التعريف بالموضوع :

الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده ، وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا ، وبعد

تفخر المملكة العربية السعودية بأنها من الدول القلائل إن لم تكن الدولة الوحيدة في العالم هذا اليوم التي تطبق شرع الله وتتحاكم إليه في جميع شؤون الحياة .

وقد ورد في النظام الأساسي للحكم في المملكة العربية السعودية الصادر في عام 1412هـ ما يأتي :

 " المادة السابعة : يستمد الحكم في المملكة العربية السعودية سلطته من كتاب الله تعالى وسنة رسوله، وهما الحاكمان على هذا النظام وجميع أنظمة الدولة .

المادة الثامنة : يقوم الحكم في المملكة العربية السعودية على أساس العدل والشورى والمساواة وفق الشريعة الإسلامية([1]).

 المادة السادسة والأربعون : القضاء سـلطة مستقلـة ، ولاسلطان على القضاة في قضائهم لغير سلطان الشريعة الإسلامية([2]).

 المادة الثامنة والأربعون : تطبق المحاكم على القضايا المعروضة أمامها أحكام الشريعة الإسلامية وفقا لما دل عليه الكتاب والسنة وما يصدره ولي الأمر من أنظمة لا تتعارض مع الكتاب والسنة"([3]).

وفي الحقيقة فإن من يتتبع تاريخ المملكة العربية السعودية منذ بداية عهد مؤسسها الملك عبدالعزيز لا يستغرب مثل هذا التأكيد الذي تضمنه النظام الأساسي للحكم على قضية احترام الشريعة وتحكيمها، فإن ما وصلت إليه المملكة العربية السعودية من نموذج فريد فــــي نظام الحكم بين بلدان العالم الإسلامي لم يكن وليد عمل اليوم أو الأمس فحسب ، بل هو نتاج عمل طويل ومتواصل من ملاحم البناء والعطاء ، ابتدأت باحتضان آل سعود دعوة الشيخ محمد بن عبدالوهاب الإصلاحية وتأسيس الدولة السعودية وانطلاقتها في حمل راية التوحيد وتطبيق شرع الله في أرضه خلال عهود قادة البلاد من آل سعود في العهدين التاريخيين المعروفين ؛ عهد الدولة السعودية الأولى ، وعهد الدولة السعودية الثانية .

وبانتهاء عهد الثانية للدولة السعودية عادت البلاد إلى ما كانت تعانيه من حالة الفوضى والاضطراب الديني والسياسي التي عصفت بتلك المكتسبات القيمة التي تحققت على يد الأسلاف من آل سعود ، إلا أن تلك الراية الشرعية والإصلاحية لم تلبث طويلاً حتى أعليت من جديد على يد الملك عبدالعزيز آل سعود قبل حوالي مائة عام حين انطلق في مسيرة التأسيس والتوحيد والبناء ، ثم سلم دفة القيادة لأبنائه البررة من بعده من ملوك البلاد الذين واصلوا المسيرة ؛ سعود ثم فيصل ثم خالد ، رحمهم الله جميعا ، وحتى يومنا الحاضر في عهد خادم الحرمين الشريفين.

وهذه الدراسة التاريخية عن احترام الشرع والتحاكم إليه عند الملك عبدالعزيز تهدف إلى إيضاح احترام الملك عبدالعزيز للشرع الإسلامي وتمسكه بأصوله ، وبيان أن هذا المبدأ الإسلامي كان هو الأصل المقدم عنده على كل المبادئ والأعراف الأخرى السائدة ، وأنه الركن الشديد الذي كان الملك عبدالعزيز يستند إليه ولا يرضى بالتنازل عنه في حال التحاكم بينه وبين أي فريق أو شخص آخر من رعيته ، أو فيما بين أفراد أو جماعات من الرعية ذاتها ، كما أن ذلك المبدأ كان هو المتبع في الوقت نفسه عند الملك عبدالعزيز في إدارة شؤون الدولة وفي تنظيمها منذ أن أسس بنيانها ووحد صفوفها ، وهو المطبق في تسيير شؤون الرعية فيها في مختلف مراحل حياته ، رحمه الله .

 

أهميــة الموضــوع :

تنبعث أهميـــة هذه الدراسة في نظري من عدة منطلقات مختلفة ، لعل أهمها ما يأتي :

أولاً : أهمية الشخصية التي تتحدث هذه الدراسة عنها وعن تاريخها ، وهي شخصية مؤسس المملكة العربية السعودية وباني وحدتها ومجدها جلالة المغفور له الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود رحمه الله .

فالكتابة عن بعض سمات هذه الشخصية وعن جوانب من تاريخها ومراحل حياتها أمر في غاية الأهمية نظراً لما لهذه الشخصية من دور فاعل في صناعة التاريخ الحديث عامة ، وتاريخ المملكة العربية السعودية خاصة .

بل إن المؤرخين يصيبون كبد الحقيقة حين يؤكدون مراراً وتكراراً بأن تاريخ المملكة العربية السعودية لا يمكن أن يكتب فيه سطر واحد دون التطرق إلى تاريخ مؤسسها جلالة الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود ، رحمه الله ، فكيف بنا والموضوع في مجمله يتناول جانبا مهما من الجوانب التطبيقية في تاريخ هذه الشخصية التاريخية البارزة .

