائية، وغيرها من الشؤون الاجتماعية "([29]).

وظل الشيخ محمد بن إبراهيم على مكانتـــه العالية عند الملك عبدالعزيز طيلة حياته، واستمرت مكانته عند قادة هذه البلاد من بعد الملك عبدالعزيز الملك سعود والملك فيصل ، حيث كان الشيخ محمد بن إبراهيم على رأس الهرم في عدد من الإدارات الدينية والعلمية في المملكة العربية السعودية إلى أن توفي – رحمه الله – في عام 1389هـ([30]).

وفي منطقة القصيم كان الملك عبدالعزيز – رحمه الله – يأخذ برأي الشيخ محمد بن عبدالله بن سليم عند تعيين القضاة ، " ولم يعين قاضياً في القصيم أو يعزله إلا بعد أخذ رأي الشيخ محمد حتى توفي الشيخ محمد "([31]).

واستمر الملك عبدالعزيز على ذلك النهج القويم مع خلفيه الشيخين عبدالله وعمر ابني الشيخ محمد بن سليم ، ويقول الوالد الشيخ صالح العمري في كتاب " علماء آل سليم وتلامذتهم وعلماء القصيم " وفي معرض ترجمته للشيخ عبدالله بن سليم : " ثم عينه الملك عبدالعزيز رئيساً لقضاة القصيم وقاضياً لمدينة بريدة ، وكان الملك يأخذ برأيه ويستشيره فيما يتعلق بقضاة وأمراء القصيم كما كان يستشير الشيخ عمر بن محمد بن سليم ، وربما استشارهما جميعاً في مجلس واحد أو بخطاب مشترك ، ولم يعين قاضياً في القصيم أو يعزله دون أخذ رأيهما أو أحدهما ابتداء من عام 1331 هـ مدة حياتهما"([32]).

وفي الحجـــاز بعــد أن استقرت له مقاليد الأمور فيه اعتمد الملك عبدالعزيز– رحمه الله – على الشيخ عبدالله بن حسن بن حسين آل الشيخ ؛ حيث ولاه عدداً من الأعمال والمهام الدينية الكبيرة ، ومنها رئاسة القضاء في الحجاز منذ عام 1346هـ([33]).

وقد استمر الشيخ عبدالله يؤدي واجباته بكل تفان ، وظل على مكانته العالية تلك إلى وفاته – رحمه الله – عام 1378هـ ؛ حيث دخل القضاء في مرحلة تنظيمية وإدارية جديدة ، كان أبرز ملامحها توحيد شؤونه في المملكة العربية السعودية تحت إدارة واحدة برئاسة الشيخ محمد بن إبراهيم ، رحمه الله .

ومما يسجل للملك عبدالعزيز في مسألة تعيين القضاة علاوة على ما ذكر من استشارته كبار العلماء في المناطق في تعيينهم الاستئناس برأي أعيان البلد وأمرائها وطرح بعض الخيارات أمامهم ، والهدف من ذلك الحرص التام من الملك عبدالعزيز على تحقيق أكبر قدر من المواءمة والتآلف والنجاح للقاضي في البلد المعين فيها .

 ومن نماذج ذلك كتاب الملك عبدالعزيز – رحمه الله – عام 1370هـ إلى أمير عنيزة آنذاك عبدالله بن خالد السليم للاستئناس برأيه وجماعته في تعيين قاض في عنيزة بديلا عن الشيخ ابن عودان ؛ حيث خيرهم بين ثلاثة قضاة هم: الشيخ عبدالرحمن بن سعدي ، أو الشيخ عبدالله بن عقيل ، أو الشيخ سليمان بن عبيد([34]).

ومما يسجل للملك عبدالعزيز في مجال القضاء وشؤونه حرصه – رحمه الله– على الرفع من شأن القضاء والقضاة وتعويد الناس عامتهم وخاصتهم على احترام ذلك والوقوف سواسية أمام الشرع .

ومما يروى في هذا الجانب قصة أمر الملك عبدالعزيز لأمير القصيم في زمنه مبارك بن مبيريك أن يجلس أمام خصمه لدى الشرع .

والقصة كما أوردها الوالد – رحمه الله – في رواية عن والده في معرض الترجمة للشيخ عبدالله بن سليم وبيان فراسته وعدله ، وذلك في كتاب " علماء آل سليم " إذ يقول :

" حدثني والدي – رحمه الله – قال : كنت عنده يوماً في منزله ، فدخل عليه أمير القصيم في زمنه الأمير مبارك بن مبيريك ، ولما دخل وسلم عليه جلس بجنب الشيخ كالعادة ، ثم ناول الشيخ خطاباً من الملك عبدالعزيز ، فلما قرأه الشيخ ، قال له : تريد تخاصم ؟.

قال : نعم .

ثم قال للأمير : قم فاجلس مع خصمك" ، وخصمه بدوي من بدو الصحراء قد أضاع بعيراً له ، ووجد مع إبل الملك عبدالعزيز ، فعرفه ، وادعاه ، فكتب الملك إلى الأمير مبارك أن يجلس مع فلان البدوي عند الشيخ عبدالله بن سليم بخصوص البعير ، وينفذ ما يحكم به الشرع لنا أو علينا .

 

وقد ادعى أمير القصيم أن البعير عليه وسم الملك عبدالعزيز وأنه تابع لإبله، وادعى البدوي أنه بعيره لم يهبه لأحد ولم يبعه .

وقال الأمير للشيخ : يجب على البدوي إحضار شهود أنه بعيره .

فقال الشيخ عبدالله : البعير بعير البدوي .

قال الأمير : إنه لم يحضر شهوداً !.

قال الشيخ : " يا مبارك " مخاطباً أمير القصيم ، " إن عبدالعزيز – يقصد الملك – لم يأمرك بالحضور مع البدوي من أجل البعير ، وإنما أمرك بالحضور من أجل أن يعلم الخاص والعام أن عبدالعزيز يحكم الشرع على نفسه وماله ، ولا يتكبر عنه ، ولا يأخذ أموال الناس بغير حق، ولو القصد البعير لأعطاه له دون مخاصمة ، فافهم ذلك ، وسلم البعير للبدوي ، وأخبر الإمام بما حكمنا به" ، فعجب الحاضرون من ذلك ، وصارت حديث المجتمع ، وهذا قصد الملك عبدالعزيز رحمه الله([35]). 

