تمهيــــد:
يقول المثل الصيني: "يبرز الأبطال
في أيام الشدة والمصاعب"، ويقول أيضا: "الظروف الصعبة تهيئ لظهور
الأبطال".
وفي مجرى التاريخ البشري على امتداده
الطويل ظهر عدد قليل جدا من العباقرة العمالقة الذين استطاعوا أن يغيروا مجرى التطور
التاريخي للبشرية، أو بتعبير آخر أصحّ وجهوا التطور التاريخي إلى مجراه الطبيعي
الصحيح بعد أن وجدوا أنه قد انحرف عنه ، ولا يتوافق مع مصالح البشرية.
وكان الملك عبدالعزيز أحد أولئك العباقرة
العمالقة الذين قدموا لأممهم وأوطانهم خدمات جليلة بجهودهم الجبارة التي لا تعرف
الكلل ولا الملل، وأثروا في تطور المجتمعات البشرية وتقدمها نحو الغاية المنشودة،
وسجلوا مآثر عظيمة في السجل التاريخي المفعم بالأشراف الباقية والأمجاد الخالدة.
كانت الرياض وشبه الجزيرة العربية في
أيام طفولة عبدالعزيز مليئة بالأحداث والأزمات إذ كانت القبائل والممالك تتحارب
وتتقاتل بين حين وآخر، حتى اضطر والده الأمير عبدالرحمن إلى مغادرة وطنه بأفراد
أسرته الأميرية، وبدأوا حياة المنفيين والمتشردين متنقلين بين الصحراء والبحرين
وقطر، ثم استقروا في الكويت سنوات طويلة.
وكان لحياة النفي والتشرد فضل كبير في
صقل إرادة عبدالعزيز القوية وتدريبه على الصبر والتحمل.
فأمام هذا الوضع الخطر المتفاقم لم ييئس
الشاب ولم يتأوه، بل هبّ يقاوم ويكافح لاسترداد وطنه المغصوب وأرضه المنهوبة، فلم
يكافح بقوته وشجاعته فقط، وإنما كافح بذكائه وعقله وعبقريته، فجمع بين الرأي
والشجاعة كما يقول أبو الطيب المتنبي:
الرأي قبل شجاعة
الشجعان هو أول وهي المحـــل الثـاني
فإذا هما اجتمعا
لنفـسٍ حـرةٍ بلغتْ من العليـاء كلّ مكان
عبقريته الفذّة
في الحرب :
1 - استعاد الرياض
بحيلة أسطورية :
لما تعرض الأمير الشاب عبدالعزيز لهذه
الأحداث المفاجئة ورأى تلك الآلام والمشقات التي كان أفراد الأسرة يعانون منها من
جراء التنقل والتشرد امتلأ صدره غضبا وحسرة، وأقسم في أعماق نفسه على استعادة
الرياض في يوم من الأيام.
عندما كان في الكويت يسمع بين حين وآخر
أصوات اليأس من استعادة الأرض المغصوبة والآهات والتذمرات من المتشردين فإن حياة
النفي والتشرد بالنسبة إلى التجار أو الأدباء قد تكون لا تساوي شيئا، لكنها
بالنسبة إلى رجال مكافحين ذوي طموحات بعيدة وعزم عظيم على استعادة الأرض والدولة
بمثابة حياة السجن، فيبدو كل يوم منها طويلاً كسنة.
فكان عبدالعزيز يشعر دائما بالآلم والحزن
أمام جبال الوطن وأنهاره المقطوعة والأوضاع المتفرقة مثل رمال منثورة في شبه
الجزيرة العربية، وخاصة أن الأسرة كانت في حالة النفي والتشرد تعيش حياة
المظلومين.
عزم عبدالعزيز المكافح على بذل كل ما في
وسعه ليعمل عملا عظيما لخدمة الوطن والأمة؛ إذ كان كل ما يهمّه طرد الأمير عجلان
واستعادة الرياض والعودة إلى مملكة الأجداد.
أعــدّ العـدّة، سـار مع أنصاره على
الـدروب الصحراويـة الممتـدّة، بالعدد القليل والهجوم الليلي المفاجئ أفلح في
استعادة الرياض .
رسم خطة دقيقة محكمة وعمل حيلة لتضليل
العدو، حتى تخلص من مطاردة جند ابن الرشيد وتطويقهم، ووصلوا أخيرا إلى ضاحية
الرياض بالسلامة، واستعادها بعد هجوم ليلي مفاجئ، مما غيّر الوضع في شبه الجزيرة
العربية، وغيّر مصير الرياض ونواحيها في منطقة نجد، القاعدة الأولى للمملكة
السعودية الحديثة.
أقسم الأمير الشاب عبدالعزيز على أن
يستعيد الرياض أو يموت أمامها، فاستطاع إقناع رجاله بإيمانه العميق وحماسته
الكبيرة وتأثيره العظيم على مستمعيه، فأقسموا اليمين أمامه بالطاعة له والسير معه
إلى الإمام لنيل النصر أو الاستشهاد معه.
وفي عام 1319هـ/1901م رأى عبدالعزيز بعد
دراسته الدقيقة لمستجدّات الوضع والموقف أن فرصة العودة قد سنحت لأن يقود صفوة
قواته متجهين نحو الرياض الحبيبة عبر المسافات الطويلة، فاختار ستين من رجاله
الشجعان، وصمم تصميما دقيقا على شنّ حملة على الرياض، وكان رجاله المختارون شجعانا
لا يخافون في الحرب العوان من السيوف والبنادق مخلصين للأسرة السعودية، منهم شقيق
عبدالعزيز محمد وابن عمّه عبدالله بن جلوي وعدد غير قليل من أقارب الأسرة السعودية
أو المقربين إليها.