ثانياً : أهمية الجوانب التي ستتناولها الدراسة ؛ فموضوع احترام الشرع والتحاكم إليه كان ولا يزال بفضل الله سمة سار عليها الحكام السعوديون منذ انطلاقتها الميمونة التي بدأت بمناصرة قادة الدولة السعودية الأولى للدعوة والحركة الإصلاحية التي قام بها الشيخ المجدد محمد بن عبدالوهاب إلى يومنا الحاضر.

ولذلك فإن الكتابة عن مثل هذا الموضوع علاوة على أنها ستلقي الضوء على سمة بارزة في شخصية الملك عبدالعزيز وحياته ، وتعطيه شيئاً من حقه الشخصي من خلال إبراز مدى فاعليته بهذا الجانب الذي أبدع فيه أيما إبداع ، فإنها تصب في الوقت نفسه في ميزان الدولة السعودية وتاريخها المجيد .

ثالثاً : لعل مما يزيد من أهمية هذه الدراسة ويؤكد على ذلك أهمية المناسبة التاريخية التي سيكتب وينشر فيها هذا البحث ، وهي المناسبة التاريخية الوطنية بالاحتفال بمرور مائة عام على تأسيس المملكة العربية السعودية ، وهي في رأيي مناسبة تاريخية مهمة قد لا يعرف قدرها ولا يثمن قيمتها إلا من يستشعر أهمية الوحدة الوطنية الكبيرة التي حصلت في البلاد المترامية الأطراف والتي كانت في يوم ما مجموعات متباينة من القبائل والشعوب المتناحرة والمتفرقة التي ساد بينها الخصام ، والتناحر ، والتنافر ، والجهل ، والانحرافات العقدية ، والأعراف القبلية ، وغير ذلك من سمات الفوضى التي كانت ضاربة أطنابها في مختلف الجوانب السياسية والاجتماعية والدينية التي ظلت جاثمة على صدور البلاد والعباد إلى أن أنعم الله عليها وعلى أهلها ، فبدل الله خوفها أمنا ونعمة ، ورزقها بالشخصية القيادية الماهرة ، ووفق الله هذه البلاد حين تمكن ذلك الربان الماهر الملك عبدالعزيز بما حباه الله من همة وشجاعة وطموح وإصرار وبما تميز به من جوانب إنسانية نبيلة أن يجمع الشمل ويلم الشتات ويوحد الصف من جديد تحت ظل دولة واحدة ، تطورت رويداً رويداً حتى عرفت بالمملكة العربية السعودية ؛ الدولة التي تفيأ الجميع وافر ظلالها ، وكان ذلك بفضل من الله ومنته ، ثم بجهود المؤسس الملك عبدالعزيز ومن حوله من الرجالات السابقين واللاحقين من أفراد الأسرة السعودية وغيرهم من رجالات هذا البلد الذين التفوا حول قائد مسيرتهم الملك عبدالعزيز ومن سار خلفه من أبنائه ، ووضعوا أيديهم بأيدي القادة على مر السنين ؛ لتنطلق بذلك المملكة العربية السعودية في تجربة وحدية مثيرة استطاعت فيها أن تتخطى الصعاب ، وتتجاوز العقبات ، ولتقف في النهاية في طليعة الدول الآمنة والمستقرة على مستوى العالم أجمع .

رابعاً : ولعل مما يزيد من أهمية هذه الورقة قلة الدراسات التاريخية المتصلة بهذا الجانب من جوانب التاريخ ، حيث اعتاد المؤرخون على تسليط الأضواء على الجوانب السياسية في التاريخ للشخصيات السياسية والقيادية بشكل يطغى على غيره من الجوانب التاريخية الأخرى ، ومبعث ذلك عند المؤرخين في الغالب صلة أولئك القادة بالأحداث السياسية ودورهم الفاعل في صناعـــة التاريخ وتغيير مجراه .

خامساً : وأخيراً فإن مما يعطي الدراسة أهمية إلى ما ذكر سابقاً توفر قدر جيد من المصادر التاريخية ( الأولية ) ، ولا سيما الوثائق التاريخية التي تدلل على هذه السمة العالية من سمات الحكم والإدارة عند الملك عبدالعزيز ، والتي ربما لا تزال حبيسة الأدراج في أماكن الحفظ على الرغم مما تحويه من كنوز من المعلومات كبيرة .

 

الحدود الزمانية والمكانية للموضوع :

بحكم أن هذا الموضوع سيتناول جانبا مهما من جوانب شخصية جلالة الملك عبدالعزيز ومنهجا من مناهج الحكم والإدارة عنده فسوف تكون الحدود الزمانية للموضوع هي المدة التاريخية التي حكم خلالها الملك عبدالعزيز والتي تبدأ بتأسيس المملكة العربية السعودية باسترداده الرياض إلى نهاية عهده بوفاته يرحمه الله ، أي المدة الزمنية من شوال 1319هـ إلى ربيع الأول من عام 1373هـ .

ولا يمنع ذلك من تناول بعض الموضوعات المتقدمة لهذه المدة المذكورة تمهيداً لبعض الموضوعات ، أو المدة اللاحقة لها استكمالاً لبعض جوانب الموضوعات الأخرى ، وسيكون ذلك بحدود قليلة جداً ، وبحسب الحاجة الماسة لذلك .

