المملكة العربية السعودية دولة لها حضورها المؤثر دينياً
وسياسياً واقتصادياً؛ فمن الناحية الدينية لها مكان الصدارة؛ ففي أرضها نزل الوحي،
ومن أرضها شع نور الإيمان، وعلى أرضها يطل الحرَمان الشريفان بعزة الإسلام وشموخه،
فيها قبلة المسلمين، ومثوى رسول الله الأمين e .
لها مكان الصدارة بالتمسك بالكتاب والسنة، وإقامة شرع الله
وتطبيق حدوده، ونشر العدل، واستتباب الأمن، واستقرار الحال، وتلاحم الشعب مع
القيادة.
متميزة في أسلوبها السياسي، وعلاقتها بدول العالم التي تقوم
على التوازن، واحترام العهود والمواثيق، ومراعاة الأعراف التي تنظم علاقة الدول
ببعضها، وحسن الجوار، وعدم التدخل في شؤون الآخرين.
وضعها الاقتصادي مؤثر قوي على السياسة الاقتصادية العالمية،
فكثيراً ما أنقذت سياستها الاقتصادية المتعقلة بعض دول العالم، وخاصة المنتج
للبترول منها من انهيار اقتصادي مريع.
ما وصلت إليه من نهضة حضارية في مختلف الميادين أكسبها وزناً
وثقلاً عالمياً مميزاً.
كيف وصلت المملكة إلى هذه المكانة الرفيعة في زمن قصير إذا
قيس بعمر الدول ؟!! إن لذلك قصة يجب أن
تقف عليها الأجيال، وتعيها وتستوعبها جيداً، إنها قصة الإيمان، والعزم، والإصرار،
قصة البطولة، والشهامة، قصة حسن التدبّر والتدبير، وحسن التصرف، قصة قراءة
التاريخ، واستلهام الدروس والعبر.
إنه المؤسس الباني العظيم الملك عبدالعزيز رحمه الله وأسكنه
فسيح جناته.
لا يطرح هذا البحث تفصيلات ما قام به من أعمال، وما أثمرت عنه
من نتائج، بل سيسهم في التعرف على ما وراء تلك الأعمال؛ تلك الشخصية المتفردة التي
لن يكون بمقدور بحث كهذا أن يحيط بكل جوانبها، فإن ذلك سيحتاج إلى مجلدات، بل
سيتعرف على بعضها مقيداً بحدود ما اقترحته الهيئة المشرفة على المؤتمر من صفحات.
ومن تلك الجوانب النشأة والتكوين، وما كان لهما من تأثير قوي
في بلورة شخصية الملك عبدالعزيز، وما أكسبته من صفات ومهارات أهلته للقيام بكثير
من المهمات في مسيرة البناء والتشييد، ومن تلك الجوانب أيضاً إيمان الملك
عبدالعزيز الراسخ وصلته بربه، وبِرُّه بوالده وصِلَةُ رحمه، ومدارسته للعلم، وحبه
واحترامه للعلماء، وقدرته على كسب القلوب، وشجاعته النادرة، وقدرته على مواجهة
الصعاب والخروج من الأزمات، وحسن سياسته وبراعته في التعامل مع المستجدات على
الساحة العالمية، وعدله الذي لا يفرق فيه بين كبير وصغير، ولا غني وفقير، وما ترتب
عليه من أمن وارف الظِلال، وما طبع عليه من كرم لا تظاهر فيه ولا تكلف، وتربيته
الفريدة لأبنائه، وغيرها من السمات الأخرى التي قادته إلى تحقيق تلك الإنجازات.
وفي مسيرة هذا البحث المتواضعة أصطحب معه عدداً من المصادر،
وفي مقدمتها ما سطره المقربون من الملك عبدالعزيز، الذين عاشوا معه وشاركوه سني
كفاحه، وتربوا في مدرسته؛ أبناؤه وبعض رجال دولته، فهم أقرب الناس فهماً لتلك
الشخصية، وأقدرهم على التعريف بها، وفي مقدمة هؤلاء (ممن تيسر لي الوقوف على بعض
أقوالهم) أنجاله: (فيصل، وفهد، وسلمان، وفواز)، ومن أحفاده: (عبدالله الفيصل).
أما رجال
دولته أو من ربطتهم صلة بالملك عبدالعزيز فمنهم:
(1)
أمين الريحاني، جاء في ترجمة
الزركلي له: أنه أمين بن فارس بن أنطون بن يوسف بن عبدالأحد البجَّاني، المعروف
بالريحاني، كاتب خطيب، يعد من المؤرخين، ولد بالفريكة (من قرى لبنان) سنة 1293ه/1876م، ورحل إلى أمريكا، واشتغل فيها
بالتجارة، ثم عاد إلى لبنان، وتردد بين الشام وأمريكا، وزار نجداً والحجاز واليمن
والمغرب والعراق ومصر وفلسطين والمغرب، وغيرها من البــلاد، ومات في قريتــه التي
ولد فيهــا سنــة 1359ه/1940م. ( الأعلام،1/359).
له مؤلفان أفاد منهما البحث، الأول "تاريخ نجد الحديث
وسيرة الملك عبدالعزيز": سرد فيه الحوادث التي عاشتها الجزيرة العربية في عهد
الملك عبدالعزيز مرتبة على حسب السنين، وحوى معلومــات قيمة خاصــة أن المؤلــف
كان أحد المشاركين في المفاوضـات بين الملك عبدالعزيز، والشريف علي بن الحسين سنة
1343ه/1924م.
ومؤلفه الثاني هو "ملوك العرب": ضمنه الكثير من
مشاهداته وانطباعاته خلال رحلاته في بلاد مختلفة، ومنها الجزيرة العربية.
(2)
حافظ وهبة، مستشار، ووزير
مفوَّض، وسفير للملك عبدالعزيز في لندن، توفي في روما سنة 1387ه/1967م، له كتاب
"خمسون عاماً في جزيرة العرب " تحدث فيه إلى جانب الموضوعات الأخرى عن
عبدالعزيز القائد، والمجدد، والمصلح، والسياسي، ووفائه رحمه الله.
(3)
خيرالدين الزركلي، وزير مفوض،
ومندوب دائم لدى جامعة الدول العربية، ثم سفير في المغرب، فسفير بوزارة الخارجية،
توفي سنة 1396ه/1976م. ألف كتابه الواسع "شبه الجزيرة العربية في عهد الملك
عبدالعزيز" في أربع مجلدات، أفاد منه البحث كثيراً؛ لما يتمتع به المؤلف من
غزارة في معلوماته، ودقة في تحليلاته، وقد اختصر هذا المؤلف في مؤلف آخر أسماه
"الوجيز في سيرة الملك عبدالعزيز".
