مقدمـــة:

إن من يقرأ سيرة الملك عبدالعزيز يرحمه الله سيدرك أنه بطل عظيم، وعبقري فذ، غرس أعظم وحدة في تاريخ هذا الوطن.

أرسى دعائم الدولة على العلم والإيمان، واتخذ من كتاب الله دستورا يعمل بموجبه، وطبق أحكام الشريعة الإسلامية السمحة ، فنشر الأمن والطمأنينة ، ولهذا حول مجتمع الجزيرة العربية من قبائل متقاتلة متشاحنة متباغضة إلى شعب عرف معنى المواطنة والاستقرار.

ولهذا يعد عبدالعزيز من الرجال العظام القلائل الذين صنعوا التاريخ الذين لا تنتهي سيرتهم بوفاتهم ؛ فقد كان من القادة المصلحين الذين يحملون الكلمة الصادقة والفكرة الصادقة، ويجسدونها، ولهذا يكونون سببا لتحول التغيير الاجتماعي من نطاق القوة إلى نطاق الفعل حينما يحركون بها الآخرين ، فالشعوب في مسيرتها يهزها الشعور بحالة إنقاذ قادمة، فتسير وراء خطوات ( المنقذ) الذي يشخص لها الغايات ويحقق لها المهمة التغييرية للإصلاح العقدي ثم الاجتماعي.

كان الملك عبدالعزيز هو حامل لواء الحركة التغييرية الاجتماعية لميلاد دولة ؛ فقد توافرت فيه سمات القائد ذي الخصائص والسجايا القيادية ( الملهمة ) ، تلك التي تتوفر فيها من الخصائص النفسية والمعنوية والجسدية ما لا يتوفر عند غيره ، وهي الشخصية التي تملك الهيبة والسطوة والحضور المعنوي ، وليس فقط وجودا سلطويا يستمد من الموقع القيادي له بصفته حاكما كما هي عند غيره .

تمتع الملك عبدالعزيز بكل هذه الخصائص ، وكان نموذجا مثاليا لما يجب أن تتوفر في شخصية الحاكم والمصلح وصاحب الرسالة الحضارية من سمات أجمع عليها معظم المفكرين المسلمين والغربيين في تحليلاتهم حول ( الإمامة والقيادة ).

إن ما كتب عن الملك عبدالعزيز كثير، ولا يمكن حصره في مؤلف واحد، سواء ما كتب باللغة العربية أو الأجنبية، وسواء كان كتبا أو مقالات، وكلها تناولت هذه الشخصية العظيمة الفذة من مختلف زواياها المختلفة، الكثير تحدث عن الجوانب السياسية التي اهتم بها الملك عبدالعزيز من قضايا عربية أو عالمية.

والبعض تعرض لإظهار كرمه وشجاعته وبصيرته وهيبته وتواضعه وقدرته على كسب ود أعدائه وصداقتهم ووفائهم وغيرها من الصفات التي انبعثت بالملك عبدالعزيز.

لكني هنا سأتناول جانباً آخر جديداً، وهو الملك عبدالعزيز بوصفه رباً لأسرة سعودية ممتدة كبيرة العدد مكونة من الوالد والوالدة والأقارب والزوجات والأبناء والأحفاد .

لتوضيح العلاقات الاجتماعية الأسرية التي كانت سائدة داخل هذه الأسرة التي تعد نموذجا متميزا للأسر السعودية، وكان لا بد أن نتحدث عن هذه الشــخصية الفـريدة ، لذلك جاء البحث في مجموعة من النقاط على النحو الآتي :

أولا : تناولنا أثر البيئة الاجتماعية التي نشأ فيها الملك عبدالعزيز سواء في الكويت أو ما قبلها، طبيعة هذه البيئة البدوية القبلية والعادات والتقاليد التي اتصفت بها هذه البيئة، أيضا كيفية تنشئته داخل أسرته، ومعاملة أبيه وأمه معه ، تنشئته الدينية وتأثيرها فيه طوال حياته .

ثانيا : عددنا قدر الإمكان السمات الاجتماعية التي أصبحت جزءا من شخصية الملك عبدالعزيز، وحاولنا حصرها في التمسك بالدين، والكرم والعفو عند المقدرة، الشجاعة والقدرة على الكتمان والسرية، والمثابرة، والوفاء للأصدقاء، وطيبة القلب، والبر بالوالدين والأقارب، والرحمة والعطف مع أسرته وبخاصة زوجاته وأبناؤه ، أيضا قوة الإيمان، والتسامح، وبشاشة الوجه، وحب الدعابة في وقتها .

ثالثا: استعرضنا العلاقة الاجتماعية الخاصة التي كانت تربط الملك عبدالعزيز بالرعية التي كان يعاملها كأسرة هو فرد فيها .

-    علاقته بالعلماء وطلاب العلم وكيف كان يقدم المساعدة لطلاب العلم، وكيف كان يوقر العلماء ويستشيرهم في أمور الدولة .

-    علاقتـــه بأصدقائه ووفاؤه لهم ومصاحبتهم له والسؤال دائما عن الغائب منهم .

- أيضا عرضنا للمواقف الجليلة والكريمة مع أبناء رعيته من الفقراء والمساكين ومن أبناء البادية حين تسوء حالتهم وكرمه وعطفه وحبه لهم واهتمامه بهم صحيا وعلميا . 

رابعا : وهي من أهم نقاط البحث، عرضنا لحياه الملك عبدالعزيز الأسرية من منظور تحليلي سوسيولوجي مستخدمين المدخل التفاعلي لتوضيح العلاقات داخل الأسرة، تلك التي تختلف باختلاف المكانة الاجتماعية للداخلين في هذه العلاقات ، وبيان الأنماط  السلوكية المثالية لهذا البناء العائلي الذي يمكن أن يمثل إضافة لعلم الاجتماع العائلي .

بدأنا بعلاقة الملك عبدالعزيز بوالده الإمام عبدالرحمن ووالدته، هذه العلاقة النموذجية الفريدة التي توضح علاقة الابن بوالديه كما أقرها شرع الله ، ثم عرضنا لعلاقته بعمته الأميرة طرفة التي كان لها تأثير كبير على الملك عبدالعزيز، وأيضا أخته الكبرى "نورة" لنوضح مدى ما يكنه قلبه من حب لها وتقدير لمكانة الأخت الكبرى، وعلاقته بأخوته وبخاصة أخوه محمد الذي كان أقرب إخوته إلى قلبه ، انتقلنا في هذه النقطة لتوضيح مكانة المرأة عند الملك عبدالعزيز، وبخاصة الزوجة، ورصد العلاقة المتميزة الفريدة التي كانت بين عبدالعزيز وزوجاته، وكيف أنه كان يراعي شرع الله في معاملتهن ( سواء من كن في عصمته أو طلقهن) ؛ إذ يمكن أن نضرب الأمثال للعلاقة الزوجية السليمة بتلك العلاقة الزوجية داخل أسرة عبدالعزيز ، أما علاقته مع أبنائه فهي لا توصف، وتعجز الكلمات عن وضع وصف لها ؛ لأنها تحمل الحب والعطف والرحمة، وتوضح كيف يتعامل الأب مع الأبناء سواء كانوا صغاراً أو صبية أو شباباً، فهو نموذج يحتذى به في علاقته بأبنائه .