أما الحدود المكانية للموضوع فهي الحدود الجغرافية للمملكة العربية السعودية بعد استقرار الأوضاع السياسية والاجتماعية فيها في أعقاب انتهاء الملك عبدالعزيز من ملحمة التوحيد ، ومن ثم إعلان المملكة العربية السعودية بحدودها الجغرافية المتعارف عليها التي شكلت الدولة الموحدة تحت حكمه .

 

محاور الدراســة :

قد يتطلب البحث في تاريخ شخصية مرموقة مثل شخصية الملك عبدالعزيز التطرق للكثير من المحاور والجوانب المختلفة التي تتصل بتاريخ مثل هذه الشخصيات، وحيث إن كثيراً من تلك الجوانب ستدخل ضمن دراسات أخرى متوقعة في هذا المؤتمر وفي غيره من المناشط الثقافية الأخرى التي ستظهر من خلال هذه المناسبة الوطنية فإن هذه الدراسة سوف تحاول أن تلتزم المنهج العلمي وأن تضيق الدائرة قدر الإمكان بحيث تلزم المحاور التي تتصل فقط بموضوع الدراسة ، ولا تتجاوزها إلى سواها من المحاور الأخرى إلا بحدود ما تقتضي طبيعة هذه الدراسة وتحقق أهدافها .

ولذلك سوف تقتصر هذه الدراسة على المحاور الاتية :

أولا : محور تاريخي ، تمهد به الدراسة بشكل موجز لمكانة العلم والعلماء عند الملك عبدالعزيز ، والهدف من ذلك بيان صلة تاريخ الملك عبدالعزيز بالعلم والعلماء ، وبسط الصورة أمام القارئ ليتعرف على أثر هذه السمة في صناعة شخصية الملك عبدالعزيز ، ومن ثم أثرها في التزام الملك عبدالعزيز بمبدأ احترام الشرع والتحاكم إليه .

ثانياً : محور تاريخي يتم من خلاله استعراض عدد من النماذج التاريخية الوثائقية التي توضح وتدلل على مدى التزام الملك عبدالعزيز ذلك المبدأ وتطبيقه على نفسه قبل غيره من الرعية ، وكذلك بيان مدى التزامه بالشرع والتحاكم إليه فيما بينه وبين رعيته أو فيما بين الرعية بعضهم مع بعضهم ، أو في وضع أطر الإدارة والحكم في المملكة العربية السعودية .

كما ستختم الدراسة بخاتمة موجزة تجمع المحاور التي وردت في البحث ، وتبرز الملامح العامة التي توصلت إليها الدراسة عن احترام الشرع والتحاكم إليه عند الملك عبدالعزيز.

 

مصادر الدراســة :

نظراً لما تمثله الوثائق من أهمية بالغة لكونها أبرز المصادر الأولية للدراسات التاريخية فإن هذه الدراسة ستعتمد على الرصد الوثائقي بدرجة كبيرة .

واستطاع الباحث بفضل الله ثم بتعاون بعض دور الوثائق الرسمية وغيرها أن يحصل على قدر لا بأس به من المصادر الوثائقية المحفوظة في دور الوثائق الآتية :

(1) قسم الوثائق في دارة الملك عبدالعزيز إحدى الجهات الكبرى المعنية بالرصد الوثائقي عن الملك عبدالعزيز بصفة خاصة والمملكة العربية السعودية بشكل عام .

(2) قسم الوثائق في المهرجان الوطني للتراث والثقافة المعروف بـ ( الجنادرية ) ، وفيه عدد من الوثائق التي جمعها المهرجان من خلال مقابلاته مع بعض الرجالات الذين كانوا على صلة بالملك عبدالعزيز ، والتي صدر جزء كبير منها من خلال سلسلة ( من وثائقنا الوطنية ) و ( من وثائق الملك عبدالعزيز ) وسلسلة ( كنت مع عبدالعزيز ).

كما أفادت الدراسة من المصادر التاريخية الأخرى مثل قسم الوثائق في معهد الإدارة العامة ، والوثائق المنشورة في الكتاب الوثائقي القيم للشيخ عبدالعزيز التويجري " لسراة الليل هتف الصباح ؛ الملك عبدالعزيز " ، وغيره من المؤلفات التي كتبت في حياة الملك عبدالعزيز أو التي كتبت في الحقب القريبة من عهده أو الدراسات التاريخية الحديثة ، وهي في مجملها لا تقل أهمية عن الوثائق في هذا الموضوع ، بل تأتي مكملة لها ، حيث تسجل كثيراً من الأحداث التي تتناول تاريخ تلك المدة ، والتي توضح مدى التزام الملك عبدالعزيز بالشرع واحترامه له والتحاكم إليه .

 

المبحث الأول: الملك عبدالعزيز بين العلم والعلماء

عرف عن الملك عبدالعزيز ارتباطه وتعلقه والاحترام المتبادل بينه وبين العلماء منذ نشأته حتى وفاته ، رحمه الله، وكان مبعث ذلك إيمان الملك عبدالعزيز التام بقيمة العلم والعلماء وأثرهم في الحياة ، وأن احترامهم وحسن العلاقة بهم والاستئناس بآرائهم واجب تمليه العقيدة الإسلامية التي اشتهر عن الملك عبدالعزيز التزامه بها .