(4)
عبدالعزيز بن عبدالمحسن
التويجري، من أسرة كريمة بالمجمعة، خدمت الملك عبدالعزيز، وعمل تحت إدارته بجد
وإخلاص والده وأخوه حمد، وهو أيضاً في سن مبكرة، واستمر رجلاً وفياً مخلصاً
لبلاده، وسيبقى على وفائه وإخلاصه ما امتد به العمر إن شاء الله تعالى. ألف كتاباً
من أدق ما ألّف عن الملك عبدالعزيز وأوثقه حتى الآن معتمداً فيه على وثائق كثير
منها ينشر لأول مرة عن تاريخ الملك عبدالعزيز، كما ضمنه انطباعاته وآراءه ، وهو
صاحب التجربة الناضجة والبصيرة الثاقبة والحس المرهف ، والكتاب هو: الملك
عبدالعزيز، دراسة وثائقية (لسراة الليل هتف الصباح) ، وقد أفاد البحث من الكتاب
إفادة جيدة.
(5)
عبدالله فيلبي أو "سانت
جون فيلبي"، توفي سنة 1380ه/1960م، يذكر عنه حافظ وهبة أنه رجل غريب
الأطوار، ومن أكثر الإنجليز رحلة في جزيرة العرب بفضل المساعدات التي قدمها له
الملك عبدالعزيز، وكان مولعاً بالملك عبدالعزيز، وشارك في الوساطة بينه وبين علي
بن الحسين المحاصر في جدة سنة 1925م. (خمسون عاماً في جزيرة العرب، ص 177-178)،
له كتاب ألفه بمناسبة مرور خمسين عاماً على حكم الملك عبدالعزيز أسماه
"الذكرى العربية الذهبية" ، أفاد منه البحث في بعض جوانبه.
(1)
فؤاد حمزة، وكيل الخارجية ووزير
الدولة، ومستشار ووزير مفوض، توفي في بيروت سنة 1371ه/1951م، له كتاب "قلب
جزيرة العرب" ، وهو كتاب موسوعي عن الجزيرة العربية، يتحدث عن طبيعتها
الجغرافية، وسكانها وأحوالها الاجتماعية، وقبائلها وتقسيماتها، واستعراض تاريخها
منذ فجر التاريخ مروراً بحقب التاريخ المختلفة حتى زمن المؤلف، أفاد منه البحث،
وخاصة فيما يتعلق بالنشأة والتكوين.
(2)
محمد المانع، عمل مترجماً مع
الملك عبدالعزيز لمدة تسع سنوات، منذ شهر مايو سنة 1344هـ/1926م، وكان مرافقاً له
في بعض أسفاره ومشاركاً في بعض غزواته، له كتاب ألفه باللغة الإنجليزية أسماه
"توحيد المملكة العربية السعودية"، فصّل فيه الحوادث التي شاهدها أو
شارك فيها، وقد ترجمه إلى اللغة العربية الأستاذ الدكتور عبدالله الصالح العثيمين،
ونشر سنة 1402ه/1982م.
(3)
يوسف ياسين، وزير دولة، وسكرتير
خـــاص، توفي في الدمــــام سنــــة 1381ه/1962م، له "الرحلة الملكية"،
كتبها وهو في ركب الملك عبدالعزيز في رحلته من الرياض إلى مكة المكرمة سنة 1343ه/1924م
التي استغرقت أربعة وعشرين يوماً، فصّل ما دار في تلك الرحلة يوماً بيوم، بل ساعة
بساعة، وقف فيه البحث على جوانب مهمة من شخصية الملك عبدالعزيز، وخاصة حبه للعلم،
ومدارسته للعلماء.
وبعد: فقد جرى بعض الباحثين على أن يقف
بالقارئ على ما جرى له من صعوبات، وما اعترضه من عقبات في رحلته مع بحثه، سواء ما
يتعلق منها بالبحث وصعوبته، أو تشعب فصوله وفقراته، أو ما يتعلق بجمع مادته من
مظانها المختلفة، وصعوبة التعامل معها ندرة أو كثرة، وغير ذلك من أمور يؤمل الباحث
أنها تعفيه من عتب القارئ فيما لو قصر في معلوماته.
أما عذري فإنني مأسور بوهج تلك الشخصية العظيمة، وأزعم أنني
كنت فصيحاً إلا أنني شعرت أمامها بالعُجْمـةِ والعجز عن التعبير عما يعتلج في نفسي
من انطباعات، وما حالي مع تلك الشخصية إلا كحال ذلك الشيخ البدوي وقد جاء إلى مجلس
الملك عبدالعزيز يمتلئ تيهاً وخيلاءً وغروراً، فناقشه واستمع له فتضاءل كل ما فيه،
وخرج وهو يقول: سحرتني ياعبدالعزيز، سحرتني ياعبدالعزيز.
في ذي الحجة من سنة 1293ه/1877م، وفي مدينة الرياض كان
مولــد عبدالعزيز ابن عبدالرحمــن بن فيصــل بن تركي بن عبدالله بن محمــد بن
سعــود آل سعود (1).
في وقت نشب فيه نزاع مرير بين عَمَّيه: عبدالله بن فيصل،
وسعود بن فيصل(2)، استغله محمد (3)
بن رشيد بمعاونة الأتراك، فأخذ يطوي نجداً بلداً بعد آخر، وما حلت سنة 1308ه/1890م
إلا وقد اكتملت له السيطرة على جميع البلاد النجدية(4).
وفي سنة 1309ه/1891م قرر والده الإمام عبدالرحمن مغادرة
الرياض؛ حيث لم يحتمل البقاء تحت سلطة من كان عاملاً من عمَّال والده بالأمس، وكان
عبدالعزيز قد بلغ الحادية عشرة من العمر.
وفي الصحراء، وبين الأحساء والبحرين وقطر، ثم الكويت، قضى
الفتى عبدالعزيز مع أسرته أياماً قاسية مؤلمة، تركت أثراً عميقاً في نفسه، وكان
لها أثرها في تكوين شخصيته، تلك الشخصية الفذة الطموحة، التي تتوقد نشاطاً، وتتوهج
بركاناً هادراً على فقد ملك الآباء والأجداد، وما انتهى إليه المصير.
وفي صباه لم يتعلم عبدالعزيز في مدارس كالتي تعرف في وقتنا
الحاضر، وإنما تتلمذ على يد بعض العلماء المشهورين في عصره: كالشيخ عبدالله بن
عبداللطيف، والقاضي عبدالله الخرجي، والشيخ محمد بن مصيبيح.
فتعلم مبادئ القراءة والكتابة، وحفظ سوراً من القرآن الكريم،
وعدداً وافراً من الأحاديث النبوية الشريفة، ودروساً في أصول الفقه والتوحيد(5).
وهو في سن السابعة كانت تظهر عليه حِدَّة في الطبع، وحب
للحركة وعدم تحمل البقاء في مكان واحد مدة طويلة، فأجاد الفروسية، ومهر في التسديد
والرمي.