ومن القصص الشبيهة التي تروى عن حرص الملك عبدالعزيز – رحمه الله– على تطبيق الشرع على الجميع سواسية دون استثناء وهو أولهم في ذلك  ما أورده الأستاذ عبدالعزيز الأحيدب في مؤلفه " من حياة الملك عبدالعزيز " نقلا عن مجلة اليمامة لرواية كتبها عبدالرحمن بن سعد بن حاقان الدوسري عن قصة محاكمة للملك عبدالعزيز مع فرد من شعبه .

وتتلخص القصة بنزاع بين الملك عبدالعزيز وأحد المواطنين حول أرض زراعية كل يرى أنه الأحق بها ، وحرصاً من الملك عبدالعزيز على درء الشبهة عرض على خصمه التنازل عنها مقابل تعويض مالي مرض عنها .

ويبدو أن الرجل خشي التهمة بأنه كان يخاصم على الأرض كي يساوم عليها ، ولذلك رفض العرض ، وطلب من الملك عبدالعزيز الجلوس للشرع للحكم في النزاع حول الأرض .

فأجاب الملك عبدالعزيز : " وهل لدينا إلا الشرع ؟ ونحن لا نعارض فيمن أراد حكم الشرع ولو في قصورنا التي نسكنها إلا أجبنا طلبه " .

وحينئذ بادر الملك عبدالعزيز بإشعار قاضي الرياض في زمانه الشيخ سعد بن عتيق بالقضية، وطلب منه النظر فيها .

 فطلب الشيخ سعد من الملك عبدالعزيز الجلوس أمام خصمه أو توكيل من يراه للجلوس أمام القاضي ، وبحكم مشاغل الملك عبدالعزيز فقد وكل عنه الشيخ عبدالله ابن عبداللطيف لذلك . وهنا نتوقف مع دروس وعبر أخرى من الرواية ترينا كيف كان العلماء والقضاة في ذلك العهد على درجة كبيرة من الورع والتقوى ، فما إن علم الشيخ ابن عتيق باسم موكل الملك عبدالعزيز حتى بادر إلى اتخاذ ما يسقط الشبهات والقيل والقال ، فتذكر الرواية بأنه " كان بين الشيخ عبدالله بن عبداللطيف وبين القاضي سعد بن عتيق منادمة ومجالسة ومحبة وصداقة شأن علمائنا – رحمهم الله – في ذلك الوقت ، حياتهم كلها مدارسة ومناصحة وبحث في كل ما من شأنه يعود على الإسلام والمسلمين بالخير .

وجاء الشيخ عبدالله بن عبداللطيف لزيارة الشيخ سعد ؛ لأنه فقده منذ يومين أي منذ علم أن الملك قد وكله ، وكان الشيخ عبدالله لا يعلم شيئاً عن ذلك ، وحينما طرق الباب على الشيخ سعد وأخرج له وجهه من الباب وبعد التحية ضحك سعد وقال : أما علمت أن الإمام عبدالعزيز قد وكلك في دعوى مع فلان ، وإنني تركت زيارتك منذ أصبحت طرفا في هذه القضية ، وإننا جميعا لا ننشد إلا الحق ، ولكن قد يراك الخصم لدي ويراني لديك ، فيدخله شيء من وسوسة الشيطان ، وحينئذ استعبر الشيخ عبدالله، وانصرف شاكراً حسن صنيعه " .

ويمضي الراوي في روايته ويذكر أن الشيخ سعد نظر في القضية في اليوم التالي بحضور أطرافها ؛ الشيخ عبدالله وكيلا عن الملك عبدالعزيز والرجل خصمه ، وبعد أن اطلع على الوثائق واستمع إلى الدعوى وأقوال الشهود "ظهر للشيخ سعد بأن الأرض المتنـــازع عليها لهذا الرجـــل ، وأصـــدر الـــحكم ضد جلالة الملك ووكيله ، وحينما بلغ أن الحكم صدر ضده استعبر باكياً ، وهو يقـــول : الحمد لله الذي جعل عندنا من القضاة من لم تأخذه في الحق لومة لائم ، واستطرد قائلاً : إننا بخير مادام هؤلاء العلماء موجودون"([36]).

 كما بدأ الملك عبدالعزيز يعزز تدريجياً أحوال القضاء والقضاة بإدخال بعض التنظيمات الكتابية التي تنظم شؤون العمل وتقضي على التلاعب أو التزوير أو تعارض القضايا والتي في الوقت نفسه زادت من قيمة القضاء والقضاة .

ففي عام 1354هـ كتب الملك عبدالعزيز إلى عدد من القضاة يدعوهم إلى البدء في كتابة القضايا في سجلات شهادات الشهود وتسجيلها وفق ضوابط أدق مما هو معمول به؛ حيث يقول مثلاً في كتابه إلى الشيخ عبدالرحمن بن عودان :

" تعرفون أن الناس اختلفت أحوالهم وتوسعوا في الأمور التي ما تجوز يقيمون الدعاوى في نقض أمورهم ، وقد خلصوها قضاة من قضاة المسلمين ، ويلتمسون الغرة([37]) في الناس ، جميع أمر قد خلصه قاض من علماء المسلمين وعليه خط فهذا لا نجيز لأحد من قضاتنا اعتراضه ، بل يبقى عليه قطعيا ، ويلزم العمل به . . .

إن الناس اليوم في ذمتنا وذمتكم والاحتياط لهم في أمورهم من الواجب الذي يلزمكم به الاهتمام به ومن قبل كل قاضٍ يكون له كاتب معلوم تعرف كتابته ، وأما كتابة العوام فهذه تكون لأجل خشية التحريف الذي يشكل على القاضي .

أيضا كل طالب علم يزكي أحدًا وهو ليس معروفاً معتبر اً معروفة أمانته وعقله لا تقبل تزكيته ، أيضا كل قاضٍ يحط([38]) عنده دفتر ويكتب به القضايا بوقتها بتأريخها لأجل عن النسيان وعن التحريف ، وربما لو يموت القاضي أو يجري عليه شيء يكون دفتره باقي حجة للذي بعده .