وقد أورد الزركلي في مؤلفه القيم " شبه الجزيرة في عهد الملك عبدالعزيز " مبحثاً جيداً عن علاقة الملك عبدالعزيز بالعلماء وإكباره لهم .

وتتلخص تلك العلاقة كما أوردها الزركلي بالآتي :

أولاً : كان للعلماء المقام الأول عند الملك عبدالعزيز؛ حيث يقدمهم على إخوانه وأبنائه وكبار جلسائه ، ويصغي إلى آرائهم ، ويبالغ في إكرامهم .

ثانياً : قلَّ أن يجادل الملك عبدالعزيز العلماء في أمر يرون فيه ما لا يرى قبل أن يفسح المجال لهم للمناقشة فيه فيما بينهم ، فإن انفرد بعضهم أو أحدهم بما يوافق رأيه لم يعجل في الأخذ بما قال وتريث حتى يقنع الآخرين .

ثالثاً : جرى العرف بين الملك عبدالعزيز وبين العلماء أن يجتمعوا فيما بينهم ، ويقدموا له نصيحة مكتوبة بخطاب مذيل بتوقيعاتهم مع مقابلته فيما يحتاج إلى نصيحة ، أو توكيل واحد منهم أو أكثر لشرح وجهة نظرهم في القضية التي يرغبون في مناقشتها مع الملك .

رابعاً : علاوة على الاحترام العام المتبادل بين الملك عبدالعزيز والعلماء كافة على مختلف المستويات فقد " كان لكبارهم هيبة في نفسه ، لا يصطنعها ولا يتعمَّلها ، ولاسيما آل الشيخ حفدة من قامت على دعوته دعائم المملكة في سابق عهدها " .

سمع مرة يقول : " ما لقيت الشيخ ــ يعني عبدالله بن عبداللطيف ــ إلا تصبب العرق من إبطي "([4]).    

ومن خلال هذا المبحـــث سنورد عدداً من الشواهـــد التاريخيـــة للتدليل على الاحترام المتبــادل بين الملك عبدالعزيـــز وبين العلماء والتي تصب في النهاية في صلب موضوع هذه الدراسة ، وهي احترام الملك عبدالعزيز للشرع والتحاكم إليه.

ويأتي على طليعة تلك الشواهد ما يعرف عن الملك عبدالعزيز من الرجوع إلى العلماء في كثير من القضايا والأمور التي تحتاج إلى بيان أو رأي شرعي معتبر منذ شبابه إلى وفاته ، يرحمه الله ، ومثال ذلك كتابته إلى الشيخ محمد بن مانع في محرم من عام 1322هـ يطلب منه الرأي الشرعي في بعض الأمور التي أشكلت عليه آنذاك([5]).

ومن ذلك أيضاً كتابته – رحمه الله – في عام 1328هـ إلى شلهوب أحد الرجال الذين كان يعتمد عليهم ، يطلب منه أخذ رأي الشيخ ابن فوزان في حكم الصلاة على سجادة أهديت إليه ، وقيل له إنها من الديباج أو الحرير([6]).

ومن نماذج الاستشارات الشرعية حول بعض الأمور المهمة الأخرى المراسلات العديدة التي دارت بين الملك عبدالعزيز وبين عدد من كبار العلماء مجتمعين أو منفردين لتبادل الرأي حول بعض المتمردين من الرعايا والإخوان ، وقد استطاع الملك عبدالعزيز بفضل الله ثم باعتماده على رأي العلماء المبني على حكم الشرع أن يقطع دابرها وأن يقود البلاد والعباد إلى بر الأمان .

ومن نماذج ذلك ما دار بينه وبين الشيخ عمر بن محمد بن سليم، رحمه الله ، ومثال ذلك رسالة الشيخ عمر في محرم من عام 1345هـ التي يعتذر فيها الشيخ للملك عبدالعزيز عن التوجه للأرطاوية في تلك المدة ليأسه من استجابتهم له([7]).

ومن ذلك ما دار بين الملك عبدالعزيز وبين الشيخ عبدالله بن زاحم من كبار العلماء والقضاة في المدينة المنورة ، ومثال ذلك الرسالتان اللتان بعث بهما الشيخ إلى الملك عبدالعزيز في عام 1345هـ لبيان الرأي الشرعي في المخالفين([8]).

ومن نماذج ذلك أيضا المراسلات التي دارت بين الملك عبدالعزيز والشيخ عبدالله بن عبدالعزيز العنقري من كبار العلماء والدعاة المقربين من الملك عبدالعزيز ، ومن ذلك الرسالة التي بعث بها إلى الملك عبدالعزيز في صفر من عام 1347هـ ، أي قبل معركة السبلة الحاسمة بأشهر فقط ، حيث يقول فيها :