أدرك الوالد مواهب ابنه عبدالعزيز، فحرص على تربيته للقيام
بأدوار مهمة في حياة الأسرة مستقبلاً؛ فأشركه في مفاوضة الخصوم ولما يتجاوز
الحادية عشرة من عمره؛ إذ كان ضمن وفد مكون من عمه محمد بن فيصل، والشيخ عبدالله
بن عبداللطيف، لمفاوضة محمد بن رشيد في مستقبل إمارة العارض(6)،كما
كان إلى جانب والده وهو يفاوض مندوب متصرف الأحساء من قبل الأتراك الدكتور زخور
عازار على "عين النجا" قرب المبرز، وذلك في جمادى الثانية سنة 1308ه/
يناير 1891م (7) .
استطاع عبدالعزيز أن يتحمل مهاماً جساماً منذ صباه، تقلب فيها
بين حلاوة النجاح، ومرارة الفشل؛ ففشله في مفاوضاتــه مع الترك في الهفوف تبعه
نجاحه مع حاكم البحرين عيسى بن علي آل خليفــة الذي استقبل الأسرة السعودية بكل
حفاوة وتكريم(8).
حاول الإمام عبدالرحمن أن يُلحق الأسرة بالكويت، إلا أن
أميرها محمد بن صباح اعتذر؛ لأنه (كما ذكر) لا يستطيع أن يجمع بين عداء ابن رشيد،
ومناوأة الأتراك(9).
وبين يبرين والأحساء، وعلى مقربة من منازل آل مرة والعجمان
نصب الإمام عبدالرحمن خيامه، فعاشت الأسرة حياة امتدت سبعة أشهر كانت قاسية كقسوة
الصحراء، تعلم منها عبدالعزيز حياة الصبر على شظف العيش، وخشونة الحياة(10).
محطة أخرى في حياة الأسرة تعيشها هذه المرة في ضيافة حاكم قطر
الشيخ قاسم(11)بن ثاني، استغرقت أربعة أشهر في المدة من صفر إلى
جمادى الأولى سنة 1310ه/ أغسطس إلى نوفمبر 1892م(12)
إلى أن ظهر للدولة العثمانية أن من مصلحتها كسب الإمام عبدالرحمن، وأمن جانبه، فأذنت
له سنة 1310ه/1892م أن يقيم في الكويت، بل وخصصت له مرتباً مقداره ستون ليرة في
كل شهر(13).
عشر سنوات عاشها عبدالعزيز في الكويت، في دار مكوّنة من ثلاث
غرف، هي عنفوان شبابه وزهرة صباه، تفتحت عيناه على العالم من حوله، فوعى دروساً
مهمة كان لها تأثير قوي في بلورة شخصيته، ورَسْم منهجه، فكان التسابق التركي،
والألماني، والروسي، والبريطاني على المنطقة، وطريقة التعامل مع كل طرف دروساً
مفيدة استفاد منها، وهو يخوض غمار المحاورة والمناورة مع تلك الأطراف في مرحلة
التكوين والبناء(14).
"إني لم أتعلم في مدرسة، بل علمتني التجارب، وعلمني
اختلاطي بالرجال، وسماعي الكثير من أخبار عظماء التاريخ(15)
" .
وهكذا "قدِّر لعبدالعزيز أن تكون الذكرى الأليمة رفيقة
أفكاره وسميرة أحلامه، قرأ شيئاً من العلوم، وهو يفكر في المُلْكِ المفقود، جلس
أمام البحر، وهو لا يدري إذا ركبه أين تحمله الأقدار، ثم نظر إلى البادية، وهو
يهجس في الملك المفقود، عايش الأمراء والعلماء، وجلس ساكتاً متأدباً في مجلس
الشيوخ، وهو يحلم بالملك المفقود، فتح الكتاب ثم ألقاه جانباً، وهو يرمق السيف
بنظرة كلها شوق وأمل(16) ".
يقول أمين الريحاني: ".فقد كان النـــاس يعرفون أن ذلك
الشاب القوي البنية، الفارع القامـــة، البرَّاق العينين هو عبدالعزيز بن
عبدالرحمن بن سعود، وما كان كبار القوم فكراً وفراسة ليعرفوا أكثر من ذلك، بل
كانوا كلهم في ظلال سوْر الغيب كالأطفال، جهلوا ما كان يجهله حتى أقرب الناس إلى
عبدالعزيز، حتى أبوه وأمه جهلوا ما كان يجهله التاريخ، جهلوا ما كان يجهله الشاب
المجهول نفسه، جهلوا ما لم يكن يعلم به غير الله(17)
".
الإمام عبدالرحمن، ذلك الشيخ الوقور، الذي توسم في ابنه النبل
والذكاء، والقوة والعزيمة، لم يكن أباً فقط بل كان أيضاً معلماً وأخاً صديقاً، كان
تأثيره في تلك الشخصية الفذة قوياً امتد إلى ما بعد الملك، واستعادة السلطان.
تلك الأخت الشقيقة الرؤوم الحنون (نورة) (18)
لماذا ينتخي بها: "أنا أخو نورة، أنا أخو الأنور ؟" لأنها قاسمته همومه،
وعاشت آلامه، فكانت أكثر أفراد أسرته إحساساً بــه، وإشفاقاً عليه، وبالتالي تأثيراً
في تكوين شخصيته.
عبدالعزيز: فطرة سليمة، وعقيدة راسخة، نشأة تقلَّب فيها بين
قسوة الحياة وشظف العيش، تفتحت عيناه على حياة مضطربة، تعصف بالجزيرة، رياح الفرقة
والتناحر، ويفتك بها الجوع والمرض، وترتجف تحت وطأة الخوف والهلع، تكتلات دولية
متنافسة، وقوى عظمى متحفزة، تتسابق على الهيمنة والنفوذ.
"اجلس يا عبدالرحمن: إما أن تأمر أحد عبيدك بانتزاع رأسي
من بين كتفي، فأستريح من هذه الحياة، وإما أن تنهض من توك فلا تخرج من منزل شيخ
الكويت إلا بوعد في تسهيل خروجي للقتال في بطن نجد(19)،
" قال ذلك وهو يرمي عباءته على الأرض تصميماً، وعزماً على ما ينوي القيام به،
بعد أن أعيته الحيلة تعريضاً وتلميحاً، فلا يلقى من والده غير الإعراض والصدود
إشفاقاً عليه ورحمة به.
دمعة عصية تتحدر من عين الأب: "ترى ياعبدالعزيز ليس لي
قصد في أن أقف في سبيل إقدامك، ولكن كما ترى موقفنا وحالنا، يقضيان باستعمال
الحكمة في إدارة أمرنا، ولكن أما وقد عزمت فأسأل الله لك العون والظفر(20)
".