والموجب لذلك مما رأينا في التغيير والتبديل والأهواء ، وهذا لأمور الدين والدنيا ولحقوق المسلمين... "([39]).

ولم يكتف الملك عبدالعزيز بذلك ، فمع تطور القضايا وكثرة الدعاوى بين الناس وحفظا للحقوق بين الناس ودرءًا للنزاع فيما بينهم أصدر الملك– رحمه الله– توجيهاته للقضاة بأن يسجل كل قاض الحكم الشرعي الذي انتهى إليه بعد النظر في أي قضية بين خصمين في صك شرعي حتى لا تقام فيها دعوى من أحد الخصمين مرة أخرى أمام أحد القضاة الآخرين .

ويقول الملك عبدالعزيز عن ذلك في أحد البرقيات التي وجهها في هذا الخصوص :

" كثير من الدعاوى تعرض علينا سواء دعاوى ركايب وإلا نقود وتكون خالصة عند الشرع ، ولكن الشرع ما يعطي مخلاص([40])بالحكم ثم يجونا ويشتكون وتنقض الدعاوى .

فمن الآن كل دعوى إذا خلصت عند الشرع يعطيه القاضي ورقة مخلاص ، أخبروا القضاة بطرفكم بذلك ، ويكون الاعتماد عليه في جميع الدعاوى"([41]).

ومن دلائل اهتمام الملك عبدالعزيز – رحمه الله – بالقضاء والقضاة الحرص على إكرام القضاة وقضاء حوائجهم والاطمئنان على معيشتهم بتخصيص العوائد الكافية لهم ؛ ليكونوا في غنى عن الناس وليتفرغوا للقضاء وبقية الأعمال المنوطة بهم مثل الدعوة والتعليم والوعظ وما شابهها من المهمات التي كانت ملقاة على عواتقهم آنذاك.

 وتحتفظ دور الوثائق بالعديد من الشواهد التاريخية الوثائقية التي تدل على ما قام به الملك عبدالعزيز – رحمه الله – من جهود في ذلك السبيل .

ومن ذلك ما جاء في برقية إلى الشيخ حمد التويجري مدير مالية بريدة في صفر من عام 1361هـ ، حيث أمر الملك عبدالعزيز – رحمه الله – بأن يجرى للشيخ سليمان الصالح الخزيم قاضي نجران قاعدة سنوية ما دام مستقيماً في قضائها .

ومن الجدير بالذكر أن تلك القاعدة لم تكن قاصرة على الشيخ سليمان وحده، بل شملته ونفراً من أتباعه كل بحسب مكانته ؛ حيث خصص للشيخ " ستمائة وزنة تمر وثلاثمائة صاع عيش ، وخوياه الطلبة الذين معه اثنان لكل واحد مائة وخمسون وزنة تمر وسبعون صاع عيش ... وخويه راعي القهوة والمطبخ مائة وزنة تمر وأربعون صاع عيش "([42]).

وفي عام 1364هـ صدر الأمر إلى مالية بريدة بأن " القاعدة التي باسم الشيخ سليمان الخزيم والأولاد الذين معه يكون على سنعها لعائلتهم؛ " لأن جلالة الملك قد عينه فوراً في قضاء عروى بعد أن أعفاه من قضاء نجران " ؛ فيكون الجاري لهم على العادة يبقى على أصله "([43]).

ومن صور اهتمام الملك عبدالعزيز – رحمه الله – بالقضاء والقضاة ورفع شأن القضاة أمام الناس في بلدانهم خاصة مع توسع البلاد وازدياد القضايا واختلاط الرعايا، ولضمان تحكيم الشرع بين الناس وسد الذرائع أصدر الملك عبدالعزيز – رحمه الله – أوامره للجميع بأن يكون تحاكم الناس إلى القضاة الموجودين في بلدانهم ، ولذلك وجه الإخوان كافـــة في عام 1338هـ بعدم إلــــزام النــاس أن يمشـــوا " لغير بلدانهم ؛ لأنـــــه – الحمد لله – كل بلد فيها قاضٍ ودعوى أهلها تكون عنده "([44])، إلى غير ذلك من صور الرعاية التامة التي كان الملك عبدالعزيز – رحمه الله – يوليها للقضاء والقضاة والتي جعلت القضاء في المملكة العربية يسير في أفضل اتجاه ، وليظل على تلك القوة والحاكمية لله – سبحانه وتعالى – إلى اليوم بفضل الله ثم بفضل تلك الأسس المتينة التي بناها ورعاها الملك عبدالعزيز – طيب الله ثراه – والتي أكملها – رحمه الله – بوضع تلك النظم والقرارات والأحكام الشرعية موضع التنفيذ لا يفرق فيها بين كبير وصغير ولاغني أو فقير كما سيتضح من خلال العديد من النماذج التاريخية الوثائقية المحفوظة في دور الوثائق وغيرها والتي يمكن استعراض بعض منها بقية صفحات هذه الدراسة بإذن الله تعالى .

 

المبحث الثالث: نماذج وثائقية من احترام الشرع والتحاكم إليه عند الملك عبدالعزيز

قام الملك عبدالعزيز في سبيل ضمان تطبيق الأحكام ونصرة المظلوم بتعيين أمراء وعمال من قبله في جميع المناطق والبلدان ؛ ليقوموا بدور السلطان في حماية القرآن امتثالاً للقول المأثور : " إن الله ليزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن ".

وعن ذلك يقول الملك عبدالعزيز – رحمه الله – في رسالة عامة بعث بها إلى مختلف مناطق المملكة العربية السعودية :

" تفهمون ما منَّ الله به علينا وعليكم من نعمة الإسلام ، ومن أهمها وأكبرها عبادة الله وحده لا شريك له والتبرؤ ممن سواه ، والثاني معرفة الحق من الباطل والعمل بما أوجبه الله علينا ، والثالث حكم الشريعة الذي هو رأس الفصل بين الناس وهو العدل ، فمن رضي به فقد فاز، ومن أنكره ولم يعمل به فقد خسر ...  وأوجدنا في كل محل شخصاً سواء أنه من أولادنا أو من خدامنا ، وأمرناه بالعدل بين الناس وتحكيم الشريعة وردع الظالم ونصرة المظلوم، وتفهمون أنه لأجل موجب الفطرة التي فطر الله عليها الناس وجعلها طبيعة لهم من ظلم النفس أو التعدي سواء أنه من الأمراء أو المأمورين، ولكن كما جاء في الحديث: "إن الله يزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن"، فبموجب هالأمر حبيت أبين لكم أمور تتبعونها إن شاء الله وتحرصون عليها فمن عمل بها كافينــــاه بالعلم الطيب معه، ومن تركها ولم يعمل بها أجرينا عليه اللازم إن شاء الله"([45]).