خامسا :  باستخدام المنظور السوسيولوجي حاولنا توضيح المواقف الاجتماعية في حياة الملك عبدالعزيز، وبخاصة في صفاته الاجتماعية، وعاداته وتقاليده في مجلسه ومأكله، ولبسه وزينته هو وأسرته، وعرضنا لبعض الدروس الأسرية الرفيعة المستفادة من حياته الأسرية .

سادسا : قمنا بتحليل النسق العائلي للملك عبدالعزيز بتوضيح خصائص النسق القرابي في المجتمع السعودي، ثم التأكيد على الخصائص المتميزة لشخصية عبدالعزيز ونمط العلاقات الاجتماعية في البناء الاجتماعي العائلي .     

 

أثر البيئة الاجتماعية على نشأة الملك عبدالعزيز:

إن اسم عبدالعزيز آل سعود لم يبرز من فراغ أو بصورة مفاجئة، بل أن بروزه جاء بعد مدة طويلة من التاريخ عاشتها شبه الجزيرة العربية في صراع دام عنيف ، شيدت خلاله دولتان سعوديتان حاولتا بكل جهد أن تبسطا العدل وتؤكداه على أرض نادت بالعدل ونشرته في أرجاء الدنيا ، لكنهما لم تلقيا هوى من قبل القوة العظمى التي كانت تحكم العالم العربي والإسلامي آنذاك، فتصدت لهما بالجند والحراب ، وكأنها تحارب وتقاوم كفرة ملحدين، وقد أصمت أذنيها عن دعوة الإسلام الصحيح والعدل الصادق، وألصقت بالحركة السلفية التي انبعثت من قلب نجد كل الصور التي لا تليق بمسلم أن يصور أخاه بها، حتى جعلت الكثيرين يعتقدون أن الحركة السلفية هذه التي رفعتها الدولة السعودية على أعناقها إنما هي حركة هدم للعقيدة الإسلامية، ورغم ذلك تمكنت هذه الحركة أن تشق حجب الأضاليل وتمزق كل الصور الباطلة التي ألصقت بها، وظهرت واضحة ناصعـة البياض، واضحة المفهوم معنى وهدفا، وهو العودة إلى صفاء العقيدة وقوتها (1).

 

مولـــــده:

ولد عبدالعزيز في زمن كانت الرياض وشبه الجزيرة العربية بصورة عامة تعيش ركودا وخمولا ثقافيا فكريا، وبالرغم من أن الطفل يكتسب من بيئته ويتغذى منها إلا أن فطرة عبدالعزيز في أصالتها تستوي فيه ، فتستقيم على نهج في الحياة يفوق أثر البيئة، وتسمو فطرته على كل حوافز البيئة وسلوك المجتمع .(2)

إذا تحدثنا عن مولد عبدالعزيز بن عبدالرحمن بن فيصل بن تركي بن عبدالله بن محمد بن سعود– مؤسس الدولة السعوديــة– نجد أن تاريخ مولده اختلف في تحديده بدقـــة ، وسنعطي هنا أمثلة لهذا الاختلاف، يقول حافظ وهبة : ( ولد عبدالعزيز في الرياض (1297هـ/ 1880م).(3)

أما خير الدين الزركلي فيقول:"ولد عبدالعزيز في قصر الإمارة  أو الإمامة بالرياض سنة 1293هـ/1876م (4) ، وهذا هو التاريخ الذي أكده صاحب السمو الملكي الأمير طلال بن عبدالعزيز(5)، أما محمد العقبي فيقول :" ولد عبدالعزيز بن عبدالرحمن بن فيصل بن تركي آل سعود ليلة 10 ذو الحجة 1299هـ الموافقة لليلة 21 أكتوبر 1882م بمدينة الرياض.(6)

وقد استعرض عبدالله العثيمين هذه الاختلافات وأخرى حولها مؤكدا على رواية الزركلي الذي اعتمد على معلومات استقاها من الأمير عبدالله بن عبدالرحمن أخي الملك الذي كان ملما بتاريخ الأسرة.(7)

على أية حال ولد عبدالعزيز في وقت نشبت فيه النزاعات بين عميه عبدالله وسعود، فلم يدرك شيئا من أيام جده العظيم الإمام فيصل ؛ إذ كانت نجد تتمتع بالرخاء والأمن والعدل؛ أي كانت الأسرة السعودية تعيش في حالة انقسام واقتتال على السلطة ، وانتهز محمد بن رشيد فرصة النزاع بين ولدي الإمام، واستولى على نجد، ولم يجد عبدالرحمن بن فيصل (والد الملك عبدالعزيز ) أن بإمكانه وهو ابن حكام نجد السابقين أن يعيش في الرياض، فقرر أن يغادرها نهائيا في نهاية عام (1309هـ) ، واختار الكويت مقرا له ولأولاده ولبقية أسرته.(8)

 

 

نشأتــــه:

كان عبدالعزيز طويل القامة، عريض المنكبين، بارز الصدر، حاد العينين، دقيق الخصر، مفتول الساعدين والساقين، رشيق الحركة، وعهد أبوه الإمام عبدالرحمن إلى مطوع كان مقيما بالرياض ، واسمه عبدالله الخرجي ، فعلمه مبادئ القراءة والكتابة، وحفظ سورا من القرآن، وقرأه كاملا ، وتلقى بعض أصول الفقه والتوحيد على يد الشيخ عبدالله بن عبداللطيف إلا أنه لم يكن في طبعه الصبر على الدرس، فلم يلبث أن انصرف عن مقاعد الأطفال إلى محاكاة الرجال.(9)

كان عمر عبدالعزيز إحدى عشرة سنة ، ومع أنه لم ير إلا أيام البؤس وأفول نجم أسرته، ووجد نفسه بجانب والده الإمام عبدالرحمن ضمن أفراد القافلة التي خرجت تاركة الرياض، بل أرض نجد كلها ضاربة في أعماق الصحراء حتى حطت رحالها على حافة الربع الخالي، حيث لا حياة بدون قوة قوة البدن والنفس والإيمان بالله ، فشب عبدالعزيز فارسا بين الفرسان، محاربا بين المحاربين، يعيش حياة البادية الصافية النقية بكل تقاليدها وأعرافها من كرم وشهامة وشجاعة ورجولة وغيرة على المحرمات ، وبعد عدد من الشهور تحركت قافلة الإمام عبدالرحمن بن فيصل ، وتحرك معها ابن الإمام الشاب عبدالعزيز ، وتوقفت في قطر مدة لم تزد على ستين يوما ، ثم انطلقت في حركتها صوب البحرين، ثم منها إلى الكويت حيث استقر بها المقام.(10)

حمل عبدالعزيز السيف، ولعب به ، وركب الخيل ، وامتطى النياق – والتف حول رفاق له ، فكان المتقدم عليهم في ألعابهم والزعيم فيهم، يقول حافظ وهبة : لقد سمعت من بعض أصدقائي الكويتيين الذين عاصروه ورافقوه في طفولته أن عبدالعزيز كان يفوقهم نشاطا وذكاء، وأنه كان يتزعمهم دائما في الألعاب المألوفة لمن كان في سنه،وأنه كان يميل إلى سماع تاريخ جده الإمام فيصل ومغامراته من شيوخ نجد المسنين في الكويت"، وما زال دم الإمارة وروح الطموح يجريان في عروقه، فلم يقض ما لاقاه من الشـــدة وشـــظف العيش وألم الهجرة على تلك النزعــــــة ولا على تلك الروح الأبية (11).