" وخطوطكم المكرمة وصلت ، وصلكم الله بحبل رضاه ، وما عرف جنابكم صار عند المحب معلوم خصوصاً من قبل مفاتشتكم في بعض الأمور التي تصدر من بعض الجهال ، نرجو الله أن يقدر لكم الخير أينما يممتم ، وأيضاً ألفى علينا الشيخ عبدالله بن زاحم وعبدالرحمن بن ربيعان ، ومشاري بن بصيص زايرنا هالأيام ، وجرى البحث في هالي شدوا من الداهنة وغيرهم من جهال الإخوان ، واتفق الرأي على أن هالأمر ماينصبر عليه وعندنا معلوم أن كامل نظر الشيوخ وسياستهم فيها كفاية إن شاء الله ، ولكن لابد من عرض بعض الرأي عليهم . . . "([9]) ، وإلى غير ذلك من المراسلات المتعددة المحفوظة في دارة الملك عبدالعزيز ومكتبة الملك فهد الوطنية أو المنشورة في مؤلف الشيخ عبدالعزيز التويجري القيم وغيره ، والتي دارت بين الملك عبدالعزيز وبين كبار العلماء في مختلف مراحل حياة الملك عبدالعزيز مما لا يتسع المقام للدخول في تفصيلاتها والتي كانت في معظمها تظهر للملك عبدالعزيز – رحمه الله – رأي العلماء الشرعي في مختلف الأمور الدينية والسياسية والاجتماعية السائدة .

ومن الشواهد التاريخية للاحترام المتبادل بين الملك عبدالعزيز والعلماء تخصيصه أوقاتاً معينة في برامجه اليومية وفي برامجه الأسبوعية للجلوس إلى العلماء والاستئناس بهم وتبادل الرأي معهم ،([10]) كذلك قيامه – رحمه الله – بزيارة كبارهم في منازلهم ، والسؤال عنهم في حال فقدانهم ، وتفقد أحوالهم ، وقضاء حوائجهم ، وغير ذلك من الأمور التي تدور في فلك التقدير للعلم والعلماء والتي قد لا يتسع المجال لضرب الكثير من شواهدها التاريخية([11]).

ومن الشواهد التاريخية كذلك على احترام العلم والعلماء عند الملك عبدالعزيز قيامه – رحمه الله – على طباعة العديد من المؤلفات العلمية القيمة ونشرها ، وهذه المؤلفات لعدد من علماء هذه البلاد ولغيرهم من العلماء الموثوقين في الخارج أو علماء السلف والتي ترمي إلى خدمة الإسلام والمسلمين وتقديم الصورة الصحيحة عن الدين الإسلامي وفق مصادره الأصيلة من الكتاب والسنة([12]).

وأخيراً نختم الحديث على تقدير الملك عبدالعزيز – رحمه الله – للعلم والعلماء بإحدى الوثائق التاريخية المحفوظة في دارة الملك عبدالعزيز ، وهي الرسالة أو النصيحة العامة التي بعث بها الملك عبدالعزيز إلى الإخوان في الأرطاوية في أواخر ذي الحجة من عام 1340هـ يدعوهم فيها إلى التزام العلم والعلماء واحترام الشريعة والاعتماد على ذلك في شؤون الحياة الدنيا والآخرة، وجاء في رسالته هذه :

" ولا يكون ابن آدم موفقًا راجياً للخير راجياً السلامة من الشر إلا باتباع هذه الشريعة ولا يصير متبعا لهذه الشريعة عاملاً بها حتى يكون له دليل من علماء المسلمين الذين قال الله فيهم :{ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ }، أيضاً مدحهم الله في كتابه العزيز فقال : { إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ }([13]).

ومرة أخرى يؤكد على هذه المعاني بقوله :

" لن تحصل النجـــــاة والسلامة والرجا إلا بالله ثم بالأخـــذ عن علمـــاء المسلمين"([14]).

ويعود الملك عبدالعزيز – رحمه الله – مرة أخرى إلى التأكيد على أهمية احترام العلم والعلماء والتزام أقوالهم والأخذ بالشريعة ، ويختم رسالته العامة تلك بقوله :

"فالآن أخواني أوصيكم ونفسي بتقوى الله وطاعته وترك جميع أمر يخل عليكم في دينكم ودنياكم ، واسألوا أهل العلم ، وأحسنوا الظن بالله ثم بهم ، واتركوا مخالفتهم، فمن استرشد بنصيحــتي هذه فهو الواجب عليه ، وأسأل الله لي ولــه التوفيق ، ومن خالفها بأمر يخالف علماء المسلمين سوى أنه مترئس للمخالفة أو تابع مرؤوس بغير ما أنزل الله ولا ما جاءت به سنة رسوله e أو ما أخذ من علماء المسلمين فلا يأمن العتب ولا يلومن إلا نفسه ، والله أسأل لي ولكم الهداية والتوفيــق ، وأنه تعالى ينصر دينه، ويعلي كلمته، ويجعلنا وإياكم من أنصار دينه"([15]).

 

المبحث الثاني: احترام الشرع والتحاكم إليه

يقول الزركلي في مؤلفه القيم عن (شبه الجزيرة في عهد الملك عبدالعزيز) عن دستور البلاد في عهد الملك عبدالعزيز :

" كان عبدالعزيز كلما سئل عن دستور بلاده أجاب : "دستورنا القرآن" ، وهو يعني تقيُّده هو ومملكته بأحكام الشرع الإسلامي المستمدة من معاني القرآن، وما لم يكن فيه فمن حديث رسوله وعمله ، وما لم يكن فيهما فمن قضاء أصحابه وسيرتهم، وما لم يكن فمن منهج أهل العدل والعقل والسيرة الحسنة من سلف الأمة ، وما لم يكن ففي النظم ما قد يقوم مقام التشريع "([16]).