فغادروا الكويت دون الرايات والطبول
متجهين بخفية نحو الرياض على الدروب الصحراوية التجارية القديمة متجنبين الطرق
الواسعة، وللمحافظة على سرية العملية لم يكشف عبدالعزيز لرجاله هدف هذه الحملة
إلاّ في منتصف الطريق، فلما دخلوا الصحراء أصبحوا كصخور غرقت في البحر بحيث لا
يعرف أحد مصيرهم، ظنّ معظم الناس أنهم قد دفنوا تحت رمال الصحراء، وفي حقيقة الأمر
كانوا ينامون نهارا ويسيرون ليلا كيلا يتسرب خبر حملتهم هذه، فهكذا، اقتربوا رويدا
رويدا من الرياض دون أن يشعر بذلك أحد، ووصلوا إلى مشارف الرياض بالسلامة في اليوم
الخامس من شوّال عام 1319هـ /العاشر من يناير 1902م، متخطين مسافات طالت أكثر من
ستمائة كيلو متر.
بالرغم من أن حروباً ومعارك كانت تحدث بين
حين وآخر بلا انقطاع في تاريخ شبه الجزيرة العربية، لكن لم تحصل حرب ولا معركة ذات
مغزى تاريخي وصبغة أسطورية كهذه الحملة التي قادها عبدالعزيز عبر المسافات
الطويلة.
نعلم أن الحروب أو المعارك دائما ما
تغيّر مجرى التطور التاريخي، ولكن تستطيع أن تغيّره بالفعل هي تلك الحروب أو
المعارك الحاسمة المحدودة جدا، يقول المثل الصيني: "الجيش الممتاز في جودته
وليس بعدد جنوده، والقائد الممتاز في حيلته وليس بشجاعته".
قسم عبدالعزيز رجاله ثلاث فرق؛ تتكون
الأولى منها من سبعة أشخاص في المقدمة تحت قيادة عبدالعزيز، مهمتها التسلل إلى
المدينة، وتتكون الثانية منها من ثلاثة وثلاثين شخصاً في الوسط ، وهي القوة
الرئيسة لهذه العملية تحت قيادة شقيقه محمد ، مهمتها الاختباء في ضاحية المدينة
والاستعداد لدعم الفرقة الأولى أو التراجع فورا إلى الكويت إذا لم تأتهم التعليمات
من عبدالعزيز قبل طلوع الفجر، وتتكون الثالثة منها من عشرين شخصاً يختبئون في مخبأ
يبعد عن الرياض عشرة كيلو مترات في المؤخرة، مهمتها حماية الرواحل والأثقال، فإذا
جاءتهم التعليمات من عبدالعزيز اندفعوا إلى المدينة لدعم الفرقتين الأولى
والثانية، فإذا انقطعت عنهم أخبار عبدالعزيز بعد يوم عليهم التراجع إلى الكويت.
بعد أن رتّب عبدالعزيز الأمور ترتيباً
دقيقا قاد بنفسه الرجال الأربعين في الفرقتين الأولى والثانية يسيرون على الأقدام،
ومرّوا بحرج من النخيل، فأمر رجال الفرقة الثانية البقاء هناك، ثمّ سار برجال المقدمة
بخفية نحو أسوار المدينة، لما وصلوا الخنادق المحفورة حول الأسوار توقف عبدالعزيز
ورجاله؛ ليستمعوا إلى نداء الحراس على الأسوار، فذلك نداء التنبيه بين الحراس حتى
لا يغلبهم النعاس.
فلما أيقنوا بعدم وجود أية حركة في
محيطهم أسرعوا، واختاروا بقعة الجنوب الغربي للأسوار منفذاً إلى المدينة، وبدأوا
يتسلقون الأسوار بالأحبال والكلاليب.
هكذا تسلل عبدالعزيز برجال المقدمة دون
أن يشعر بهم أحد، ثمّ ساروا في الشارع إلى الأمام فرداً فرداً، فكانت بين كل واحد
وزميله مسافة خطوات، حتى إذا رآهم الحراس يسيرون على الطريق في الليل لا يشكّون في
أمرهم.
كان اليوم في مطلع الشهر، لذلك كانت شبه
الجزيرة العربية مغطاة بالظلام الدامس. الحمد لله؛ قد ساعدهم الستار الليلي
الغامق؛ حيث كانت الرياض محاطة بالظلام الليلي الدامس، فلم يحلم أحد من سكان
الرياض في منامهم بأن وقتا حاسما ذا مغزى تاريخي عظيم من شأنه أن يغير مصير الرياض
ومعظم أجزاء شبه الجزيرة العربية سيأتيهم في هذا الليل العادي.
سار عبدالعزيز برجاله في ظلام الرياض
مخترقين شوارعها وأزقتها، حتى وصلوا إلى دار صغيرة، فعرف عبدالعزيز من صاحبها عادة
عجلان في جميع حركاته، كان الأمير عجلان قاسيا وغاشما تجاه رعيته، يحب القتل
والطعن خلال ولايته للرياض، مما نشر بذور الحقد؛ لذلك كان حذرا جدا، لا يبيت ليلا
خارج الحصن، فأمكث زوجته في دار قريبة من الحصن، لكنه لا يجرؤ على أن يبيت هناك
خوفا من المفاجأة، وفضلا عن ذلك كان محاطا دائما بجماعة من الحراس أثناء خروجه
وإيابه.
إذا كان الهدف الرئيس من هذه العملية هو
اغتيال الأمير عجلان فإن الآمال لن تنال دون ركوب الأهوال، فغادر عبدالعزيز ورجاله
تلك الدار، وطلعوا على سطوح البيوت، يتقدمون إلى الأمام خفية حتى وصلوا إلى دار
قريبة من منزل عجلان، فنزلوا من السطح إلى الساحة، واقتحموا بابها، وسيطروا عليها.