مبارك الصباح(21) حاكم الكويت ذلك الرجل الداهية(22)،
يتساءل: ما الذي يخبئه هذا الشاب من مفاجأة ؟! إنه قليل الخبرة، ويغامر بخطوة غير
مدروسة، فمصيره الفشل؟!! ولكن ترتسم على محياه عزيمة قوية، وإصرار غير مألوف من
أجل استعادة ملك الآباء والأجداد ؟!! ما الذي يجري ؟!! لكنَّه -
أيّـاً كان الأمر - مغامرة نستغلها لإزعاج أعدائنا في شبه
الجزيرة، وفي مقدمتهم عبدالعزيز بن متعب الرشيد(23)،
وإن فشلت فلا ضرر يلحقني من ذلك(24).
كانت بريطانيا قوة عظمى متحفزة للانقضاض على تركة الرجل
المريض(25) في المنطقة، وكانت ترصد أي تحرك يمكن أن يؤثر على
موازين القوى سلباً أو إيجاباً لصالح طرف على طرف آخر، وما إن علم مندوبها السامي
بما عزم عليه عبدالعزيز، حتى هرع إلى حاكم الكويت ينثر له شكوكه، ويبـثه ما أهمه
من هذا الشاب، وما سيقدم عليه من مغامرة، مسترجعاً تاريخ الأسرة، وما وصلت إليه من
سلطان في دوريها الأول والثاني. لامس إمارات الخليج، فهل يتكرر التاريخ مرة أخرى
على يد عبدالعزيز؟! شيخ الكويت عمل جهده في تبديد تلك المخاوف، والتقليل من شأن
تلك الخطوة إلا أن بريطانيا صاحبة الخبرة الواسعة في دراسة الشعوب، وسبر أغوار
الزعماء والمغامرين من الرجال، وتقلب الحوادث وتبدل أحوال الأمم، بريطانيا التي لم
تقتنع بكلمات شيخ الكويت وتطميناته، أخذت على عاتقها منذ تلك اللحظة مراقبة
عبدالعزيز، ورصْد حركاته وسكناته، فبثت عيونها يجولون في البلاد ويلاحقون ويرصدون
الحوادث والتطورات(26).
نصراً حاسماً وحياة كريمة، أو شهادة دفاعاً عن العقيدة
والوطن، هذا ما كان يفكر فيه عبدالعزيز، وهو يــحث الخطى ويستعجل المسير، وكان
عمره واحداً وعشرين ربيعاً(27)، يتدفق شباباً وحيوية، ويعيش
طموحاً لا تحده حدود، وهو قارئ جيد للتاريخ، لا تغيب عنه تجربة سابقة للأسرة
أقربها تجربة جده الأول الإمام تركي(28) بن عبدالله،
مؤسس الدولة السعودية الثانية، الذي فقد أهله، وملكه، وتنقل راعياً في الصحراء،
فاستطاع بإيمانه، وقوة عزيمته أن يستعيد ملكه المفقود(29).
"إنه عبدالعزيز بن رشيد، وغيره مما أنا خارج إليهم بيني
وبينهم حكم الله وعدله، أستعين عليهم بالله سبحانه، فأنا جاهل بما أنا مقبل عليه،
لا أعرف مَن الخصم أمامي ومن الصديق، لقد تقلبت الأحوال بأهالي البلاد بعدنا، ولكن
أقدار الله نافذة فِيّ وفيهم(30)".
كلمات وداع ألقاها عبدالعزيز على الشيخ مبارك الصباح، وهو
يأخذ طريقه إلى ذلك الفضاء الواسع من الصحراء، يحف به لطفُ الله وعونه وتوفيقه، في
عدد قليل من المخلصين(31) وفي قلة من العدة والعتاد، وقوة من
العزم والإيمان.
رحلة شاقة ومضنية تحف بها المخاطر من كل جانب، ومغامرة جريئة
تشبه الأساطير، ولكنها تنتهي إلى نصر، يتلوه نصر، يتلوه نصر، وفَرَج يُسْلم إلى
فرج، فاسترد مدينة الرياض في اليوم الخامس من شوال سنة 1319ه (32)
(15/1/1902م)، يتلوه ضم الخرج والأفلاج سنة 1320ه/1903م، ثم ضم شقراء، وثرمدا
والروضة، وغيرها من مدن سدير والوشم سنة 1321ه/1904م، وضم مدن عنيزة، وبريدة،
وغيرها من مدن القصيم سنة 1322ه/1905م، ينتهي بقتل ذلك الخصم العنيد عبدالعزيز بن
متعب الرشيد في 18صفر سنة 1324ه/14 إبريل 1906م، ويستعيد الأحساء في 5 جمادى
الأولى سنة 1331ه/12إبريل 1913م، وما هي إلا سنوات قلائل، ويبدد جيش شريف مكة
الحسين بن علي، بقيادة ابنه عبدالله بن الحسين في معركة تربة المشهورة، وذلك في 25
شعبان سنة 1337ه/1919م، ثم تستسلم عاصمة آل الرشيد، الخصم العنيد مدينة حائل في
29 صفر سنة 1340ه/2 نوفمبر 1922م، ويدخل قائده المظفر ابنه فيصل بعد معارك حامية
مدينة أبها سنة 1340ه، وتقرّ عينا السلطان عبدالعزيز، وقد دخل جنده ملبين مهللين
مكبرين في موكب إجلال وتعظيم بلد الله الأمين، مكة المكرمة في 7 جمادى الأولى
سنة 1343ه/1924م، ثم طيبة الطيبــة مدينة المصــطفى e المدينـــة المنورة تفتح ذراعيها
مستقبلة جند السلطان بقيادة ابنه محمد في 19
جمادى الأولى سنة 1344ه/1925م،
وذلك الثغر الباسم (جدة) يعلن دخولـــه
عهداً جديـــداً مشرقـاً في 9 جمادى الآخرة سنة 1344ه/ 5 ديسمبر 1925م (33)،
في مدة قصيرة لاتتجاوز ثلاثين عاماً، وبسلاح أسه الإيمان الصادق، والعقيدة
الراسخة، والإخلاص النادر، والشجاعة التي يضرب بها المثل، استطاع الملك عبدالعزيز
أن يستعيد أمجاد آبائه وأجداده، وأن يوحد القلوب، ويلم الشتات، ويجمع المتفرق،
ويقيم الشريعة، ويغرس العقيدة الصافية، وينشر الأمن، ويقيم منارة العلم، بعد روعة
وخوف، وفقر وجهل.
شخصية فذة، قلما يجود التاريخ بمثلها، تَوَفَّر لها من الصفات
والسمات ما جعلها تقوم بذلك العمل العظيم، الذي لا يقوم به إلا العظماء والأفذاذ
من الرجال، الذين يسوقهم الله سبحانه وتعالى خيراً ورحمة لانتشال مجتمع من
المجتمعات، أو أمة من الأمم من حياة بائسة تعيسة، إلى حياة هانئة كريمة.