وجاء في بنود البيان الرسمي الذي ألقاه الملك عبدالعزيز بعد دخوله مكة المكرمة عام 1343هـ :

" إن مصدر التشريع والأحكام لا يكون إلا من كتاب الله ، ومما جاء عن رسول الله e أو ما أقره المسلمون الأعلام بطريق القياس ، أو أجمعوا عليه مما ليس في الكتاب أو السنة ، فلا يحل في هذه الديار غير ما أحله الله ، ولا يحرم فيها غير ما حرمه الله"([17]).

وحين تم للملك عبدالعزيز – رحمه الله – ضم الحجاز وتوحيدها أصدر في الثامن من جمادى الثانية من عام 1344هـ بلاغاً عاماً أعلن فيه العفو العام عن جميع الجرائم السياسية في البلاد "([18]).

وحفظاً للحقوق الشرعية فقد تضمن البلاغ بأن الجرائم الأخرى سيحال " أمرها للقضاء الشرعي لينظر فيها بما تقتضيه المصلحة الشرعية في العفو "([19]) .

وفي البلاغ نفسه قال الملك عبدالعزيز حاثاً الرعية على التقوى ومؤكداً على احترام الشريعة وأنها المرجع في التحاكم :

" لقد مضى يوم القول ، ووصلنا إلى يوم البدء في العمل ، فأوصيكم ونفسي بتقوى الله واتباع مرضاته والحث على طاعته ؛ فإنه من تمسك بالله كفاه ، ومن عاداه – والعياذ بالله – باء بالخيبة والخسران .

إن لكم علينا حقوقا ، ولنا عليكم حقوقا ؛ فمن حقكم علينا النصح لكم في الباطن والظاهر واحترام دمائكم وأعراضكم وأموالكم إلا بحق الشريعة ، وحقنا عليكم المناصحة والمسلم مرآة أخيه ؛ فمن رأى منكم منكراً في أمر دينه أو دنياه فليناصحه فيه، فإن كان في الدين فالمرجع إلى كتاب الله وسنة رسوله e ، وإن كان في أمر الدنيا فالعدل مبذول إن شاء الله للجميع على السواء" ([20]).

كما جاء في " التعليمات الأساسية للمملكة الحجازية " الصادرة بجريدة أم القرى في صفر من عام 1345هـ أن " جميع أحكام المملكة تكون منطبقة على كتاب الله وسنة رسوله ، وما كان عليه السلف الصالح . "([21]). 

كما إن المتتبع لتاريخ الملك عبدالعزيز يلحظ أن هناك سمة بارزة يكررها ويؤكد عليها في مراسلاته المتبادلة مع رعيته وأوامره للحكام والعاملين معه ، ولم يكن يحيد عنها أو يتساهل بها ، تلك السمة كانت احترام الشريعة وتطبيق أحكامها على الخاصة وعلى العامة على حد سواء وجعلها المرجع في كل الاحوال .

وكان التزام الملك عبدالعزيز بالشرع والتحاكم إليه مبعث إعجاب وتقدير عند العلماء ، ومما يدل على ذلك بعض الرسائل المتبادلة بين كبار العلماء آنذاك([22]).

ومن نماذج ذلك الرسالة التي بعث بها الشيخ محمد بن عبدالعزيز بن مانع إلى العلامة الشيخ سليمان بن سحمان يبادله الأخبار العلمية، ثم يقول له :

" ثم أذكر لجنابكم أن الناس في المدن والأمصار في اختلاط واختلاف في كثير من مسائل الدين بسبب إعلان الأتراك ما كانوا يضمرونه من الكفر والإلحاد ، ولم يبق على الحق سوى هذه الدولة الإسلامية النجدية السعودية ، أعلى الله شأنها ، وأيد بنصره إمامها الفخم عبدالعزيز بن عبدالرحمن "([23]). 

ويتضح احترام الشرع والتحاكم إليه عند الملك عبدالعزيز في جانبين ؛ الأول تنظيم القضاء والعناية بشؤونه ، والأمر الثاني الإصرار على التطبيقات الشرعية عند التحاكم في القضايا التي ترفع إليه وعدم التنازل عن ذلك .

 

القضاء والقضـاة :

وأما الاهتمام بالقضاء وتنظيم شؤونه والاهتمام بأحوال القضاة وغير ذلك مما يدخل في هذا الجانب فإن المصادر التاريخية على مختلف أنواعها تحتفظ بالكثير من الدلائل التي تدل على عمق جذور هذه الخصلة من حب الخير وفعله عند الملك عبدالعزيز .

وبالرغم من تراكمات الأوضاع السياسية والاجتماعية التي كانت سائدة في نواحي البلاد قبل توحيدها والتي تركت ظلالها وآثارها على الوضع القضائي فإن الملك عبدالعزيز قد استطاع بتوفيق من الله وبما حباه الله من حنكة وحكمة أن يسير في وضع القضاء سيراً حسناً وأن يوازن فيه بين المصالح وبين المفاسد وأن يصل بهذا الجانب إلى بر الأمان ، حتى أضحت المملكة العربية السعودية صاحبة تجربة ريادية بل فريدة في هذا المقام في وقت تخلت فيه الكثير من البلدان عن النظام الإسلامي في القضاء .