ثمّ أرسل عبدالعزيز على الفور أحد رجاله
ليبلغ أخاه محمد بن عبدالرحمن ورجال الفرقة الثانيــة بتعليماتــه حتى يدخلوا
المدينة ويلتقوا مع رجال المقدمة.
لما وصل محمد برجاله البالغ عددهم أكثر
من ثلاثين أمرهم عبدالعزيز بالاختفاء المؤقت في تلك الدار ، وجعلهم فرقة احتياطية
لتقديم الدعم لفرقة المقدمة إذا دعت الضرورة إلى ذلك.
قاد الرجال الستة في المقدمة، وقفزوا
الأسوار، ونزلوا في منزل الأمير عجلان المواجهة لحصن المصمك، ثمّ أرسل أحد رجاله
ليحضر رجال الفرقة الثانية الذين كانوا يختفون في الدار المجاورة.
وضع عبدالعزيز للخطة اللمسة النهائية،
فأمر أربعة من الرجال يتربصون عند النوافذ، مهمتهم إطلاق النار نحو حراس عجلان
عندما يخرج من الدار.
أشرقت الشمس، ففتح باب صغير من بوابة
الحصن، فخرج منه عدّة حراس، ثمّ خرج عجلان وأتباعه، وهمس عجلان لأحد أتباعه همسة،
ثمّ أسرع في الخطى يريد امتطاء الحصان.
فجأة، انفجر صراخ غضبان مثل زئير الأسد،
وانطلق عبدالعزيز مع رجاله الكمناء من الغرفة يحملون الأسلحة كالأسود الغاضبة.
منذ فتح باب الحصن حتى خرج عجلان، كان
عبدالعزيز قد رأى كل تلك المشاهد من خلال ثغرات الجدران المنهارة، وكانت الخطّة
المرسومة اغتيال عجلان في منزله، إلاّ أن عبدالعزيز لم يتمالك نفسه عندما رأى عدوه
اللدود، فصرخ صرخة شديدة كأنها صاعقة في اليوم الصافي، ثمّ قفز من مكمنه، وفتح
الباب بقوة، واندفع نحو عجلان الذي تحير من الصرخة الشديدة المفاجئة.
أفاق عجلان، وأخرج السيف الذي كان معه،
فرفعه وضرب به ضربة شديدة نحو رأس عبدالعزيز عندما رآه قد اقترب منه على بعد
خطوات، فأسرع عبدالعزيز، وضرب ببندقيته سيف عجلان، ولكنه لم يتوقع أن عجلان كان قد
استخدم قصارى قوته في تلك الضربة، فهزّت البندقية من يده، ولم يفكر عبدالعزيز كثيرا،
فانقضّ على عجلان، فبدأ الاثنان صراعا، وقعا على الأرض، وما زال أحدهما يشدّ
الآخر، تقدم حراس عجلان من الموقف يحاولون مساعدة أميرهم على التخلص من الموقف
الخطر، إلاّ أن طلقة نارية من عبدالله بن جلوي اضطرّتهم إلى التراجع، وأطلق الرجال
الأربعة الكامنون عند النوافذ نيرانهم، فأصابوا الحراس، فقتل منهم من قتل، وجرح
منهم من جرح .
كان عجلان طويل القامة ضخم الجثة، شديد
البأس قويا، فخلّص نفسه من عبدالعزيز، وقام من الأرض يحاول اللجوء إلى بوابة
الحصن، فأخذ عبدالعزيز من الأرض بندقيته، وأطلق عليه النار، فأصاب يده اليمنى التي
كانت تحمل السيف، فوقع السيف من يده، ثمّ أسرع عبدالعزيز كالبرق، فشدّ رجله
اليسرى، وبدأ يجرّه بكل قوته، أمسك عجلان بيده البوابة، واستخدم لحظة الشدّ
والجرّ، ليركل برجله اليمنى ركلة شديدة نحو بطن عبدالعزيز، أصابته إصابة شديدة،
فوقع على الأرض مترنحا.
كانت حركات عبدالله بن جلـــوي أسرع مما
يوصـــف ، فأسرع كالسهم، ومعه ثلاثـــة رجال ، فدفعوا البوابة بأجسامهم القوية ،
ليصدّوا إغــلاق البوابة من الداخل ، وشدّوا عجلان ، واضطرّوا حراسه الذين تقدموا
لإنقاذه إلى التراجع .
بذل عجلان كل ما في وسعه، حتى تخلص من شد
عبدالله بن جلوي ورجاله، وجرى نحو مسجد الحصن، فانتزع عبدالله بن جلوي خنجره ،
ورماه نحو عجلان، لكنه انحرف عن الهدف بسبب شدّة قوة الرامي، وتسمر على البوابة،
فانتزع ابن جلوي مسدسه ، وأطلق عليه النار ، فأصابه ، وأرداه قتيلا.
اندفع من منزل عجلان رجال الفرقة الثانية
التي كانت تُعَدُّ قوة احتياطية، وأسرعوا إلى الحصن، وكان بداخل الحصن ثمانون
حارسا، ولكن عبدالعزيز احتلّه برجاله الأربعين على غرة من الحراس قبل طلوع الفجر،
وكان الحراس مرتاعين فزعين، فقتل منهم من قتل ، وجرح منهم من جرح، واستسلم
المتبقون عندما رأوا أن أميرهم قد لقي حتفه.
لقد كره سكان الرياض ظلم عجلان وطغيانه
كره الموت، فلما عرفوا أن عبدالعزيز قاد الجيش واستعاد الرياض تبادروا إلى
الاشتراك في المعركة، فهدموا كل ثكنات عجلان، واضطرّوا جيش عجلان المرابط الجبار
الذي كان يحرس مدينة الرياض إلى الاستسلام.