نحاول التعرف على تلك الشخصية من خلال الجوانب الآتية:
"أستطيع أنْ أذكر أنَّ بعض مزاياه التي هيَّأت له أن
يبني هذا الملك، وأن يشيد هذا الملك، على الرغم مما صادفه من شدائد وأهوال لم تثنه
عن الوصول إلى غايته، ولم تصرفه عن تحقيق أهدافه، وأولى هذه المزايا التي يتصف بها
والدي قوة الإيمان؛ فما رأيته منذ نشأت قد ضعف إيمانه بالله، أو تخلى عن ثقته بنصر
الله".
بهذه الكلمات عن إيمان الملك عبدالعزيز استهل الملك فيصل
الحديث عن والده، الذي نشر في سنة 1367ه/ 1984م(34).
ويقول سمو الأمير سلمان بن عبدالعزيز في حديث له ضمن حوار
تلفزيوني(35) وثائقي عن الملك عبدالعزيز: "إن أهم خصلة في
الملك عبدالعزيز هي إيمانه بالله قبل كل شيء".
نشأ الملك عبدالعزيز في بيئة صالحة، رباه والده على كريم
الأخلاق ونبل الخصال، وتعاليم الدين، التي تلقاها من نبعها الصافي، فكان رحمه الله
وقَّافاً عند حدود الشرع، يكره المعاصي صغرت أم كبرت، محافظاً على الصلاة حتى في
أحلك الظروف، وهو يواجه أخطر المواقف؛ ففي ليلة اقتحام قصر المصمك، وفي انتظار
خروج عجلان، عامل ابن رشيد على الرياض، في تلك اللحظات المصيرية يستيقظ عبدالعزيز،
ويصلي مع رفاقه صلاة، ويتجه إلى ربه خاشعاً متبتلاً(36).
وعند ملاقاته لابن رشيد بالقرب من الدِّلم حول نعجان سرى
عبدالعزيز ليلاً، ودخل بيت شيخها عند انبثاق الفجر، فصلى ونام مطمئناً، واثقاً
بنصر الله(37).
كان -
رحمه الله -
لا يشرب محرماً، ولا يشهد ولا يسمع منكراً، وهو في عبادته
"لا يتشدد تشديد المغالين، ولا يتهاون تهاون الكسالى المفرطين(38)،
" يقول عنه عبدالله القصيمي:" لا يقدِّم على كلام الله وكلام رسوله
وكلام صحابته وأئمة الإسلام كلاماً، وهو يبدأ إذا ما احتج لمسألة سياسية كانت أو
اجتماعية بكلام الله، وبكلام رسوله وصحابته إذا ما حضره شيء من ذلك(39)".
يتردد في مجلسه دائماً قال الله، وقال رسول الله e، وقال الأئمة، وقال الشاعر العربي(40).
ومن كلامه: "طالما القرآن بين أيدينا، فلا خطر على ديننا (41)"
.
لذا كان الملك فيصل رحمه الله يقول: "البيت السعودي بيت
دعوة قبل أن يكون بيت ملك(42) ".
ويقول سمو الأمير سلمان بن عبدالعزيز:" هدف عبدالعزيز هو
إقامة دولة تحكِّم كتاب الله وسنة رسوله " .
كما يذكر الشيخ عبدالعزيز بن عبدالله آل الشيخ "أن
عبدالعزيز رجل عقيدة(44) "، لم يساير بعض الساسة الذين كانوا
يجاملون الناس كسباً لتأييدهم على حساب دينهم، وربما شاركوهم في بدعهم وخرافاتهم،
بل إن إيمانه وقوة عقيدته جعلته يعمل على محاربة البدع والخرافات، وتطهير الجزيرة
مما يفسد على الناس عقائدهم(45).
كانـــت قوة إيمان الملك عبدالعزيز العامـــل الأساس في
تكويــــن شخصيتــــه، وكــان -
رحمه الله -
كلما تشتد الأزمات يشتد ويقوى إيمانه بالله(46).
كانت أعماله اليومية تدور حول أوقات الصلاة، تبدأ بصلاة
الفجر، وتنتهي بصلاة العشاء(47)، ومن عادته اليومية أن يستيقظ
قبل صلاة الفجر بنحو ساعة، فيقرأ سوراً من القرآن، ويتعبد ويتهجد، وكثيراً ما يسمع
نشيجه إلى أن يؤذن الفجر، فيصلي الصبح مع الجماعة، ويسبح ويقرأ ورد الصباح(48).
وكان في كل مناسبة يؤكد على التمسك بالعقيدة الصحيحة، والدعوة
إليها، "أنا مبشر، أدعو لدين الإسلام، ولنشره بين الأقوام، أنا داعية لعقيدة
السلف الصالح، وعقيدة السلف الصالح هي التمسك بكتاب الله وسنة رسوله e وما جاء عن الخلفاء الراشدين، أما ما كان غير موجود فيها فأرجع
بشأنه إلى أقوال الأئمة الأربعة، فآخذ منها ما فيه صلاح المسلمين(49)"
.
في 18 محرم سنة 1352ه أبرق برقية إلى ولي عهده (الأمير سعود)
برقم (275) جاء فيها: "ينبغي أن تعقد نيتك على ثلاثة أمور: أولاً: نية صالحة،
وعزم على أن تكون حياتك وأن يكون ديدنك إعلاء كلمة التوحيد، ونصر دين الله، وينبغي
أن تتخذ لنفسك أوقاتاً خاصة لعبادة الله والتضرع بين يديه، في أوقات فراغك، تعبَّد
الله في الرخاء تجده في الشدة، وعليك بالحرص على الأمر بالمعروف، والنهي عن
المنكر، وأن يكون ذلك كله على برهان وبصيرة في الأمر، وصدق في العزيمة، ولا يصلح
مع الله سبحانه وتعالى إلا الصدق، وإلا العمل الخفي الذي بين المرء وربه(50)
".
وفي سنة 1357ه/1938م ارتجل خطبة في مكة جاء فيها: "ما
كنا عرباً إلا بعد ما كنا مسلمين، كنا عبيداً للعجم، ولكن الإسلام جعلنا سادة، ليس
لنا فضيلة إلا بالله وطاعته واتباع محمد، ويجب أن نعرف حقيقة ديننا وعربيتنا ولا
ننساهما(51) ".
وجاء في خطبة ارتجلها في منى في العاشر من ذي الحجة سنة 1359ه
(12/1/1941م): "إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم، فإن أردتم
أيها المسلمون النجاح والفلاح في دينكم ودنياكم ومعاشكم، فكونوا مؤمنين، غير
منافقين، واعتصموا بحبل الله جميعاً، ولا تفرقوا، وكونوا عباد الله إخوانا،
واعلموا أن الله يعطي الدنيا للبار والفاجر، ولا يعطي الدين إلا للبار، فأدعوكم
جميعاً إلى الإخلاص للدين أولاً، وإلى التآخي والتناصح، والجمع بين القلوب ثانياً(52)
".