ومن خلال تتبع تاريخ تطور النظام القضائي في المملكة العربية السعودية يلحظ أن الملك عبدالعزيز قد اختط خطين متوازيين في ميدانين مختلفين تبعاً لاختلاف الاوضاع التي كانت سائدة فيهما ، وهما ميدان القضاء في نجد وتوابعها، وميدان القضاء في الحجاز وعسير وتوابعهما .

أما ميدان القضاء في نجد فمن المعروف أن القضاء في هذه المنطقة كان يعتمد بشكل كبير على القاضي الذي يتخذ من عتبة بيته أو المسجد أو ربما في الطريق مكاناً للنظر في القضايا ، وكان القاضي الذي يقوم إلى جانب القضاء بالإمامة في الصلوات والخطابة في الجمع والأعياد والإرشاد وعقد الأنكحة والفتوى والتعليم وغير ذلك من الواجبات الشرعية والاجتماعية كان ينظر في جميع القضايا وعموم الأحداث التي تحصل في البلاد التي يقيم فيها أو القضايا في البلاد القريبة من مقر إقامته .

فالقضاء في نجد في تلك المدة بإيجاز كما وصفه الدكتور سعود الدريب في كتاب "التطور القضائي في المملكة " كان يتسم بالسهولة في الإجراءات ، وعدم التعدد في الدرجات ، فلا محاكم ذات درجات ، ولا محامين ولا مذكرات بالدفوع والمرافعات ، وكل شيء يتم شفوياً حتى الأحكام لا تكتب بخلاصتها إعلامات (صكوك) إلا فيما ندر وقل ، وكانت الأحكام تصدر في نفس اليوم ، بل في نفس اللحظة التي يجلس فيها القاضي والمتقاضي فلا مواعيد مؤجلة ، ولاجلسات متكررة إلا في النادر القليل ([24]).

أما ميدان القضاء في الحجاز وفي عسير فإن الدراسات التاريخية تشير إلى أن تلك المناطق قد شهدت قبل انضمامهما إلى الحكم السعودي شيئاً من التنظيم والترتيب في وضع القضاة وسير القضايا ، حيث كانت توجد في مكة المكرمة مثلا محكمة رئيسة (كبرى) تضم رئيساً وثلاثة أعضاء ، كل واحد منهم يمثل مذهبا من المذاهب الأربعة ، ينظر في القضايا وفق ما يراه المذهب الذي يتبناه ، وإلى جانب ذلك كان هناك نوع من القضاء العشائري القائم على النظام القبلي عند بادية الحجاز .

ومما يلاحظ على تلك المحاكم ونظمها وقضاتها أنها كانت تعاني كثيراً من سوء في الاختيار ورتابة في التنفيذ ، " وكان على الملك عبدالعزيز أن يسعى جاهداً لتحقيق التوافق بين هذه الأنظمة لما يجب أن يكون عليه نظام العدالة في المملكة التي أخذت على عاتقها منذ إنشائها تحكيم الشريعة الإسلامية في جميع شؤون الحياة بصورة عامة ، وفي القضاء بصورة خاصة "([25]).

ولذلك فإن الملك عبدالعزيز حينما ضم تلك المناطق إلى الحكم السعودي حرص على استخدام الحكمة في معالجة الأمور إلى الأصلح ، وذلك من خلال الحرص التام على الإفادة من إيجابيات تلك النظم كحرصه في الوقت نفسه على القضاء على سلبياتها أو وضع حد للممارسات الخاطئة في النظم الصالحة منها .

ومما قام به الملك عبدالعزيز لتسيير نواحي القضاء إلى الأفضل أن أوكل مهمة النظر في نظام المحاكم وترتيبها إلى المجلس الأهلي بموجب نظامه التأسيسي عند إنشائه في عام 1344هـ.

ثم تلا ذلك صدور عدد من القرارات والنظم التي هذبت النظم السابقة ، وسارت بالقضاء في تلك النواحي إلى الأفضل ، ومن ذلك المرسوم الملكي الصادر في شهر صفر من عام 1346هـ  الذي نظم أوضاع المحاكم ووظائفها ، حيث احتوى على خمسة فصول ؛ هي على التوالي تتعلق بتشكيل المحاكم ووظائفها ، وبهيئة المراقبة أو التمييز القضائي ووظائفها ، والتعليمات الخاصة بإنجاز النظر في القضايا ، والنظام الخاص بكتّاب العدل وتشكيلات محاكمه ووظائفها ، ودوائر بيوت المال واختصاصاتها .

ويرى الدكتور سعود الدريب في دراسته عن الملك عبدالعزيز ووضع قواعد التنظيم القضائي في المملكة أن ذلك النظام " يعتبر وثيقة من أهم الوثائق في تاريخ التنظيم القضائي وأصول المحاكمات في المملكة ، فبالإضافة إلى كونه أول خطوة في طريق توحيد القضاء في الجزيرة العربية – بعد توحيد أجزائها – فقد بقي وما لحقه من تعديلات كثيرة أساساً للتنظيم اللاحق لما قبل صدور نظام القضاء الجديد لسنة 1395هـ"([26]).