انتهت المعركة في أقلّ من ساعة. هكذا قاد
عبدالعزيز صفوة قوة منتخبة، وقام بحملة طويلة المسافة، واستعاد الرياض عاصمة نجد
بحيلته وذكائه وعبقريته.
لقد تّمت استعادة الرياض التي ضاعت من
أيدي أصحابها الشرعيين سنوات طويلة، مما أعلن أن حياة اللجوء والتشرد للأسرة
السعودية قد انتهت، وأن عهدا جديدا سيبدأ في منطقة نجد.
صنع عبدالعزيز ورجاله الشجعان معجزة
أسطورية، انتشرت قصصها في الشرق والغرب انتشارا واسعا إلى يومنا هذا، وبالرغم من
أن الوقت قد مضى عليه ما يقرب من قرن، إلاّ أن هذه القصص مازالت تتداول على ألسنة
الناس بإعجاب وتعظيم شديدين.
2 - كسب وقتا ثمينا
بحيلة عجيبة فأنقذ جيشه من الخطر المحقق :
كانت لعبدالعزيز حروب كثيرة في منطقة
الأحساء، وكانت من أخطرها معاركه مع العجمان، وهؤلاء قوم بداة ومن أشرس القبائل
وأشجعها في الحروب.
ففي إحدى معاركه مع العجمان المعروفة
بمعركة "كنزان" انهزم عبدالعزيز، فقد أصيب برصاصة في حزامه المملوء
بالرصاص ، فانفجرت عدة رصاصات، وشقت بطنه شقا ، وتدلّت أمعاؤه.
انتشر خبر إصابته انتشارا سريعا، وبدأ
يتضخم تضخما شديدا أثناء انتشاره بحيث يقول بعض الناس إن عبدالعزيز قد مات.
وبلغ مسامع العجمان، ففرحوا بذلك، فجهزوا
العدة للمهاجمة الليلية على ثكنات عبدالعزيز والقضاء على جيش نجد إذا تحقق خبر
موته.
فبادر عبدالعزيز إلى حيلة، ردّ بها
معنويات جنده بعد أن خارت، وعالج الموقف المتدهور بطريقة لم تخطر على بال قائد أو
تداعب خياله من قبل.
فردّ أمعاءه إلى داخل جسمه ، وشدّ عليها بحزام،
ثم قال لرجاله: "زوجوني!"
فعلى حسب الشريعة الإسلامية يجوز لرجل أن
يتزوج من أربع زوجات. وبطبيعة الحال يمكن لعبدالعزيز أن يتزوج من جديد مادام لم
يخالف الشريعة. ولكن ماذا يريد أمام العدو الجبار وأمام هذا الوضع الحرج؟ كيف
يستطيع الرجل أن يتزوج، فضلا عن أنه قد أصيب إصابة شديدة؟.
تحير رجاله وتساءلوا مندهشين:
" أحقا ما نسمع؟ ومن أين نأتيه
بزوجة في هذه الليلة الرهيبة؟ وما عساه يريد بها وهو في هذا الحال المروع؟".
لكن أصر عبدالعزيز على أن يزوجوه، وجاؤوا
له بامرأة من البادية، وقدموها له ليتزوج بها. فلما أحضروها إلى خيمة عبدالعزيز
نظر إليها من بعيد، فرآها كومة سوداء أمام عينيه، فلم يمس المرأة، ولكن الذين
قالوا إن عبدالعزيز قد مات عادوا فقالوا إنه تزوج.
بلغ مسامع العدو هذا الخبر، فلم يجرؤ على
الهجوم على عبدالعزيز وجيشه لإنهاء المعركة بالنصر كما تحدثهم نفوسهم ، وحقق
عبدالعزيز بهذه الحيلة غرضه، فأعطى الفرصة لنفسه ولرجاله بالانسحاب إلى مدينة
الأحساء.
وهكذا نجحت هذه الحيلة العبقرية الفذة،
فأنقذ بها عبدالعزيز نفسه ورجاله.
ومن الظريف أن قصة أخرى شبيهة بقصة
عبدالعزيز هذه حدثت قبل ألفي سنة في تاريخ الصين القديمة.
كانت الصين في وضع التحارب والتقاتل
المستمرين ، وكانت القوتان الرئيستان مملكة تشو أميرها تشانغ يو ومملكة خان أميرها
ليو بانغ، وكان ميزان القوة يميل إلى صالح مملكة تشو، وفي إحدى المعارك الشديدة
التي حدثت بين المملكتين التقى الأميران بجيشيهما الجبارين في الميدان، فأصاب أحد
رماة الأمير تشانغ يو بسهم بطن الأمير ليو بانغ.
وكان الأمير ليو بانغ ذكيا كثير الحيل،
فلما أصيب بسهم في بطنه خاف على خوار معنويات جيشه واضطراب جنده، فصاح عن عمد
وبصوت عال: بئس العدو الذي أصاب أصابع قدمي، فوا ألماه!
فحافظ بذلك على معنويات جيشه، لما عاد من
الميدان ربط بطنه بالحزام ربطا محكما، ثم ركب عربته ليتفقد جنوده في الثكنات
والمخيمات متحملا ذلك الألم الشديد.
بينما كان كذلك كان عدوه يترقب خبر وفاته
أو خبر جرحه الشديد من جراء إصابته الشديدة بالسهم، حتى يهجم على جيشه في الليل
إذا تحقق الخبر.