"دستوري وقانوني ونظامي وشعاري دين محمد e، فإما حياة سعيدة على ذلك، وإما موتة سعيدة(53)
".
وقد كنت سعيداً، وموفقاً، بفضل الله أولاً، ثم بإيمانك
الصادق، وعقيدتك الراسخة رسوخ جبال الصحراء التي شهدت أروع بطولاتك، وإقامتك
لشعائر الدين وتطبيق حدود الشرع الحنيف دون تمييز بين صغير أو كبير، غني أو فقير،
فمكَّن الله لك في الأرض، وجعلك رحمة وخيراً لأمتك، بل للأمة العربية والإسلامية
في كل مكان.
على مسافة ثلاثة أيام خرج عبدالعزيز يستقبل والده قادماً من
الكويت بعد غيابٍ دام إحدى عشرة سنة(54).
وبعد استقرار الإمام عبدالرحمن أرسل له عبدالعزيز يقول:
الإمارة لكم، وأنا جندي في خدمتكم، فرد عليه: إذا كان قصدك في استدعائي إلى الرياض
لأتولى الإمارة فيها، فهذا غير ممكن، ولا أقبله مطلقاً، ولا أقيم في المدينة إذا
ألححت به.
تدخل العلماء، فقالوا لعبدالعزيز: على الابن أن يطيع أباه،
وقالوا للإمام عبدالرحمن: أنت كوالد عبدالعزيز رئيس عليه وبالتالي على أهل نجد،
فقال الإمام عبدالرحمن: ولكن الإمارة له. فقال عبدالعزيز: إني أقبلها بشرط أن يكون
والدي مشرفاً على أعمالي دائماً، فيرشدني إلى ما فيه خير البلاد، ويردعني عما يراه
مضراً في مصالحها(55).
يقول الزركلي: "وفي اجتماع عام حضر علماء الرياض
وكبراؤها في باحة المسجد الكبير بالرياض بعد صلاة الجمعة أعلن الإمام عبدالرحمن
نزوله عما له من حقوق في الإمارة لكبير أبنائه عبدالعزيز، وأهدى إليه سيف سعود
الكبير، نصله دمشقي، وقبضته محلاة بالذهب، وقرابه مطعم بالفضة(56)
" .
كان من عادة عبدالعزيز التي حافظ عليها زيارة والده كل صباح، كما
أن من عادة الوالد زيارة الابن بعد صلاة الجمعة من كل أسبوع، وكان مكان الوالد
الصدارة من المجلس، والابن يجلس بين يديه في أدب وصمت ينتظر ما يأمره به(57).
أراد الملك عبدالعزيز السفر إلى الحجاز في أواخر سنة 1346ه،
فدخل على والده يستأذنه، فقبل يده مراراً، وفي كل مرة يسأله: هل أنت راضٍ عني؟
فيجيب الإمام في كل مرة: لاشك في ذلك، يقول الزركلي: "وكان ذلك آخر اجتماع له
بأبيه، وصوت رضاه الأبوي يرن في أذنه حتى هذه الساعة(58)".
يقول حافظ وهبة: " وقد لاحظت مرة في إحدى زوراتي للإمام
عبدالرحمن والد الملك عبدالعزيز أنه لا يقرأ الكتب التي ترسل إليه، ويردها مع
الرسول كما هي، فسألته: لماذا لا تقرؤها؟ لقد أرسلها إليكم عبدالعزيز؛ لتطلعوا
عليها، ولترشدوه برأيكم إذا رأيتم فيها خطأ، فقال: إن عبدالعزيز موفق، لقد خالفناه
في آرائه كثيراً، ولكن ظهر لنـــا بعد ذلك أنه هو المصيب، ونحن المخطئون، إن
نيتـــه مع ربـــه طيبـــة، لا يريد إلا الخير للبلاد وأهلها، فالله يوفقه ويأخذ
بيده، و{إِنْ تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ}(59)(60)".
كان عمر الإمام عبدالرحمن قد جاوز المائة، وقد بلغ مرحلة من
الضعف لا يقوى معها على المشي وتحمّل التعب، وبينما كان يطوف بالبيت العتيق مع
ابنه الملك عبدالعزيز أدركه الإعياء، فسقط على الأرض، وقد طاف ثلاثة أشواط فقط،
فما كان من الملك عبدالعزيز إلا أن حمله بيديه، وطاف به حتى أكمل بقية الطواف، لم
يأمر أحداً من خدمه ومرافقيه بحمله، وإنما قام بذلك حرصاً على بره، وطلباً لرضاه(61).
يقول محمد أسد عن الملك عبدالعزيز : "كان يحب أباه كما
لم يحب إلا القلائل آباءهم، إن أباه الإمام عبدالرحمن الذي كنت قد تعرفت إليه في
السنوات الأولى في الرياض، برغم أنه كان رجلاً لطيفاً وتقياً ، لم يكن قطعياً
شخصية بارزة بمثل ما كان ابنه عبدالعزيز، ومع ذلك فإن ابن سعود حتى بعد أن أنشأ
ملكاً لنفسه بجهوده الخاصة وأصبح حاكم البلاد غير منازَع، كان يصطنع تجاه أبيه
سلوكاً متواضعاً إلى أبعد حدود التواضع، حتى إنه لم يكن يسمح لنفسه مطلقاً، ولم
يكن يرضى بأن يطأ أرض غرفة من غرف القصر، إذا كان عبدالرحمن في الغرفة التي تحتها،
وكان يقول: كيف أستطيع أن أسمح لنفسي بأن أمشي فوق رأس أبي، وكان لا يجلس مطلقاً
في حضرة الشيخ إلا إذا دعاه إلى ذلك علانية، إنني لا أزال أذكر الحرج الذي سبب لي
هذا التواضع الملكي يوماً في الرياض، أعتقد أنه كان في (كانون الأول 1927م)، كنت
أقوم بإحدى زياراتي المعتادة إلى والد الملك في جناحه في القصر الملكي، وكنا
جالسين فوق الوسائد على الأرض، وكان الشيخ مسترسلاً في الكلام في إحدى المسائل
الدينية المحببة إليه، وفجأة دخل إلى الغرفة أحد الخدم، وأعلن:
"الشيوخ"، وفي اللحظة التالية كان ابن سعود يقف عند عتبة الباب، ولقد
أردت طبعاً أن أنهض، ولكن الإمام أمسكني من معصمي وأجلسني كأنما يقول: "أنت
ضيفي أنا"، وشعرت بارتباك عظيم لا أستطيع له وصفاً؛ لاضطراري إلى البقاء
جالساً، بينما تُرك الملك بعد أن سلم على أبيه واقفاً عند عتبة الباب، منتظراً كما
كان واضحاً الإذن بالدخول إلى الغرفة، إلا أنه لا بد أن يكون قد اعتاد مثل تلك
الأطوار الغريبة من قِبَل والده، ذلك أنه تغاضى عن وجودي بشبه ابتسامة؛ كي يسرِّي
عني، وفي الوقت نفسه مضى الإمام عبدالرحمن في حديثه، كأنما لم يحدث ما أوجب
انقطاعه عني، وبعد بضع دقائق رفع بصره، وأومأ إلى ابنه بهزة من رأسه قائلاً:
"اقترب يا ولدي واجلس" ، لقد كان الملك وقتئذٍ في السابعة والأربعين، أو
الثامنة والأربعين من عمره.