ودعا الملك عبدالعزيز – رحمه الله – الناس في رسالته تلك إلى عدم التردد في رفع المظالم إلى أولئك الأمراء مباشرة كل في منطقته ، وإن استدعى الأمر رفع المظلمة إليه شخصياً فأبوابه مشرعة دائماً لتنفيذ شرع الله بين العباد ، حيث يقول :

"وكل من كان له مظلمة أو شيء من الأمور التي تلحقه في دين أو دنيا وأبدى لأولادنا المذكورين فقد وصل إلى خير وإن شاء الله إنهم يقومون بالواجب ، وأيضا الأمراء والنواب الصغار الذين في المحلات إذا تباعد الإنسان محل أولادنا وأراد يبدي لهم الأمر يخلصونه إن شاء الله على الوجه المشروع ؛ لكن جل مقصودنا كشف الحقيقة ورفع المظلمة ؛ لأننا إن شاء الله ننصف المظلوم من الظالم" ([46]).

وفي الوقت الذي كان الملك عبدالعزيز يعين فيه عاملا على بلد من البلدان ويقف إلى جانبه حرصاً على حفظ الأمن واحترام السلطة كان – رحمه الله – يحرص على أن يوضح للجميع أن العامل مهما كان يبقى محكوما بالشرع ، وأن الشرع ولا غيره هو المقدم وهو المرجع في حال الخلاف أو الاعتراض على أحد من المسؤولين من قبل أحد من الرعية .

وتحتفظ المصادر التاريخية بكثير من النماذج الوثائقية التي تدلل على هذا الجانب ؛ ففي عام 1345هـ كتب الملك عبدالعزيز – رحمه الله – رسالة عامة إلى " من يراه من كافة إخواننا المسلمين وفقنا الله واياهم لما يحبه ويرضاه وجعلنا وإياهم من صالح عبيده وأوليائه " .

وفي هذه الرسالة وجه الملك عبدالعزيز نصيحته وتوجيهاته إلى طلبة العلم وغيرهم ممن كانوا يتصدون لتلك المهمة في ذلك الوقت ، ووضح لهم أهمية التحلي بأخلاق الدعاة والتسلح بالعلم، وأن المعول إليه في النصيحة وتوجيه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو الالتزام وتحكيم الشريعة الإسلامية ، ومما جاء في رسالته العامة تلك :

"والآن أوصيكم ونفسي بتقوى الله تعالى والأخذ على يد السفهاء، فإن كانوا ظالمين نصرتوهم بالأخذ على أيديهم ، وإن كانوا مظلومين جعلتم الشريعة حكما والولاية تساعدهم على ذلك .

وأما الحالة التي أراها اليوم فهي الحالة التي يخاف منها ، وهي التي يتمناها الشيطان وأعوان الشيطان من الإنس بين المسلمين ولا رادع لها إلا الله ثم تحكيم الشريعة بين الناس واجتماع أعيان المسلمين في كل قرية وأخذ على يد السفيه، والحمد لله كل بلد فيها طالب علم يرجع الأمر له وما نفذ ينفذ وما اختلفتم فيه وأشكل أمره يرجع إلى ولاية المسلمين ، وتفهمون أن الافتخار في طاعة الله واتباع رسوله e ، والذل والخذلان في اجتناب ذلك من التعصب والحمية على غير دليل شرعي ، إنما الافتخار باتباع قول الله سبحانه"([47]).

ومن ذلك ما كتبه الملك عبدالعزيز – رحمه الله – مثلا إلى أهل قصيبا في القصيم في رمضان من عام 1345هـ حين أحس من بعضهم اعتراضا على عامله هناك مؤكدا لهم أن الاعتراض ليس له مقام ما لم يكن له مسوغات شرعية؛ حيث يقول :

" إن كان لكم عليه درب شرعي فالحمد الله الشرع يسمح به الخاطر ، فإن كان ما لكم عليه درب شرعي فاتركوه "([48]).

ومن ذلك أيضا خطابه – رحمه الله – إلى جمعان بن رقوش وجماعته كافة في زهران عند تعيين أمير جديد للباحة عام 1346هـ ؛ حيث يقول :

" بعد ذلك تفهمون ما لنا مقصد إن شاء الله في الناس إلاّ أمرين؛ أولاً يتعلمون أمر دينهم وأن تكون كلمة الله هي العليا ودينه هو الظاهر ، وأيضا تأمين الرعية في بلدانهم وفيما بينهم على دمائهم وأموالهم وأعراضهم ، وهذا الذي إن شاء الله ندين الله به ونحبه لجميع المسلمين . . . ومَّرنا فيكم ولدنا محمد بن عبدالعزيز ابن الشيخ ، ووصيناه بما يلزم، نرجو أن الله تعالى يوفقه للعدل والإصلاح وإقامة أمر الله . . . وأنتم توكلوا على الله ، وتلفون([49]) على أميركم كل من بخاطره شيء أو دعوى يبينه له، ويقوم إن شاء الله على المنهج الشرعي، فهذا الذي يلزمنا، ونسأل الله التوفيق لنا ولكم ولجميع المسلمين"([50]).

ومما تحتفظ به المصادر التاريخية من هذه النماذج التي تدل على حرص الملك عبدالعزيز – رحمه الله – على الالتزام بهذا المبدأ خطابه إلى أهل مبايض حينما عين أميرا لهم عام 1351هـ ، وبعد أن أوضح الحقوق المتبادلة فيما بينهم وبينه ختم الحديث بقوله :

" وأيضا اجزمـــوا([51]) أنتم وغيركم أنه إذا ورد علينا أمر من أمير أو أحـــد من الناس فلا نعينه فـــي شيء حتى نتحقق بأمر شرعي ، هذا الذي عندي ، والله يوفقنـــا وإياكم للخير"([52]).