ولقد ضجر عبدالعزيز من حياة الكويت، وهي حياة كلها خمول وفاقة، ولذلك عاهد الله بينه وبين من يثق من أخوانه وأقاربه ومخلصي خدمه أنه سيجاهد ليسترد ملك آبائه وأجداده أو يموت في سبيل ذلك، لكنه لم يتنكر لماضيه في الكويت، ولما قاساه من شظف العيش وقسوته في أيامه، بل كان يفتخر بذلك، لم يكن أيضا بالكويت مدارس بالمعنى الصحيح ، ولم يكن الناس ولا سيما الحكام يعنون بالتعليم، ولم يكن للتعليم شأن يذكر إلا في عصرنا الحاضر.(12)

وإذا تحدثنا عن البيئة التي نشأ فيها عبدالعزيز وكيف أثرت فيه وتأثر بها نجد أنه نشأ في شبه الجزيرة العربية في أواخر القرن الماضي، فوجد قبائل بدوية،تسيطر عليها الأحاسيس القبلية، وتعيش في صحاري مجدبة، نثرت فيها واحات متباعدة، وكانت القبيلة بالنسبة للبدوي هي أسـرته وعالمــه : أفرادها أهلـه، وتقاليدها قيمه، وشيخها أميره وحاكمه وقاضيه،ومراعي إبلها وخيولها وأغنامها مرتعه ومداه الحيوي، وما دامت المراعي شحيحة في الصحراء والمياه أكثر شحا، فكان للبدوي أن يرحل مع قبيلته في طلب الرزق والماء مادامت المراعي قليلة والمياه أقل ، فقد كان ناموس حفظ البقاء يجعل من الحروب والغزو ناموس الحياة اليومية وطابعها المشترك والأصلي.

والحياة في الصحراء حيث لا حدود ولا بيوت ولا جدران تحفظ ظهر البدوي إن نام أو جلس أو عمل هي التي فرضت على البدوي الحذر فجعلته أبرز طباعه ، كما فرضت عليه أن يكون الجمل العمود الفقري في حياته.(13)  

ومن مصاعب الحياة في الصحراء اقتبس البدوي مثله، فكان الغزو جزءا لا يتجزأ من حياته، ما دام كل غزو معناه القتل والتدمير والسلب والنهب ؛ لهذا أحل البدوي لنفسه كل ذلك، ولا سيما أخذ الأساليب وارتباط المجد في ذهنه بالغلبة، ومن هذا الارتباط انبثق تصوره للعزة وكأنها نتيجة لكثرة البنين؛ لأن البنين في مفهومه هم جيشه الخاص، فأقدم على الزواج من أربع نساء ،وأصبح يفخر بالصبي ؛ لأنه جنديه غدا.

وإذا كانت الحرية من مقتضيات العزة والمجد، فالحرية عند البدوي مقترنة بالتمرد، بل هي التمرد نفسه، تصوَّرَ البدوي الحرية تمرداً على كل من عاداه، فلم يخضع نفسه إلا لتقاليد القبيلة المشتقة من حياته، ولم يكن له مفهوم للدولة أو النظام أو المواطنة أو الشعب والحدود ، بل إن مفاهيمه الدينية المستمدة من القرآن خالطتها الخرافات والبدع، فبعدت عن روح الدين الإسلامي ومفاهيمه وتعاليمه.(14)

 

تفاعله مع مؤثرات البيئة الاجتماعية:

جاء عبدالعزيز، وهو ابن هذه البيئة البدوية، هذا بالإضافة إلى تأثير كل من والديه في تكوين شخصية عبدالعزيز، فقد ورث عن أبيه العلم والمعرفة ومتانة الخلق والحزم وسعة الحيلة والبصر بقيادة الأفراد والجماعات والجيوش،والعلم بالتعبئة والدعاية والخطط الحربية والفنون العسكرية والرجولة والبطولة والشجاعة والجرأة والكرم، كما ورث عن أخواله الرصانة والهدوء والرحمة وحب الخير، وورث عن آبائه وأجداده خير الخلال، وأما سيئات البيئة فكان عنها بنجوة ؛ لأن في خلقه ونفسه مناعة قوية تصد كل دخيل ممقوت، فلم يتدسس إلى طباعه الأصلية ما يفسدها من الصفات المزدراة، واستطاع أن يطبع كل صفة من الصفات الموروثة بطابعه الخاص، حتى أصبحت موسومة بسمة لا يخطئها الناظر ولا تغيب عنه ولو لم يدل على صاحبها بالعنوان؛ لأنها هي نفسها تشير إليه وتهتف باسمه .(15)

يتضح لنا مما سبق أن عبدالعزيز تربى على مكارم الأخلاق في بيت فاضل ؛ لأن أباه عبدالرحمن سليل أسرة كريمة عريقة معروفة توارث أبناؤها المجد والسيادة أباً عن جد منذ مئات السـنين، كما أن أمـه سيدة كريمـة فاضـلة سليـلة بيت عز وجاه من( سدير) ، ونساء هذا البطن اشتهرن بالجمال والذكاء وحسن الخلق والتقوى،كما اشتهر رجالها بصباحة الوجوه والكرم وحب الخير والشجاعة والتواضع، وهذه كلها خصال عربية أصيلة ، ولهذا كان طبعياً أن ينشأ الفتى عبدالعزيز نشأة مثالية في كنف والدين بذلا قصارى جهدهما في تربيته على الفضيلة وإعداده لكي تكون مؤهلاته وشخصيته ومزاياه على مستوى جليل الأمور.(16)

ويمكننا هنا أن نعطي نماذج للتنشئة الاجتماعية والبيئة الاجتماعية الأسرية التي توضح كيفية تربية عبدالعزيز، وبخاصة توضيح دور الأب في هذه التنشئة، فيقول عبدالعزيز بن عبدالمحسن التويجري:" قال عبدالعزيز لأبيه الإمام عبدالرحمن :هل تسمح لي يا والدي أن أبثك أحزاني وأشجاني وأن أضع تحت حكمتك وبعد نظرك وتجربتك سريرتي وعلانيتي وهواجس تفكيري وما أنوي أن أقوم به؟ لا شك أن الأب الحكيم ذهل من هذا التطور المبكر عند ولده، فأذن له أن يطرح أفكاره وهواجسه همومه بين يديه.