فخيّب الأمير المجروح أمل خصمه، فلما عرف
خصمه أنه لم يمت أو يصب بجرح شديد، بل تفقد جنوده في الثكنات والمخيمات، شعر خصمه
بخيبة الأمل، ولم يجرؤ على شن الهجوم الليلي المفاجئ، فحافظ الأمير المجروح على
معنويات جيشه كما حافظ على سلامة جنده، وخلّصهم من الخطر المحقق، ثم جمع الأمير
المجروح قوته بعد شفائه من الجرح، وبدأ جولات جديدة مع خصمه في ميدان القتال،
واستطاع بحيله أن يغلب خصمه وينتصر عليه أخيرا، ثم وحّد معظم أطراف بلاد الصين،
وأسّس مملكة خان المشهورة التي دام حكمها مئات السنين.
من هذا المثال يمكننا أن نستنتج أن
العظماء في التاريخ متشابهون في التفكير والتدبير ومواجهة المواقف الصعبة وتحمل
المهمام التاريخية العظيمة.
عبقريته الفذّة
في دبلوماسيته:
1 - في المدّ
والالتواء تبدو المروءة على السواء :
(من معاهدة العقير إلى معاهدة جدّة)
عاش عبدالعزيز في عصر المحن والاضطرابات،
فقد صقلت تلك الأوضاع المتحاربة والظروف القاسية مهارته الدبلوماسية، كما زادت
قدرته في البقاء والتعامل بين الدول الكبرى.
فلم يستقرّ حكم عبدالعزيز بعد أن استولى
على الأحساء المطّلة على الخليج العربي، حيث كان يتعرض للنوايا العدائية من أمامه
وخلفه.
من جانب كان الإنجليز قد بسطوا نفوذهم
إلى بعض الإمارات في الخليج، فكيف يسمحون بأن ينام غيرهم بجانب أسرّتهم؟ وبطبيعة
الحال كانوا غير مرتاحين لإنشاء دولة عربية مستقلة بجانب دائرة نفوذهم.
ومن جانب آخر كان الاتراك بعد أن أخذ منهم
عبدالعزيز الأحساء، وضمّها إلى خارطة نجد يعدونه عدوا لدودا، فهم يتربصون الفرصة،
ليعودوا إلى هذه المنطقة ، ويهاجموا عبدالعزيز من البرّ أو البحر ، ويساندوا تلك
القوة المتبقية لآل الرشيد خصم عبدالعزيز.
فلم يكن عبدالعزيز رجلا شجاعا مقداما
يعرف مهارة الهجوم والقتال في ميدان الحرب فقط، إنما كان رجلا عبقريا ذا رأي وفطنة
وشجاعة كثير الحيل، فتأمل مليا الظروف والأوضاع، وقدّر تقديرا صحيحا قوة نفسه،
وحلّل الوضع، ودرسه بصورة موضوعية، فكان يعرف حقّ المعرفة أنه لا يستطيع أن يحارب
بريطانيا وتركيا في الوقت نفسه، فكان عليه أن يحسّن العلاقة مع إحداهما.
كانت الحرب العالمية في عام 1915م تجري
بشدّة، وكان على عبدالعزيز أن يذود عن نفسه أمام الغزوات المحققة، فاتصل
بالإنجليز، وطلب منهم مساعدته على مقاومة تركيا والدفاع عن دولته كما فعلوا
ويفعلون في حماية إمارات الخليج، فوافق الإنجليز على طلبه بعد تردد قصير، لكن
عرضوا عليه بعض الشروط غير المتساوية، مقابل الاعتراف بحكم عبدالعزيز ومساعدته على
مقاومة الأتراك ، قبل عبدالعزيز هذه الشروط، وأبرم مع المندوب البريطاني معاهدة
العقير.
عندما كان عبدالعزيز في وضع ضعيف أبرم مع
بريطانيا معاهدة العقير في سبتمبر عام 1915م منطلقا من التدبير المرن مؤقتا؛
ليتجنب التحارب في جبهتين في آن واحد.
وضعت هذه المعاهدة غير المتساوية
دبلوماسية نجد تحت شبه الإشراف البريطاني؛ لأنها تنصّ على عدم السماح لعبدالعزيز
بإبرام المعاهدة أو إجراء المفاوضة مع أية دولة أجنبية دون الموافقة البريطانية،
كما تنصّ على عدم السماح له بمنح أفضلية نجد لأية دولة أخرى ما لم تحصل على موافقة
الإنجليز مسبقا.
لما دخل عبدالعزيز الحجاز بعد عشر سنوات،
ووسع خريطة المملكة، وبدأ علاقة جديدة مع دول العالم شرقا وغربا، وكانت تلك الدول
تؤيد سيادته على الحجاز وتدعم استقلاله، وهكذا فقد تغير الوضع تماما.
فاتصل الملك عبدالعزيز بالإنجليز، وطلب
منهم مناقشة معاهدة أخرى جديدة لتحلّ محل معاهدة العقير في الظروف الجديدة؛ لأنه
لا يريد أن يعلن إلغاء معاهدة العقير من جانب واحد، حرصا منه على الاحتفاظ
بالصداقة القائمة مع بريطانيا.
وافق الجانب البريطاني على اقتراح
عبدالعزيز، فجرت المفاوضة بين الجانبين بجدّة في مايو عام 1927م، وأبرم الجانبان
معاهدة جدة 20 من مايو 1927م.
كان عبدالعزيز راضيا بهذه المعاهدة التي
خلصت المملكة من وضع شبه السيطرة البريطانية، فصادق عليها، وعلق بعض الصحفيين على
هذه المعاهدة، فوصفوا بأنها المعاهدة الأولى التي أبرمت بين الدول العربية والغرب
على أساس المساواة.
وكان أهم محتويات معاهدة جدة تتمثل في
"اعتراف حكومة جلالة ملكة بريطانيا بأن جلالة ملك الحجاز ونجد وملحقاتها
يتمتع باستقلال تامّ مطلق "والإعلان بأن" المعاهدة المبرمة بين حكومة
جلالة ملكـــة بريطانيا وحكومة جلالة ملك الحجاز ونجد وملحقاتها - كان آنئذ سلطان نجد وملحقاتها - في سبتمبر عام 1915م ستلغى يوم تصبح
معاهدة جدة نافذة المفعول".