ومن ذلك ما ذكره الملك عبدالعزيز حيال قضية الخلاف بين محمد بن عبدالعزيز الغامدي وجماعته وأن الحكم فيها إلى الشرع([53])؛ حيث يقول مخاطبا أميرهم عليهم : "فأنت إن شاء الله تنظر في دعواهم وتخلصهم على ما تحكم به الشريعة ، وما حكمت به الشريعة فالعمل عليه "([54]).

ويقول الملك عبدالعزيز في خطاب آخر موجه إلى أهل زهران كافة مثنياً على هدوء الأوضاع لديهم وعلى التعاون المتبادل فيما بينهم وبين الأمير : " وأنتم إن شاء الله تلازمون السمع والطاعة وعدم المخالفـــة له ، ومرجع الجميع حنا وأنتم وهو إلى الشرع" .

ويؤكد الملك عبدالعزيز على احترام الشرع وأوامره في خطاب التكليف لإبراهيم النشمي أحد رجالاته بالإمارة في العلا عام 1351هـ ؛ حيث يقول – رحمه الله –:

" بعد ذلك بارك الله فيك من قبل أنت حالاً توكل على الله وتوجه إلى العلا . . . ولكن الذي نوصيك به تقوى الله تعالى وطاعته وامتثال أوامره وتقديم الشريعة في جميع الأمور والسيرة الحسنة مع الرعايا"([55]).

وفي العام نفسه كتب الملك عبدالعزيز إلى أحد رجالاته حسن الخطيب موضحاً أن غضبه من " القريفة " من رجاله في مبايض بسبب عدم تنفيذ أوامر الشرع ، وأكد على ذلك بقوله :" ما أشرت إليه من طرف القريفة فأنت تدري بارك الله فيك أن ما لنا مقصد في أحد، وأن صاحبنا والغالي عندنا الذي يستقيم على أمر الشرع وينصف بين الناس ، والآن حنا سامحين عنه ؛ ولكن يحرص على ملاحظة أموره وتنفيذ أمر الشرع"([56]).

وفي عام 1353هـ حينما رأى الملك عبدالعزيز دعاوى بعض الناس في الملكيات العامة أو النزاع فيمــا بينهم حولها كتب موضحاً أن المنهج في حق التملك هو منهج الشرع وحكمه ، وأن الناس سواسية في ذلك ؛ حيث قال– رحمه الله– :" تعلمون أن الله سبحانه حفظ هذه الأمة بقدرته ورحمته ثم باتباعهم ما جاء به رسوله صلوات الله وسلامه عليه وتقويم هذه الشريعة ، فببركة الله ثم بركة التوحيد وبركة الصادق المصدوق e كان الناس في أرغد عيش وأتم نعمة ، وكل أمر يخل بالشرع ما فيه خير، وآخره وبال على أهله .

وبهذه الأيام رأيت قلة مروتهم وكثر شرهتم ، ويحبون طرق الفتن وبالأخص في المياه والموارد ، كل يدعي :" هذا ملك أبي وجدي"، والملك لله الواحد القهار ، وبهذا التملك فساد على المسلمين ، مصلحة الشخص وفساد على العموم .

فالآن أنا مجرٍ إن شاء الله ما أجرت هذه الشريعة وناهٍ إن شاء الله عما نهت عنه، أما الملك فلا لأحد ملك لا كبير ولا صغير ، وكل إنسان يدعي أن له ملكاً لو أنه معطى عطية ما سوى مني أو من غيري فهو باطل، ولا عليه عمل إلا ما تملكه الشريعة"([57]).

وعلى المبدأ نفسه كتب الملك عبدالعزيز إلى محمد بن مهنا عام 1355هـ عن دعوى " فواز هو ورفاقته" أنه قد أحالها إلى الشيخ عبدالملك لينظر في أمرهم ومؤكدا في الوقت نفسه على احترام الشرع بقوله : " ولا عندنا لأحد إلاّ أمر الشرع إن شاء الله " ([58]) .

وجاء في التعليمات الخاصة بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الصادرة في عام 1368هـ التأكيد على أن الشريعة الإسلامية هي المرجع في أمور الأمر أو الإنكار أو العقوبات؛ حيث تنص تلك التعليمات على ما يأتي :

" فأما الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فهذا سنام الأمر ، وهو الذي تبرأ الذمة به على شرط أن يكون مطابقاً للحكم الشرعي ، فإذا ورد أمر بشبهة على ذكر أو أنثى سواء أنها من رؤية عين أو ينسب ذلك لتهمة فهذا لا يعمل فيه أي عمل إلا بحكم الشرع، ويؤتى بالفاعل وبالناقل لحاكم الشرع ، ويأخذ جواب الطرفين ، ويعمل على ما كان في كتاب الله وسنة رسوله e . . . فالحكومة تعمل فيه بالحـــكم الشرعي على شرط أن الحـــكم ينفذ في المتهَم والمتهِم . . . فالعمـــدة على حكم الشريعـــة على شرط أن الحاكم الشــــرعي إذا خلص من عنده أمر يكتب ورقة للحكومة على أني نظرت في دعوى هذا وهذا ، وحكمت بهذا ، وهــــذا الأمر الذي يقتضيــــه الشرع لأجــــل تنفيذه، والمصلحة تقتضي ذلك الأمر"([59]).

وفي عام 1368هـ كتب الملك عبدالعزيز – رحمه الله – لأهل الخرمة موضحاً أن سبب غضبه على أميرهم سعد بن خالد بن لؤي وبعض إخوانه تساهلهم في تطبيق أمر الشرع ، وعن ذلك يقول – رحمه الله –:" حنا زعلنا([60]) على سعد وإخوانه ولا هو بموجبكم، ولكن بموجب([61]) ما نسمع ، الله أعلم بصدق ذلك من كذبه ، وإلا فأنتم تعرفون حالتهم عندي أنهم أعز علينا من عيالنا، ولكن الذي لله ما نطاوع فيه أحداً .