ومن الأمور البدهية أنه قال لوالده : زودني بنصائحك ، وقص عليّ شيئا من حياتك وحياة آبائنا وأجدادنا، فإني أحتاج إلى ذلك، ومحتاج أيضا إلى خبرتك بالناس فيمن هو الخصـم والصديق ، ربما طرح أشياء كثيرة ، ومن البدهي أن والده قال له:ماذا تنوي ؟ ما سبب هذا الذي تطرحه كله؟ قال له عبدالعزيز: أنوي يا والدي أن أخرج إلى الرياض لأستعيد دولة الآباء والأجداد أو أموت هناك ، نظر الأب العطوف ، وقال له: ولكن ماذا معك؟ ألا ترى أن الوقت مبكر بالنسبة لسنك؟ قال له :معي إيماني بالله ثم بحقي التاريخي، ومعي أيضا شريعة الله وعدله، الناس هناك جار عليهم الظالم والسفيه، وحدة تبددت وصارت إلى غنائم هي ما أنوي تصحيحها بعزيمة لا تتراجع، سأعمل على جمع أعضائها،وأرد لها روحها وقلبها النابض، كتاب الله وسنة نبيه e  قال الأب : يا بني يا عبدالعزيز، لم نأت إلى هنا هاربين هروب النعام، ولكنا أتينا هنا بعد أن بقينا سنوات عديدة نصارع ونقاتل وهزمنا وها نحن أولاء نعيش الغربة ومعنا الصبر والاحتمال ، أنا خائف عليك.

كان الوالد يتكلم والابن مصغ إلى كلامه، وهو بار ودود، فلما أتم الإمام نصائحه التي نشعر أنه أحاط بها فكرة الشاب بخبراته وخطورة ما هو مقبل عليه لعل ابنه يتراجع عن عزمه الطموح يقربنا الموقف من أن عبدالعزيز قبل يد والده بحرارة وعزيمة صادقة، وقال له: يا والدي لماذا أنت خائـف عليّ ؟ الموت والحياة بيد الله، أرجو من الله ثم منك يا والدي أن تصحبني دعواتك ليــلا ونهارا، وأن تعلم– حفظك الله– أن مما قوى عزيمتي بالخروج هو جدي الإمام تركي بن عبدالله والظروف القاسية التي أتى منها ونجاحه.(17)

وكــان عام 1318هـ /1900م بداية انطلاق الشاب عبدالعزيز آل سعود البالغ مــن العمر عشرين عاما للاشتراك في معركة حربية حقيقية، وذلك حينما اشترك في قيــادة فرقة خاصة لمساندة قوات أمير الكويت الزاحفــة لمقــاتلة الأمير عبدالعزيز الرشـــيد حاكم نجد ، لكن الخطة القتاليـــة التي وضعها أمير الكويت لم يقــدر لها النجاح، وبذلك لـــم يتمكن عبدالعزيز من تنفيذ خطته للوصول إلى الرياض ، لكن الشاب التقي المؤمن برجوع الحـــق إلى أصحابه وعودة الأمور إلى نصــابها لــم تهـن قواه ، ولم تضعف عزيمته، بــل كان هذا الفشل بمثابة الدافع القوي الذي زاد حماسه وقوى إصراره على طرد المغتصبين ، وفي عام 1319هـ /1902م انطلق عبدالعزيز آل سعود مع نفر قليل من صحبه ورجاله لا يزيد عددهم على ستين رجلا صوب الرياض في أجرأ وأكبر مغامرة عسكرية عرفتها شبه الجزيرة العربية في العصر الحديث ، وتمكنوا من دخول الرياض واقتحام حصن أميرها عجلان عامل ابن الرشيد والقضاء عليه ، وانطلق صوت المنادي ببداية يوم جديد وعهد جديد.(18)

وكانت أولى النصائح والتوجيهات التي قدمها عبدالرحمن في هذه العبارات التي قالها على مسمع من الحضور: اسمع يا عبدالعزيز، إن العدل أساس الملك ، وقد أمر به الله – عز وجل – في كتابه العزيز : { إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ } ، ولو كان الذي أخذت مكانه عادلا لما تمكنت من أخذ مكانه، ولما أيدك الناس وآزروك عليه، فإذا أردت أن تبقى حاكما فاحرص على العدل ، وإياك والظلم، وتمسك دائما بتقوى الله ، واعلم أنك محاسب عن كل فرد من الأمة سواء كان واليا أم من عامة الناس ؛ لأن الله عز وجل أشد غيرة على عباده منك على أبنائك، واذكر دائما اليوم الذي لا ينفعك فيه مال ولا سلطان ولا جاه ولا بنون.(19)

وفي رسالة أخرى نجد الوالد يذكر لابنه عن بعض المسؤولين الذين يذهبون إلى بعض المناطق أن منهم من ليس له دين ولا خلق، وكل ما يفعلونه من الأمور الفاسدة هم أهلها، والذي ينصح به ابنه ألا يرسل إلى البلدان إلا رجل له دين وله خلق وسلوك حسن يدرأ عنكم ويحاذر عــــواقب الأمـــور، فالناس الذين ليس لهم دين ولا مروءة يسيئون إليكم، وابن عظيم تلقى هذه التربية الصالحة من هـــذا الأب التقي وفقه الله وأعانــــه في الأرض، ومن يقـــرأ هـــذه الوصية يرى مـــدى الحســـاسية تجاه العدل وخوف الله.(20)

 

السمات الاجتماعية في شخصية الملك عبدالعزيز :

إن الشخصية هي مميزات الإنسان الخاصة وعلامته الفارقة عن غيره، فهل كان ابن سعود شخصية ممتازة بينة المعالم واضحة السمات لا تنمحي في الشخصيات الأخرى، وإنما تظهر بسماتها الخاصة وطابعها الخاص، وما ركب فيها من غرائز وميول لا تغني عن غيرها، بصفات تميزها عن الشخصيات الأخرى ممن هم في طبقته ومواهبه وخلائقه وعظمته؟ أم كانت الشخصيات الكثيرة التي تتولى الملك والإمارة لا تمتاز عن غيرها في شيء كثير.(21)

ولنبدأ ببعض السمات والخصائص الواضحة في شخصية الملك عبدالعزيز كما يراها أبناؤه وأحفاده والآخرون. 

ولهذا اخترت نماذج فقط تبدأ بآراء:

§       الملك فيصل بن عبدالعزيز.

§       الملك فـهد بن عبدالعزيز .

§       الأمير عبدالله الفيصل أحد أحفاده .

§       د.فون دايزل النمساوي .

هذه الأبعاد المختلفة لسمات شخصيته من خلال هذه الرؤى تعطي مؤشرا فقط لخطوط هذه الشخصية الفذة.