وبعد تلك الحادثة ببضعة أشهر، وكنا في مكة حينذاك جاءت
الأخبار تنقل إلى الملك وفاة أبيه(62).
إنني لن أنسى ما حييت كيف حدَّق الملك بالرسول بضع دقائق،
كأنه لم يفهم عنه، واليأس الذي اكتنف ببطء ووضوح الملامح التي كانت في العادي من
الأحوال على قدر عظيم من الوداعة والهدوء وكيف قفز مزمجراً زمجرة هائلة: "لقد
مات أبي"، وكيف أخذ يذرع الغرفة جيئة وذهاباً بخطوات واسعة، جارّاً عباءته
وراءه على الأرض، وكيف أنه قفز درجات السِّلم متخطياً حرسه الذين غمر الأسى
وجوههم، غير عارف إلى أين يتجه، ولماذا؟ صارخاً: لقد مات أبي، لقد مات أبي.
لقد رفض طيلة يومين بعد ذلك أن يرى أحداً، ولم يتناول طعاماً
ولاشراباً، وكان يقضي آناء الليل وأطراف النهار في الصلاة(63)
".
هذا هو عبدالعزيز، ذلك الرجل المهيب، لم يخدعه ملك، ولم
يُلْهِـهِ سلطان عن برّ والده والقيام بواجبه، معبراً عن شخصية رقيقة متواضعة يملأ
قلبها حب الله والخوف منــه.
ولم يكن -
رحمه الله -
بارّاً بوالده فحسب، بل باراً بأقاربه، يسأل عنهم، ويتفقد
أحوالهم، سواء بالزيـــارة أو بالمحادثة، يعقد لهم مجالساً خاصة بهم، لا يحضرها
سواهم(64).
بل كان باراً برعيته، يشاركهم أفراحهم وأتراحهم، فيفرح لفرحهم
، ويألم مما يصيبهم، أخ لكبيرهم، وأب لصغيرهم، رحيماً بهم، شفوقاً عليهم، يسعى
جاهداً لخيرهم، يوصي عماله في كل مناسبة بالرفق بهم، وأخذهم باللين، وعدم الشدة في
معاملتهم إلا على الباطل وما يخالف الشرع الحنيف(65).
كان يرى أن مسؤوليته عظيمة ومهمته جسيمة أمام الله - سبحانه وتعالى - عن هذه الرعية، فكثيراً ما يردد في
خطبه: "الملك لله وحده، وما نحن إلا خدم لرعايانا، الكبير منكم أخ لي،
والصغير من أبنائي".
يُصْغي لكبيرهم، ويحادث ويؤانس صغيرهم، فأحبوه، وتعلّقوا به،
وهتفوا باسمه ملكاً وراعياً ومربياً.
لذا كان من أهم وصاياه لولي عهده سعود: " عليك أن تجد
وتجتهد في النظر في شؤون الذين سيوليك الله أمرهم بالنصح سراً وعلانية، والعدل في
المحب والمبغض، وتحكيم الشريعة في الدقيق والجليل، والقيام بخدمتها باطناً
وظاهراً، وينبغي ألا تأخذك في الله لومة لائم(66)
".
كان الملك عبدالعزيز مولعاً بالعلم، شغوفاً به، قلّ أن تمر
عليه ليلة لم يستمع فيها إلى درس من تاريخ، أو أدب، أو تفسير، يقرأ عليه قارئٌ
فصيحٌ من تاريخ الطبري، أو تاريخ ابن كثير، أو تفسيره، أو كتاب الآداب الشرعية(67)،
وغيرها، وإذا انتهت القراءة كان يناقش الجالسين فيما سمعوه، ويطلب منهم إبداء
آرائهم وملحوظاتهم، محيياً بذلك سنة سار عليها خلفاء صدر الإسلام، وصلحاء الأمة(68).
حتى في سفره كان زاده العلم، لا ينقطع عن مدارسته والاستزادة
منه، يروي يوسف ياسين في الرحلة الملكية إلى الحجاز(69) - وقد كان أحد مرافقيه في تلك الرحلة -
أن في معيته عدد من العلماء، منهم الشيخ عبدالله بن حسن آل الشيخ(70)،
قاضياً لجيشه، وإمامه في الصلاة، والشيخ عبدالرحمن بن عبداللطيف آل الشيخ(71)،
والشيخ محمد بن عبدالعزيز بن عبداللطيف آل الشيخ(72)،
الملقب بالصحابي، والشيخ عبدالله ابن أحمد العجيري(73)،
والشيخ حمد بن محمد أبوعرف الخطيب(74)، والشيخ عبدالرحمن النفيسة،
وأخوه حسين، وعبدالرحمن بن مشاري بن سويلم(75).
فكان إذا استوى على راحلته نادى: العجيري ، فيقبل ، ويتلو
آيات من الذكر الحكيم بصوت جهوري مؤثر، ويظل يتلو كتاب الله حتى يؤذَّن للفجر،
وبعد أداء الصلاة، وشرب القهوة والركوب على الرواحل نادى: ابن الشيخ، فيقبل ،
ويتلو آيات بيّنات بصوت مؤثر خشوع حتى طلوع الفجر، ويأمره بالسكوت، ويخلو السلطان
بنفسه، فيقرأ أدعية مأثورة من القرآن الكريم، أو مروية في الأحاديث الصحيحة، وكذا
يفعل أكثر من في الركب، وبعد طعام الضحى (المضحى) والركوب على الرواحل نادى: ابن
الشيخ، فيقرأ في صحيح مسلم ما يشاء، ثم يقرأ ما تيسر من السيرة النبوية من تاريخ
ابن الأثير، فتحدث قراءتها أثراً كبيراً في النفوس، وبعد صلاة العصر والمناداة
بالرحيل وبعد أن يستوي الناس على ظهور مطاياهم ينادي: ابن الشيخ، فيقرأ في كتاب
(الترغيب والترهيب)
(76)،
ثم في كتاب آداب ابن مفلح(77)، حتى إذا قاربت الشمس المغيب
خلا السلطان بنفسه على راحلته، وقرأ الحزب الذي اعتاد قراءته كل مساء، وبعد صلاة
المغرب وشرْب القهوة والركوب على الرواحل نادى: ابن الشيخ، فبدأ حيث انتهى بالحديث
في الصباح، وهكذا طيلة أيام الرحلة لا تنقطع صلته بالعلم والاستزادة منه(78).