بقي بالخاطر جانا سعد وعاهدنا بالله أن يعمل إن شاء الله بما يرضي الله وألاّ ينفذ خيط بإبرة إلا بأمر الشرع ، وغير ذلك يطرح الذي في خاطره بينه وبين بني خيه([62])، فهذا رديناهم بإمارتهم ، وأخبرناهم إن أحسنوا السيرة فهم عيالنا ولاحنا مادحين عمارنا([63]) لأحد ولا نقول إلا إنهم عيالنا مثل ما مضى ، وإن أساؤوا السيرة فيأبى الله أن نرضى بما لا يرضيه وعطانا على هذا أمان الله . نرجو الله أن يوفقنا وإياكم جميعا لما فيــه الخير " ([64]). 

إلى غير ذلك من الشواهد التاريخية الوثائقية التي لا يتسع المقام للتوسع فيها واستعراض المزيد منها في مثل هذه الدراسات المحدودة في الهدف والمحدودة في الحجم التي تعد بحق أوسمة ناصعة في جبين تاريخ المملكة العربية السعودية عامة وفي صفحات تاريخ الملك عبدالعزيز بوجه خاص والتي تعطي الشهادة تلو الأخرى على القدر الكبير من الالتزام بالشرع والتحاكم إليه عند الملك عبدالعزيز والتي تجبر أهل التاريخ والمؤرخين على مختلف ميولهم وأهدافهم أن يقفوا بكل احترام وتقدير لتاريخ تلك الشخصيــة الفريدة التي تحتفل الأجيــال الحالية بمرور مائــة عام على وضعها اللبنة الأولى في تأسيــس المملكة العربيــة السعودية التي تعد اليوم الدولة الوحيدة في العالم التي يحق لها أن تفــخر بنموذج فريد من احترام الشــرع والتحاكم إليه والذي وضع الملك عبدالعزيز أسس بنائه جنباً إلى جنب مع لبنات التأسيس الأولى كما بينتها صفحات هذه الدراسة .

 

الهوامــش



([1]) أرشيف معهد الإدارة العامة ، قسم الوثائـــق:  الأوامر الملكية ، الأمر الملكي رقم 1/90 وتاريخ 27 شعبان 1412هـ .

([2]) المصدر السابق .

([3]) المصدر السابق .

([4]) خير الدين الزركلي ، شبه الجزيرة في عهد الملك عبدالعزيز ، الطبعة الخامسة ، دار العلم للملايين، بيروت 1992م ، 2/ 741 .

([5]) أرشيف الوثائق الوطنية ، دارة الملك عبدالعزيز ، الوثيقة رقم 155 .

([6]) من وثائــــق الملك عبدالعزيـــــز ، من عبدالعزيـــــز بن عبدالرحمن الفيصل إلى شلهـوب ، في 1/4/1328هـ .

([7]) انظر صور الرسالة ونصها كاملاً في : عبدالعزيز بن عبدالمحسن التويجري، لسراة الليل هتف الصباح : الملك عبدالعزيز دراسة وثائقية ، الطبعة الأولى ، بيروت 1997م ، ص 336-339 .

([8]) انظر نص الرسالتين وصوراً لهما في : التويجري ، لسراة الليل ، ص 343-350 .

([9]) للاطلاع على نص الرسالة وصورة عنها انظر : التويجري ، لسراة الليل ، ص 354-357 .

([10]) للمزيد انظـــــر : عبدالمنعم الغلامي ، الملك الراشد جلالة المغفور له عبدالعزيز آل سعود ، ط 2 ، دار اللواء الرياض 1400هـ ، ص 322-324 .

([11]) للمزيد انظر : خير الدين الزركلي ، شبه الجزيرة ، 2/ 740-742 .

([12]) للمزيد عن جهود الملك عبدالعزيز في طباعة الكتب ونشرها على نفقته انظر المبحث الخاص بذلك في كتاب : الملك عبدالعزيز والعمل الخيري من تأليف الباحث ، ص 205-217 .

وانظر كذلك من الدراسات الخاصة بهذا الموضوع :

عبدالعزيز بن أحمد الرفاعي ، عناية الملك عبدالعزيز بنشر الكتب ، من بحوث المؤتمر العالمي عن تاريخ الملك عبدالعزيز ، الرياض ، ربيع الأول 1406هـ .

  وانظر : فهد بن عبدالله السماري ، مكتبة الملك عبدالعزيز الخاصة ، من إصدارات دارة الملك عبدالعزيز ، الرياض 1417هـ .

([13]) أرشيف الوثائق الوطنية ، دارة الملك عبدالعزيز ، الوثيقة رقم 658 .

([14]) الوثيقة السابقة .

([15]) الوثيقة السابقة .

([16]) 1/353 .

([17]) جريدة أم القرى، العدد الأول، في 15/3/1343هـ . نقلاً عن: علي بن محمد آل مشبب ، المملكة العربية السعودية: مجلس الشورى بين الماضي والحاضر ، ط 1 الرياض 1418هـ ، ص 9 .

([18]) أرشيف الوثائق الوطنية ، دارة الملك عبدالعزيز ، الوثيقة رقم 277 .

([19]) الوثيقة السابقة .

([20]) الوثيقة السابقة .

([21]) نقلاً عن الزركلي ، شبه الجزيرة ، 1/353 ، 354 .

([22]) ومثال ذلك مجموعة من الوثائق المحفوظة في أرشيف الوثائق الوطنية ، دارة الملك عبدالعزيز ، مثل الوثيقة رقـــم 243 من محمد بن مانع إلى سليمان بن سحمــان ، والوثيقة رقم 252 كذلك من ابن مانع إلى ابن سحمان ، والوثيقة رقم 257 من ابن مانع إلى ابن سحمان .

([23]) أرشيف الوثائق الوطنيــة ، دارة الملك عبدالعزيز ، الوثيقة رقم 257 ، من محمد المانع إلى سليمان بن سحمان ، في 1/10/1344هـ .

([24]) سعود الدريب ، الملك عبدالعزيز ، ص 61 .

([25]) سعود بن سعد الدريب ، الملك عبدالعزيز ووضع قواعد التنظيم القضائي في المملكة ، ط 1  دار المطبوعات الحديثة ، جدة 1408هـ ، ص 102 ، 103 .

([26]) سعود الدريب ، الملك عبدالعزيز ، ص 104 .

([27]) أرشيف الوثائق الوطنية ، دارة الملك عبدالعزيز ، الوثيقة رقم 1354 ، من عبدالعزيز بن عبدالرحمن الفيصل إلى من يراه من كافة الإخوان ، في 1/7/1338هـ .