 وقد حرص الملك عبدالعزيز منذ وقت مبكر على تعيين القضاة في كل بلد ، وأن يكون القاضي في البلد هو المرجع في القضايا التي تدور في بلده ، وألا يتقاضى الناس خارج بلدانهم([27]).

كما كان الملك عبدالعزيز يحرص على أخذ رأي كبارالعلماء أو أعيان البلد عند تعيين القضاة واختيارهم لمختلف البلدان في المملكة العربية السعودية على مر السنين ؛ حيث كان في كل منطقة من المناطق عالم أو أكثر من كبار العلماء الذين يستأنس الملك بآرائهم في هذا الباب .

ففي منطقة الرياض كان الملك عبدالعزيز يستشير علامة زمانه الشيخ عبدالله بن عبداللطيف بن عبدالرحمن بن حسن آل الشيخ عند تعيين القضاة في مناطق نجد عامة والرياض بشكل خاص ، وظل الشيخ على مكانته تلك طيلة مدة حياته التي امتدت إلى عشرين عاما من حكم الملك عبدالعزيز([28]).

وحين توفي الشيخ عبدالله بن عبداللطيف عام 1339هـ كان الشيخ محمد بن إبراهيم خليفة له في كثير من الأمور التي كان يقوم بها ، ولذلك " جعله الملك عبدالعزيز مستشاراً شرعياً له في تولية القضاة وإبداء الرأي في الأمور الشرعية ، ولقد كان –رحمه الله – يقوم بتمييز الأحكام التي تحتاج إلى نظر ، وينظر فيما أحيل إليه من ولاة الأمور، ثم كان رئيس قضاة نجد في أعمالهم القضائية، وغيرها من الشؤون الاجتماعية "([29]).

وظل الشيخ محمد بن إبراهيم على مكانتـــه العالية عند الملك عبدالعزيز طيلة حياته، واستمرت مكانته عند قادة هذه البلاد من بعد الملك عبدالعزيز الملك سعود والملك فيصل ، حيث كان الشيخ محمد بن إبراهيم على رأس الهرم في عدد من الإدارات الدينية والعلمية في المملكة العربية السعودية إلى أن توفي – رحمه الله – في عام 1389هـ([30]).

وفي منطقة القصيم كان الملك عبدالعزيز – رحمه الله – يأخذ برأي الشيخ محمد بن عبدالله بن سليم عند تعيين القضاة ، " ولم يعين قاضياً في القصيم أو يعزله إلا بعد أخذ رأي الشيخ محمد حتى توفي الشيخ محمد "([31]).

واستمر الملك عبدالعزيز على ذلك النهج القويم مع خلفيه الشيخين عبدالله وعمر ابني الشيخ محمد بن سليم ، ويقول الوالد الشيخ صالح العمري في كتاب " علماء آل سليم وتلامذتهم وعلماء القصيم " وفي معرض ترجمته للشيخ عبدالله بن سليم : " ثم عينه الملك عبدالعزيز رئيساً لقضاة القصيم وقاضياً لمدينة بريدة ، وكان الملك يأخذ برأيه ويستشيره فيما يتعلق بقضاة وأمراء القصيم كما كان يستشير الشيخ عمر بن محمد بن سليم ، وربما استشارهما جميعاً في مجلس واحد أو بخطاب مشترك ، ولم يعين قاضياً في القصيم أو يعزله دون أخذ رأيهما أو أحدهما ابتداء من عام 1331 هـ مدة حياتهما"([32]).

وفي الحجـــاز بعــد أن استقرت له مقاليد الأمور فيه اعتمد الملك عبدالعزيز– رحمه الله – على الشيخ عبدالله بن حسن بن حسين آل الشيخ ؛ حيث ولاه عدداً من الأعمال والمهام الدينية الكبيرة ، ومنها رئاسة القضاء في الحجاز منذ عام 1346هـ([33]).

وقد استمر الشيخ عبدالله يؤدي واجباته بكل تفان ، وظل على مكانته العالية تلك إلى وفاته – رحمه الله – عام 1378هـ ؛ حيث دخل القضاء في مرحلة تنظيمية وإدارية جديدة ، كان أبرز ملامحها توحيد شؤونه في المملكة العربية السعودية تحت إدارة واحدة برئاسة الشيخ محمد بن إبراهيم ، رحمه الله .

ومما يسجل للملك عبدالعزيز في مسألة تعيين القضاة علاوة على ما ذكر من استشارته كبار العلماء في المناطق في تعيينهم الاستئناس برأي أعيان البلد وأمرائها وطرح بعض الخيارات أمامهم ، والهدف من ذلك الحرص التام من الملك عبدالعزيز على تحقيق أكبر قدر من المواءمة والتآلف والنجاح للقاضي في البلد المعين فيها .

 ومن نماذج ذلك كتاب الملك عبدالعزيز – رحمه الله – عام 1370هـ إلى أمير عنيزة آنذاك عبدالله بن خالد السليم للاستئناس برأيه وجماعته في تعيين قاض في عنيزة بديلا عن الشيخ ابن عودان ؛ حيث خيرهم بين ثلاثة قضاة هم: الشيخ عبدالرحمن بن سعدي ، أو الشيخ عبدالله بن عقيل ، أو الشيخ سليمان بن عبيد