وهكذا، ألغيت معاهدة العقير، ويعد هذا
العمل انتصارا عظيما للسياسة الخارجية للملك عبدالعزيز.
ومن خلال هذه الأمثلة يمكننا أن ندرك مدى
عبقرية عبدالعزيز، ففي أثناء تحاربه مع ابن الرشيد كان يعرف كل المعرفة أن وراء
خصمه الإمبراطورية العثمانية. لذا كان يبتعد بقدر المستطاع عن إغاظة العثمانيين
الذين كانوا يومئذ أقوياء، كما كان يعرف حق المعرفة أن بريطانيا تطمع في أراضيه في
كل وقت. وبالرغم من ذلك، لكي يتجنب الحرب في جبهتين، ويقع في وضع بين فكّي
الكماشة، اتخذ سياسة "اختيار أهون الشرّين" بعد تفكير مليّ، واتحد مع
بريطانيا لمقاومة تركيا، مما أوقف توسع تركيا إلى أراضيه بعلاقته مع بريطانيا على
الرغم من هشاشتها.
وبعد أن استولى عبدالعزيز على الحجاز
اقترح على الجانب البريطاني إجراء مفاوضة جديدة حول العلاقات الثنائية في ظل
الظروف الجديدة، فجرت المفاوضة ، وأبرم الجانبان معاهدة جدّة التي تعلن إلغاء
معاهدة العقير غير المتساوية، مما وضع العلاقة السعودية البريطانية على أساس
المساواة، وضمن الاستقلال الحقيقي للمملكة.
2 - الالتزام
بالحياد في الحرب العالمية الثانية :
تمسك بالحياد، فبقيت الأماكن المقدسة
سليمة من نيران الحرب.
الاتصال بالجهات الأربع ، اللقاء مع
الزعيمين الأمريكي والبريطاني.
بدأت الحرب العالمية الثانية بهجوم هتلر
على بولونيا أول سبتمبر عام 1939م / 16 من رجب عام 1358هـ هجريا.
قررت الحكومة السعودية أن تتخذ موقف
الحياد في هذه الحرب .
وقد تناقص إيراد الحج أثناء الحرب
العالمية، فتعرضت الدولة للأزمة الاقتصادية الشديدة، مع ذلك رفضت الحكومة السعودية
طلبات وإغراءات كثيرة من هتلر وموسوليني، فقدّر الإنجليز والأمريكان موقفها تقديرا
عظيما، وقدموا للمملكة السعودية المعونة المالية والدعم بالمواد الغذائية.
كان بعض الإنجليز يعارضون تشرشل رئيس
مجلس الوزراء البريطاني على تقديم الدعم المالي للملك عبدالعزيز، بحجة أنه لم يفعل
شيئا لدول الحلفاء، فقال تشرشل قولا حكيما:
"نحن نقدم له الدعم والمعونة ليس
لأنه فعل شيئا، إنما لأن ثمة أشياء لم يفعلها!".
ذلك أن الحكومة السعودية احتفظت بحيادها
أمام تصرفات الدول الفاشية الضارة بمصلحة دول الحلف.
بالرغم من حيادها، فإنها كانت تميل إلى
دول الحلف، واتضح هذا الميل يوما بعد يوم مع اقتراب الحرب من انتهائها.
قد أعلنت المملكة حربا ضدّ دول المحور
قبل انتهاء الحرب.
وجّه رئيس جمهورية الولايات المتحدة
روزفلت دعوة إلى الملك عبدالعزيز في عام 1943م ليزور الولايات المتحدة، فاختار الملك
ابنه سمو الأمير فيصل ليزور واشنطن نيابة عنه، فزار واشنطن حيث التقى الأمير فيصل
الرئيس الأمريكي روزفلت مرتين، وأهدى له سيفاً عربيا، وأقام البيت الأبيض مأدبة
على شرف زيارته.
سافر الملك عبدالعزيز إلى مصر عام 1943م
تلبية للدعوة، حيث التقى الرئيس الأمريكي روزفلت ورئيس مجلس الوزراء البريطاني
تشرشل على البارجة الراسية في قناة السويس.
اقترح الرئيس الأمريكي روزفلت ورئيس مجلس
الوزراء البريطاني تشرشل على الملك عبدالعزيز أثناء لقائهما معه أن يعلن حربا ضد
دول المحور، حتى تكون دولته إحدى الدول المؤسسة لهيئة الأمم المتحدة، فلم يتردد
الملك عبدالعزيز في ترك موقف الحياد، وأعلن حربا ضد دول المحور؛ لأن الحرب لم تعد
لها أهمية حقيقة كبيرة، ولم تعد الحرب تحتاج إلى بذل المشتركين فيها بأثمان أو
تضحية، فقد كانت في الحقيقة الواقعة على وشك الانتهاء.
أصدرت جريدة العاصمة بيانا رسميا في
أوائل أبريل عام 1945م، جاء فيه:
"ستكون الحكومة السعودية على حالة
الحرب مع ألمانيا واليابان ابتداء من أول مايو عام 1945م، وتستثني من ذلك الأماكن
المقدسة؛ إذ لا تزال تحتفظ بالحياد، لا تهاجم غيرها كما لا تهاجم من قبل
غيرها".
وهكذا، استطاع عبدالعزيز بسياسة الحياد
الحكيمة أن يحافظ على سلامة المدينتين المقدستين، كما لم يتزعزع في الوقوف إلى
جانب الحقّ والعدل.