([28]) عبدالرحمن بن عبداللطيف آل الشيخ ، مشاهير علماء نجد وغيرهم ، الطبعة 2 ، دار اليمامة الرياض 1394هـ ، ص 129-141 .

([29]) محمد بن ناصر الشثــري ، الدعوة في عهد الملك عبدالعزيــــز رحمه الله ، ط 1، الرياض 1417هـ  2/ 666 .

([30]) للمزيد عن حياة الشيخ محمد بن إبراهيم ومكانته بين علماء المملكة العربية السعودية انظر المؤلف الخاص بالترجمة لحياته بعنوان : العلامة الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ مفتي الديار السعودية 1311-1389هـ ، من جمع وترتيب محمد بن عبدالله الرشيد ، مكتبة الإمام الشافعي الرياض 1416هـ . 

([31]) علماء آل سليم ، 1/ 36 .

([32]) عملاء آل سليم ، 1/ 64 .

([33]) عبدالله البسام ، علماء نجد خلال ثمانية قرون ، ج

([34]) أرشيف الوثائق الوطنية ، دارة الملك عبدالعزيز ، الوثيقة رقم 1353هـ ، من الملك عبدالعزيز إلى أمير عنيزة عبدالله السليم ، في 14/10/1370هـ .

([35]) علماء آل سليم ، 1/ 68 .

([36]) عبدالعزيز بن محمد الأحيدب ، من حياة الملك عبدالعزيز، الطبعة الثالثة، الرياض 1405هـ ص 250 ، 251 .

([37]) الغرة : أي الغرر .

([38]) يحط : أي يجعل .

([39]) من وثائق الملك عبدالعزيز ، من عبدالعزيز بن عبدالرحمن الفيصل  إلى الشيخ عبدالرحمن ابن عودان ، في 3/6/1354هـ ، ص 303 .

([40]) مخلاص : أي وثيقة شرعية بالحكم .

([41]) أرشيف الوثائق الوطنية ، دارة الملك عبدالعزيز ، الوثيقة رقم 940 ، برقية من عبدالعزيز بن عبدالرحمن الفيصل إلى ابن عطيشان ، في 19/12/1358هـ .

([42]) من أرشيف الباحث ، من عبدالعزيز بن عبدالرحمن الفيصل إلى حمد التويجري مدير مالية بريدة ، في 15/10/1364هـ .

([43]) من أرشيف الباحث ، من إبراهيم الشايقي إلى حمد التويجري مدير مالية بريدة ، في 15/10/1364هـ .

([44]) أرشيف الوثائق الوطنية ، دارة الملك عبدالعزيز ، الوثيقة رقم 1354.

([45]) أرشيف الوثائق الوطنية ، دارة الملك عبدالعزيز ، الوثيقة رقم 695 .

([46]) الوثيقة السابقة .

([47]) أرشيف الوثائق الوطنية ، دارة الملك عبدالعزيز ، الوثيقة رقم 258 ، من عبدالعزيز بن عبدالرحمن الفيصل إلى من يراه ، 1345 .

([48]) أرشيف الوثائق الوطنية ، دارة الملك عبدالعزيز ، الوثيقة رقم 1194 ، من عبدالعزيز بن عبدالرحمن الفيصل إلى كافة أهل قصيبا ، في 3/10/1345هـ .

([49]) تلفون : أي تذهبون إليه وتقيمون عنده .

([50]) من وثائق الملك عبدالعزيز ، من عبدالعزيز بن عبدالرحمن الفيصل إلى راشد بن رقوش وكافة جماعته ، في 18/6/1346هـ ، ص 199 .

([51]) اجزموا : أي تأكدوا .

([52]) أرشيف الوثائق الوطنية ، دارة الملك عبدالعزيز ، الوثيقة رقم 214 ، من عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل فيصل إلى حسن الخطيب وكافة أهل مبايض في 4/10/1354هـ .

([53]) وثائق الملك عبدالعزيز ، من عبدالعزيز بن عبدالرحمن الفيصـــل إلى كافة أهــل زهران ، في 2/3/1346هـ .

([54]) المصدر نفسه .

([55]) أرشيف الوثائق الوطنيـــة ، دارة الملك عبدالعزيز ، الوثيقــة رقم 312 ، من عبدالعزيز بن عبدالرحمن الفيصل إلى إبراهيم النشمي ، في 26/2/1351هـ .

([56]) أرشيف الوثائق الوطنيــة ، دارة الملك عبدالعزيز ، الوثيقــة رقم 207 ، من عبدالعزيز بن عبدالرحمن الفيصل  إلى حسن الخطيب ، في 8/9/1351هـ .

([57]) من وثائق الملك عبدالعزيز ، من عبدالعزيز بن عبدالرحمن الفيصل إلى سلطان بن عباس وكافة الأخوان ، في 22/8/1353هـ ، 297 .

([58]) من وثائق الملك عبدالعزيز ، من عبدالعزيز بن عبدالرحمن الفيصل إلى محمد بن عبدالرحمن بن مهنا ، في 29/3/1353هـ ، ص 311 .

([59]) أرشيف الوثائق الوطنية ، دارة الملك عبدالعزيز ، الوثيقة رقم 219 ، صورة التعليمات الصادرة في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر .

([60]) زعلنا : أي غضبنا .

([61]) أي ليس بسببكم ولكن بسبب .

([62]) أي أقاربه .

([63]) عمارنا : أي أنفسنا .

([64]) من وثائقنا الوطنية ، من عبدالعزيز بن عبدالرحمن الفيصل  إلى كافة أهل الخرمة ، في 29/8/1368هـ ، ص 281 .

 

 

 

قائمة المصادر والمراجع

 

أولاً : وثائق غير منشورة

(1) أرشيف معهد الإدارة العامة :

§        قسم الوثائق، الأوامر الملكية، الأمر الملكي رقم 1 / 90 وتاريخ 72 شعبان 1412هـ.

(2) أرشيف الوثائق الوطنية في دارة الملك عبدالعزيز :

§        الوثيقة رقم 155، من الملك عبدالعزيز الى ابن مانع محرم 1322هـ.

§        الوثيقة رقم 207، من عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل فيصل إلى حسن الخطيب ، في 8/9/1351هـ .