ولنبدأ بما قالـــه الملك فيصل قبــــل اثنين وخمســـين عامــًا أي من عام 1367هـ /1948م  لمجلة المصور: أولى هذه المزايا التي يتصف بها والدي "قوة الإيمان " ، فما رأيته منذ نشأت قد ضعف إيمانه بالله أو التخلي عن ثقته بنصر الله ، ولقد أصيب في عنفوان صباه بضياع إمارة أبيه عبدالرحمن الفيصل على أرض الرياض وسقوطها في أيدي منافسيه آل رشيد، فرحل مع والده وأهله إلى الكويت، ونزلوا ضيوفاً على شيخها ، وانضموا إليه في محاربته لابن رشيد، وعلى الرغم من هزيمتهم في عده مـعـارك فإنه ما كاد يستعيد جيش أبيه الصغير في ذلك الحين حين هب لاستعادة بلاده تحدوه قوة إيمانه، وقد صمم على الموت أو الفوز بالرياض . ثانية هذه المزايا قوة إرادته وشجاعته التي تبرز في أحرج المواقف وأدق الظروف . ثالثة هذه المزايا حكمته وأناته في معالجته لأمور دولته، وهو يتوخى حل المشكلات بالسلم أولا، كما أنه متسامح مع خصومه واسع الصدر، لا يدخر وسعا في استخدام المرونة ووسائل اللين، ولا يلجأ إلى الشدة حتى يستنفذ هذه الوسائل ، وقد تم بفضل سياسة الحكمة والحزم التي يسير عليها في إدارة بلاده الواسعة إقرار الأمن فيها على منوال غير معروف في أكثر البلاد حضارة ومدنية ، فاطمأن الناس على أرواحهم وأموالهم حتى ندر وقوع الحوادث العادية، والفضل في ذلك إلى يقظته الزائدة وأخذه المجرمين بالشدة. (22)

أما خادم الحرمين الشريفين الملك فهد بن عبدالعزيز فقد تحدث عـــنه في كلمته التي ألقاها في حفل افتتاح المؤتمر العالمي عن تاريخ الملك عبدالعزيز في يوم 19/3/1406هـ بمدينة الرياض قائلا : " إن الملك عبد العزيـــز حين نفذ واجبه في إعادة وحدة هذه البلاد وإعادة مجدها المبني على دعائــم الإسلام الخالد، لم يكــن يبتغي في ذلك سلطة أو ســــيادة دنيوية عارضة أو الحصول على جاه أو أي عرض مــن أعراض الدنيــا، بـــل كان يستشعر في مسعاه واجبا دينيا وخلقيا، كان يمثله سلوكه الشخصي مــنذ نعومة أظافره في طهارته وورعه وتقاه، فقــد كان– رحمـــه الله– قوي الصلــة بالله عز وجل، لا ينــام الليل إلا قليلا، وكان يقضي أكثره راكعا أو ساجدا يطلب العون من الله في كل أمر من أموره، وكان يؤمن إيمانا مطلقا بأنه لا يتوفر للعقيدة عز وانتشار وخلود إلا في كيان آمن ومطمئن يقوم على رعايتها وتبليغها والدعوة إليها والدفاع عنها" . (23)

الأمير عبدالله الفيصل أحد أحفاده يتحدث عن مزاياه الخارقة التي يشترك فيها مع كثير من أبطال الإسلام، ولم يصلوا إلى ما وصل إليه، والسر في ذلك يرجع إلى :

أولاً : الصلة بين العبد المؤمن الصادق في إيمانه، والخالق جل وعلا ؛ فصلة عبدالعزيز بربه لم تكن صله مقرونة برغبة دنيوية، فعقيدته عقيدة خالصة لوجه الله ، وإيمانه مطلق ليس له حد، لذلك نجد التوفيق حليفه في أعماله.

ثانياً : عدم اندفاع الملك عبدالعزيز أمام مغريات الحياة، فتفكيره السليم كان يسبق رغباته ، ولهذا أثر كبير في عدم تورطه في أمور لا يعلم نهايتها إلا الله .

ثالثاً : تطبيق ما يدعو إليه على نفسه وعلى الأقربين أولا . (24)

أما د. فون دايزل النمساوي مندوب شركة ( أولشتاين ) الألمانية الكبرى وقد زار في أواخر سنة 1345هـ / 1926م  فيصف الملك عبدالعزيز يقوله : " حسبي أن أقول إني معجب به ، فقد خيل لي وأنا أحادثه أني أمام بسمارك منشئ الوحدة الألمانية، ولا أظنكم تخالون أني أبالغ في القول ، وإذا عرفتم أن ابن سعود نجح في تأليـف "إمبراطورية" تفوق مساحتها مجموع مساحات ألمانيا وفرنسا وإيطاليا معا بعد أن كان زعيما لا يقود في بادئ الأمر سوى عدد من الرجال تمكن بمساعدتهم من استرداد الرياض عاصمة أجداده لم يداخلكم الشك في أن هذا الرجل الذي يعمل هذا يحق له أن يسمى " نابغة " . (25)

كان عبدالعزيز عظيما في كل شيء ، رجلا في كل ما تعني الرجولة من معان، عربيا بكل ما تجمع العروبة من قيم، مسلما بكل ما يعني الإسلام من إيمان وتعاليم سامية وشريعة سمحة كاملة ، كانت شخصيته القوية الآسرة تفرض نفسها وتفرض احترامها، بل تفرض الإعجاب بها على من يلتقي به ،كان حديثه القليل الصافي والقوي الحازم في مواقف الحزم والقوة يوحي لكل من يتحدث إليه بالثقة الكاملة في كل كلمة ، كانت له مهابة يتأثر بها كل من يقابله أو يجالسه ، كان عبدالعزيز يستطيع بفكره الثاقب أن ينفذ إلى سرائر الرجال، حتى يقرأ أفكارهم ويتابع ما يجول بخواطرهم، وإن حاولوا ستره بتصرفات أو أقوال ظاهرة تخالف ما يعتمل في نفوسهم، ولم يكن ليجامل أحد في الحق، بل كان يجابه الرجل مهما علا مركزه أو ارتفع منصبه بـالحقيقة السافرة وبرأيه الصريح فيه وفي تصرفاته وأقواله دون تردد أو مسايرة ، وكان عبدالعزيز يحرص دائما على حسن معاملة أعدائه وخصومه، وبخاصة بعد أن من الله عليه بالنصر عليهم، وكان دائما ما يأسرهم بكرمه ويكتسب مودتهم وثقتهم، حتى لقد أصبح معظمهم أنصارا مخلصين بعد طول العداء والقتال . (26)

وقلما كان عبدالعزيز يتحدث إلا والبشاشة على وجهه ، يكره العبوس ، ويأبى أن يتسم بسمات الجبارين، ويحب النكتة، ويضحك لها إذا جاءت في وقتها، ويرويها  لا يخص بها حاشيته وخاصته، بل كثيرا ما يتخلل مفاوضاته مع رجال السياسة مثل يضربه لنكتة فيه أو بيت شعر يتمثل به، فيتحول المجلس من تجهم وغموض وفتور إلى حركة وصراحة وبشاشة ، وكان موظفو الديوان الملكي يقولون إنهم قد يضبطون ساعاتهم على تنقلات الملك وأعماله اليومية المعتادة  كخروجه من قصره الداخلي وعودته إليه وجلوسه للنظر في الأعمال وقيامه للنزهة وابتدائه السهرة، وغير ذلك ، فهو أشد الناس محافظة على برنامج عمله حتى في أسفاره ، هو في أشد الساعات برودة يكره إيقاد النار بجواره للتدفئة، ذاكرته قوية، فهو لا ينسى شخصا ولا ينسى قولا مهما يطل عليه الزمن، وهو مع سرعة حديثه محدث بارع، مرتب الأفكار، حاضر البديهة، سريع  الخاطر، وأمره الشفوي هو بمثابة " المرسوم المسطور" . (27)