كان الملك عبدالعزيز يخوض في ميادين الكلام، ويناقش المختصين،
يقيم عليهم حججه، ويفرض براهينه، ويدافع عن مذهب السلف دفاع العالم المتبحر في
علمه؛ يخوض في علوم التاريخ والآداب والشعر، فيثير الدهشة والإعجاب، وكان له
اهتمام خاص بالشعر، وقد نقش على قصره:
لسنا وإن أحسابنا كرمت يوماً
على الأحساب نتكل
نبني كما كانت أوائلنــــا تبني
ونفعل مثل ما فعــلوا
فقال بعض الأدباء عندما قرأ ذلك: إنَّ عِلَّة الشرقيين أن
يفعلوا مثل فعل أوائلهم، فأصلحها الملك: ونفعل فوق ما فعلوا(79).
كان حبه للعلم وحرصه على نشر المعرفة نتاجاً لغرس مبارك،
ونشأة طيبة في بيئة صالحة تربى فيها، فعندما مكن الله له وأقام الملك والسلطان عمل
على غرس العقيدة الصافية، ونبذ البدع والخرافات؛ فبث العلماء بين القبائل، وفي
المدن والقرى؛ لتعليم الناس وتبصيرهم بالدين الصحيح الذي سار عليه سلف الأمة وفق
كتاب الله، وهدي نبيه e، فأقام الهجر لتوطين البادية، وتعليمهم
أمور دينهم، واهتم بفتح المدارس، وأمر بتكوين أول مديرية للمعارف لترعى شؤون
التعليم في البلاد، وقرر المكافآت، والحوافز المجزية للطلاب تشجيعاً لهم على طلب
العلم.
كما أمر -
رحمه الله -
بطبع الكتب ونشرها على نفقته الخاصة مثل: تفسير ابن كثير،
وتفسير البغوي، وطبقات الحنابلة، والمغني، والبداية والنهاية، وغيرها من كتب السلف
مما أثرى الحركة العلمية في البلاد(80).
كما كان للعلماء المقام الأول عند الملك عبدالعزيز؛ فكان
يقدمهم على إخوانه وأبنائه وكبار جلسائه، يصغي إلى آرائهم، ويبالغ في إكرامهم(81)،
وهل هناك أبلغ في إجلال العلماء واحترامهم من قوله: " مالقيت الشيخ - يعني عبدالله بن عبداللطيف آل الشيخ- إلا تصبَّب العرق من إبطي ؟"(82).
وهكذا تلازم حب العلم ومدارسته والرغبة في الاستزادة منه، مع
حب العلماء وتقديرهم ، وكانت وصيته لولي عهده وابنه سعود: "أوصيك بعلماء
المسلمين خيراً، احرص على توقيرهم ومجالستهم وأخذ نصيحتهم، واحرص على تعلم العلم؛
لأن الناس ليسوا بشيء إلا بالله ثم بالعلم ومعرفة هذه العقيدة، احفظ الله يحفظك(83)
".
كان فؤاد الخطيب وزيراً لخارجية شريف مكة الملك علي بن
الحسين، فأرسله لمفاوضة السلطان عبدالعزيز أثناء حصار جدة سنة 1343ه/1924م، فعاد
مفتوناً به مأسوراً بشخصيته، ولم يلبث أن أصبح أحد رجاله والعاملين في ركابه(84) .
وكان نوري الشعلان، أحد مشايخ الرولة من قبيلة عنزة في بادية
الشام في الثمانين من عمره عندما زار الملك عبدالعزيز في مدينة الرياض، فقال له
الملك عبدالعزيز، وهو يشير إلى بعض من كانوا في مجلسه: أتعرف هؤلاء يابن شعلان؟
فقال: فيهم كرام من شمر، قال عبدالعزيز، وأشار إلى أحدهم: هذا ابن فلان، قتلت أباه
بيدي، وهذا فلان ألقيته جريحاً أمام فرسي، وهذا فلان جاءني يوم كذا من ورائي يريد
قتلي، هم كلهم اليوم ولله الحمد من رجالي وإخواني.
قال نوري: سيفك طويل يا طويل العمر، قال عبدالعزيز: ما أردت
اصطناعهم، وإنما أحللتــهم في المكانــة التي كانــت لهم أيام سلطانهم، إنهم بــين
آل سعــود كآل سعــود(85) .
رشيد الناصر كـــان وكيلاً لابن رشيد في دمشق ووسيطاً له مع
العثمانيين يمده بالمال والسلاح، قال له عبدالعزيز، بماذا أعاقبك؟ قال: بما تهوى، وما
أنا بنادم على ما فعلت، قال: لقد أخلصت في خدمــة صاحبك، وزال صاحبُك، وما يـــزال
فيـــك حس الإخــلاص، فعد إلى دمشق وأنت وكيلي بها، وبقي مخلصاً لعبدالعزيز إلى أن
توفــــاه الله(86) .
إبراهيم الطاسان كان أحد ضباط الملك علي بن الحسين الهاشمي،
سأله أحد العرفاء في الجيش السعودي، وهو يتسلم الأسلحة من ضباط جيش الأشراف، ما
اسمك؟ قال: إبراهيم الطاسان (وكان معروفاً بالشدة في قتال السعوديين)، فقال له
العريف: واللعنة، فرد عليه إبراهيم الطاسان بالمثل، وعلت الأصوات، ووصل الخبر
عبدالعزيز، فلما أُدخل عليه عرف فيه الإخلاص، فعينه مديراً للطيران، فصار من كبار
ضباط الجيش السعودي(87) .
غيض من فيض ممن طغت عليهم شخصية الملك عبدالعزيز، وأذابت
سخائم قلوبهم، ووضعت مكانها الحب والتقدير، فما دخل أحد عليه بقلب إلا وخرج بقلب
آخر، ولا قابله من يحمل الحقد والبغض إلا وفارقه يحمل الحب والرضا(88) .
"كانت لديه قدرة عجيبة على احتواء الآخرين من شتى
الثقافات والانتماءات والخلفيات، أخضع البدو بشهامته وسخائه ورجولته، بايعه
الريحاني اللبناني المسيحي الأمريكي الجنسية، وفيلبي الملحد ممثل الامبراطورية،
وتلاميذ محمد عبده والأفغاني في العالم العربي، وعشاق الخلافة من مسلمي الهند،
وثوار ليبيا، والوفديون في مصر، والوطنيون في سوريا والعراق، كلهم بايعوه زعيماً
للعالم العربي، واعتبروه المنقذ للعالم الإسلامي(89)
" .
كان له مستشارون من مختلف الجنسيات العربية؛ سوري، ولبناني،
ومصري، وليبي، وعراقي، وفلسطيني، عملوا له بإخلاص إلا فيما ندر(90) .