§        الوثيقة رقم 214 ، من عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل فيصل إلى حسن الخطيب وكافة أهل مبايض في 4/10/1351هـ.

§        الوثيقة رقم 219 ، صورة التعليمات الصادرة في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر .

§        الوثيقة رقم 243 ، من محمد بن مانع إلى سليمان بن سحمان .

§        الوثيقة رقم 252 ، من ابن مانع إلى ابن سحمان .

§        الوثيقة رقم 257 ، من محمد المانع إلى سليمان بن سحمان ، في 1/10/ 1344هـ .

§        الوثيقة رقم 258، من عبدالعزيز بن عبدالرحمن الفيصل إلى من يراه ، 1345هـ .

§ الوثيقة رقم 277 ، بلاغ عام من الملك عبدالعزيز الى أهل الحجاز بعد ضم الحجاز يعلن العفو الشامل عن الجرائم السياسية 8/6/1344هـ .

§        الوثيقة رقم 312 ، من عبدالعزيــــز بن عبدالرحمن الفيصل إلى إبراهيم النشمي ، في 26/2/1351هـ .

§        الوثيقة رقم 658 ، من الملك عبدالعزيز إلى الإخوان 25/12/1340هـ.

§        الوثيقة رقم 695 ، من الملك عبدالعزيز إلى ابن هديب وكافة الإخوان ، في 27/6/1356هـ .

§        الوثيقة رقم 940 ، برقية من عبدالعزيز بن عبدالرحمن الفيصل إلى ابن عطيشان ، في 19/12/1358هـ .

§        الوثيقة رقم 1194، من عبدالعزيز بن عبدالرحمن الفيصل إلى كافة أهل قصيبا ، في 3/10/1345هـ .

§        الوثيقة رقم 1353 ، من عبد العزيز بن عبدالرحمن آل فيصل إلى عبدالله السليم (عنيزة) ، في 14/10/1370هـ .

§        الوثيقة رقم 1354 ، من عبدالعزيز بن عبدالرحمن الفيصل إلى من يراه من كافة الإخوان ، في 1/7/1338هـ .

(3) وثائق من أرشيف الباحث :

§        من عبدالعزيز بن عبدالرحمن الفيصل إلى حمد التويجري مدير مالية بريدة ، في 10/2/1361هـ .

§        من إبراهيم الشايقي إلى حمد التويجري مدير مالية بريدة ، في 15/10/1364هـ .

ثانياً : وثائق منشورة

(1) من وثائق الملك عبدالعزيز :

§        كتاب وثائقي من إصدار المهرجان الوطني للتراث والثقافة ، الرياض 1410هـ/1990م .

§        من عبدالعزيز بن عبدالرحمن الفيصل إلى شلهوب ، في 1/4/ 1328هـ .

§        من عبدالعزيز بن عبدالرحمن الفيصل إلى الشيخ عبدالرحمن بن عودان ، في3/6/1354هـ .

§        من عبدالعزيز بن عبدالرحمن الفيصل إلى راشد بن رقوش وكافة جماعته ، في 18/2/1346هـ .

§        من عبدالعزيز بن عبدالرحمن الفيصل إلى كافة أهل زهران ، في 2/3/1347هـ .

§        من عبدالعزيز بن عبدالرحمن الفيصـــل إلى سلطــــان بن عباس وكافة الإخوان ، في 22/8/1353هـ .

§        من عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل فيصل  إلى كافة أهل الخرمة ، في 29/8/1367هـ .

(2)    لسراة الليل هتف الصباح :الملك عبدالعزيز دراسة وثائقية :

§        كتاب وثائقي : إعداد : عبدالعزيز بن عبدالمحسن التويجري ، الطبعة الأولى ، بيروت 1997م .

§        من عمر بن محمد بن سليم إلى عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل فيصل، في 8/1/1345هـ .

§        من عبدالله بن عبدالوهاب بن زاحم إلى عبدالعزيز بن عبدالرحمن الفيصل ، في 8/2/1345هـ .

§        من عبدالله بن عبدالعزيز العنقري إلى عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل فيصل ، 4 / 2 / 1345هـ .

 

المؤلفات والدراسات :

§        سعود بن سعد الدريب ، الملك عبدالعزيز ووضع قواعد التنظيم القضائي في المملكة، ط 1 ، دار المطبوعات الحديثة ، جدة 1408هـ .

§        خير الدين الزركلي ، شبه الجزيرة في عهد الملك عبدالعزيز ، الطبعة الخامسة ، دار العلم للملايين ، بيروت 1992م .

§        صالح بن سليمان العمري ، علماء آل سليم وتلامذتهم وعلماء القصيم، ط 1 ، مطابع الإشعاع ، الرياض 1405هـ .

§        عبدالرحمن بن عبداللطيف آل الشيخ، مشاهير علماء نجد وغيرهم ، الطبعة 2، دار اليمامة، الرياض 1394هـ .

§ عبدالعزيز بن أحمد الرفاعي ، عناية الملك عبدالعزيز بنشر الكتب ، من بحوث المؤتمر العالمي عن تاريخ الملك عبدالعزيز ، الرياض ، ربيع الأول 1406هـ .

§        عبدالعزيز بن محمد الأحيدب ، من حياة الملك عبدالعزيز، الطبعة الثالثة، الرياض 1405هـ .

§        عبدالله البسام ، علماء نجد خلال ثمانية قرون، 6 مجلدات، دار العاصمة، الرياض 1419هـ.

§        عبدالمنعم الغلامي ، الملك الراشد ،الطبعة الثانية ، دار المؤيد ، الرياض 1400هـ .

§        علي بن محمد آل مشبب ، المملكة العربيـــــة السعودية مجلس الشورى بين الماضي والحاضر ، ط 1، الرياض 1418هـ .

§        فهد بن عبدالله السماري ، مكتبة الملك عبدالعزيز الخاصة ، من إصدارات دارة الملك عبدالعزيز ، الرياض 1417هـ .

§ محمد بن عبدالله الرشيد ، العلامة الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ مفتي الديار السعودية 1311هـ - 1398هـ ، مكتبة الإمام الشافعي ، الرياض 1416هـ .

§        محمد بن ناصر الشـثري، الدعوة في عهد الملك عبدالعزيز رحمه الله، ط1، الرياض 1417هـ.