عبقريته الفذّة
في معاملة الناس " ملك عادل وحكيم" :
معالجة الأمور
بالعدل، فيستوي عنده الأمير والخفير :
معاملة الرعايا
بالحلم، فكلّ الناس - المقربين والمبعدين
- إخوان :
كافح عبدالعزيز كفاحا مريرا دام عشرات
السنين، فنجح في توحيد معظم أجزاء شبه الجزيرة العربية في دولة موحدة واحدة بعد أن
كانت متجزئة في دويلات.
وكانت المشكلة التي أمامه كيفية المعاملة
مع الناس الذين كانوا ينتسبون إلى قبائل وعشائر مختلفة، وكيف يعاملهم جميعا بالعدل
والمساواة.
توجه إلى المدينة المنورة بعد توحيد
البلاد لزيارة المسجد النبوي الكريم والاجتماع بأهله، وحين استقرّ به المقام بينهم
قال لهم:
"إنني أرى كبيركم والدا، وأوسطكم
أخا، وصغيركم ابنا، فكونوا يدا واحدة، وألفوا بين قلوبكم، ولتساعدوني على القيام
بالمهمة الملقاة على عاتقي، إنني في هذه البلاد العربية الإسلامية خادم للدين،
وخادم للرعية".
كان عبدالعزيز ذات مرة جالسا بين خلصائه
وصفوة أصحابه، فالتفت يمنة ويسرة ، ثم ابتسم، فسأله بعض خلصائه عن سبب ابتسامته،
فقال:
"إن سبب ابتسامتي هو أنني مددت بصري
إليكم، واستعرضتكم واحداً واحداً، فما وجدت فيكم إلاّ من كان بيني وبين أهله خصومة
وصلتْ إلى حدّ المواجهة بالسلاح والقتال العنيف الذي لا هوادة فيه.
ومع ذلك أرى لكم في نفسي منزلة من المودة
هي بمنزلة الأبناء البررة والأشقاء الأوفياء؛ فالمودة هي الأصل الكريم الذي يجري
في دمائنا، وكل ما عداه من الصغائر والتنازع يزول".
وحتى بالنسبة إلى آل الرشيد، لم يحسب
عبدالعزيز لتلك الخصومة السابقة حسابها، بل عاملهم كما عامل الأقرباء والأصدقاء،
فقال ذات مرة لآل الرشيد:
"يا آل الرشيد، اعلموا أنكم عندي
بمنزلة البنين، وأنتم في الرياض هنا تعيشون كما أعيش أنا وأولادي، وثيابكم مثل
ثيابنا، وأكلكم مثل أكلنا، وخيلكم مثل خيلنا وأزين، فهل فيكم من يشكّ في
ذلك؟!".
فتأثر آل الرشيد تأثرًا شديدا، وازدادت
طاعتهم القلبية لعبدالعزيز أكثر فأكثر، ولم يدخروا جهودهم في الكفاح مع آل سعود
جنبا إلى جنب من أجل توحيد شبه الجزيرة.
حصلت بين الأسرات خصومات وأحقاد بأسباب
تاريخية، فلم يحسب عبدالعزيز لذلك أي حساب بعد أن جلس على العرش، مما طمأن قلوب
الشعب، ووحّد صفوفه، وزاد قوته.
قال عبدالعزيز قولا حكيما: "من وفى
مع الأول يفي مع الثاني، ومن خان لك خان بك".
بعد أن استولى عبدالعزيز على الحجاز
وبويع من قبل أهلها، اعتذر أحد قادة الجيش الحجازي السابق له : "قاومناكم في
الماضي..."، فقاطع عبدالعزيز كلامه، وقال له: "لا تحاول ياولدي أن تعتذر
عن الماضي، فإني أقدر لكم على كل حال ثباتكم مع أمرائكم السابقين، فمن انضم إلينا
بسهولة لا يستبعد أن يتخلى عنا بسهولة، ومن ثبت مع غيرنا ثبت معنا أيضًا إلى
النهاية".
وكان أحـــد أبناء عبدالعزيز طفــــلا،
فاعتدى بصبيانيته على أحد حراس عبدالعزيز، لما عرف عبدالعزيز الأمرغضب غضبا شديدا،
وأمر بحبس ابنه، ثم قال لذلك الحارس :
"إن ما فعلته بابني يجب أن يكون
رادعا له ولغيره من أفراد أسرتي؛ فأنتم وأبنائي في قلبي بمنزلة واحدة".
شجاعته الفذّة :
ذكي عبقري وشجاع
مقدام، إنسان بارز وملك عظيم :
أسهم في خدمة
الوطن مدى الحياة، وانتقل إلى جوار ربّه قرير العين :
أصيب عبدالعزيز ذات مرة في فخذه برصاصتين
غير نافذتين، فلم يكترث بهما، غير أنه بعد مضي سنين على ذلك الحادث وكان قد نسيهما
شعر بألم، وحين أجرى الطبيب الكشف وجد الرصاصتين هما سبب ألمه، وقرر إجراء العملية
لاستخراجهما، فجاء في جملة ما جاء به لهذا الغرض بالمخدر.
"ماهذا؟" سأل عبدالعزيز طبيبه.
"البنج" قال الطبيب.
"ولماذا؟" .
"للتسكين، حتى لا تتألم".
"وبعد البنج ماذا تفعل؟".
"أشق الجلد بالمبضع، وأخرج
الرصاصتين، ثم أخيط الجلد".
فأخذ منه عبدالعزيز المبضع، وشقّ موضع
الرصاص، وأخرج الرصاصتين، ثم نظر إلى الطبيب قائلا:
"تستطيع الآن خياطة الجرح".
اندهش جميع من كان حوله بشجاعته النادرة
اندهاشا شديدا.