يمكننا هنا أن نستعير تحليل " محمد المانع " لشخصية  الملك عبدالعزيز إطاراً لنا لتوضيح سمات هذه الشخصية وخصائصها، فيقول : إن أقصى حد لوصف شخصية ابن سعود التي كانت مبنية وقائمة على سبعة أعمدة ، وهي :

أولا – الديـــن :

قد كان الملك منذ الأيام الأولى من حياته حتى نهايتها مسلما تقيا ورعا يتبع أوامر الشريعـــة بكل تفاصليها، إن معرفته بالقـــــرآن وغـــيره من الكتب الدينية كانت أحيانا تذهل علماء بلـــده ، وكان دائما يخصص نصف ساعة في اليوم لقراءة القرآن وغيره من كتب الدين.(28)

وبالطبع فإن تعاليم الإسلام والمناخ الذي تربى فيه عبدالعزيز كانت تمنعه من شرب الخمر أو الغناء والترنيم أو التدخين، إلا أن التقشف أيضا على مستوى القيادة مطلب أساسي في كل حركات التحرير الناجحة . (29)

فالملك عبدالعزيز رجل موحد خالص ، التوحيد في خاصة نفسه، ملتزم منهج السلف الصالح في توحيد الألوهيــــة، مؤمن بالإســــلام عقيدة وشريعة ومنهاجا ونظام حياة، ملتزم بأداء الفرائض والواجبات، يؤدي الصلوات، يؤدب من يتخلف من أبنائه عن حضورهـــا (30) ؛ ذلك لأن عبدالعزيز وإخوته عندما كانوا مع والدهم في الكويت كانوا جميعـا يعيشون كما ينبغي أن يعيش دعاة الحق في طهر وتقوى وتمسك متين بتعاليم الإســــلام الصحيح، وقد عــــرف عن عبدالعزيــز بالذات بعده التام عن كل ما يغضب الله.(31)

وكان أكثر وقت الملك عبدالعزيز يقضيه بين الرياض ومكة المكرمة ؛ وذلك لأن الملك عبدالعزيز أولا رجل تقي عابد، يقوم الليل، ووجوده في مكة المكرمة يرى فيه عبادة في كل ما يصدر عنه من تفقد أحوال هذا البلد المقدس، ومن يفد إليه من المسلمين، وهو مكان قدسيته تلتقي عليها أفئدة عالم واسع، هذا العالم يهم عبدالعزيز أن يتعرف إليه، ويراه، ويقدم له نفسه بسريرته وعلانيته . (32)

 

ثانيا - الكرم والعفو:

قد كان سخاؤه طبيعيا لا تكلف فيه، وكان يعطي بلا تقتير حتى وإن كانت خزينته فارغة ، وذلك ما كان يحزن ابن سليمان وزير ماليته حزنا شديدا ؛ إذ كان عليه أن يغير ميزانيته باستمرار ، فقد عرف بحب الإحسان إلى الضعفاء والمساكين والإنفاق بسخاء في وجوه الخير (33) .

فالملك عبدالعزيز مشهور في بلاد العرب بكرم الخلق وبسط اليد لا يعرف أي قيمة للدرهم إلا أنه وسيلة للزلفى عند الله، أو لبناء مسجد، أو حسن الذكرى، فقلما يرد سائلا يطلب معونته، أو محتاجا يقصد بابه، وهو يشرف بنفسه على إعطاء القاصدين حسب منازلهم؛ لأنه هو يعرفهم حق المعرفة، وقلما يعتمد على أحد في ذلك ، وديوانه مفتوح للقادمين يقابل زائريه مهما صغر مقامهم بوجه باش ، ويأخـذ ألبابهم بابتسامته التي تكاد لا تفارقــــه ، وقد يبلغ ضيــــوف الملك عبدالعزيز نحو عشرة آلاف، فتمتلئ بهم بيــــوت الرياض وبطحاؤها،  وربما كان عدد الضيوف الدائمين لا يقل عن 500 كل يوم. (34)

وكان كرم الملك الطبيعي يواكب عطفه ورحمته ، فبدلا من اتباع العادة القديمة بقطع رؤوس الخصوم في أول فرصه متاحة كان يظهر عفوا عظيما تجاه أعدائه المهزومين، وكان عفوه يتسع ليشمل أولئك الذين تآمروا للنيل منه شخصيا، فقد كان عبدالعزيز زاهدا في سفك الدماء والبطش، حريصا كل الحرص على كرامة من اختلف وإياه في الرأي، حريصا كل الحرص على محارم المسلمين ونسائهم ، غيورا على العرض، لا يجرؤ جندي واحد مهما كان جاهلا وقليل حياء ودين أن يمس امرأة وإن كان قد  هزم رجالها، فهذه صفات وأخلاق عرف بها نقاء جيش الملك عبدالعزيز، يأمنــــه خصمه ، ويثق بعفـــوه، لذلك ما أكثر من استسلم من خصومه له طوع اختيارهم ، وللملك عبدالعزيز مواقف تجلت فيها إنسانيته وتغلب فيها الخير والعفو على الانتقـــام . (35)

 

ثالثا – الشجاعــة :

فقد كان الملك  من أعظم  الرجال البواسل في تاريخ الجزيرة العربية، وهناك قصص كثيرة عن شجاعته، وكثير من الناس يتحدثون عن شجاعته الصامدة في تحمل آلام الجراح التي حدثت له في معاركه، وشجاعة الملك عبدالعزيز شجاعة المتزن المفكر لا شجاعة المتهور، كان يتريث ، ويستخدم الوقت ، ويتحلى بالصبر ، وينتظر الفرصة السانحة، ويستثمرها ، ويختار الوقت المناسب لتنفيذ الهجوم أو المهمة، فلم تقف شجاعته النفسية والبدنية عند مغامرته البطولية في فتح الرياض.(36)

والشجاعة في الملك ليست مكتسبة كلها ولا موروثة كلها، بل هي وليدة الكسب والوراثة، فأجداده مشهورون بالبطولة والشجاعة والإقدام على الموت ، وأمهاتهم عربيات صحيحات النسب، فيهن الصراحة التي لا تعيب ، وهن يتحملن مع الرجال المصاعب، ويقاسمنهم لذائذ الحياة ومرائرها، فهو وارث هذه التركة العظيمة الموفورة، فالملك شجاع جريء على الباطل فيدمره، جريء على الشر فيهزمه،جريء على المنكر فيغيره،جريء على الدنيا وزخارفها يبليها ولا يتهالك عليها، يمتاز بالبساطة ؛ لأن الإسلام يأمر بها .(37)

 

رابعا – الكتمان والسرية:

فكان غالبا ما يخفي خططه عن أقرب المقربين إليه كأسرته ومستشاريه، وبذلك لم تتسرب خططه أبدا إلى أعدائه.