وقد حصلت في تاريخ الصين القديم قصة
مماثلة لقصة عبدالعزيز الأسطورية هذه، ففي عصر الممالك الثلاثية المتحاربة (قبل
ألفي سنة تقريبا) أصيب البطل القائد قوان يو بسهم سامّ في ذراعه الأيمن، ولما أتى
الطبيب المشهور في عصره كان القائد يلعب الشطرنج الصيني مع مساعده للتسلية وللحفاظ
على معنويات جنده، فكشف الطبيب الجرح، ووجد أن السمّ قد تسرب إلى عظام الذراع،
فإذا لم يعالج الجرح بسحب السمّ منه في أقرب وقت ممكن فسيتعرض الذراع لمصير القطع،
لذا اقترح الطبيب على القائد إجراء عملية جراحية، فوافق، وسأل الطبيب عن طريقة
علاجه، فقال له الطبيب: سننصب في مكان هادئ عمودا غليظا تسمّر عليه حلقة كبيرة،
تضع ذراعكم داخل الحلقة لنربطه بالحبل ربطا محكما، حتى لا يتحرك الذراع من شدّة
الألم، ويتسنى لي إجراء العملية الجراحية، ثم نغطي رأسكم باللحاف، ثم أشق الجرح
بالسكين الحادةّ، حتى أرى العظام، فأصفّي منها السمّ ، وأضع الدواء على العظام، ثم
أخيط الجرح، فابتسم القائد، وقال له: " هذا سهل، فأجر العملية دون العمود
والحلقة! فأنا لست أقلّ تحملا للألم من عامة الناس" .
قال هذا ، ثم مدّ ذراعه ، وأمر الطبيب
بإجراء العملية الجراحية ، على حين كان يستمرّ في لعب الشطرنج، فأخذ الطبيب
السكين، وشقّ بها الجلد فاللحم حتى رأى العظام، فبدأ يصفي السمّ منها بالسكين ،
وكان صوت السكين على العظام مسموعا، فلم يبق من حارس إلاّ وقد اصفرّ وجهه خوفا
واضطرابا من المشهد المرعب، وغطى وجهه دون أن ينظر إليه بنظرة. أما القائد قوان يو
فظلّ يلعب الشطرنج مبتسما وضاحكا، ولم يبد على وجهه أية علامة للألم طيلة العملية.
فقال الطبيب مقدرا ومتعجبا :" لم أر
طول حياتي رجلا مثلكم! وإن القائد بطل بكل معنى الكلمة"!
فلم يتخيل ذلك الطبيب الصيني
المشهورأبداً أن في بلاد الشرق سيظهر بعد ألفي سنة بطل آخر مثل القائد قوان يو
البطل الصيني الذي ظلّ يشتهر اسمه عند الخاصة والعامة في الصين والبلدان المجاورة
لها في شرقي آسيا عبر قرون وأجيال.
هذا البطل الشرقي المعاصر هو عبدالعزيز
بن عبدالرحمن أسد الصحراء وصقرها، الذي صنع بأعماله العبقرية الفذة معجزات كثيرة
ظلت تتداول على ألسنة الناس في شبه الجزيرة العربية وتنتشر في الشرق والغرب عبر
أجيال.
توفي الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن مؤسس
المملكة العربية السعودية بالطائف في اليوم التاسع من سبتمبر عام 1953م / اليوم
الثاني من ربيع الأول عام 1373هـ .
كافح الملـــك عبدالعزيز على ظهر الحصان
مدى الحياة، وسجــل مآثر بارزة؛ فاستردّ الرياض في مطلع عام 1902م، ووحد نجداً في
عام 1906م، وضم الحجاز عام 1925م، فوحد أراضي الدولة السعودية كلها ، ثم أخمد
نيران الفتنة ، وقاوم الغزاة ، ودافع عن البلاد ، وأسس المملكة العربية السعودية
في عام 1932م، فكافح أكثر من نصف قرن.
وكان أعظم مآثره تتمثل في توحيد قبائل
شبه الجزيرة العربية ودويلاتها التي كانت منفصلة كلٌّ على حدة، كرمل في الصحن لا
تتماسك في دولة موحدة واحدة، ومقاومة عدوان النفوذ الخارجي وتوسيعه، وقيادة شعب
شبه الجزيرة العربية لتوديع حالة الجهل والتخلف والتخطي به إلى عصر جديد، والتواصل
بالدول الشرقية والغربية لفتح باب شبه الجزيرة الذي ظل مغلقا منذ قرون طويلة،
منطلقا من المصالح العليا للدولة.
وخلاصة القول أن عبدالعزيز ذلك الزعيم
العبقري الفذّ رجل عادي مثلي ومثلك، وهو عادي جدا بحيث إنه لا يختلف عن عامة الناس
أي اختلاف، ولكنه في الوقت نفسه رجل أسطوري ساحر، فإن المعجزات الأسطورية العظيمة
التي حققها قد اكتسبت هالة من الصبغة السـحرية الأسطورية.
إنه ابن الصحراء، هناك من يقول بأنه حبّة
من حبات رمال الصحراء، يتلألأ في بحر الرمال الصحراوية، وتصاعد بأمته وشعبه إلى
العلو، فقد غادر الأرض، وأصبح نجما لامعا باهرا على السماء.
وهناك من يقول إنه صقر الصحراء، يحلق في
سماء الصحراء غير المتناهية، ويقول بعضهم إنه أسد الصحراء، قد اتخذ الصحراء ميدان
قتال له، إذا هاجم قهر، وإذا حارب انتصر.
إن كفاحه مدى حياته غير تاريخ شبه
الجزيرة العربية، وفتح فيها عهدا جديدا، فما كان تاريخ شبه الجزيرة العربية لولا
عبدالعزيز؟ لا أحد يجرؤ على تصور ذلك.