 

خامسا - المثابرة:

كان إذا وضع لنفسه هدفا معينا بذل قصارى جهده للوصول إليه دون ملل، ومهما كانت النكسات والعقبات فإنها لم تكن لتثني عزمه عن غايته النهائية ، وكانت لديه الرغبة الدائمة في معرفة آخر الأنباء من جميع مناطق مملكته لإدراكه بأن عليه أن يكون أكثر معرفة بما يجري فيها من أي إنسان آخر (38) ، ولخوفه من التجاوزات التي تفسد القلوب اختص لنفسه وجهاء من أبناء شعبه عرفهم بالأمانة والصدق، منحهم ثقته، وكان يسمعهم ليعرف ما وصلت إليه آخر الأحوال في المناطق المختلفة من البلاد.(39)

 

سادسا – النزاهة والعدل:

فقد كان تعامله مع كل إنسان من البدو إلى الملوك الأجانب يتسم بالنزاهة التامة والصراحة الكاملة، ومهما كان الاستفزاز شديدا لم يسهم أبدا في القيل والقال أو الإشاعـات المغرضة، فقد يكون لقـاؤه لبعض من لم يكن يستريح إلى لقائهم فاترا، وقد لا يتردد في استهجانه بأشد الكلام أمام وجهه، لكنه لم يغتب أحدا ، ويكره مـن كـل امرئ مـن أتباعه وغير أتباعه النفاق والرياء ولا يقبلها ولا يصمت عليها، فالريـاء عيب، وكذلك السكــوت عليه، ولا يحــب ابــن سعود من أحد أن يعدد مآثره بين يديه، يحاول خداعه بكلمات الإطراء والإعجاب والهتاف باسمه، وما أكثر مــا رد خطباء أخذوا يطرونه.(40)

ولكــون الملك متدينا مستقيما شريفا كانت نظرته إلى الجريمة نظرة متشددة ، وقد أمدته الشريعة بنظام جاهــز طبقه على شعبه بتجرد تام، ولــم يقم بأية محاولة لاستثناء نفسه مــن حكم الشرع، والناس عنده متساوون في جميع ما لهم من الحقوق ومــا عليهم من الواجبات، لا فضل لشريف ولا لسيــد ولا لحاكم، إذا تعدى أمير على رجــل من عامة الشعب فالحكم الشرعي كفــيل بإنصافه ورد الحق إليه، وأول الناس خضوعا للشريعة كان ابن سعود نفسه (41) ، والعــدل عند ابــن سعود أســاس ملكه ، وعدلــه طبيعي ؛ لأنه يكره الظلم ، وعدله غير خاف على أحد، بل ضرب بــه المثل كمــا ضربت الأمثال بصفاته الأخرى، فقد تفقد بعد صلاة الجمعة ابنا لــه ، فلم يجده في المسجد ، ولقيه في البيت، وعرف أنه ترك الصلاة عن غير قصد، فأمر بسجنه ، وسجن خدمه جزاء تخلفهم عن الجمعة وتركهم المبادرة إليها (42) ، وكان الملك عبدالعزيز فيه حزم في بعض الأحكام التشريعية ؛ فمن يدخن مثلا يبسط؛ لأن التدخين كــان محرما في تلك المرحلة ، وهو مـا أصبح شائعا الآن، حيث أصبح ممنوعا في عدد من المواقع عالميا، وكذلك من لا يصلي . أما أحكام الشرع فمعروفة، وحكم الملك عبدالعزيز لا يعرف في ســبيل العدل كبيرا أو غنيا، كل الأعمال الأثيمة عند الحاكم سواء (43).

 

سابعا –  قوة العقل:

قد وهب عبدالعزيز قوة ذاكرة وإدراك وملاحظة وفطنة خارقة للعادة، وكانت تحيط به هالة نفسية من النبل والحكمة ، تواكبها قامته الفارعة ومظهر رجولته مما جعل له أثرا عجيبا على كل من جلس لديه مهما كانت درجة ذكائه، وكانت لديه عظمة وجاذبية ، وله من قوة الإرادة ما مكنه من الهيمنة على عقول الناس وجعلها تطيعه دون مناقشة (44)، ومن الصعب بل من المستحيل أن يستطيع كائن من كان أن يحدث عبدالعزيز بحديث يختلف معناه عما يخفيه في نفسه وفي قلبه، فقد كان يعرف الحديث الصادق من غيره، وكان يفاجئ المتحدث بمعرفتـه لما لم يبـح به وأضمره في نفسه (45) ، وكانت ذاكرته أعظم إثارة لإعجاب من ذاكرة الآخرين وموهبة التذكر الفوري أيضا، وكان متحدثا ومجادلا بارعا، كما كان بليغا في كل خطبه، وكان يجد الملاحظة الدقيقة والمثل المناسب لأي موقف.(46)

يمكن أن نضيف إلى السمات والصفات الشخصية للملك عبدالعزيز مجموعة أخرى من الصفات ؛ منها أنه كان وفيا لأصدقائه، محافظاً على ودهم ، ولا يحب أن يبدأ أحدا بالعداء، ويميل إلى استرضاء الناس واكتساب ودهم مهما كلفه ذلك ، وهو أيضا طيب القلب ، لا يكاد يضمر حقدا، وهو إذا غضب وغضبه قليل فكثيراً ما كان يعتذر عن التصرفات التي تصدر في حالة غضبه، وكثيرا ما يغمر خدمه الذين يصيبهم من شرر غضبه ما ينسيهم ألم ما أصابهم .(47)

أيضا اصطناعه للرجال، حيث استطاع أن يحول أعدائه وخصومه بالأمس القريب إلى مناصرين ومحبين يلتفون حوله بصدق وحب وولاء.(48)

كما أن التواضع أول ما يلمس من يقابله ويتحدث إليه من خلائقه الكثيرة، ومن عادات الملك عبدالعزيز أن يقف لزائريه مبالغة في تكريمهم، ويتكرر نهوضه واقفا لزواره حين يتقدمون للسلام عليه سواء كانوا أمراء أو سواهم.(49)

ومن مظاهر تواضعه عدم حبه للألقاب، فكان يخاطبه الناس بـ " يا عبدالعزيز " أو "يا أبا تركي" ، أو " يا طويل العمر " ، وتفيض مهابته على مجلسه ، فلا يطيق أحد الكلام إلا إذا مد له حبل تواضعه وسماحته ، بل إن بعض من يحضرون للسلام عليه يفاجؤون بمهابته، فما يستطيعون النطق بحرف ، فيبتسم لهم ، ويهدئهم ، ويستدرجهم إلى البوح بما في أنفسهم، ويدنو إليهم ، ويسألهم عن حالهم حتى يتكلموا ويشعروا كأنهم بمحضر صديق أو أب رحيم حميم، يفارقونه ، وذكريات تواضعه وسماحة نفسه،ورجاحة عقله وصفاء قلبه، وحسن نيته وطيب سريتـه ، ويزيد إعجابهم تواضعه وتمسكــه بالدين والحكمة والعــدل وصفاته الكريمــة وأخلاقه المحمودة (50) .

 

3– علاقة الملك عبدالعزيز الاجتماعية بالرعية :

لكـي نوضح العلاقـات التي كانــت قائمـة بيــن الملك عبدالعزيز والرعية نعرض هنا لأحد أقواله التي تعكــس وجه نظــر الملك ونظرته للرعية بعد فتح المديـــنة المبــاركة، يقول عبدالعزيز : " إنني أرى كبيركم ولــدا، وأوسطكم أخا،  وصغيركم ابنا ، فكونوا يدا واحدة، وألفوا بين قلوبكم ؛ لتساعدوني على القيام بالمهمة الملقاة على عاتقي ، إنني في هــذه البـلاد العربية الإسلامية خــادم للديــن وخـادم للرعية، إن الملك لله وحـده، وما نحن إلا خــدم لرعايانا ، فإذا لم ننصر ضعيفهم ونضرب على يــد ظالمهم وننصح لهــم ونسهر على مـصـالحـهـم ونوحد كلمتنا نكون قد خنــا الأمانة المودعة إلينا، إن من حقكم علينا النصح في الســـر والعلانية ، ومن حقنا عليكم النصح لنـــا ، فإذا رأيتم خطأ من مسؤول أو تجاوزا من إنسان فعليكم رفع ذلك إلينا للنظر فيه ، فإذا لم تفعلوا ذلك فقد خنتم أنفسكم ووطنكم وولايتكم،وأسال الله أن ينصر دينه ويعلي كلمته ، إنه على ما يشاء قديــــر "(51) .

من هذه العبارات القوية المضمون نستطيع أن نلقي الضوء على شبكة العلاقات الاجتماعية التي كانت تربط الملك عبدالعزيز بالمواقع الاجتماعية من حوله وبمن يحتلها من جماعات يدخل في تصنيفها المحاور الآتية :

أ    أولية أم ثانوية ( الأسرة، الجيرة، الرعية ) .

ب–  رسمية أم غير رسمية ( مجلس العلماء، أو الأصدقاء والأسرة ) .

جـ – الجنس ( إناث أم ذكور ) . 

 د  – السن ( الكبار ـ الصغار) . 

وسنستعرض هذه العلاقات من خلال العلاقات الاجتماعية التي كانت تربط الملك عبدالعزيز بالآتي :

أ – العلماء وطلاب العلم:

إذا تحدثنا عن علاقة الملك عبدالعزيز بالعلماء وطلاب العلم تبين مدى حرصه على استمرار هذه العلاقة ونجاحها ، فله موقف عظيم نذكر منه أنه عندما أخذ طلاب العلم يتوافدون بكثــرة لحضور حلقات  الدرس في الجامع الكبير في الدلم لم يجد الكثير منهم مأوى يسكن فيه، فوجه الملك العزيز ببناء سكن لهؤلاء الطلاب المغتربين عن بلادهم، فبنيت لهم غرف متجاورة يحويها سور بمنافعه قرب جامع الدلم، سميت عندهم بالرباط، وكانت الغرف بمثابة ما يعرف اليوم بسكن طلاب الجامعات، ثم زاد إكـرام الملك للطلاب ؛ فجعل لهم مخصصا شهريا ومكافأة تصرف لهم أحيانا تصرف لبـعـض الطلاب المجدين مشالح تشجيعا لهم على مواصلة طلب العلم، وأصبـح الجامع الكبير أشبه بجامعة علمية، يزدحم بطلاب العلم والمعرفة، وذلك بفضل الدعم المادي والمعنوي للملك عبدالعزيز (52) .

وكتب الأستاذ أحمد على، وكان قد تخرج بمعهد الطائف مع 23 شخصا ، وهيأت لهم إدارة المعهد مقابلة الملك عبدالعزيز، فقال لهم الملك : " أنتم ثمرة من غرسنا الذي غرسناه بالمعهد، فاعرفوا قدر العلم، واعملوا به ؛ لأن العلم بلا عمل كشجرة بلا ثمر، فحافظوا على دينكم،  وقد قرأتم في هذا الباب شيئا كثيرا، ووالله ما حرمت الشريعة شيئا فيه نفعنا ، ولا أحلت أمرا فيه ضررنا " ، ولاحظ الملك اختلاف الأجناس بين الطلبة، فقال : " إن التفاضل لا يكون إلا بالتقوى،  " لا فضل لعربي على عجمي إلا بالتقوى، كلكم لآدم ، وآدم من تراب، من كان منكم من بيت كبير فليحرص على أن يكون سببا في حفظه، ومن كان من آخر فليبين لنفسه، فقد من الله عليكم بالعلم وأرشدكم إلى طريق الخير، فاعلموا إنا لعملكم لمنتظرين " ، وبعد هذا الاجتماع أمر القائمين بشؤون المعارف أن يأخذوا رغبة كل واحد بالتوظيف في الجهة التي يريدها، ونفذت رغبات كل منا، وأقيم بالقصر الملكي بالرياض حفل دعا إليه الموظفين والأعيان وفي مقدمتهم الأمراء، وجاء دخول المدرسين إلى قاعة الطعام متأخرا، فرآنا الملك ونحن ندخل القاعة ، فلم يسمح لنا بالتقدم، بل أجلسنا على مائدته، وأخذ يقول للأمراء : " إنهم يستحون ، فاقطعوا لهم اللحم" (53) .

وعندما أقام الملك عبدالعزيز مدرسة لأبنائه في إحدى زوايا قصر الحكم في الديرة طلب الملك مقابلة جميع العاملين بالمدرسة ، ولما حضروا بين يديه رحب بهم وأكرم وفادتهـم ، وأخذ يزودهم بالنصائح في هذا اللقاء، هذا وقد خصص الملك في صباح كل يوم خميس مجلساً خاصاً بالعلماء إكــراما للعلم وقدرا منه لأهله، ويباح لكل إنسان أن يحضره ، كما أن أول ما فعله الملك عندما دخل مكة المكرمة سنة 1343هـ أن وجه الدعوة للعلماء للاجتماع به، فحثهم على نشر العلم والتعليم والتوسع فيه (54) ، وكان لعلماء الدين المقام الأول عند الملك عبدالعزيز، يقدمهم على إخوانه وأبنائه وكبار جلسائه، ويصغي إلى آرائهم ، ويبالغ في إكرامهم ، وقبل أن يجادلهم في أمر يرون فيه ما لا يرى قبل أن يفسح المجال لهم للمناقشة فيه بينهم، وكان لكبارهم هيبة في نفسه لا يصنعها ولا يتعملها (55) ، أيضا لا ينسى الملك عبدالعزيز معلميه، ونذكر أنه لما وصـل الملك إلى الكويت زائرا سمع أن معلما له كان يقرأ عليه القران في أيام الطفولة